######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010801 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو الحسن سيد الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي الآمدي (المتوفى: 631هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 631 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الإحكام في أصول الأحكام #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010801 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10801 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10801 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد الرزاق عفيفي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله خالق الأفلاك ومدبرها، ومزينها، بالشهب الثاقبة ومنيرها، وجاعل ~~حركات السيارات دالة على اختلاف أحوال الكائنات وتدبيرها (1) ، ومظهر حكمه ~~في إبداعه لأنواع موجودات العالم وتصويرها، المتفضل بسوابغ الإنعام قليلها ~~وكثيرها. العادل فيما قضاه وأمضاه من الأحكام وتقديرها. الذي شرف نوع ~~الإنسان بالعقل الهادي إلى أدلة التوحيد وتحريرها. وأهل خاصة العلماء ~~لاستثمار أحكام الشريعة من مداركها وتقريرها (2) ، حتى استقرت قاعدة الدين، ~~وظهرت حكمته في جمعها وتحبيرها. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة منجية من صغير الموبقات ~~وكبيرها. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أزال - بواضح برهانه - وأزاح - ~~بصادق بيانه - ما ظهر من شبه الملحدة وتزويرها. صلى الله عليه وعلى آله ~~وصحابته المؤازرين له في إظهار دعوته بحدها وتشميرها، والسلام. # وبعد، فإنه لما كانت الأحكام الشرعية، والقضايا الفقهية وسائل مقاصد ~~المكلفين، ومناط مصالح الدنيا والدين، وأجل العلوم قدرا وأعلاها شرفا وذكرا ~~; لما يتعلق بها من مصالح العباد في المعاش والمعاد، كانت أولى بالالتفات ~~إليها وأجدر بالاعتماد عليها. # وحيث كان لا سبيل إلى استثمارها دون النظر في مسالكها ولا مطمع في ~~اقتناصها من غير التفات إلى مداركها، كان من اللازمات والقضايا الواجبات ~~البحث في أغوارها، والكشف عن أسرارها، والإحاطة بمعانيها، والمعرفة ~~بمبانيها حتى تذلل (3) طرق الاستثمار، وينقاد جموح غامض الأفكار؛ ولذلك كثر ~~تدآبي (4) ، وطال اغترابي في جمع فوائدها، وتحقيق فرائدها من PageV01P003 # مباحثات الفضلاء، ومطارحات النبلاء حتى لان من معركها ما استصعب على ~~المتدربين، وظهر منها ما خفي على حذاق المتبحرين، وأحطت منها بلباب ~~الألباب، واحتويت من معانيها على العجب العجاب، فأحببت أن أجمع فيها كتابا ~~حاويا لجميع مقاصد قواعد الأصول. مشتملا على حل ما انعقد من غوامضها على ~~أرباب العقول، متجنبا للإسهاب وغث الإطناب، مميطا للقشر عن اللباب خدمة (1) ~~لمولانا السلطان الملك المعظم المكرم ; سلطان الأجواد والأمجاد، أجل ~~العالم، وأفضل من تمتد إليه أعناق الهمم والعزائم، ملك أرباب الفضائل، ناقد ~~خلاص الأفاضل، باعث أموات الخواطر، ناشر رفات العلوم الدواثر بما خصه الله ms001 ~~به من الفضائل التي حاز بها قصب سبق الأولين، والمناقب التي يقف دون ~~إحصائها عد الحاصرين. فبيده زمامها، وإليه حلها وإبرامها، وبه كشف أغوارها، ~~والميز بين ظلمها وأنوارها (2) أدام الله سعادته إدامة لا تغرب طوالعها، ~~ولا تنضب مشارعها، وإن كنت في ضرب المثال كحامل تمر إلى هجر أو طل إلى مطر، ~~لكنه أقصى درجات القدر، وغاية منال أفكار البشر (3) وأرجو أن يصادف منه ~~القبول، وأن يقع منه الإغضاء عما فيه من الغفلة والذهول. # (وسميته كتاب الإحكام في أصول الأحكام) # وقد جعلته مشتملا على أربع قواعد: # الأولى: في تحقيق مفهوم أصول الفقه ومباديه. PageV01P004 # الثانية: في تحقيق الدليل السمعي وأقسامه، وما يتعلق به من لوازمه ~~وأحكامه. # الثالثة: في أحكام المجتهدين، وأحوال المفتين والمستفتين. # الرابعة: في ترجيحات طرق المطلوبات. # اللهم فيسر ختامه، وسهل إتمامه، وبصرنا بسلوك مسالك الحق اليقين، وجنبنا ~~برحمتك عن طرق الزائغين، وسلمنا من غوائل البدع. واقطع عنا علائق الطمع. ~~وآمنا يوم الخوف والجزع. إنك ملاذ القاصدين، وكهف (1) الراغبين. ### | [القاعدة الأولى في تحقيق مفهوم أصول الفقه وموضوعه وغايته وما منه استمداده] # القاعدة الأولى # في تحقيق مفهوم أصول الفقه، وتعريف موضوعه وغايته، وما فيه من البحث عنه ~~من مسائله، وما منه استمداده وتصوير مباديه، وما لا بد من سبق معرفته قبل ~~الخوض فيه. # فنقول: حق على كل من حاول تحصيل علم من العلوم أن يتصور معناه أولا بالحد ~~أو الرسم؛ ليكون على بصيرة فيما يطلبه، وأن يعرف موضوعه - وهو الشيء الذي ~~يبحث في ذلك العلم عن أحواله العارضة له - تمييزا له عن غيره، وما هو ~~الغاية المقصودة من تحصيله؛ حتى لا يكون سعيه عبثا، وما عنه البحث فيه من ~~الأحوال التي هي مسائله لتصور طلبها، وما منه استمداده لصحة إسناده عند روم ~~تحقيقه إليه، وأن يتصور مباديه التي لا بد من سبق معرفتها فيه لإمكان ~~البناء عليها. # أما مفهوم أصول الفقه، فنقول: اعلم أن قول القائل " أصول الفقه " قول ~~مؤلف من مضاف هو الأصول، ومضاف إليه هو الفقه، ولن نعرف المضاف قبل ms002 معرفة ~~المضاف إليه، فلا جرم أنه يجب تعريف معنى الفقه أولا ثم معنى الأصول ثانيا. ~~PageV01P005 # أما الفقه: ففي اللغة عبارة عن الفهم، ومنه قوله تعالى: {ما نفقه كثيرا ~~مما تقول} أي لا نفهم، وقوله تعالى: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} أي لا ~~تفهمون، وتقول العرب: فقهت كلامك، أي فهمته. # وقيل: هو العلم، والأشبه أن الفهم مغاير للعلم ; إذ الفهم عبارة عن جودة ~~الذهن من جهة تهيئته لاقتناص كل ما يرد عليه من المطالب، وإن لم يكن المتصف ~~به عالما كالعامي الفطن. وأما العلم فسيأتي تحقيقه عن قريب. وعلى هذا فكل ~~عالم فهم وليس كل فهم عالما. # وفي عرف المتشرعين: الفقه مخصوص بالعلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية ~~الفروعية بالنظر والاستدلال. # فالعلم احتراز عن الظن بالأحكام الشرعية، فإنه وإن تجوز بإطلاق اسم الفقه ~~عليه في العرف العامي، فليس فقها في العرف اللغوي والأصولي، بل الفقه العلم ~~بها أو العلم بالعمل بها بناء على الإدراك القطعي، وإن كانت ظنية في نفسها. # وقولنا: " بجملة من الأحكام الشرعية " احتراز عن العلم بالحكم الواحد أو ~~الاثنين، فإنه لا يسمى في عرفهم فقها. # وإنما لم نقل بالأحكام ; لأن ذلك يشعر بكون الفقه هو العلم بجملة ~~الأحكام، ويلزم منه أن لا يكون العلم بما دون ذلك فقها وليس كذلك. # وقولنا: (الشرعية) احتراز عما ليس بشرعي، كالأمور العقلية والحسية. # وقولنا: (الفروعية) احتراز عن العلم بكون أنواع الأدلة حججا، فإنه ليس ~~فقها في العرف الأصولي، وإن كان المعلوم حكما شرعيا نظريا لكونه غير فروعي. # وقولنا: (بالنظر والاستدلال) احتراز عن علم الله تعالى بذلك، وعلم جبريل ~~والنبي عليه السلام فيما علمه بالوحي، فإن علمهم بذلك لا يكون فقها في # PageV01P006 # العرف الأصولي ; إذ ليس طريق العلم في حقهم بذلك النظر والاستدلال. (1) ~~وأما أصول الفقه: فاعلم أن أصل كل شيء هو ما يستند تحقيق ذلك الشيء إليه. # فأصول الفقه هي أدلة الفقه وجهات دلالاتها على الأحكام الشرعية، وكيفية ~~حال المستدل بها من جهة الجملة (2) لا من جهة التفصيل، بخلاف الخاصة ~~المستعملة في آحاد ms003 المسائل الخاصة. # وأما موضوع أصول الفقه، فاعلم أن موضوع كل علم هو الشيء الذي يبحث في ذلك ~~العلم عن أحواله العارضة لذاته. # ولما كانت مباحث الأصوليين في علم الأصول لا تخرج عن أحوال الأدلة ~~الموصلة إلى الأحكام الشرعية المبحوث عنها فيه وأقسامها واختلاف مراتبها ~~وكيفية استثمار الأحكام الشرعية عنها على وجه كلي (3) كانت هي موضوع علم ~~الأصول. # وأما غاية علم الأصول، فالوصول إلى معرفة الأحكام الشرعية التي هي مناط ~~السعادة الدنيوية والأخروية. # وأما مسائله، فهي أحوال الأدلة المبحوث عنها فيه مما عرفناه. # وأما ما منه استمداده، فعلم الكلام والعربية والأحكام الشرعية. # أما علم الكلام، فلتوقف العلم بكون أدلة الأحكام مفيدة لها شرعا على ~~PageV01P007 # معرفة الله تعالى وصفاته، وصدق رسوله فيما جاء به، وغير ذلك مما لا يعرف ~~في غير علم الكلام. # وأما علم العربية، فلتوقف معرفة دلالات الأدلة اللفظية من الكتاب والسنة ~~وأقوال أهل الحل والعقد من الأمة على معرفة موضوعاتها لغة من جهة: الحقيقة، ~~والمجاز، والعموم، والخصوص، والإطلاق، والتقييد، والحذف، والإضمار، ~~والمنطوق، والمفهوم، والاقتضاء، والإشارة، والتنبيه، والإيماء، وغيره مما ~~لا يعرف في غير علم العربية. # وأما الأحكام الشرعية، فمن جهة أن الناظر في هذا العلم إنما ينظر في أدلة ~~الأحكام الشرعية، فلا بد أن يكون عالما بحقائق الأحكام (1) ليتصور القصد ~~إلى إثباتها ونفيها، وأن يتمكن بذلك من إيضاح المسائل بضرب الأمثلة وكثرة ~~الشواهد، ويتأهل بالبحث فيها للنظر والاستدلال. # ولا نقول: إن استمداده من وجود هذه الأحكام ونفيها في آحاد المسائل، ~~فإنها من هذه الجهة لا ثبت لها بغير أدلتها، فلو توقفت الأدلة على معرفتها ~~من هذه الجهة كان دورا ممتنعا. # وأما مبادئه، فاعلم أن مبادئ كل علم هي التصورات والتصديقات المسلمة في ~~ذلك العلم، وهي غير مبرهنة فيه ; لتوقف مسائل ذلك العلم عليها، وسواء كانت ~~مسلمة في نفسها كمبادئ العلم الأعلى (2) أو غير مسلمة في نفسها، بل مقبولة ~~على سبيل المصادرة أو الوضع، على أن تبرهن في علم أعلى من ذلك العلم، وما ~~هذه المبادئ في علم الأصول؟ فنقول: ms004 # قد عرف أن استمداد علم أصول الفقه إنما هو من: الكلام والعربية والأحكام ~~الشرعية، فمبادئه غير خارجة عن هذه الأقسام الثلاثة، فلنرسم في كل مبدأ ~~قسما: PageV01P008 ### | [القسم الأول في المبادئ الكلامية] # القسم الأول # في المبادئ الكلامية # فنقول: اعلم أنه لما كانت أصول الفقه هي أدلة الفقه، وكان الكلام فيها ~~مما يحوج إلى معرفة الدليل، وانقسامه إلى ما يفيد العلم أو الظن، وكان ذلك ~~مما لا يتم دون النظر، دعت الحاجة إلى تعريف معنى الدليل، والنظر والعلم ~~والظن من جهة التحديد والتصوير لا غير. # أما الدليل، فقد يطلق في اللغة بمعنى الدال، وهو الناصب للدليل. # وقيل: هو الذاكر للدليل، وقد يطلق على ما فيه دلالة وإرشاد، وهذا هو ~~المسمى دليلا في عرف الفقهاء، وسواء كان موصلا إلى علم أو ظن. # والأصوليون يفرقون بين ما أوصل إلى العلم، وما أوصل إلى الظن، فيخصون اسم ~~الدليل بما أوصل إلى العلم، واسم الأمارة بما أوصل إلى الظن. (1) وعلى هذا ~~فحده على أصول الفقهاء: أنه الذي يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب ~~خبري. # فالقيد الأول: احتراز عما لم يتوصل به إلى المطلوب لعدم النظر فيه، فإنه ~~لا يخرج بذلك عن كونه دليلا لما كان التوصل به ممكنا. # والقيد الثاني: احتراز عما إذا كان الناظر في الدليل بنظر فاسد. # والثالث: احتراز عن الحد الموصل إلى العلم التصوري، وهو عام للقاطع ~~والظني. # وأما حده على العرف الأصولي، فهو ما يمكن التوصل به إلى العلم بمطلوب ~~خبري، وهو منقسم: إلى عقلي محض، وسمعي محض، ومركب من الأمرين. PageV01P009 # فالأول كقولنا في الدلالة على حدوث العالم: العالم مؤلف، وكل مؤلف حادث ~~فيلزم عنه العالم حادث. (1) والثاني: كالنصوص من الكتاب والسنة والإجماع ~~والقياس، كما يأتي تحقيقه. # والثالث: كقولنا في الدلالة على تحريم النبيذ: النبيذ مسكر، وكل مسكر ~~حرام - لقوله عليه السلام: ( «كل مسكر حرام» ) - فيلزم عنه النبيذ حرام. ~~(2) وأما النظر، فإنه قد يطلق في اللغة بمعنى الانتظار، وبمعنى الرؤية ~~بالعين، والرأفة، والرحمة، والمقابلة، والتفكر، والاعتبار. وهذا الاعتبار ~~الأخير هو ms005 المسمى بالنظر في عرف المتكلمين. # وقد قال القاضي أبو بكر في حده: " هو الفكر الذي يطلب به من قام به علما ~~أو ظنا. # وقد احترز بقوله: " يطلب به " عن الحياة وسائر الصفات المشروطة بالحياة، ~~فإنها لا يطلب بها ذلك وإن كان من قامت به يطلبه، وقصد بقوله: (علما أو ~~ظنا) التعميم للعلم والظن ; ليكون الحد جامعا، وهو حسن، غير أنه يمكن أن ~~يعبر عنه بعبارة أخرى لا يتجه عليها من الإشكالات ما قد يتجه على عبارة ~~القاضي، على ما بيناه في (أبكار الأفكار) وهو أن يقال: النظر عبارة عن ~~التصرف بالعقل في الأمور السابقة بالعلم والظن. . المناسبة للمطلوب بتأليف ~~خاص قصدا لتحصيل ما ليس حاصلا في العقل، وهو عام للنظر المتضمن للتصور ~~والتصديق، والقاطع والظني. # وهو منقسم إلى ما وقف الناظر فيه على وجه دلالة الدليل على المطلوب ~~PageV01P010 # فيكون صحيحا، وإلى ما ليس كذلك فيكون فاسدا. وشرط وجوده مطلقا: العقل، ~~وانتفاء أضداده من النوم والغفلة والموت، وحصول العلم بالمطلوب، وغير ذلك. # وأما العلم، فقد اختلف المتكلمون في تحديده فمنهم من زعم أنه لا سبيل إلى ~~تحديده، لكن اختلف هؤلاء فمنهم من قال: بيان طريق تعريفه إنما هو بالقسمة ~~والمثال كإمام الحرمين والغزالي، وهو غير سديد، فإن القسمة إن لم تكن مفيدة ~~لتمييزه عما سواه فليست معرفة له، وإن كانت مميزة له عما سواه، فلا معنى ~~للتحديد بالرسم سوى هذا. # ومنهم من زعم أن العلم بالعلم ضروري غير نظري ; لأن كل ما سوى العلم لا ~~يعلم إلا بالعلم، فلو علم العلم بالغير كان دورا؛ ولأن كل أحد يعلم وجود ~~نفسه ضرورة، والعلم أحد تصورات هذا التصديق فكان ضروريا، وهو أيضا غير ~~سديد. أما الوجه الأول: فلأن جهة توقف غير العلم على العلم من جهة كون ~~العلم إدراكا له، وتوقف العلم على الغير لا من جهة كون ذلك الغير إدراكا ~~للعلم، بل من جهة كونه صفة مميزة له عما سواه، ومع اختلاف جهة التوقف فلا ~~دور. وأما الوجه الثاني: فهو مبني على ms006 أن تصورات القضية الضرورية لا بد وأن ~~تكون ضرورية، وليس كذلك لأن القضية الضرورية هي التي يصدق العقل بها بعد ~~تصور مفرداتها من غير توقف بعد تصور المفردات على نظر واستدلال، وسواء كانت ~~التصورات ضرورية أو نظرية. # ومنهم من سلك في تعريفه التحديد، وقد ذكر في ذلك حدود كثيرة أبطلناها في ~~(أبكار الأفكار) والمختار في ذلك أن يقال: (العلم عبارة عن صفة يحصل بها ~~لنفس المتصف بها التمييز بين حقائق المعاني الكلية حصولا لا يتطرق إليه ~~احتمال نقيضه) . # فقولنا: (صفة) كالجنس له ولغيره من الصفات، وقولنا: (يحصل بها التميز) ~~احتراز عن الحياة، وسائر الصفات المشروطة بالحياة. وقولنا: (بين حقائق # PageV01P011 # الكليات) احتراز عن الإدراكات الجزئية، فإنها إنما تميز بين المحسوسات ~~الجزئية دون الأمور الكلية، وإن سلكنا مذهب الشيخ أبي الحسن في أن ~~الإدراكات نوع من العلم، لم نحتج إلى التقييد بالكليات. # وهو منقسم إلى قديم (1) لا أول لوجوده، وإلى حادث بعد العدم، والحادث ~~ينقسم إلى: ضروري، وهو العلم الحادث الذي لا قدرة للمكلف على تحصيله بنظر ~~واستدلال، فقولنا: (العلم الحادث) احتراز عن علم الله تعالى. (2) ، وقولنا: ~~(لا قدرة للمكلف على تحصيله بنظر واستدلال) احتراز عن العلم النظري، ~~والنظري هو العلم الذي تضمنه النظر الصحيح. # وأما الظن فعبارة عن ترجح أحد الاحتمالين في النفس على الآخرة من غير ~~القطع. PageV01P012 ### | [القسم الثاني في المبادئ اللغوية] ### | [الأصل الأول في أنواعه] # القسم الثاني # في المبادئ اللغوية # كنا بينا فيما تقدم وجه استمداد الأصول من اللغة فلا بد من تعريف المبادئ ~~المأخوذة منها، ولنقدم على ذلك مقدمة فنقول: # اعلم أنه لما كان نوع الإنسان أشرف موجود في عالم السفليات ; لكونه ~~مخلوقا لمعرفة الله تعالى التي هي أجل المطلوبات وأسنى المرغوبات، بما خصه ~~الله به من العقل الذي به إدراك المعقولات، والميز بين حقائق الموجودات على ~~ما قال عليه السلام حكاية عن ربه: ( «كنت كنزا لم أعرف، فخلقت خلقا لأعرف ~~به» . (1) ولما كان هذا المقصود لا يتم دون الاطلاع على المقدمات النظرية ~~المستندة إلى القضايا الضرورية، المتوسل ms007 بها إلى مطلوباته وتحقيق حاجاته، ~~وكان كل واحد لا يستقل بتحصيل معارفه بنفسه وحده دون معين ومساعد له من ~~نوعه، دعت الحاجة إلى نصب دلائل يتوصل بها كل واحد إلى معرفة ما في ضمير ~~الآخر من المعلومات المعينة له في تحقيق غرضه، وأخف ما يكون من ذلك ما كان ~~من الأفعال الاختيارية، وأخف ما يكون من ذلك ما كان منها لا يفتقر إلى ~~الآلات والأدوات ولا فيه ضرر الازدحام ولا بقاء له مع الاستغناء عنه، وهو ~~مقدور عليه في كل الأوقات من غير مشقة ولا نصب، وذلك هو ما يتركب من ~~المقاطع الصوتية التي خص بها نوع الإنسان دون سائر أنواع الحيوان عناية من ~~الله تعالى به. # ومن اختلاف تركيبات المقاطع الصوتية حدثت الدلائل الكلامية والعبارات ~~اللغوية. PageV01P013 # وهي إما أن لا تكون موضوعة لمعنى، أو هي موضوعة. # والقسم الأول مهمل لا اعتبار به، والثاني يستدعي النظر في أنواعه، ~~وابتداء وضعه وطريق معرفته، فهذان أصلان لا بد من النظر فيهما. # الأصل الأول # في أنواعه وهي نوعان # وذلك لأنه إما أن يكون اللفظ الدال بالوضع مفردا أو مركبا. # الأول: في المفرد، وفيه ستة فصول. ### | [أن يكون اللفظ الدال بالوضع مفردا] ### | [الفصل الأول في حقيقته] # الفصل الأول # في حقيقته # أما حقيقته فهو ما دل بالوضع على معنى، ولا جزء له يدل على شيء أصلا كلفظ ~~الإنسان، فإن (إن) من قولنا إنسان، وإن دلت على الشرطية فليست إذ ذاك جزءا ~~من لفظ الإنسان، وحيث كانت جزءا من لفظ الإنسان لم تكن شرطية ; لأن دلالات ~~الألفاظ ليست لذواتها، بل هي تابعة لقصد المتكلم وإرادته، ونعلم أن المتكلم ~~حيث جعل (إن) شرطية لم يقصد جعلها غير شرطية، وعلى هذا فعبد الله إن جعل ~~علما على شخص كان مفردا، وإن قصد به النسبة إلى الله تعالى بالعبودية كان ~~مركبا لدلالة أجزائه على أجزاء معناه. # PageV01P014 ### | [الفصل الثاني في أقسام دلالته] # الفصل الثاني # في أقسام دلالته # وهو إما أن تكون دلالته لفظية أو غير لفظية، واللفظية إما أن تعتبر ms008 ~~بالنسبة إلى كمال المعنى الموضوع له اللفظ، أو إلى بعضه، فالأول: دلالة ~~المطابقة كدلالة لفظ الإنسان على معناه. والثاني: دلالة التضمن كدلالة لفظ ~~الإنسان على ما في معناه من الحيوان أو الناطق. (1) ، والمطابقة أعم من ~~التضمن؛ لجواز أن يكون المدلول بسيطا لا جزء له. # وأما غير اللفظية، فهي دلالة الالتزام، وهي أن يكون اللفظ له معنى، وذلك ~~المعنى له لازم من خارج، فعند فهم مدلول اللفظ من اللفظ ينتقل الذهن من ~~مدلول اللفظ إلى لازمه، ولو قدر عدم هذا الانتقال الذهني لما كان ذلك ~~اللازم مفهوما، ودلالة الالتزام وإن شاركت دلالة التضمن في افتقارهما إلى ~~نظر عقلي يعرف اللازم في الالتزام، والجزء في دلالة التضمن، غير أنه في ~~التضمن لتعريف كون الجزء داخلا في مدلول اللفظ، وفي الالتزام لتعريف كونه ~~خارجا عن مدلول اللفظ، فلذلك كانت دلالة التضمن لفظية بخلاف دلالة ~~الالتزام، ودلالة الالتزام مساوية لدلالة المطابقة ضرورة (2) امتناع خلو ~~مدلول اللفظ المطابق عن لازم، وأعم من دلالة التضمن ; لجواز أن يكون اللازم ~~لما لا جزء له. PageV01P015 ### | [الفصل الثالث في أقسام المفرد] # الفصل الثالث # في أقسام المفرد # وهو إما أن يصح جعله أحد جزأي القضية الخبرية التي هي ذات جزأين فقط، أو ~~لا يصح. # فإن كان الأول، فإما أن يصح تركب القضية الخبرية من جنسه أو لا يصح، فإن ~~كان الأول فهو الاسم، وإن كان الثاني فهو الفعل. # وأما قسيم القسم الأول، فهو الحرف. # ولا يلزم على ما ذكرناه الأسماء النواقص كالذي والتي، والمضمرات كهو وهي، ~~حيث إنه لا يمكن جعلها أحد جزأي القضية الخبرية عند تجردها، ولا تركب ~~القضية الخبرية منها ; لأنها وإن تعذر ذلك فيها عند تجردها فالنواقص عند ~~تعينها بالصلة لا يمتنع ذلك منها، وكذلك المضمرات عند إضافتها إلى المظهرات ~~بخلاف الحروف. ### | [الفصل الرابع في الاسم] ### | [القسمة الأولى أنه إما أن يكون بحيث يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون أو لا يصح] # الفصل الرابع # في الاسم # وهو ما دل على معنى في نفسه، ولا يلزم منه الزمان ms009 الخارج عن معناه ~~لبنيته، ثم لا يخلو إما أن يكون واحدا أو متعددا، فإن كان واحدا فمسماه إما ~~أن يكون واحدا أو متعددا، فإن كان واحدا فمفهومه منقسم على وجوه: # القسمة الأولى: أنه إما أن يكون بحيث يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون أو ~~لا يصح، فإن كان الأول فهو كلي، وسواء وقعت فيه الشركة بالفعل ما بين أشخاص ~~متناهية كاسم الكوكب، أو غير متناهية كاسم الإنسان، أو لم تقع إما لمانع من ~~خارج كاسم العالم (1) والشمس والقمر، أو بحكم الاتفاق كاسم عنقاء مغرب أو ~~جبل من ذهب. PageV01P016 # وهو إما أن يكون صفة أو لا يكون صفة، والصفة كالعالم والقادر، وما ليس ~~بصفة إما أن يكون عينا كالإنسان والفرس، وإما معنى كالعلم والجهل. وما كان ~~من هذه الأسماء لا اختلاف في مدلوله بشدة ولا ضعف ولا تقدم وتأخر، فهو ~~المتواطئ كلفظ الإنسان والفرس، وإلا فمشكك كلفظ الوجود والأبيض. # وعلى كل تقدير إما أن يكون ذاتيا للمشتركات فيه أو عرضيا. # فإن كان ذاتيا، فالمشتركات فيه إما أن تكون مختلفة بالذوات أو بالعرض، ~~فإن كان الأول فإما أن يقال عليها في جواب (ما هي) فهو الجنس أو لا يقال ~~كذلك، فهو ذاتي مشترك إما جنس جنس، أو فصل فصل، وإن كانت مختلفة بالعرض ~~فإما أن يقال عليها في جواب (ما) أو لا، والأول هو النوع والثاني هو فصل ~~النوع. # وإن كان عرضيا فإن كانت المشتركات مختلفة بالذوات فهو العرض العام، وإلا ~~فهو الخاصة. # وأما إن كان مفهومه غير صالح لاشتراك كثيرين فيه فهو الجزئي، وهو إما أن ~~لا يكون فيه تأليف أو فيه. # والأول إما أن لا يكون مرتجلا، أو هو مرتجل. # فإن لم يكن مرتجلا فإما أن لا يكون منقولا كزيد وعمرو، أو هو منقول، ~~والمنقول إما عن اسم أو فعل أو صوت. # فإن كان الأول فإما عن اسم عين كأسد وعقاب، أو اسم معنى كفضل، أو اسم صفة ~~كحاتم. وإن كان الثاني فإما عن ماض كشمر، أو مضارع كتغلب، أو ms010 فعل أمر ~~كاصمت. وإن كان الثالث كببة. (1) PageV01P017 # وإن كان مرتجلا وهو أن لا يكون بينه وبين ما نقل عنه مناسبة كحمدان. # وإن كان مؤلفا فإما من اسمين مضافين كعبد الله، أو غير مضافين وأحدهما ~~عامل في الآخر أو غير عامل. والأول كتسمية بعض الناس زيد منطلق، والثاني ~~كبعلبك وحضرموت، وإما من فعلين كقام قعد، وإما من حرفين كتسميته إنما، وإما ~~من اسم وفعل نحو تأبط شرا، وإما من حرف واسم كتسميته بزيد، وإما من فعل ~~وحرف كتسميته قام علي. # وأما إن كان الاسم واحدا والمسمى مختلفا، فإما أن يكون موضوعا على الكل ~~حقيقة بالوضع الأول، أو هو مستعار في بعضها. # فإن كان الأول فهو المشترك، وسواء كانت المسميات متباينة كالجون (1) ~~للسواد والبياض، أو غير متباينة، كما إذا أطلقنا اسم الأسود على شخص من ~~الأشخاص بطريق العلمية، وأطلقناه عليه بطريق الاشتقاق من السواد القائم به، ~~فإن مدلوله عند كونه علما إنما هو ذات الشخص، ومدلوله عند كونه مشتقا الذات ~~مع الصفة وهي السواد، فالذات التي هي مدلول العلم جزء من مدلول اللفظ ~~المشتق، ومدلول اللفظ المشتق وصف لمدلول العلم. # وإن كان الثاني فهو المجازي. # وأما إن كان الاسم متعددا، فإما أن يكون المسمى متحدا أو متعددا، فإن كان ~~متحدا فتلك هي الأسماء المترادفة كالبهتر والبحتر للقصير (2) ، وإن كان ~~المسمى متعددا فتلك هي الأسماء المتباينة كالإنسان والفرس. # مسائل هذه القسمة ثلاث: PageV01P018 ### | [المسألة الأولى اللفظ المشترك هل له وجود في اللغة] # المسألة الأولى # اختلف الناس في اللفظ المشترك (1) ، هل له وجود في اللغة، فأثبته قوم ~~ونفاه آخرون، والمختار جوازه ووقوعه. # أما الجواز العقلي فهو أنه لا يمتنع عقلا أن يضع واحد من أهل اللغة لفظا ~~واحدا على معنيين مختلفين بالوضع الأول على طريق البدل ويوافقه عليه ~~الباقون، أو أن يتفق وضع إحدى القبيلتين للاسم على معنى حقيقة، ووضع الأخرى ~~له بإزاء معنى آخر من غير شعور لكل واحدة بما وضعته الأخرى، ثم يشتهر ~~الوضعان ويخفى سببه وهو الأشبه، ولو قدر ذلك لما لزم ms011 من فرض وقوعه محال ~~عقلا، كيف وإن وضع اللفظ تابع لغرض الواضع، والواضع كما أنه قد يقصد تعريف ~~الشيء لغيره مفصلا فقد يقصد تعريفه مجملا غير مفصل؛ إما لأنه علمه كذلك ولم ~~يعلمه مفصلا، أو لمحذور يتعلق بالتفصيل دون الإجمال، فلا يبعد لهذه الفائدة ~~منهم وضع لفظ يدل عليه من غير تفصيل. # وأما بيان الوقوع فقد قال قوم: إنه لو لم تكن الألفاظ المشتركة واقعة في ~~اللغة مع أن المسميات غير متناهية والأسماء متناهية ضرورة تركبها من الحروف ~~المتناهية ; لخلت أكثر المسميات عن الألفاظ الدالة عليها مع دعوة الحاجة ~~إليها، وهو ممتنع وغير سديد من حيث إن الأسماء وإن كانت مركبة من الحروف ~~المتناهية فلا يلزم أن تكون متناهية، إلا أن يكون ما يحصل من تضاعيف ~~التركيبات متناهية وهو غير مسلم. # وإن كانت الأسماء متناهية فلا نسلم أن المسميات المتضادة والمختلفة - وهي ~~التي يكون اللفظ مشتركا بالنسبة إليها - غير متناهية. PageV01P019 # وإن كانت غير متناهية، غير أن وضع الأسماء على مسمياتها مشروط بكون كل ~~واحد من المسميات مقصودا بالوضع وما لا نهاية له مما يستحيل فيه ذلك، ولئن ~~سلمنا أنه غير ممتنع، ولكن لا يلزم من ذلك الوضع. # ولهذا فإن كثيرا من المعاني لم تضع العرب بإزائها ألفاظا تدل عليها لا ~~بطريق الاشتراك ولا التفصيل كأنواع الروائح وكثير من الصفات. # وقال أبو الحسين البصري: " أطلق أهل اللغة اسم القرء على الطهر والحيض ~~وهما ضدان، فدل على وقوع الاسم المشترك في اللغة ". (1) ولقائل أن يقول: ~~القول بكونه مشتركا غير منقول عن أهل الوضع، بل غاية المنقول اتحاد الاسم ~~وتعدد المسمى، ولعله أطلق عليهما باعتبار معنى واحد مشترك بينهما، لا ~~باعتبار اختلاف حقيقتهما، أو أنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، وإن خفي ~~موضع الحقيقة والمجاز، وهذا (2) هو الأولى. # إما بالنظر إلى الاحتمال الأول، فلما فيه من نفي التجوز والاشتراك. # وإما بالنظر إلى الاحتمال الثاني؛ فلأن التجوز أولى من الاشتراك كما يأتي ~~في موضعه. # والأقرب في ذلك أن يقال: اتفق إجماع الكل على ms012 إطلاق اسم الموجود على ~~القديم (3) والحادث حقيقة، ولو كان مجازا في أحدهما لصح نفيه إذ هو أمارة ~~المجاز وهو ممتنع، وعند ذلك فإما أن يكون اسم الموجود دالا على ذات الرب ~~تعالى، أو على صفة زائدة على ذاته، فإن كان الأول فلا يخفى أن ذات الرب ~~تعالى مخالفة بذاتها لما سواها من الموجودات الحادثة (4) ، وإلا لوجب ~~الاشتراك بينها وبين ما شاركها في معناها في الوجوب (5) ضرورة التساوي في ~~مفهوم PageV01P020 # الذات (1) وهو محال. وإن كان مدلول اسم الوجود صفة زائدة على ذات الرب ~~تعالى، فإما أن يكون المفهوم منه هو المفهوم من اسم الوجود في الحوادث وإما ~~خلافه، والأول يلزم منه أن يكون مسمى الوجود في الممكن واجبا لذاته ضرورة ~~أن وجود الباري تعالى واجب لذاته، أو أن يكون وجود الرب ممكنا ضرورة إمكان ~~وجود ما سوى الله تعالى وهو محال، وإن كان الثاني لزم منه الاشتراك وهو ~~المطلوب. # فإن قيل: المقصود من وضع الألفاظ إنما هو التفاهم وذلك غير متحقق مع ~~الاشتراك من حيث إن فهم المدلول منه ضرورة تساوي النسبة (2) غير معلوم من ~~اللفظ والقرائن فقد تظهر وقد تخفى، وبتقدير خفائها يختل المقصود من الوضع ~~وهو الفهم. # قلنا: وإن اختل فهم التفصيل على ما ذكروه فلا يختل معه الفهم في جهة ~~الجملة كما سبق تقريره، وليس فهم التفصيل لغة من الضروريات بدليل وضع أسماء ~~الأجناس، فإنها لا تفيد تفاصيل ما تحتها، وإن سلمنا أن الفائدة المطلوبة ~~إنما هي PageV01P021 # فهم التفصيل، فإنما يمنع ذلك من وضع الألفاظ المشتركة إن لو لم تكن مفيدة ~~لجميع مدلولاتها بطريق العموم، وليس كذلك على ما ذهب إليه القاضي والشافعي ~~رضي الله عنه كما سيأتي تحقيقه. (1) وإذا عرف وقوع الاشتراك لغة، فهو أيضا ~~واقع في كلام الله تعالى، والدليل عليه قوله تعالى: {والليل إذا عسعس} فإنه ~~مشترك بين إقبال الليل وإدباره، وهما ضدان، هكذا ذكره صاحب الصحاح. # وما يقوله المانع لذلك " من أن المشترك إن كان المقصود منه الإفهام، فإن ~~وجد معه البيان فهو تطويل ms013 من غير فائدة، وإن لم يوجد فقد فات المقصود، وإن ~~لم يكن المقصود منه الإفهام فهو عبث، وهو قبيح، فوجب صيانة كلام الله عنه " ~~فهو مبني على الحسن والقبح الذاتي العقلي، وسيأتي إبطاله. (2) كيف وقد بينا ~~أن مذهب الشافعي والقاضي أبي بكر: أن المشترك نوع من أنواع العموم، والعام ~~غير ممتنع في كلام الله تعالى، وبتقدير عدم عمومه فلا يمتنع أن يكون في ~~الخطاب به فائدة لنيل الثواب بالاستعداد لامتثاله بتقدير بيانه بظهور دليل ~~يدل على تعيين البعض، وإبطال جميع الأقسام سوى الواحد منها. ### | [المسألة الثانية ظن في أشياء أنها مشتركة وهي متواطئة] # المسألة الثانية # قد ظن في أشياء أنها مشتركة (3) وهي متواطئة (4) ، وفي أشياء أنها ~~متواطئة وهي مشتركة. # أما الأول: فكقولنا " مبدأ " للنقطة، والآن فإنه لما اختلف الموضوع ~~المنسوب إليه وهو الزمان والخط ظن الاشتراك في اسم المبدأ وليس كذلك، فإن ~~إطلاق اسم المبدأ عليهما إنما كان بالنظر إلى أن كل واحد منهما أول لشيء لا ~~من حيث هو أول للزمان أو الخط، وهو من هذا الوجه متواطئ وليس بمشترك. ~~PageV01P022 # وأما الثاني فكقولنا " خمري " للون الشبيه بلون الخمر، وللعنب باعتبار ~~أنه يؤول إلى الخمر، وللدواء إذا كان يسكر كالخمر أو أن الخمر جزء منه، ~~فإنه لما اتحد المنسوب إليه وهو الخمر ظن أنه متواطئ وليس كذلك، فإن اسم ~~الخمري وإن اتحد المنسوب إليه إنما كان بسبب النسب المختلفة إليه ومع ~~الاختلاف فلا تواطؤ. نعم لو أطلق اسم الخمري في هذه الصور باعتبار ما وقع ~~به الاشتراك من عموم النسبة وقطع النظر عن خصوصياتها كان متواطئا. ### | [المسألة الثالثة الترادف في اللغة] # المسألة الثالثة # ذهب شذوذ من الناس إلى امتناع وقوع الترادف في اللغة مصيرا منهم إلى أن ~~الأصل عند تعدد الأسماء تعدد المسميات واختصاص كل اسم بمسمى غير مسمى ~~الآخر، وبيانه من أربعة أوجه: # الأول: أنه يلزم من اتحاد المسمى تعطيل فائدة أحد اللفظين لحصولها باللفظ ~~الآخر. # الثاني: أنه لو قيل باتحاد المسمى فهو نادر بالنسبة إلى المسمى المتعدد ~~بتعدد ms014 الأسماء، وغلبة استعمال الأسماء بإزاء المسميات المتعددة تدل على أنه ~~أقرب إلى تحصيل مقصود أهل الوضع من وضعهم. # فاستعمال الألفاظ المتعددة فيما هو على خلاف الغالب خلاف الأصل. # الثالث: أن المؤونة في حفظ الاسم الواحد أخف من حفظ الاسمين، والأصل إنما ~~هو التزام أعظم (1) المشتقين لتحصيل أعظم الفائدتين. # الرابع: أنه إذا اتحد الاسم دعت حاجة الكل إلى معرفته مع خفة المؤونة في ~~حفظه فعمت فائدة التخاطب به، ولا كذلك إذا تعددت الأسماء فإن كل واحد على ~~أمرين: بين أن يحفظ مجموع الأسماء، أو البعض منها، والأول شاق جدا وقلما ~~يتفق ذلك، والثاني فيلزم منه الإخلال بفائدة التخاطب لجواز اختصاص كل واحد ~~بمعرفة اسم لا يعرفه الآخر. PageV01P023 # وجوابه أن يقال: لا سبيل إلى إنكار الجواز العقلي، فإنه لا يمتنع عقلا أن ~~يضع واحد لفظين على مسمى واحد ثم يتفق الكل عليه، أو أن تضع إحدى القبيلتين ~~أحد الاسمين على مسمى وتضع الأخرى له اسما آخر من غير شعور كل قبيلة بوضع ~~الأخرى، ثم يشيع الوضعان بعد بذلك، كيف وذلك جائز بل واقع بالنظر إلى لغتين ~~ضرورة فكان جائزا بالنظر إلى قبيلتين. # قولهم في الوجه الأول " لا فائدة في أحد الاسمين " ليس كذلك، فإنه يلزم ~~منه التوسعة في اللغة وتكثير الطرق المفيدة للمطلوب، فيكون أقرب إلى الوصول ~~إليه حيث إنه لا يلزم من تعذر حصول أحد الطريقين تعذر الآخر، بخلاف ما إذا ~~اتحد الطريق، وقد يتعلق به فوائد أخر في النظم والنثر بمساعدة أحد اللفظين ~~في الحرف الروي ووزن البيت والجناس والمطابقة والخفة في النطق به، إلى غير ~~ذلك من المقاصد المطلوبة لأرباب الأدب وأهل الفصاحة. # وما ذكروه في الوجه الثاني فغير مانع من وقوع الترادف، بدليل الأسماء ~~المشتركة والمجازية. # وما ذكروه في الوجه الثالث، فإنما يلزم المحذور منه وهو زيادة مؤونة ~~الحفظ، إن لو وظف على كل واحد حفظ جميع المترادفات وليس كذلك، بل هو مخير ~~في حفظ الكل أو البعض (1) مع ما فيه من الفائدة التي ذكرناها. # وعن الوجه الرابع، ms015 أنه ملغى بالترادف في لغتين، كيف وإنه يلزم من الإخلال ~~بالترادف الإخلال بما ذكرناه من المقاصد أولا وهو محذور. # ثم الدليل على وقوع الترادف في اللغة، ما نقل عن العرب من قولهم " الصهلب ~~والشوذب من أسماء الطويل، والبهتر والبحتر من أسماء القصير " إلى غير ذلك. # ولا دليل على امتناع ذلك حتى يتبع ما يقوله من يتعسف في هذا الباب في ~~بيان اختلاف المدلولات، لكنه ربما خفي بعض الألفاظ المترادفة وظهر البعض، ~~فيجعل الأشهر بيانا للأخفى وهو الحد اللفظي. PageV01P024 # وقد ظن بأسماء أنها مترادفة وهي متباينة، وذلك عندما إذا كانت الأسماء ~~لموضوع واحد باعتبار صفاته المختلفة كالسيف والصارم والهندي، أو باعتبار ~~صفته وصفة صفته كالناطق والفصيح وليس كذلك. # ويفارق المرادف المؤكد من جهة أن اللفظ المرادف لا يزيد مرادفه إيضاحا، ~~ولا يشترط تقدم أحدهما على الآخر، ولا يرادف الشيء بنفسه بخلاف المؤكد. ~~والتابع في اللفظ فمخالف لهما فإنه لا بد وأن يكون على وزن المتبوع، وأنه ~~قد لا يفيد معنى أصلا كقولهم: حسن بسن، وشيطان ليطان، ولهذا قال ابن دريد: ~~سألت أبا حاتم عن معنى قولهم " بسن " فقال: ما أدري ما هو. ### | [القسمة الثانية الاسم ينقسم إلى ظاهر ومضمر وما بينهما] # القسمة الثانية # الاسم ينقسم إلى ظاهر ومضمر وما بينهما، وذلك لأنه إما أن يقصد به البيان ~~مع الاختصار أو لا مع الاختصار # فالأول هو الظاهر # والثاني: إما أن لا يقصد معه التنبيه أو يقصد، فالأول هو المضمر، والثاني ~~ما بينهما. # فأما الاسم الظاهر، إما أن لا يكون آخره ألفا ولا ياء قبلها كسرة أو ~~يكون. # فالأول هو الاسم الصحيح، فإن دخله حركة الجر مع التنوين فهو المنصرف كزيد ~~وعمرو، وإن لم يكن كذلك فهو غير منصرف كأحمد وإبراهيم. # والثاني هو المعتل، فإن كان في آخره ياء قبلها كسرة فهو المنقوص كالقاضي ~~والداعي، وإن كان في آخره ألف فهو المقصور كالدنيا والأخرى، وإن كان في ~~آخره همزة قبلها ألف فهو الممدود كالرداء والكساء. # وأما المضمر، فهو إما منفصل وإما متصل، والمنفصل ms016 نحو: أنا ونحن وهو وهي ~~ونحوه، والمتصل نحو: فعلت وفعلنا، وما بينهما فهو اسم الإشارة. # وهو إما أن يكون مفردا ليس معه تنبيه ولا خطاب، أو يكون. # PageV01P025 # فالأول نحو ذا وذان وذين وأولاء، وأما إن كان غير مفرد فإن وجد معه ~~التنبيه لا غير فنحو هذا وهذان، وإن وجد معه الخطاب فنحو ذاك وذانك، وإن ~~اجتمعا معه فنحو هذاك وهاتيك. # ثم ما كان من الأسماء الظاهرة فلا يكون من أقل من ثلاثة أحرف أصول نفيا ~~للإجحاف عنه مع قوته بالنسبة إلى الفعل والحرف. # إلا فيما شذ من قولهم: يد ودم وأب وأخ ونحوه مما حذف منه الحرف الثالث. # وما كان من الأسماء المضمرة متصلا كان من حرف واحد كالتاء من فعلت. # وإن كان منفصلا فلا يكون من أقل من حرفين، يبتدأ بأحدهما ويوقف على الآخر ~~نحو: هو وهي، وكذلك ما كان من أسماء الإشارة فلا يكون من أقل من حرفين أيضا ~~نحو: ذا وذي ونحوه. # وبالجملة فإما أن يدل على شيء بعينه أو لا بعينه. # فالأول هو " المعرفة " كأسماء الأعلام، والمضمرات، والمبهمات كأسماء ~~الإشارة، والموصولات، وما دخل عليه لام التعريف، وما أضيف إلى أحد هذه ~~المعارف. # والثاني هو " النكرة " كإنسان وفرس. # وما ألحق بآخره من الأسماء ياء مشددة مكسور ما قبلها، فهو المنسوب ~~كالهاشمي والمكي ونحوه. ### | [القسمة الثالثة الاسم ينقسم إلى ما هو حقيقة ومجاز] # القسمة الثالثة # الاسم ينقسم إلى ما هو حقيقة ومجاز. (1) أما " الحقيقة " فهي في اللغة ~~مأخوذة من الحق، والحق هو الثابت اللازم وهو نقيض الباطل، ومنه يقال حق ~~الشيء حقه، ويقال حقيقة الشيء أي ذاته الثابتة اللازمة، ومنه قوله تعالى: ~~{ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} أي وجبت، وكذلك قوله تعالى: (حقيق علي ~~أن لا أقول) أي واجب علي. PageV01P026 # وأما في اصطلاح الأصوليين فاعلم أن الأسماء الحقيقية قد يطلقها الأصوليون ~~على لغوية وشرعية، واللغوية تنقسم إلى وضعية وعرفية، والكلام إنما هو في ~~الحقيقة الوضعية، فلنعرفها ثم نعود إلى باقي الأقسام، وقد ذكر فيها حدود ~~واهية يستغنى ms017 عن تضييع الزمان بذكرها. # والحق في ذلك أن يقال: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في اللغة، ~~كالأسد المستعمل في الحيوان الشجاع العريض الأعالي، والإنسان في الحيوان ~~الناطق. # وأما الحقيقة العرفية اللغوية فهي اللفظ المستعمل فيما وضع له بعرف ~~الاستعمال اللغوي وهي قسمان: # الأول: أن يكون الاسم قد وضع لمعنى عام ثم يخصص بعرف استعمال أهل اللغة ~~ببعض مسمياته، كاختصاص لفظ الدابة بذوات الأربع عرفا وإن كان في أصل اللغة ~~لكل ما دب، وذلك إما لسرعة دبيبه أو كثرة مشاهدته أو كثرة استعماله أو غير ~~ذلك. # الثاني: أن يكون الاسم في أصل اللغة بمعنى ثم يشتهر في عرف استعمالهم ~~بالمجاز الخارج عن الموضوع اللغوي بحيث إنه لا يفهم من اللفظ عند إطلاقه ~~غيره، كاسم الغائط فإنه وإن كان في أصل اللغة للموضع المطمئن من الأرض غير ~~أنه قد اشتهر في عرفهم بالخارج المستقذر من الإنسان، حتى إنه لا يفهم من ~~ذلك اللفظ عند إطلاقه غيره، ويمكن أن يكون شهرة استعمال لفظ الغائط من ~~الخارج المستقذر من الإنسان لكثرة مباشرته وغلبة التخاطب به مع الاستنكاف ~~من ذكر الاسم الخاص به لنفرة الطباع عنه، فكنوا عنه بلازمه أو لمعنى آخر. # وأما الحقيقة الشرعية فهي استعمال الاسم الشرعي فيما كان موضوعا له أولا ~~في الشرع، وسواء كان الاسم الشرعي ومسماه لا يعرفهما أهل اللغة أو هما ~~معروفان لهم غير أنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى، أو عرفوا المعنى ولم ~~يعرفوا الاسم، أو عرفوا الاسم ولم يعرفوا ذلك المعنى، كاسم الصلاة # PageV01P027 # والحج والزكاة ونحوه، وكذلك اسم الإيمان والكفر، لكن ربما خصت هذه ~~بالأسماء الدينية. # وإن شئت أن تحد الحقيقة على وجه يعم جميع هذه الاعتبارات قلت: " الحقيقة ~~هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في الاصطلاح الذي به التخاطب " فإنه ~~جامع مانع. # وأما المجاز فمأخوذ في اللغة من الجواز، وهو الانتقال من حال إلى حال، ~~ومنه يقال: جاز فلان من جهة كذا إلى كذا. # وهو مخصوص في اصطلاح الأصوليين بانتقال اللفظ من ms018 جهة الحقيقة إلى غيرها. # وقبل النظر في تحديده يجب أن تعلم أن المجاز قد يكون لصرف اللفظ عن ~~الحقيقة الوضعية وعن العرفية والشرعية إلى غيرها، كما كانت الحقيقة منقسمة ~~إلى: وضعية، وعرفية، وشرعية. # وعند هذا نقول: من اعتقد كون المجاز وضعيا قال في حد المجاز في اللغة ~~الوضعية: " هو اللفظ المتواضع على استعماله في غير ما وضع له أولا في اللغة ~~لما بينهما من التعلق "، ومن لم يعتقد كونه وضعيا أبقى الحد بحاله وأبدل ~~المتواضع عليه بالمستعمل، وعلى هذا فلا يخفى حد التجوز عن الحقيقة العرفية ~~والشرعية. # وإن أردت التحديد على وجه يعم الجميع قلت: " هو اللفظ المتواضع على ~~استعماله أو المستعمل في غير ما وضع له أولا في الاصطلاح الذي به المخاطبة، ~~لما بينهما من التعلق " ونعني بالتعلق بين محل الحقيقة والمجاز أن يكون محل ~~التجوز مشابها لمحل الحقيقة في شكله وصورته كإطلاق اسم الإنسان على المصور ~~على الحائط، أو في صفة ظاهرة في محل الحقيقة كإطلاق اسم الأسد على الإنسان ~~لاشتراكهما في صفة الشجاعة لا في صفة البخر لخفائها، أو لأنه كان حقيقة ~~كإطلاق اسم العبد على المعتق؛ أو لأنه يؤول إليه في الغالب كتسمية العصير ~~خمرا، أو أنه مجاور له في الغالب كقولهم: جرى النهر والميزاب ونحوه. # PageV01P028 # وجميع جهات التجوز (1) ، وإن تعددت غير خارجة عما ذكرناه، وإنما قيدنا ~~الحد باللفظ؛ لأن الكلام إنما هو في المجاز اللفظي لا مطلقا، وبقولنا: " ~~المتواضع على استعماله أو المستعمل في غير ما وضع له أولا " تمييزا له عن ~~الحقيقة. # وبقولنا: " لما بينهما من التعلق " لأنه لو لم يكن كذلك كان ذلك ~~الاستعمال ابتداء وضع آخر، وكان اللفظ مشتركا لا مجازا. # فإن قيل: ما ذكرتموه من الحد غير جامع ; لأنه يخرج منه التجوز بتخصيص ~~الاسم ببعض مدلولاته في اللغة كتخصيص لفظ الدابة بذوات الأربع، فإنه مجاز، ~~وهو غير مستعمل في غير ما وضع له أولا ; لدخول ذوات الأربع في المدلول ~~الأصلي، ويلزم منه أيضا خروج التجوز بزيادة الكاف في قوله: {ليس كمثله ms019 شيء} ~~فإنه مجاز، وهو غير مستعمل في إفادة شيء أصلا، ويخرج أيضا منه التجوز بلفظ ~~الأسد عن الإنسان حالة قصد تعظيمه، وإنما يحصل تعظيمه بتقدير كونه أسدا لا ~~بمجرد إطلاق اسم الأسد عليه، بدليل ما إذا جعل علما له ومدلوله إذ ذاك، لا ~~بكون غير ما وضع له أولا، وتدخل (2) فيه الحقيقة العرفية كلفظ الغائط، وإن ~~كان اللفظ مستعملا في غير موضوعه أولا،، والحقيقة (3) من حيث هي حقيقة لا ~~تكون مجازا. # قلنا: أما الإشكال الأول فمندفع ; لأنه لا يخفى أن حقيقة المطلق مخالفة ~~لحقيقة المقيد من حيث هما كذلك، فإذا كان لفظ الدابة حقيقة في مطلق دابة، ~~فاستعماله في الدابة المقيدة على الخصوص يكون استعمالا له في غير ما وضع له ~~أولا. # وأما الكاف في قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} فليست مستعملة للاسمية كوضعها ~~في اللغة ولا للتشبيه، وإلا كان معناها ليس لمثله مثل " وهو مثل لمثيله " ~~فكان تناقضا فكانت مستعملة لا فيما له في اللغة أولا، فكانت داخلة في الحد. ~~PageV01P029 # وأما التعبير بلفظ الأسد عن الإنسان تعظيما له، فليس لتقدير مسمى الأسد ~~الحقيقي فيه بل لمشاركته له في صفته من الشجاعة. والحقيقة (1) العرفية وإن ~~كانت بالنظر إلى تواضع أهل العرف عليها فلا (2) تخرج عن كونها مجازا ~~بالنسبة إلى استعمال اللفظ في غير ما وضع له أولا ولا تناقض، وإذا عرف (3) ~~معنى الحقيقة والمجاز، فمهما ورد لفظ في معنى وتردد بين القسمين (4) فقد ~~يعرف كونه حقيقة ومجازا بالنقل عن أهل اللغة، وإن لم يكن نقل فقد يعرف كونه ~~مجازا بصحة نفيه في نفس الأمر، ويعرف كونه حقيقة بعدم ذلك، ولهذا فإنه يصح ~~أن يقال لمن سمي من الناس حمارا لبلادته إنه ليس بحمار، ولا يصح أن يقال: ~~إنه ليس بإنسان في نفس الأمر لما كان حقيقة فيه. # ومنها أن يكون المدلول مما يتبادر إلى الفهم من إطلاق اللفظ من غير قرينة ~~مع عدم العلم بكونه مجازا بخلاف غيره من المدلولات، فالمتبادر إلى الفهم هو ~~الحقيقة وغيره هو المجاز. # فإن قيل: ms020 هذا لا يطرد في المجاز المنقول حيث إنه يسبق إلى الفهم من اللفظ ~~دون حقيقته، فالأمر فيهما بالضد مما ذكرتموه وينتقض أيضا باللفظ المشترك، ~~فإنه حقيقة في مدلولاته مع عدم تبادر شيء منها إلى الفهم عند إطلاقه. # قلنا: أما الأول فمندفع، وذلك لأن اللفظ الوارد إذا تبادر مدلوله إلى ~~الذهن عند إطلاقه، فإن علم كونه مجازا فهو غير وارد على ما ذكرناه وإن لم ~~يعلم، فالظاهر أنه يكون حقيقة فيه لاختصاص ذلك بالحقيقة في الغالب، وإدراج ~~النادر تحت الغالب أولى. وأما اللفظ المشترك فإن قلنا: إنه عام في جميع ~~محامله فقد اندفع الإشكال، وإن قلنا: إنه لا يتناول إلا واحدا من مدلولاته ~~على طريق البدل فهو PageV01P030 # حقيقة في الواحد على البدل لا في الواحد عينا، والذي هو حقيقة فيه فهو ~~متبادر إلى الفهم عند إطلاقه، وهو الواحد على البدل، والذي لم يتبادر إلى ~~الفهم وهو الواحد المعين غير حقيقة فيه (1) ، وفيه دقة. # ومنها أن لا يكون اللفظ مطردا في مدلوله مع عدم ورود المنع من أهل اللغة، ~~والشارع من الاطراد، وذلك كتسمية الرجل الطويل نخلة إذ هو غير مطرد في كل ~~طويل. # فإن قيل: عدم الاطراد لا يدل على التجوز، فإن اسم السخي حقيقة في الكريم، ~~والفاضل حقيقة في العالم، وهذان المدلولان موجودان في حق الله تعالى، ولا ~~يقال له سخي ولا فاضل، وكذلك اسم القارورة حقيقة في الزجاجة المخصوصة ~~لكونها مقرا للمائعات، وهذا المعنى موجود في الجرة والكوز، ولا يسمى قارورة ~~وإن سلمنا ذلك، ولكن الاطراد لا يدل على الحقيقة لجواز اطراد بعض المجازات ~~وعدم الاطراد في بعضها كما ذكرتموه فلا يلزم منه التعميم. # قلنا: أما الإشكال الأول، فقد اندفع بقولنا: (إذا لم يوجد مانع شرعي ولا ~~لغوي) وفيما أورد من الصور قد وجد المنع ولولاه لكان الاسم مطردا فيها. ~~وأما الثاني، فإنا لا ندعي أن الاطراد دليل الحقيقة ليلزم ما قيل، بل ~~المدعى أن عدم الاطراد دليل المجاز. # ومنها: أن يكون الاسم قد اتفق على كونه حقيقة في ms021 غير المسمى المذكور، ~~وجمعه مخالف لجمع المسمى المذكور، فنعلم أنه مجاز فيه. # وذلك كإطلاق اسم الأمر على القول المخصوص. # وعلى الفعل في قوله تعالى: {وما أمرنا إلا واحدة} ، قوله تعالى: {وما أمر ~~فرعون برشيد} PageV01P031 # فإن جمعه في جهة الحقيقة أوامر، وفي الفعل أمور، ولا نقول: إن المجاز لا ~~يجمع والحقيقة تجمع كما ذكر بعضهم ; إذ الإجماع منعقد على التجوز بلفظ ~~الحمار عن البليد مع صحة تثنيته وجمعه حيث يقال: حماران وحمر. # فإن قيل: اختلاف الجمع لا يدل على التجوز في المسمى المذكور لجواز أن ~~يكون حقيقة فيه، واختلاف الجمع بسبب اختلاف المسمى. (1) قلنا: الجمع إنما ~~هو للاسم لا للمسمى، فاختلافه لا يكون مؤثرا في اختلاف الجمع. # ومنها: أن يكون الاسم موضوعا لصفة ولا يصح أن يشتق لموضوعها منها اسم مع ~~عدم ورود المنع من الاشتقاق، فيدل على كونه مجازا، وذلك كإطلاق اسم الأمر ~~على الفعل، فإنه لا يشتق لمن قام به منه اسم الآمر، بخلاف اسم القارورة ~~فإنه لا يطلق على الكوز والجرة بطريق الاشتقاق من قرار المائع فيه مع كون ~~اسم القرار فيه حقيقة كما اشتق في الزجاجة المخصوصة لورود المنع من أهل ~~اللغة فيه. (2) # فإن قيل: هذا ينتقض باسم الرائحة القائمة بالجسم فإنه حقيقة مع عدم ~~الاشتقاق. # قلنا: لا نسلم عدم الاشتقاق، فإنه يصح أن يقال للجسم الذي قامت به ~~الرائحة متروح. # ومنها: أن يكون الاسم مضافا إلى شيء حقيقة وهو متعذر الإضافة إليه، ~~فيتعين أن يكون مجازا في شيء آخر، وذلك كقوله تعالى: {واسأل القرية} فإن ~~قيل: لا يدل ذلك على كونه مجازا في الغير لجواز أن يكون مشتركا، وتعذر حمل ~~اللفظ المشترك على بعض محامله لا يوجب جعله مجازا في الباقي. # قلنا: هذا مبني على القول بالاشتراك وهو خلاف الأصل، والمجاز وإن كان على ~~خلاف الأصل إلا أن المحذور فيه أدنى من محذور الاشتراك على ما يأتي ~~PageV01P032 # فكان أولى، وعلى هذا نقول: مهما ثبت كون اللفظ حقيقة في بعض المعاني لزم ~~أن يكون مجازا فيما عداه، ms022 إذا لم يكن بينهما معنى مشترك يصلح أن يكون ~~مدلولا للفظ بطريق التواطؤ. # ومنها: أن يكون قد ألف من أهل اللغة أنهم إذا استعملوا لفظا بإزاء معنى ~~أطلقوه إطلاقا، وإذا استعملوه بإزاء غيره قرنوا به، فيدل ذلك على كونه ~~حقيقة فيما أطلقوه مجازا في الغير؛ وذلك لأن وضع الكلام للمعنى إنما كان ~~ليكتفى به في الدلالة، والأصل أن يكون ذلك في الحقيقة دون المجاز لكونها ~~أغلب في الاستعمال. # ومنها أنه إذا كان اللفظ حقيقة في معنى، ولذلك المعنى متعلق فإطلاقه ~~بإزاء ما ليس له ذلك المتعلق يدل على كونه مجازا فيه، كإطلاق اسم القدرة ~~على الصفة المؤثرة في الإيجاد فإن لها مقدورا، وإطلاقها على المخلوقات في ~~قولهم: " انظر إلى قدرة الله " لا مقدور لها. # فإن قيل: التعلق ليس من توابع كون اللفظ حقيقيا بل من توابع المسمى، ولا ~~يلزم من اختلاف المسمى إذا كان الاسم في أحدهما حقيقة أن يكون مجازا في ~~الآخر لجواز الاشتراك، فجوابه ما سبق. # ومنها: أن يكون الاسم الموضوع لمعنى مما يتوقف إطلاقه عليه على تعلقه ~~بمسمى ذلك الاسم في موضع آخر، ولا كذلك بالعكس فيعلم أن المتوقف مجاز ~~والآخر غير مجاز. # وتشترك الحقيقة والمجاز في امتناع اتصاف أسماء الأعلام بهما كزيد وعمرو. # وذلك لأن الحقيقة على ما تقدم إنما تكون عند استعمال اللفظ فيما وضع له ~~أولا، والمجاز في غير ما وضع له أولا. وذلك يستدعي كون الاسم الحقيقي ~~والمجازي في وضع اللغة موضوعا لشيء قبل هذا الاستعمال في وضع اللغة، وأسماء ~~الأعلام ليست كذلك، فإن مستعملها لم يستعملها فيما وضعه أهل اللغة له أولا، ~~ولا في غيره لأنها لم تكن من وضعهم، فلا تكون حقيقة ولا مجازا. # PageV01P033 # وعلى هذا فالألفاظ الموضوعة أولا في ابتداء الوضع في اللغة لا توصف ~~بكونها حقيقة ولا مجازا، وإلا كانت موضوعة قبل ذلك الوضع وهو خلاف الفرض، ~~وكذلك كل وضع ابتدائي حتى الأسماء المخترعة ابتداء لأرباب الحرف والصناعات ~~لأدواتهم وآلاتهم، وإنما تصير حقيقة ومجازا باستعمالها بعد ذلك. # وبهذا يعلم ms023 بطلان قول من قال: إن كل مجاز له حقيقة ولا عكس. # وذلك لأن غاية المجاز أن يكون مستعملا في غير ما وضع له أولا، وما وضع له ~~اللفظ أولا ليس حقيقة ولا مجازا على ما عرف. # وبالنظر إلى ما حققناه في معنى الحقيقة والمجاز يعلم أن تسمية اللفظ ~~المستعمل فيما وضع له أولا حقيقة، وإن كان حقيقة بالنظر إلى الأمر العرفي، ~~غير أنه مجاز بالنظر إلى كونه منقولا من الوجوب والثبوت الذي هو مدلول ~~الحقيقة أولا في اللغة على ما سبق تحقيقه. # وتشترك الحقيقة والمجاز أيضا في أن كل ما كان من كلام العرب ما عدا الوضع ~~الأول فإنه لا يخلو عن الحقيقة والمجاز معا، بل لا بد من أحدهما فيه. # مسائل هذه القسمة خمس: # PageV01P034 ### | [المسألة الأولى في الأسماء الشرعية] # المسألة الأولى # في الأسماء الشرعية (1) ولا شك في إمكانها ; إذ لا إحالة في وضع الشارع ~~اسما من أسماء أهل اللغة، أو من غير أسمائهم على معنى يعرفونه أو لا ~~يعرفونه، لم يكن موضوعا لأسمائهم. فإن دلالات الأسماء على المعاني ليست ~~لذواتها ولا الاسم واجب للمعنى، بدليل انتفاء الاسم قبل التسمية وجواز ~~إبدال البياض بالسواد في ابتداء الوضع، وكما في أسماء الأعلام والأسماء ~~الموضوعة لأرباب الحرف والصناعات لأدواتهم وآلاتهم. # وإنما الخلاف نفيا وإثباتا في الوقوع، والحجاج هاهنا مفروض فيما استعمله ~~الشارع من أسماء أهل اللغة كلفظ الصوم والصلاة، هل خرج به عن وضعهم أم لا؟ # فمنع القاضي أبو بكر من ذلك، وأثبته المعتزلة والخوارج والفقهاء. # احتج القاضي بمسلكين: # الأول: أن الشارع لو فعل ذلك لزمه تعريف الأمة بالتوقيف نقل (2) تلك ~~الأسامي وإلا كان مكلفا لهم بفهم مراده من تلك الأسماء وهم لا يفهمونه، وهو ~~تكليف بما لا يطاق، والتوقيف الوارد في مثل هذه الأمور لا بد وأن يكون ~~متواترا لعدم قيام الحجة بالآحاد فيها ولا تواتر. # وهذه الحجة غير مرضية، أما أولا فلأنها مبنية على امتناع التكليف بما لا ~~يطاق وهو فاسد (3) على ما عرف من أصول أصحابنا القائلين بخلافه في ms024 هذه ~~PageV01P035 # المسألة، وإن كان ذلك ممتنعا عند المعتزلة، وبتقدير امتناع التكليف بما ~~لا يطاق إنما يكون هذا تكليفا بما لا يطاق ; إذ (1) لو كلفهم بفهمها قبل ~~تفهيمهم، وليس كذلك. # قوله: التفهيم، إنما يكون بالنقل، لا نسلم، وما المانع أن يكون تفهيمهم ~~بالتكرير والقرائن المتضافرة مرة بعد مرة، كما يفعل الوالدان بالولد الصغير ~~والأخرس في تعريفه لما في ضميره لغيره بالإشارة. # المسلك الثاني: أن هذه الألفاظ قد اشتمل عليها القرآن، فلو كانت مفيدة ~~لغير مدلولاتها في اللغة لما كانت من لسان أهل اللغة كما لو قال: " أكرم ~~العلماء " وأراد به الجهال أو الفقراء، وذلك لأن كون اللفظ عربيا ليس لذاته ~~وصورته، بل لدلالته على ما وضعه أهل اللغة بإزائه، وإلا كانت جميع ألفاظهم ~~قبل التواضع عليها عربية، وهو ممتنع ويلزم من ذلك أن لا يكون القرآن عربيا، ~~وهو على خلاف قوله تعالى: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} ، وقوله تعالى: {بلسان ~~عربي مبين} ، وقوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} وذلك ممتنع ~~وهذا المسلك ضعيف أيضا. # إذ لقائل أن يقول: لا أسلم أنه يلزم من ذلك خروج القرآن عن كونه عربيا، ~~فإن قيل: لأنه إذا كان مشتملا على ما ليس بعربي فما بعضه عربي وبعضه غير ~~عربي، لا يكون كله عربيا، وفي ذلك مخالفة ظواهر النصوص المذكورة. # فيمكن أن يقال: لا نسلم دلالة النصوص على كون القرآن بكليته عربيا ; لأن ~~القرآن قد يطلق على السورة الواحدة منه، بل على الآية الواحدة كما يطلق على ~~الكل، ولهذا يصح أن يقال للسورة الواحدة: هذا قرآن، والأصل في الإطلاق ~~الحقيقة، ولأن القرآن مأخوذ من الجمع ومنه يقال: قرأت الناقة لبنها في ~~ضرعها إذا جمعته، وقرأت الماء في الحوض أي جمعته، والسورة الواحدة فيها ~~معنى الجمع PageV01P036 # لتألفها من حروف وكلمات وآيات فصح إطلاق القرآن عليها، غايته أنا خالفنا ~~هذا في غير الكتاب العزيز، فوجب العمل بمقتضى هذا الأصل في الكتاب وبعضه، ~~ولأنه لو حلف أنه لا يقرأ القرآن فقرأ سورة منه حنث، ولو لم يكن ms025 قرآنا لما ~~حنث، وإذا كان كذلك فليس الحمل على الكل أولى من البعض، وعند ذلك أمكن حمله ~~على البعض الذي ليس فيه غير العربية. (1) فإن قيل: أجمعت الأمة على أن الله ~~تعالى لم ينزل إلا قرآنا واحدا، فلو كان البعض قرآنا والكل قرآنا لزمت ~~التثنية في القرآن، وهو خلاف الإجماع، وإذا لم يكن القرآن إلا واحدا تعين ~~أن يكون هو الكل ضرورة الإجماع على تسميته قرآنا. # قلنا: أجمعت الأمة على أن الله تعالى لم ينزل إلا قرآنا واحدا، بمعنى أنه ~~لم ينزل غير هذا القرآن، أو بمعنى أن المجموع قرآن وبعضه ليس بقرآن. # الأول مسلم، والثاني ممنوع. # فإن قيل: ما ذكرتموه من الدليل على كون بعض القرآن قرآنا معارض بما يدل ~~على أنه ليس بقرآن، وهو صحة قول القائل عن السورة والآية هذا بعض القرآن. # قلنا: المراد به إنما هو بعض الجملة المسماة بالقرآن، وليس في ذلك ما يدل ~~على أن البعض ليس بقرآن حقيقة، فإن جزء الشيء إذا شارك كله في معناه كان ~~مشاركا له في اسمه، ولهذا يقال: إن بعض اللحم لحم، وبعض العظم عظم، وبعض ~~الماء ماء ; لاشتراك الكل والبعض في المعنى المسمى بذلك الاسم، وإنما يمتنع ~~ذلك فيما كان البعض فيه غير مشارك للكل في المعنى المسمى بذلك الاسم، ولهذا ~~لا يقال: بعض العشرة عشرة، وبعض المائة مائة، وبعض الرغيف رغيف، وبعض الدار ~~دار، إلى غير ذلك. وعند ذلك فما لم يبينوا كون ما نحن فيه من القسم الثاني ~~دون الأول، فهو غير لازم، وإن سلمنا التعارض من كل وجه PageV01P037 # فليس القول بالنفي أولى من القول بالإثبات، وعلى المستدل الترجيح. وإن ~~سلمنا دلالة النصوص على كون القرآن بجملته عربيا، لكن بجهة الحقيقة أو ~~المجاز، الأول ممنوع، والثاني مسلم ; وذلك لأن ما الغالب منه العربية يسمى ~~عربيا، وإن كان فيه ما ليس بعربي كما يسمى الزنجي أسود، وإن كان بعضه ~~اليسير مبيضا كأسنانه وشحمة عينيه، والرومي أبيض، وإن كان البعض اليسير منه ~~أسود كالناظر من عينيه. وكذلك ms026 البيت من الشعر بالفارسية يسمى فارسيا وإن ~~كان مشتملا على كلمات يسيرة من العربية. # ويدل على هذا التجوز ما اشتمل عليه القرآن من الحروف المعجمة في أوائل ~~السور، فإنها ليست من لغة العرب في شيء. # وأيضا فإن القرآن قد اشتمل على عبادات غير معلومة للعرب، فلا يتصور ~~التعبير عنها في لغتهم، فلا بد لها من أسماء تدل عليها غير عربية. # وأيضا فإن القرآن مشتمل على قوله تعالى: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} ~~وأراد به صلاتكم، وليس الإيمان في اللغة بمعنى الصلاة بل بمعنى التصديق. # وعلى قوله: (أقيموا الصلاة) والصلاة في اللغة بمعنى الدعاء وفي الشرع ~~عبارة عن الأفعال المخصوصة. # وعلى قوله تعالى: (وآتوا الزكاة) والزكاة في اللغة عبارة عن النماء ~~والزيادة، وفي الشرع عبارة عن وجوب أداء مال مخصوص. # وعلى قوله تعالى: " {كتب عليكم الصيام} " والصوم في اللغة عبارة عن مطلق ~~إمساك، وفي الشرع عبارة عن إمساك مخصوص بل وقد يطلق الصوم في الشرع في حالة ~~لا إمساك فيها كحالة الآكل ناسيا. # وعلى قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} . # PageV01P038 # والحج في اللغة عبارة عن مطلق قصد، وفي الشرع عبارة عن القصد إلى مكان ~~مخصوص. # وهذا كله يدل على اشتمال القرآن على ما ليس بعربي، فكان إطلاق اسم العربي ~~عليه مجازا. # فإن قيل: أما الحروف المعجمة التي في أوائل السور فهي أسماؤها. # وأما العبادات الحادثة فمن حيث إنها أفعال محسوسة معلومة للعرب ومسماة ~~بأسماء خاصة لها لغة، غير أن الشرع اعتبرها في الثواب والعقاب عليها بتقدير ~~الفعل أو الترك، وليس في ذلك ما يدل على اشتمال القرآن على ما ليس بعربي. # وأما الآيات المذكورة فهي محمولة على مدلولاتها لغة. # أما قوله تعالى: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} فالمراد به تصديقكم ~~بالصلاة، وقوله تعالى: (أقيموا الصلاة) فالمراد به الدعاء. # وكذلك قوله: (وآتوا الزكاة) فالمراد به النمو. # والمراد من الصوم الإمساك، ومن الحج القصد، غير أن الشارع شرط في إجزائها ~~وصحتها شرعا ضم غيرها إليها. وليس في ذلك ما يدل على تغيير ms027 الوضع اللغوي، ~~وإن سلمنا دخول هذه الشروط في مسمى هذه الأسماء لكن بطريق المجاز، أما في ~~الصلاة فمن جهة أن الدعاء جزؤها، والشيء قد يسمى باسم جزئه، ومنه قول ~~الشاعر: # يناشدني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم. # وأراد به القرآن، فسماه باسم جزئه، وكذلك الكلام في الصوم والزكاة والحج. # ويمكن أن يقال بأن تسمية الصوم الخاص وكذلك الزكاة والحج والإيمان، من ~~باب التصرف بتخصيص الاسم ببعض مسمياته لغة كما في لفظ # PageV01P039 # الدابة، والشارع له ولاية هذا التصرف كما لأهل اللغة، ويخص الصلاة أن ~~أفعالها إنما سميت صلاة لكونها مما يتبع بها فعل الإمام. فإن التالي للسابق ~~من الخيل يسمى مصليا لكونه تابعا، ويخص الزكاة أن تسمية الواجب زكاة باسم ~~سببه، والتجوز باسم السبب عن المسبب جائز لغة، والمجاز من اللغة لا من ~~غيرها. # قلنا: أما الحروف فإنها إذا كانت أسماء لآحاد السور فهي أعلام لها وليست ~~لغوية، فقد اشتمل القرآن على ما ليس من لغة العرب، وما ذكروه في العبادات ~~الحادثة في الشرع، فإنما يصح، أن لو لم تكن قد أطلق عليها أسماء لم تكن ~~العرب قد أطلقتها عليها، ويدل على هذا الإطلاق ما ذكر من الآيات. # قولهم: إن هذه الأسماء محمولة على موضوعاتها لغة غير أن الشارع شرط في ~~إجزائها شروطا لا تصح بدونها، فإن (1) مسمى الصلاة في اللغة هو الدعاء. # وقد يطلق اسم الصلاة على الأفعال التي لا دعاء فيها، كصلاة الأخرس الذي ~~لا يفهم الدعاء في الصلاة حتى يأتي به، وبتقدير أن يكون الدعاء متحققا فليس ~~هو المسمى بالصلاة وحده، ودليله أنه يصح أن يقال: إنه في الصلاة حالة كونه ~~غير داع، ولو كان هو المسمى بالصلاة لا غير لصح عند فراغه من الدعاء أن ~~يقال: خرج من الصلاة، وإذا عاد إليه يقال: عاد إلى الصلاة، وأن لا يسمى ~~الشخص مصليا حالة عدم الدعاء مع تلبسه بباقي الأفعال، وكل ذلك خلاف ~~الإجماع. # قولهم: تسمية هذه الأفعال بهذه الأسماء إنما هو بطريق المجاز. # قلنا: الأصل في ms028 الإطلاق الحقيقة. # قولهم: إن الدعاء جزء من هذه الأفعال، والشيء قد يسمى باسم جزئه. # قلنا: كل جزء أو بعض الأجزاء، الأول ممنوع، والثاني مسلم. # ولهذا فإن العشرة لا تسمى خمسة، ولا الكل جزءا وإن كان بعضه يسمى جزءا، ~~إلى أمثلة كثيرة لا تحصى. PageV01P040 # وليس القول بأن ما نحن فيه من القبيل الجائز أولى من غيره، وإن سلمنا صحة ~~ذلك تجوزا، ولكن ليس القول بالتجوز في هذه الأسماء، وإجراء لفظ القرآن على ~~حقيقته أولى من العكس. # فإن قيل: بل ما ذكرناه أولى، فإن ما ذكرتموه يلزم منه النقل وتغيير ~~اللغة، فيستدعي ثبوت أصل الوضع وإثبات وضع آخر. والوضع اللغوي لا يفتقر إلى ~~شيء آخر، ولا يلزم منه تغيير فكان أولى. وأيضا فإن الغالب من الأوضاع ~~البقاء لا التغيير، وإدراج ما نحن فيه تحت الأغلب أغلب. # قلنا: بل جانب الخصم أولى ; لما فيه من ارتكاب مجاز واحد، وما ذكرتموه ~~ففيه ارتكاب مجازات كثيرة فكان أولى. وعلى هذا فقد اندفع قولهم بالتجوز ~~بجهة التخصيص أيضا، وما ذكروه من تسمية أفعال الصلاة لما فيها من المتابعة ~~للإمام، فيلزم منه أن لا تسمى صلاة الإمام والمنفرد صلاة لعدم هذا المعنى ~~فيها. # وقولهم في الزكاة: أن الواجب سمي زكاة باسم سببه تجوزا فيلزم عليه أن لا ~~تصح تسميته زكاة، عند عدم النماء في المال، وإن كان النماء حاصلا فالتجوز ~~باسم السبب عن المسبب جائز مطلقا أو في بعض الأسباب، الأول ممنوع والثاني ~~مسلم. ولهذا فإنه لا يصح تسمية الصيد شبكة، وإن كان نصبها سببا له، ولا ~~يسمى الابن أبا وإن كان الأب سببا له، وكذلك لا يسمى العالم إلها وإن كان ~~الإله تعالى سببا له (1) ، إلى غير ذلك من النظائر. # وعند ذلك فليس القول بأن ما نحن فيه من قبيل التجوز به أولى من غيره. # وأما المعتزلة فقد احتجوا بما سبق من الآيات وبقولهم: إن الإيمان في ~~اللغة هو التصديق، وفي الشرع يطلق على غير التصديق. ويدل عليه قوله عليه ~~السلام PageV01P041 # : ( «الإيمان بضع وسبعون بابا أعلاها ms029 شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها ~~إماطة الأذى عن الطريق» ) . سمى إماطة الأذى إيمانا وليس بتصديق. # وأيضا فإن الدين في الشرع عبارة عن فعل العبادات وإقامة الصلاة وإيتاء ~~الزكاة بدليل قوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} ~~إلى آخر الآية، ثم قال: {وذلك دين القيمة} فكان راجعا إلى كل المذكور. # والدين هو الإسلام لقوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} والإسلام هو ~~الإيمان، فيكون الإيمان في الشرع هو فعل العبادات. # ودليل كون الإيمان هو الإسلام أنه لو كان غير الإسلام لما كان مقبولا من ~~صاحبه لقوله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} . # وأيضا فإنه استثنى المسلمين من المؤمنين في قوله تعالى: {فأخرجنا من كان ~~فيها من المؤمنين - فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} والأصل أن يكون ~~المستثنى من جنس المستثنى منه. (1) وأيضا قوله تعالى: {وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم} وأراد به الصلاة إلى بيت المقدس. # وأيضا فإن قاطع الطريق وإن كان مصدقا فليس بمؤمن لأنه يدخل النار بقوله ~~تعالى: {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} والداخل في النار مخزي لقوله تعالى ~~حكاية عن أهل النار (2) {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} مع التقرير ~~لهم على ذلك، والمؤمن غير مخزي؛ لقوله تعالى: {يوم لا يخزي الله النبي ~~والذين آمنوا معه} . (3) PageV01P042 # وأيضا فإن المكلف يوصف بكونه مؤمنا حالة كونه غافلا عن التصديق بالنوم ~~وغيره. # وأيضا فإنه لو كان الإيمان في الشرع هو الإيمان اللغوي أي التصديق لسمي ~~في الشرع المصدق بشريك الإله تعالى مؤمنا، والمصدق بالله مع إنكار الرسالة ~~مؤمنا. . . إلى نظائره. # ولقائل أن يقول: أما الآيات السابق ذكرها فيمكن أن يقال في جوابها: إن ~~إطلاق اسم الصلاة والزكاة والصوم والحج إنما كان بطريق المجاز على ما سبق، ~~والمجاز غير خارج عن اللغة، وتسمية إماطة الأذى عن الطريق إيمانا أمكن أن ~~يكون لكونه دليلا على الإيمان، فعبر باسم المدلول عن الدال وهو أيضا جهة من ~~جهات التجوز. (1) فإن قيل: الأصل إنما هو الحقيقة. # قلنا: ms030 إلا أنه يلزم منه التغيير ومخالفة الوضع اللغوي، فيتقابلان وليس ~~أحدهما أولى من الآخر لما سبق. # وقولهم: إن الإيمان هو الإسلام بما ذكروه فهو معارض بقوله تعالى: {قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} ولو اتحدا لما صح هذا القول (2) ، وليس أحدهما ~~أولى من الآخر بل الترجيح للتغاير نظرا إلى أن الأصل عند تعدد الأسماء تعدد ~~المسميات؛ ولئلا يلزم منه التغيير في الوضع، وبهذا يندفع ما ذكروه من ~~الاستثناء. # وقوله تعالى: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} فالمراد به التصديق بالصلاة ~~PageV01P043 # لا نفس الصلاة، فلا تغيير وإن كان المراد به أن الصلاة لما كانت تدل على ~~التصديق سميت باسم مدلولها، وذلك مجاز من وضع اللغة. # وقوله تعالى: {يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} لا يتناول كل ~~مؤمن بل من آمن مع النبي عليه السلام (1) وهو صريح في ذلك، وأولئك لم يصدر ~~منهم ما دل صدر الآية عليه، من الحراب لله ورسوله، والسعي في الأرض بالفساد ~~الذي أوجب دخول النار في الآية، ولا يلزم من نفي الخزي عمن آمن مع النبي ~~نفيه عن غيره. # وقولهم: إن المكلف يوصف بالإيمان حالة كونه غافلا عن التصديق بالله ~~تعالى، إنما كان ذلك بطريق المجاز لكونه كان مصدقا وأنه يؤول إلى التصديق، ~~وهو جهة من جهات التجوز. # وما يقال من أن الأصل الحقيقة، فقد سبق جوابه، كيف وإن ذلك لازم لهم في ~~كل ما يفسرون الإيمان به، ومع اتحاد المحذور فتقرير الوضع أولى. # والمصدق بشريك الإله تعالى ليس مؤمنا شرعا ; لأن الإيمان في الشرع مطلق ~~ليس تصديق بل تصديق خاص، وهو التصديق بالله وبما جاءت به رسله، هو من باب ~~تخصيص الاسم ببعض مسمياته في اللغة، فكان مجازا لغويا، وبه يندفع ما قيل من ~~التصديق بالله والكفر برسوله، حيث إن مسمى الإيمان الشرعي لم يوجد. # وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين فالحق عندي في ذلك إنما هو إمكان كل ~~واحد من المذهبين. # وأما ترجيح الواقع منهما فعسى أن يكون عند غيري تحقيقه. (2) PageV01P044 ### | [المسألة الثانية اشتمال ms031 اللغة على الأسماء المجازية] # المسألة الثانية # اختلف الأصوليون في اشتمال اللغة على الأسماء المجازية، فنفاه الأستاذ ~~أبو إسحاق ومن تابعه، وأثبته الباقون وهو الحق. (1) حجة المثبتين أنه قد ~~ثبت إطلاق أهل اللغة اسم الأسد على الإنسان الشجاع، والحمار على الإنسان ~~البليد، وقولهم: ظهر الطريق ومتنها، وفلان على جناح السفر، وشابت لمة ~~الليل، وقامت الحرب على ساق، وكبد السماء، إلى غير ذلك. # وإطلاق هذه الأسماء لغة مما لا ينكر إلا عن عناد، وعند ذلك فإما أن يقال: ~~إن هذه الأسماء حقيقة في هذه الصور، أو مجازية لاستحالة خلو الأسماء ~~اللغوية عنهما ما سوى الوضع الأول كما سبق تحقيقه، لا جائز أن يقال بكونها ~~حقيقة فيها ; لأنها حقيقة فيما سواها بالاتفاق. # فإن لفظ الأسد حقيقة في السبع، والحمار في البهيمة، والظهر والمتن والساق ~~والكبد في الأعضاء المخصوصة بالحيوان، واللمة في الشعر إذا جاوز شحمة ~~الأذن. وعند ذلك فلو كانت هذه الأسماء حقيقية فيما ذكر من الصور لكان اللفظ ~~مشتركا، ولو كان مشتركا لما سبق إلى الفهم عند إطلاق هذه الألفاظ البعض دون ~~البعض ضرورة التساوي في الدلالة الحقيقية. ولا شك أن السابق إلى الفهم من ~~إطلاق لفظ الأسد إنما هو السبع، ومن إطلاق لفظ الحمار إنما هو البهيمة، ~~وكذلك في باقي الصور. # كيف وإن أهل الأعصار لم تزل تتناقل في أقوالها وكتبها عن أهل الوضع تسمية ~~هذا حقيقة وهذا مجازا. (2) PageV01P045 # فإن قيل: لو كان في لغة العرب لفظ مجازي فإما أن يفيد معناه بقرينة أو لا ~~بقرينة، فإن كان الأول فهو مع القرينة لا يحتمل غير ذلك المعنى، فكان مع ~~القرينة حقيقة في ذلك المعنى. وإن كان الثاني فهو أيضا حقيقة ; إذ لا معنى ~~للحقيقة إلا ما يكون مستقلا بالإفادة من غير قرينة. # وأيضا فإنه ما من صورة من الصور إلا ويمكن أن يعبر عنها باللفظ الحقيقي ~~الخاص بها، فاستعمال اللفظ المجازي فيها مع افتقاره إلى القرينة من غير ~~حاجة بعيد عن أهل الحكمة والبلاغة في وضعهم. # قلنا: جواب الأول أن المجاز ms032 لا يفيد عند عدم الشهرة إلا بقرينة، ولا معنى ~~للمجاز سوى هذا، والنزاع في ذلك لفظي (1) ، كيف وإن المجاز والحقيقة من ~~صفات الألفاظ دون القرائن المعنوية، فلا تكون الحقيقة صفة للمجموع. # وجواب الثاني: أن الفائدة في استعمال اللفظ المجازي دون الحقيقة قد تكون ~~لاختصاصه بالخفة على اللسان، أو لمساعدته في وزن الكلام نظما ونثرا، ~~والمطابقة، والمجانسة، والسجع، وقصد التعظيم، والعدول عن الحقيقي للتحقير، ~~إلى غير ذلك من المقاصد المطلوبة في الكلام. PageV01P046 ### | [المسألة الثالثة دخول الأسماء المجازية في كلام الله تعالى] # المسألة الثالثة # اختلفوا في دخول الأسماء المجازية في كلام الله تعالى: # فنفاه أهل الظاهر والرافضة، وأثبته الباقون. (1) احتج المثبتون بقوله ~~تعالى: {ليس كمثله شيء} ، وبقوله تعالى: {واسأل القرية التي كنا فيها ~~والعير التي أقبلنا فيها} ، وبقوله تعالى: {جدارا يريد أن ينقض} . # والأول من باب التجوز بالزيادة، ولهذا لو حذفت الكاف بقي الكلام مستقلا. # والثاني من باب النقصان، فإن المراد به أهل القرية لاستحالة سؤال القرية ~~والعير وهي البهائم. # والثالث من باب الاستعارة لتعذر الإرادة من الجدار. # وإذا امتنع حمل هذه الألفاظ على ظواهرها في اللغة، فما تكون محمولة عليه ~~هو المجاز. # فإن قيل: لا نسلم التجوز فيما ذكرتموه من الألفاظ، أما قوله تعالى: {ليس ~~كمثله شيء} فهو حقيقة في نفي التشبيه ; إذ الكاف للتشبيه. # وأما قوله تعالى: {واسأل القرية} فالمراد به مجتمع الناس، فإن القرية ~~مأخوذة من الجمع، ومنه يقال: قرأت الماء في الحوض أي جمعته، وقرأت الناقة ~~لبنها في ضرعها أي جمعته، ويقال لمن صار معروفا بالضيافة: مقري، ويقري ~~لاجتماع الأضياف عنده. وسمي القرآن قرآنا لذلك أيضا لاشتماله على مجموع ~~السور والآيات، وأما العير فهي القافلة ومن فيها من الناس. ثم وإن كان اسم ~~القرية للجدران والعير للبهائم غير أن الله تعالى قادر على إنطاقها، وزمن ~~النبوة زمن خرق العوائد فلا يمتنع نطقها بسؤال النبي لها. PageV01P047 # وقوله تعالى: {جدارا يريد أن ينقض} فمحمول أيضا على حقيقته ; لأنه لا ~~يتعذر على الله تعالى خلق الإرادة فيه. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه ms033 على التجوز، لكنه معارض بما يدل على عدمه، وذلك ~~لأن المجاز كذب، ولذلك يصدق نفيه عند قول القائل للبليد (حمار) وللإنسان ~~الشجاع (أسد) ، ونقيض النفي الصادق يكون كاذبا، ولأن المجاز هو الركيك من ~~الكلام، وكلام الرب تعالى مما يصان عنه. # سلمنا أنه ليس بكذب، غير أنه إنما يصار إليه ثم العجز عن الحقيقة ويتعالى ~~الرب عن ذلك. # سلمنا أنه غير متوقف على العجز عن الحقيقة، غير أنه مما لا يفيد معناه ~~بلفظه دون قرينة، وربما تخفى فيقع الالتباس على المخاطب، وهو قبيح من ~~الحكيم. # سلمنا أنه لا يفضي إلى الالتباس غير أنه إذا خاطب بالمجاز وجب وصفه بكونه ~~متجوزا نظرا إلى الاشتقاق كما في الواحد منا وهو خلاف الإجماع. # سلمنا عدم اتصافه غير أن كلام الله تعالى حق فله حقيقة والحقيقة مقابلة ~~للمجاز. # والجواب قولهم: {ليس كمثله شيء} لنفي التشبيه ليس كذلك، فإنه لو كانت ~~الكاف هاهنا للتشبيه لكان معنى النفي: ليس مثل مثله شيء، وهو تناقض، ضرورة ~~أنه مثل لمثله، فالمثل في الآية زائد، والمراد من قولهم مثلك لا يقول هذا ~~المشارك له في صفاته. # وقولهم: المراد من القرية الناس المجتمعون، ليس كذلك لأن القرية هي المحل ~~الذي يقع فيه الاجتماع لا نفس الاجتماع، ومن ذلك سمي الزمان الذي فيه يجتمع ~~دم الحيض قرء، وكذلك يقال: القاري لجامع القرآن، والمقري لجامع الأضياف. # قولهم: إن العير هي القافلة المجتمعة من الناس. # قلنا: من الناس والبهائم لا نفس الناس فقط، ولهذا لا يقال لمجتمع الناس ~~من غير أن يكون معهم بهائم: قافلة. # PageV01P048 # قولهم: لو سأل لوقع الجواب. # قلنا: جواب الجدران والبهائم غير واقع على وفق الاختيار في عموم الأوقات، ~~بل إن وقع فإنما يقع بتقدير تحدي النبي عليه السلام به. ولم يكن كذلك فيما ~~نحن فيه، فلا يمكن الاعتماد عليه، ثم وإن أمكن تخيل ما قالوه مع بعده ~~فبماذا يعتذر عن قوله تعالى: {تجري من تحتها الأنهار} والأنهار غير جارية، ~~وعن قوله تعالى: {واشتعل الرأس شيبا} وهو غير مشتعل، وعن قوله ms034 تعالى: ~~{واخفض لهما جناح الذل} والذل لا جناح له، وقوله تعالى: {الحج أشهر ~~معلومات} والأشهر ليست هي الحج وإنما هي ظرف لأفعال الحج، وقوله تعالى: ~~{لهدمت صوامع وبيع وصلوات} والصلوات لا تهدم وقوله: {أو جاء أحد منكم من ~~الغائط} ، وقوله: {الله نور السماوات والأرض} ، وقوله: {فاعتدوا عليه بمثل ~~ما اعتدى عليكم} والقصاص ليس بعدوان، وقوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} ، ~~وقوله: {الله يستهزئ بهم} ، {ويمكرون ويمكر الله} ، وقوله: {كلما أوقدوا ~~نارا للحرب أطفأها الله} ، وقوله تعالى: {أحاط بهم سرادقها} إلى ما لا يحصى ~~ذكره من المجازات. # وعن المعارضة الأولى بمنع كون المجاز كذبا، فإنه إنما يكون كذبا أن لو ~~أثبت ذلك حقيقة لا مجازا، كيف وإن الكذب مستقبح عند العقلاء بخلاف ~~الاستعارة والتجوز فإنه عندهم من المستحسنات. # قولهم: إنه من ركيك الكلام، ليس كذلك بل ربما كان المجاز أفصح وأقرب إلى ~~تحصيل مقاصد المتكلم البليغ على ما سبق. # وعن الثانية بمنع ما ذكروه من اشتراط المصير إلى المجاز بالعجز عن ~~الحقيقة، بل إنما يصار إليه مع القدرة على الحقيقة لما ذكرناه من المقاصد ~~فيما تقدم. # وعن الثالثة أنها مبنية على القول بالتقبيح العقلي وقد أبطلناه. (1) ~~PageV01P049 # كيف وهو لازم على الخصوم فيما ورد من الآيات المتشابهات، فما هو الجواب ~~في المتشابهات؟ هو الجواب لنا هاهنا. # وعن الرابعة أنه إنما لم يسم متجوزا ; لأن ذلك مما يوهم التسمح في أقواله ~~بالقبيح، ولهذا يفهم منه ذلك عند قول القائل: (فلان متجوز في مقاله) . . . ~~(1) ، فيتوقف إطلاقه في حق الله تعالى على الإطلاق الشرعي ولم يرد. # وعن الخامسة أن كلام الله وإن كان له حقيقة فبمعنى كونه صدقا لا بمعنى ~~الحقيقة المقابلة للمجاز. ### | [المسألة الرابعة اشتمال القرآن على كلمة غير عربية] # المسألة الرابعة # اختلفوا في اشتمال القرآن على كلمة غير عربية، فأثبته ابن عباس وعكرمة ~~ونفاه الباقون. (2) احتج النافون بقوله تعالى: {ولو جعلناه قرآنا أعجميا ~~لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي} فنفى أن يكون أعجميا وقطع اعتراضهم ~~بتنوعه بين أعجمي وعربي، ولا ينتفي الاعتراض وفيه أعجمي ms035 وبقوله تعالى: ~~{بلسان عربي مبين} ، وبقوله: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا} وظاهر ذلك ينافي أن ~~يكون فيه ما ليس بعربي. # واحتج المثبتون لذلك بقولهم: القرآن مشتمل على: المشكاة وهي هندية، ~~وإستبرق وسجيل بالفارسية، وطه بالنبطية، وقسطاس بالرومية، والأب وهي كلمة ~~لا تعرفها العرب. # ولذلك روي عن عمر أنه لما تلا هذه الآية قال: هذه الفاكهة فما الأب ~~PageV01P050 # قالوا: ولأن النبي عليه السلام مبعوث إلى أهل كل لسان كافة على ما قال ~~تعالى: {كافة للناس بشيرا ونذيرا} ، وقال عليه السلام: ( «بعثت إلى الأسود ~~والأحمر» ) . # فلا ينكر أن يكون كتابه جامعا للغة الكل ; ليتحقق خطابه للكل إعجازا ~~وبيانا. # وأيضا فإن النبي عليه السلام لم يدع أنه كلامه بل كلام الله تعالى رب ~~العالمين المحيط بجميع اللغات، فلا يكون تكلمه باللغات المختلفة منكرا، ~~غايته أنه لا يكون مفهوما للعرب، وليس ذلك بدعا بدليل تضمنه للآيات ~~المتشابهات والحروف المعجمة في أوائل السور. # أجاب النافون وقالوا: أما الكلمات المذكورة فلا نسلم أنها ليست عربية، ~~وغايته اشتراك اللغات المختلفة في بعض الكلمات، وهو غير ممتنع كما في ~~قولهم: سروال بدل سراويل، وفي قولهم تنور، فإنه قد قيل: إنه مما اتفق فيه ~~جميع اللغات ولا يلزم من خفاء كلمة الأب على عمر أن لا يكون عربيا ; إذ ليس ~~كل كلمات العربية مما أحاط بها كل واحد من آحاد العرب، ولهذا قال ابن عباس ~~ما كنت أدري ما معنى: {فاطر السماوات والأرض} حتى سمعت امرأة من العرب تقول ~~أنا فطرته أي ابتدأته. # وأما بعثته إلى الكل فلا يوجب ذلك اشتمال الكتاب على غير لغة العرب لما ~~ذكروه، وإلا لزم اشتماله على جميع اللغات، ولما جاز الاقتصار من كل لغة على ~~كلمة واحدة لتعذر البيان والإعجاز بها، وما ذكروه فغايته أنه إذا كان كلام ~~الله المحيط بجميع اللغات فلا يمتنع أن يكون مشتملا على اللغات المختلفة ~~ولكنه لا يوجبه فلا يقع ذلك في مقابلة النصوص الدالة على عدمه. # PageV01P051 ### | [المسألة الخامسة الخلاف فيما يحتاج إليه الاسم في إطلاقه على مسماه المجازي] ms036 # المسألة الخامسة # اختلفوا في إطلاق الاسم على مسماه المجازي: هل يفتقر في كل صورة إلى كونه ~~منقولا عن العرب، أو يكفي فيه ظهور العلاقة المعتبرة في التجوز كما عرفناه ~~أولا. (1) فمنهم من شرط في ذلك النقل مع العلاقة، ومنهم من اكتفى بالعلاقة ~~لا غير. # احتج الشارطون للنقل بأنه لو اكتفى بالعلاقة لجاز تسمية غير الإنسان نخلة ~~لمشابهته لها في الطول كما جاز في الإنسان، ولجاز تسمية الصيد شبكة، ~~والثمرة شجرة، وظل الحائط حائطا، والابن أبا تعبيرا عن هذه الأشياء بأسماء ~~أسبابها لما بينها وبين أسبابها من الملازمة في الغالب، وهي من الجهات ~~المصححة للتجوز، وليس كذلك، فدل على أنه لا بد من نقل الاستعمال. # ولقائل أن يقول: ما المانع أن يكون تحقق العلاقة بين محل الحقيقة ومحل ~~التجوز كافيا في جواز إطلاق الاسم على جهة المجاز، وحيث وجدت العلاقة ~~المجوزة للإطلاق في بعض الصور وامتنع الإطلاق، فإنما كان لوجود المنع من ~~قبل أهل اللغة لا للتوقف على نقل استعمالهم للاسم فيها على الخصوص. # فإن قيل: لو لم يكن نقل استعمال أهل اللغة معتبرا في محل التجوز فتسميته ~~(2) باسم الحقيقة إما بالقياس عليه، أو أنه مخترع للواضع المتأخر. # الأول ممتنع لما يأتي. (3) والثاني، فلا يكون من لغة العرب. (4) ~~PageV01P052 # قلنا: لا يلزم من عدم التنصيص في آحاد الصور من أهل اللغة على التسمية أن ~~يكون كما ذكروه بل ثم قسم ثالث (1) ، وهو أن تنص العرب كليا على جواز إطلاق ~~الاسم الحقيقي على كل ما كان بينه وبينه علاقة منصوص عليها من قبلهم كما ~~بيناه، ولا معنى للمجاز إلا هذا، وهو غير خارج عن لغتهم. # فإن قيل: لو كان الأمر على ما ذكرتموه لكان المنع منهم متحققا مع وجود ~~المطلق، وهو تعارض مخالف للأصل يخالف ما ذكرناه. # قلنا: أمكن أن يكون المطلق ما ذكرناه مشروطا بعدم ظهور المنع ومع ظهور ~~المنع فلا مطلق وفيه عوص. (2) واحتج النافون بأن إطلاق المجاز مما لا يفتقر ~~إلى بحث ونظر دقيق في الجهات المصححة في التجوز، والأمر ms037 النقلي لا يكون ~~كذلك. # وأيضا فإنه لو كان نقليا لما افتقر فيه إلى العلاقة بينه وبين محل ~~الحقيقة، بل لكان النقل فيه كافيا. # ولقائل أن يقول: أما الأول فالنظر ليس في النقل بل في العلاقة التي بين ~~محل التجوز والحقيقة، وأما الثاني فلأن الافتقار إلى العلاقة إنما كان ~~لضرورة توقف المجاز من حيث هو مجاز عليها، وإلا كان إطلاق الاسم عليه من ~~باب الاشتراك لا من باب المجاز، وإذا تقاومت الاحتمالات في هذه المسألة ~~فعلى الناظر بالاجتهاد في الترجيح. PageV01P053 ### | [القسمة الرابعة الاسم لا يخلو إما أن يكون بحيث لا يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون أو يصح] ### | [المسألة الأولى بقاء الصفة المشتق منها هل يشترط في إطلاق اسم المشتق حقيقة أم لا] # القسمة الرابعة # الاسم لا يخلو إما أن يكون بحيث لا يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون أو ~~يصح. # فالأول: اسم العلم كزيد وعمرو. # والثاني: إما أن لا يكون صفة أو هو صفة. # والأول هو اسم الجنس، وهو إما أن يكون عينا كالإنسان والفرس، أو غير عين ~~كالعلم والجهل. # والصفة كالقائم والقاعد، وهو الاسم المشتق، والمشتق هو ما غير من أسماء ~~المعاني عن شكله بزيادة أو نقصان في الحروف أو الحركات أو فيهما، وجعل دالا ~~على ذلك المعنى وعلى موضوع له غير معين كتسمية الجسم الذي قام به السواد ~~أسود، والبياض أبيض ونحوه، ولا يتصور أن يكون المشتق إلا كذلك. # وهل يشترط قيام المشتق منها بما له الاشتقاق؟ وهل يلزم الاشتقاق من الصفة ~~المعنوية لما قامت به؟ فذلك مما أوجبه أصحابنا ونفاه المعتزلة، حيث إنهم ~~جوزوا اشتقاق اسم المتكلم لله تعالى من كلام مخلوق له غير قائم بذاته، ولم ~~يوجبوا الاشتقاق منه للمحل الذي خلق فيه، وقد عرفنا مأخذ الخلاف من ~~الجانبين، وما هو الصحيح منه في " أبكار الأفكار " فليلتمس. (1) مسائل هذه ~~القسمة مسألتان: # المسألة الأولى # في أن بقاء الصفة المشتق منها هل يشترط في إطلاق اسم المشتق حقيقة أم لا؟ ~~فأثبته قوم ونفاه آخرون، وقد فصل بعضهم بين ms038 ما هو ممكن الحصول وما ليس ~~ممكنا، فاشترط ذلك في الممكن دون غيره. PageV01P054 # احتج الشارطون بأنه لو كان إطلاق الضارب على شخص ما حقيقة بعد انقضائه ~~(1) صفة الضرب منه لما صح نفيه، ويصح أن يقال: إنه في الحال ليس بضارب. # ولقائل أن يقول: صحة سلب الضاربية عنه في الحال، إنما يلزم منه سلبها عنه ~~مطلقا ; إذ (2) لو لم يكن أعم من الضاربية في الحال، وهو غير مسلم، وعند ~~ذلك فلا يلزم من صحة سلب الأخص سلب الأعم. # فإن قيل: " قول القائل هذا ضارب " لا يفيد سوى كونه ضاربا في الحال، فإذا ~~سلم صحة سلبه في الحال فهو المطلوب. # قلنا: هذا بعينه إعادة دعوى محل النزاع، بل الضارب هو من حصل له الضرب ~~وهو أعم من حصول الضرب له في الحال، فالضارب أعم من الضارب في الحال. # فإن قيل: وكما أن حصول الضرب أعم من حصول الضرب في الحال ; لانقسامه إلى ~~الماضي والحال فهو أعم من المستقبل أيضا ; لانقسامه في الحال والمستقبل، ~~فإن صدق اسم الضارب حقيقة باعتبار هذا المعنى الأعم، فليكن اسم الضارب ~~حقيقة قبل وجود الضرب منه، كما كان حقيقة بعد زوال الضرب. # قلنا: الضارب حقيقة من حصل منه الضرب، وهذا يصدق على من وجد منه الضرب في ~~الماضي أو الحال، بخلاف من سيوجد منه الضرب في المستقبل، فإنه لا يصدق عليه ~~أنه حصل منه الضرب، وعند ذلك فلا يلزم من صدق الضارب حقيقة على من وجد منه ~~الضرب، صدقه حقيقة على من سيوجد منه الضرب ولم يوجد. # واحتج النافون بوجوه: PageV01P055 # الأول: أن أهل اللغة قالوا: إذا كان اسم الفاعل بتقدير الماضي لا يعمل ~~عمل الفعل، فلا يقال ضارب زيدا أمس كما يقال بتقدير المستقبل، بل يقال: ~~ضارب زيد، أطلقوا عليه اسم الفاعل باعتبار ما صدر عنه من الفعل الماضي. # الثاني: أنه لو كان وجود ما منه الاشتقاق شرطا في صحة الاشتقاق حقيقة لما ~~كان إطلاق اسم المتكلم والمخبر حقيقة أصلا ; لأن ذلك لا يصح إلا بعد تحقق ~~الكلام ms039 منه والخبر، وهو إنما يتم بمجموع حروفه وأجزائه، ولا وجود للحروف ~~السابقة مع الحرف الأخير أصلا، ولا خفاء بامتناع كونه متكلما حقيقة قبل ~~وجود الكلام، فلو لم يكن حقيقة عند آخر جزء من الكلام والخبر مع عدم وجود ~~الكلام، والخبر في تلك الحالة لما كان حقيقة أصلا، وهو ممتنع وإلا لصح أن ~~يقال: إنه ليس بمتكلم إذ هو لازم نفي الحقيقة، ولما حنث من حلف أن فلانا لم ~~يتكلم حقيقة وإنني لا أكلم فلانا حقيقة إذا كان قد تكلم أو كلمه. # الثالث: إن الضارب من حصل منه الضرب، ومن وجد منه الضرب في الماضي يصدق ~~عليه أنه قد حصل منه الضرب فكان ضاربا حقيقة. # ولقائل أن يقول: أما الوجه الأول فإنه لا يلزم من إطلاق اسم الفاعل عليه ~~أن يكون حقيقة، ولهذا فإنهم قالوا: اسم الفاعل إذا كان بتقدير المستقبل عمل ~~عمل الفعل، فقيل: ضارب زيدا غدا وليس ذلك حقيقة بالاتفاق. # وأما الوجه الثاني فغير لازم أيضا ; إذ للخصم أن يقول: شرط كون المشتق ~~حقيقة إنما هو وجود ما منه الاشتقاق إن أمكن، وإلا فوجود آخر جزء منه، وذلك ~~متحقق في الكلام والخبر بخلاف ما نحن فيه. # وأما الثالث: فلا نسلم أن اسم الضارب حقيقة على من وجد منه الضرب مطلقا، ~~بل من الضرب حاصل منه حالة تسميته ضاربا، ثم يلزم تسمية أجلاء الصحابة كفرة ~~; لما وجد منهم من الكفر السابق، والقائم قاعدا، والقاعد قائما ; لما وجد ~~منه من القعود والقيام السابق، وهو غير جائز بإجماع المسلمين وأهل اللسان. # هذا ما عندي في هذه المسألة، وعليك بالنظر والاعتبار. # PageV01P056 ### | [المسألة الثانية الأسماء اللغوية هل ثبتت قياسا أم لا] # المسألة الثانية # اختلفوا في الأسماء اللغوية: هل ثبتت قياسا أم لا؟ فأثبته القاضي أبو بكر ~~وابن سريج من أصحابنا وكثير من الفقهاء وأهل العربية، وأنكره معظم أصحابنا ~~والحنفية وجماعة من أهل الأدب مع اتفاقهم على امتناع جريان القياس في أسماء ~~الأعلام وأسماء الصفات. # أما أسماء الأعلام؛ فلكونها غير موضوعة لمعان موجبة لها، والقياس ms040 لا بد ~~فيه من معنى جامع: إما معرف وإما داع، وإذا قيل في حق الأشخاص في زماننا: ~~هذا سيبويه وهذا جالينوس، فليس بطريق القياس في التسمية، بل معناه: هذا ~~حافظ كتاب سيبويه وعلم جالينوس بطريق التجوز، كما يقال: قرأت سيبويه ~~والمراد به كتابه. # وأما أسماء الصفات الموضوعة للفرق بين الصفات كالعالم وكالقادر، فلأنها ~~واجبة الاطراد ; نظرا إلى تحقق معنى الاسم، فإن مسمى العالم من قام به ~~العلم، وهو متحقق في حق كل من قام به العلم، فكان إطلاق اسم العالم عليه ~~بالوضع لا بالقياس ; إذ ليس قياس أحد المسميين (1) المتماثلين في المسمى ~~على الآخر أولى من العكس، وإنما الخلاف في الأسماء الموضوعة على مسمياتها ~~مستلزمة لمعان في محالها وجودا وعدما، وذلك كإطلاق اسم الخمر على النبيذ ~~بواسطة مشاركته للمعتصر من العنب في الشدة المطربة المخمرة على العقل، ~~وكإطلاق اسم السارق على النباش بواسطة مشاركته للسارقين من الأحياء في أخذ ~~المال على سبيل الخفية، وكإطلاق اسم الزاني على اللائط بواسطة مشاركته ~~للزاني في إيلاج الفرج المحرم. والمختار أنه لا قياس ; وذلك لأنه إما أن ~~ينقل عن العرب أنهم وضعوا اسم الخمر لكل مسكر، أو للمعتصر من العنب خاصة، ~~أو لم ينقل شيء من ذلك. # فإن كان الأول، فاسم الخمر ثابت للنبيذ بالتوقيف لا بالقياس. وإن كان ~~الثاني، فالتعدية تكون على خلاف المنقول عنهم ولا يكون ذلك من لغتهم. ~~PageV01P057 # وإن كان الثالث، فيحتمل أن يكون الوصف الجامع الذي به التعدية دليلا على ~~التعدية، ويحتمل أن لا يكون دليلا بدليل ما صرح بذلك، وإذا احتمل، واحتمل ~~فليس أحد الأمرين أولى من الآخر. فالتعدية تكون ممتنعة. # فإن قيل: الوصف الجامع وإن احتمل أن لا يكون دليلا، غير أن احتمال كونه ~~دليلا أظهر، وبيانه من ثلاثة أوجه: # الأول: أن الاسم دار مع الوصف في الأصل وجودا وعدما، والدوران دليل كون ~~وجود الوصف أمارة على الاسم فيلزم من وجوده في الفرع وجود الاسم. # الثاني: أن العرب إنما سمت باسم الفرس، والإنسان الذي كان في زمانهم، ~~وكذلك ms041 وصفوا الفاعل في زمانهم بأنه رفع والمفعول نصب، وإنما وصفوا بعض ~~الفاعلين والمفعولين، ومع ذلك فالاسم مطرد في زماننا بإجماع أهل اللغة في ~~كل إنسان وفرس وفاعل ومفعول، وليس ذلك إلا بطريق القياس. # الثالث: قوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} وهو عام في كل قياس، ثم ~~ما ذكرتموه باطل بالقياس الشرعي، فإن كل ما ذكرتموه من الأقسام بعينه متحقق ~~فيه، ومع ذلك فالقياس صحيح متبع، وهو أيضا على خلاف مذهب الشافعي فإنه سمى ~~النبيذ خمرا وأوجب الحد بشربه وأوجب الحد على اللائط قياسا على الزنى، ~~وأوجب الكفارة في يمين الغموس قياسا على اليمين في المستقبل وتأول حديث ( ~~«الشفعة للجار» ) بحمله على الشريك في الممر، وقال: العرب تسمي الزوجة جارا ~~فالشريك أولى. # قلنا: جواب الأول: أن دوران الاسم مع الوصف في الأصل وجودا وعدما لا يدل ~~على كونه علة للاسم بمعنى كونه داعيا إليه وباعثا، بل إن كان ولا بد فبمعنى ~~كونه أمارة، وكما دار مع اسم الخمر مع الشدة المطربة دار مع خصوص شدة ~~المعتصر من العنب، وذلك غير موجود في النبيذ فلا قياس، # PageV01P058 # ثم ما ذكروه منتقض بتسمية العرب للرجل الطويل نخلة، والفرس الأسود أدهم ~~والملون بالبياض والسواد أبلق، والاسم فيه دائر مع الوصف في الأصل وجودا ~~وعدما، ومع ذلك لم يسموا الفرس والجمل لطوله نخلة، ولا الإنسان المسود ~~أدهم، ولا المتلون من باقي الحيوانات بالسواد والبياض أبلق، وكل ما هو ~~جوابهم في هذه الصور جوابنا في موضع النزاع. # وجواب الثاني: أن ما وقع الاستشهاد به لم يكن مستند التسمية فيه على ~~الإطلاق القياس، بل العرب وضعت تلك الأسماء للأجناس المذكورة بطريق العموم ~~لا أنها وضعتها للمعين ثم طرد القياس في الباقي. # وجواب الثالث: بمنع العموم في كل اعتبار، وإن كان عاما في المعتبر (1) ، ~~فلا يدخل فيه القياس في اللغة، وأما النقض بالقياس الشرعي فغير متجه من جهة ~~أن اجتماع الأمة من السلف عندنا أوجب الإلحاق عند ظن الاشتراك في علة حكم ~~الأصل، حتى إنه لو لم يكن إجماع ms042 لم يكن قياس، ولا إجماع فيما نحن فيه من ~~الأمة السابقة على الإلحاق، فلا قياس. # وأما تسمية الشافعي رضي الله عنه النبيذ خمرا، فلم يكن في ذلك مستندا إلى ~~القياس، بل إلى قوله عليه السلام: (إن من التمر خمرا) (2) ، وهو توقيف لا ~~قياس، وإيجابه للحد في اللواط وفي النبش، لم يكن لكون اللواط زنى ولا لكون ~~النبش سرقة، بل لمساواة اللواط للزنى والنبش للسرقة في المفسدة المناسبة ~~للحد المعتبر في الشرع. # وأما يمين الغموس، فإنما سميت يمينا لا بالقياس بل بقوله صلى الله عليه ~~وسلم: (اليمن الغموس تدع الديار بلاقع) (3) فكان ذلك بالتوقيف. PageV01P059 # وأما تسمية الشافعي للشريك جارا، إنما كان بالتوقيف لا بالقياس على ~~الزوجة، وإنما ذكر الزوجة لقطع الاستبعاد في تسمية الشريك جارا لزيادة قربه ~~بالنسبة إلى الجار الملاصق، فقال: الزوجة أقرب من الشريك وهي جار، فلا ~~يستبعد ذلك فيما هو أبعد منها، وبتقدير أن يكون قائلا بالقياس في اللغة إلا ~~أن غيره مخالف له، والحق من قوليهما أحق أن يتبع. ### | [الفصل الخامس في الفعل وأقسامه] # الفصل الخامس # في الفعل وأقسامه # والفعل: ما دل على حدث مقترن بزمان محصل مميز بفعل مخصوص. # والحدث: المصدر، وهو اسم الفعل، والزمان المحصل الماضي والحال والمستقبل، ~~وهو منقسم بحسب انقسام الزمان، فالماضي منه كقام وقعد. # والحاضر والمستقبل في اللفظ واحد، ويسمى المضارع وهو ما في أوله إحدى ~~الزوائد الأربع وهي: الهمزة، والتاء، والنون، والياء، كقولك: أقوم، وتقوم، ~~ونقوم، ويقوم. وتخليص المستقبل عن الحاضر بدخول السين أو سوف عليه كقولك: ~~سيقوم، وسوف يقوم. # وأما فعل الأمر، فما نزع منه حرف المضارعة كقولك في يقوم قم ونحوه. # ويدخل في هذه الأقسام: فعل ما لم يسم فاعله، وأفعال القلوب والجوارح، ~~والأفعال الناقصة، وأفعال المدح والذم والتعجب. # والفعل وإن كان كلمة مفردة عند النحاة مطلقا (1) ، فعند الحكماء (2) ~~المفرد منه إنما هو الماضي دون المضارع، وذلك لأن حرف المضارعة في المضارع ~~هو PageV01P060 # الدال على الموضوع (1) معينا كان أو غير معين، والمفرد هو الدال الذي لا ~~جزء له يدل ms043 على شيء أصلا على ما سبق تحقيقه في حد المفرد، وهو بخلاف الماضي ~~فإنه وإن دل على الفعل وعلى موضوعه فليس فيه حرف يدل على الموضوع فكان ~~مفردا. # وقد ألحق بعضهم ما كان من المضارع الذي في أوله الياء بالماضي في الإفراد ~~دون غيره ; لاشتراكهما في الدلالة على الفعل وعلى موضوع له غير معين وليس ~~بحق، فإنهما وإن اشتركا في هذا المعنى فمفترقان من جهة دلالة الياء على ~~الموضوع الذي ليس معينا، بخلاف الماضي حيث إنه لم يوجد منه حرف يدل على ~~الموضوع كما سبق. ### | [الفصل السادس في الحرف وأصنافه] # الفصل السادس # في الحرف وأصنافه # الحرف: ما دل على معنى في غيره، وهو على أصناف: # منها: حرف الإضافة، وهو ما يفضي بمعاني الأفعال إلى الأسماء، وهو ثلاثة ~~أقسام: # الأول: منه ما لا يكون إلا حرفا كمن، وإلى، وحتى، وفي، والباء، واللام، ~~ورب، وواو القسم وتائه. # أما " من " فهي قد تكون لابتداء الغاية كقولك: سرت من بغداد، وللتبعيض ~~كقولك: أكلت من الخبز، ولبيان الجنس كقولك: خاتم من حديد، وزائدة كقولك: ما ~~جاءني من أحد. PageV01P061 # وأما (إلى) فهي قد تكون لانتهاء الغاية كقولك: سرت إلى بغداد، وبمعنى " ~~مع " كقوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} . # وأما (حتى) ففي معنى إلى. # وأما (في) فللظرفية كقولك: زيد في الدار، وقد ترد بمعنى " على " كقوله ~~تعالى: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} وقد يتجوز بها في قولهم: نظرت في العلم ~~الفلاني. # وأما (الباء) فللإلصاق كقولك: به داء، وقد تكون للاستعانة كقولك: كتبت ~~بالقلم، والمصاحبة كقولك: اشتريت الفرس بسرجه، وقد ترد بمعنى " على " قال ~~الله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن ~~تأمنه بدينار لا يؤده إليك} أي على قنطار وعلى دينار، وقد ترد بمعنى " من ~~أجل " قال الله تعالى: {ولم أكن بدعائك رب شقيا} أي لأجل دعائك، وقيل: ~~بمعنى في دعائك. # وقد تكون زائدة كقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} . # وأما (اللام) فهي للاختصاص كقولك: " المال لزيد "، وقد تكون زائدة ms044 كقوله: ~~(ردف لكم) . # وأما (رب) فهي للتقليل، ولا تدخل إلا على النكرة كقولك: رب رجل عالم. # وأما (واو القسم) فمبدلة عن باء الإلصاق في قولك: أقسمت بالله. # و (التاء) مبدلة من الواو في تالله (1) . # القسم الثاني # ما يكون حرفا واسما كعلى وعن والكاف ومذ ومنذ. # فأما (على) فهي للاستعلاء، وهي إما حرف كقولك: على زيد دين، وإما اسم ~~كقول الشاعر: # غدت من عليه بعدما تم ظمؤها ... تصل وعن قيض بزبزاء مجهل. PageV01P062 # وأما (عن) فللمباعدة، وهي إما حرف كقوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره} ، وإما اسم كقولك: جلست من عن يمينه. # وأما (الكاف) فقد تكون حرفا للتشبيه كقولك: زيد كعمرو، وقد تكون اسما ~~كقول الشاعر: # يضحكن عن كالبرد المنهم. # وأما (مذ) و (منذ) فحرفان لابتداء الغاية في الزمان تقول: ما رأيته مذ ~~اليوم، ومنذ يوم الجمعة، وقد يكونان اسمين إذا رفعا ما بعدهما. # القسم الثالث: ما يكون حرفا وفعلا كحاشا وخلا وعدا، فإنها تخفض ما بعدها ~~بالحرفية وقد تنصبه بالفعلية. # ومنها الحرف المضارع للفعل، وهو ينصب الاسم ويرفع الخبر مثل: إن، وأن، ~~ولكن، وكأن، وليت، ولعل. # ومنها حروف العطف وهي عشرة منها أربعة تشترك في جمع المعطوف والمعطوف ~~عليه في حكم غير أنها تختلف في أمور أخرى. # وهذه هي: (الواو، والفاء، وثم، وحتى) . # أما " الواو " فقد اتفق جماهير أهل الأدب على أنها للجمع غير مقتضية ~~ترتيبا ولا معية، ونقل عن بعضهم أنها للترتيب مطلقا، ونقل عن الفراء أنها ~~للترتيب حيث يستحيل الجمع كقوله: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} . # وقيل: إنها ترد بمعنى " أو " كقوله تعالى: {أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} ~~قيل: أراد مثنى أو ثلاث أو رباع، وقد ترد للاستئناف كالواو في قوله تعالى: ~~{وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به} تقديره: ~~والراسخون يقولون آمنا به، وقد ترد بمعنى " مع " في باب المفعول معه، تقول: ~~جاء البرد والطيالسة، وقد ترد بمعنى " إذ " قال الله تعالى: {ثم أنزل عليكم ~~من بعد الغم أمنة نعاسا} إلى قوله: ms045 {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} أي إذ طائفة ~~قد أهمتهم أنفسهم. # PageV01P063 # احتج القائلون بالجمع المطلق من تسعة أوجه: # الأول: أنه لو كانت " الواو " في قول القائل (رأيت زيدا وعمرا) للترتيب ~~لما صح قوله تعالى: {وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة} في آية، وفي آية أخرى: ~~{وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا} مع اتحاد القضية ; لما فيه من جعل المتقدم ~~متأخرا والمتأخر متقدما. # الثاني: أنه لو كانت للترتيب لما حسن قول القائل " تقاتل زيد وعمرو " إذ ~~لا ترتيب فيه. # الثالث: أنه كان يلزم أن يكون قول القائل " جاء زيد وعمرو " كاذبا ثم ~~مجيئهما معا أو تقدم المتأخر، وليس كذلك. # الرابع: أنه كان يلزم أن يكون قوله " رأيت زيدا وعمرا بعده " تكريرا و " ~~قبله " تناقضا. # الخامس: أنها لو كانت للترتيب لما حسن الاستفسار عن تقدم أحدهما وتأخر ~~الآخر ; لكونه مفهوما من ظاهر العطف. # السادس: أنه كان يجب على العبد الترتيب عند قول سيده له: إيت بزيد وعمرو. # السابع: هو أن واو العطف في الأسماء المختلفة جارية مجرى واو الجمع وفي ~~الأسماء المتماثلة مجرى ياء التثنية، وهما لا يقتضيان الترتيب فكذلك ما هو ~~جار مجراهما. # الثامن: أن الجمع المطلق معقول، فلا بد له من حرف يفيده، وليس ثم من ~~الحروف سوى (الواو) بالإجماع فتعين أن يكون هو (الواو) . # التاسع: أنها لو أفادت الترتيب لدخلت في جواب الشرط كالفاء، ولا يحسن أن ~~يقال: (إذا دخل زيد الدار وأعطه درهما) كما يحسن أن يقال (فأعطه درهما) . # ولقائل أن يقول: على الوجه الأول إذا كان من أصل المخالف أن " الواو " ~~ظاهرة في الترتيب فلا يمنع ذلك من حملها على غير الترتيب تجوزا، وعلى هذا ~~فحيث تعذر حملها على الترتيب في الآيتين المذكورتين لا يمنع من استعمالها ~~في غير الترتيب بجهة التجوز. # PageV01P064 # وكذلك الكلام في قولهم (تقاتل زيد وعمرو) ولا يلزم من التجوز بالواو في ~~غير الترتيب أن يتجوز عنه بالفاء وثم ; إذ هو غير لازم مع اختلاف الحروف. # وعلى الوجه الثالث: أنه لا يلزم أن يكون كاذبا بتقدير المعية ms046 أو تقدم ~~المتأخر في اللفظ لإمكان التجوز بها عن الجمع المطلق، كما لو قال: (رأيت ~~أسدا) وكان قد رأى إنسانا شجاعا. # وعلى الرابع: أنه إذا قال: " رأيت زيدا وعمرا بعده " لا يكون تكريرا ; ~~لأنه يكون مفيدا لامتناع حمله على الجمع المطلق لاحتمال توهمه بجهة التجوز، ~~وإذا قال: (رأيت زيدا وعمرا قبله) لا يكون تناقضا لكونه مفيدا لإرادة جهة ~~التجوز. # وعلى الخامس: أنه إنما حسن الاستفسار لاحتمال اللفظ له تجوزا. # وعلى السادس: أنه إنما لم يجب على العبد الترتيب نظرا إلى قرينة الحال ~~المقتضية لإرادة جهة التجوز حتى إنه لو فرض عدم القرينة لقد كان ذلك موجبا ~~للترتيب. # فإن قيل: لو كانت " الواو " حقيقة في الترتيب فإفادتها للجمع المطلق عند ~~تفسيرها به، إن كان مجازا فهو خلاف الأصل، وإن كان حقيقة فيلزم منه ~~الاشتراك وهو أيضا على خلاف الأصل. # قلنا: ولو كانت حقيقة في الجمع المطلق فإفادتها للترتيب عند تفسيرها به، ~~وإن كان مجازا فهو خلاف الأصل، وإن كان حقيقة كان مشتركا وهو خلاف الأصل، ~~وليس أحد الأمرين أولى من الآخر. # فإن قيل: بل ما ذكرناه أولى ; لأنها إذا كانت حقيقة في الترتيب خلا الجمع ~~المطلق عن حرف يخصه ويدل عليه، وإذا كانت حقيقة في الجمع المطلق لم يخل ~~الترتيب عن حرف يدل عليه لدلالة (الفاء) و (ثم) عليه. # قلنا: إنما نجعلها حقيقة في الترتيب المطلق المشترك بين (الفاء) و (ثم) ~~وذلك مما لا تدل عليه (الفاء) و (ثم) دلالة مطابقة، بل إما بجهة التضمن أو # PageV01P065 # الالتزام، وكما أنها تدل على الترتيب المشترك بدلالة التضمن أو الالتزام ~~فتدل على الجمع المطلق هذه الدلالة، وعند ذلك فليس إخلاء الترتيب المشترك ~~عن لفظ يطابقه أولى من إخلاء الجمع المطلق. # وعلى السابع: أن ما ذكروه إنما يلزم أن لو كانت (الواو) جارية مجرى (واو) ~~الجمع و (ياء) التثنية مطلقا وليس كذلك ; لأنه لا مانع من كونها جارية ~~مجراهما في مطلق الجمع مع كونها مختصة بالترتيب، كما في (الفاء) و (ثم) . # وعلى الثامن: أنه كما ms047 أن الجمع المطلق معقول ولا بد له من حرف يدل عليه، ~~فالترتيب المطلق أيضا معقول ولا بد له من حرف يدل عليه، وليس ما يفيده ~~بالإجماع سوى (الواو) فتعين، كيف وإن الجمع المطلق حاصل بقوله: (رأيت زيدا، ~~رأيت عمرا) . # وعلى التاسع: أن ما ذكروه منتقض بثم وبعد. # وأما المثبتون للترتيب، فقد احتجوا بالنقل، والحكم، والمعنى. # أما النقل فقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} فإنه مقتض ~~للترتيب. # وأيضا ما روي أنه لما نزل قوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} ~~قال الصحابة للنبي عليه السلام: (بم نبدأ) قال: ( «ابدؤوا بما بدأ الله به» ~~) (1) ولولا أن (الواو) للترتيب لما كان كذلك. # وأيضا ما روي «أن واحدا قام بين يدي رسول الله وقال: (من أطاع الله ~~ورسوله فقد اهتدى ومن عصاهما فقد غوى) فقال عليه السلام: (بئس خطيب القوم ~~أنت، قل: ومن عصى الله ورسوله فقد غوى) » (2) ولو كانت (الواو) للجمع ~~المطلق لما وقع الفرق. PageV01P066 # وأيضا ما روي عن عمر أنه قال لشاعر قال: ( # كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا # ) : لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك. وكان عمر من أهل اللسان، وذلك يدل ~~على الترتيب. # وأيضا ما روي أن الصحابة أنكروا على ابن عباس وقالوا له: لم تأمرنا ~~بالعمرة قبل الحج وقد قال الله: {وأتموا الحج والعمرة لله} وكانوا أيضا من ~~أهل اللسان، وذلك يدل على الترتيب ولولا أن (الواو) للترتيب لما كان كذلك. # وأما الحكم فإنه لو قال الزوج لزوجته قبل الدخول بها: أنت طالق وطالق ~~وطالق، وقع بها طلقة واحدة، ولو كانت (الواو) للجمع المطلق لوقعت الثلاث، ~~كما لو قال لها: أنت طالق ثلاثا. # وأما المعنى فهو أن اللفظ يستدعي سببا، والترتيب في الوجود صالح له فوجب ~~الحمل عليه. # أجاب النافون عن النقل: أما الآية فلا نسلم أن الترتيب مستفاد منها، بل ~~من دليل آخر وهو أن النبي عليه السلام صلى ورتب الركوع قبل السجود وقال: ( ~~«صلوا كما رأيتموني أصلي» ) ولو كانت (الواو) للترتيب لما احتاج النبي عليه ~~السلام ms048 إلى هذا البيان. # وأما قوله عليه السلام: ( «ابدؤوا بما بدأ الله به» ) فهو دليل عليهم، ~~حيث سأله الصحابة عن ذلك مع أنهم من أهل اللسان، ولو كانت (الواو) للترتيب ~~لما احتاجوا إلى ذلك السؤال. # ولقائل أن يقول: ولو كانت للجمع المطلق لما احتاجوا إلى السؤال فيتعارضان ~~ويبقى قوله عليه السلام: ( «ابدؤوا بما بدأ الله به» ) وهو دليل الترتيب. # وأما قوله عليه السلام: ( «قل: ومن عصى الله ورسوله فقد غوى» ) إنما قصد ~~به إفراد ذكر الله تعالى أولا مبالغة في تعظيمه لا أن " الواو " للترتيب، ~~ويدل عليه أن معصية الله ورسوله لا انفكاك لإحداهما عن الأخرى حتى يتصور ~~فيهما الترتيب. # PageV01P067 # وأما قول عمر فمبني على قصد التعظيم بتقديم ذكر الأعظم لا على قصد ~~الترتيب. # وأما قصة الصحابة مع ابن عباس فلم يكن مستند إنكارهم لأمره بتقديم العمرة ~~على الحج كون الآية مقتضية لترتيب العمرة بعد الحج، بل لأنها مقتضية للجمع ~~المطلق، وأمره بالترتيب مخالف لمقتضى الآية، كيف وإن فهمهم لترتيب العمرة ~~على الحج من الآية معارض بما فهمه ابن عباس وهو ترجمان القرآن. # وأما الحكم فهو ممنوع على أصل من يعتقد أن " الواو " للجمع المطلق، وبه ~~قال أحمد بن حنبل وبعض أصحاب مالك والليث بن سعد وربيعة بن أبي ليلى، وقد ~~نقل عن الشافعي ما يدل عليه في القديم، وإن سلم ذلك فالوجه في تخريجه أن ~~يقال: إذا قال لها: أنت طالق ثلاثا، فالأخير تفسير للأول، والكلام يعتبر ~~بجملته بخلاف قوله: أنت طالق وطالق وطالق. # وأما المعنى فهو منقوض بقوله: رأيت زيدا، رأيت عمرا. فإن تقديم أحد ~~الاسمين في الذكر لا يستدعي تقديمه في نفس الأمر إجماعا، كيف وأنه يجوز أن ~~يكون السبب في تقديمه ذكرا لزيادة حبه له واهتمامه بالإخبار عنه، أو لأنه ~~قصد الإخبار عنه لا غير، ثم تجدد له قصد الإخبار عن الآخر عند إخباره عن ~~الأول. # وبالجملة فالكلام في هذه المسألة متجاذب، وإن كان الأرجح هو الأول في ~~النفس. # وأما " الفاء " و " ثم " و " حتى " فإنها تقتضي ms049 الترتيب، وتختلف من جهات ~~أخر. # فأما " الفاء " فمقتضاها إيجاب الثاني بعد الأول من غير مهلة، هذا مما ~~اتفق الأدباء على نقله عن أهل اللغة، وقوله تعالى: {وكم من قرية أهلكناها ~~فجاءها بأسنا} وإن كان مجيء البأس لا يتأخر عن الهلاك، فيجب تأويله بالحكم ~~بمجيء البأس بعد هلاكها ضرورة موافقة النقل (1) ، وقوله تعالى: {لا تفتروا ~~على الله كذبا فيسحتكم بعذاب} PageV01P068 # ، وقوله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} فإنه ~~وإن كان الإسحات بالعذاب مما يتراخى عن الافتراء بالكذب، وكذلك الرهن مما ~~يتراخى عن المداينة، غير أنه يجب تأويله بأن حكم الافتراء الإسحات، وحكم ~~المداينة الرهنية ; لما ذكرناه من موافقة النقل. # وقد ترد " الفاء " مورد " الواو " كقول الشاعر: # بسقط اللوى بين الدخول فحومل # ) . # وأما (ثم) فإنها توجب الثاني بعد الأول بمهلة، وقوله تعالى: {وإني لغفار ~~لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} وإن كان الاهتداء يتراخى عن التوبة ~~والإيمان والعمل الصالح، فيجب حمله على دوام الاهتداء وثباته ضرورة موافقة ~~النقل. # وقيل: إنها قد ترد بمعنى (الواو) كقوله تعالى: {فإلينا مرجعهم ثم الله ~~شهيد على ما يفعلون} لاستحالة كونه شاهدا بعد أن لم يكن شاهدا. # وأما (حتى) فموجبة لكون المعطوف جزءا من المعطوف عليه نحو قولك: مات ~~الناس حتى الأنبياء، وقدم الحاج حتى المشاة. فالأول أفضله والثاني دونه. # وثلاثة منها تشترك في تعليق الحكم بأحد المذكورين وهي: أو، وإما، وأم. # إلا أن (أو) و (إما) يقعان في الخبر والأمر والاستفهام، و (أم) لا تقع ~~إلا في الاستفهام، غير أن (أو) و (إما) في الخبر للشك، تقول: جاء زيد أو ~~عمرو، وجاء إما زيد وإما عمرو، وفي الأمر للتخيير تقول: اضرب زيدا أو عمرا، ~~واضرب إما زيدا وإما عمرا. وللإباحة تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين. و (أو) ~~في الاستفهام مع الشك في وجود الأمرين، و (أم) مع العلم بأحدهما والشك في ~~تعيينه. # وثلاثة منها تشترك في أن المعطوف مخالف للمعطوف عليه في حكمه وهي: لا، ~~وبل، ولكن. تقول: جاءني زيد ms050 لا عمر بل عمر، وما جاءني زيد لكن عمرو. ومنها ~~حروف النفي وهي: ما، ولا، ولم، ولما، ولن، وإن بالتخفيف. # PageV01P069 # فأما (ما) فلنفي الحال أو الماضي القريب من الحال، كقولك ما تفعل ما فعل. # وأما (لا) فلنفي المستقبل إما خبرا كقولك: لا رجل في الدار، أو نهيا ~~كقولك: لا تفعل، أو دعاء كقولك: لا رعاك الله. # وأما (لم) و (لما) فلقلب المضارع إلى الماضي تقول: لم يفعل، ولما يفعل. # و (لن) لتأكيد المستقبل كقولك: لن أبرح اليوم مكاني تأكيدا لقولك: لا ~~أبرح اليوم مكاني. # و (إن) لنفي الحال كقوله تعالى: {إن كانت إلا صيحة واحدة} . # ومنها حروف التنبيه وهي: ها، وألا، وأما. # تقول: ها أفعل كذا، وألا زيد قائم، وأما إنك خارج. # ومنها حروف النداء وهي: يا، وأيا، وهيا، وأي، والهمزة، ووا. # والثلاثة الأول لنداء البعيد، وأي والهمزة للقريب، ووا للندبة. # ومنها حروف التصديق والإيجاب وهي: نعم، وبلى، وأجل، وجير، وإي، وإن. فنعم ~~مصدقة لما سبق من قول القائل: قام زيد ما قام زيد. # و (بلى) لإيجاب ما نفي كقولك: بلى، لمن قال: ما قام زيد. # و (أجل) لتصديق الخبر كقولك: أجل، لمن قال: جاء زيد. # و (جير) و (إن) و (إي) للتحقيق، تقول: جير لأفعلن كذلك، وإن الأمر كذا، ~~وإي والله. # ومنها حروف الاستثناء وهي: إلا، وحاشا، وعدا، وخلا. # والحرف المصدري، وهو (ما) في قولك: أعجبني ما صنعت، أي صنعك. و (أن) في ~~قولك: أريد أن تفعل كذا، أي فعلك. # وحروف التحضيض وهي: لولا، ولوما، وهلا، وألا فعلت كذا، إذا أردت الحث على ~~الفعل. # PageV01P070 # وحرف تقريب الماضي من الحال، وهو (قد) في قولك: قد قام زيد. # وحروف الاستفهام وهي: الهمزة، وهل في قولك: أزيد قام؟ وهل زيد قائم؟ # وحروف الاستقبال وهي: السين، وسوف، وأن، ولا، وإن في قولك: سيفعل، وسوف ~~يفعل، وأريد أن تفعل، ولا تفعل، وإن تفعل. # وحروف الشرط وهي: إن، ولو، في قولك: إن جئتني، ولو جئتني أكرمتك. # وحرف التعليل وهو " كي " في قولك: قصدت فلانا كي ms051 يحسن إلي. # وحرف الردع وهو " كلا " في قولك جوابا لمن قال لك " إن الأمر كذا. # ومنها حروف اللامات وهي: لام التعريف الداخلة على الاسم المنكر لتعريفه ~~كالرجل، ولام جواب القسم في قولك: والله لأفعلن كذا، والموطئة للقسم في ~~قولك: والله لئن أكرمتني لأكرمنك، ولام جواب (لو) و (لولا) في قولك: لو كان ~~كذا لكان كذا، ولولا كان كذا لكان كذا، ولام الأمر في قولك: ليفعل زيد، ~~ولام الابتداء في قولك: لزيد منطلق. # ومنها " تاء التأنيث الساكنة " في قولك: فعلت. # ومنها التنوين والنون المؤكدة في قولك: والله لأفعلن كذا. # وهذا آخر الكلام في النوع الأول. # النوع الثاني: في تحقيق مفهوم المركب من مفردات الألفاظ، وهو الكلام. # اعلم أن اسم الكلام قد يطلق على العبارات الدالة بالوضع تارة وعلى ~~مدلولها القائم بالنفس تارة (1) على ما حققناه في كتبنا الكلامية، والمقصود ~~هاهنا إنما هو معنى الكلام اللساني دون النفساني. # والكلام اللساني قد يطلق تارة على ما ألف من الحروف والأصوات من غير ~~دلالة على شيء، ويسمى مهملا، وإلى ما يدل، ولهذا يقال في اللغة: هذا ~~PageV01P071 # كلام مهمل، وهذا كلام غير مهمل، وسواء كان إطلاق الكلام على المهمل حقيقة ~~أو مجازا، والغرض هاهنا إنما هو بيان الكلام الذي ليس بمهمل لغة. # وقد اختلف فيه فذهب أكثر الأصوليين إلى أن الكلمة الواحدة إذا كانت مركبة ~~من حرفين فصاعدا كلام، ولا جرم، قالوا في حده: هو ما انتظم من الحروف ~~المسموعة المميزة المتواضع على استعمالها الصادرة عن مختار واحد. وقصدوا ~~بالقيد الأول الاحتراز عن الحرف الواحد كالزاي من زيد، وبالقيد الثاني ~~الاحتراز عن حروف الكتابة، وبالقيد الثالث الاحتراز عن أصوات كثيرة من ~~البهائم، والمهملات من الألفاظ، وبالقيد الرابع الاحتراز عن الاسم الواحد ~~إذا صدرت حروفه كل حرف من شخص، فإنه لا يسمى كلاما. # ومنهم من قال: إن الكلمة الواحدة تسمى كلاما، لكن اختلفوا فيما اجتمع من ~~كلمات، وهو غير مفيد كقول القائل: زيد لا كلما، ونحوه، هل هو كلام؟ فمنهم ~~من قال: إنه كلام ; لأن آحاد ms052 كلماته وضعت للدلالة. # ومنهم من لم يسمه كلاما، والنزاع في إطلاق اسم الكلام في هذه الصور مائل ~~إلى الاصطلاح الخارج عن وضع اللغة باتفاق من أهل الأدب. # وأما مأخذه في اصطلاح أهل اللغة: قال الزمخشري، وهو ناقد بصير في هذه ~~الصناعة: (الكلام هو المركب من كلمتين أسندت إحداهما إلى الأخرى) . فقوله: ~~(المركب من كلمتين) احتراز عن الكلمة الواحدة، وقوله: (أسندت إحداهما إلى ~~الأخرى) احتراز عن قولك: زيد عمرو، وعن قولك: زيد علي، أو زيد في، أو قام ~~في. فإن المجموع منهما مركب من كلمتين وليس بكلام ; لعدم إسناد إحداهما إلى ~~الأخرى، وأقل ما يكون ذلك من اسمين كقولك: زيد قائم، أو اسم وفعل كقولك: ~~زيد قام، وتسمى الأولى جملة اسمية والثانية جملة فعلية، ولا يتركب الكلام ~~من الاسم والحرف فقط، ولا من الأفعال وحدها، ولا من الحروف، ولا من الأفعال ~~والحروف. # PageV01P072 # فإن قيل: ما ذكرتموه من الحد منتقض بما تركب من كلمتين أسندت إحداهما إلى ~~الأخرى وهما مهملتان، فإنه لا يكون كلاما، وذلك كما لو أسندت مقلوب زيد إلى ~~مقلوب رجل، فقلت: (ديز هو لجر) . # قلنا: المراد من الكلمة التي منها التأليف اللفظة الواحدة الدالة بالوضع ~~على معنى مفرد، ولا وجود لذلك فيما ذكروه، غير أن ما ذكروه من الحد يدخل ~~فيه قول القائل: حيوان ناطق، وإنسان عالم، وغير ذلك من النسب التقييدية، ~~فإنه لا يعد كلاما مفيدا وإن أسند فيه إحدى الكلمتين إلى الأخرى، والواجب ~~أن يقال: الكلام ما تألف من كلمتين تأليفا يحسن السكوت عليه. ### | [الأصل الثاني في مبدأ اللغات وطرق معرفتها] # الأصل الثاني # في مبدأ اللغات وطرق معرفتها # أول ما يجب تقديمه أن ما وضع من الألفاظ الدالة على معانيها هل هو ~~لمناسبة طبيعية بين اللفظ ومعناه أم لا؟ # فذهب أرباب علم التكسير وبعض المعتزلة إلى ذلك ; مصيرا منهم إلى أنه لو ~~لم يكن بين اللفظ ومعناه مناسبة طبيعية لما كان اختصاص ذلك المعنى بذلك ~~اللفظ أولى من غيره. ولا وجه له، فإنا نعلم أن الواضع في ms053 ابتداء الوضع لو ~~وضع لفظ الوجود على العدم والعدم على الوجود واسم كل ضد على مقابله - لما ~~كان ممتنعا، كيف وقد وضع ذلك كما في اسم الجون والقرء ونحوه، والاسم الواحد ~~لا يكون مناسبا بطبعه لشيء ولعدمه (1) ، وحيث خصص الواضع بعض الألفاظ ببعض ~~المدلولات، إنما كان ذلك نظرا إلى الإرادة المخصصة، كان الواضع هو الله ~~تعالى أو المخلوق إما لغرض أو لا لغرض، وإذا بطلت المناسبة الطبيعية وظهر ~~أن مستند تخصيص بعض الألفاظ ببعض المعاني إنما هو الوضع الاختياري، ~~PageV01P073 # فقد اختلف الأصوليون فيه: # فذهب الأشعري وأهل الظاهر وجماعة من الفقهاء إلى أن الواضع هو الله ~~تعالى، ووضعه متلقى لنا من جهة التوقيف الإلهي، إما بالوحي، أو بأن يخلق ~~الله الأصوات والحروف ويسمعها لواحد أو لجماعة ويخلق له أو لهم العلم ~~الضروري بأنها قصدت للدلالة على المعاني؛ محتجين على ذلك بآيات: # منها قوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال ~~أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين - قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما ~~علمتنا} دل على أن آدم والملائكة لا يعلمون إلا بتعليم الله تعالى. # ومنها قوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} ، وقوله تعالى: {تبيانا ~~لكل شيء} وقوله تعالى: {اقرأ وربك الأكرم - الذي علم بالقلم - علم الإنسان ~~ما لم يعلم} واللغات داخلة في هذه المعلومات، وقوله تعالى: {إن هي إلا ~~أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان} ذمهم على تسمية ~~بعض الأشياء من غير توقيف فدل على أن ما عداها توقيف، وقوله تعالى: {ومن ~~آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم} والمراد به اللغات لا نفس ~~اختلاف هيئات الجوارح من الألسنة ; لأن اختلاف اللغات أبلغ في مقصود الآية، ~~فكان أولى بالحمل عليه. # وذهبت البهشمية (1) وجماعة من المتكلمين إلى أن ذلك من وضع أرباب اللغات ~~واصطلاحهم، وأن واحدا أو جماعة انبعثت داعيته أو دواعيهم إلى وضع هذه ~~الألفاظ بإزاء معانيها، ثم حصل تعريف الباقين بالإشارة والتكرار كما يفعل ~~الوالدان بالولد الرضيع، وكما يعرف الأخرس ما ms054 في ضميره بالإشارة والتكرار ~~مرة بعد أخرى؛ محتجين على ذلك بقوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه} وهذا دليل على تقدم اللغة على البعثة والتوقيف. # وذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني إلى أن القدر الذي يدعو به الإنسان ~~غيره إلى التواضع بالتوقيف، وإلا فلو كان بالاصطلاح فالاصطلاح عليه ~~PageV01P074 # متوقف على ما يدعو به الإنسان غيره إلى الاصطلاح على ذلك الأمر فإن كان ~~بالاصطلاح لزم التسلسل وهو ممتنع، فلم يبق غير التوقيف، وجوز حصول ما عدا ~~ذلك بكل واحد من الطريقين. # وذهب القاضي أبو بكر وغيره من أهل التحقيق إلى أن كل واحد من هذه المذاهب ~~ممكن بحيث لو فرض وقوعه لم يلزم عنه محال لذاته، وأما وقوع البعض دون البعض ~~فليس عليه دليل قاطع، والظنون متعارضة يمتنع معها المصير إلى التعيين. # هذا ما قيل، والحق أن يقال: إن كان المطلوب في هذه المسألة يقين الوقوع ~~لبعض هذه المذاهب. فالحق ما قاله القاضي أبو بكر ; إذ لا يقين من شيء منها ~~على ما يأتي تحقيقه. # وإن كان المقصود إنما هو الظن، وهو الحق فالحق ما صار إليه الأشعري لما ~~قيل من النصوص لظهورها في المطلوب. # فإن قيل: لا نسلم ظهور النصوص المذكورة في المطلوب. # أما قوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} فالمراد بالتعليم إنما هو ~~إلهامه وبعث داعيته على الوضع، وسمي بذلك معلما (1) لكونه الهادي إليه، لا ~~بمعنى أنه أفهمه ذلك بالخطاب على ما قال تعالى في حق داود: {وعلمناه صنعة ~~لبوس لكم} معناه ألهمناه ذلك، وقوله تعالى في حق سليمان: {ففهمناها سليمان} ~~أي ألهمناه. # سلمنا أن المراد به الإفهام بالخطاب والتوقيف، ولكن أراد به كل الأسماء ~~مطلقا، أو الأسماء التي كانت موجودة في زمانه، الأول ممنوع والثاني مسلم. # سلمنا أنه أراد به جميع الأسماء، غير أن ذلك لا يدل على أن علم آدم بها ~~كان توقيفيا، ولا يلزم أن يكون أصلها بالتوقيف لجواز أن يكون من مصطلح خلق ~~سابق على آدم، والباري تعالى علمه ما اصطلح عليه غيره. # سلمنا ms055 أن جميع الأسماء المعلومة لآدم بالتوقيف له، ولكنه يحتمل أنه ~~أنسيها، ولم PageV01P075 # يوقف عليها من بعده، واصطلح أولاده من بعده على هذه اللغات. والكلام إنما ~~هو في هذه اللغات. # وأما قول الملائكة: {لا علم لنا إلا ما علمتنا} فلا يدل على أن أصل ~~اللغات التوقيف لما عرف في حق آدم. # وقوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} فالمراد به أن ما ورد في ~~الكتاب لا تفريط فيه، وإن كان المراد به أنه بين فيه كل شيء، فلا منافاة ~~بينه وبين كونه معرفا للغات من تقدم. # وعلى هذا يخرج الجواب عن قوله تعالى: {تبيانا لكل شيء} ، وعن قوله: {علم ~~الإنسان ما لم يعلم} . # وأما آية الذم فالذم فيها إنما كان على إطلاقهم أسماء الأصنام مع ~~اعتقادهم كونها آلهة. # وأما آية اختلاف الألسنة، فهي غير محمولة على نفس الجارحة بالإجماع، فلا ~~بد من التأويل. # وليس تأويلها بالحمل على اللغات أولى من تأويلها بالحمل على الإقدار على ~~اللغات، كيف وأن التوقيف يتوقف على معرفة كون تلك الألفاظ دالة على تلك ~~المعاني، وذلك لا يعرف إلا بأمر خارج عن تلك الألفاظ، والكلام فيه إن كان ~~توقيفيا كالكلام في الأول وهو تسلسل ممتنع، فلم يبق غير الاصطلاح. # ثم ما ذكرتموه معارض بقوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} ~~وذلك يدل على سبق اللغات على البعثة. # والجواب: قوله: المراد من تعليم آدم إلهامه بالوضع والاصطلاح مع نفسه، ~~وهو خلاف الظاهر من إطلاق لفظ التعليم، ولهذا فإن من اخترع أمرا واصطلح ~~عليه مع نفسه يصح أن يقال: إنه ما علمه أحد ذلك، ولو كان إطلاق التعليم ~~بمعنى الإلهام بما يفعله الإنسان مع نفسه حقيقة لما صح نفيه، وحيث صح نفيه ~~دل # PageV01P076 # على كونه مجازا، والأصل في الإطلاق الحقيقة، ولا يلزم من التأويل فيما ~~ذكروه من التعليم في حق داود وسليمان التأويل فيما نحن فيه، إلا أن ~~الاشتراك (1) في دليل التأويل، والأصل عدمه. # وقولهم: أراد به الأسماء الموجودة في زمانه، إنما يصح أن لو لم ms056 يكن جميع ~~الأسماء موجودة في زمانه، وهو غير مسلم، بل الباري تعالى علمه كل ما يمكن ~~التخاطب به، ويجب الحمل عليه عملا بعموم اللفظ. # قولهم: من الجائز أن يكون جميع الأسماء من مصطلح من كان قبل آدم. # قلنا: وإن كان ذلك محتملا، إلا أن الأصل عدمه، فمن ادعاه يحتاج إلى دليل، ~~وبه يبطل أنه يحتمل أنه أنسيها ; إذ الأصل عدم النسيان وبقاء ما كان على ما ~~كان. # وعلى هذا فقد خرج الجواب عما ذكروه من تأويل قول الملائكة: {لا علم لنا ~~إلا ما علمتنا} إذ هو مبني على ما قيل من التأويل في حق آدم، وقد عرف ~~جوابه. # قولهم: المراد من قوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} أنه لا تفريط ~~فيما في الكتاب؛ ليس كذلك، فإن ذلك معلوم لكل عاقل قطعا، فحمل اللفظ عليه ~~لا يكون مفيدا. # قولهم: لا منافاة بينه وبين كونه معرفا للغات من تقدم، فقد سبق جوابه، ~~وبه يخرج الجواب عما ذكروه على قوله تعالى: {تبيانا لكل شيء} ، وعن قوله: ~~{علم الإنسان ما لم يعلم} . # قولهم في آية الذم: إنما ذمهم على اعتقادهم كون الأصنام آلهة، فهو خلاف ~~الظاهر من إضافة الذم إلى التسمية، ولا يقبل من غير دليل. (2) PageV01P077 # وما ذكروه على الآية الأخيرة، فلا يخفى أن الترجيح بحمل اللفظ على اختلاف ~~اللغات دون حمله على الإقدار على اللغات أقل في الإضمار ; إذ هو يفتقر إلى ~~إضمار اللغات لا غير، وما ذكروه يفتقر إلى إضمار القدرة على اللغات فلا ~~يصار إليه. # قولهم في المعنى أنه يفضي إلى التسلسل، ليس كذلك، فإنه لا مانع أن يخلق ~~الله تعالى العبارات، ويخلق لمن يسمعها العلم الضروري بأن واضعا وضعها لتلك ~~المعاني كما سبق. # ثم ما ذكروه لازم عليهم في القول بالاصطلاح فإن ما يدعى به إلى الوضع ~~والاصطلاح لا بد وأن يكون معلوما، فإن كان معلوما بالاصطلاح لزم التسلسل ~~وهو ممتنع، فلم يبق غير التوقيف. # وما ذكروه من المعارضة بالآية الأخيرة، فإنما يلزم أن لو كان طريق ~~التوقيف ms057 منحصرا في الرسالة، وليس كذلك، بل جاز أن يكون أصل التوقيف معلوما ~~إما بالوحي من غير واسطة، وإما بخلق اللغات وخلق العلم الضروري للسامعين ~~بأن واضعا وضعها لتلك المعاني على ما سبق. # وأما طرق معرفتها لنا، فاعلم أن ما كان منها معلوما بحيث لا يتشكك فيه مع ~~التشكيك كعلمنا بتسمية الجوهر جوهرا والعرض عرضا ونحوه من الأسامي، فنعلم ~~أن مدرك ذلك إنما هو التواتر القاطع، ولم يكن معلوما لنا ولا تواتر فيه، ~~فطريق تحصيل الظن به إنما هو أخبار الآحاد، ولعل الأكثر إنما هو الأول. # PageV01P078 ### | [القسم الثالث في المبادئ الفقهية والأحكام الشرعية] ### | [الأصل الأول في الحاكم] ### | [المسألة الأولى الاختلاف في الحسن والقبح] # القسم الثالث # في المبادئ الفقهية والأحكام الشرعية # اعلم أن الحكم الشرعي يستدعي حاكما ومحكوما فيه ومحكوما عليه، فلنفرض في ~~كل واحد أصلا، وهي أربعة أصول: # الأصل الأول # في الحاكم # اعلم أنه لا حاكم سوى الله تعالى، ولا حكم إلا ما حكم به، ويتفرع عليه أن ~~العقل لا يحسن ولا يقبح ولا يوجب شكر المنعم، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع، ~~ولنرسم في كل واحد مسألة. # المسألة الأولى # مذهب أصحابنا وأكثر العقلاء أن الأفعال لا توصف بالحسن والقبح لذواتها، ~~وأن العقل لا يحسن ولا يقبح، وإنما إطلاق اسم الحسن والقبح عندهم باعتبارات ~~ثلاثة إضافية غير حقيقية. # أولها: إطلاق اسم الحسن على ما وافق الغرض، والقبيح على ما خالفه. # وليس ذلك ذاتيا لاختلافه وتبدله بالنسبة إلى اختلاف الأغراض، بخلاف اتصاف ~~المحل بالسواد والبياض. # وثانيها: إطلاق اسم الحسن على ما أمر الشارع بالثناء على فاعله، ويدخل ~~فيه أفعال الله تعالى والواجبات والمندوبات دون المباحات. وإطلاق اسم القبح ~~على ما أمر الشارع بذم فاعله، ويدخل فيه الحرام دون المكروه والمباح، وذلك ~~أيضا مما يختلف باختلاف ورود أمر الشارع في الأفعال. # PageV01P079 # وثالثها: إطلاق اسم الحسن على ما لفاعله مع العلم به والقدرة عليه أن ~~يفعله، بمعنى نفي الحرج عنه في فعله، وهو أعم من الاعتبار الأول (1) لدخول ~~المباح فيه، والقبيح في مقابلته، ولا ms058 يخفى أن ذلك أيضا مما يختلف باختلاف ~~الأحوال فلا يكون ذاتيا، وعلى هذا فما كان من أفعال الله تعالى بعد ورود ~~الشرع فحسن بالاعتبار الثاني والثالث، وقبله بالاعتبار الثالث، وما كان من ~~أفعال العقلاء قبل ورود الشرع فحسنه وقبيحه بالاعتبار الأول والثالث، وبعده ~~بالاعتبارات الثلاثة. (2) وذهب المعتزلة والكرامية والخوارج والبراهمة (3) ~~والثنوية (4) وغيرهم إلى أن الأفعال منقسمة إلى حسنة وقبيحة لذواتها، لكن ~~منها ما يدرك حسنه وقبحه بضرورة العقل كحسن الإيمان وقبح الكفران، أو بنظره ~~كحسن الصدق المضر وقبح الكذب النافع، أو بالسمع كحسن العبادات، لكن اختلفوا ~~PageV01P080 # فزعمت الأوائل من المعتزلة أن الحسن والقبيح غير مختص بصفة موجبة لحسنه ~~وقبحه. # ومنهم من أوجب ذلك كالجبائية. # ومنهم من فصل وأوجب ذلك في القبيح دون الحسن، ونشأ بينهم بسبب هذا ~~الاختلاف اختلاف في العبارات الدالة على معنى الحسن والقبح، أومأنا إليها ~~وإلى مناقضتهم فيها في علم الكلام. # وقد احتج أصحابنا بحجج: # الأولى: أنه لو كان الكذب قبيحا لذاته للزم منه أنه إذا قال: إن بقيت ~~ساعة أخرى كذبت؛ أن يكون الحسن منه في الساعة الأخرى الصدق أو الكذب، ~~والأول ممتنع لما يلزمه من كذب الخبر الأول وهو قبيح، وما لزم منه القبيح ~~فهو قبيح، فلم يبق غير الثاني وهو المطلوب. # الثانية: لو كان قبح الخبر الكاذب ذاتيا، فإذا قال القائل: زيد في الدار، ~~ولم يكن فيها، فالمقتضي لقبحه: إما نفس ذلك اللفظ، وإما عدم المخبر عنه، ~~وإما مجموع الأمرين، وإما أمر خارج. الأول: يلزمه قبح ذلك الخبر وإن كان ~~صادقا، والثاني: يلزمه أن يكون العدم علة للأمر الثبوتي، والثالث: يلزمه أن ~~يكون العدم جزء علة الأمر الثبوتي، والكل محال (1) ، وإن كان الرابع فذلك ~~المقتضي الخارج: إما لازم للخبر المفروض، وإما غير لازم، فإن كان الأول فإن ~~كان لازما لنفس اللفظ لزم قبحه وإن كان صادقا، وإن كان لازما لعدم المخبر ~~عنه أو لمجموع الأمرين، كان العدم مؤثرا في الأمر الثبوتي وهو محال، وإن ~~كان لازما لأمر خارج عاد التقسيم في ذلك الخارج وهو ms059 تسلسل، وإن لم يكن ذلك ~~المقتضي PageV01P081 # الخارج لازما للخبر الكاذب أمكن مفارقته له فلا يكون الخبر الكاذب قبيحا. ~~(1) الثالثة: لو كان الخبر الكاذب قبيحا لذاته فالمقتضي له لا بد وأن يكون ~~ثبوتيا ضرورة اقتضائه للقبح الثبوتي، وهو إن كان صفة لمجموع حروف الخبر فهو ~~محال ; لاستحالة اجتماعها في الوجود، وإن كان صفة لبعضها لزم أن تكون أجزاء ~~الخبر الكاذب كاذبة ; ضرورة كون المقتضي لقبح الخبر الكاذب إنما هو الكذب، ~~وذلك محال. (2) الرابعة: أنه لو كان قبح الكذب وصفا حقيقيا لما اختلف ~~باختلاف الأوضاع، وقد اختلف حيث إن الخبر الكاذب قد يخرج عن كونه كذبا ~~وقبيحا بوضع الواضع له أمرا أو نهيا. # الخامسة: لو كان الكذب قبيحا لذاته لما كان واجبا ولا حسنا عندما إذا ~~استفيد به عصمة دم نبي عن ظالم يقصد قتله. # السادسة: لو كان الظلم قبيحا لكونه ظلما لكان المعلول متقدما على علته ; ~~لأن قبح الظلم الذي هو معلول للظلم متقدم على الظلم، ولهذا ليس لفاعله أن ~~يفعله وكان القبح مع كونه وصفا ثبوتيا ضرورة اتصاف العدم بنقيضه معللا بما ~~العدم جزء منه، وذلك لأن مفهوم الظلم أنه إضرار غير مستحق، ولا استحقاق ~~عدم، وهو ممتنع. # السابعة: أن أفعال العبد غير مختارة له، وما يكون كذلك لا يكون حسنا ولا ~~قبيحا لذاته إجماعا، وبيان (غير مختار) أن فعله إن كان لازما له لا يسعه ~~تركه، فهو مضطر إليه لا مختار له وإن جاز تركه، فإن افتقر في فعله إلى مرجح ~~عاد التقسيم، وهو تسلسل ممتنع وإلا فهو اتفاقي لا اختياري. PageV01P082 # وهذه الحجج ضعيفة # أما الأولى: فلأنه أمكن أن يقال بأن صدقه في الساعة الأخرى حسن (1) ، ولا ~~يلزم من ملازمة القبيح له قبحه وإن كان قبيحا من جهة استلزامه للقبيح، فلا ~~يمتنع الحكم عليه بالحسن إلى ما اختص به من الوجوه والاعتبارات الموجبة ~~للحسن والقبح، كما هو مذهب الجبائية. وإن قدر امتناع ذلك فلا يمتنع الحكم ~~بقبح صدقه لما ذكروه وقبح كذبه لكونه كذبا. # وأما الثانية: فلأنه لا امتناع ms060 من القول بقبح الخبر مشروطا بعدم زيد في ~~الدار، والشرط غير مؤثر. # وأما الثالثة: فلما يلزمها من امتناع اتصاف الخبر بكونه كاذبا وهو محال. # وأما الرابعة: فلأنه لا مانع من أن يكون قبح الخبر الكاذب مشروطا بالوضع ~~وعدم مطابقته للمخبر عنه، مع علم المخبر به كما كان ذلك مشروطا في كونه ~~كذبا. # وأما الخامسة: فلأن الكذب في الصورة المفروضة غير متعين لخلاص النبي ~~لإمكان الإتيان بصورة الخبر من غير قصد له، أو مع التعريض وقصد الإخبار عن ~~الغير، وإذا لم يكن متعينا له كان قبيحا، وإن قدر تعيينه فالحسن والواجب ما ~~لازمه من تخليص النبي لا نفس الكذب، واللازم غير الملزوم وغايته أنه لا ~~يأثم به مع قبحه ولا يحرم شرعا لترجح المانع عليه. # وأما السادسة: فلأنه أمكن منع تقدم قبح الظلم عليه ضرورة كونه صفة له، بل ~~المتقدم إنما هو الحكم على ما سيوجد من الظلم بكونه قبيحا شرعا وعرفا، ~~وأمكن منع تعليل القبح بالعدم. وعدم الاستحقاق وإن كان لازما للظلم فلا ~~PageV01P083 # يلزم أن يكون داخلا في مفهومه، فأمكن أن يكون الظلم علة القبح بما فيه من ~~الأمر الوجودي، والعدم شرطه. # وأما السابعة: فلأنه يلزم أن يكون الرب تعالى مضطرا إلى أفعاله غير مختار ~~فيها لتحقق عين ما ذكروه من القسمة في أفعاله، وهو محال، ويلزم أيضا منها ~~امتناع الحكم بالحسن والقبح الشرعي على الأفعال، والجواب يكون مشتركا. (1) ~~والمعتمد في ذلك أن يقال: لو كان فعل من الأفعال حسنا أو قبيحا لذاته ~~فالمفهوم من كونه قبيحا وحسنا ليس هو نفس ذات الفعل، وإلا كان من علم حقيقة ~~الفعل عالما بحسنه وقبحه، وليس كذلك لجواز أن يعلم حقيقة الفعل ويتوقف ~~العلم بحسنه وقبحه على النظر، كحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع، وإن كان ~~مفهومه زائدا على مفهوم الفعل الموصوف به فهو صفة وجودية ; لأن نقيضه وهو ~~لا حسن ولا قبح صفة للعدم المحض فكان عدميا، ويلزم من ذلك كون الحسن والقبح ~~وجوديا وهو قائم بالفعل لكونه صفة له، ويلزم من ms061 ذلك قيام العرض بالعرض وهو ~~محال ; وذلك لأن العرض الذي هو محل العرض لا بد وأن يكون قائما بالجوهر أو ~~بما هو في آخر الأمر قائم بالجوهر، قطعا للتسلسل الممتنع. وقيام العرض ~~بالجوهر لا معنى له غير وجوده في حيث الجوهر، تبعا له فيه. وقيام أحد ~~العرضين بالآخر لا معنى له سوى أنه في حيث العرض الذي قيل إنه قائم به، ~~وحيث ذلك العرض هو حيث الجوهر فهما في حيث الجوهر وقائمان به، ولا معنى ~~لقيام أحدهما بالآخر، وإن كان قيام أحدهما بالآخر مشروطا بقيام العرض الآخر ~~به. # فإن قيل: ما ذكرتموه يلزم منه امتناع اتصاف الفعل بكونه ممكنا ومعلوما ~~ومقدورا ومذكورا، وهو محال. ثم ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيض مدلوله. # وبيانه من جهة الاستدلال والإلزام: # أما الاستدلال فمن وجهين: PageV01P084 # الأول: اتفاق العقلاء على حسن الصدق النافع وقبح الكذب المضر، وكذلك حسن ~~الإيمان وقبح الكفران وغير ذلك، مع قطع النظر عن كل حالة تقدر من عرف أو ~~شريعة أو غير ذلك، فكان ذاتيا والعلم به ضروري. # الثاني: إنا نعلم أن من استوى في تحصيل غرضه الصدق والكذب وقطع النظر في ~~حقه عن الاعتقادات والشرائع وغير ذلك من الأحوال، فإنه يميل إلى الصدق ~~ويؤثره وليس ذلك إلا لحسنه في نفسه. # وكذلك نعلم أن من رأى شخصا مشرفا على الهلاك وهو قادر على إنقاذه فإنه ~~يميل إليه، وإن كان بحيث لا يتوقع في مقابلة ذلك حصول غرض دنياوي ولا ~~أخروي، بل ربما كان يتضرر بالتعب والتعني، وليس ذلك إلا لحسنه في ذاته. # وأما من جهة الإلزام: فهو أنه لو كان السمع وورود الأمر والنهي هو مدرك ~~الحسن والقبح ; لما فرق العاقل بين من أحسن إليه وأساء، ولما كان فعل الله ~~حسنا قبل ورود السمع، ولجاز من الله الأمر بالمعصية والنهي عن الطاعة، ~~ولجاز إظهار المعجزة على يد الكذاب، ولامتنع الحكم بقبح الكذب على الله ~~تعالى قبل ورود السمع، ولكان الوجوب أيضا متوقفا، ويلزم من ذلك إفحام الرسل ~~من حيث إن ms062 النبي إذا بعث وادعى الرسالة ودعا إلى النظر في معجزته، فللمدعو ~~أن يقول: لا أنظر في معجزتك ما لم يجب علي النظر. ووجوب النظر متوقف على ~~استقرار الشرع في معجزتك وهو دور. # والجواب عن الأول: أن ما ذكروه فأمور تقديرية، فمفهوم نقائضها سلب ~~التقدير، والأمور المقدرة ليست من الصفات العرضية، فلا يلزم منه قيام العرض ~~بالعرض. (1) فإن قيل مثله في الحسن والقبح، فقد خرج عن كونه من الصفات ~~الثبوتية للذات وهو المطلوب، وعن المعارضة الأولى بمنع إجماع العقلاء على ~~الحسن والقبح فيما ذكروه، فإن من العقلاء من لا يعتقد ذلك، كبعض الملاحدة ~~(2) ، ونحن أيضا PageV01P085 # لا نوافق على قبح إيلام البهائم من غير جرم ولا غرض (1) ، وهو من صور ~~النزاع، وإن كان ذلك متفقا عليه بين العقلاء فلا يلزم أن يكون العلم به ~~ضروريا، وإلا لما خالف فيه أكثر العقلاء عادة (2) ، وإن كان ذلك معلوما ~~ضرورة فلا يلزم من (3) أن يكون ذاتيا إلا أن يكون مجردا عن أمر خارج (4) ، ~~وهو غير مسلم على ما يأتي. # وعن المعارضة الثانية: أنه لا يخلو إما أن يقال بالتفاوت بين الصدق ~~والكذب ولو بوجه، أو لا يقال به. والأول يلزمه إبطال الاستدلال، والثاني ~~يمنع معه إيثار أحد الأمرين دون الآخر. # وعلى هذا إن كان ميله إلى الإنقاذ لتحقق أمر خارج فالاستدلال باطل، وإن ~~لم يكن فالميل إلى الإنقاذ لا يكون مسلما، وإن سلم دلالة ما ذكرتموه في حق ~~الشاهد فلا يلزم مثله في حق الغائب إلا بطرق قياسه على الشاهد، وهو متعذر ~~لما بيناه في علم الكلام. # ثم كيف يقاس والإجماع منعقد على التفرقة بتقبيح تمكين السيد لعبيده من ~~الفواحش، مع العلم بهم والقدرة على منعهم دون تقبيح ذلك بالنسبة إلى الله ~~تعالى. # فإن قيل: إنما لم يقبح من الله ذلك لعدم قدرته على منع الخلق من المعاصي ~~; وذلك لأن ما يقع من العبد من المعصية لا بد وأن يكون وقوعها معلوما للرب، ~~وإلا كان جاهلا بعواقب الأمور وهو محال، ومنع الرب تعالى من وقوع ms063 ما هو ~~معلوم الوقوع له لا يكون مقدورا كما ذهب إليه النظام. # قلنا: فما قيل فهو بعينه لازم بالنسبة إلى السيد، وأولى أن لا يكون السيد ~~قيدا على المنع، ومع ذلك فالفرق واقع. PageV01P086 # والجواب عن الإلزام الأول: أن مفهوم الحسن والقبح بمعنى موافقة الغرض ~~ومخالفته، وبمعنى ما للفاعل أن يفعله وأن لا يفعله متحقق قبل ورود الشرع، ~~لا بالمعنى الذاتي. (1) وعن الثاني: أن فعل الله قبل ورود الشرع حسن، بمعنى ~~أن له فعله. # وعن الثالث: أنه لا معنى للطاعة عندنا إلا ما ورد الأمر به، ولا معنى ~~للمعصية إلا ما ورد النهي عنه، وعلى هذا فلا يمتنع ورود الأمر بما كان ~~منهيا والنهي بما كان مأمورا. # وعن الرابع: أنه إنما يلزم أن لو لم يكن لامتناع إظهار المعجزة على يد ~~الكاذب مدرك سوى القبح الذاتي وليس كذلك، وبه اندفاع الإلزام الخامس أيضا. # وعن السادس ما سيأتي في المسألة بعدها، وإذا بطل معنى الحسن والقبح ~~الذاتي لزم منه امتناع وجوب شكر المنعم عقلا، وامتناع حكم عقلي قبل ورود ~~الشرع ; إذ هما مبنيان على ذلك. غير أن عادة الأصوليين جارية لفرض الكلام ~~في هاتين المسألتين إظهارا لما يختص بكل واحد من الإشكالات والمناقضات. ### | [المسألة الثانية شكر المنعم واجب سمعا لا عقلا] # المسألة الثانية # مذهب أصحابنا وأهل السنة أن شكر المنعم واجب سمعا لا عقلا، خلافا ~~للمعتزلة في الوجوب العقلي، احتج أصحابنا على امتناع إيجاب العقل لذلك بأن ~~قالوا: لو كان العقل موجبا فلا بد وأن يوجب لفائدة، وإلا كان إيجابه عبثا ~~وهو قبيح، ويمتنع عود الفائدة إلى الله تعالى لتعاليه عنها وإن عادت إلى ~~العبد، فإما أن تعود إليه في الدنيا أو في الأخرى. # الأول محال، فإن شكر الله تعالى عند الخصوم ليس هو معرفة الله تعالى ; ~~لأن الشكر فرع المعرفة، وإنما هو عبارة عن إتعاب النفس وإلزام المشقة لها ~~PageV01P087 # بتكليفها تجنب المستقبحات العقلية وفعل المستحسنات العقلية، وهو فرع ~~التحسين والتقبيح العقلي، وقد أبطلناه (1) فلم يبق سوى التعب والعناء المحض ~~الذي لا ms064 حظ للنفس فيه. (2) والثاني محال ; لعدم استقلال العقل بمعرفة ~~الفائدة الأخروية دون إخبار الشارع بها ولا إخبار (3) ، وأيضا فإنه لا معنى ~~لكون الشيء واجبا سوى ترجح فعله على تركه، وبالعقل يعرف الترجيح لا أنه ~~مرجح فلا يكون موجبا إذ الموجب هو المرجح (4) ، وإذا بطل الإيجاب العقلي ~~تعين الإيجاب الشرعي ضرورة انعقاد الإجماع على حصر الوجوب في الشرع والعقل، ~~فإذا بطل أحد القسمين تعين الثاني منهما. # فإن قيل: شكر المنعم معلوم لكل أحد ضرورة فما ذكرتموه استدلال على إبطال ~~أمر ضروري فلا يقبل، وإن لم يكن كذلك فلم قلتم: إن إيجاب العقل للشكر لا بد ~~وأن يكون لفائدة. قولكم: " حتى لا يكون عبثا قبيحا " فهذا منكم لا يستقيم ~~مع إنكار القبح العقلي، كيف وإن تلك الفائدة إما أن تكون واجبة التحصيل، ~~وإما أن لا تكون كذلك، فإن كانت واجبة التحصيل استدعت فائدة أخرى وهو تسلسل ~~ممتنع. PageV01P088 # وإن لم تكن واجبة فما يوجبه العقل بها (1) أولى أن لا يكون واجبا. # وإن كان لفائدة فما المانع أن تكون الفائدة في الشكر نفس الشكر لا أمرا ~~خارجا عنه، كما أن تحصيل المصلحة ودفع المفسدة عن النفس مطلوب لنفسه لا ~~لغيره، وإن كان لا بد من فائدة خارجة عن كون الشكر شكرا فما المانع أن تكون ~~الفائدة الأمن من احتمال العقاب بتقدير عدم الشكر على ما أنعم الله به عليه ~~من النعم ; إذ هو محتمل ولا يخلو العاقل عن خطور هذا بباله، وذلك من أعظم ~~الفوائد، وإن سلم دلالة ما ذكرتموه على امتناع الإيجاب العقلي لكنه بعينه ~~دال على امتناع الإيجاب الشرعي، والجواب أن ذاك (2) يكون مشتركا وإن لم يكن ~~كذلك. # ولكن ما ذكرتموه معارض بما يدل على جواز الإيجاب العقلي، وذلك أنه لو لم ~~يكن العقل موجبا لانحصرت مدارك الوجوب في الشرع لما ذكرتموه في الإجماع، ~~وذلك محال لما يلزم عنه من إفحام الرسل وإبطال مقصود البعثة، وذلك أن النبي ~~إذا ادعى وتحدى بالمعجزة ودعا الناس إلى النظر فيها لظهور صدقه، فللمدعو أن ~~يقول: ms065 لا أنظر في معجزتك إلا أن يكون النظر واجبا علي شرعا، ووجوب النظر ~~شرعا متوقف على استقرار الشرع، وذلك متوقف على وجوب النظر وهو دور ممتنع. # والجواب: لا نسلم أن العلم الضروري (3) بما ذكروه عقلا ; إذ هو دعوى محل ~~النزاع وإن سلم ذلك، لكن بالنسبة إلى من ينتفع بالشكر ويتضرر بعدمه، وأما ~~بالنسبة إلى الله تعالى مع استحالة ذلك في حقه فلا. (4) قولهم: لم قلتم ~~برعاية الفائدة؟ قلنا: لما ذكرناه. # قولهم: هذا منكم لا يستقيم. قلنا: إنما ذكرنا ذلك بطريق الإلزام للخصم ~~لكونه قائلا به، وبه يبطل ما ذكروه في إبطال رعاية الفائدة، كيف وقد أمكن ~~PageV01P089 # أن يقال بوجوب تحصيل الحكمة لحكمة هي نفسها كما ذكروه من جلب المصلحة ~~ودفع المفسدة عن النفس، ولا يمكن أن يقال مثل ذلك في فعل الشكر، فإن نفس ~~الفعل ليس هو الحكمة المطلوبة من إيجاده، ولو أمكن ذلك لأمكن أن يقال مثله ~~في جميع الأفعال، وهو خلاف الإجماع، وإذا لم تكن الفائدة المطلوبة من ~~إيجاده بقي التقسيم بحاله. # قولهم: ما المانع أن الفائدة هي الأمن على ما ذكروه، فهو مبني على امتناع ~~خلو العاقل عن خطور ما ذكروه من الاحتمال بباله، وهو غير مسلم على ما هو ~~معلوم من أكثر العقلاء شاهدا، وبتقدير صحة ذلك، فما ذكروه معارض باحتمال ~~خطور العقاب بباله على شكر الله تعالى وإتعابه لنفسه وتصرفه فيها، مع أنها ~~مملوكة لله تعالى دون إذنه من غير منفعة ترجع إليه (1) ولا إلى الله تعالى. # وليس أحدهما أولى من الآخر، بل ربما كان هذا راجحا، وذلك من جهة أنه قد ~~تقرر في العقول أن من أخذ في التقرب والخدمة إلى بعض الملوك العظماء بتحريك ~~أنملته في كسر بيته، وإظهار شكره بين العباد في البلاد على إعطائه لقمة مع ~~استغنائه واستغناء الملك عنها، فإنه يعد مستهزئا بذلك الملك مستحقا للعقاب ~~على صنعه. # ولا يخفى أن شكر الشاكرين بالنسبة إلى جلال الله تعالى دون تحريك الأنملة ~~بالنسبة إلى جلال الملك، وأن ما أنعم الله به ms066 على العبيد لعدم تناهي ملكه ~~وتناهي ملك غيره دون تلك اللقمة، فكان المتعاطي لخدمة الله وشكره على ما ~~أنعم به عليه به أولى بالذم واستحقاق العقاب، ولولا ورود الشرع بطلب ذلك من ~~العبيد وحثهم عليه لما وقع (2) الإقدام عليه. # وما يقال من حال (3) المشتغل بالشكر والخدمة أرجى حالا من المعرض عن ذلك ~~عرفا فكان أولى، فهو مسلم في حق من ينتفع بالخدمة والشكر ويتضرر بعدمهما، ~~والباري تعالى منزه عن ذلك فلا يطرد ما ذكروه في حقه. (4) PageV01P090 # قولهم: ما ذكرتموه لازم عليكم في الإيجاب الشرعي ليس كذلك، فإن الفائدة ~~الأخروية وإن لم يستقل العاقل بمعرفتها فالله تعالى عالم بها، كيف وإن ذلك ~~إنما يلزم منا أن لو اعتبرنا الحكمة في الإيجاب الشرعي، وليس ذلك على ما ~~عرف من أصلنا. (1) وأما المعارضة بما ذكروه من إفحام الرسل فجوابه من ~~وجهين: # الأول: منع توقف استقرار الشرع على نظر المدعو في المعجزة، بل مهما ظهرت ~~المعجزة في نفسها وكان صدق النبي فيما ادعاه ممكنا وكان المدعو عاقلا ~~متمكنا من النظر والمعرفة، فقد استقر الشرع وثبت، والمدعو مفرط في حق نفسه. # الثاني: إن الدور لازم على القائل بالإيجاب العقلي ; لأن العقل بجوهره ~~غير موجب دون النظر والاستدلال، وإلا لما خلا عاقل عن ذلك، وعند ذلك ~~فللمدعو أن يقول: لا أنظر في معجزتك حتى أعرف وجوب النظر، ولا أعرف وجوب ~~النظر حتى أنظر، وهو دور مفحم. والجواب إذ ذاك يكون واحدا، وعلى كل تقدير ~~فالمسألة ظنية لا قطعية. ### | [المسألة الثالثة لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود الشرع] # المسألة الثالثة # مذهب الأشاعرة وأهل الحق: أنه لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود الشرع. # وأما المعتزلة فإنهم قسموا الأفعال الخارجة عن الأفعال الاضطرارية إلى ما ~~حسنه العقل، وإلى ما قبحه، وإلى ما لم يقض العقل فيه بحسن ولا قبح. فما ~~حسنه العقل: إن استوى فعله وتركه في النفع والضرر سموه مباحا، وإن ترجح ~~فعله على تركه فإن لحق الذم بتركه سموه واجبا، وسواء كان مقصودا لنفسه ~~كالإيمان أو لغيره ms067 كالنظر المفضي إلى معرفة الله تعالى، وإن لم يلحق الذم ~~بتركه سموه مندوبا. وما قبحه العقل: فإن التحق الذم بفعله سموه PageV01P091 # حراما وإلا فمكروه، وما لم يقض العقل فيه بحسن ولا قبح فقد اختلفوا فيه: ~~فمنهم من حظره، ومنهم من أباحه، ومنهم من وقف عن الأمرين. # احتجت الأشاعرة بالمنقول والمعقول: # أما المنقول فقول الله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} . # ووجه الدلالة منه أنه أمن من العذاب قبل بعثة الرسل، وذلك يستلزم انتفاء ~~الوجوب والحرمة قبل البعثة، وإلا لما أمن من العذاب بتقدير ترك الواجب وفعل ~~المحرم ; إذ هو لازم لهما. # وأيضا قوله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} ومفهومه يدل ~~على الاحتجاج (1) قبل البعثة، ويلزم من ذلك نفي الموجب والمحرم. # وأما من جهة المعقول: فلأن ثبوت الحكم إما بالشرع أو بالعقل بالإجماع، ~~ولا شرع قبل ورود الشرع، والعقل غير موجب ولا محرم لما سبق في المسألة ~~المتقدمة، فلا حكم. (2) فإن قيل: أما الآية الأولى فلا حجة فيها، فإنه ليس ~~العذاب من لوازم ترك الواجب وفعل المحرم، ولهذا يجوز انفكاكه عنهما بناء ~~على عفو أو شفاعة، فنفيه قبل ورود الشرع لا يلزم منه نفيهما. # سلمنا أنه لازم لهما لكن بعد ورود الشرع لا قبله، وعلى هذا فلا يلزم ~~نفيهما من نفيه قبل ورود الشرع. # سلمنا أنه لازم لهما، لكنه لازم للواجب والمحرم شرعا أو عقلا، الأول مسلم ~~والثاني ممنوع، وعلى هذا فاللازم من نفيه قبل الشرع نفي الواجب والمحرم ~~شرعا لا عقلا. # سلمنا ذلك، ولكن ليس في الآية ما يدل على نفي الإباحة والوقف لعدم ملازمة ~~العذاب لشيء من ذلك إجماعا. PageV01P092 # وأما الآية الأخرى، وإن سلمنا كون المفهوم حجة فالاعتراض على الآية ~~الأولى بعينه وارد هاهنا، وأما ما ذكرتموه من المعقول فقد سبق ما فيه. كيف ~~وأن ما ذكرتموه من الدلالة على نفي الحكم حكم بنفي الحكم فكان متناقضا. # والجواب عن السؤال الأول: أن وقوع العذاب بالفعل وإن لم يكن لازما من ترك ~~الواجب وفعل المحرم ms068 فلازمه عدم الأمن من ذلك لعدم تحقق الواجب والمحرم ~~دونه. وهذا اللازم منتف قبل ورود الشرع على ما دلت عليه الآية فلا ملزوم، ~~وبه يندفع ما ذكروه من السؤال الثاني والثالث. # والتمسك بالآية إنما هو في نفي الوجوب والحرمة قبل لا غير، ونفي ما سوى ~~ذلك فإنما يستفاد من دليل آخر على ما سنبينه، وبه اندفع السؤال الرابع. (1) ~~وما ذكروه على الدليل العقلي فقد سبق أيضا جوابه، ونفي الحكم وإن كان حكما ~~غير أن المنفي ليس هو الحكم مطلقا ليلزم التناقض، بل نفي ما أثبتوه من ~~الأحكام المذكورة فلا تناقض. # وأما القائلون بالإباحة إن فسروها بنفي الحرج عن الفعل والترك، فلا نزاع ~~في هذا المعنى وإنما النزاع في صحة إطلاق لفظ الإباحة بإزائه، ولهذا فإنه ~~يمتنع إطلاق لفظ الإباحة على أفعال الله تعالى مع تحقق ذلك المعنى فيها، ~~وإن فسروها بتخيير الفاعل بين الفعل والترك فإما أن يكون ذلك التخيير ~~للفاعل من نفسه وإما من غيره، فإن كان الأول فيلزم منه تسمية أفعال الله ~~مباحة لتحقق ذلك في حقه، وهو ممتنع بالإجماع. . وإن كان الثاني فالمخير إما ~~الشرع وإما العقل بالإجماع، ولا شرع قبل ورود الشرع، وتخيير العقل عندهم ~~إنما يكون فيما استوى فعله وتركه من الأفعال الحسنة عقلا، أو فيما لم يقض ~~العقل فيه بحسن ولا قبح، وهو فرع الحسن والقبح العقلي، وقد أبطلناه (2) ، ~~وإن فسروه بأمر آخر فلا بد من تصويره. PageV01P093 # فإن قيل: المباح هو المأذون في فعله، وقد ورد دليل الإذن من الله تعالى ~~قبل ورود الشرع، وإن لم ترد صورة الإذن، وبيانه من وجهين: # الأول: هو أن الله تعالى خلق الطعوم في المأكولات والذوق فينا، وأقدرنا ~~عليها، وعرفنا بالأدلة العقلية أنها نافعة لنا غير مضرة، ولا ضرر عليه في ~~الانتفاع بها، وهو دليل الإذن منه لنا في ذلك، وصار هذا كما لو قدم إنسان ~~طعاما بين يدي إنسان على هذه الصفات فإن العقلاء يقضون بكونه قد أذن له ~~فيه. # الثاني: أن خلقه للطعوم في الأجسام مع ms069 إمكان ألا يخلقها لا بد له من ~~فائدة نفيا للعبث عنه، وليست تلك الفائدة عائدة إلى الله تعالى لتعاليه ~~عنها، فلا بد من عودها إلى العبد، وليست هي الإضرار ولا ما هو خارج عن ~~الإضرار والانتفاع ; إذ هو خلاف الإجماع فكانت فائدتها الانتفاع بها وهو ~~دليل الإذن في إدراكها، وسواء كان الانتفاع بها بجهة الالتذاذ بها وتقويم ~~البنية، أو بجهة تجنبها لنيل الثواب، أو الاستدلال بها على معرفة الله ~~تعالى لتوقف ذلك كله على إدراكها واحتمال وجود مفسدة فيه مع عدم الاطلاع ~~عليها لا يكون مانعا من الإذن والحكم بالإباحة، بدليل الاستضاءة بسراج ~~الغير والاستظلال بحائطه. # وقلنا: أما الوجه الأول فحاصله يرجع إلى قياس الغائب على الشاهد، وقد ~~أبطلناه. # وأما الثاني: فمبني على وجوب رعاية الحكمة في أفعاله تعالى، وهو ممنوع ~~على ما عرف من أصلنا (1) ، ثم إذا كان مأذونا فيه من جهة الشارع فإباحته ~~شرعية لا عقلية. (2) وأما القائلون بالوقف، إن عنوا به توقف الحكم بهذه ~~الأشياء على ورود السمع فحق، وإن عنوا به الإحجام عن الحكم بالوجوب أو ~~الحظر أو الإباحة لتعارض أدلتها ففاسد لما سبق. PageV01P094 ### | [الأصل الثاني في حقيقة الحكم الشرعي وأقسامه وما يتعلق به من المسائل] ### | [مقدمة في بيان حقيقة الحكم الشرعي وأقسامه] # الأصل الثاني # في حقيقة الحكم الشرعي وأقسامه وما يتعلق به من المسائل # ويشتمل على مقدمة وستة فصول. # أما المقدمة، ففي بيان حقيقة الحكم الشرعي وأقسامه. # أما حقيقته، فقد قال بعض الأصوليين: إنه عبارة عن خطاب الشارع المتعلق ~~بأفعال المكلفين. # وقيل: إنه عبارة عن خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد وهما فاسدان ; لأن ~~قوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} ، وقوله تعالى: {خالق كل شيء} خطاب ~~الشارع، وله تعلق بأفعال المكلفين والعباد، وليس حكما شرعيا بالاتفاق. (1) ~~وقال آخرون: إنه عبارة عن خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء ~~أو التخيير، وهو غير جامع، فإن العلم بكون أنواع الأدلة حججا، وكذلك الحكم ~~بالملك والعصمة ونحوه أحكام شرعية، وليست على ما قيل. (2) والواجب أن نعرف ~~معنى الخطاب أولا ضرورة ms070 توقف معرفة الحكم الشرعي عليه فنقول: # قد قيل فيه: " هو الكلام الذي يفهم المستمع منه شيئا " وهو غير مانع، ~~فإنه يدخل فيه الكلام الذي لم يقصد المتكلم به إفهام المستمع، فإنه على ما ~~ذكر من الحد وليس خطابا. # والحق أنه " اللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيئ لفهمه ". # (فاللفظ) احتراز عما وقعت المواضعة عليه من الحركات والإشارات المفهمة. # و (المتواضع عليه) احتراز عن الألفاظ المهملة. # و (المقصود بها الإفهام) احتراز عما ورد على الحد الأول. PageV01P095 # وقولنا: (لمن هو متهيئ لفهمه) احتراز عن الكلام لمن لا يفهم كالنائم ~~والمغمى عليه ونحوه. # وإذا عرف معنى الخطاب فالأقرب أن يقال في حد الحكم الشرعي أنه " خطاب ~~الشارع المفيد فائدة شرعية ". # فقولنا: (خطاب الشارع) احتراز عن غيره، والقيد الثاني احتراز عن خطابه ~~بما لا يفيد فائدة شرعية، كالإخبار عن المعقولات والمحسوسات ونحوها، وهو ~~مطرد منعكس لا غبار عليه. # وإذا عرف معنى الحكم الشرعي فهو إما أن يكون متعلقا بخطاب (1) الطلب ~~والاقتضاء أو لا يكون. # فإن كان الأول فالطلب إما للفعل أو للترك وكل واحد منهما إما جازم أو غير ~~جازم. # فما تعلق بالطلب الجازم للفعل فهو الوجوب، وما تعلق بالطلب الجازم للترك ~~فهو الحرمة، وما تعلق بغير الجازم فهو الكراهة. # وإن لم يكن متعلقا بخطاب (2) الاقتضاء، فإما أن يكون متعلقا بخطاب (3) ~~التخيير أو غيره. # فإن كان الأول فهو الإباحة. # وإن كان الثاني، فهو الحكم الوضعي كالصحة والبطلان ونصب الشيء سببا أو ~~مانعا أو شرطا، وكون الفعل عبادة وقضاء وأداء وعزيمة ورخصة إلى غير ذلك. # فلنرسم في كل قسم منها فصلا، وهي ستة فصول: PageV01P096 ### | [الفصل الأول في حقيقة الوجوب وما يتعلق به من المسائل] ### | [المسألة الأولى هل الفرض غير الواجب أو هو هو] # الفصل الأول # في حقيقة الوجوب وما يتعلق به من المسائل # أما حقيقة الوجوب، فاعلم أن الوجوب في اللغة قد يطلق بمعنى السقوط ومنه ~~يقال: وجبت الشمس: إذا سقطت، ووجب الحائط: إذا سقط. # وقد يطلق بمعنى الثبوت والاستقرار، ومنه قوله عليه ms071 السلام: " «إذا وجب ~~المريض فلا تبكين باكية» " (1) أي استقر وزال عنه التزلزل والاضطراب. # وأما في العرف الشرعي فقد قيل: " هو ما يستحق تاركه العقاب على تركه " ~~وهو إن أريد (بالاستحقاق) ما يستدعي مستحقا عليه فباطل لعدم تحقق ذلك ~~بالنسبة إلى الله تعالى، على ما بيناه في علم الكلام، وبالنسبة إلى أحد من ~~المخلوقين بالإجماع. # وإن أريد به أنه لو عوقب لكان ذلك ملائما لنظر الشارع فلا بأس به. # وقيل: هو (ما توعد بالعقاب على تركه) وهو باطل ; لأن التوعد بالعقاب على ~~الترك خبر، ولو ورد لتحقق العقاب بتقدير الترك لاستحالة الخلف في خبر ~~الصادق (2) ، وإن كان ذلك في حق غيره يعد كرما وفضيلة لما يلزمه من المصلحة ~~الراجحة، وليس كذلك لجواز العفو عنه. # وقيل: هو (الذي يخاف العقاب على تركه) ويبطل بالمشكوك في وجوبه، كيف وإن ~~هذه الحدود ليست حدا للحكم الشرعي، وهو الوجوب بل للفعل الذي هو متعلق ~~الوجوب. PageV01P097 # والحق في ذلك أن يقال: الوجوب الشرعي عبارة عن خطاب الشارع بما ينتهض ~~تركه سببا للذم شرعا في حالة ما، فالقيد الأول احتراز عن خطاب غير الشارع، ~~والثاني احتراز عن بقية الأحكام، والثالث (1) احتراز عن ترك الواجب الموسع ~~أول الوقت، فإنه سبب للذم بتقدير إخلاء جميع الوقت عنه، وإخلاء أول الوقت ~~من غير عزم على الفعل بعده، وعن ترك الواجب المخير، فإنه سبب للذم بتقدير ~~ترك البدل، وليس سببا له بتقدير فعل البدل. # وعلى هذا إن قلنا: إن الأذان وصلاة العيد فرض كفاية واتفق أهل بلدة على ~~تركه، قوتلوا. وإن قلنا: إنه سنة، فلا. # وبالجملة فلا بد في الوجوب من ترجيح الفعل على الترك بما يتعلق به من ~~الذم أو الثواب الخاص به، فإنه لا تحقق للوجوب مع تساوي طرفي الفعل والترك ~~في الغرض، وربما أشار القاضي أبو بكر إلى خلافه. # وإذا عرف معنى الوجوب الشرعي فلا بد من الإشارة إلى ما يتعلق به من ~~المسائل، وهي سبع: # المسألة الأولى # هل الفرض غير الواجب، أو هو هو؟ # أما في اللغة، ms072 فالواجب هو الساقط والثابت كما سبق تعريفه. # وأما الفرض، فقد يطلق في اللغة بمعنى التقدير، ومنه قولهم: فرضتا القوس؛ ~~للحزتين اللتين في سيتيه موضع الوتر، وفرضة النهر وهو موضع اجتماع السفن، ~~ومنه قولهم: فرض الحاكم النفقة، أي قدرها. # وقد يطلق بمعنى الإنزال، ومنه قوله تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن} أي ~~أنزل. PageV01P098 # وقد يطلق بمعنى الحل، ومنه قوله تعالى: {ما كان على النبي من حرج فيما ~~فرض الله له} أي أحل له. (1) وأما في الشرع، فلا فرق بين الفرض والواجب عند ~~أصحابنا ; إذ الواجب في الشرع على ما ذكرناه عبارة عن خطاب الشارع بما ~~ينتهض تركه سببا للذم شرعا في حالة ما (2) ، وهذا المعنى بعينه متحقق في ~~الفرض الشرعي. # وخص أصحاب أبي حنيفة اسم الفرض بما كان من ذلك مقطوعا به، واسم الواجب ~~بما كان مظنونا، مصيرا منهم إلى أن الفرض هو التقدير، والمظنون لم يعلم ~~كونه مقدرا علينا بخلاف المقطوع، فلذلك خص المقطوع باسم الفرض دون المظنون، ~~والأشبه ما ذكره أصحابنا من حيث إن الاختلاف في طريق إثبات الحكم حتى يكون ~~هذا معلوما وهذا مظنونا، غير موجب لاختلاف ما ثبت به. # ولهذا فإن اختلاف طرق الواجبات في الظهور والخفاء والقوة والضعف، بحيث إن ~~المكلف يقتل بترك البعض منها دون البعض، لا يوجب اختلاف الواجب في حقيقته ~~من حيث هو واجب، وكذا اختلاف طرق النوافل غير موجب لاختلاف حقائقها، وكذلك ~~اختلاف طرق الحرام بالقطع والظن غير موجب لاختلافه في نفسه من حيث هو حرام، ~~كيف وإن الشارع قد أطلق اسم الفرض على الواجب في قوله تعالى: {فمن فرض فيهن ~~الحج} أي أوجب، والأصل أن يكون مشعرا به حقيقة وأن لا يكون له مدلول سواه ~~نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ، والذي يؤيد إخراج قيد القطع عن مفهوم ~~الفرض إجماع الأمة على إطلاق اسم الفرض على ما أدى من الصلوات المختلف في ~~صحتها بين الأئمة بقولهم: أد (3) فرض الله تعالى، والأصل في الإطلاق ~~الحقيقة، وما ذكره الخصوم في تخصيص اسم الفرض المقطوع ms073 به فمن باب التحكم ~~حيث إن الفرض في اللغة هو التقدير مطلقا، كان مقطوعا به أو مظنونا، فتخصيص ~~ذلك بأحد القسمين دون الآخر بغير دليل لا يكون مقبولا، وبالجملة فالمسألة ~~لفظية. PageV01P099 ### | [المسألة الثانية واجب العين وواجب الكفاية] # المسألة الثانية # لا فرق عند أصحابنا بين واجب العين والواجب على الكفاية من جهة الوجوب ; ~~لشمول حد الواجب لهما، خلافا لبعض الناس، مصيرا منه إلى أن واجب العين لا ~~يسقط بفعل الغير، بخلاف واجب الكفاية، وغايته الاختلاف في طريق الإسقاط، ~~وذلك لا يوجب الاختلاف في الحقيقة. كالاختلاف في طريق الثبوت كما سبق (1) . ~~ولهذا فإن من ارتد وقتل فقتله بالردة وبالقتل واجب، ومع ذلك فأحد الواجبين ~~يسقط بالتوبة دون الواجب الآخر، ولم يلزم من ذلك اختلافهما (2) . ### | [المسألة الثالثة الواجب المخير] # المسألة الثالثة (3) اختلفوا في الواجب المخير كما في خصال الكفارة. # فمذهب الأشاعرة والفقهاء أن الواجب منها واحد لا بعينه، ويتعين بفعل ~~المكلف. # وأطلق الجبائي وابنه القول بوجوب الجميع على التخيير. # حجة أصحابنا أنه لا يخلو إما أن يقال بوجوب الجميع أو بوجوب واحد، ~~والواحد إما معين وإما غير معين، لا جائز أن يقال بالأول لخمسة أوجه: # الأول: أنه لو كان التخيير موجبا للجميع لكان الأمر بإيجاب عتق عبد من ~~العبيد على طريق التخيير موجبا للجميع، وهو محال. # الثاني: أن ذلك مما يمنع من التخيير، ولهذا فإنه لا يحسن أن يقول القائل ~~لغيره: أوجبت عليك صلاتين فصل أيهما شئت واترك أيهما شئت. كما لا يحسن أن ~~يقول: أوجبت عليك الصلاة وخيرتك في فعلها وتركها ; لما فيه من رفع الواجب، ~~وليس ذلك من لغة العرب في شيء. PageV01P100 # الثالث: أن الواجب ما لا يجوز تركه مع القدرة عليه، والأمر فيما نحن فيه ~~بخلافه. # الرابع: أن الخصوم قد وافقوا على أنه لو أتى بالجميع أو ترك الجميع فإنه ~~لا يثاب ولا يعاقب على الجميع. (1) الخامس: أنه لو كان الجميع واجبا لنوى ~~نية أداء الواجب في كل واحدة من الخصال عند ما إذا فعل الجميع، وهو خلاف ~~الإجماع، ولا ms074 جائز أن يقال بأن الواجب واحد معين إذ هو خلاف مقتضى التخيير، ~~ولأنه كان يلزم أن لا يحصل الإجزاء بتقدير أداء غيره مع القدرة عليه، وهو ~~خلاف الإجماع فلم يبق غير الإبهام. # غير أن أبا الحسين البصري قد تكلف رد الخلاف في هذه المسألة إلى اللفظ ~~دون المعنى، وذلك أنه قال: معنى إيجاب الجميع أن الله تعالى حرم ترك الجميع ~~لا كل واحد واحد منها بتقدير فعل المكلف لواحد منها مع تفويض فعل أي واحد ~~منها كان إلى المكلف، وهذا هو بعينه مذهب الفقهاء غير أن ما ذكره في تفسير ~~وجوب الجميع، وإن كان رافعا للخلاف غير أنه خلاف ما نقله الأئمة عن الجبائي ~~وابنه من إطلاق القول بوجوب الجميع والدلائل المشعرة بذلك. فلننسج في ~~الحجاج على منوالهم. # فإن قيل: ما ذكرتموه من الدليل إنما يلزم أن لو كانت آية التكفير، وهي ~~قوله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} ، الآية دالة على تخيير كل واحد ~~واحد من الأمة بين خصال الكفارة بجهة الإيجاب، وما المانع أن يكون ذلك ~~إخبارا عما يوجد من الكفارة، وتقديره فما يوجد من الكفارة هو إطعام من حانث ~~أو كسوة من حانث آخر أو عتق من حانث آخر. PageV01P101 # سلمنا دلالتها على الإيجاب، لكن لا أنها بالتخيير لكل واحد واحد من ~~الأمة، بل المراد بها إيجاب الإطعام على البعض والكسوة على البعض والعتق ~~على البعض، فكأنه قال: فكفارته إطعام عشرة مساكين لبعضهم، أو الكسوة لبعض ~~آخر، أو العتق لبعض آخر. سلمنا دلالة ما ذكرتموه لكنه معارض بما يدل على ~~إبطال مدلوله، وبيانه من أحد عشر وجها: # الأول: أن الخصال المذكورة إما أن تكون مستوية فيما يرجع إلى الصفات ~~المقتضية للوجوب، أو أنها مختصة بالبعض دون البعض. # فإن كان الأول، فيلزم التسوية في الوجوب بين الكل. # وإن كان الثاني، كان ذلك البعض هو الواجب بعينه دون غيره. # الثاني: أن الواجب ما تعلق به الشرع بالإيجاب، وخطاب الشرع إنما يتعلق ~~بالمعين دون المبهم، ولهذا فإنه يمتنع تعلق الإيجاب بأحد شخصين ms075 لا بعينه، ~~فكذلك بفعل أحد أمرين لا بعينه، وعند ذلك فيلزم تعلقه بالكل أو ببعض منه ~~معين. # الثالث: أن الإيجاب طلب، والطلب يستدعي مطلوبا معينا لما تحقق قبل، ~~والمعين إما الكل أو البعض. # الرابع: أنه لو فعل العبد الجميع، فإنه يثاب ثواب من فعل واجبا، فسببه ~~يجب أن يكون مقدورا للمكلف معينا لاستحالة الثواب على ما لا يكون من فعل ~~العبد واستحالة إسناد المعين إلى غير معين، والمبهم ليس كذلك فلزم أن يكون ~~الثواب على الجملة أو بعض معين منها. # الخامس: أنه لو ترك الجميع فإنه يعاقب عقاب من ترك واجبا منها، وذلك يدل ~~على أن الجميع واجب أو بعض منه معين كما سبق. # السادس: أنه لو كان الواجب واحدا لا بعينه من الخصال ; لكان منها شيء لا ~~بعينه غير واجب، والتخيير بين الواجب وما ليس بواجب محال لما فيه من رفع ~~حقيقة الواجب. # PageV01P102 # السابع: أنه لو كان الواجب واحدا لا بعينه، فعند التكفير بالجميع إما أن ~~يسقط الفرض بمجموعها، أو بكل واحد منها، أو بواحد منها، فإن كان الأول أو ~~الثاني فالكل واجب، وإن كان الثالث فذلك هو الفرض. # الثامن، ويخص إيجاب الجميع: أنه لو كان الواجب واحدا لنصب الله عليه ~~دليلا ولم يكله إلى تعيين العبد لعدم معرفته بما فيه المصلحة، كما (1) في ~~سائر الواجبات. فحيث لم يعين دل على أن الكل واجب. # التاسع: أنه إذا كان الواجب واحدا لا بعينه ويتعين بفعل المكلف، فالباري ~~تعالى يعلم ما سيعينه العبد فيكون الواجب معينا عند الله، وإن لم يكن معينا ~~عند العبد قبل الفعل، ويلزم من ذلك التخيير بين الواجب المعين وبين ما ليس ~~واجبا، وهو محال، فثبت أن الجميع واجب. # العاشر: أنه لو كان الواجب واحدا لا بعينه فكفر ثلاثة كل واحد بواحد من ~~الخصال، غير ما كفر به الآخر لكان الواحد منهم لا بعينه هو المكفر بالواجب ~~دون الباقين، وحيث وقع ما فعله كل واحد موقع الواجب كان الجميع واجبا. # الحادي عشر: أن الوجوب قد يعم عددا ms076 من المتعبدين ويسقط بفعل الواحد منهم ~~كفرض الكفاية، فلا يمتنع أن يعم الوجوب عددا من العبادات يسقط بفعل واحدة ~~منها. # والجواب عن السؤال الأول: أن الإجماع من الأمة منعقد على أن المراد من ~~الآية الوجوب لا نفس الإخبار. # وعن الثاني: أن حمل الآية على ما ذكروه مع مخالفته لإجماع السلف مما يحوج ~~إلى إضمارات كثيرة في الآية، وهي ما قدروه من البعض في قولهم: فكفارته ~~إطعام عشرة مساكين لبعضهم، وكذلك في الكسوة والعتق، وهو على خلاف الأصل من ~~غير حاجة، كيف وأنه لو كان كما ذكروه لقال: فكفارته إطعام عشرة مساكين ~~وكسوتهم وتحرير رقبة ; لوجوب الخصال الثلاث على الجميع بالنسبة إلى ~~الحانثين المذكورين. PageV01P103 # وعن المعارض الأول أنه مبني على وجوب رعاية المصلحة في أحكام الله تعالى، ~~وهو غير مسلم. (1) كيف وأنه يلزم منه أن يكون الأمر على ما ذكروه في عقد ~~الإمامة لأحد الإمامين الصالحين، وتزويج المرأة الطالبة للنكاح من أحد ~~الكفؤين الخاطبين، وفي إيجاب عتق عبد من العبيد وهو مخالف للإجماع، وحيث ~~تعذر الوجوب على أحد شخصين لا بعينه، إنما كان لتوقف تحقق الوجوب على ~~ارتباطه بالذم والعقاب على ما سبق في تحديده، وذم أحد شخصين لا بعينه متعذر ~~بخلاف الذم على أحد فعلين لا بعينه، وبهذه الصور يكون اندفاع ما ذكروه من ~~المعارض الثاني وما بعده إلى آخر التاسع. # وعن العاشر: أن الواجب على كل واحد من المكفرين خصلة من الخصال الثلاث لا ~~بعينها، وقد أتى بما وجب عليه (2) وسقط به الفرض عنه، فكان ما أتى به كل ~~واحد واجبا لا أن الواجب على الكل خصلة واحدة لا بعينها ليلزم ما قيل. # وعن الحادي عشر: أنا لا نمنع سقوط الواجب دون أدائه، ولكن لا يلزم من ذلك ~~أن تكون خصال الكفارة كلها واجبة كما كان الوجوب على أعداد المكلفين في فرض ~~الكفاية ; لأن الإجماع منعقد على تأثيم الكل بتقدير اتفاقهم على الترك، ولا ~~كذلك في خصال الكفارة. (3) وعلى هذه القاعدة لو قال لزوجتيه: إحداكما طالق، ~~فالمطلقة منهما واحدة ms077 لا بعينها، وإن وجب الكف عنهما والتخيير في التعيين ~~إلى المطلق كما لو قيل في خصال الكفارة من غير فرق، ولا يخفى وجه الحجاج من ~~الطرفين. PageV01P104 ### | [الواجب الموسع] # المسألة الرابعة # إذا كان وقت الواجب فاضلا عنه، كصلاة الظهر مثلا. # فمذهب أصحابنا وأكثر الفقهاء وجماعة من المعتزلة كالجبائي وابنه وغيرهما: ~~أنه واجب موسع، وأن جميع أجزاء ذلك الوقت وقت لأداء ذلك الواجب فيه، فيما ~~يرجع إلى سقوط الفرض به وحصول مصلحة الوجوب. # وهل للواجب في أول الوقت ووسطه بتقدير تأخير الواجب عنه إلى ما بعده بدل؟ # اختلف هؤلاء فيه: فأثبته أصحابنا والجبائي وابنه، وهو العزم على الفعل، ~~وأنكره بعض المعتزلة كأبي الحسين البصري وغيره. # وقال قوم: وقت الوجوب هو أول الوقت وفعل الواجب بعد ذلك يكون قضاء. # وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: وقت الوجوب هو آخر الوقت، لكن اختلفوا في وقوع ~~الفعل قبل ذلك: # فمنهم من قال: هو نفل يسقط به الفرض. # ومنهم من قال كالكرخي: إن المكلف إذا بقي بنعت المكلفين إلى آخر الوقت ~~كان ما فعله واجبا وإلا فنفل. # وحكي عنه أن الواجب يتعين بالفعل في أي وقت كان. # حجة القائلين بالوجوب الموسع أن الأمر بصلاة الظهر وهو قوله تعالى: {أقم ~~الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل} عام لجميع أجزاء الوقت المذكور، وليس ~~المراد به تطبيق أول فعل الصلاة على أول الوقت وآخره على آخره، ولا إقامة ~~الصلاة في كل وقت من أوقاته حتى لا يخلو جزء منه عن صلاة ; إذ هو (1) خلاف ~~الإجماع، ولا يتعين جزء منه لاختصاصه بوقوع الواجب فيه ; إذ لا دلالة للفظ ~~عليه، فلم يبق إلا أنه أراد به أن كل جزء منه صالح لوقوع الواجب فيه، ويكون ~~المكلف مخيرا في إيقاع الفعل في أي جزء شاء منه ضرورة امتناع قسم آخر وهو ~~المطلوب. PageV01P105 # ويدل على إرادة هذا حصول الإجزاء عن الواجب بأداء الصلاة في أي وقت قدر ~~منه، فإنه يدل على حصول مقصود الواجب من الكل، وأن الفعل في كل وقت قائم ~~مقامه في ms078 غيره من الأوقات فيكون واجبا وإلا فلو لم يكن محصلا لمقصود الواجب ~~فيلزم منه إما فوات مصلحة الواجب بتقدير فعل الصلاة في غير وقت الوجوب، ~~فتكون الصلاة حراما لكونها مفوتة لمصلحة الواجب وهو محال، وإما بقاء مصلحة ~~الوجوب ويلزم منه وجوب فعل الصلاة لبقاء مقصودها الموجب لها بعد فعل الصلاة ~~في الوقت المفروض، وهو خلاف الإجماع. # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيض مطلوبكم، وذلك أنه لو كان ~~الفعل واجبا في أول الوقت أو وسطه لما جاز تركه مع القدرة عليه ; إذ هو ~~حقيقة الواجب، وإنما يتحقق ذلك بالنسبة إلى آخر الوقت لانعقاد الإجماع على ~~لحوق الإثم بتركه فيه بتقدير عدم فعله قبله، وأما قبل ذلك فالفعل فيه ندب ~~لكونه مثابا مع جواز تركه، ويسقط الفرض به في آخر الوقت ولا يمتنع سقوط ~~الفرض عن المكلف بفعل ما ليس بفرض كالزكاة المعجلة قبل الحول. # سلمنا أنه ليس بنفل، ولكن ما المانع من القول بتعيين وقت الوجوب بالفعل ~~أو تعيين الوقت الأول للوجوب وما بعده قضاء، أو الحكم بكونه واجبا بتقدير ~~بقائه بصفة المكلفين إلى آخر الوقت كما قيل من المذاهب السابقة. # والجواب عن جواز ترك الفعل في أول الوقت أنه لا يدل على عدم الوجوب ~~مطلقا، بل على عدم الوجوب المضيق، وأما الموسع فلا. # والفرق بين المندوب والواجب الموسع جواز ترك المندوب مطلقا والموسع بشرط ~~الفعل بعده في الوقت الموسع، وحاصله راجع إلى أن الواجب على المكلف إيقاع ~~الفعل في أي وقت شاء من أجزاء ذلك الوقت الموسع على طريق الإبهام، والتعيين ~~إلى المكلف كما سبق في خصال الكفارة، أو بشرط العزم على الفعل بعده، ثم لو ~~كان نفلا لما سقط به الفرض لما سبق، والزكاة المعجلة واجبة # PageV01P106 # مؤجلة بعد (1) انعقاد سببها وهو ملك النصاب لا أنها نافلة، ولكان (2) ~~ينبغي أن تصح الصلاة بنية النفل، وليس كذلك. # فإن قيل (3) : لو كان العزم بدلا عن الفعل في أول الوقت لما وجب الفعل ~~بعده، ولما جاز المصير إليه مع القدرة ms079 على المبدل كسائر الأبدال مع ~~مبدلاتها، ولكان من أخر الصلاة عن أول الوقت مع الغفلة عن العزم يكون عاصيا ~~لكونه تاركا للأصل وبدله، كيف وأن الأمر الوارد بإيجاب الصلاة في هذا الوقت ~~ليس فيه تعرض للعزم، فإيجابه يكون زيادة على مقتضى الأمر. ثم جعل العزم ~~بدلا من صفة الفعل أو عن أصل الفعل مع أنه من أفعال القلوب بعيد ; إذ لا ~~عهد لنا في الشرع بجعل أفعال القلوب أبدالا عن الأفعال، ولا بجعل صفة الفعل ~~مبدلا. # قلنا: لم يكن بدلا عن أصل الفعل بل عن تقديم الفعل، فلا يكون موجبا لسقوط ~~الفعل مطلقا، ومعنى كونه بدلا أنه مخير بينه وبين تقديم الفعل والمصير إلى ~~أحد المخيرين غير مشروط بالعجز عن الآخر، لا أنه من باب الوضوء مع التيمم ~~وإنما لم يعص مع كونه غافلا لعدم تكليف الغافل، والأمر وإن لم يكن متعرضا ~~للعزم فلا يلزم منه امتناع جعله بدلا، فإنه لا يلزم من انتفاء بعض المدارك ~~انتفاء الكل. # وأما استبعاد كون العزم بدلا عن صفة الفعل على ما ذكروه فغير مستحق ~~للجواب، ثم كيف يستبعد ذلك والفدية في حق الحامل عند خوفها على جنينها، ~~وكذلك المرضع على ولدها بدل عن تقديم الصوم في حقها، وهو صفة الفعل. وكذلك ~~الندم توبة، وهو من أعمال القلوب. وقد جعل بدلا عما فرط من أفعال الطاعات ~~الواجبة حالة الكفر الأصلي. # والجواب (4) عن القول بتعيين وقت الوجوب بالفعل: أنه إن أريد به أنا ~~نتبين سقوط الفرض بالفعل في ذلك الوقت فهو مسلم، ولا منافاة بينه وبين ما ~~ذكرناه، PageV01P107 # وإن أرادوا به أنا نتبين أن غير ذلك الوقت لم يكن وقتا للوجوب، بمعنى أنه ~~لو أدى فيه الفعل لم يقع الموقع، فهو خلاف الإجماع، وإن أريد به غير ذلك ~~فلا بد من تصويره. # وعن القول بتعين الوقت الأول للوجوب وما بعده للقضاء فيما (1) سبق. (2) ، ~~كيف وأن الإجماع منعقد على أن ما يفعل بعد ذلك الوقت ليس بقضاء ولا يصح ~~بنية القضاء. # وعن الوقت (3) أنه خلاف الإجماع ms080 من السلف على أن من فعل الصلاة في أول ~~الوقت ومات في أثنائه أنه أدى فرض الله، وأثبت ثواب الواجب، وعلى ما حققناه ~~من الوجوب الموسع لو أخر المكلف الصلاة عن أول الوقت بشرط العزم ومات لم ~~يلق الله عاصيا ; نظرا إلى إجماع السلف على ذلك، وليس يلزم من ذلك إبطال ~~معنى الوجوب حيث إنه لا يجوز تركه مطلقا، بل بشرط العزم على ما تقدم، ولا ~~يمكن أن يقال: جواز التأخير مشروط بسلامة العاقبة لكونها (4) منطوية عنه، ~~ولا بد من الحكم الجازم في هذه الحال: إما البعضية وهو خلاف الإجماع، وإما ~~بنفيها ضرورة (5) امتناع التوقف على ظهور العاقبة بالإجماع من سلف الأمة، ~~وإذا عرف معنى الواجب الموسع ففعله في وقته أول مرة يسمى أداء، وسواء كان ~~فعله على نوع من الخلل لعذر أو لا على نوع من الخلل، وإن فعل على نوع من ~~الخلل لعذر، ثم فعل في ذلك الوقت مرة ثانية سمي إعادة وإن لم يفعل في وقته ~~المقدر، وسواء كان ذلك بعذر أو بغير عذر، ثم فعل بعد خروج وقته سمي قضاء. ~~(6) PageV01P108 ### | [المسألة الخامسة المكلف لو غلب على ظنه في الواجب الموسع أنه يموت بتقدير التأخير عن أول الوقت فأخره هل يكون عاصيا] # المسألة الخامسة # اتفق الكل في الواجب الموسع على أن المكلف لو غلب على ظنه أنه يموت ~~بتقدير التأخير عن أول الوقت فأخره أنه يعصي وإن لم يمت، واختلفوا في فعله ~~بعد ذلك في الوقت: هل يكون قضاء أو أداء؟ فذهب القاضي أبو بكر إلى كونه ~~قضاء، وخالفه غيره في ذلك. # حجة القاضي أن الوقت صار مقدرا مضيقا بما غلب على ظن المكلف أنه لا يعيش ~~أكثر منه، ولذلك عصى بالتأخير عنه، فإذا فعل الواجب بعد ذلك فقد فعله خارج ~~وقته فكان قضاء كما في غيره من العبادات الفائتة في أوقاتها المقدرة ~~المحدودة. # ولقائل أن يقول: غاية ظن المكلف أنه أوجب العصيان بالتأخير عن الوقت الذي ~~ظن حياته فيه دون ما بعده، فلا يلزم من ذلك ms081 تضييق الوقت، بمعنى أنه إذا بقي ~~بعد ذلك الوقت كان فعله للواجب فيه قضاء، وذلك لأنه كان وقتا للأداء، ~~والأصل بقاء ما كان على ما كان، ولا يلزم من جعل ظن المكلف موجبا للعصيان ~~بالتأخير مخالفة هذا الأصل أيضا، ولهذا فإنه لا يلزم من عصيان المكلف ~~بتأخير الواجب الموسع عن أول الوقت من غير عزم على الفعل عند القاضي أن ~~يكون فعل الواجب بعد ذلك في الوقت قضاء، وهو في غاية الاتجاه. ### | [المسألة السادسة الواجب إذا لم يفعل في وقته المقدر وفعل بعده يكون قضاء] # المسألة السادسة # اتفقوا على أن الواجب إذا لم يفعل في وقته المقدر وفعل بعده، أنه يكون ~~قضاء، وسواء تركه في وقته عمدا أو سهوا. (1) واتفقوا على أن ما لم يجب ولم ~~ينعقد سبب وجوبه في الأوقات المقدرة ففعله بعد ذلك لا يكون قضاء لا حقيقة ~~ولا مجازا، كفوائت الصلوات في حالة الصبي والجنون. PageV01P109 # واختلفوا فيما انعقد سبب وجوبه ولم يجب لمانع، أو لفوات شرط من خارج، ~~وسواء كان المكلف قادرا على الإتيان بالواجب في وقته كالصوم في حق المريض ~~والمسافر، أو غير قادر عليه: إما شرعا كالصوم في حق الحائض، وإما عقلا ~~كالنائم؛ أنه هل يسمى قضاء حقيقة أو مجازا. # منهم من مال إلى التجوز مصيرا منه إلى أن القضاء إنما يكون حقيقة عند ~~فوات ما وجب في الوقت استدراكا لمصلحة الواجب الفائت، وذلك غير متحقق فيما ~~نحن فيه، ووجوبه بعد ذلك الوقت بأمر تجدد لا ارتباط له بالوقت الأول، فكان ~~إطلاق القضاء عليه تجوزا. # ومنهم من مال إلى أنه قضاء حقيقة لما فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب ~~وجوبه ولم يجب للمعارض، وإطلاق اسم القضاء في هذه الصور في محل الوفاق، ~~إنما كان باعتبار ما اشتركا فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب وجوبه لا ~~استدراك مصلحة ما وجب، وهذا هو الأشبه لما فيه من نفي التجوز والاشتراك عن ~~اسم القضاء. ### | [المسألة السابعة ما لا يتم الواجب إلا به هل يوصف بالوجوب] # المسألة ms082 السابعة # ما لا يتم الواجب إلا به هل يوصف بالوجوب؟ (1) اختلفوا فيه، ولا بد قبل ~~الخوض في الحجاج من تلخيص محل النزاع فنقول: ما لا يتم الواجب إلا به. # إما أن يكون وجوبه مشروطا بذلك الشيء (2) ، أو لا يكون مشروطا به. # فإن كان الأول فهو كما لو قال الشارع: (أوجبت عليك الصلاة إن كنت متطهرا) ~~(3) فلا خلاف في أن تحصيل الشرط ليس واجبا وإنما الواجب الصلاة إذا وجد ~~الشرط. PageV01P110 # وإن كان الثاني، وهو أن يكون وجوبه مطلقا غير مشروط الوجوب بذلك الغير، ~~بل مشروط الوقوع فذلك هو محل النزاع إن كان الشرط مقدورا للمكلف، وذلك كما ~~لو وجبت الصلاة وتعذر وقوعها دون الطهارة، أو وجب غسل الوجه ولم يكن (1) ~~إلا بغسل جزء من الرأس إلى غير ذلك. # وإن لم يكن الشرط مقدورا للمكلف فلا، إلا على رأي من يجوز تكليف ما لا ~~يطاق، وذلك كحضور الإمام الجمعة وحصول تمام العدد فيها، فإن ذلك غير مقدور ~~لآحاد المكلفين. (2) وإذا تلخص محل النزاع، فنقول: اتفق أصحابنا والمعتزلة ~~على أن ما لا يتم الواجب إلا به (وهو مقدور للمكلف) فهو واجب، خلافا لبعض ~~الأصوليين. # قال أبو الحسين البصري: وإنما قلنا إن تحصيل الشرط واجب ; لأنه لو لم يجب ~~بل كان تركه مباحا لكان الآمر كأنه قال للمأمور: لك مباح ألا تأتي بالشرط، ~~وأوجب عليك الفعل مع عدم الإتيان بما لا يتم إلا به، وذلك تكليف بما لا ~~يطاق، وهو محال. وهذه الطريقة في غاية الفساد ; وذلك لأن وجوب المشروط إذا ~~كان مطلقا فلا يلزم من إباحة الشرط أن يكون التكليف بالمشروط حالة عدم ~~الشرط، فإن عدمه غير لازم من إباحته، بل حالة عدم وجوب الشرط، وفرق بين ~~الأمرين، فلا يكون التكليف بالمشروط تكليفا بما لا يطاق، ثم يقال له: إن ~~كان التكليف بالمشروط حالة عدم الشرط محالا فالتكليف بالمشروط مشروط بوجود ~~الشرط، وكل ما وجوبه مشروط بشرط فالشرط لا يكون واجب التحصيل لما سبق ولا ~~جواب عنه. # والأقرب في ذلك أن يقال: انعقد ms083 إجماع الأمة على إطلاق القول بوجوب تحصيل ~~ما أوجبه الشارع، وتحصيله إنما هو بتعاطي الأمور الممكنة من الإتيان به، ~~فإذا قيل: يجب التحصيل بما لا يكون واجبا كان متناقضا. وبالجملة فالمسألة ~~وعرة، والطرق ضيقة، فليقنع بمثل هذا في هذا المضيق. PageV01P111 # فإن قيل: القول بوجوب الشرط زيادة على ما اقتضاه الأمر بالمشروط ; إذ لا ~~دلالة عليه، والزيادة على النص نسخ، ونسخ مدلول النص لا يكون إلا بنص آخر، ~~ولا نص. ثم لو كان واجبا لكان مقدورا حذرا من التكليف بما لا يطاق. وما يجب ~~غسله من الرأس وإمساكه من الليل غير مقدور، ولكان مثابا عليه ومعاقبا على ~~تركه. والثواب والعقاب إنما هو على غسل الوجه وتركه، وعلى صوم اليوم وتركه، ~~لا على مسح بعض الرأس وإمساك شيء من الليل، ولهذا فإنه لو تصور الإتيان ~~بالمشروط دون شرطه كان كذلك. # قلنا: جواب الأول أن النسخ إنما يلزم أن لو كان ما قيل بوجوبه رافعا ~~لمقتضى النص الوارد بالمشروط، وليس كذلك، فإن مقتضاه وجوبه ووجوبه باق ~~بحاله. (1) وجواب الثاني: أنه مبني على القول بأن كل واجب لا يقدر بقدر ~~محدود، فالزيادة على أقل ما ينطلق عليه الاسم هل توصف بالوجوب لكون نسبة ~~الكل إلى الوجوب نسبة واحدة، أو الواجب أقل ما ينطلق عليه الاسم والزيادة ~~ندب. فمن ذهب إلى القول الأول قال: كل ما يأتي به من ذلك فهو واجب، والأصح ~~إنما هو القول الثاني، وهو أن الواجب أقل ما ينطلق عليه الاسم ; إذ هو مكتف ~~به من غير لوم على ترك الزيادة من غير بدل، وهو مقدر. # وجواب الثالث بمنع ما ذكروه. (2) وجواب الرابع بأن الوجوب إنما يتحقق ~~بالنسبة إلى العاجز عن الإتيان بالمشروط دون الشرط لا القادر. PageV01P112 ### | [الفصل الثاني في المحظور] ### | [المسألة الأولى هل يجوز أن يكون المحرم أحد أمرين لا بعينه] # الفصل الثاني # في المحظور # وقد يطلق في اللغة على ما كثرت آفاته، ومنه يقال: لبن محظور، أي كثير ~~الآفة. # وقد يطلق بمعنى المنع والقطع، ومنه قولهم: حظرت عليه كذا، ms084 أي منعته منه، ~~ومنه الحظيرة للبقعة المنقطعة تأتي إليها المواشي. # وأما في الشرع، فقد قيل فيه ضد ما قيل في الواجب من الحدود المزيفة ~~السابق ذكرها، ولا يخفى وجه الكلام عليها. # والحق فيه أن يقال: هو ما ينتهض فعله سببا للذم شرعا بوجه ما من حيث هو ~~فعل له. # فالقيد الأول فاصل له عن الواجب والمندوب وسائر الأحكام، والثاني فاصل له ~~عن المخير كما ذكرناه في الواجب. (1) والثالث فاصل له عن المباح الذي ~~يستلزم فعله ترك واجب، فإنه يذم عليه لكن لا من جهة فعله بل لما لزمه من ~~ترك الواجب والحظر (2) فهو خطاب الشارع بما فعله سبب للذم شرعا بوجه ما من ~~حيث هو فعله، ومن أسمائه أنه محرم ومعصية وذنب، وإذا عرف معنى المحظور فلا ~~بد من ذكر ما يختص به من المسائل، وهي ثلاث مسائل. PageV01P113 # المسألة الأولى # يجوز أن يكون المحرم أحد أمرين لا بعينه عندنا؛ خلافا للمعتزلة ; وذلك ~~لأنه لا مانع من ورود النهي بقوله: لا تكلم زيدا أو عمرا، وقد حرمت عليك ~~كلام أحدهما لا بعينه، ولست أحرم عليك الجميع ولا واحدا بعينه. فهذا الورود ~~(1) كان معقولا غير ممتنع. (2) ولا شك أنه إذا كان كذلك فليس المحرم مجموع ~~كلاميهما ولا كلام أحدهما على التعيين ; لتصريحه بنقيضه، فلم يبق إلا أن ~~يكون المحرم أحدهما لا بعينه. # ومنهج الخصم في الاعتراض ومنهجنا في الجواب، فكما سبق في الواجب المخير، ~~ولا يخفى وجهه، ولكن ربما تشبث الخصوم هاهنا بقولهم: إن حرف (أو) إذا ورد ~~في النهي، اقتضى الجمع دون التخيير. # ودليله قوله تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} فإن المراد به إنما هو ~~النهي عن الطاعة لكل واحد منهما لا النهي عن أحدهما. # وجوابه أن يقال: مقتضى الآية إنما هو التخيير وتحريم أحد الأمرين لا ~~بعينه (3) ، والجمع في التحريم هاهنا إنما كان مستفادا من دليل آخر، ويجب ~~أن يكون كذلك جمعا بين الآية وما ذكرناه من الدليل. (4) PageV01P114 ### | [المسألة الثانية استحالة الجمع بين الحظر والوجوب في فعل واحد] ms085 # المسألة الثانية # اتفق العقلاء على استحالة الجمع بين الحظر والوجوب في فعل واحد (1) من ~~جهة واحدة ; لتقابل حديهما كما سبق تعريفه إلا على رأي من يجوز التكليف ~~بالمحال. # وإنما الخلاف في أنه هل يجوز انقسام النوع الواحد من الأفعال إلى واجب ~~وحرام كالسجود لله تعالى والسجود للصنم، وأن يكون الفعل الواحد بالشخص ~~واجبا حراما من جهتين كوجوب الفعل المعين الواقع في الدار المغصوبة من حيث ~~هو صلاة، وتحريمه من حيث هو غصب شاغل لملك الغير. # فذلك مما جوزه أصحابنا مطلقا وأكثر الفقهاء، وخالف في الصورة الأولى بعض ~~المعتزلة وقالوا: السجود نوع واحد وهو مأمور به لله تعالى، فلا يكون حراما ~~ولا منهيا بالنسبة إلى الصنم من حيث هو سجود، وإلا كان الشيء الواحد مأمورا ~~منهيا وذلك محال، وإنما المحرم المنهي قصد تعظيم الصنم، وهو غير السجود. # وخالف في الصورة الثانية الجبائي وابنه وأحمد بن حنبل وأهل الظاهر ~~والزيدية. # وقيل: إنه رواية عن مالك، وقالوا: الصلاة في الدار المغصوبة غير واجبة ~~ولا صحيحة، ولا يسقط بها الفرض ولا عندها. ووافقهم على ذلك القاضي أبو بكر ~~إلا في سقوط الفرض، فإنه قال: يسقط الفرض عندها لا بها مصيرا منهم إلى أن ~~الوجوب والتحريم إنما يتعلق بفعل المكلف لا بما ليس من فعله، والأفعال ~~الموجودة من المصلي في الدار المغصوبة أفعال اختيارية محرمة عليه، وهو عاص ~~بها مأثوم بفعلها، وليس له من الأفعال غير ما صدر عنه، فلا يتصور أن تكون ~~طاعة ولا (2) مثابا عليها، ولا متقربا بها، مع أن التقرب شرط في صحة ~~الصلاة. # والحق في ذلك ما قاله الأصحاب. PageV01P115 # أما في الصورة الأولى فلضرورة التغاير بالشخصية بين السجود لله تعالى ~~والسجود للصنم، ولا يلزم من تحريم أحد السجودين تحريم الآخر، ولا من الوجوب ~~الوجوب. # وما قيل من أن السجود مأمور به لله تعالى، فإن أريد به السجود من حيث هو ~~كذلك، فهو غير مسلم، بل السجود المقيد بقصد تعظيم الرب تعالى دون ما قصد به ~~تعظيم الصنم ; ولهذا قال الله تعالى: ms086 {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا ~~لله} ولو كان كما ذكروه لكان عين المأمور به منهيا عنه، وهو محال. # وأما القمر في الصورة الثانية، فلضرورة تغاير الفعل المحكوم عليه باعتبار ~~اختلاف جهتيه من الغصب والصلاة ; وذلك لأن التغاير بين الشيئين كما أنه قد ~~يقع بتعدد النوع تارة كالإنسان والفرس، وبتعدد الشخص تارة كزيد وعمرو. فقد ~~يقع التغاير مع اتحاد الموضوع المحكوم عليه شخصيا بسبب اختلاف صفاته، بأن ~~يكون المحكوم عليه بأحد الحكمين المتقابلين هو الهيئة الاجتماعية من ذاته ~~وإحدى صفتيه، والمحكوم عليه بالحكم الآخر بالهيئة الاجتماعية والصفة الأخرى ~~(1) كالحكم على زيد بكونه مذموما لفسقه ومشكورا لكرمه، وذلك مما لا يتحقق ~~معه التقابل بين الحكمين والمنع منهما. # وقولهم: إن الفعل الموجود منه في الدار المغصوبة متحد وهو حرام، فلا يكون ~~واجبا. # قلنا: المحكوم عليه بالحرمة ذات الفعل من حيث هو فعل، أو من جهة كونه ~~غصبا. الأول غير مسلم، والثاني فلا يلزم منه امتناع الحكم عليه بالوجوب من ~~جهة كونه صلاة ضرورة (2) الاختلاف كما سبق. (3) فإن قيل: متعلق الوجوب إما ~~أن يكون هو متعلق الحرمة، أو هو مغاير له. والأول يلزم منه التكليف بما لا ~~يطاق، والخصم لا يقول بذلك فيما نحن فيه، سواء قيل بإحالته أو بجوازه. ~~والثاني إما أن يكون متعلق الوجوب والتحريم PageV01P116 # متلازمين أو غير متلازمين، لا جائز أن يقال بالثاني فإن الغصب والصلاة ~~وإن انفك أحدهما عن الآخر في غير مسألة النزاع، فهما متلازمان في مسألة ~~النزاع. فلم يبق غير التلازم، وعند ذلك فالواجب متوقف على فعل المحرم، وما ~~لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالمحرم الذي ذكرتموه يكون واجبا، وهو ~~تكليف بما لا يطاق. وأيضا فإن الحركات المخصوصة في الصلاة والسكنات داخلة ~~في مفهومها، والحركات والسكنات تشغل الحيز ; إذ الحركة عبارة عن شغل الجوهر ~~للحيز بعد أن كان في غيره، والسكون شغل الجوهر للحيز أكثر من زمان واحد، ~~فشغل الحيز داخل في مفهوم الحركة والسكون الداخلين في مفهوم الصلاة، فكان ~~داخلا في مفهوم الصلاة ; لأن ms087 جزء الجزء جزء، وشغل الحيز فيما نحن فيه حرام، ~~فالصلاة التي جزءها حرام لا تكون واجبة ; لأن وجوبها إما أن يستلزم إيجاب ~~جميع أجزائها أو لا يستلزم. والأول يلزم منه إيجاب ما كان من أجزائها ~~محرما، وهو تكليف بما لا يطاق. والثاني يلزم منه أن يكون الواجب بعض أجزاء ~~الصلاة لا نفس الصلاة ; لأن مفهوم الجزء مغاير لمفهوم الكل وذلك محال. # قلنا: أما الإشكال الأول فيلزم عليه ما لو قال السيد لعبده: أوجبت عليك ~~خياطة هذا الثوب وحرمت عليك السكن في هذا الدار، فإن فعلت هذا أثبتك وإن ~~فعلت هذا عاقبتك. فإنه إذا سكن الدار وخاط الثوب فإنه يصح أن يقال: فعل ~~الواجب والمحرم، ويحسن من السيد ثوابه له على الطاعة وعقابه له على المعصية ~~إجماعا. وعند ذلك فكل ما أوردوه من التقسيم فهو بعينه وارد هاهنا ; وذلك أن ~~يقال: متعلق الوجوب إن كان هو متعلق الحرمة فهو تكليف بما لا يطاق، وليس ~~كذلك فيما فرض من الصورة، وإن تغايرا فهما في الصورة المفروضة متلازمان، ~~وإن جاز انفكاكهما حسبما قيل في الصلاة في الدار المغصوبة. فالواجب متوقف ~~على المحرم، فيلزم أن يكون واجبا لا محرما لما قيل. وقد قيل بالجمع بين ~~الواجب والمحرم فيها، فما هو الجواب في هذه الصورة هو الجواب في صورة محل ~~النزاع. على هذا فقد اندفع الإشكال الثاني أيضا من حيث إن شغل الحيز داخل ~~في مفهوم الحركات المخصوصة الداخلة في مفهوم الخياطة، وشغل الحيز # PageV01P117 # بالسكن محرم على ما قيل في صورة محل النزاع من غير فرق، والجواب يكون ~~مشتركا. كيف وإن إجماع سلف الأمة وهلم جرا منعقد على الكف عن أمر الظلمة ~~بقضاء الصلوات المؤداة في الدور المغصوبة مع كثرة وقوع ذلك منهم، ولو لم ~~تكن صحيحة مع وجوبها عليهم لبقي الوجوب مستمرا وامتنع على الأمة عدم ~~الإنكار عادة، وهو لازم على المعتزلة وأحمد بن حنبل حيث اعترفوا ببقاء ~~الفرض وعدم سقوطه. # وأما القاضي أبو بكر فإنه قال: إن الفرض يسقط عندها لا بها جمعا ms088 بين ~~الإجماع على عدم النكير على ترك القضاء وبين ما ظنه دليلا على امتناع صحة ~~الصلاة، وقد بينا إبطال مستنده. ### | [المسألة الثالثة هل المحرم بوصفه مضاد لوجوب أصله] # المسألة الثالثة (1) مذهب الشافعي أن المحرم بوصفه مضاد لوجوب أصله خلافا ~~لأبي حنيفة. # وصورة المسألة ما إذا أوجب الصوم وحرم إيقاعه في يوم العيد، وعلى هذا ~~النحو فالشافعي اعتقد أن المحرم هو الصوم الواقع وألحقه بالمحرم باعتبار ~~أصله، فكان تحريمه مضادا لوجوبه، وأبو حنيفة اعتقد أن المحرم نفس الوقوع لا ~~الواقع، وهما غيران فلا تضاد إلحاقا له بالمحرم باعتبار غيره، وحيث قضي ~~بتحريم صلاة المحدث وبطلانها إنما كان لفوات شرطها من الطهارة لا للنهي عن ~~إيقاعها مع الحدث، بخلاف الطواف حيث لم يقم الدليل عنده على اشتراط الطهارة ~~فيه. # وبالجملة فالمسألة اجتهادية ظنية، لا حظ لها من اليقين، وإن كان الأشبه ~~إنما هو مذهب الشافعي من حيث إن اللغوي لا يفرق عند سماعه لقول القائل: " ~~حرمت عليك الصوم في هذا اليوم " مع كونه موجبا لتحريم الصوم، وبين قوله: ~~حرمت عليك إيقاع الصوم في هذا اليوم. من جهة أنه لا معنى لإيقاع الصوم في ~~اليوم سوى فعل الصوم في اليوم، فإذا كان فعل الصوم فيه محرما كان ذلك مضادا ~~لوجوبه لا محالة. PageV01P118 # فإن قيل: لو كان تحريم إيقاع الفعل في الوقت تحريما للفعل الواقع لزم أن ~~يكون تحريم إيقاع الطلاق في زمن الحيض تحريما لنفس الطلاق، ولو كان الطلاق ~~نفسه محرما لما كان معتبرا، وكذلك وقوع الصلوات في الأوقات والأماكن المنهي ~~عن إيقاعها فيها. # قلنا: أما الطلاق في زمن الحيض إنما قضى الشافعي بصحته لظهور صرف التحريم ~~عنده عن أصل الطلاق وصفته، إلى أمر خارج، وهو ما يفضي إليه من تطويل العدة ~~لدليل دل عليه. # وأما الصلوات في الأوقات والأماكن المنهي عنها فقد منع بعض أصحابنا صحتها ~~في الأوقات دون الأماكن، ومن عمم اعتقد صرف النهي فيها عن أصل الفعل وصفته ~~إلى أمر خارج لدليل دل عليه أيضا، بخلاف ما نحن فيه حتى ms089 لو قام الدليل فيه ~~على ترك الظاهر لترك. ### | [الفصل الثالث في تحقيق معنى المندوب وما يتعلق به من المسائل] ### | [المسألة الأولى هل المندوب مأمور به] # الفصل الثالث # في تحقيق معنى المندوب وما يتعلق به من المسائل # والمندوب في اللغة مأخوذ من الندب وهو الدعاء إلى أمر مهم، ومنه قول ~~الشاعر: # لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا # ) . # وأما في الشرع فقد قيل: (هو ما فعله خير من تركه) ويبطل بالأكل قبل ورود ~~الشرع، فإنه خير من تركه لما فيه من اللذة واستبقاء المهجة وليس مندوبا. # وقيل: (هو ما يمدح على فعله ولا يذم على تركه) ويبطل بأفعال الله تعالى ~~فإنها كذلك وليست مندوبة. # فالواجب أن يقال: (هو المطلوب فعله شرعا من غير ذم على تركه مطلقا) ، ~~(فالمطلوب فعله) احتراز عن الحرام والمكروه والمباح وغيره من الأحكام ~~الثابتة بخطاب الوضع والأخبار، و (نفي الذم) (1) احتراز عن الواجب المخير ~~والموسع في أول الوقت (2) وإذا عرف معنى المندوب ففيه مسألتان: PageV01P119 # المسألة الأولى # ذهب القاضي أبو بكر وجماعة من أصحابنا إلى أن المندوب مأمور به، خلافا ~~للكرخي وأبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة. # احتج المثبتون بأن فعل المندوب يسمى طاعة بالاتفاق، وليس ذلك لذات الفعل ~~المندوب إليه وخصوص نفسه، وإلا كان طاعة بتقدير ورود النهي عنه ولا لصفة من ~~الصفات التي يشاركه فيها غيره من الحوادث وإلا كان كل حادث طاعة، ولا لكونه ~~مرادا لله تعالى وإلا كان كل مراد الوقوع طاعة وليس كذلك، ولا لكونه مثابا ~~عليه فإنه لا يخرج عن كونه طاعة وإن لم يثب عليه، ولا لكونه موعودا بالثواب ~~عليه ; لأنه لو ورد فيه وعد لتحقق لاستحالة الخلف في خبر الشارع، والثواب ~~غير لازم له بالإجماع، والأصل عدم ما سوى ذلك، فتعين أن يكون طاعة لما فيه ~~من امتثال الأمر؛ فإن امتثال الأمر يسمى طاعة ولهذا يقال: فلان مطاع الأمر، ~~ومنه قول الشاعر: # ولو كنت ذا أمر مطاع لما بدا ... توان من المأمور في كل أمركا ms090 # ) . # كيف وقد شاع وذاع إطلاق أهل الأدب قولهم بانقسام الأمر إلى أمر إيجاب ~~وأمر ندب. # فإن قيل: أمكن أن يكون طاعة لكونه مقتض ومطلوبا ممن له الطلب والاقتضاء، ~~ولا يلزم أن يكون ذلك لكونه مأمورا، ثم لو كان فعله طاعة لكونه مأمورا لكان ~~تركه معصية لكونه مأمورا، ولذلك يقال: أمر فعصى، ومنه قول الشاعر: # أمرتك أمرا جازما فعصيتني # ) . # وليس كذلك بالإجماع. # ويدل على أنه غير مأمور قوله عليه السلام: " «لولا أن أشق على أمتي ~~لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» "، وقوله عليه السلام لبريرة وقد عتقت تحت ~~عبد: " «لو راجعتيه. فقالت: بأمرك يا رسول الله؟ فقال: لا إنما أنا شافع» " ~~نفى الأمر في الصورتين مع أن الفعل فيهما مندوب، فدل على أن المندوب ليس ~~مأمورا. # PageV01P120 # قلنا: أما الاقتضاء والطلب فهو الأمر عندنا على ما يأتي، فتسليمه تسليم ~~لمحل النزاع. # قولهم: لا يسمى تاركه عاصيا. قلنا: لأن العصيان اسم ذم مختص بمخالفة أمر ~~الإيجاب ولا بمخالفة مطلق أمر، ويجب أن يكون كذلك جمعا بين ما ذكروه من ~~الإطلاق وما ذكرناه من الدليل، ولمثل هذا يجب حمل الحديثين على أمر الإيجاب ~~دون الندب. ويخص الحديث الأول أنه قيده بالمشقة، وهي لا تكون في غير أمر ~~الإيجاب، وإذا ثبت كونه مأمورا فهو حسن بجميع الاعتبارات السابق ذكرها في ~~مسألة التحسين والتقبيح، وهل هو داخل في مسمى الواجب؟ فالكلام فيه على ما ~~سيأتي في الجائز نفيا وإثباتا. ### | [المسألة الثانية المندوب هل هو من أحكام التكاليف] # المسألة الثانية # اختلف أصحابنا في المندوب (1) هل هو من أحكام التكاليف؟ فأثبته الأستاذ ~~أبو إسحاق (2) ونفاه الأكثرون وهو الحق. (3) وحجة ذلك أن التكليف إنما يكون ~~بما فيه كلفة ومشقة، والمندوب مساو للمباح في التخيير بين الفعل والترك من ~~غير حرج مع زيادة الثواب على الفعل، والمباح ليس من أحكام التكليف، على ما ~~يأتي، فالمندوب أولى. # نعم، إن قيل: إنه تكليفي باعتبار وجوب اعتقاد كونه مندوبا، فلا حرج. # فإن قيل: المندوب لا يخلو عن كلفة ومشقة فإنه سبب للثواب، فإن فعله ms091 رغبة ~~في الثواب ففعله مشق كفعل الواجب، وإن تركه شق عليه ما فاته من الثواب ~~الجزيل بفعله، وربما كان ذلك أشق عليه من الفعل بخلاف ترك المباح. قلنا: ~~يلزم عليه أن يكون حكم الشارع على الفعل بكونه سببا للثواب حكما تكليفيا ; ~~لأنه إن أتى بالفعل رغبة في الثواب الذي هو مسببه فهو مشق، وإن تركه شق ~~عليه ما فاته من الثواب، وهو خلاف الإجماع. PageV01P121 ### | [الفصل الرابع في المكروه] # الفصل الرابع # في المكروه # المكروه (1) في اللغة مأخوذ من الكريهة وهي الشدة في الحرب، ومنه قولهم: ~~جمل كره (2) أي شديد الرأس، وفي معنى ذلك الكراهة والكراهية. # وأما في الشرع فقد يطلق ويراد به الحرام. (3) وقد يراد به ترك ما مصلحته ~~راجحة، وإن لم يكن منهيا عنه كترك المندوبات. # وقد يراد به ما نهي عنه نهي تنزيه لا تحريم، كالصلاة في الأوقات والأماكن ~~المخصوصة، وقد يراد به ما في القلب منه حزازة، وإن كان غالب الظن حله كأكل ~~لحم الضبع. # وعلى هذا فمن نظر إلى الاعتبار الأول حده بحد الحرام، كما سبق. # ومن نظر إلى الاعتبار الثاني حده بترك الأولى. # ومن نظر إلى الاعتبار الثالث حده بالمنهي الذي لا ذم على فعله. # ومن نظر إلى الاعتبار الرابع حده بأنه الذي فيه شبهة وتردد. # وإذا عرف معنى المكروه، فالخلاف في كونه منهيا عنه وفي كونه من أحكام ~~التكاليف، فعلى نحو ما سبق في المندوب (4) ، ولا يخفى وجه الكلام في ~~الطرفين تزييفا واختيارا. PageV01P122 ### | [الفصل الخامس في المباح وما يتعلق به من المسائل] ### | [المسألة الأولى الإباحة من الأحكام الشرعية] # الفصل الخامس # في المباح وما يتعلق به من المسائل # أما المباح (1) فهو في اللغة مشتق من الإباحة وهي الإظهار والإعلان، ومنه ~~يقال: باح بسره: إذا أظهره. # وقد يرد أيضا بمعنى الإطلاق والإذن، ومنه يقال: أبحته كذا، أي: أطلقته ~~فيه وأذنت له. # وأما في الشرع، فقد قال قوم: هو ما خير المرء فيه بين فعله وتركه شرعا، ~~وهو منقوض بخصال الكفارة المخيرة، فإنه ما من خصلة منها إلا ms092 والمكفر مخير ~~بين فعلها وتركها، وبتقدير فعلها لا تكون مباحة بل واجبة، وكذلك الصلاة في ~~أول وقتها الموسع مخير بين فعلها وتركها مع العزم، وليست مباحة بل واجبة. # وقال قوم: هو ما استوى جانباه في عدم الثواب والعقاب، وهو منتقض بأفعال ~~الله تعالى فإنها كذلك وليست متصفة بكونها مباحة. (2) ومنهم من قال: هو ما ~~أعلم فاعله أو دل أنه لا ضرر عليه في فعله ولا تركه ولا نفع له في الآخرة، ~~وهو غير جامع ; لأنه يخرج منه الفعل الذي خير الشارع فيه بين الفعل والترك ~~مع إعلام فاعله، أو دلالة الدليل السمعي على استواء فعله في المصلحة ~~والمفسدة دنيا وأخرى، فإنه مباح وإن اشتمل فعله وتركه على الضرر. # والأقرب في ذلك أن يقال: هو ما دل الدليل السمعي على خطاب الشارع ~~بالتخيير فيه بين الفعل والترك من غير بدل. فالقيد الأول فاصل له عن فعل ~~الله تعالى، والثاني (3) عن الواجب الموسع في أول الوقت والواجب المخير، ~~وإذا عرف معنى المباح ففيه خمس مسائل: PageV01P123 # المسألة الأولى # اتفق المسلمون على أن الإباحة من الأحكام الشرعية خلافا لبعض المعتزلة، ~~مصيرا منه إلى أن المباح لا معنى له سوى ما انتفى الحرج عن فعله وتركه، ~~وذلك ثابت قبل ورود الشرع وهو مستمر بعده، فلا يكون حكما شرعيا. # ونحن لا ننكر أن انتفاء الحرج عن الفعل والترك ليس بإباحة شرعية، وإنما ~~الإباحة الشرعية خطاب الشارع بالتخيير على ما قررناه، وذلك غير ثابت قبل ~~ورود الشرع. ولا يخفى الفرق بين القسمين، فإذا (1) ما أثبتناه من الإباحة ~~الشرعية لم يتعرض لنفيها وما نفي غير ما أثبتناه. ### | [المسألة الثانية المباح غير مأمور به] # المسألة الثانية (2) اتفق الفقهاء والأصوليون قاطبة على أن المباح غير ~~مأمور به، خلافا للكعبي (3) وأتباعه من المعتزلة في قولهم: إنه لا مباح في ~~الشرع بل كل فعل يفرض فهو واجب مأمور به. # احتج من قال: إنه غير مأمور به، أن الأمر طلب يستلزم ترجيح الفعل على ~~الترك، وهو غير متصور في المباح ; لما سبق في ms093 تحديده، ولأن الأمة مجمعة على ~~انقسام الأحكام إلى وجوب وندب وإباحة وغير ذلك. فمنكر المباح يكون خارقا ~~للإجماع. # وحجة الكعبي أنه ما من فعل يوصف بكونه مباحا إلا ويتحقق بالتلبس به ترك ~~حرام ما، وترك الحرام واجب ولا يتم تركه دون التلبس بضد من أضداده، وما لا ~~يتم الواجب إلا به فهو واجب لما سبق. # ثم اعتذر عن الإجماع المحتج به بأن قال: يجب حمله على ذات الفعل مع قطع ~~النظر عن تعلق الأمر به لسبب توقف ترك الحرام عليه، فإنه إذ ذاك لا يكون ~~مأمورا به ضرورة الجمع بين الأدلة بأقصى الإمكان (4) ، وقد اعترض عليه من ~~لا PageV01P124 # يعلم عور كلامه بأنه وإن كان ترك الحرام واجبا فالمباح ليس هو نفس ترك ~~الحرام، بل شيء يترك به الحرام مع إمكان تحقق ترك الحرام بغيره، فلا يلزم ~~أن يكون واجبا. وهو غير سديد، فإنه إذا ثبت أن ترك الحرام واجب، وأنه لا ~~يتم بدون التلبس بضد من أضداده. # وقد تقرر أن ما لا يتم الواجب دونه فهو واجب، فالتلبس بضد من أضداده ~~واجب، غايته أن الواجب من الأضداد غير معين قبل تعيين المكلف له، ولكن لا ~~خلاف في وجوبه بعد التعيين، ولا خلاص عنه إلا بمنع وجوب ما لا يتم الواجب ~~إلا به، وفيه خرق القاعدة الممهدة على أصول الأصحاب. # وغاية ما ألزم عليه أنه لو كان الأمر على ما ذكرت لكان المندوب بل المحرم ~~إذا ترك به محرم آخر أن يكون واجبا، وكان يجب أن تكون الصلاة حراما على هذه ~~القاعدة عند ما إذا ترك بها واجبا آخر، وهو محال، فكان جوابه أنه لا مانع ~~من الحكم على الفعل الواحد بالوجوب والتحريم، بالنظر إلى جهتين مختلفتين ~~كما في الصلاة في الدار المغصوبة ونحوه. # وبالجملة وإن استبعده من استبعده فهو في غاية الغموض والإشكال، وعسى أن ~~يكون عند غيري حله. ### | [المسألة الثالثة المباح هل هو داخل في مسمى الواجب أم لا] # المسألة الثالثة # اختلفوا في المباح: هل هو داخل في مسمى ms094 الواجب أم لا؟ # وحجة من قال بالدخول، أن المباح ما لا حرج على فعله. وهذا المعنى متحقق ~~في الواجب، والزيادة التي اختص بها الواجب غير نافية للاشتراك فيما قيل. # وحجة من قال بالتباين، أن المباح ما خير فيه بين الفعل والترك بالقيود ~~المذكورة (1) ، وهو غير متحقق في الواجب وهو الحق. (2) PageV01P125 # فإن قيل: العادة مطردة بإطلاق الجائز على الصلاة الواجبة والصوم الواجب ~~في قولهم: صلاة جائزة وصوم جائز، ولو لم يكن مفهوم الجائز متحققا في الواجب ~~لزم منه إما الاشتراك وإما التجوز، وهو خلاف الأصل. # قلنا: ولو كان إطلاقه عليه حقيقة فلا مشترك بينهما سوى نفي الحرج عن ~~الفعل بدليل البحث والسبر، فلو كان ذلك هو المسمى حقيقة فالعادة أيضا مطردة ~~بإطلاق الجائز على ما انتفى الحرج عن تركه، ولذا يقال: المحرم جائز الترك، ~~وما هو مسمى الجائز أولا غير متحقق هنا. ويلزم من ذلك أن يكون إطلاق اسم ~~الجائز على ترك المحرم مجازا أو مشتركا، وهو خلاف الأصل، وليس أحد الأمرين ~~أولى من الآخر بل احتمال التجوز فيما ذكرناه أولى ; لما فيه من موافقة ~~الإطلاق في قولهم: هذا واجب وليس بجائز، وعلى كل تقدير فالمسألة لفظية، وهي ~~في محل الاجتهاد. ### | [المسألة الرابعة المباح هل هو داخل تحت التكليف] # المسألة الرابعة # اختلفوا في المباح: هل هو داخل تحت التكليف؟ واتفاق جمهور من العلماء على ~~النفي خلافا للأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني. # والحق أن الخلاف في هذه المسألة لفظي، فإن النافي يقول: إن التكليف إنما ~~يكون بطلب ما فيه كلفة ومشقة، ومنه قولهم: كلفتك عظيما، أي حملتك ما فيه ~~كلفة ومشقة. ولا طلب في المباح ولا كلفة لكونه مخيرا بين الفعل والترك. # ومن أثبت ذلك لم يثبته بالنسبة إلى أصل الفعل، بل بالنسبة إلى وجوب ~~اعتقاد كونه مباحا، والوجوب من خطاب التكليف فما التقيا على محز واحد. ### | [المسألة الخامسة المباح هل هو حسن أم لا] # المسألة الخامسة # اختلفوا في المباح: هل هو حسن أم لا؟ # والحق امتناع النفي والإثبات في ذلك مطلقا، بل ms095 الواجب أن يقال: إنه حسن ~~باعتبار أن لفاعله أن يفعله شرعا، أو باعتبار موافقته للغرض، وليس حسنا ~~باعتبار أنه مأمور بالثناء على فاعله على ما تقرر في مسألة التحسين ~~والتقبيح. # PageV01P126 ### | [الفصل السادس في الأحكام الثابتة بخطاب الوضع والأخبار] ### | [الصنف الأول الحكم على الوصف بكونه سببا] # الفصل السادس # في الأحكام الثابتة بخطاب الوضع والأخبار وهي على أصناف: # الصنف الأول: الحكم على الوصف بكونه سببا # والسبب في اللغة عبارة عما يمكن التوصل به إلى مقصود ما. # ومنه سمي الحبل سببا والطريق سببا ; لإمكان التوصل بهما إلى المقصود. ~~وإطلاقه في اصطلاح المتشرعين على بعض مسمياته في اللغة، وهو كل وصف ظاهر ~~منضبط دل الدليل السمعي على كونه معرفا لحكم شرعي. ولا يخفى ما فيه من ~~الاحتراز. # وهو منقسم إلى ما لا يستلزم في تعريفه للحكم حكمة باعثة عليه، كجعل زوال ~~الشمس أمارة معرفة لوجوب الصلاة في قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} ~~وفي قوله عليه السلام: " «إذا زالت الشمس فصلوا» "، وكجعل طلوع هلال رمضان ~~أمارة على وجوب صوم رمضان بقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ، ~~وقوله عليه السلام: " «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» " ونحوه. # وإلى ما يستلزم حكمة باعثة للشرع على شرع الحكم المسبب كالشدة المطربة ~~المعرفة لتحريم شرب النبيذ لا لتحريم شرب الخمر في الأصل المقيس عليه، فإن ~~تحريم شرب الخمر معروف بالنص أو الإجماع لا بالشدة المطربة (1) ، ولأنها لو ~~كانت معرفة له فهي لا يعرف كونها علة بالاستنباط إلا بعد معرفة الحكم في ~~الأصل، وذلك دور ممتنع. # وعلى هذا فالحكم الشرعي ليس هو نفس الوصف المحكوم عليه بالسببية، بل حكم ~~الشرع عليه بالسببية. # وعلى هذا فكل واقعة عرف الحكم فيها بالسبب لا بدليل آخر من الأدلة ~~السمعية، فلله تعالى فيها حكمان: أحدهما الحكم المعرف بالسبب، والآخر ~~السببية المحكوم بها على الوصف المعرف للحكم، وفائدة نصبه سببا معرفا للحكم ~~PageV01P127 # عسر وقوف المكلفين على خطاب الشرع في كل واقعة من الوقائع بعد انقطاع ~~الوحي، حذرا من تعطيل أكثر الوقائع عن الأحكام الشرعية (1) ، وسواء ms096 كان ~~السبب مما يتكرر بتكرره الحكم، كما ذكرناه من زوال الشمس وطلوع الهلال ~~وغيره من أسباب الضمانات والعقوبات والمعاملات، أو غير متكرر به كالاستطاعة ~~في الحج ونحوه، وسواء كان وصفا وجوديا أو عدميا شرعيا أو غير شرعي، على ما ~~يأتي تحقيقه في القياس. # وإذا أطلق على السبب أنه موجب للحكم فليس معناه أنه يوجبه لذاته وصفة ~~نفسه وإلا كان موجبا له قبل ورود الشرع، وإنما معناه أنه معرف للحكم لا غير ~~(2) ، كما ذكرناه في تحديده. # فإن قيل: لو كانت السببية حكما شرعيا لافتقرت في معرفتها إلى سبب آخر ~~يعرفها، ويلزم من ذلك إما الدور إن افتقر كل واحد من السببين إلى الآخر - ~~وأيضا فإن الوصف المعرف للحكم إما يعرفه بنفسه أو بصفة زائدة - وإما ~~التسلسل وهو محال. # فإن كان الأول لزم أن يكون معرفا له قبل ورود الشرع وهو محال، وإن كان ~~بصفة زائدة عليه فالكلام في تلك الصفة كالكلام في الأول وهو تسلسل ممتنع، ~~وأيضا فإن الطريق إلى معرفة كون الوصف سببا للحكم إنما هو ما يستلزمه من ~~الحكمة المستدعية للحكم من جلب مصلحة أو دفع مفسدة، وذلك ممتنع لوجهين: ~~الأول: أنه لو كانت الحكمة معرفة لحكم السببية لأمكن تعريف الحكم المسبب ~~بها من غير حاجة إلى توسط الوصف، وليس كذلك بالإجماع. # الثاني: أن الحكمة إما أن تكون قديمة أو حادثة. # فإن كان الأول لزم من قدمها قدم موجبها وهو معرفة السببية، وإن كان ~~الثاني فلا بد لها من معرف آخر لخفائها، والتقسيم في ذلك المعرف عائد ~~بعينه. PageV01P128 # قلنا: معرفة السببية مستندة إلى الخطاب (1) أو إلى الحكمة الملازمة للوصف ~~مع اقتران الحكم بها في صورة (2) ، فلا تستدعي سببا آخر يعرفها حتى يلزم ~~الدور أو التسلسل، وبما ذكرناه هاهنا يكون دفع إشكال الثاني (3) أيضا. (4) ~~وأما الوجه الأول من الإشكال الثالث: فالوجه في دفعه أن الحكمة المعرفة ~~للسببية ليس مطلق حكمة بل الحكمة المضبوطة بالوصف المقترن بالحكم، فلا تكون ~~بمجردها معرفة للحكم، فإنها إذا كانت خفية غير مضبوطة بنفسها ولا بملزومها ms097 ~~من الوصف، فلا يمكن تعريف الحكم بها لعدم الوقوف على ما به التعريف ~~لاضطرابها واختلافها باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان، وما هذا شأنه فدأب ~~(5) الشارع فيه رد الناس إلى المظان الظاهرة المنضبطة المستلزمة لاحتمال ~~الحكمة دفعا للعسر والحرج عنهم. # وأما الوجه الثاني منه: فالوجه في دفعه أن يقال: الحكمة إذا كانت مضبوطة ~~بالوصف فهي معروفة بنفسها غير مفتقرة إلى معرف آخر، ولا يلزم من تقدمها على ~~ورود الشرع أن تكون معرفة للسببية لتوقف ذلك على اعتبارها في الشرع، ولا ~~اعتبار لها قبل ورود الشرع، وإذا عرف معنى السبب شرعا فلو تخلف الحكم عنه ~~في صورة من الصور فهل تبطل سببيته أم لا؟ فسيأتي الكلام عليه في مسألة ~~تخصيص العلة فيما بعد. PageV01P129 ### | [الصنف الثاني الحكم على الوصف بكونه مانعا] # والمانع منقسم إلى مانع الحكم، ومانع السبب. # أما مانع الحكم، فهو كل وصف وجودي ظاهر منضبط مستلزم لحكمة مقتضاها بقاء ~~نقيض حكم السبب مع بقاء حكمة السبب، كالأبوة (1) في باب القصاص مع القتل ~~العمد العدوان. # وأما مانع السبب، فهو كل وصف يخل وجوده بحكمة السبب يقينا، كالدين في باب ~~الزكاة مع ملك النصاب. ### | [الصنف الثالث الشرط] # والشرط ما كان عدمه مخلا بحكمة السبب، فهو شرط السبب كالقدرة على التسليم ~~في باب البيع، وما كان عدمه مشتملا على حكمة مقتضاها نقيض حكم السبب مع ~~بقاء حكمة السبب فهو شرط الحكم، كعدم الطهارة في الصلاة مع الإتيان بمسمى ~~الصلاة، والحكم الشرعي في ذلك إنما هو (2) قضاء الشارع على الوصف بكونه ~~مانعا أو شرطا لا نفس الوصف المحكوم عليه، وقد يرد هاهنا من الإشكالات ما ~~وردت على السبب، والوجه في دفعها ما سبق. ### | [الصنف الرابع الحكم بالصحة] # وهي في اللغة مقابل للسقم وهو المرض. # وأما في الشرع فقد تطلق الصحة على العبادات تارة، وعلى عقود المعاملات ~~تارة. # أما في العبادات، فعند المتكلم: الصحة عبارة عن موافقة أمر الشارع وجب ~~القضاء أو لم يجب. وعند الفقهاء: الصحة عبارة عن سقوط القضاء بالفعل، فمن ~~صلى وهو يظن أنه ms098 متطهر وتبين أنه لم يكن متطهرا فصلاته صحيحة عند المتكلم ~~لموافقة أمر الشارع بالصلاة على حسب حاله، وغير صحيحة عند الفقهاء لكونها ~~غير مسقطة للقضاء. PageV01P130 # وأما في عقود المعاملات، فمعنى صحة العقد ترتب ثمرته المطلوبة منه عليه. ~~ولو قيل للعبادة صحيحة بهذا التفسير فلا حرج، ومن فسر صحة العقد بإذن ~~الشارع في الانتفاع بالمعقود عليه فهو فاسد، فإن البيع بشرط الخيار صحيح ~~بالإجماع، وإن لم يتحقق إذن الشارع بالانتفاع بتقدير الفسخ قبل انقضاء ~~المدة مع أنه لا يطرد هذا التفسير في صحة الصلاة وغيرها من العبادات، وإن ~~صح فالنزاع في أمر لفظي، ولا بأس بتفسير كون العبادة مجزية بكونها مسقطة ~~لوجوب القضاء، وحيث لم تكن متصفة بكونها مجزية عند أدائها مع اختلال شرطها ~~وسقوط القضاء بالموت، إنما كان لأنه لم يسقط القضاء بفعلها بل بالموت. ### | [الصنف الخامس الحكم بالبطلان] # وهو نقيض الصحة بكل اعتبار من الاعتبارات السابقة. # وأما الفاسد فمرادف للباطل عندنا، وهو عند أبي حنيفة قسم ثالث مغاير ~~للصحيح والباطل، وهو ما كان مشروعا بأصله ممنوعا بوصفه، كبيع مال الربا ~~بجنسه متفاضلا ونحوه، وسيأتي تحقيق ذلك في المناهي. ### | [الصنف السادس العزيمة والرخصة] # (1) أما العزيمة، ففي اللغة الرقية، وهي مأخوذة من عقد القلب المؤكد على ~~أمر ما، ومنه قوله تعالى: {فنسي ولم نجد له عزما} أي قصدا مؤكدا. # ومنه سمي بعض الرسل " أولو العزم " لتأكد قصدهم في إظهار الحق. # وأما في الشرع، فعبارة عما لزم العباد بإلزام الله تعالى كالعبادات الخمس ~~ونحوها. # وأما الرخصة في اللغة - بتسكين الخاء - فعبارة عن التيسير والتسهيل، ومنه ~~يقال: رخص السعر: إذا تيسر وسهل، وبفتح الخاء عبارة عن الأخذ بالرخص. ~~PageV01P131 # وأما في الشرع فقد قيل: الرخصة ما أبيح فعله مع كونه حراما، وهو تناقض ~~ظاهر. # وقيل: ما رخص فيه مع كونه حراما، وهو مع ما فيه من تعريف الرخصة بالترخيص ~~المشتق من الرخصة غير خارج عن الإباحة، فكان في معنى الأول. # وقال أصحابنا: الرخصة ما جاز فعله لعذر مع قيام السبب المحرم، وهو غير ~~جامع، ms099 فإن الرخصة كما قد تكون بالفعل قد تكون بترك الفعل، كإسقاط وجوب صوم ~~رمضان والركعتين من الرباعية في السفر. فكان من الواجب أن يقال: الرخصة ما ~~شرع من الأحكام لعذر، إلى آخر الحد المذكور، حتى يعم النفي والإثبات. # ثم العذر المرخص (1) لا يخلو إما أن يكون راجحا على المحرم أو مساويا أو ~~مرجوحا. # فإن كان الأول فموجبه لا يكون رخصة بل عزيمة، وإلا كان كل حكم ثبت بدليل ~~راجح مع وجود المعارض المرجوح رخصة وهو خلاف الإجماع. # وإن كان مساويا فإن قلنا بتساقط الدليلين المتعارضين من كل وجه والرجوع ~~إلى الأصل، فلا يكون ذلك رخصة وإلا كان كل فعل بقينا فيه على النفي الأصلي ~~قبل ورود الشرع رخصة، وهو ممتنع. وإن لم نقل بالتساقط فالقائل قائلان: # قائل يقول بالوقف عن الحكم بالجواز وعدمه إلى حين ظهور الترجيح، وذلك ~~عزيمة لا رخصة. # وقائل يقول بالتخيير بين الحكم بالجواز والحكم بالتحريم، ويلزم من ذلك أن ~~لا يكون أكل الميتة حالة الاضطرار رخصة، ضرورة عدم التخيير بين جواز الأكل ~~والتحريم ; لأن الأكل واجب جزما، وقد قيل بكونه رخصة، فلم يبق إلا أن يكون ~~الدليل المحرم راجحا على المستبيح، ويلزم من ذلك العلم بالمرجوح ومخالفة ~~الراجح، وهو في غاية الإشكال، وإن كان هذا القسم هو الأشبه بالرخصة لما ~~فيها من التيسير والتسهيل بالعمل بالمرجوح ومخالفة الراجح، وعلى هذا فإباحة ~~PageV01P132 # شرب الخمر والتلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه، وإسقاط صوم رمضان، والقصر في ~~الرباعية في السفر، والتيمم مع وجود الماء للجراحة أو لبعد الماء أو لبيعه ~~بأكثر من ثمن المثل - رخصة حقيقة، وأكل الميتة حالة الاضطرار وإن كان عزيمة ~~من حيث هو واجب استبقاء للمهجة فرخصة من جهة ما في الميتة من الخبث المحرم ~~وما لم يوجبه الله علينا، وإن كان واجبا على من قبلنا فليس رخصة حقيقة وإن ~~سمي رخصة (1) لعدم الدليل المحرم لتركه (2) ، وكذلك كل حكم ثبت جوازه على ~~خلاف العموم للمخصص لا يكون رخصة ; لأن المخصص بين لنا أن المتكلم لم يرد ~~باللفظ ms100 العام لغة صورة التخصيص، فلا يكون إثبات الحكم فيها على خلاف الدليل ~~; لأن العموم إنما يكون دليلا على الحكم في آحاد الصور الداخلة تحت العموم ~~لغة مع إرادة المتكلم لها ومع المخصص فلا إرادة. (3) ### | [الأصل الثالث في المحكوم فيه وهو الأفعال المكلف بها] ### | [المسألة الأولى التكليف بما لا يطاق] # الأصل الثالث # في المحكوم فيه وهو الأفعال المكلف بها وفيه خمس مسائل: # المسألة الأولى (4) اختلف قول أبي الحسن الأشعري في جواز التكليف بما لا ~~يطاق نفيا وإثباتا، وذلك كالجمع بين الضدين وقلب الأجناس (5) وإيجاد القديم ~~وإعدامه ونحوه، وميله في أكثر أقواله إلى الجواز (6) وهو لازم على أصله في ~~اعتقاد وجوب مقارنة PageV01P133 # القدرة الحادثة للمقدور بها مع تقدم التكليف بالفعل على الفعل (1) ، وأن ~~القدرة غير مؤثرة في مقدورها، بل مقدورها مخلوق لله تعالى. # ولا يخفى أن التكليف بفعل الغير حالة عدم القدرة عليه تكليف بما لا يطاق ~~(2) ، وهذا هو مذهب أكثر أصحابه وبعض معتزلة بغداد حيث قالوا بجواز تكليف ~~العبد بفعل في وقت علم الله تعالى أنه يكون ممنوعا عنه. # والبكرية (3) حيث زعموا أن الختم والطبع على الأفئدة مانعان من الإيمان ~~مع التكليف به. # غير أن من قال بجواز ذلك من أصحابه اختلفوا في وقوعه نفيا وإثباتا، ~~ووافقه على القول بالنفي بعض الأصحاب وهو مذهب البصريين من المعتزلة وأكثر ~~البغداديين. # وأجمع الكل على جواز التكليف بما علم الله أنه لا يكون عقلا، وعلى وقوعه ~~شرعا كالتكليف بالإيمان لمن علم الله أنه لا يؤمن كأبي جهل خلافا لبعض ~~الثنوية. # والمختار إنما هو امتناع التكليف بالمستحيل لذاته (4) كالجمع بين الضدين ~~ونحوه، وجوازه في المستحيل باعتبار غيره، وإليه ميل الغزالي، رحمه الله. ~~PageV01P134 # ولنفرض الكلام في الطرفين: أما الطرف الأول وهو امتناع التكليف بالمستحيل ~~لذاته، فيدل عليه أن التكليف طلب ما فيه كلفة، والطلب يستدعي مطلوبا متصورا ~~في نفس الطالب، فإن طلب ما لا تصور له في النفس محال، والمستحيل لذاته، ~~كالجمع بين الضدين والنفي والإثبات معا في شيء واحد ونحوه، لا تصور له في ~~النفس. ms101 ولو تصور في النفس لما كان وقوعه في الخارج ممتنعا لذاته، وكما ~~يمتنع التكليف بالجمع بين الضدين في طرف الوجود فكذلك يمتنع التكليف بالجمع ~~بين الضدين في طرف السلب، إذا لم يكن بينهما واسطة كالتكليف بسلب الحركة ~~والسكون معا في شيء واحد ; لاستحالة ذلك لذاتيهما، وعلى هذا فمن توسط مزرعة ~~مغصوبة فلا يقال له: لا تمكث ولا تخرج (1) ، كما ذهب إليه أبو هاشم. وإن ~~كان في كل واحد من المكث والخروج إفساد زرع الغير، بل يتعين التكليف ~~بالخروج لما فيه من تقليل الضرر وتكثيره في المكث، كما يكلف المولج في ~~الفرج الحرام بالنزع وإن كان به ماسا للفرج المحرم ; لأن ارتكاب أدنى ~~الضررين يصير واجبا نظرا إلى رفع أعلاهما، كإيجاب شرب الخمر على من غص ~~بلقمة ونحوه. ووجوب الضمان عليه بما يفسده عند الخروج لا يدل على حرمة ~~الخروج، كما يجب الضمان على المضطر في المخمصة بما يتلفه بالأكل وإن كان ~~الأكل واجبا، وإن قدر انتفاء الترجيح بين الطرفين، وذلك كما إذا سقط إنسان ~~من شاهق على صدر صبي محفوف بصبيان وهو يعلم أنه إن استمر قتل من تحته وإن ~~انتقل قتل من يليه، فيمكن أن يقال بالتخيير بينهما، أو يخلو مثل هذه ~~الواقعة عن حكم الشارع (2) ، وهو أولى من تكليفه طلب ما لا تصور له في نفس ~~الطالب على ما حققناه. # وهذا بخلاف ما إذا كان محالا باعتبار غيره فإنه يكون ممكنا باعتبار ذاته، ~~فكان متصورا في نفس الطالب وهو واضح لا غبار عليه. PageV01P135 # فإن قيل: ما ذكرتموه من إحالة طلب الجمع بين الضدين بناء على عدم تصوره ~~في نفس الطالب غير صحيح، وذلك لأنه لو لم يكن متصورا في نفس الطالب لما علم ~~إحالته، فإن العلم بصفة الشيء فرع تصور ذلك الشيء واللازم ممتنع، وإن سلم ~~دلالة ما ذكرتموه إلا أنه معارض بما يدل على جواز التكليف بالجمع بين ~~الضدين ووقوعه شرعا، وبيانه قوله تعالى لنوح: {أنه لن يؤمن من قومك إلا من ~~قد آمن} أخبر أنه لا ms102 يؤمن غير (1) من لم يؤمن مع أنهم كانوا مكلفين بتصديقه ~~فيما يخبر به، ومن ضرورة ذلك تكليفهم بأن لا يصدقوه تصديقا (2) له في خبره ~~أنهم لا يؤمنون. # وأيضا فإن الله تعالى كلف أبا لهب بتصديق النبي عليه السلام في أخباره. ~~ومن أخبار النبي عليه السلام أن أبا لهب لا يصدقه لإخبار الله تعالى لنبيه ~~بذلك، فقد كلفه بتصديقه في إخباره بعدم تصديقه له وفي ذلك تكليفه بتصديقه ~~وعدم تصديقه، وهو تكليف بالجمع بين الضدين. # قلنا: أما الإشكال الأول فمندفع، وذلك لأن الجمع المعلوم المتصور المحكوم ~~بنفيه عن الضدين إنما هو الجمع المعلوم بين المختلفات التي ليست متضادة، ~~ولا يلزم من تصوره منفيا عن الضدين تصوره ثابتا لهما، وهو دقيق فليتأمل. # وما ذكروه من المعارضة، فلا نسلم وجود الإخبار بعدم الإيمان في الآيتين ~~مطلقا. # أما في قصة أبي لهب فغاية ما ورد فيه قوله تعالى: {سيصلى نارا ذات لهب} ~~وليس في ذلك ما يدل على الإخبار بعدم تصديقه للنبي مطلقا، فإنه لا يمتنع ~~تعذيب المؤمن، وبتقدير امتناع ذلك أمكن حمل قوله تعالى: {سيصلى نارا ذات ~~لهب} على تقدير عدم إيمانه. # وكذلك التأويل في قوله تعالى: {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} أي ~~بتقدير عدم هداية الله تعالى لهم إلى ذلك، وذلك لا يدل على الإخبار بعدم ~~الإيمان مطلقا، وإن سلمنا ذلك، ولكن لا نسلم أنهم كلفوا بتصديق النبي عليه ~~السلام فيما أخبر من عدم تصديقهم بتكذيبه، وهذا مما اتفق عليه نفاة التكليف ~~بالجمع بين الضدين. PageV01P136 # وأما الطرف الثاني: وهو بيان جواز التكليف بالمستحيل لغيره، فقد احتج ~~الأصحاب عليه بالنص والمعقول. # أما النص فقوله تعالى: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} سألوا دفع ~~التكليف بما لا يطاق، ولو كان ذلك ممتنعا لكان مندفعا بنفسه، ولم يكن إلى ~~سؤال دفعه عنهم حاجة. # فإن قيل: إنما يمكن حمل الآية على سؤال دفع ما لا يطاق، أن لو كان ذلك ~~ممكنا وإلا لتعذر السؤال بدفع ما لا إمكان لوقوعه، كما ms103 ذكرتموه، وإمكانه ~~متوقف على كون الآية ظاهرة فيه فيكون دورا. # سلمنا كونها ظاهرة فيما ذكرتموه، ولكن أمكن تأويلها بالحمل على سؤال دفع ~~ما فيه مشقة على النفس، وإن كان مما يطاق ويجب الحمل عليه لموافقته لما ~~سنذكره من الدليل بعد هذا. # سلمنا إرادة دفع ما لا يطاق لكنه حكاية حال الداعين، ولا حجة فيه. # سلمنا صحة الاحتجاج بقول الداعين، لكن لا يخلو إما أن يقال بأن جميع ~~التكاليف غير مطاقة، أو البعض دون البعض، الأول يوجب إبطال فائدة تخصيصهم ~~بذكر ما لا يطاق، بل كان الواجب أن يقال: لا يكلفنا، وإن كان الثاني فهو ~~خلاف أصلكم. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه، لكنه معارض بقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها} وهو صريح في الباب، وقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ~~ولا حرج أشد من التكليف بما لا يطاق. # والجواب عن السؤال الأول: أن الآية بوضعها ظاهرة فيما لا يطاق فيجب تقدير ~~إمكان التكليف به ضرورة حمل الآية على ما هي ظاهرة فيه، حذرا من التأويل من ~~غير دليل. # وعن الثاني: أنه ترك الظاهر من غير دليل. (1) PageV01P137 # وعن الثالث: أن الآية إنما وردت في معرض التقرير لهم والحث على مثل هذه ~~الدعوات، فكان الاحتجاج بذلك لا بقولهم. # وعن الرابع: أنه وإن كان كل تكليف عندنا تكليفا بما لا يطاق (1) ، غير ~~أنه يجب تنزيل السؤال على ما لا يطاق، وهو ما يتعذر الإتيان به مطلقا في ~~عرفهم دون ما لا يتعذر لما فيه من إجراء اللفظ على حقيقته، وموافقة أهل ~~العرف في عرفهم غايته إخراج ما لا يطاق مما هو مستحيل في نفسه لذاته من ~~عموم الآية ; لما ذكرنا من استحالة التكليف به وامتناع سؤال الدفع للتكليف ~~بما لا تكليف به، ولا يخفى أنه تخصيص والتخصيص أولى من التأويل. # وعن المعارضة بالآيتين أن غايتهما الدلالة على نفي وقوع التكليف بما لا ~~يطاق، ولا يلزم من ذلك نفي الجواز المدلول عليه من جانبنا، كيف وإن الترجيح ~~لما ذكرناه من الآية ms104 لاعتضادها بالدليل العقلي على ما يأتي (2) ، ومع ذلك ~~فلا خروج لها عن الظن والتخمين. # وربما احتج بعض الأصحاب بقوله تعالى: {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود ~~فلا يستطيعون} وهو تكليف بالسجود مع عدم الاستطاعة، وإنما يصح الاحتجاج به ~~أن لو أمكن أن يكون الدعاء في الآخرة بمعنى التكليف، وليس كذلك للإجماع على ~~أن الدار الآخرة إنما هي دار مجازاة لا دار تكليف. # وأما من جهة المعقول، فقد احتج فيه بعضهم بحجج واهية: # الأولى منها: هو أن الفعل المكلف به إن كان مع استواء داعي العبد إلى ~~الفعل والترك كان الفعل ممتنعا لامتناع حصول الرجحان معه، وإن كان مع ~~الترجيح لأحد الطرفين كان الراجح واجبا والمرجوح ممتنعا، والتكليف بهما ~~يكون محالا. # الثانية: أن الفعل الصادر من العبد إما أن يكون العبد متمكنا من فعله ~~وتركه أو لا يكون، فإن لم يكن متمكنا منه فالتكليف له بالفعل يكون تكليفا ~~بما لا يطاق، وإن كان متمكنا منه فإما أن لا يتوقف ترجح فعله على تركه على ~~مرجح PageV01P138 # أو يتوقف، الأول محال وإلا كان كل موجود حادثا هكذا، ويلزم منه سد باب ~~إثبات واجب الوجود، وإن توقف، فذلك المرجح إن كان من فعل العبد عاد ~~التقسيم، وهو تسلسل ممتنع، وإن كان من فعل غيره فإما أن يجب وقوع الفعل أو ~~لا يجب، وإذا لم يجب كان ممتنعا أو جائزا، والأول محال وإلا كان المرجح ~~مانعا، وإن كان الثاني عاد التقسيم بعينه وهو ممتنع، فلم يبق سوى الوجوب، ~~والعبد إذ ذاك يكون مجبورا لا مخيرا، وهو عين التكليف بما لا يطاق. # الثالثة: أن قدرة العبد غير مؤثرة في فعله (1) وإلا كانت مؤثرة فيه حال ~~وجوده، وفيه إيجاد الموجود أو قبل وجوده، ويلزم من ذلك أن يكون تأثير ~~القدرة في المقدور مغايرا له لتحقق التأثير في الزمن الأول دونه. والكلام ~~في ذلك التأثير وتأثير مؤثره فيه كالأول، وهو تسلسل ممتنع والقدرة غير ~~مؤثرة في الفعل وهو المطلوب. # الرابعة: أن العبد مكلف بالفعل قبل وجود الفعل، ms105 والقدرة غير موجودة قبل ~~الفعل (2) ; لأنها لو وجدت لكان لها متعلق ومتعلقها لا يكون عدما لأنه نفي ~~محض فلا يكون أثرا لها، فكان وجودا ولزم من ذلك أن تكون موجودة مع الفعل لا ~~قبله. # الخامسة: أن العبد لقوله تعالى: {قل انظروا} والنظر متوقف على القضايا ~~الضرورية قطعا للتسلسل، وهي متوقفة على تصور مفرداتها، وهي غير مقدورة ~~التحصيل ; لأنه إن كان عالما بها فتحصيل الحاصل محال، وإن لم يكن عالما بها ~~فطلبها محال، فالنظر يكون ممتنع التحصيل. # وهذه الحجج ضعيفة جدا. # أما الحجة الأولى: فلقائل أن يقول: ما المانع أن يكون وجود الفعل مع ~~رجحان الداعي إلى الفعل، قوله: لأنه صار الفعل واجبا. قلنا: صار واجبا ~~بالداعي إليه والاختيار له أو لذاته، الأول مسلم والثاني ممنوع، وعلى هذا ~~خرج العبد عن كونه مكلفا بما لا يطاق، ثم يلزم عليه أن تكون أفعال الرب غير ~~مقدورة بعين ما ذكروه وهو ممتنع، فما هو الجواب عن أفعال الله يكون مشتركا. ~~PageV01P139 # وأما الثانية فهي بعينها أيضا لازمة على أفعال الله ; إذ أمكن أن يقال: ~~فعل الله، إما أن لا يكون متمكنا منه أو يكون، وهو إما أن يفتقر إلى مرجح ~~أو لا، وإن افتقر إلى مرجح: فإن كان من فعله عاد التقسيم، وإن لم يكن من ~~فعله فإما أن يجب وقوع الفعل معه أو لا يجب، وهلم جرا إلى آخره، والجواب ~~يكون مشتركا. # وكذلك الثالثة أيضا لازمة على أفعال الله مع أنها مقدورة له إجماعا. (1) ~~وأما الرابعة: فيلزم منها أن تكون قدرة الرب تعالى حادثة موجودة مع فعله لا ~~قبله، وهو مع إحالته فقائل هذه الطريقة غير قائل به، وبيان ذلك أنه أمكن أن ~~يقال: لو وجدت قدرة الرب قبل وجود فعله لكان لها متعلق وليس متعلقها العدم، ~~فلم يبق غير الوجود، ويلزم أن لا يكون قبل الفعل، بعين ما ذكروه. # وأما الخامسة: فأشد ضعفا مما قبلها ; إذ هي مبنية على امتناع اكتساب ~~التصورات، وقد أبطلناه في كتاب " دقائق الحقائق " إبطالا لا ريبة فيه ms106 بما ~~لا يحتمله هذا الكتاب، فعلى الناظر بمراجعته، وبتقدير أن لا تكون التصورات ~~مكتسبة، فالعلم بها يكون حاصلا بالضرورة. والتكليف بالنظر المستند إلى ما ~~ينقطع التسلسل عنده من المعلومات الضرورية لا يكون تكليفا بما لا يطاق، وهو ~~معلوم بالضرورة، والمعتمد في ذلك مسلكان: # المسلك الأول: أن العبد غير خالق لفعله فكان مكلفا بفعل غيره (2) وهو ~~تكليف بما لا يطاق، وبيان أنه غير خالق لفعله: أنه لو كان خالقا لفعله فليس ~~خالقا له بالذات والطبع إجماعا بل بالاختيار، والخالق بالاختيار لا بد وأن ~~يكون مخصصا لمخلوقه بالإرادة، ويلزم من كونه مريدا له أن يكون عالما به ~~ضرورة، والعبد غير عالم PageV01P140 # بجميع أجزاء حركاته في جميع حالاته، ولا سيما في حالة إسراعه فلا يكون ~~خالقا لها. (1) المسلك الثاني: إن إجماع السلف منعقد قبل وجود المخالفين من ~~الثنوية على أن الله تعالى مكلف بالإيمان لمن علم أنه لا يؤمن كمن مات على ~~كفره، وهو تكليف بما يستحيل وقوعه ; لأنه لو وقع لزم أن يكون علم الباري ~~تعالى جهلا وهو محال. # فإن قيل: أما المسلك الأول، وإن سلمنا أن العبد لا بد وأن يكون عالما بما ~~يخلقه من أفعاله، لكن من جهة الجملة أو من جهة التفصيل، الأول لا سبيل إلى ~~نفيه والثاني ممنوع. وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن العبد غير خالق ~~لفعله لكنه معارض بما يدل على خلقه له، ودليله: المعقول والمنقول. # أما المعقول: فهو أن قدرة العبد ثابتة بالإجماع منا ومنكم على فعله، فلو ~~لم تكن هي المؤثرة فيه لانتفى الفرق بين المقدور وغيره، وكان المؤثر غير ~~العبد، ويلزم منه وجود مقدور بين قادرين (2) ولما وقع الاختلاف بين القوي ~~والضعيف، ولجاز أن تكون متعلقه (3) بالجواهر والألوان كما في العلم، ولكان ~~العبد مضطرا بما خلق فيه من الفعل لا مختارا، PageV01P141 # ولجاز أن يصدر عن العبد أفعال محكمة بديعة وهو لا يشعر بها، ولما انقسم ~~فعله إلى طاعة ومعصية ; لأنه ليس من فعله، ولكان الرب تعالى أضر على العبد ~~من إبليس ; حيث ms107 إنه خلق فيه الكفر وعاقبه عليه وإبليس داع لا غير، ولما حسن ~~شكر العبد ولا ذمه على أفعاله ولا أمره ولا نهيه ولا عقابه ولا ثوابه، ~~ولكان الرب تعالى آمرا للعبد بفعل نفسه وهو قبيح معدود عند العقلاء من ~~الجهل والحمق، ولكان الكفر والإيمان من قضاء الله تعالى وقدره، وهو إما أن ~~يكون حقا أو باطلا: فإن كان حقا فالكفر حق، وإن كان باطلا فالإيمان باطل. ~~ولكان الرب تعالى إما راضيا به راض أو غير راض، والأول يلزم منه الرضا ~~بالكفر والثاني يلزم منه عدم الرضا بالإيمان، والكل محال مخالف للإجماع. # وأما النقل فقوله تعالى: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا} ، وقوله ~~تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات} ، وقول النبي عليه السلام: " ~~«اعملوا وقاربوا وسددوا» "، وقوله عليه السلام: " «نية المؤمن خير من عمله» ~~" إلى غير ذلك من النصوص الدالة على نسبة العمل إلى العبد. # والعقلاء متوافقون على إطلاق إضافة الفعل إلى العبد بقولهم: فلان فعل كذا ~~وكذا، والأصل في الإطلاق الحقيقة. # وأما المسلك الثاني: فهو أن تعلق علم الباري تعالى بالفعل أو بعدمه إما ~~أن يكون موجبا لوجود ما علم وجوده وامتناع وجود ما علم عدمه، أو لا يكون ~~كذلك. # فإن كان الأول فيلزمه محالات: وهو أن يكون العلم هو القدرة، أو أن يستغنى ~~به عن القدرة، ولا يكون الرب قادرا على إيجاد شيء أو عدمه، وأن لا يكون ~~للرب اختيار، ولا للعبد في وجود فعل من الأفعال لكونه واجبا بالعلم أو ~~ممتنعا، وإن لم يكن موجبا للوجود ولا للعدم فقد بطل الاستدلال، وإن سلم ذلك ~~لكنه معارض بما سبق من الأدلة العقلية والنقلية. # والجواب عما ذكروه أولا عن المسلك الأول بأن الفعل المخلوق للعبد بتقدير ~~خلقه له مخلوق بجميع أجزائه، وكل جزء منه مخلوق له بانفراده، فيجب أن # PageV01P142 # يكون عالما به لما سبق، وهذا هو العلم بالتفصيل، وهو غير عالم لما حققناه ~~(1) . # وعما ذكروه من الإلزام الأول بمنع عدم الفرق بين المقدور وغيره. # وعن الثاني: أنه إنما يمتنع ms108 وجود مقدور بين قادرين خالقين أو مكتسبين، ~~أما بين خالق ومكتسب فهو غير مسلم. (2) وعن الثالث: بأن الاختلاف بين القوي ~~والضعيف إنما هو واقع في كثرة ما يخلقه الله تعالى من القدرة على المقدورات ~~في أحد الشخصين دون الآخر، لا في التأثير. # وعن الرابع: أنه إنما يلزم أن لو كان تعلق العلم بالجواهر والأعراض من ~~جهة كونه غير مؤثر فيها (3) ، وهو غير مسلم. # وعن الخامس: أنه إنما يلزم أن يكون العبد مضطرا أن لو لم يكن فعله مكتسبا ~~له ومقدورا، ولا يلزم من عدم التأثير عدم الاكتساب. (4) وعن السادس: أنه لا ~~مانع من تلازم القدرة على الشيء والعلم به. (5) وعن السابع: أنه لا معنى ~~لانقسام فعل العبد إلى الطاعة والمعصية غير كونه مأمورا بهذا ومنهيا عن هذا ~~لكسبه، وهو كذلك. # وعن الثامن: أنه لازم على أصلهم أيضا فإن التمكن (6) من الكفر بخلق ~~القدرة عليه أضر من الدعاء إليه، وقد فعل الله تعالى ذلك بالعبد، فما هو ~~جواب لهم هو جوابنا. # وعما ذكروه من الأمر والنهي والشكر والذم والثواب والعقاب، والأمر للعبد ~~بما هو من فعل الله تعالى، بالمنع من تقبيح ذلك بتقدير أن يكون قادرا غير ~~مؤثر، كيف وأنه مبني على التحسين والتقبيح العقلي وقد أبطلناه. (7) وعن ~~الإلزام بالقضاء والقدر، أن القضاء قد يطلق بمعنى الإعلام والأمر ~~والاختراع، وانقضاء الأجل، وإلزام الحكم، وتوفية الحقوق، والإرادة، لغة. ~~PageV01P143 # وعلى هذا فالإيمان من قضائه بجميع هذه الاعتبارات وهو حق، وأما الكفر ~~فليس من قضائه بمعنى كونه مأمورا بل بمعنى خلقه وإرادة وقوعه، وهو حق من ~~هذا الوجه أيضا. (1) وعن الإلزام بالرضا أنه راض بالإيمان، وغير راض ~~بالكفر. # وعن المنقول بأن ما ذكروه غايته إضافة الفعل إلى العبد حقيقة، ونحن نقول ~~به فإن الفاعل عندنا على الحقيقة هو من وقع الفعل مقدورا له (2) ، وهو أعم ~~من الموجد. # والجواب عما ذكروه في المسلك الثاني بأن تعلق العلم بوجود الفعل بملازمة ~~الوجود المقدور، فإنه إنما يعلم وجوده مقدورا لا غير مقدور، وكذلك في ~~العدم. # وعلى هذا ms109 فلا يلزم منه عدم القدرة في حق الله تعالى ولا سلب اختياره في ~~فعله، وكذلك العبيد فإنه إنما علم وقوع فعل العبد مقدورا للعبد، والمعارضات ~~فقد سبق الجواب عنها. ### | [المسألة الثانية لا يشترط في التكليف بالفعل أن يكون شرطه حاصلا حالة التكليف] # المسألة الثانية # مذهب الجمهور من أصحابنا ومن المعتزلة أنه لا يشترط في التكليف بالفعل أن ~~يكون شرطه (3) حاصلا حالة التكليف، بل لا مانع من ورود التكليف بالمشروط ~~وتقديم (4) شرطه عليه، وهو جائز عقلا وواقع سمعا. # خلافا لأكثر أصحاب الرأي وأبي حامد الإسفراييني من أصحابنا، وذلك كتكليف ~~الكفار بفروع الإسلام حالة كفرهم. PageV01P144 # ودليل الجواز العقلي أنه لو خاطب الشارع الكافر المتمكن من فهم الخطاب ~~وقال له: " أوجبت عليك العبادات الخمس المشروط صحتها بالإيمان، وأوجبت عليك ~~الإتيان بالإيمان مقدما عليها " لم يلزم منه لذاته محال عقلا ولا معنى ~~للجواز العقلي سوى هذا. # فإن قيل: التكليف بالفروع المشروطة بالإيمان إما أن تكون حالة وجود ~~الإيمان أو حالة عدمه. # فإن كان الأول فلا تكليف قبل الإيمان، وهو المطلوب. # وإن كان حالة عدمه فهو تكليف بما هو غير جائز عقلا. # وأيضا فإن التكليف بالفروع غير ممكن الامتثال؛ لاستحالة أدائها حالة ~~الكفر، وامتناع أدائها بعد الإيمان، لكونه مسقطا لها بالإجماع. # وما لا يمكن امتثاله فالتكليف به تكليف بما لا يطاق ولم يقل به قائل في ~~هذه المسألة. # قلنا: أما الإشكال الأول فإنما يلزم منه التكليف بما لا يطاق بتقدير ~~تكليفه بالفروع حالة الكفر أن لو كان تكليفه بمعنى إلزامه الإتيان بها مع ~~الكفر، وليس كذلك، بل بمعنى أنه لو أصر على الكفر حتى مات ولم يأت بها مع ~~الإيمان فإنه يعاقب في الدار الآخرة ولا إحالة فيه. # وبهذا الحرف يندفع ما ذكروه من الإشكال الثاني أيضا. # كيف وأن الامتثال بعد الإسلام غير ممتنع أن الشارع أسقطه ترغيبا في ~~الدخول في الإسلام بقوله عليه السلام: " «الإسلام يجب ما قبله» " وهذا ~~بخلاف المرتد، حيث إنه أوجب عليه فعل ما فاته في حال ردته ليكون ذلك مانعا ms110 ~~من الردة (1) . # وأما الوقوع شرعا فيدل عليه النص والحكم. # أما النص فمن وجوه الأول قوله تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين} إلى قوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ~~حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة} والضمير في قوله: (وما أمروا) عائد ~~إلى المذكورين أولا وهو صريح في الباب. PageV01P145 # وأيضا قوله تعالى: {فلا صدق ولا صلى - ولكن كذب وتولى} ذم على ترك ~~الجميع، ولو لم يكن مكلفا بالكل لما ذم عليه. # وأيضا قوله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما - يضاعف له ~~العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} حكم بمضاعفة العذاب على مجموع المذكور ~~والزنى من جملته. # ولولا أنه محرم عليه ومنهي عنه لما أثمه به، وهذه حجة على من نفى التكليف ~~بالأمر والنهي دون من جوز التكليف بالنهي دون الأمر (1) . # وأيضا قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} ~~والكافر داخل فيه لكونه من الناس. # وأيضا قوله تعالى: {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة} لكن قال ~~المفسرون: المراد بالزكاة في هذه الآية إنما هو قول: {لا إله إلا الله} (2) # وأيضا قوله تعالى: {ما سلككم في سقر - قالوا لم نك من المصلين - ولم نك ~~نطعم المسكين} ولو لم يكونوا قد كلفوا بالصلاة لما عوقبوا عليها. # فإن قيل: هذه حكاية قول الكفار، ولا حجة فيها، وإن كانت حجة لكن أمكن أن ~~يكون المراد من قولهم: {لم نك من المصلين} أي من المؤمنين. # ومنه قوله عليه السلام: " «نهيت عن قتل المصلين» " وأراد به المؤمنين، ~~وإن كان المراد الصلاة الشرعية حقيقة، غير أن العذاب إنما كان لتكذيبهم ~~بيوم الدين، غير أنه غلط بإضافة ترك الطاعات إليه وإن كان ذلك مضافا إلى ~~الصلاة لكن لا إلى تركها، بل إلى إخراجهم أنفسهم عن العلم بقبح تركها بترك ~~الإيمان وإن كان ذلك على ترك الصلاة لكن أمكن أن يكون ذلك إخبارا عن جماعة ms111 ~~من المرتدين تركوا الصلاة حالة ردتهم وذلك محل الوفاق. PageV01P146 # والجواب عن قولهم إنه حكاية قول الكفار أن علماء الأمة من السلف وغيرهم ~~أجمعوا على أن المراد بذلك إنما هو تصديقهم فيما قالوه والتحذير لغيرهم من ~~ذلك. # ويدل على ذلك تعذيبهم بالتكذيب بيوم الدين، وقد عطف على ما قبله. # والأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في أصل الحكم. # وعن حمل لفظ المصلين على المؤمنين أنه ترك للظاهر من غير دليل، وإن أمكن ~~تأويل لفظ الصلاة فبماذا نتأول قوله: {ولم نك نطعم المسكين} فإن المراد به ~~إنما هو الإطعام الواجب لاستحالة - (1) - التعذيب على ترك إطعام ليس بواجب. # وعن قولهم بتغليظ عذاب التكذيب بإضافة ترك الطاعات إليه أنها لو كانت ~~مباحة لما غلظ العذاب بها. # وعن قولهم بالتعذيب بإخراج أنفسهم عن العلم بقبح ترك الصلاة أنه ترك ~~للظاهر من غير دليل، وأنه يوجب التسوية بين كافر ارتكب جميع المحرمات وبين ~~من لم يباشر شيئا منها لاستوائهما فيما قيل، وهو خلاف الإجماع. # وعن الحمل على صلاة المرتدين أن الآية بلفظها عامة في كل المجرمين ~~المذكورين في قوله: {يتساءلون - عن المجرمين} وهو عام في المرتدين وغيرهم ~~فلا يجوز تخصيصها من غير دليل. # هذا من جهة النصوص. # وأما من جهة الإلزام، فهو أنه لو امتنع التكليف بالفعل مع عدم شرط الفعل ~~- (2) - لامتنع التكليف بالصلاة مع عدم الطهارة، ولكان من ترك الطهارة ~~والصلاة أبدا لا يعاقب ولا يذم إلا على ترك الطهارة، بل ما لا تتم الطهارة ~~إلا به. # وذلك خلاف إجماع الأمة. ### | [المسألة الثالثة التكليف لا يتعلق إلا بما هو من كسب العبد من الفعل] # المسألة الثالثة # اتفق أكثر المتكلمين على أن التكليف لا يتعلق إلا بما هو من كسب العبد من ~~الفعل وكف النفس عن الفعل فإنه فعل خلافا لأبي هاشم - (3) - في قوله: إن ~~التكليف قد يكون بأن لا يفعل العبد مع قطع النظر عن التلبس بضد الفعل، وذلك ~~ليس بفعل. PageV01P147 # احتج المتكلمون بأن ممتثل التكليف مطيع، والطاعة حسنة، والحسنة مستلزمة ~~للثواب على ما قال تعالى: ms112 {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} وقال تعالى: ~~{ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} ولا فعل عدم ~~محض وليس بشيء، وما ليس بشيء لا يكون من كسب العبد ولا متعلق القدرة، وما ~~لا يكون من كسب العبد لا يكون مثابا عليه لقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان ~~إلا ما سعى} . # فإن قيل: عدم الفعل وإن لم يكن أمرا وجوديا ولا ذاتا ثابتة، فإنما يمتنع ~~التكليف به ويمتنع أن يكون الامتثال به طاعة وحسنة مثابا عليها أن لو لم ~~يكن مقدورا للعبد ومكتسبا له، وهو غير مسلم كما قاله القاضي أبو بكر في أحد ~~قوليه (1) . # قال المتكلمون: عدم الفعل من حيث هو كذلك متحقق قبل قدرة العبد (2) وهو ~~غير مقدور للعبد قبل خلق قدرته وهو مستمر إلى ما بعد خلق القدرة، فلا يكون ~~مقدورا للعبد ولا مكتسبا له، ويلزم من ذلك امتناع التكليف به على ما تقرر. # إلا أن للخصم أن يقول، لا يلزم من كون عدم الفعل السابق على خلق القدرة ~~غير مقدور أن يكون المقارن منه مقدورا (3) . ### | [المسألة الرابعة جواز التكليف بالفعل قبل حدوثه] # المسألة الرابعة # اتفق الناس على جواز التكليف بالفعل قبل حدوثه سوى شذوذ من أصحابنا وعلى ~~امتناعه بعد حدوث الفعل. # واختلفوا في جواز تعلقه به في أول زمان حدوثه فأثبته أصحابنا، ونفاه ~~المعتزلة. # احتج أصحابنا بأن الفعل في أول زمان حدوثه مقدور بالاتفاق، وسواء قيل ~~بتقدم القدرة عليه كما هو مذهب المعتزلة، أم بوجودها مع وجوده كما هو مذهب ~~أصحابنا (4) وإذا كان مقدورا أمكن تعلق التكليف به: PageV01P148 # فإن قيل: القول بجواز تعلق التكليف به في أول زمان حدوثه يلزم منه الأمر ~~بإيجاد الموجود، وهو محال. # قلنا يلزم منه الأمر بإيجاد ما كان موجودا، أو بما لم يكن موجودا. # الأول ممنوع. والثاني، فدعوى إحالته نفس محل النزاع، ثم يلزمهم من ذلك أن ~~لا يكون الفعل في أول زمان حدوثه أثرا للقدرة القديمة، ولا للحادثة على ~~اختلاف المذهبين (1) ، ولا موجدة له لما فيه من إيجاد الموجود، ms113 وهو محال. # فما هو جوابهم في إيجاد القدرة له فهو جوابنا في تعلق الأمر به. ### | [المسألة الخامسة حكم النيابة في التكاليف] # المسألة الخامسة (2) . اختلف أصحابنا والمعتزلة في جواز دخول النيابة ~~فيما كلف به من الأفعال البدنية فأثبته أصحابنا ونفاه المعتزلة. # حجة أصحابنا على ذلك أنه لو قال القائل لغيره " أوجبت عليك خياطة هذا ~~الثوب، فإن خطته أو استنبت في خياطته أثبتك، وإن تركت الأمرين عاقبتك " كان ~~معقولا غير مردود، وما كان كذلك فوروده من الشارع لا يكون ممتنعا. # ويدل على وقوعه ما روي عن النبي عليه السلام أنه «رأى شخصا يحرم بالحج عن ~~شبرمة، فقال له النبي عليه السلام: " أحججت عن نفسك، فقال: لا، فقال له: حج ~~عن نفسك ثم حج عن شبرمة» " (3) . وهو صريح فيما نحن فيه. # فإن قيل: وجوب العبادات البدنية إنما كان ابتلاء وامتحانا من الله تعالى ~~للعبد، فإنه مطلوب للشارع لما فيه من كسر النفس الأمارة بالسوء وقهرها، ~~لكونها عدوة لله تعالى على ما قال عليه السلام حكاية عن ربه: " عاد نفسك، ~~فإنها PageV01P149 # انتصبت لمعاداتي تحصيلا للثواب على ذلك. # وذلك مما لا مدخل للنيابة فيه كما لا مدخل لها في باقي الصفات من الآلام ~~واللذات ونحوها. # قلنا: أما الابتلاء والامتحان بالتكليف لما ذكروه وإن كان مع تعيين ~~المكلف لأداء ما كلف به أشق مما كلف به مع تسويغ النيابة فيه، فليس في ذلك ~~مما يرفع أصل الكلفة والامتحان فيما سوغ له فيه الاستنابة. # فإن المشقة لازمة له بتقدير الإتيان به بنفسه، وهو الغالب وبما يبذله من ~~العوض للنائب بتقدير النيابة ويلتزمه من المنة بتقدير عدم العوض، وليس ~~المراعى في باب التكاليف أشقها وأعلاها رتبة ولذلك كانت متفاوتة (1) . # وأما الثواب والعقاب فليس مما يجب على الله تعالى في مقابلة الفعل، بل إن ~~أثاب فبفضله وإن عاقب فبعدله كما عرف من أصلنا، بل له أن يثيب العاصي ~~ويعاقب الطائع (2) ### | [الأصل الرابع في المحكوم عليه وهو المكلف] ### | [المسألة الأولى شرط المكلف] # الأصل الرابع # في المحكوم عليه وهو المكلف وفيه ms114 خمس مسائل # المسألة الأولى # اتفق العقلاء على أن شرط المكلف أن يكون عاقلا فاهما للتكليف ; لأن ~~التكليف وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال كالجماد والبهيمة. # ومن وجد له أصل الفهم لأصل الخطاب، دون تفاصيله من كونه أمرا ونهيا، ~~ومقتضيا للثواب والعقاب ومن كون الآمر به هو الله تعالى، وأنه واجب الطاعة، ~~وكون المأمور به على صفة كذا وكذا كالمجنون والصبي الذي لا يميز، فهو ~~بالنظر إلى فهم التفاصيل كالجماد والبهيمة بالنظر إلى فهم أصل الخطاب، ~~ويتعذر تكليفه أيضا PageV01P150 # إلا على رأي من يجوز التكليف بما لا يطاق ; لأن المقصود من التكليف كما ~~يتوقف على فهم أصل الخطاب، فهو متوقف على فهم تفاصيله (1) . # وأما الصبي المميز وإن كان يفهم ما لا يفهمه غير المميز، غير أنه أيضا ~~غير فاهم على الكمال ما يعرفه كامل العقل من وجود الله تعالى، وكونه متكلما ~~مخاطبا مكلفا بالعبادة ومن وجود الرسول الصادق المبلغ عن الله تعالى، وغير ~~ذلك مما يتوقف عليه مقصود التكليف. # فنسبته إلى غير المميز كنسبة غير المميز إلى البهيمة فيما يتعلق بفوات ~~شرط التكليف وإن كان مقاربا لحالة البلوغ، بحيث لم يبق بينه وبين البلوغ ~~سوى لحظة واحدة. # فإنه وإن كان فهمه كفهمه الموجب لتكليفه بعد لحظة، غير أنه لما كان العقل ~~والفهم فيه خفيا، وظهوره فيه على التدريج، ولم يكن له ضابط يعرف به، جعل له ~~الشارع ضابطا وهو البلوغ، وحط عنه التكليف قبله تخفيفا عليه. # ودليله قوله عليه السلام: " «رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ، وعن ~~النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» " (2) . # فإن قيل: إذا كان الصبي والمجنون غير مكلف، فكيف وجبت عليهما الزكاة ~~والنفقات والضمانات، وكيف أمر الصبي المميز بالصلاة؟ # قلنا: هذه الواجبات ليست متعلقة بفعل الصبي والمجنون، بل بماله أو بذمته. # فإنه أهل للذمة بإنسانيته المتهيئ بها لقبول فهم الخطاب عند البلوغ، ~~بخلاف البهيمة والمتولي لأدائها الولي عنهما، أو هما بعد الإفاقة والبلوغ. # وليس ذلك من باب التكليف في شيء. # وأما الأمر بالصلاة ms115 المميز فليس من جهة الشارع، وإنما هو من جهة الولي ~~لقوله عليه السلام: " «مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع» " و (3) ، ذلك لأنه ~~يعرف الولي ويفهم خطابه بخلاف الشارع على ما تقدم. PageV01P151 # وعلى هذا فالغافل عما كلف به، والسكران المتخبط لا يكون خطابه وتكليفه في ~~حالة غفلته وسكره أيضا، إذ هو في تلك الحالة أسوأ حالا من الصبي المميز ~~فيما يرجع إلى فهم خطاب الشارع وحصول مقصوده منه، وما يجب عليه من الغرامات ~~والضمانات بفعله في تلك الحال. # فتخريجه كما سبق في الصبي والمجنون، ونفوذ طلاق السكران ففيه منع خطاب ~~الوضع والإخبار، وإن نفذ فليس من باب التكليف في شيء، بل من باب ما ثبت ~~بخطاب الوضع والإخبار يجعل تلفظه بالطلاق علامة على نفوذه، كما جعل زوال ~~الشمس وطلوع الهلال علامة على وجوب الصلاة والصوم. # وكذلك الحكم في وجوب الحد عليه بالقتل والزنى وغيره. # وقوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} ، وإن كان من باب خطاب ~~التكليف بنهي السكران، فليس المقصود منه النهي عن الصلاة حالة السكر، بل ~~النهي عن السكر في وقت إرادة الصلاة. # وتقديره إذا أردتم الصلاة فلا تسكروا. # كما يقال لمن أراد التهجد: لا تقرب التهجد وأنت شبعان. # أي لا تشبع إذا أردت التهجد، حتى لا يشتغل عليك التهجد. # وهو وإن دل بمفهومه على عدم النهي عن السكر في غير وقت الصلاة، فغير مانع ~~لورود النهي عن ذلك في ابتداء الإسلام حيت لم يكن الشرب حراما وإن كان ~~وروده بعد التحريم وفي حالة السكر، لكن يجب حمل لفظ السكران في الآية على ~~من دب الخمر في شئونه وكان ثملا نشوانا، وأصل عقله ثابت ; لأن ذلك مما يئول ~~إلى السكر غالبا. # والتعبير عن الشيء باسم ما يئول إليه يكون تجوزا كما في قوله تعالى: {إنك ~~ميت وإنهم ميتون} ، وقوله تعالى: {حتى تعلموا ما تقولون} ; فيجب حمله على ~~كمال التثبت على ما يقال إذ هو غير ثابت حالة الانتشاء، وإن كان العقل ~~والفهم حاصلا. # وذلك كما يقال لمن أراد فعل أمر ms116 وهو غضبان: لا تفعل حتى تعلم ما تفعل أي ~~حتى يزول عنك الغضب المانع من التثبت على ما تفعل، وإن كان عقله وفهمه ~~حاصلا. # ويجب المصير إلى هذه التأويلات، جمعا بين هذه الآية وما ذكرناه من الدليل ~~المانع من التكليف. # PageV01P152 ### | [المسألة الثانية تكليف المعدوم] # المسألة الثانية (1) # مذهب أصحابنا جواز تكليف المعدوم، وربما أشكل فهم ذلك مع إحالتنا لتكليف ~~الصبي والمجنون والغافل والسكران، لعدم الفهم للتكاليف. # والمعدوم أسوأ حالا من هؤلاء في هذا المعنى، لوجود أصل الفهم في حقهم ~~وعدمه بالكلية في حق المعدوم، حتى أنكر ذلك جميع الطوائف. # وكشف الغطاء عن ذلك أنا لا نقول بكون المعدوم مكلفا بالإتيان بالفعل حالة ~~عدمه بل معنى كونه مكلفا حالة العدم قيام الطلب القديم (2) بذات الرب تعالى ~~للفعل من المعدوم بتقدير وجوده وتهيئته لفهم الخطاب، فإذا وجدوا مهيأ ~~للتكليف صار مكلفا بذلك الطلب والاقتضاء القديم. # فإن الوالد لو وصى عند موته لمن سيوجد بعده من أولاده بوصية فإن الولد - ~~بتقدير وجوده وفهمه - يصير مكلفا بوصية والده حتى إنه يوصف بالطاعة ~~والعصيان بتقدير المخالفة والامتثال. # وأيضا فإننا في وقتنا هذا نوصف بكوننا مأمورين بأمر النبي عليه السلام، ~~وإن كان أمره في الحال معدوما. # وليس ذلك إلا بما وجد منه من الأمر حال وجوده. # ومثل هذا التكليف ثابت بالنسبة إلى الصبي والمجنون بتقدير فهمه أيضا، بل ~~أولى من حيث إن المشترط في حقه الفهم لا غير، وفي حق المعدوم الفهم والوجود ~~(3) . # وهل يسمى التكليف بهذا التفسير في الأزل خطابا للمعدوم، وأمرا له عرفا. ~~PageV01P153 # الحق أنه يسمى أمرا ولا يسمى خطابا. # ولهذا فإنه يحسن أن يقال للوالد إذا وصى بأمر لمن سيوجد من أولاده بفعل ~~من الأفعال أنه أمر أولاده، ولا يحسن أن يقال خاطبهم. # لكن تمام فهم هذه القاعدة موقوف على إثبات كلام النفس، وتحقيق كون الأمر ~~بمعنى الطلب والاقتضاء. # وقد حققنا ذلك في الكلاميات بما يجب على الأصولي تقليد المتكلم فيه. ### | [المسألة الثالثة حكم تكليف الملجأ] # المسألة الثالثة # اختلفوا في الملجأ إلى الفعل بالإكراه، ms117 بحيث لا يسعه تركه في جواز تكليفه ~~بذلك الفعل إيجادا وعدما. # والحق أنه إذا خرج بالإكراه إلى حد الاضطرار، وصار نسبة ما يصدر عنه من ~~الفعل إليه نسبة حركة المرتعش إليه أن تكليفه به إيجادا وعدما غير جائز، ~~إلا على القول بتكليف ما لا يطاق، وإن كان ذلك جائزا عقلا (1) ، لكنه ممتنع ~~الوقوع سمعا لقوله عليه السلام: " «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما ~~استكرهوا عليه» " (2) ، والمراد منه رفع المؤاخذة، وهو مستلزم لرفع التكليف ~~وما يلزمه من الغرامات، فقد سبق جوابه غير مرة (3) . # وأما إن لم ينته إلى حد الاضطرار فهو مختار، وتكليفه جائز عقلا وشرعا. # وأما الخاطئ فغير مكلف إجماعا فيما هو مخطئ، ولقوله عليه السلام: " «رفع ~~عن أمتي الخطأ والنسيان» " الحديث. ### | [المسألة الرابعة تكليف الحائض بالصوم] # المسألة الرابعة # اختلفوا في تكليف الحائض بالصوم، فنفاه أصحابنا وأثبته آخرون. # والحق في ذلك أنه إن أريد بكونها مكلفة به بتقدير زوال الحيض المانع، فهو ~~حق وإن أريد به أنها مكلفة بالإتيان بالصوم حال الحيض، فهو ممتنع. # وذلك لأن PageV01P154 # فعلها للصوم في حالة الحيض حرام ومنهي عنه، فيمتنع أن يكون واجبا ومأمورا ~~به لما بينهما من التضاد الممتنع، إلا على القول بجواز التكليف بما لا ~~يطاق. # فإن قيل: فلو لم يكن الصوم واجبا عليها، فلم وجب عليها قضاؤه؟ # قلنا: القضاء عندنا إنما يجب بأمر مجدد فلا يستدعي أمرا سابقا، وإنما سمي ~~قضاء لما فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب وجوبه من الصوم، ولم يجب لمانع ~~الحيض. ### | [المسألة الخامسة المكلف بالفعل أو الترك هل يعلم كونه مكلفا قبل التمكن من الامتثال أم لا] # المسألة الخامسة (1) . # في أن المكلف بالفعل أو الترك هل يعلم كونه مكلفا قبل التمكن من الامتثال ~~أم لا؟ والذي عليه إجماع الأصوليين أنه يعلم ذلك إذا كان المأمور والآمر له ~~جاهلا لعاقبة أمره وأنه يتمكن بما كلف به أم لا، كأمر السيد لعبده بخياطة ~~الثوب في الغد. # ومحل الخلاف فيما إذا كان الآمر عالما بعاقبة الأمر دون المأمور، كأمر ~~الله ms118 تعالى بالصوم لزيد في الغد. # فأثبت ذلك القاضي أبو بكر، والجم الغفير من الأصوليين ونفاه المعتزلة. # احتج المثبتون بأن الأمر بالطاعات والنهي عن المعاصي متحقق مع جهل المكلف ~~بعاقبة الأمر، فكان ذلك معلوما ويدل على تحققه إجماع الأمة من السلف قبل ~~ظهور المخالفين على أن كل بالغ عاقل مأمور بالطاعات منهي عن المعاصي قبل ~~التمكن مما أمر به ونهي عنه، وأنه يعد متقربا بالعزم على فعل الطاعة وترك ~~المعصية، وأنه يجب عليه الشروع في العبادات الخمس في أوقاتها بنية الفرض ~~وأن المانع له من ذلك بالحبس والصد عن فعلها آثم عاص بصده عن امتثال أمر ~~الشارع، وذلك كله مع عدم النهي والأمر محال. # وأيضا فإنه لو لم يكن الأمر معلوما له في الحال لتعذر قصد الامتثال في ~~الواجبات المضيقة، لاستحالة العلم بتمام التمكن إلا بعد انقضاء الوقت، وهو ~~محال. PageV01P155 # فإن قيل لا خفاء بأن تعليق الأمر على شرط معلوم الوقوع، وسواء كان وقوعه ~~حاليا كما إذا قال: صم إن كان الله موجودا، أو مآليا كما إذا قال: صم إن ~~صعدت الشمس غدا، أو معلوم الانتفاء كما إذا قال: صم إن اجتمع الضدان وهو ~~محال بل الأول أمر مشروط، كيف وإنه يمتنع تعليق الأمر بشرط مستقبل ; لأن ~~الشرط لا بد وأن يكون حاصلا مع المشروط أو قبله. # والثاني وإن كان فيه صيغة افعل فليس بأمر لما فيه من التكليف بما لا ~~يطاق، والباري تعالى عالم بعواقب الأمور. # فإن كان عالما بتمكن العبد مما كلف به، وأنه سيأتي به فهو أمر جزم لا شرط ~~فيه وإن كان عالما بعدم تمكنه مما قيل له: افعله، أو لا تفعله، فلا يكون ~~ذلك أمرا ولا نهيا. # وإذا كان كذلك، فالأمر والنهي قبل التمكن من الامتثال لا يكون معلوما ~~للعبد، لتجويزه عدم الشرط، وهو التمكن في علم الله تعالى. # وعلى هذا، فيجب حمل الإجماع فيما ذكرتموه على ظن الأمر بناء على أن ~~الغالب من المكلف بقاؤه وتمكنه، لا على يقين الأمر والعلم به. # قلنا: أما امتناع ms119 تعليق الأمر بشرط معلوم الوقوع أو الانتفاء عند ~~المأمور، فلا نزاع فيه إلا على رأي من يجوز تكليف ما لا يطاق، وإنما النزاع ~~إذا كان ذلك معلوما للآمر دون المأمور. # فإنه لا يبعد أمر السيد لعبده بفعل شيء في الغد مع علمه برفع ذلك في الغد ~~عنه، استصلاحا للعبد باستعداده في الحال للقيام بأمر سيده، واشتغاله بذلك ~~عن معاصيه أو امتحانه بما يظهر عليه من أمارات البشر والكراهة حتى يثيبه ~~على هذا، ويعاقبه على هذا لا لقصد الإتيان بما أمره به أو الانتهاء عما ~~نهاه عنه، ولا يكون ذلك من باب التكليف بما لا يطاق، وإذا كان ذلك معقولا ~~مفيدا، أمكن مثله في أمر الباري تعالى. # قولهم: إن شرط الأمر لا يكون متأخرا عنه مسلم؛ لما فيه من استحالة وجود ~~المشروط بدون شرطه، غير أن الشرط المتأخر عن الأمر وهو التمكن من الفعل # PageV01P156 # ليس شرطا في تحقق الأمر وقيامه بنفس الأمر حتى يقال بتأخير شرط وجوده عن ~~وجوده بل هو شرط الامتثال. # والأمر عندنا لا يتوقف تحققه على الامتثال كما علم من أصلنا. # وعلى هذا فقد بطل قولهم إن الأمر والنهي قبل التمكن من الامتثال يمتنع أن ~~يكون معلوما للعبد، ووجب حمل الإجماع فيما ذكروه من الأحكام على وجود الأمر ~~حقيقة لا على ظن وجوده ; لأن احتمال الخطإ في الظن قائم وهو ممتنع في حق ~~الإجماع. # وإذا عرف ما حققناه فمن أفسد (1) صوم رمضان بالوقاع ثم مات أو جن بعد ذلك ~~في أثناء النهار، وجبت عليه الكفارة على أحد قولينا، وعلى القول الآخر لا ; ~~لأنها إنما تجب بإفساد صوم واجب لا يتعرض للانقطاع في اليوم، لا لعدم قيام ~~الأمر بالصوم ووجوبه. # وكذلك يجب على الحائض الشروع في صوم يوم علم الله أنها تحيض فيه وأنه لو ~~قال: إن شرعت في الصوم أو الصلاة الواجبين فزوجتي طالق، ثم شرعت ومات في ~~أثنائها حنث، ولزمه الطلاق ولا كذلك عند المعتزلة، وعلى هذا كل ما يرد من ~~هذا القبيل. PageV01P157 ### | [القاعدة الثانية في بيان ms120 الدليل الشرعي وأقسامه وما يتعلق به من أحكامه] ### | [مقدمة في بيان الدليل الشرعي وأقسامه] # القاعدة الثانية # في بيان الدليل الشرعي وأقسامه وما يتعلق به من أحكامه ويشتمل على مقدمة ~~وأصول أما المقدمة ففي بيان الدليل الشرعي وأقسامه. # فنقول: كما بينا في القاعدة الأولى حد الدليل وانقسامه إلى عقلي وشرعي. # وليس من غرضنا هاهنا تعريف الدليل العقلي بل الشرعي. # والمسمى بالدليل الشرعي منقسم إلى ما هو صحيح في نفسه ويجب العمل به وإلى ~~ما ظن أنه دليل صحيح، وليس هو كذلك. # أما القسم الأول فهو خمسة أنواع. # وذلك أنه إما أن يكون واردا من جهة الرسول أو لا من جهته. # فإن كان الأول، فلا يخلو إما أن يكون من قبيل ما يتلى، أو من قبيل ما لا ~~يتلى. # فإن كان من قبيل ما يتلى فهو الكتاب، وإن كان من قبيل ما لا يتلى فهو ~~السنة. # وإن لم يكن واردا من جهة الرسول فلا يخلو إما أن يشترط فيه عصمة من صدر ~~عنه، أو لا يشترط ذلك، فإن كان الأول فهو الإجماع، وإن كان الثاني فلا يخلو ~~إما أن تكون صورته بحمل معلوم على معلوم في حكم بناء على جامع، أو لا يكون ~~كذلك. # فإن كان الأول، فهو القياس، وإن كان الثاني، فهو الاستدلال. # وكل واحد من هذه الأنواع، فهو دليل لظهور الحكم الشرعي عندنا به. # والأصل فيها إنما هو الكتاب ; لأنه راجع إلى قول الله تعالى المشرع ~~للأحكام، والسنة مخبرة عن قوله تعالى وحكمه، ومستند الإجماع فراجع إليهما. # وأما القياس والاستدلال، فحاصله يرجع إلى التمسك بمعقول النص أو الإجماع ~~فالنص والإجماع أصل، والقياس والاستدلال فرع تابع لهما. # وأما القسم الثاني، وهو ما ظن أنه دليل وليس بدليل، فكشرع من قبلنا ومذهب ~~الصحابي، والاستحسان والمصلحة المرسلة على ما الكلام فيه. # PageV01P158 ### | [القسم الأول فيما يجب العمل به مما يسمى دليلا شرعيا] ### | [الأصل الأول في تحقيق معنى الكتاب وما يتعلق به من المسائل] ### | [المسألة الأولى ما نقل إلينا من القرآن نقلا متواترا وعلمنا أنه ms121 من القرآن فهو حجة] # القسم الأول # فيما يجب العمل به مما يسمى دليلا شرعيا # ولما بان أنه على خمسة أنواع، فالنظر المتعلق بها منه ما هو مختص بكل ~~واحد منها بخصوصه ومنها ما هو مشترك بينها. # فلنرسم في كل واحد منها أصلا، وهي ستة أصول. # الأصل الأول # في تحقيق معنى الكتاب، وما يتعلق به من المسائل ; لأنه الأول والأولى ~~بتقديم النظر فيه (1) أما حقيقة الكتاب فقد قيل فيه: هو ما نقل إلينا بين ~~دفتي المصحف بالأحرف السبعة المشهورة نقلا متواترا، وفيه نظر. # فإنه لا معنى للكتاب سوى القرآن المنزل علينا على لسان جبريل، وذلك مما ~~لا يخرج عن حقيقته بتقدير عدم نقله إلينا متواترا بل ولا بعدم نقله إلينا ~~بالكلية، بل غايته جهلنا بوجود القرآن بتقدير عدم نقله إلينا وعدم علمنا ~~بكونه قرآنا بتقدير عدم تواتره، وعلمنا بوجوده غير مأخوذ في حقيقته، فلا ~~يمكن أخذه في تحديده. # والأقرب في ذلك أن يقال: الكتاب هو القرآن المنزل. # فقولنا: (القرآن) احتراز عن سائر الكتب المنزلة من التوراة والإنجيل ~~وغيرهما، فإنها وإن كانت كتبا لله تعالى فليست هي الكتاب المعهود لنا ~~المحتج به في شرعنا على الأحكام الشرعية الذي نحن بصدد تعريفه، وفيه احتراز ~~عن الكلام المنزل على النبي عليه السلام مما ليس بمتلو. # وقولنا: (المنزل) احتراز عن كلام النفس، فإنه ليس بكتاب، بل الكتاب هو ~~الكلام المعبر عن الكلام النفساني، (2) ولذلك لم نقل هو الكلام القديم ولم ~~نقل هو المعجز ; لأن المعجز أعم من الكتاب ولم نقل هو الكلام المعجز ; لأنه ~~يخرج منه الآية وبعض الآية مع أنها من الكتاب وإن لم تكن معجزة. ~~PageV01P159 # وإذا أتينا على تعريف حقيقة الكتاب (1) ، فلا بد من النظر فيما يختص به ~~من المسائل وهي خمس مسائل: # المسألة الأولى (2) اتفقوا على أن ما نقل إلينا من القرآن نقلا متواترا، ~~وعلمنا أنه من القرآن أنه حجة، واختلفوا فيما نقل إلينا منه آحادا كمصحف ~~ابن مسعود، وغيره أنه هل يكون حجة، أم لا؟ # فنفاه الشافعي وأثبته أبو حنيفة، وبنى ms122 (3) عليه وجوب التتابع في صوم ~~اليمين بما نقله ابن مسعود في مصحفه من قوله: " فصيام ثلاثة أيام متتابعات ~~". # والمختار إنما هو مذهب الشافعي. # وحجته أن النبي عليه السلام كان مكلفا بإلقاء ما أنزل عليه من القرآن على ~~طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم، ومن تقوم الحجة القاطعة بقولهم لا يتصور ~~عليهم التوافق على عدم نقل ما سمعوه منه. # فالراوي له إذا كان واحدا إن ذكره على أنه قرآن فهو خطأ، وإن لم يذكره ~~على أنه قرآن فقد تردد بين أن يكون خبرا عن النبي عليه السلام، وبين أن ~~يكون ذلك مذهبا له فلا يكون حجة. # وهذا بخلاف خبر الواحد عن النبي عليه السلام، وعلى هذا منع من وجوب ~~التتابع في صوم اليمين على أحد قوليه. # فإن قيل: قولكم إن النبي عليه السلام كان يجب عليه إلقاء القرآن إلى عدد ~~تقوم الحجة القاطعة بقولهم، لا نسلم ذلك، وكيف يمكن دعواه مع أن حفاظ ~~القرآن في زمانه عليه السلام لم يبلغوا عدد التواتر لقلتهم، وأن جمعه إنما ~~كان PageV01P160 # بطريق تلقي آحاد آياته من الآحاد، ولذلك اختلفت مصاحف الصحابة. # ولو كان قد ألقاه إلى جماعة تقوم الحجة بقولهم، لما كان كذلك. # ولهذا أيضا اختلفوا في البسملة أنها من القرآن، وأنكر ابن مسعود كون ~~الفاتحة والمعوذتين من القرآن. # سلمنا وجوب ذلك على النبي عليه السلام، وأنه سمعه منه جمع تقوم الحجة ~~بقولهم، ولكن إنما يمتنع السكوت عن نقله على الكل لعصمتهم عن الخطأ، ولا ~~يمتنع ذلك بالنسبة إلى بعضهم، وإذا كان ابن مسعود من جملتهم وقد روى ما ~~رواه فلم يقع الاتفاق من الكل على الخطأ بالسكوت # وعند ذلك فيتعين حمل روايته لذلك في مصحفه على أنه من القرآن ; لأن ~~الظاهر من حاله الصدق ولم يوجد ما يعارضه. # غايته أنه غير مجمع على العمل به، لعدم تواتره، وإن لم يصرح بكونه قرآنا ~~أمكن أن يكون من القرآن، وأمكن أن لا يكون لكونه خبرا عن النبي عليه السلام ~~وأمكن أن (1) يكون لكونه مذهبا له كما ذكرتموه، ms123 وهو حجة بتقدير كونه قرآنا، ~~وبتقدير كونه خبرا عن النبي عليه السلام. # وهما احتمالان وإنما لا يكون حجة بتقدير كونه مذهبا له، وهو احتمال واحد ~~ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه. # سلمنا أنه ليس بقرآن، وأنه متردد بين الخبر وبين كونه مذهبا له. # إلا أن احتمال كونه خبرا راجح ; لأن روايته له موهم بالاحتجاج به. # ولو كان مذهبا له لصرح به، نفيا للتلبيس عن السامع المعتقد كونه حجة مع ~~الاختلاف في مذهب الصحابي هل هو حجة أم لا. # والجواب: أما وجوب إلقائه على عدد تقوم الحجة بقولهم، فذلك مما لم يخالف ~~فيه أحد من المسلمين ; لأن القرآن هو المعجزة الدالة على صدقه عليه السلام ~~قطعا، ومع عدم بلوغه إلى من لم يشاهده بخبر التواتر لا يكون حجة قاطعة ~~بالنسبة إليه، فلا يكون حجة عليه في تصديق النبي عليه السلام ولا يلزم من ~~عدم بلوغ حفاظ القرآن في زمن النبي عليه السلام عدد التواتر أن يكون الحفاظ ~~لآحاد آياته كذلك. PageV01P161 # وأما التوقف في جمع آيات القرآن على أخبار الآحاد، فلم يكن في كونها ~~قرآنا بل في تقديمها وتأخيرها بالنسبة إلى غيرها وفي طولها وقصرها. # وأما ما اختلفت به المصاحف، فما كان من الآحاد فليس من القرآن وما كان ~~متواترا فهو منه. # وأما الاختلاف في التسمية، إنما كان في وضعها في أول كل سورة لا في كونها ~~من القرآن. # وأما إنكار ابن مسعود، فلم يكن لإنزال هذه السور على النبي عليه السلام، ~~بل لإجرائها مجرى القرآن في حكمه. # قولهم: إذا رواه ابن مسعود لم يتفق الكل على الخطأ. # قلنا: وإن كان كذلك، إلا أن سكوت من سكت، وإن لم يكن ممتنعا (1) إلا أنه ~~حرام (2) لوجوب نقله عليه. # وعند ذلك فلو قلنا إن ما نقله ابن مسعود قرآن، لزم ارتكاب من عداه من ~~الصحابة للحرام بالسكوت. # ولو قلنا إنه ليس بقرآن لم يلزم منه ذلك، لا بالنسبة إلى الراوي ولا ~~بالنسبة إلى من عداه من الساكتين ms124 وبتقدير (3) ارتكاب ابن مسعود للحرام مع ~~كونه واحدا أولى من ارتكاب الجماعة له، وعلى هذا فقد بطل قولهم بظهور صدقه ~~فيما نقله معارض، وتعين تردد نقله بين الخبر والمذهب. # قولهم: حمله على الخبر راجح، لا نسلم ذلك. # قولهم: لو كان مذهبا لصرح به، نفيا للتلبيس. # قلنا: أجمع المسلمون على أن كل خبر لم يصرح بكونه خبرا عن النبي عليه ~~السلام ليس بحجة، وما نحن فيه كذلك (4) ، ولا يخفى أن الحمل على المذهب مع ~~أنه مختلف في الاحتجاج به أولى من حمله على الخبر الذي ما صرح فيه ~~بالخبرية، مع أنه ليس بحجة بالاتفاق. # كيف وفيه موافقة النفي الأصلي وبراءة الذمة من التتابع بخلاف مقابله، ~~فكان أولى. PageV01P162 ### | [المسألة الثانية هل البسملة من القرآن] # المسألة الثانية # اتفقوا على أن التسمية آية من القرآن في سورة النمل، وإنما اختلفوا في ~~كونها آية من القرآن في أول كل سورة، فنقل عن الشافعي في ذلك قولان. # لكن من الأصحاب من حمل القولين على أنها من القرآن في أول كل سورة كتبت ~~مع القرآن بخط القرآن أم لا (1) . # ومنهم من حمل القولين على أنها هل هي آية برأسها في أول كل سورة، أو هي ~~مع أول آية من كل سورة آية وهو الأصح. # وذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الأصوليين إلى أنها ليست آية من القرآن في ~~غير سورة النمل. # وقضى بتخطئة من قال بأنها آية من القرآن في غير سورة النمل، لكن من غير ~~تكفير له لعدم ورود النص القاطع بإنكار ذلك. # والحجة لمذهب الشافعي من ثلاثة أوجه: # الأول: أنها أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أول كل سورة. # ولذلك نقل عن ابن عباس أنه قال: " «كان رسول الله لا يعرف ختم سورة، ~~وابتداء أخرى حتى ينزل عليه جبريل ببسم الله الرحمن الرحيم» "، وذلك يدل ~~على أنها من القرآن حيث أنزلت. # الثاني: أنها كانت تكتب بخط القرآن في أول كل سورة بأمر رسول الله، وأنه ~~لم ينكر أحد من الصحابة على من ms125 كتبها بخط القرآن في أول كل سورة مع تخشنهم ~~في الدين وتحرزهم في صيانة القرآن عما ليس منه، حتى إنهم أنكروا على من ~~أثبت أوائل السور والتعشير والنقط. # وذلك كله يغلب على الظن أنها حيث كتبت مع القرآن بخط القرآن أنها منه. # الثالث: ما روي عن ابن عباس أنه قال: " سرق الشيطان من الناس آية من ~~القرآن لما أن ترك بعضهم قراءة التسمية في أول السورة "، ولم ينكر عليه ~~منكر، فدل على كونها من القرآن في أول كل سورة. PageV01P163 # فإن قيل: لو كانت التسمية آية من القرآن في أول كل سورة، لم يخل إما أن ~~يشترط القطع في إثباتها أو لا يشترط. # فإن كان الأول فما ذكرتموه من الوجوه الدالة غير قطعية بل ظنية، فلا تصلح ~~للإثبات. # وأيضا فإنه كان يجب على النبي عليه السلام أن يبين كونها من القرآن حيث ~~كتبت معه بيانا شافيا شائعا قاطعا للشك، كما فعل في سائر الآيات وإن كان ~~الثاني، فليثبت التتابع في صوم اليمين بما نقله ابن مسعود في مصحفه. # قلنا: الاختلاف فيما نحن فيه لم يقع في إثبات كون التسمية من القرآن في ~~الجملة حتى يشترط القطع في طريق إثباتها، وإنما وقع في وضعها آية في أوائل ~~السور والقطع غير مشترط فيه. # ولهذا وقع الخلاف في ذلك من غير تكفير من أحد الخصمين للآخر، كما وقع ~~الخلاف في عدد الآيات ومقاديرها (1) . # قولهم كان يجب على النبي عليه السلام بيان ذلك بيانا قاطعا للشك. # قلنا: ولو لم تكن من القرآن لبين ذلك أيضا بيانا قاطعا للشك، كما فعل ذلك ~~في التعوذ، بل أولى من حيث إن التسمية مكتوبة بخط القرآن في أول كل سورة ~~ومنزلة على النبي عليه السلام مع أول كل سورة كما سبق بيانه، وذلك مما يوهم ~~أنها من القرآن مع علم النبي عليه السلام بذلك وقدرته على البيان بخلاف ~~التعوذ. # فإن قيل: كل ما هو من القرآن فهو منحصر يمكن بيانه، بخلاف ما ليس من ~~القرآن، فإنه غير منحصر، فلا ms126 يمكن بيانه أنه ليس من القرآن، فلهذا قيل ~~بوجوب بيان ما هو من القرآن دون ما ليس من القرآن. PageV01P164 # قلنا: نحن لم نوجب بيان كل ما ليس من القرآن أنه ليس من القرآن، بل إنما ~~أوجبنا بيان ما يسبق إلى الأفهام أنه من القرآن بتقدير أن لا يكون منه كما ~~في التسمية. # ولا يخفى أنه منحصر، بل هو أقل من بيان ما هو من القرآن. # وعلى هذا فلا يلزم (1) من وضع (2) كون التسمية آية مع أول كل سورة ~~بالاجتهاد والظن. # وقد ثبت كونها آية من القرآن في سورة النمل قطعا أن يقال (3) مثله في ~~ثبوت قراءة ابن مسعود في التتابع مع أنها لم يثبت كونها من القرآن قطعا ولا ~~ظنا. ### | [المسألة الثالثة القرآن مشتمل على آيات محكمة ومتشابهة] # المسألة الثالثة (4) # القرآن مشتمل على آيات محكمة ومتشابهة على ما قال تعالى: {منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} (5) # أما المحكم فأصح ما قيل فيه قولان: # الأول أن المحكم ما ظهر معناه، وانكشف كشفا يزيل الإشكال ويرفع الاحتمال، ~~وهو موجود في كلام الله تعالى. # والمتشابه المقابل له ما تعارض فيه الاحتمال إما بجهة التساوي كالألفاظ ~~المجملة، كما في قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ، ~~لاحتماله زمن الحيض والطهر على السوية. # وقوله تعالى: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} لتردده بين الزوج والولي. # وقوله: {أو لامستم النساء} لتردده بين اللمس باليد والوطء، أو لا على جهة ~~التساوي كالأسماء المجازية، وما ظاهره موهم للتشبيه، وهو مفتقر PageV01P165 # إلى تأويل كقوله تعالى: {ويبقى وجه ربك} ، {ونفخت فيه من روحي} ، {مما ~~عملت أيدينا} ، {الله يستهزئ بهم} ، {ومكروا ومكر الله} ، {والسماوات ~~مطويات بيمينه} ، ونحوه من الكنايات والاستعارات المؤولة بتأويلات مناسبة ~~لأفهام العرب (1) . # وإنما سمي متشابها لاشتباه معناه على السامع، وهذا أيضا موجود في كلام ~~الله تعالى. # القول الثاني: إن المحكم ما انتظم وترتب على وجه يفيد إما من غير تأويل، ~~أو مع التأويل من غير تناقض واختلاف فيه، وهذا أيضا متحقق في كلام الله ~~تعالى. # والمقابل ms127 له ما فسد نظمه واختل لفظه، ويقال: فاسد، لا متشابه. # وهذا غير متصور الوجود في كلام الله تعالى. # وربما قيل: المحكم ما ثبت حكمه من الحلال والحرام، والوعد والوعيد ونحوه. # والمتشابه ما كان من القصص والأمثال، وهو بعيد عما يعرفه أهل اللغة وعن ~~مناسبة اللفظ له لغة. PageV01P166 ### | [المسألة الرابعة القرآن لا يتصور اشتماله على ما لا معنى له في نفسه] # المسألة الرابعة # القرآن لا يتصور اشتماله على ما لا معنى له في نفسه لكونه هذيانا ونقصا ~~يتعالى كلام الرب عنه خلافا لمن لا يؤبه له في قوله: كيف يقال ذلك وكلام ~~الرب تعالى مشتمل على ما لا معنى له؟ كحروف المعجم التي في أوائل السور، إذ ~~هي غير موضوعة في اللغة لمعنى، وعلى التناقض الذي لا يفهم كقوله تعالى: ~~{فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} ، وقوله: {فوربك لنسألنهم أجمعين} ، ~~وعلى الزيادة التي لا فائدة فيها كقوله تعالى: {فصيام ثلاثة أيام في الحج ~~وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة} ، وقوله: (كاملة) غير مفيد لمعنى. # وكذلك قوله تعالى: {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة} ، وقوله تعالى: {لا ~~تتخذوا إلهين اثنين} إلى غير ذلك. # قلنا: أما حروف المعجم، فلا نسلم أنه لا معنى لها، بل هي أسامي السور ~~ومعرفة لها. # وأما التناقض فغير صحيح، إذ التناقض لا بد فيه من اتحاد جهة السلب ~~والإيجاب والزمان، وزمان إيجابه وسلبه غير متحد بل مختلف. # وأما الزيادات المذكورة فهي للتأكيد لا أنها غير معقولة المعنى. # فإن قيل: وإن كان ليس في القرآن ما لا معنى له إلا أن فيه ما لا يفهم ~~معناه، وهو في معنى ما لا معنى له. # وذلك كقوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ~~آمنا به} ، والواو في قوله: {والراسخون في العلم} ، ليست للعطف وإلا كان ~~الضمير في قوله: {يقولون آمنا به كل من عند ربنا} عائدا إلى جملة المذكور ~~السابق من الله تعالى والراسخين في العلم، وهو محال في حق الله تعالى. # فلم يبق إلا ms128 أن يكون للابتداء. # ويلزم من ذلك أن لا يكون ما علمه الرب تعالى معلوما لهم. # وأيضا فإن الآيات الدالة على اليد واليمين والوجه والروح ومكر الله ~~والاستواء على العرش، وغير ذلك غير محمول على ما هو مفهوم منه في اللغة، ~~وما هو المراد منه غير معلوم. # PageV01P167 # وأيضا فإن الخطاب بالقرآن كما هو مع العرب فهو مع العجم مفهوم لهم (1) . # قلنا: من قال بجواز التكليف بما لا يطاق (2) .، جوز أن يكون في القرآن ما ~~له معنى وإن لم يكن معلوما للمخاطب ولا بيان له (3) .، ولا كذلك فيما لا ~~معنى له أصلا لكونه هذيانا. # ومن لم يجوز التكليف بما لا يطاق منع من ذلك، لكونه تكليفا بما لا يطاق، ~~ولما فيه من إخراج القرآن عن كونه بيانا للناس ضرورة كونه غير مفهوم. # وهو خلاف قوله تعالى: {هذا بيان للناس} ولأن ذلك مما يجر إلى عدم الوثوق ~~بشيء من أخبار الله تعالى ورسوله، ضرورة أنه ما من خبر إلا ويجوز أن يكون ~~المراد به ما لم يظهر منه. # وذلك مبطل للشريعة مطلقا. # وأجاب عن الآية الأولى بأن الواو فيها للعطف (4) .، وأن الضمير في قوله: ~~{يقولون آمنا به} وإن كان ظاهرا (5) . في العود إلى جملة المذكور، غير أنه ~~لا بعد في تخصيصه بإخراج الرب تعالى عنه، بدليل العقل، المحيل لعود الضمير ~~إليه. # وأما باقي الآيات المذكورة، فكلها كنايات وتجوزات مفهومة للعرب بأدلة ~~صارفة إليها، على ما بيناه في الكلاميات (6) ### | [المسألة الخامسة الاختلاف في اشتمال القرآن على ألفاظ مجازية وكلمات غير عربية] # المسألة الخامسة # اختلفوا في اشتمال القرآن على ألفاظ مجازية وكلمات غير عربية. # وقد استقصينا الكلام فيهما في القاعدة الأولى في " المبادئ اللغوية ". ~~PageV01P168 ### | [الأصل الثاني في السنة] ### | [المقدمة الأولى في عصمة الأنبياء عليهم السلام] # الأصل الثاني # في السنة # وهي في اللغة عبارة عن الطريقة، فسنة كل أحد ما عهدت منه المحافظة عليه ~~والإكثار منه، كان ذلك من الأمور الحميدة أو غيرها. # وأما في الشرع فقد تطلق على ما كان من العبادات نافلة منقولة عن ms129 النبي ~~عليه السلام وقد تطلق على ما صدر عن الرسول من الأدلة الشرعية مما ليس ~~بمتلو، ولا هو معجز ولا داخل في المعجز، وهذا النوع هو المقصود بالبيان ~~هاهنا، ويدخل في ذلك أقوال النبي عليه السلام، وأفعاله وتقاريره. # أما الأقوال من الأمر والنهي والتخيير والخبر وجهات دلالتها فسيأتي ~~إيضاحها في الأصل الرابع المخصوص ببيان ما تشترك فيه الأدلة المنقولة ~~الشرعية. # وليكن البيان هاهنا مخصوصا بما يخص النبي عليه السلام من الأفعال ~~والتقارير، ويشتمل على مقدمتين وخمس مسائل. # المقدمة الأولى (1) . # في عصمة الأنبياء عليهم السلام، وشرح الاختلاف في ذلك وما وقع الاتفاق من ~~أهل الشرائع على عصمتهم عنه من المعاصي وما فيه الاختلاف أما قبل النبوة، ~~فقد ذهب القاضي أبو بكر وأكثر أصحابنا وكثير من المعتزلة إلى أنه لا يمتنع ~~عليهم المعصية كبيرة كانت أو صغيرة، بل ولا يمتنع عقلا إرسال من أسلم وآمن ~~بعد كفره. # وذهبت الروافض إلى امتناع ذلك كله منهم قبل النبوة ; لأن ذلك مما يوجب ~~هضمهم في النفوس واحتقارهم والنفرة عن اتباعهم، وهو خلاف مقتضى الحكمة من ~~بعثة الرسل، ووافقهم على ذلك أكثر المعتزلة إلا في الصغائر. PageV01P169 # والحق ما ذكره القاضي ; لأنه لا سمع قبل البعثة يدل على عصمتهم عن ذلك، ~~والعقل دلالته مبنية على التحسين والتقبيح العقلي، ووجوب رعاية الحكمة في ~~أفعال الله تعالى، وذلك كله مما أبطلناه في كتبنا الكلامية. # وأما بعد النبوة فالاتفاق من أهل الشرائع قاطبة على عصمتهم عن تعمد كل ما ~~يخل بصدقهم فيما دلت المعجزة القاطعة على صدقهم فيه من دعوى الرسالة ~~والتبليغ عن الله تعالى. # واختلفوا في جواز ذلك عليهم بطريق الغلط والنسيان، فمنع منه الأستاذ أبو ~~إسحاق وكثير من الأئمة لما فيه من مناقضة دلالة المعجزة القاطعة. # وجوزه القاضي أبو بكر مصيرا منه إلى أن ما كان من النسيان وفلتات اللسان ~~غير داخل تحت التصديق المقصود بالمعجزة، وهو الأشبه. # وأما ما كان من المعاصي القولية والفعلية التي لا دلالة للمعجزة على ~~عصمتهم عنها، فما كان منها كفرا فلا نعرف ms130 خلافا بين أرباب الشرائع في ~~عصمتهم عنه، إلا ما نقل عن الأزارقة (1) . من الخوارج أنهم قالوا بجواز ~~بعثة نبي علم الله أنه يكفر بعد نبوته، وما نقل عن الفضلية (2) . من ~~الخوارج أنهم قضوا بأن كل ذنب يوجد فهو كفر مع تجويزهم صدور الذنوب عن ~~الأنبياء، فكانت كفرا. # وأما ما ليس بكفر فإما أن يكون من الكبائر أو ليس منها. # فإن كان من الكبائر فقد اتفقت الأمة سوى الحشوية (3) . ومن جوز الكفر على ~~الأنبياء على عصمتهم عن تعمده من غير نسيان ولا تأويل، وإن اختلفوا في أن ~~مدرك العصمة السمع كما ذهب إليه القاضي أبو بكر والمحققون من أصحابنا، أو ~~العقل كما ذهب إليه المعتزلة. # وأما إن كان عن نسيان أو تأويل خطأ، فقد اتفق الكل على جوازه سوى ~~الرافضة. PageV01P170 # وأما ما ليس بكبيرة فإما أن يكون من قبيل ما يوجب الحكم على فاعله بالخسة ~~ودناءة الهمة وسقوط المروءة، كسرقة حبة أو كسرة فالحكم فيه كالحكم في ~~الكبيرة. # وأما ما لا يكون من هذا القبيل، كنظرة أو كلمة سفه نادرة في حالة غضب، ~~فقد اتفق أكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة على جوازه عمدا وسهوا، خلافا للشيعة ~~مطلقا وخلافا للجبائي (1) والنظام (2) . وجعفر (3) . بن مبشر في العمد. # وبالجملة فالكلام فيما وقع فيه الاختلاف في هذه التفاصيل غير بالغ مبلغ ~~القطع، بل هو من باب الظنون. # والاعتماد فيه على ما يساعد فيه من الأدلة الظنية نفيا وإثباتا. # وقد أتينا في كل موضع من المواضع المتفق عليها، والمختلف فيها تزييفا ~~واختيارا بأبلغ بيان، وأوضح برهان في كتبنا الكلامية، فعلى الناظر الالتفات ~~إليها. PageV01P171 ### | [المقدمة الثانية في معنى التأسي والمتابعة والموافقة والمخالفة] # المقدمة الثانية # في معنى التأسي والمتابعة والموافقة والمخالفة إذ الحاجة داعية إلى معرفة ~~ذلك فيما نرومه من النظر في مسائل الأفعال. # أما التأسي بالغير: فقد يكون في الفعل والترك. # أما التأسي في الفعل: فهو أن تفعل مثل فعله على وجهه من أجل فعله. # فقولنا: (مثل فعله) لأنه لا تأسي مع اختلاف صورة الفعل، كالقيام والقعود. # وقولنا: ms131 (على وجهه) معناه المشاركة في غرض ذلك الفعل ونيته ; لأنه لا ~~تأسي مع اختلاف الفعلين في كون أحدهما واجبا والآخر ليس بواجب وإن اتحدت ~~الصورة. # وقولنا: (من أجل فعله) لأنه لو اتفق فعل شخصين في الصورة والصفة، ولم يكن ~~أحدهما من أجل الآخر، كاتفاق جماعة في صلاة الظهر مثلا أو صوم رمضان اتباعا ~~لأمر الله تعالى، فإنه لا يقال بتأسي البعض بالبعض. # وعلى هذا، فلو وقع فعله في مكان أو زمان مخصوص فلا مدخل له في المتابعة ~~والتأسي. # وسواء تكرر أو لم يتكرر إلا أن يدل الدليل على اختصاص العبادة به، ~~كاختصاص الحج بعرفات، واختصاص الصلوات بأوقاتها وصوم رمضان. # وأما التأسي في الترك، فهو ترك أحد الشخصين مثل ما ترك الآخر من الأفعال ~~على وجهه وصفته من أجل أنه ترك. # ولا يخفى وجه ما فيه من القيود. # وأما المتابعة، فقد تكون في القول وقد تكون في الفعل والترك، فاتباع ~~القول هو امتثاله على الوجه الذي اقتضاه القول. # والاتباع في الفعل هو التأسي بعينه. # وأما الموافقة، فمشاركة أحد الشخصين للآخر في صورة قول أو فعل أو ترك أو ~~اعتقاد ذلك أو غير ذلك. # وسواء كان ذلك من أجل ذلك الآخر أو لا من أجله. # وأما المخالفة، فقد تكون في القول، وقد تكون في الفعل والترك فالمخالفة ~~في القول ترك امتثال ما اقتضاه القول. # وأما المخالفة في الفعل، فهو العدول عن فعل مثل ما فعله الغير مع وجوبه. # PageV01P172 # ولهذا فإن من فعل فعلا ولم يجب على غيره مثل فعله لا يقال له إنه مخالف ~~في الفعل، بتقدير الترك. # ولذلك لم تكن الحائض مخالفة بترك الصلاة لغيرها. # وعلى هذا فلا يخفى وجوه المخالفة في الترك. # وإذ أتينا على ما أردناه من ذكر المقدمتين، فلنرجع إلى المقصود من ~~المسائل المتعلقة بأفعال الرسول عليه السلام. ### | [المسألة الأولى أفعال النبي عليه السلام هل هي دليل لشرع مثل ذلك الفعل بالنسبة إلينا أم لا] # المسألة الأولى # اختلف الأصوليون في أفعال النبي عليه السلام، هل هي دليل لشرع ms132 مثل ذلك ~~الفعل بالنسبة إلينا أم لا؟ # وقبل النظر في الحجاج لا بد من تلخيص محل النزاع، فنقول: أما ما كان من ~~الأفعال الجبلية كالقيام والقعود والأكل والشرب ونحوه، فلا نزاع في كونه ~~على الإباحة بالنسبة إليه وإلى أمته. # وأما ما سوى ذلك، مما ثبت كونه من خواصه التي لا يشاركه فيها أحد، فلا ~~يدل ذلك على التشريك بيننا وبينه فيه إجماعا. # وذلك كاختصاصه بوجوب الضحى والأضحى والوتر والتهجد بالليل والمشاورة ~~والتخيير لنسائه، وكاختصاصه بإباحة الوصال في الصوم، وصفية المغنم، ~~والاستبداد (1) بخمس الخمس، ودخول مكة بغير إحرام، والزيادة في النكاح على ~~أربع نسوة، إلى غير ذلك من خصائصه (2) . # وأما ما عرف كون فعله بيانا لنا، فهو دليل من غير خلاف، وذلك إما بصريح ~~مقاله كقوله: " «صلوا كما رأيتموني أصلي» «وخذوا عني مناسككم» ". # أو بقرائن الأحوال، وذلك كما إذا ورد لفظ مجمل أو عام أريد به الخصوص أو ~~مطلق أريد به التقييد، ولم يبينه قبل الحاجة إليه، ثم فعل عند الحاجة فعلا ~~صالحا للبيان، فإنه يكون بيانا حتى لا يكون مؤخرا للبيان عن وقت الحاجة، ~~وذلك كقطعه يد السارق من الكوع بيانا لقوله تعالى: {فاقطعوا أيديهما} ، ~~وكتيممه PageV01P173 # إلى المرفقين بيانا لقوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} ، ونحوه. # والبيان تابع للمبين في الوجوب والندب والإباحة. # وأما ما لم يقترن به ما يدل على أنه للبيان لا نفيا ولا إثباتا فإما أن ~~يظهر فيه قصد القربة أو لم يظهر. # فإن ظهر فيه قصد القربة، فقد اختلفوا فيه فمنهم من قال: إن فعله عليه ~~السلام محمول على الوجوب في حقه وفي حقنا، كابن سريج والإصطخري، وابن أبي ~~هريرة، وابن خيران والحنابلة وجماعة من المعتزلة. # ومنهم من صار إلى أنه للندب. # وقد قيل: إنه قول الشافعي، وهو اختيار إمام الحرمين. # ومنهم من قال: إنه للإباحة وهو مذهب مالك، ومنهم من قال: بالوقف، وهو ~~مذهب جماعة من أصحاب الشافعي كالصيرفي والغزالي وجماعة من المعتزلة. # وأما ما لم يظهر فيه قصد القربة، فقد اختلفوا أيضا فيه على نحو ms133 اختلافهم ~~فيما ظهر فيه قصد القربة غير أن القول بالوجوب والندب فيه أبعد مما ظهر فيه ~~قصد القربة، والوقف والإباحة أقرب. # وبعض من جوز على الأنبياء المعاصي قال: إنها على الخطر. # والمختار أن كل فعل لم يقترن به دليل يدل على أنه قصد به بيان خطاب سابق ~~فإن ظهر فيه قصد القربة إلى الله تعالى فهو دليل في حقه عليه السلام على ~~القدر المشترك بين الواجب والمندوب، وهو ترجيح الفعل على الترك لا غير، وأن ~~الإباحة وهي استواء الفعل والترك في رفع الحرج خارجة عنه، وكذلك في حق ~~أمته. # وما لم يظهر فيه قصد القربة، فهو دليل في حقه على القدر المشترك بين ~~الواجب والمندوب والمباح، وهو رفع الحرج عن الفعل، لا غير وكذلك عن أمته. # وأما (1) إذا ظهر من فعله قصد القربة ; فلأن القربة غير خارجة عن الواجب ~~والمندوب، والقدر المشترك بينهما إنما هو ترجيح الفعل على الترك، والفعل ~~دليل قاطع عليه. PageV01P174 # وأما ما اختص به الواجب من الذم على الترك، وما اختص به المندوب من عدم ~~اللوم على الترك فمشكوك فيه، وليس أحدهما أولى من الآخر. # وأما إذا لم يظهر من فعله قصد القربة فهو، وإن جوزنا عليه فعل الصغيرة ~~غير أن احتمال وقوعها من آحاد عدول المسلمين نادر، فكيف من النبي عليه ~~السلام. # بل الغالب من فعله أنه لا يكون معصية، ولا منهيا عنه وعند ذلك، فما من ~~فعل من آحاد أفعاله، إلا واحتمال دخوله تحت الغالب أغلب. # وإذا كان الغالب من فعله أنه لا يكون معصية ولا منهيا عنه، فكل فعل لا ~~يكون منهيا عنه لا يخرج عن الواجب والمندوب والمباح، والقدر المشترك بين ~~الكل إنما هو رفع الحرج عن الفعل دون الترك، والفعل دليل قاطع عليه. # وأما ما اختص به الوجوب والندب عن المباح من ترجح الفعل على الترك، وما ~~اختص به المباح عنهما من استواء الطرفين فمشكوك فيه. # هذا بالنسبة إلى النبي عليه السلام. # وأما بالنسبة إلى أمته؛ فلأنه وإن كان عليه السلام قد ms134 اختص عنهم بخصائص ~~لا يشاركونه غير أنها نادرة، بل أندر من النادر بالنسبة إلى الأحكام ~~المشترك فيها. # وعند ذلك، فما من واحد من آحاد الأفعال إلا واحتمال مشاركة الأمة للنبي ~~عليه السلام فيه أغلب من احتمال عدم المشاركة إدراجا للنادر تحت الأعم ~~الأغلب فكانت المشاركة أظهر. # وإذ أتينا على تفصيل المذاهب وتقرير ما هو المختار، فلا بد من ذكر شبه ~~المخالفين، ووجه الانفصال عنها. # وأما شبه القائلين بالوجوب، فمن جهة النص والإجماع والمعقول. # أما من جهة النص، فمن جهة الكتاب والسنة. # أما من جهة الكتاب فقوله تعالى: {فاتبعوه واتقوا} أمر بمتابعته، ومتابعته ~~امتثال القول والإتيان بمثل فعله. # والأمر ظاهر في الوجوب. # وأيضا قوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} حذر من مخالفة أمره ~~والتحذير دليل الوجوب، واسم الأمر يطلق على الفعل، كما سيأتي تقريره # PageV01P175 # والأصل في الإطلاق الحقيقة، وغايته أن يكون مشتركا بينه وبين القول ~~المخصوص، وسيأتي أن الاسم المشترك من قبيل الأسماء العامة. # فكان متناولا للفعل. # وأيضا قوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه} ، وفعله من جملة ما يأتي به، ~~فكان الأخذ به واجبا. # وأيضا قوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو ~~الله واليوم الآخر} ، وهذا زجر في طي أمر. # وتقديره: من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر، فله فيه أسوة حسنة، ومن لم ~~يتأس به فلا يكون مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر، وهو دليل الوجوب. # وأيضا قوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} ، ومحبة الله واجبة ~~والآية دلت على أن متابعة النبي عليه السلام لازمة لمحبة الله الواجبة، ~~ويلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم، وهو ممتنع. # وأيضا قوله تعالى: {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} أمر بطاعة الرسول، ~~والأمر ظاهر في الوجوب. # ومن أتى بمثل فعل الغير على قصد إعظامه، فهو مطيع له وأيضا قوله تعالى: ~~{فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} وذلك يدل على أن فعله تشريع وواجب الاتباع، ~~وإلا ms135 لما كان تزويجه مزيلا عن المؤمنين الحرج في أزواج أدعيائهم. # وأما من جهة السنة، فما روي أن الصحابة رضي الله عنهم «خلعوا نعالهم في ~~الصلاة لما خلع نعله» ، ففهموا وجوب المتابعة له في فعله، والنبي عليه ~~السلام أقرهم على ذلك ثم بين لهم علة انفراده بذلك. # وأيضا ما روي عنه «أنه أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، ولم يفسخ.، فقالوا ~~له: " ما لك أمرتنا بفسخ الحج ولم تفسخ» " ففهموا أن حكمهم كحكمه، والنبي ~~عليه السلام لم ينكر عليهم ولم يقل: " لي حكمي ولكم حكمكم بل أبدى عذرا ~~يختص به ". # وأيضا ما روي عنه عليه السلام: أنه نهى الصحابة عن الوصال في الصوم ~~وواصل، فقالوا له: " «نهيتنا عن الوصال، وواصلت " فقال: " لست كأحدكم، # PageV01P176 # إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني» " فأقرهم على ما فهموه من مشاركتهم له ~~في الحكم، واعتذر بعذر يختص به. # وأيضا ما روي عنه أنه لما «سألته أم سلمة عن قبلة الصائم، فقال لها: " لم ~~لم تقولي لهم إني أقبل وأنا صائم؟ !» ولو لم يكن متبعا في أفعاله لما كان ~~لذلك معنى. # وأيضا ما روي عنه أنه لما «سألته أم سلمة عن بل الشعر في الاغتسال، قال: ~~" أما أنا فيكفيني أن أحثو على رأسي ثلاث حثيات من ماء» " وكان ذلك جوابا ~~لها، ولولا أنه متبع في فعله لما كان جوابا لها. # وأيضا ما روي عنه «أنه أمر الصحابة بالتحلل بالحلق والذبح، فتوقفوا فشكا ~~ذلك إلى أم سلمة، فأشارت إليه بأن يخرج ويحلق، ففعل ذلك فذبحوا وحلقوا» ، ~~ولولا أن فعله متبع لما كان كذلك. # وأما من جهة الإجماع، فما روي عن الصحابة أنهم لما «اختلفوا في الغسل من ~~غير إنزال أنفذ عمر إلى عائشة رضي الله عنها وسألها عن ذلك، فقالت: " فعلته ~~أنا ورسول الله واغتسلنا» "، فأخذ عمر والناس بذلك، ولولا أن فعله متبع لما ~~ساغ ذلك. # وأيضا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقبل الحجر الأسود ويقول: " ~~«إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أنني ms136 رأيت رسول الله يقبلك لما ~~قبلتك» "، وكان ذلك شائعا فيما بين الصحابة من غير نكير، فكان إجماعا على ~~اتباعه في فعله (1) . # وأما من جهة المعقول فمن خمسة أوجه: # الأول: هو أن فعله احتمل أن يكون موجبا للفعل علينا، واحتمل أن لا يكون ~~موجبا، والحمل على الإيجاب أولى لما فيه من الأمن والتحرز عن ترك الواجب. # ولذلك فإنه لو نسي صلاة من خمس من يوم، فإنه يجب عليه إعادة الكل حذرا من ~~الإخلال بالواجب. # وكذلك من طلق واحدة من نسائه ثم نسيها، فإنه يحرم عليه جميعهن نظرا إلى ~~الاحتياط. PageV01P177 # الثاني أن النبوة من الرتب العلية والأوصاف السنية، ولا يخفى أن متابعة ~~العظيم في أفعاله من أتم الأمور في تعظيمه، وإجلاله وأن عدم متابعته في ~~أفعاله بأن صلى وهم جلوس أو قام يطوف وهم يتسامرون من أعظم الأمور في إسقاط ~~حرمته والإخلال بعظمته، وهو حرام ممتنع. # الثالث: أن أفعاله عليه السلام قائمة مقام أقواله في بيان المجمل وتخصيص ~~العموم وتقييد المطلق من الكتاب والسنة، فكان فعله محمولا على الوجوب ~~كالقول. # الرابع: أن ما فعله النبي عليه السلام يجب أن يكون حقا وصوابا، وترك الحق ~~والصواب يكون خطأ وباطلا، وهو ممتنع. # الخامس: أن فعله احتمل أن يكون واجبا واحتمل أن لا يكون واجبا، واحتمال ~~كونه واجبا أظهر من احتمال كونه ليس بواجب ; لأن الظاهر من النبي عليه ~~السلام أنه لا يختار لنفسه سوى الأكمل والأفضل، والواجب أكمل مما ليس ~~بواجب، وإذا كان واجبا فيجب اعتقاد مشاركة الأمة له فيه لما قررتموه في ~~طريقتكم. # وأما شبه القائلين بالندب فنقلية وعقلية أيضا. # أما النقلية فقوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} جعل ~~التأسي به حسنة، وأدنى درجات الحسنة المندوب فكان محمولا عليه، وما زاد فهو ~~مشكوك فيه. # وأما العقلية: فهو أن فعله وإن احتمل أن يكون معصية إلا أنه خلاف الظاهر، ~~والظاهر من فعله أنه لا يكون إلا حسنة والحسنة لا تخرج عن الواجب والمندوب، ~~وحمله على فعل المندوب أولى لوجهين. # الأول: ms137 أن غالب أفعال النبي عليه السلام كانت هي المندوبات. # الثاني: أن كل واجب مندوب وزيادة، وليس كل مندوب واجبا. # فكان فعل المندوب لعمومه أغلب، ويلزم من ذلك مشاركة أمته له فيه لما ~~ذكرتموه في طريقتكم. # وأما شبه القائلين بالإباحة فهي أن الأصل في الأفعال كلها إنما هو ~~الإباحة ورفع الحرج عن الفعل والترك إلا ما دل الدليل على تغييره، والأصل ~~عدم المغير. # وأما شبه القائلين بالوقف، فإنهم قالوا: فعله عليه السلام متردد بين أن # PageV01P178 # يكون خاصا به وبين أن لا يكون خاصا به. # وما ليس خاصا به متردد بين الواجب والمندوب والمباح، والفعل لا صيغة له ~~ليدل على البعض دون البعض وليس البعض أولى من البعض فلزم الوقف إلى أن يقوم ~~الدليل على التعيين. # والجواب عن شبه القائلين بالوجوب. # أما عن الآية الأولى، فلا نسلم أن قوله: " فاتبعوه " يدل على الوجوب (1) ~~وإن سلمنا ذلك ولكن قوله: " فاتبعوه " صريح في اتباع شخص النبي عليه السلام ~~وهو غير مراد، فلا بد من إضمار المتابعة في أقواله وأفعاله. # والإضمار على خلاف الأصل فتمتنع الزيادة فيه من غير حاجة، وقد أمكن دفع ~~الضرورة بإضمار أحد الأمرين، وليس إضمار المتابعة في الفعل أولى من القول، ~~بل إضمار المتابعة في القول أولى لكونه متفقا عليه ومختلفا في الفعل (2) . # كيف وأن المتابعة في الفعل إنما يتحقق وجوبها، أن لو علم كون الفعل ~~المتبع واجبا، وإلا فبتقدير أن يكون غير واجب، فمتابعة ما ليس بواجب لا ~~تكون واجبة ولم يتحقق كون فعله واجبا فلا تكون متابعته واجبة. PageV01P179 # وعن الآية الثانية، أن يقال اسم الأمر وإن أطلق على الفعل والقول المخصوص ~~لكنه يجب اعتقاد كونه حقيقة في أمر مشترك بينهما، وهو الشأن والصفة (1) ~~نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ لكونهما على خلاف الأصل، وعند ذلك فلفظ ~~الأمر المحذر من مخالفته يكون مطلقا (2) ، والمطلق إذا عمل به في صورة فقد ~~خرج عن كونه حجة ضرورة توفية العمل بدلالته. # وقد عمل به في القول المخصوص، فلا يبقى حجة في الفعل، سلمنا أنه ms138 غير ~~متواطئ ولكنه مجمع على كونه حقيقة في القول المخصوص، ومختلف في الفعل، فكان ~~حمله على المتفق عليه دون المختلف فيه أولى. # أو سلمنا أنه حقيقة في الفعل، لكنه يكون مشتركا (3) وعند ذلك إن قيل بأن ~~اللفظ المشترك يمتنع حمله على جميع مدلولاته فليس حمله على التحذير من ~~مخالفة الأمر بمعنى الفعل أولى من القول، وإن قيل بحمل اللفظ المشترك على ~~جميع محامله، فالتحذير عن مخالفة الأمر يتوقف على كون المحذر منه واجبا ~~لاستحالة التحذير من ترك ما ليس واجبا. # وعند ذلك فالقول بالتحذير من مخالفة الفعل يستدعي وجوب ذلك الفعل، ووجوبه ~~إذا كان لا يعرف إلا من التحذير كان دورا. # كيف وإنه قد تقدم في الآية ذكر دعاء الرسول بقوله: {لا تجعلوا دعاء ~~الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} ، والمراد بالدعاء إنما هو القول، فكان ~~الأمر المذكور بعده عائدا إلى قوله. # ثم قد أمكن عود الضمير في أمره إلى الله تعالى إذ هو PageV01P180 # أقرب مذكور حيث قال بعد ذكر الرسول: {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم ~~لواذا} (1) ، فكان عوده إليه أولى. # وعن الآية الثالثة بمنع دلالة الأمر على الوجوب وإن سلمنا ذلك، ولكن إنما ~~يكون أخذ ما أتانا به واجبا إذا كان ما أتى به واجبا. # وأما إذا لم يكن واجبا فأخذه لا يكون واجبا، فإن القول بوجوب فعل لا يكون ~~واجبا تناقض في اللفظ والمعنى. # وعند ذلك فتتوقف دلالة الآية على الوجوب على كون الفعل المأتي به واجبا، ~~ووجوبه إذا توقف على دلالة الآية على وجوبه كان دورا (2) . # كيف وإن في الآية ما يدل على أن المراد بوجوب أخذه إنما هو الأمر بمعنى ~~القول حيث إنه قابله بالنهي بقوله: {وما نهاكم عنه فانتهوا} ، والنهي لا ~~يكون إلا بالقول، وكذلك الأمر المقابل له. # وعن الآية الرابعة من وجهين: الوجه الأول أنا نقول: المراد بالتأسي به في ~~فعله أن نستخير لأنفسنا ما استخاره لنفسه، وأن لا نعترض عليه فيما يفعله، ~~أو معنى آخر: # الأول: مسلم ولكن لا يلزم من ذلك أن ms139 يكون ما استخاره لنفسه واجبا حتى ~~يكون ما نستخيره نحن لأنفسنا واجبا. # والثاني: ممنوع. # الوجه الثاني: أن المراد بالتأسي به في فعله أن نوقع الفعل على الوجه ~~الذي أوقعه هو عليه السلام حتى إنه لو صلى واجبا وصلينا متنفلين أو بالعكس، ~~فإن ذلك لا يكون تأسيا به، ولم يثبت كون ما فعله واجبا حتى يكون ما نفعله ~~نحن واجبا (3) . # وعلى هذين الجوابين يخرج الجواب عن الآية الخامسة. # وعن الآية السادسة، أن المراد من الطاعة إنما هو امتثال أمره ومتابعته في ~~فعله PageV01P181 # على الوجه الذي فعله إن كان واجبا فواجبا، وإن كان ندبا فندبا. # ونحن نقول به، ولم يثبت أن ما فعله واجب حتى تكون متابعتنا له فيه واجبة. # وعن الآية السابعة أن غايتها الدلالة على أن حكم أمته مساو لحكمه في ~~الوجوب والندب والإباحة ولا يلزم من ذلك أن يكون كل ما فعله واجبا ليكون ~~فعلنا له واجبا. # وعن الخبر الأول من السنة من وجهين: # الأول: أن ذلك لا يدل على أنهم فعلوا ذلك بجهة الوجوب، بل لعلهم رأوا ~~متابعته في خلع النعل مبالغة في موافقته، والذي يدل على أن الخلع بطريق ~~المتابعة له لم يكن واجبا إنكاره عليهم ذلك وقوله: " «لم خلعتم نعالكم» "، ~~ولو كانت متابعته في فعله واجبة على الإطلاق لما أنكر ذلك (1) . # الوجه الثاني: أنه وإن ظنوا وجوب المتابعة، لكن لا من الفعل، بل لقيام ~~دليل أوجب عليهم ذلك وبيانه من وجهين: # الأول: أنه عليه السلام كان قد قال لهم " «صلوا كما رأيتموني أصلي» " ~~ففهموا أن صلاته بيان لصلاتهم، فلما رأوه قد خلع نعله تابعوه فيه لظنهم أن ~~ذلك من هيئات الصلاة. # الثاني: أنهم كانوا مأمورين بأخذ زينتهم عند كل مسجد بقوله تعالى: {خذوا ~~زينتكم عند كل مسجد} ، فلما رأوه قد خلع نعله ظنوا وجوبه وأنه لا يترك ~~الأمر المسنون المأمور إلا لواجب.، ونحن لا ننكر وجوب المتابعة عند قيام ~~الدليل. # وعن الخبر الثاني، أن فهمهم لوجوب متابعته في أفعال الحج إنما كان مستندا ~~إلى قوله عليه ms140 السلام: " «خذوا عني مناسككم» " لا إلى فعله. # وعن الخبر الثالث، أن الوصال للنبي عليه السلام لم يكن واجبا عليه، بل ~~غايته أنه كان مباحا له. # ووجوب المتابعة فيما أصله واجب ممتنع (2) كما سبق، بل ظنهم إنما كان ~~مشاركته في إباحة الوصال، ونحن نقول به، وهذا هو الجواب عن الخبر الرابع. ~~PageV01P182 # وعن الخبر الخامس أنه لا دلالة له على وجوب بل الشعر في حقه عليه السلام ~~ولا حق غيره. # ولعله أراد بذلك الكفاية في الكمال، لا في الوجوب بل وجوب البل إنما هو ~~مستفاد من قوله عليه السلام: " «بلوا الشعر وأنقوا البشرة» " (1) . # وعن الخبر السادس من وجهين: # الأول: أن فعله وقع بيانا لقوله عليه السلام: " «خذوا عني مناسككم» " ولا ~~نزاع في وجوب اتباع فعله إذا ورد بيانا لخطاب سابق، بل هو أبلغ من دلالة ~~القول المجرد عن الفعل ; لكون الفعل ينبئ عن المقصود عيانا، بخلاف القول ~~فإنه لا يدل عليه عيانا. # الثاني: أن وجوب التحلل وقع مستفادا من أمر النبي عليه السلام لهم بذلك ~~غير أنهم كانوا يرتقبون إنجاز ما وعدهم الله به من الفتح والظهور على قريش ~~في تلك السنة، وأن ينسخ الله عنهم الأمر بالتحلل وأداء ما كانوا فيه من ~~الحج (2) . # فلما تحلل عليه السلام آيسوا من ذلك فتحللوا. # وعن الاحتجاج بالإجماع الأول لا نسلم أن وجوب الغسل من التقاء الختانين ~~كان مستفادا من فعل رسول الله، بل من قوله عليه السلام: " «إذا التقى ~~الختانان وجب الغسل» " وسؤال عمر لعائشة إنما كان ليعلم أن فعل النبي هل ~~وقع موافقا لأمره أم لا (3) . # وعن الثاني أن تقبيل عمر الحجر غير واجب إنما كان مستفادا من فعل رسول ~~الله المبين لقوله: " «خذوا عني مناسككم» ". # كيف وأن تقبيل الحجر غير واجب على النبي عليه السلام ولا على غيره، بل ~~غايته أن فعل النبي عليه السلام يدل على ترجيح فعله على تركه من غير وجوب. # وذلك مما لا ننكره، ولا ننكر مشاركة الأمة له في ذلك (4) . PageV01P183 # وعن الشبهة الأولى من المعقول، فقد قيل ms141 في دفعها إن الاحتياط إنما يمكن ~~أن يقال به إذا خلا عن احتمال الضرر قطعا، وفيما نحن فيه يحتمل أن يكون ~~الفعل حراما على الأمة، وهو غير صحيح، فإنه لو غم الهلال ليلة الثلاثين من ~~رمضان فإنه يحتمل أن يكون يوم الثلاثين منه يوم العيد، واحتمل أن لا يكون ~~يوم العيد. # ومع ذلك يجب صومه احتياطا للواجب وإن احتمل أن يكون حراما لكونه من يوم ~~العيد. # والحق في ذلك أن يقال إنما يكون الاحتياط أولى لما ثبت وجوبه كالصلاة ~~الفائتة من صلوات يوم وليلة، أو كان الأصل وجوبه كما في صوم يوم الثلاثين ~~من رمضان إذا كانت ليلته مغيمة. # وأما ما عساه أن يكون واجبا وغير واجب فلا. # وما نحن فيه كذلك حيث لم يتحقق وجوب الفعل ولا الأصل وجوبه. # وعن الشبهة الثانية: لا نسلم أن الإتيان بمثل ما يفعله العظيم يكون ~~تعظيما له وأن تركه يكون إهانة له وحطا من قدره، بل ربما كان تعاطي الأدنى ~~لمساواته الأعلى في فعله حطا من منزلته وغضا من منصبه. # ولهذا يقبح من العبد الجلوس على سرير سيده في مرتبته، والركوب على مركبه ~~ولو فعل ذلك استحق اللوم والتوبيخ. # ثم لو كانت متابعة النبي في أفعاله موجبة لتعظيمه، وترك المتابعة موجبة ~~(1) لإهانته لوجب متابعته عندنا إذا ترك بعض ما تعبدنا به من العبادات، ولم ~~يعلم سبب تركه وهو خلاف الإجماع (2) . # وعن الشبهة الثالثة إنه لا يلزم من كون الفعل بيانا للقول أن يكون موجبا ~~لما يوجبه القول. # ولهذا فإن الخطاب القولي يستدعي وجوب الجواب، ولا كذلك الفعل. # وعن الشبهة الرابعة أن فعل النبي عليه السلام، وإن كان حقا وصوابا ~~بالنسبة إليه فلا يلزم أن يكون حقا وصوابا بالنسبة إلى أمته، إلا أن يكون ~~فعله مما يوجب مشاركتهم له في ذلك الفعل، وهو محل النزاع (3) . PageV01P184 # وعن الشبهة الخامسة أنه وإن كان فعل الواجب أفضل مما ليس بواجب، فلا يلزم ~~أن يكون كل ما يفعله النبي عليه السلام واجبا. # ولهذا فإن فعله للمندوبات كان أغلب ms142 من فعله للواجبات، بل فعله للمباحات ~~كان أغلب من فعله للمندوبات. # وعند ذلك فليس حمل فعله على النادر من أفعاله أولى من حمله على الغالب ~~منها وعن شبه القائلين بالندب. # أما الآية فجوابها مثل ما سبق في الاحتجاج بها على الوجوب. # وأما الشبهة العقلية، فلا نسلم أن غالب فعله المندوبات بل المباح، ولا ~~نسلم أن المندوب داخل في الواجب على ما سبق تقريره (1) . # وأما شبهة الإباحة، فنحن قائلون بها في كل فعل لم يظهر من النبي عليه ~~السلام قصد التقرب به، وأما ما ظهر معه قصد التقرب به فيمتنع أن يكون مباحا ~~بمعنى نفي الحرج عن فعله وتركه، فإن مثل ذلك لا يتقرب به. # وذلك (2) مما يجب حمله على ترجيح جانب الفعل على الترك على ما قررناه. # وأما الواقفية فإن أرادوا بالوقف أنا لا نحكم بإيجاب ولا ندب إلا أن يقوم ~~الدليل على ذلك فهو الحق وهو عين ما قررناه، وإن أرادوا به أن الثابت أحد ~~هذه الأمور لكنا لا نعرفه بعينه فخطأ. # فإن ذلك يستدعي دليلا وقد بينا أنه لا دلالة للفعل على شيء سوى ترجيح ~~الفعل على الترك عندما إذا ظهر من النبي عليه السلام قصد التقرب بفعله أو ~~نفي الحرج مطلقا عندما إذا لم يظهر منه قصد القربة، والأصل عدم دليل سوى ~~الفعل، والله أعلم. PageV01P185 ### | [المسألة الثانية النبي عليه السلام متأسى به في فعله ومتبع] # المسألة الثانية # إذا فعل النبي عليه السلام فعلا ولم يكن بيانا لخطاب سابق، ولا قام ~~الدليل على أنه من خواصه، وعلمت لنا صفته من الوجوب أو الندب أو الإباحة ~~إما بنصه عليه السلام على ذلك وتعريفه لنا أو بغير ذلك من الأدلة، فمعظم ~~الأئمة من الفقهاء والمتكلمين متفقون على أننا متعبدون بالتأسي به في فعله ~~واجبا كان أو مندوبا أو مباحا. # ومنهم من منع من ذلك مطلقا، ومنهم من فصل كأبي علي بن خلاد، وقال بالتأسي ~~في العبادات دون غيرها. # والمختار إنما هو المذهب الجمهوري ودليله النص والإجماع. # أما النص فقوله تعالى: ms143 {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} ، ولولا أنه متأسى به ~~في فعله ومتبع، لما كان للآية معنى، وهذا من أقوى ما يستدل به هاهنا. # وأيضا قوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} ووجه الاستدلال به ~~أنه جعل المتابعة له لازمة من محبة الله الواجبة، فلو لم تكن المتابعة له ~~لازمة لزم من عدمها عدم المحبة الواجبة وذلك حرام بالإجماع (1) . # وأيضا قوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو ~~الله واليوم الآخر} ، ووجه الاحتجاج به أنه جعل التأسي بالنبي عليه السلام ~~من لوازم رجاء الله تعالى واليوم الآخر. # ويلزم من عدم التأسي عدم الملزوم، وهو الرجاء لله واليوم الآخر، وذلك ~~كفر. # والمتابعة والتأسي في الفعل على ما بيناه في المقدمة: هو أن يفعل مثل ما ~~فعل على الوجه الذي فعل من أجل أنه فعل. PageV01P186 # وأما الإجماع فهو أن الصحابة كانوا مجمعين على الرجوع إلى أفعاله كرجوعهم ~~إلى تزويجه لميمونة، وهو حرام وفي تقبيله عليه السلام للحجر الأسود وجواز ~~تقبيله وهو صائم إلى غير ذلك من الوقائع الكثيرة التي لا تحصى. # فإن قيل: أما الآية الأولى وإن دلت على التأسي به والمتابعة في التزويج ~~من أزواج الأدعياء إذا قضوا منهن وطرا، فليس فيها ما يدل على التأسي ~~والمتابعة في كل فعل. # وأما الأخيرتان فلا نسلم عموم دلالتها على المتابعة والتأسي في كل شيء إذ ~~لا عموم لهما في ذلك. # ولهذا فإنه يحسن أن يقال: (لك في فلان أسوة في كل شيء) ، ويقال: (لك في ~~فلان أسوة حسنة في هذا الشيء دون غيره) ، ولو كان لفظ (الأسوة) عاما في كل ~~شيء لكان قوله: (في كل شيء) تكرارا، وقوله: (في هذا الشيء دون غيره) مناقضة ~~بل غايتها الدلالة على المتابعة والتأسي في بعض الأشياء. # ونحن قائلون بذلك في اتباع أقواله والتأسي بما دل الدليل القولي على ~~التأسي به في أفعاله، كقوله: " «صلوا كما رأيتموني أصلي» ms144 "، و " «خذوا عني ~~مناسككم» " ونحوه. # وأما ما ذكرتموه من الإجماع، فلا نسلم أن مستندهم فيما كانوا يفعلونه ~~بالتأسي بالنبي في فعله وإنما كان مستندهم في ذلك غيره، أما فيما كان مباحا ~~فالبقاء على الأصل، أما فيما كان واجبا أو مندوبا فالأقوال الدالة على ذلك. # والجواب عن الاعتراض على الآية الأولى: أن الآية ليس فيها دلالة على خصوص ~~متابعة المؤمنين للنبي عليه السلام في ذلك، ولولا أن التأسي بالنبي عليه ~~السلام في جميع أفعاله لازم لما فهم المؤمنون من إباحة ذلك للنبي عليه ~~السلام إباحة ذلك لهم، ولا يمكن أن يقال بأن فهم الإباحة إنما كان مستندا ~~إلى الإباحة الأصلية وإلا لما كان لتعليل تزويج النبي عليه السلام بنفي ~~الحرج عن المؤمنين معنى لكونه مدفوعا بغيره. # وعن الاعتراض الثاني على الآيتين الأخريين، أن مقصودهما إنما هو بيان كون ~~النبي عليه السلام أسوة لنا ومتبعا، إظهارا لشرفه وإبانة لخطره، وذلك إنما ~~يكون في شيء واحد أو في جميع الأشياء. # فإن كان في شيء واحد فإما أن # PageV01P187 # يكون معينا أو مبهما، والقول بالتعيين ممتنع لعدم دلالة اللفظ عليه، ~~والقول بالإبهام ممتنع لأنه على خلاف الغالب من الشرع ولكونه أبعد عن إظهار ~~شرف النبي عليه السلام، فلم يبق إلا أن يكون في جميع الأشياء. # وإذا قال: (لك أسوة في فلان في جميع الأشياء) ، فهو مفيد للتأكيد وليس ~~تكرارا خليا عن الفائدة، وإذا قال: (لك أسوة في فلان في هذا الشيء دون ~~غيره) ، فلا يكون مناقضة لأن العموم إنما هو مستفاد من التأسي والمتابعة ~~المطلقة وهذا ليس بمطلق، بل الكل جملة واحدة مفيدة لشيء معين. # وأما ما ذكروه على الإجماع، فهو خلاف المشهور المأثور عنهم عند اتفاقهم ~~بعد اختلافهم في التمسك بأفعال النبي عليه السلام، والرجوع إليها وسؤال ~~زوجاته، والبحث عن أفعاله في ذلك وسكون أنفسهم إليها والاعتماد عليها ~~واحتجاج بعضهم على بعض بها. # ولو كان ثم دليل يدل على المتابعة والتأسي غير النظر إلى أفعاله لبادروا ~~إليه من غير توقف على البحث عن فعله ms145 عليه السلام، وعلى ما ذكرناه في فعله ~~يكون الحكم في تركه. ### | [المسألة الثالثة إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لفعل غيره] # المسألة الثالثة # إذا فعل واحد بين يدي النبي عليه السلام فعلا أو في عصره، وهو عالم به ~~قادر على إنكاره، فسكت عنه وقرره عليه من غير نكير عليه، فلا يخلو: إما أن ~~يكون النبي عليه السلام قد عرف قبح ذلك الفعل وتحريمه من قبل، أو لم يكن ~~كذلك. # فإن كان الأول، فإما أن يكون قد علم إصرار ذلك الفاعل على فعله، وعلم من ~~النبي عليه السلام الإصرار على قبح ذلك الفعل وتحريمه كاختلاف أهل الذمة ~~إلى كنائسهم أو لم يكن كذلك. # فإن كان الأول، فالسكوت عنه لا يدل على جوازه وإباحته إجماعا ولا يوهم ~~كونه منسوخا. # وإن كان الثاني، فالسكوت عنه وتقريره له إنكار يدل على نسخه # PageV01P188 # عن ذلك الشخص. # وإلا لما ساغ السكوت حتى لا يتوهم أنه منسوخ عنه فيقع في المحذور، وفيه ~~تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو غير جائز بالإجماع إلا على رأي من يجوز ~~التكليف بما لا يطاق. # وأما إن لم يكن النبي عليه السلام قد سبق منه النهي عن ذلك الفعل ولا عرف ~~تحريمه، فسكوته عن فاعله وتقريره له عليه ولا سيما إن وجد منه استبشار ~~وثناء على الفاعل، فإنه يدل على جوازه ورفع الحرج عنه وذلك لأنه لو لم يكن ~~فعله جائزا لكان تقريره له عليه مع القدرة على إنكاره، وكان استبشاره ~~وثناؤه عليه حراما على النبي عليه السلام. # وهو وإن كان من الصغائر الجائزة على النبي عليه السلام عند قوم إلا أنه ~~في غاية البعد لا سيما فيما يتعلق ببيان الأحكام الشرعية، وإذا كان كذلك ~~فالإنكار هو الغالب، فحيث لم يوجد ذلك منه دل على الجواز غالبا. # فإن قيل: يحتمل أنه لم ينكر عليه: إما لعلمه بأنه لم يبلغه التحريم فلم ~~يكن الفعل عليه حراما إذ ذاك أو؛ لأنه علم بلوغ التحريم إليه، ولم يرجع فيه ~~وأصر على ما هو عليه أو ms146 لأنه منعه مانع من الإنكار. # قلنا: عدم بلوغ التحريم إليه غير مانع من الإنكار، والإعلام بأن ذلك ~~الفعل حرام بل الإعلام بالتحريم واجب، حتى لا يعود إليه ثانيا وإلا كان ~~السكوت مما يوهم: إما عدم دخوله في عموم التحريم أو النسخ، وأما إذا علم ~~ذلك الشخص التحريم وأصر على فعله مع كونه مسلما متبعا للنبي عليه السلام، ~~فلا بد من تجديد الإنكار حتى لا يتوهم نسخه. # ولا يلزم على هذا تجديد الإنكار على اختلاف أهل الذمة إلى كنائسهم إذ هم ~~غير متبعين له، ولا يعتقدون تحريم ذلك حتى يقال: يتوهم نسخ ذلك بسكوت النبي ~~عليه السلام عن الإنكار عليهم. # وما ذكروه من احتمال المانع، وإن كان قائما عقلا غير أن الأصل عدمه، وهو ~~في غاية البعد ولا سيما بعد ظهور شوكته واستيلائه وقهره لمن سواه. # PageV01P189 ### | [المسألة الرابعة عدم التعارض بين أفعال رسول الله] # المسألة الرابعة # لا يتصور التعارض بين أفعال رسول الله، بحيث يكون البعض منها ناسخا للآخر ~~أو مخصصا له، وذلك لأنهما إما من قبيل المتماثلين وكفعل صلاة الظهر مثلا في ~~وقتين متماثلين أو في وقتين مختلفين، وإما من قبيل المختلفين. # والفعلان المختلفان، إما أن يتصور اجتماعهما كالصوم والصلاة أو لا يتصور ~~اجتماعهما. # وما لا يتصور اجتماعهما، إما أن لا تتناقض أحكامهما كصلاة الظهر والعصر ~~مثلا، أو تتناقض كما لو صام في وقت معين وأكل في مثل ذلك الوقت. # فإن كان من القسم الأول أو الثاني أو الثالث، فلا خفاء بعدم التعارض ~~بينهما لإمكان الجمع، وإن كان من القسم الرابع فلا تعارض أيضا إذ أمكن أن ~~يكون الفعل في وقت واجبا أو مندوبا أو جائزا وفي وقت آخر بخلافه، ولا يكون ~~أحدهما رافعا ولا مبطلا لحكم الآخر إذا لا عموم للفعلين ولا لأحدهما. # نعم إن دل الدليل على أن ما فعله النبي عليه السلام من الصوم كان يجب ~~تكريره عليه في مثل ذلك الوقت أو دل الدليل على لزوم وجوب تأسي أمته به في ~~ذلك الوقت. # فإذا ترك ذلك ms147 الفعل في مثل ذلك الوقت بالتلبس بضده، كالأكل مع الذكر ~~للصوم والقدرة عليه، فإن أكله يدل على نسخ حكم ذلك الدليل الدال على تكرار ~~الصوم في حقه لا نسخ حكم ذلك الصوم المتقدم لعدم اقتضائه للتكرار، ورفع حكم ~~وجد محال، أو أنه رأى بعض الأمة في مثل ذلك الوقت يأكل، فأقره عليه ولم ~~ينكر مع الذكر للصوم والقدرة على الإنكار، فإن ذلك يدل على نسخ حكم ذلك ~~الدليل المقتضي لتعميم الصوم على الأمة في حق ذلك الشخص أو تخصيصه لا نسخ ~~حكم فعل الرسول ولا تخصيصه. # وإن قيل بنسخ فعل الرسول وتخصيصه فلا يكون إلا بمعنى أنه قد زال التعبد ~~بمثله عن الرسول، أو الواحد من الأمة، وذلك من باب التجوز والتوسع لا أنه ~~حقيقة. # PageV01P190 ### | [المسألة الخامسة التعارض بين قول النبي وفعله] # المسألة الخامسة # إذا تعارض فعل النبي وقوله، فإما أن يكون فعله لم يدل الدليل على تكرره ~~في حقه، ولا على تأسي الأمة به فيه أو دل. # فإن كان الأول فقوله إما أن يكون خاصا به أو بنا أو هو عام له ولنا. # فإن كان خاصا به، فإما أن يعلم تقدم أحدهما أو يجهل التاريخ فإن علم تقدم ~~أحدهما وتأخر الآخر، فإما أن يكون المتقدم هو الفعل أو القول. # فإن كان المتقدم هو الفعل مثل أن يفعل فعلا في وقت، ويقول بعده إما على ~~الفور أو التراخي: لا يجوز لي مثل هذا الفعل في مثل هذا الوقت، فلا تعارض ~~بينهما؛ لأن القول لم يرفع حكم ما تقدم من الفعل في الماضي ولا في المستقبل ~~; لأن الفعل غير مقتض للتكرار على ما وقع به الغرض، وقد أمكن الجمع بين حكم ~~القول والفعل. # وإن كان المتقدم هو القول مثل أن يقول: الفعل الفلاني واجب علي في الوقت ~~الفلاني ثم يتلبس بضده في ذلك الوقت، فمن جوز نسخ الحكم قبل التمكن من ~~الامتثال، قال: إن الفعل ناسخ لحكم القول. # ومن لم يجوز ذلك منع كون الفعل رافعا لحكم القول، وقال: لا يتصور ms148 وجود ~~مثل ذلك الفعل مع العمد إن لم نجوز على النبي عليه السلام، وإلا فهو معصية. # وأما إن كان قوله خاصا بنا فلا تعارض أيضا لعدم اجتماعهما في محل واحد من ~~جهة واحدة، وأما إن كان قوله عاما لنا وله فإن كان الفعل متقدما فلا معارضة ~~أيضا بين قوله وفعله. # أما بالنسبة إليه عليه السلام فلما تقدم فيما إذا كان قوله خاصا به. # وأما (1) إلينا فلأن فعله غير متعلق بنا على ما وقع به الغرض، وإن كان ~~القول هو المتقدم، فالحكم في التعارض بين قوله وفعله بالنسبة إليه كما تقدم ~~أيضا فيما إذا كان قوله خاصا به، ولا معارضة بالنسبة إلينا لعدم توارد قوله ~~وفعله علينا على ما وقع به الغرض، هذا كله فيما إذا لم يدل الدليل على تكرر ~~ذلك الفعل في حقه ولا تأسي الأمة به. # وأما إن دل الدليل على تكرره في حقه وعلى تأسي الأمة به، أو على تكرره في ~~حقه دون تأسي الأمة به، أو على تأسي الأمة به دون تكرره في حقه، فالحكم ~~مختلف في هذه الصور. PageV01P191 # فإن دل الدليل على تكرره في حقه، وعلى تأسي الأمة به فلا يخلو قوله إما ~~أن يكون خاصا به أو بنا، أو هو عام له ولنا، فإن كان قوله خاصا به فإما أن ~~يعلم تقدم الفعل أو القول أو يجهل التاريخ، فإن علم تقدم الفعل فالقول ~~المتأخر يكون ناسخا لحكم الفعل في حقه في المستقبل دون أمته لعدم تناول ~~القول لهم. # وإن كان القول هو المتقدم، ففعله يكون ناسخا لحكم القول في حقه أن كان ~~بعد التمكن من الامتثال أو قبله، على رأي من يجوزه وموجبا للفعل على أمته. # وأما إن جهل التاريخ فلا معارضة بين فعله وقوله بالنسبة إلى الأمة لعدم ~~تناول قوله لهم. # وأما بالنسبة إليه فقد اختلف فيه، فمنهم من قال بوجوب العمل، ومنهم من ~~قال بالعكس، ومنهم من أوجب المعارضة والوقف إلى حين قيام دليل التاريخ، ~~والمختار إنما هو العمل لوجوه أربعة: # الأول: ms149 أن القول يدل بنفسه من غير واسطة، والفعل إنما يدل على الجواز ~~بواسطة أن النبي عليه السلام لا يفعل المحرم، وذلك مما يتوقف على الدلائل ~~الغامضة البعيدة. # الثاني: أن القول مما يمكن التعبير به عما ليس بمحسوس كالمعقولات الصرفة، ~~وعن المحسوس، والفعل لا ينبئ عن غير محسوس، فكانت دلالة القول أقوى وأتم. # الثالث: أن القول قابل للتأكيد بقول آخر ولا كذلك الفعل، فكان القول لذلك ~~أولى. # الرابع: أن العمل هاهنا مما يفضي إلى نسخ مقتضى الفعل في حق النبي عليه ~~السلام دون الأمة، والعمل بالفعل يفضي إلى إبطال مقتضى القول بالكلية، فكان ~~الجمع بينهما ولو من وجه أولى. # فإن قيل: بل الفعل آكد ; في الدلالة فإنه يبين به القول، والمبين للشيء ~~آكد في الدلالة من ذلك الشيء. # وبيانه أن جبريل عليه السلام بين للنبي عليه السلام كيفية الصلاة المأمور ~~بها وبين مواقيتها حيث صلى به في اليومين، وقال: " «يا محمد الوقت ما بين ~~هذين» " والنبي عليه السلام بين الصلاة للأمة بفعله، حيث قال: " «صلوا كما ~~رأيتموني أصلي» " وبين المراد من قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} ~~بفعله حيث قال: " «خذوا عني مناسككم» "، وقال للذي سأله عن مواقيت الصلاة: ~~" «صل معنا» "، وبين الشهر بأصابعه حيث قال: " «إنما الشهر هكذا وهكذا» ". # PageV01P192 # وأيضا فإن كل من رام تعليم غيره إذا أراد المبالغة في إيصال معنى ما ~~يقوله إلى فهمه استعان في ذلك بالإشارة بيده والتخطيط وتشكيل الأشكال، ~~ولولا أن الفعل أدل لما كان كذلك. # قلنا: غاية ما ذكرتموه وجود البيان بالفعل، وكما وجد البيان بالفعل فقد ~~وجد أغلب من البيان بالفعل. # فإن أكثر الأحكام مستندها إنما هو الأقوال دون الأفعال، وغايته أنهما ~~يتساويان في ذلك ويبقى ما ذكرناه من الترجيحات الأولى بحالها، هذا كله إذا ~~كان قوله خاصا به، وأما إن كان قوله خاصا بنا دونه: فإما أن يعلم تقدم ~~الفعل، أو القول أو يجهل التاريخ. # فإن علم تقدم الفعل ; فالقول المتأخر يكون ناسخا للحكم في حقنا دونه، وإن ~~كان القول هو ms150 المتقدم فالحكم في كون الفعل ناسخا لحكم القول في حقنا دون ~~النبي فكما ذكرناه فيما إذا كان القول خاصا به. # وأما إن جهل التاريخ فالخلاف كالخلاف فيما إذا كان القول خاصا به، ~~والمختار إنما هو العمل لما علم. # وأما إن كان القول عاما له ولنا فأيهما تأخر كان ناسخا لحكم المتقدم في ~~حقه وحقنا على ما ذكرناه من التفصيل في التعقيب والتراخي. # وإن جهل التاريخ فالخلاف كالخلاف، والمختار كالمختار. # وهذا كله فيما إذا دل الدليل على تكرر الفعل في حقه وعلى تأسي الأمة به. # وأما إن دل الدليل على تكرره في حقه دون تأسي الأمة به، فالقول إن كان ~~خاصا بالأمة، فلا تعارض لعدم المزاحمة بينهما. # وإن كان خاصا بالنبي أو هو عام له وللأمة، فالتعارض بين القول والفعل ~~إنما يتحقق بالنسبة إليه دون أمته ; لعدم قيام الدليل على تأسي الأمة به في ~~فعله ولا يخفى الحكم سواء تقدم الفعل أو تأخر أو جهل التاريخ. # PageV01P193 # وأما إن دل الدليل على تأسي الأمة به في فعله دون تكرره في حقه، فالقول ~~إن كان خاصا به، فإن كان متأخرا عن الفعل فلا معارضة لا في حقه ولا في حق ~~أمته، وإن كان متقدما فالفعل المتأخر عنه يكون ناسخا لحكم القول في حقه على ~~ما ذكرناه من التفصيل دون أمته. # وإن جهل التاريخ فالخلاف على ما تقدم. # وإن كان القول خاصا بأمته فلا معارضة بين القول والفعل بالنسبة إلى النبي ~~عليه السلام، لعدم المزاحمة. # وأما إن تحققت المعارضة بين القول والفعل بالنسبة إلى الأمة فأيهما كان ~~متأخرا فهو محمود، وإن جهل التاريخ فالخلاف على ما سبق وكذلك المختار. # وإن كان القول عاما له ولأمته، فإن تقدم الفعل، فالقول المتأخر لا معارضة ~~بينه وبين الفعل في حق النبي عليه السلام، وإنما هو ناسخ لحكم الفعل في حق ~~الأمة. # وإن تقدم القول فالفعل ناسخ لحكم القول في حق النبي والأمة، وإن جهل ~~التاريخ، فالخلاف كالخلاف والمختار كالمختار، والله أعلم. # PageV01P194 ### | [الأصل الثالث في الإجماع] ### | [مقدمة في ms151 تعريف الإجماع] # الأصل الثالث # في الإجماع (1) # ويشتمل على مقدمة ومسائل. # أما المقدمة ففي تعريف الإجماع، وهو في اللغة باعتبارين: # أحدهما: العزم على الشيء والتصميم عليه ومنه يقال: أجمع فلان على كذا إذا ~~عزم عليه وإليه الإشارة بقوله تعالى: {فأجمعوا أمركم} أي اعزموا، وبقوله ~~عليه السلام: " «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل» " أي يعزم، وعلى هذا ~~فيصح إطلاق اسم الإجماع على عزم الواحد. # الثاني: الاتفاق، ومنه يقال: أجمع القوم على كذا إذا اتفقوا عليه. # وعلى هذا فاتفاق كل طائفة على أمر من الأمور دينيا كان أو دنيويا يسمى ~~إجماعا حتى اتفاق اليهود والنصارى. # وأما في اصطلاح الأصوليين فقد قال النظام: هو كل قول قامت حجته حتى قول ~~الواحد. # وقصد بذلك الجمع بين إنكاره كون إجماع أهل الحل والعقد حجة، وبين موافقته ~~لما اشتهر بين العلماء من تحريم مخالفة الإجماع، والنزاع معه في إطلاق اسم ~~الإجماع على ذلك مع كونه مخالفا للوضع اللغوي والعرف الأصولي آيل إلى ~~اللفظ. # وقال الغزالي: الإجماع عبارة عن اتفاق أمة محمد خاصة على أمر من الأمور ~~الدينية، وهو مدخول من ثلاثة أوجه: # الأول: أن ما ذكره يشعر بعدم انعقاد الإجماع إلى يوم القيامة، فإن أمة ~~محمد جملة من اتبعه إلى يوم القيامة، ومن وجد في بعض الأعصار منهم إنما يعم ~~بعض الأمة لا كلها، وليس ذلك مذهبا له ولا لمن اعترف بوجود الإجماع. # الثاني: أنه وإن صدق على الموجودين منهم في بعض الأعصار أنهم أمة محمد ~~غير أنه يلزم مما ذكره أنه لو خلا عصر من الأعصار عن أهل الحل والعقد، وكان ~~كل من فيه عاميا واتفقوا على أمر ديني أن يكون إجماعا شرعيا، وليس كذلك. ~~PageV01P195 # الثالث: أنه يلزم من تقييده للإجماع بالاتفاق على أمر من الأمور الدينية ~~أن لا يكون إجماع الأمة على قضية عقلية أو عرفية حجة شرعية، وليس كذلك لما ~~يأتي بيانه. # والحق في ذلك أن يقال: الإجماع عبارة عن اتفاق جملة أهل الحل والعقد من ~~أمة محمد في عصر من الأعصار ms152 على حكم واقعة من الوقائع. # هذا إن قلنا إن العامي لا يعتبر في الإجماع، وإلا فالواجب أن يقال: ~~الإجماع عبارة عن اتفاق المكلفين من أمة محمد إلى آخر الحد المذكور. # فقولنا: (اتفاق) يعم الأقوال والأفعال والسكوت والتقرير. # وقولنا: (جملة أهل الحل والعقد) احتراز عن اتفاق بعضهم وعن اتفاق العامة. # وقولنا: (من أمة محمد) احتراز عن اتفاق أهل العقد من أرباب الشرائع ~~السالفة. # وقولنا: (في عصر من الأعصار) حتى يندرج فيه إجماع أهل كل عصر، وإلا أوهم ~~ذلك أن الإجماع لا يتم إلا باتفاق أهل الحل والعقد في جميع الأعصار إلى يوم ~~القيامة. # وقولنا: (على حكم واقعة) ليعم الإثبات والنفي والأحكام العقلية والشرعية، ~~وإذا عرف معنى الإجماع فلنرجع إلى المسائل المتعلقة به. ### | [المسألة الأولى اتفاق أهل الحل والعقد على حكم واحد هل يمكن تصوره] # المسألة الأولى # اختلفوا في تصور اتفاق (1) أهل الحل والعقد على حكم واحد غير معلوم ~~بالضرورة فأثبته الأكثرون ونفاه الأقلون مصيرا منهم إلى أن اتفاقهم على ذلك ~~الحكم إما أن يكون عن دليل قاطع لا يحتمل التأويل، أو عن دليل ظني. # لا جائز أن يقال بالأول وإلا لكانت العادة محيلة لعدم نقله وتواطئ الجمع ~~الكثير على إخفائه، فحيث لم ينقل دل على عدمه. # كيف وأنه لو نقل لكان كافيا في الدلالة عن إجماعهم ولا جائز أن يقال ~~بالثاني ; لأنهم مع كثرتهم واختلاف أذهانهم ودواعيهم في الاعتراف بالحق ~~والعناد، فالعادة أيضا تحيل اتفاقهم على الحكم الواحد كما أنها تحيل ~~اتفاقهم على أكل PageV01P196 # طعام واحد معين في يوم واحد، وهو باطل فإنه إن كان إجماعهم عن دليل قاطع ~~فإنما يمتنع عدم نقله أن لو دعت الحاجة إليه، وإنما تدعو الحاجة إليه أن لو ~~لم يكن الإجماع على ذلك الحكم كافيا عنه، وهو محل النزاع. # وإن كان ذلك عن دليل ظني فلا يمتنع معه اتفاق الجمع الكبير على حكمه ~~بدليل اتفاق أهل الشبه على أحكامها مع الأدلة القاطعة على مناقضتها، كاتفاق ~~اليهود والنصارى على إنكار بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، ms153 واتفاق الفلاسفة ~~على قدم العالم والمجوس على التثنية مع كثرة عددهم كثرة لا تحصى، فالاتفاق ~~على الدليل الظني الخالي عن معارضة القاطع له أولى أن لا يمتنع عادة (1) ~~وخرج عليه امتناع اتفاق الجمع الكثير على أكل طعام معين في وقت واحد في ~~العادة لعدم الصارف إليه، كيف وأن جميع ما ذكروه منتقض بما وجد من اتفاق ~~جميع المسلمين فضلا عن اتفاق أهل الحل والعقد مع خروج عددهم عن الحصر على ~~وجوب الصلوات الخمس، وصوم رمضان، ووجوب الزكاة والحج، وغير ذلك من الأحكام ~~التى لم يكن طريق العلم بها الضرورة (2) والوقوع دليل التصور وزيادة. ~~PageV01P197 ### | [المسألة الثانية هل يمكن معرفة انعقاد الإجماع والاطلاع عليه] # المسألة الثانية # المتفقون على تصور انعقاد الإجماع اختلفوا في إمكان معرفته والاطلاع عليه ~~فأثبته الأكثرون أيضا ونفاه الأقلون، ومنهم أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين ~~عنه. # ولهذا نقل عنه أنه قال: من ادعى وجود الإجماع فهو كاذب (1) اعتمادا منهم ~~على أن معرفة اتفاقهم على اعتقاد الحكم الواحد متوقف على سماع الإخبار بذلك ~~من كل واحد من أهل الحل والعقد أو مشاهدة فعل أو ترك منه يدل عليه، وذلك ~~كله يتوقف على معرفة كل واحد منهم وذلك مع كثرتهم وتفرقهم في البلاد ~~النائية والأماكن البعيدة متعذر عادة. # وبتقدير المعرفة بكل واحد منهم فمعرفة معتقده إنما تكون بالوصول إليه ~~والاجتماع به وهو أيضا متعذر (2) . # وبتقدير الاجتماع به وسماع قوله ورؤية فعله أو تركه قد لا يفيد ذلك ~~اليقين بأنه معتقده لجواز أن يكون إخباره وما يشاهد من فعله أو تركه على ~~خلاف معتقده لغرض من الأغراض (3) . # وبتقدير حصول العلم بمعتقده، فلعله يرجع عنه قبل الوصول إلى الباقين ~~وحصول العلم بمعتقدهم (4) ، ومع الاختلاف فلا إجماع. # وطريق الرد عليهم أن يقال: جميع ما ذكرتموه باطل بالواقع، ودليل الوقوع ~~ما علمناه علما لا مراء فيه من أن مذهب جميع الشافعية امتناع قتل المسلم ~~بالذمي، وبطلان النكاح بلا ولي، وأن مذهب جميع الحنفية نقيض ذلك مع وجود ~~جميع ما ذكروه من التشكيكات والوقوع في ms154 هذه الصور دليل الجواز العادي ~~وزيادة. PageV01P198 # فإن قيل إنما علمنا أن مذهب أصحاب الشافعي، وأبي حنيفة ذلك؛ لأنا علمنا ~~قول الشافعي، وقول أبي حنيفة في ذلك وهو قول واحد يمكن الاطلاع عليه. # فعلمنا أن مذهب كل من يتبعه وهو مقلد له ذلك، ولا كذلك في الإجماع لأنه ~~لم يظهر لنا نص عن الله والرسول يكون مستند إجماعهم، ولو عرف ذلك لكان هو ~~الحجة (1) . # قلنا: هذا وإن استمر لكم هاهنا فلا يستمر (2) فيما نقله قطعا من اعتقاد ~~النصارى واليهود من إنكار بعثة النبي عليه السلام. # فإن ذلك لم يظهر لنا فيه أنه قول موسى ولا عيسى، ولا قول واحد معين حتى ~~يكون اعتقادهم ذلك لاتباعهم له. (3) # فما هو الجواب هاهنا فهو الجواب في محل النزاع (4) . PageV01P199 ### | [المسألة الثالثة الإجماع حجة شرعية لها قوة النصوص] # المسألة الثالثة # اتفق أكثر المسلمين على أن الإجماع حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم، ~~خلافا للشيعة والخوارج والنظام من المعتزلة. # وقد احتج أهل الحق في ذلك بالكتاب والسنة والمعقول، أما الكتاب فخمس ~~آيات: الآية الأولى، وهي أقواها وبها تمسك الشافعي رضي الله عنه وهي قوله ~~تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ~~نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} ، ووجه الاحتجاج بالآية أنه تعالى ~~توعد على متابعة غير سبيل المؤمنين، ولو لم يكن ذلك محرما لما توعد عليه ~~ولما حسن الجمع بينه وبين المحرم من مشاقة الرسول عليه السلام في التوعد ~~كما لا يحسن التوعد على الجمع بين الكفر وأكل الخبز المباح. # فإن قيل لا نسلم أن " من " للعموم على ما سيأتي في مسائل العموم حتى ~~يتناول كل من اتبع غير سبيل المؤمنين. # سلمنا أنها للعموم، غير أن التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين إنما وقع ~~مشروطا بمشاقة الرسول، والمشروط على العدم عند عدم الشرط. # سلمنا لحوق الذم باتباع غير سبيل المؤمنين على انفراده لكنه متردد بين أن ~~يراد به عدم متابعة سبيل المؤمنين وتكون (غير) بمعنى إلا، وبين ms155 أن يراد به ~~متابعة سبيل غير المؤمنين وتكون (غير) هاهنا صفة لسبيل غير المؤمنين. # وليس أحد الأمرين أولى من الآخر وبتقدير أن تكون (غير) صفة لسبيل غير ~~المؤمنين، فسبيل غير المؤمنين هو الكفر. # ونحن نسلم أن من شاقق الرسول وكفر فإنه يكون متوعدا بالعقاب، وذلك لا يدل ~~على وجوب اتباع سبيل المؤمنين. # سلمنا أن سبيل غير المؤمنين ليس هو الكفر، ولكن ذلك لا يدل على التوعد ~~على عدم اتباع سبيل المؤمنين، بل غاية ما يلزم من تخصيص اتباع غير سبيل ~~المؤمنين بالتوعد عدم التوعد على اتباع سبيل المؤمنين بمفهومه. # ولا نسلم أن # PageV01P200 # المفهوم حجة، وإن سلمنا أنه حجة، لكن في عدم التوعد على متابعة سبيل ~~المؤمنين، ونحن نقول به، ولا يلزم من ذلك وجوب اتباعهم. # سلمنا أن المراد به عدم اتباع سبيل المؤمنين، لكنه يتناول سبيل جميع ~~المؤمنين كل من آمن بالله ورسوله إلى يوم القيامة. # وذلك لا يدل على أن ما وجد من الإجماع في بعض الأعصار حجة، سلمنا أن ~~المراد منه سبيل المؤمنين في كل عصر، لكنه عام في كل مؤمن عالم وجاهل، ~~والجهال غير داخلين في الإجماع المتبع، وما دون ذلك فالآية غير دالة عليه. # سلمنا أن المراد بالمؤمنين أهل الحل والعقد في أي عصر اتفق، لكن لفظ ~~(السبيل) مفرد لا عموم فيه فلا يقتضي اتباع كل سبيل سلمنا عمومه، لكنه مما ~~يمتنع حمله على متابعة كل سبيل وإلا لوجب متابعة أهل الإجماع فيما فعلوه من ~~المباحات ; لأنهم فعلوه ولا يجب لحكمهم عليه بالإباحة. # ولوجب اتباعهم في إجماعهم قبل الاتفاق على حكم من الأحكام على جواز ~~الاجتهاد فيه لكل أحد واتباعهم في امتناع الاجتهاد فيه بعد اتفاقهم عليه، ~~وذلك تناقض محض (1) . # وعند ذلك فيحتمل أنه أراد به متابعة سبيلهم في متابعتهم للنبي عليه ~~السلام وترك مشاقته. # ويحتمل أنه أراد به اتباع سبيلهم في الإيمان واعتقاد دين الإسلام، ويحتمل ~~أنه أراد اتباع سبيلهم في الاجتهاد دون التقليد، ونحن نقول بذلك كله، كيف ~~ويجب الحمل على ذلك ; لما فيه ms156 من العمل باللفظ في زمن النبي وفيما بعده، ~~ولو كان محمولا على متابعتهم فيما اتفقوا عليه من الأحكام الشرعية لكان ذلك ~~خاصا بما بعد وفاة النبي عليه السلام لاستحالة الاحتجاج بالإجماع في زمانه ~~PageV01P201 # سلمنا أن المراد به متابعتهم فيما أجمعوا عليه من الأحكام الشرعية لكنه ~~مشروط بسابقة تبين الهدى بدليل قوله تعالى: {من بعد ما تبين له الهدى} ~~والهدى مذكور بالألف واللام المستغرقة، فيدخل فيه كل هدى حتى إجماعهم على ~~الحكم الشرعي وإنما يتبين الهدى بدليله وإذا كان الإجماع من جملة الهدى فلا ~~بد من تقدم بيانه بدليله، ودليل كون الإجماع هدى لا يكون هو نفس الإجماع بل ~~هو غيره، وعند ذلك فظهور ذلك الدليل كاف في اتباعه عن اتباع الإجماع. # سلمنا وجوب اتباع سبيل المؤمنين مطلقا لكن المراد بالمؤمنين الأئمة ~~المعصومون ; لأن سبيلهم لا يكون إلا حقا، أو المؤمنين إذا كان فيهم الإمام ~~المعصوم لأن سبيلهم سبيله، وسبيل المعصوم لا يكون إلا حقا، فكان واجب ~~الاتباع، والثاني ممنوع. # سلمنا وجوب اتباع سبيل المؤمنين، وإن لم يكن فيهم الإمام المعصوم ولكن ~~إذا علم كونهم مؤمنين، والإيمان هو التصديق وهو باطن لا سبيل إلى معرفته، ~~وإذا لم يعلم كونهم مؤمنين فالاتباع لا يكون واجبا لفوات شرطه. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على كون الإجماع حجة ولكنه معارض بالكتاب والسنة ~~والمعقول. # أما الكتاب فقوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} وذلك يدل ~~على عدم الحاجة إلى الإجماع. # وقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} اقتصر على ~~الكتاب والسنة، وذلك يدل على عدم الحاجة إلى الإجماع. # وقوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم} ، وقوله: {وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون} نهى كل الأمة عن هاتين المعصيتين وذلك يدل على تصورهما منهم، ومن ~~تتصور منه المعصية لا يكون قوله ولا فعله موجبا للقطع. # وأما السنة فهو أن النبي عليه السلام أقر معاذا لما سأله عن الأدلة ~~المعمول بها على إهماله لذكر الإجماع، ولو كان الإجماع دليلا لما ساغ ذلك ~~مع الحاجة إليه. ms157 # وأيضا فإنه قد ورد عن النبي عليه السلام ما يدل على جواز خلو العصر عمن ~~تقوم الحجة بقوله عليه السلام: " «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ» ". # PageV01P202 # وأيضا قوله: " «لا ترجعوا بعدي كفارا» " نهى الكل عن الكفر، وهو دليل ~~جواز وقوعه منهم. # وقوله: " «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ولكن بقبض العلماء حتى إذا لم ~~يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» "، ~~وقوله: " «تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها أول ما ينسى» "، وقوله عليه ~~السلام: " «لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة» "، وقوله: " «خير ~~القرون القرن الذي أنا فيه ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم تبقى حثالة ~~كحثالة التمر لا يعبأ الله بهم» ". # وأما المعقول فما ذكرناه في المسألتين الأوليين. # وأيضا فإن أمة محمد أمة من الأمم فلا يكون إجماعهم حجة كغيرهم من الأمم، ~~وأيضا فإن الأحكام الشرعية لا يصح إثباتها إلا بدليل، فلا يكون إجماع الأمة ~~دليلا عليها، كالتوحيد وسائر المسائل العقلية. # والجواب: قولهم لا نسلم أن (من) للعموم سيأتي بيان ذلك في مسائل العموم. # قولهم: إن التوعد إنما وقع على الجمع بين المشاقة واتباع غير سبيل ~~المؤمنين، فقد أجاب عنه بعض أصحابنا بأن التوعد على اتباع غير سبيل ~~المؤمنين إن لم يكن مشروطا بمشاقة الرسول، فهو المطلوب وإن كان مشروطا به، ~~فيكون اتباع غير سبيل المؤمنين غير متوعد عليه عند عدم المشاقة مطلقا، وذلك ~~باطل؛ لأن مخالفة الإجماع وإن لم تكن خطأ لكن لا يلزم أن تكون صوابا مطلقا، ~~وما لا يكون صوابا مطلقا لا يكون جائزا مطلقا وليس بحق ; لأنه إذا سلم أن ~~مخالفة الإجماع عند عدم المشاقة ليست خطأ. # فقوله: لا يلزم أن تكون صوابا مطلقا، قلنا: إن لم تكن صوابا فإما أن يكون ~~عدم الصواب خطأ أو لا يكون خطأ، فإن كان الأول فقد ناقض، وإن كان الثاني ~~فما لا يكون خطأ لا يلزم التوعد عليه. # وقال أبو الحسين البصري: هذا يقتضي أن من شاق الرسول يجب عليه اتباع سبيل ms158 ~~المؤمنين مع مشاقته للرسول، ومشاقة الرسول ليست معصية فقط وإنما هي # PageV01P203 # معصية على سبيل الرد عليه ; لأن من صدق النبي عليه السلام وفعل بعض ~~المعاصي لا يقال إنه مشاق للرسول. # ومن كذب النبي عليه السلام لا يصح أن يعلم صحة الإجماع بالسمع، ومن لا ~~يصح عليه ذلك لا يصح أن يكون مأمورا باتباعه في تلك الحال، وهو غير سديد. # فإن لقائل أن يقول، وإن سلمنا أن المفهوم من المشاقة للنبي تكذيبه، وأن ~~من كذب النبي لا يعلم بالسمع صحة الإجماع، ولكن القول بأنه لا يكون مأمورا ~~باتباع الإجماع مبني على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الإسلام، وهو باطل ~~بما سبق تقريره. # وقيل في جوابه أيضا إن الوعيد إذا علق على أمرين اقتضى ذلك التوعد بكل ~~واحد من الأمرين جملة وإفرادا، ويدل عليه قوله تعالى {والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن ~~يفعل ذلك يلق أثاما} فإنه يقتضي لحوق المأثم بكل واحد من هذه الأمور جملة، ~~وبكل واحد على انفراده. # ولقائل أن يقول: لا نسلم ثبوت الإثم في كل واحد من هذه الأمور على ~~انفراده بهذه الآية، وإنما كان ذلك مستفادا من الأدلة الخاصة الدالة على ~~لزوم المأثم بكل واحد من هذه الأمور بخصوصه. # ولهذا فإنه لما لم يدل الدليل الخاص على مضاعفة العذاب بكل واحد من هذه ~~الأمور لم تكن الآية مقتضية لتضاعف العذاب على كل واحد بتقدير الانفراد ~~إجماعا، ولو كانت مقتضية لذلك لكن نفي المتضاعف بقوله: {يضاعف له العذاب ~~يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} على خلاف الدليل. # ولهذا فإنه لو قال لزوجته: " إن كلمت زيدا وعمر أو إن كلمت زيدا، ودخلت ~~الدار فأنت طالق " فإنه لا يقع الطلاق بوجود أحد الأمرين ولولا أن الحكم ~~المعلق على أمرين على العدم عند عدم أحدهما لكان انتفاء الحكم في هذه ~~الصورة على خلاف الدليل وهو ممتنع، والأقرب في ذلك أن يقال: لا خلاف في ~~التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين ms159 # PageV01P204 # عند المشاقة، وعند ذلك إما أن يكون لمفسدة متعلقة (1) أو لا لمفسدة. # لا جائز أن يقال بالثاني: فإن ما لا مفسدة فيه لا توعد عليه من غير خلاف، ~~وإن كان الأول فالمفسدة في اتباع غير سبيل المؤمنين إما أن تكون من جهة ~~مشاقة الرسول أو لا من جهة مشاقته. # فإن كان الأول فذكر المشاقة كاف في التوعد كما قيل، ولا حاجة إلى قوله: " ~~{ويتبع غير سبيل المؤمنين} "، وإن كان الثاني لزم التوعد لتحقق المفسدة ~~سواء وجدت المشاقة أو لم توجد (2) . # قولهم إن (غير) مترددة بين أن تكون بمعنى إلا أو بمعنى الصفة، قلنا: لا ~~يمكن أن تكون (غير) هاهنا صفة ; لأنه يلزم من ذلك تحريم متابعة سبيل غير ~~المؤمنين. # ويلزم من ذلك أن الأمة إذا أجمعت على إباحة فعل من الأفعال أن يحرم على ~~المكلف أن يقول بحظره أو وجوبه، والمخالف لا يقول بذلك، وبتقدير أن يكون ~~المراد منه تحريم اتباع سبيل غير المؤمنين، فذلك يعم تحريم كل سبيل هو غير ~~سبيل المؤمنين ; لأنه سبيل غير المؤمنين. # ولهذا فإن من اختار لنفسه حالة، وتمسك بها وكان معروفا بها يقال إنها ~~سبيله، سواء تعددت الأحوال أو اتحدت. PageV01P205 # وإذا قيل فلان سلك سبيل التجار فهم منه أنه يفعل أفعالهم ويتزيا بزيهم، ~~ويتخلق بأخلاقهم، ويجري على عاداتهم. # وعلى هذا فيمتنع تخصيص السبيل المتوعد على اتباعه إذا كان غير سبيل ~~المؤمنين بشيء معين من كفر أو غيره بل يعم ذلك ما كان مخالفا لطريق الأمة ~~وسبيلهم. # كيف وإنا لو لم نعتقد ذلك لزم منه أن يكون لفظ (السبيل) مبهما وهو خلاف ~~الأصل على ما سبق. # قولهم: إنه إنما يدل على عدم التوعد على متابعة سبيل المؤمنين بمفهومه، ~~قلنا: إذا سلم أنه يحرم اتباع كل سبيل سوى سبيل المؤمنين فلا نريد بكون ~~الإجماع حجة سوى هذا. # قولهم: المراد من {سبيل المؤمنين} ) كل من آمن به إلى يوم القيامة لا يصح ~~لوجهين: # الأول: أن الأصل تنزيل اللفظ على حقيقته، ولفظ (المؤمنين) حقيقة يكون لمن ~~هو متصف ms160 بالإيمان، والاتصاف بالإيمان مشروط بالوجود والحياة، ومن لا حياة ~~له ممن مات أو لم يوجد بعد لا يكون مؤمنا حقيقة، فلفظ (المؤمنين) حقيقة ~~إنما يصدق على أهل كل عصر دون من تقدم أو تأخر. # وهذا وإن منع من الاحتجاج بإجماع أهل العصر على من بعدهم فلا يمنع من ~~الاحتجاج به على من في عصرهم وهو خلاف مذهب الخصوم (1) . # الثاني أن المقصود من الآية إنما هو الزجر عن مخالفة المؤمنين والحث على ~~متابعتهم، وذلك غير متصور عند حمل المؤمنين على كل من آمن إلى يوم القيامة ~~إذ لا زجر، ولا حث في يوم القيامة. # قولهم: الآية وإن دلت على وجوب اتباع سبيل المؤمنين في أي عصر كان غير ~~أنها عامة في العالم، والجاهل غير مراد بالاتفاق، ولا (2) نسلم ذلك ~~PageV01P206 # على ما يأتي (1) وإن سلمنا ذلك، غير أن الآية حجة في اتباع جملة المؤمنين ~~إلا ما خصه الدليل فتبقى الآية حجة في الباقي. # قولهم: لفظ (السبيل) مفرد لا عموم فيه، عنه جوابان: # الأول: أنه يجب اعتقاد عمومه لما سبق تقريره (2) . # الثاني: أنه إما أن يكون عاما بلفظه، أو لا يكون عاما بلفظه. # فإن كان الأول فهو المطلوب، وإن كان الثاني فهو إن لم يكن عاما بلفظه فهو ~~عام بمعناه وإيمائه ذلك؛ لأن اتباع سبيل المؤمنين أي سبيل كان مناسب لكونه ~~مصلحيا، وقد رتب الحكم على وفقه في كلام الشارع، فكان علة لوجوب الاتباع ~~مهما تحقق. # قولهم: يلزم من ذلك وجوب متابعة أهل الإجماع فيما فعلوه وحكموا بكونه ~~مباحا، وهو تناقض. # قلنا: الآية وإن دلت على وجوب اتباع المؤمنين في كل سبيل لهم، ففعلهم ~~للمباح سبيل، وحكمهم بجواز الترك سبيل. # ولا يلزم من مخالفة الآية في إيجاب الفعل اتباعا لفعلهم له مخالفتها في ~~اتباعهم في اعتقاد جواز تركه (3) . # قولهم: يلزم من ذلك وجوب متابعة أهل الإجماع في جواز الاجتهاد وتحريمه ~~(4) ، قلنا: سنبين أنه مهما انعقد إجماع الأمة على حكم أنه يستحيل انعقاد ~~إجماعهم على مخالفته. # قولهم: يحتمل أنه أراد متابعتهم في متابعتهم للنبي ms161 عليه السلام وترك ~~مشاقته أو اتباعهم في الإيمان أو في الاجتهاد، PageV01P207 # قلنا: اللفظ يعم كل سبيل على ما قررناه، وما ذكروه تخصيص لعموم الاتباع ~~من غير دليل فلا يقبل. # قولهم: إنه مشروط بسابقة تبين الهدى إلى آخره، فجوابه من ثلاثة أوجه: # الأول: أن تبين الهدى إنما هو مشروط في الوعيد على المشاقة لا في الوعيد ~~على اتباع غير سبيل المؤمنين، وذلك لأن المشاقة لا تكون إلا بعد تبين الهدى ~~ومعرفته بدليله ومن لم يعرف ذلك لا يوصف بالمشاقة. # الثاني: أن تبين الأحكام الفروعية ليس شرطا في مشاقة الرسول بدليل أن من ~~تبين صدق النبي، وحاد عنه ورد عليه، فإنه يوصف بالمشاقة، وإن كان جاهلا ~~بالفروع غير متبين لها. # وإذا لم تكن معرفة أحكام الفروع شرطا في المشاقة فلا تكون مشترطة في لحوق ~~الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين فيها. # الثالث: هو أن الآية إنما خرجت مخرج التعظيم والتبجيل للمؤمنين بإلحاق ~~الذم باتباع غير سبيلهم. # فلو كان ذلك مشروطا بتبين كونه هدى، ولم يكن اتباعهم في سبيلهم لأجل أنه ~~سبيل لهم بل لمشاركتهم فيما ذهبوا إليه لتبين كونه هدى، لبطلت فائدة تعظيم ~~الأمة الإسلامية وتميزهم بذلك. # فإن كل من ظهر الهدى في قوله واعتقاده، فالوعيد حاصل بمخالفته وإن لم يكن ~~من المسلمين. # وذلك كالوعيد على عدم مشاركة اليهود فيما ظهر كون معتقدهم فيه هدى كإثبات ~~الصانع، واعتقاد كون موسى رسولا كريما. # قولهم: المراد من (المؤمنين) الأئمة المعصومون أو من كان فيهم الإمام ~~المعصوم عنه جوابان: # الأول: أنه مبني على وجود الإمام المعصوم وهو باطل بما حققناه في علم ~~الكلام. # الثاني: أن الآية عامة فتخصيصها بالأئمة وبالمؤمنين (1) الذين فيهم ~~الإمام المعصوم من غير دليل غير مقبول. PageV01P208 # كيف وأن الآية دالة على الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين، وعندهم التوعد ~~إنما هو بسبب اتباع غير سبيل الإمام وحده دون غيره، وهو خلاف الظاهر. # قولهم: سلمنا وجوب اتباع سبيل المؤمنين لكن إذا علم أنهم مؤمنون قلنا: ~~المقصود من الآية إنما هو الحث على متابعة سبيل المؤمنين ms162 والزجر عن مخالفته ~~فإن كان سبيلهم معلوما فلا إشكال، وإن لم يكن معلوما فالتكليف باتباع ما لا ~~يكون معلوما إما أن لا يكتفى فيه بالظن أو يكتفى فيه بالظن. # فإن كان الأول فهو تكليف بما لا يطاق وهو خلاف الأصل، وإن كان الثاني فهو ~~المطلوب. # وأما ما ذكروه من المعارضة بالآية الأولى، فليس في بيان كون الإجماع حجة ~~متبعة بالآية التي ذكرها (1) ما ينافي كون الكتاب تبيانا لكل شيء وأصلا له، ~~(2) وأما الآية الثانية فهي دليل عليهم ; لأنها دليل على وجوب الرد إلى ~~الله والرسول في كل متنازع فيه، وكون الإجماع حجة متبعة مما وقع النزاع ~~فيه، وقد رددناه إلى الله تعالى حيث أثبتناه بالقرآن، وهم مخالفون في ذلك ~~(3) . # وأما الآية الثالثة والرابعة فلا نسلم أن النهي فيهما راجع إلى اجتماع ~~الأمة على ما نهوا عنه بل هو راجع إلى كل واحد على انفراده، ولا يلزم من ~~جواز المعصية على كل واحد جوازها على الجملة. # سلمنا أن النهي لجملة الأمة عن الاجتماع على المعصية، ولكن غاية ذلك جواز ~~وقوعها منهم عقلا، ولا يلزم من الجواز الوقوع. # ولهذا فإن النبي عليه السلام قد نهي عن أن يكون من الجاهلين بقوله تعالى: ~~{فلا تكونن من الجاهلين} ، وقال تعالى لنبيه: {لئن أشركت ليحبطن عملك} إذ ~~ورد ذلك في معرض النهي مع العلم بكونه معصوما من ذلك. PageV01P209 # وأيضا فإنا نعلم أن كل أحد منهي عن الزنى وشرب الخمر وقتل النفس بغير حق، ~~إلى غير ذلك من المعاصي. # ومع ذلك فإن من مات ولم يصدر عنه بعض المعاصي نعلم أن الله قد علم منه ~~أنه لا يأتي المعصية، فكان معصوما عنها ضرورة تعلق علم الله بأنه لا يأتي ~~بها ومع ذلك فهو منهي عنها. # وأما خبر معاذ فإنما لم يذكر فيه الإجماع ; لأنه ليس بحجة في زمن النبي ~~عليه السلام، فلم يكن مؤخرا لبيانه مع الحاجة إليه. # وقوله عليه السلام: " «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ» " (1) لا يدل ~~على أنه لا يبقى من تقوم الحجة ms163 بقوله بل غايته أن أهل الإسلام هم الأقلون. # وقوله: " «لا ترجعوا بعدي كفارا» " (2) ، فيحتمل أنه مع جماعة معينين وإن ~~كان خطابا مع الكل فجوابه ما سبق في آيات المناهي للأمة. # وقوله: " «حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا» " (3) الحديث إلى ~~آخره غايته الدلالة على جواز انقراض العلماء، ونحن لا ننكر امتناع وجود ~~الإجماع مع انقراض العلماء وإنما الكلام في اجتماع من كان من العلماء، وعلى ~~هذا يكون الجواب عن باقي الأحاديث الدالة على خلو آخر الزمان من العلماء. # كيف وأن ما ذكروه معارض بما يدل على امتناع خلو عصر من الأعصار عمن تقوم ~~الحجة بقوله، وهو قوله عليه السلام: " «لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى ~~يأتي أمر الله وحتى يظهر الدجال» ". # وأيضا ما روي أنه قال: " «واشوقاه إلى إخواني، قالوا: يا رسول الله ألسنا ~~إخوانك، فقال: أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون من بعدي يهربون بدينهم من ~~شاهق إلى شاهق ويصلحون إذا فسد الناس» ". # وما ذكروه من المعقول في المسألتين السابقتين، فقد سبق جوابه. ~~PageV01P210 # قولهم: إنها أمة من الأمم فلا يكون إجماعهم حجة كغيرهم من الأمم، فقد ذهب ~~أبو إسحاق الإسفرايني، وغيره من أصحابنا وجماعة من العلماء إلى أن إجماع ~~علماء من تقدم من الملل أيضا حجة قبل النسخ. # وإن سلمنا أنه ليس بحجة فلأنه لم يرد في حقهم من الدلالة الدالة على ~~الاحتجاج بإجماعهم ما ورد في علماء هذه الأمة فافترقا. # وأما الحجة الأخيرة فلا نسلم أنه إذا كان الحكم ثبت بالدليل لا يجوز ~~إثباته بالإجماع، وأما التوحيد فلا نسلم أن الإجماع فيه ليس بحجة وإن سلمنا ~~أنه لا يكون حجة فيه، بل في الأحكام الشرعية لا غير، غير أن الفرق بينهما ~~أن التوحيد لا يجوز فيه تقليد العامي للعالم، وإنما يرجع إلى أدلة يشترك ~~فيها الكل وهي أدلة العقل بخلاف الأحكام الشرعية فإنه يجب على العامي الأخذ ~~بقول العالم فيها. # وإذا جاز أو وجب الأخذ بقول الواحد كان الأخذ بقول الجماعة أولى (1) . # الآية الثانية قوله ms164 تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على ~~الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} وصف الأمة بكونهم وسطا، والوسط هو العدل، ~~ويدل عليه النص واللغة. # أما النص فقوله تعالى: {قال أوسطهم ألم أقل لكم} أعدلهم، وقال عليه ~~السلام: " «خير الأمور أوساطها» ". # وأما اللغة فقول الشاعر: # هم وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم (2) أي عدول. ~~PageV01P211 # ووجه الاحتجاج بالآية أنه عدلهم وجعلهم حجة على الناس في قبول أقوالهم ~~كما جعل الرسول حجة علينا في قبول قوله علينا، ولا معنى لكون الإجماع حجة ~~سوى كون أقوالهم حجة على غيرهم، فإن قيل: إنما وصفهم بالعدالة ليكونوا ~~شهداء في الآخرة على الناس بتبليغ الأنبياء إليهم الرسالة، وذلك يقتضي ~~عدالتهم وقبول شهادتهم في يوم القيامة حالة ما يشهدون دون حالة التحمل في ~~الدنيا. # سلمنا أنه وصفهم بذلك في الدنيا، ولكن ليس في قوله: {لتكونوا شهداء على ~~الناس} لفظ عموم يدل على قبول شهادتهم في كل شيء بل هو مطلق في المشهود به، ~~وهو غير معين فكانت الآية مجملة ولا حجة في المجمل. # سلمنا أنها ليست مجملة، ولكنا قد عملنا بها في قبول شهادتهم على من بعدهم ~~بإيجاب النبي عليه السلام العبادات عليهم وتكليفهم بما كلفهم به فلا يبقى ~~حجة في غيره لتوفية العمل بدلالة الآية. # سلمنا قبول شهادتهم في كل شيء غير أن الآية تدل على عدالة كل واحد من ~~الأمة وقبول شهادته، وهو مخصص بالإجماع بالفساق، والنساء والصبيان ~~والمجانين، والعام بعد التخصيص، لا يبقى حجة على ما سيأتي. # (لكن ليس في ذلك ما يدل، سلمنا أنها تبقى حجة بعد التخصيص على عدالتهم ~~وعصمتهم عن الخطأ باطنا) (1) بل ظاهرا فإن ذلك كان في قبول الشهادة. # سلمنا أن ذلك يدل على عصمتهم عن الخطأ مطلقا لكن فيما يشهدون به لا فيما ~~يحكمون به من الأحكام الشرعية بطريق الاجتهاد، فإن ذلك ليس من باب الشهادة ~~في شيء وهو محل النزاع. # سلمنا قبول قولهم مطلقا، غير أن الخطاب إما أن يكون مع جميع أمة محمد إلى ~~يوم ms165 القيامة، وإما مع الموجودين في وقت الخطاب. # فإن كان الأول، فلا حجة في إجماع كل عصر إذ ليسوا كل الأمة. PageV01P212 # وإن كان الثاني، فلا يكون إجماع من بعدهم حجة، وإجماع الموجودين في زمن ~~الوحي ليس بحجة في زمن الوحي بالإجماع وإنما يكون حجة بعد النبي عليه ~~السلام، وذلك يتوقف على بقاء كل من كان من المخاطبين بذلك في زمن النبي بعد ~~النبي، وأن يعرف مقاله كل واحد فيما ذهب إليه وهو متعذر جدا. # والجواب عن السؤال الأول أن وصف أمة محمد بالعدالة إنما كان في معرض ~~الامتنان والإنعام عليهم وتعظيم شأنهم. # وذلك إما أن يكون في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما، لا جائز أن يكون في ~~الآخرة لا غير، لوجهين: # الأول: أن جميع الأمم عدول يوم القيامة، بل معصومون عن الخطأ لاستحالة ~~ذلك منهم (1) ، وفيه إبطال فائدة التخصيص. # الثاني: أنه لو كان كذلك لقال سنجعلكم عدولا، لا أن يقول جعلناكم، وإن ~~كان القسم الثاني والثالث فهو المطلوب. # وعن الثاني من وجهين: # الأول: أنه يجب اعتقاد العموم في قبول الشهادة نفيا للإجمال عن الكلام. # الثاني: أن الاحتجاج ليس في قوله: {لتكونوا شهداء على الناس} بل في وصفهم ~~بالعدالة، ومهما كانوا عدولا وجب قبول قولهم في كل شيء وبه يخرج الجواب عن ~~السؤال الثالث. # وأما الرابع: فجوابه أن الآية تدل على وصف جملة الأمة بالعدالة ومقتضى ~~ذلك عدالتهم فيما يقولونه جملة وآحادا غير أنا خالفناه في بعض الآحاد فتبقى ~~الآية حجة في عدالتهم فيما يقولونه جملة وهو المطلوب. PageV01P213 # قولهم: العام بعد التخصيص لا يبقى حجة سنبطله فيما يأتي (1) . # وأما السؤال الخامس، فجوابه أن الله تعالى أخبر عنهم بكونهم عدولا والأصل ~~أن يكون كذلك حقيقة في نفس الأمر لكونه عالما بالخفيات فإن الحكيم إذا علم ~~من حال شخص أنه غير عدل في نفس الأمر لا يخبر عنه بأنه عدل. # وجواب السادس، أنه إذا ثبت وصفهم بالعدالة في نفس الأمر فيما يخبرون به ~~مما يرونه من الأحكام الشرعية يجب صدقهم فيه وإلا لما ms166 كانوا عدولا في نفس ~~الأمر، وإذا كانوا صادقين فيه فهو صواب لكونه حسنا فهو حسن عند الله لقوله ~~عليه السلام: " «ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن عند الله» " (2) وإذا كان ~~صوابا كان خلافه خطأ وهو المطلوب. # وجواب السابع، أنه لا سبيل إلى حمل لفظ الأمة على كل من آمن بالرسول إلى ~~يوم القيامة، لما سبق في الآية الأولى ولا على من كان موجودا في زمن النبي ~~عليه السلام ; لأن أقوالهم غير محتج بها في زمنه ولا وجود لهم بعد وفاته، ~~فإن كثيرا منهم مات بعد الخطاب بهذه الآية قبل وفاة النبي عليه السلام فلا ~~يبقى لقوله تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس} فائدة، فيجب حمله على أهل كل ~~عصر تحقيقا لفائدة كونهم شهداء (3) . # الآية الثالثة قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر} ) والألف واللام إذا دخلت على اسم الجنس عمت على ما ~~سيأتي، ومقتضى صدق الخبر بذلك أمرهم بكل معروف ونهيهم عن كل منكر، فإذا ~~أمروا بشيء إما أن يكون معروفا أو منكرا، لا جائز أن يكون منكرا وإلا ~~لكانوا ناهين عنه ضرورة العمل بالعموم الذي ذكرناه لا آمرين به، وإن كان ~~PageV01P214 # معروفا، فخلافه يكون منكرا وهو المطلوب، وإذا نهوا عن شيء، فإما أن يكون ~~منكرا، أو معروفا لا جائزا أن يكون معروفا، وإلا لكانوا آمرين به ضرورة ما ~~ذكرناه من العموم لا ناهين عنه. # وإن كان منكرا فخلافه يكون معروفا وهو المطلوب. # فإن قيل: لا نسلم أن الألف واللام الداخلة على اسم الجنس للاستغراق على ~~ما سيأتي، وعلى هذا فلا تكون الآية عامة في الأمر بكل معروف ولا النهي عن ~~كل منكر. # سلمنا أنها للعموم لكن قوله: (كنتم) يدل على كونهم متصفين بهذه الصفة في ~~الماضي ولا يلزم من ذلك اتصافهم بذلك في الحال، بل ربما دل على عدم اتصافهم ~~بذلك في الحال نظرا إلى قاعدة المفهوم، وعلى هذا فما وجد من أمرهم ونهيهم ~~لا نعلم أنه كان قبل نزول الآية فيكون حجة، أو بعدها ms167 فلا يكون حجة. # سلمنا اتصافهم بذلك في الماضي والحال، ولكن ليس فيه ما يدل على استدامتهم ~~لذلك في المستقبل، وعلى هذا، فما وجد من أمرهم ونهيهم مما لا يعلم أنه كان ~~في حالة كونه حجة أو في غيرها. # سلمنا دلالة الآية على ذلك في جميع الأزمان، لكنه مع الموجودين في زمن ~~النبي عليه السلام ولا يلزم مثله في حق من بعدهم. # سلمنا أنه خطاب مع الكل، لكن ذلك يستدعي كون كل واحد منهم على هذه الصفة، ~~ونحن نعلم خلاف ذلك ضرورة، وإذا كان المراد بالآية بعض الأمة فذلك البعض ~~غير معين ولا معلوم، فلا يكون قوله حجة. # والجواب عن السؤال الأول ما سيأتي في العمومات، كيف وأن الآية إنما وردت ~~في معرض التعظيم لهذه الأمة وتمييزها على غيرها من الأمم؟ فلو كانت الآية ~~محمولة على البعض دون البعض لبطلت فائدة التخصيص، فإنه ما من أمة إلا وقد ~~أمرت بالمعروف كاتباع أنبيائهم وشرائعهم، ونهت عن المنكر كنهيهم عن الإلحاد ~~وتكذيب أنبيائهم. # وعن الثاني، إنه إما أن تكون (كان) هاهنا زائدة أو تامة أو زمانية. # PageV01P215 # فإن كانت زائدة كما في قول الفرزدق: # فكيف إذا مررت بدار قوم ... وجيران لنا كانوا كراما (1) فإنه جعل (كراما) ~~نعتا للجيران وألغى (كان) فهي دالة على اتصافهم بذلك حالا، لا في الماضي ~~وإن أفادت نصب {خير أمة} كما في قوله تعالى: {كيف نكلم من كان في المهد ~~صبيا} . # وإن كانت تامة، وهي التي تكون بمعنى الوقوع والحدوث، ويكتفى فيها باسم ~~واحد لا خبر فيه كما في قوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} ~~معناه حضر أو وقع ذو عسرة، وكقول الشاعر: # إذا كان الشتاء فأدفئوني ... فإن الشيخ يهدمه الشتاء # فيكون معنى قوله: {كنتم خير أمة} أي: وجدتم، ويكون قوله: {خير أمة} نصبا ~~على الحال، فيكون ذلك دليلا على اتصافهم بذلك في الحال لا في الماضي. # وإن كانت زمانية وهي الناقصة التي تحتاج إلى اسم وخبر، فكان، وإن دلت على ~~الماضي فقوله: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن ms168 المنكر} يقتضي كونهم كذلك في كل ~~حال لورود ذلك في معرض التعظيم لهذه الأمة على ما سبق تقريره في جواب ~~السؤال الذي قبله (2) . # وعن الثالث أن قوله: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} فعل مضارع صالح ~~للحال والاستقبال. # ويجب أن يكون حقيقة فيهما على العموم نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ. # وعن الرابع أنه إذا سلم كون الآية حجة في إجماع الصحابة فهو كاف (3) إذ ~~هو من جملة صور النزاع. PageV01P216 # وعن الخامس أن الخطاب إذا كان مع الأمة كان ذلك حجة في ما وجد من أمرهم ~~ونهيهم جملة وذلك هو المطلوب، وإن لم يكن ذلك حجة في الأفراد. # الآية الرابعة قوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} ) ووجه ~~الاحتجاج بها، أنه تعالى نهى عن التفرق، ومخالفة الإجماع تفرق، فكان منهيا ~~عنه. # ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى النهي عن مخالفته. # فإن قيل: لا نسلم وجود صيغة النهي - وإن سلمناها - ولكن لا نسلم أن النهي ~~يدل على التحريم كما سيأتي تقريره في النواهي. # سلمنا دلالة النهي على التحريم، ولكن لا نسلم عموم النهي عن التفرق في كل ~~شيء، بل التفرق في الاعتصام بحبل الله إذ هو المفهوم من الآية، ولهذا فإنه ~~لو قال القائل لعبيده: (ادخلوا البلد أجمعين ولا تتفرقوا) فإنه يفهم منه ~~النهي عن التفرق في دخول البلد، وما لم يعلم أن ما أجمع عليه أهل العصر ~~اعتصام بحبل الله؛ فلا يكون التفرق منهيا عنه. # سلمنا أن النهي عام في كل تفرق، ولكنه مخصوص بما قبل الإجماع. # فإن كل واحد من المجتهدين مأمور باتباع ما أوجبه ظنه، وإذا كانت الظنون ~~والآراء مختلفة كان التفرق مأمورا به لا منهيا عنه، والعام بعد التخصيص لا ~~يبقى حجة على ما سيأتي. # سلمنا صحة الاحتجاج به، لكنه خطاب مع الموجودين في زمن النبي عليه ~~السلام، فلا يكون متناولا لمن بعدهم. # وإجماع الموجودين في زمن النبي غير محتج به في زمانه إجماعا، ولا تحقق ~~لوجودهم بجملتهم بعد وفاته؛ حتى يكون إجماعهم حجة على ما سبق تقريره. ms169 # والجواب عن السؤال الأول والثاني ما سيأتي في النواهي. # وعن الثالث أن قوله: {واعتصموا بحبل الله جميعا} أمر بالاعتصام بحبل ~~الله، وقوله: {ولا تفرقوا} نهي عن التفرق في كل شيء، ويجب الحمل عليه وإلا ~~كان النهي عن التفرق في الاعتصام بحبل الله مفيدا لما أفاده الأمر ~~بالاعتصام به، فكان تأكيدا، والأصل في الكلام التأسيس دون التأكيد. # PageV01P217 # وعن الرابع بيان كون العام حجة بعد التخصيص كما يأتي في العمومات، وعلى ~~هذا فيبقى حجة في امتناع التفرق بعد الإجماع وفي امتناع مخالفة من وجد بعد ~~أهل الإجماع لهم، وهو المطلوب. # وعن الخامس بأن الأمر والنهي إنما هو مع أهل كل عصر بتقدير وجودهم وفهمهم ~~على ما سيأتي تقريره في الأوامر. # الآية الخامسة قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} . # ووجه الاحتجاج بالآية: أنه شرط التنازع في وجوب الرد إلى الكتاب والسنة، ~~والمشروط على العدم عند عدم الشرط، وذلك يدل على أنه إذا لم يوجد التنازع ~~فالاتفاق على الحكم كاف عن الكتاب والسنة، ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى ~~هذا. # فإن قيل: سقوط وجوب الرد إلى الكتاب والسنة عند الاتفاق على الحكم بناء ~~على الكتاب والسنة، أو من غير بناء عليهما، فإن كان الأول فالكتاب والسنة ~~كافيان في الحكم ولا حاجة إلى الإجماع. # وإن كان الثاني ففيه تجويز وقوع الإجماع من غير دليل، وذلك محال مانع من ~~صحة الإجماع. # كيف وإنا لا نسلم انتفاء الشرط، فإن الكلام إنما هو مفروض فيما إذا وجد ~~التنازع ممن تأخر من المجتهدين لإجماع المتقدمين. # قلنا: وإن كان الإجماع لا بد له من دليل، فلا نسلم انحصار دليله في ~~الكتاب والسنة ليصح ما ذكروه لجواز أن يكون مستندهم في ذلك إنما هو القياس ~~والاستنباط على ما يأتي بيانه. # وإن سلمنا انحصار دليل الإجماع في الكتاب والسنة، ولكن ليس في ذلك ما يدل ~~على عدم اكتفاء من وجد بعد أهل الإجماع، أو اكتفاء من وجد ms170 في عصرهم من ~~المقلدة بإجماعهم عن معرفة الكتاب والسنة. # وأما السؤال الثاني فمشكل جدا. # واعلم أن التمسك بهذه الآيات وإن كانت مفيدة للظن فغير مفيدة للقطع، ومن ~~زعم أن المسألة قطعية فاحتجاجه فيها بأمر ظني غير مفيد للمطلوب، وإنما يصح ~~ذلك على رأي من يزعم أنها اجتهادية ظنية. # هذا ما يتعلق بالكتاب # PageV01P218 # وأما السنة وهي أقرب الطرق في إثبات كون الإجماع حجة قاطعة، فمن ذلك ما ~~روى أجلاء الصحابة كعمر، وابن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وابن ~~عمر، وأبي هريرة، وحذيفة بن اليمان وغيرهم، بروايات مختلفة الألفاظ متفقة ~~المعنى في الدلالة على عصمة هذه الأمة عن الخطأ والضلالة كقوله عليه ~~السلام: " «أمتي لا تجتمع على الخطأ» ، «أمتي لا تجتمع على الضلالة» ، «ولم ~~يكن الله بالذي يجمع أمتي على الضلالة» ، «لم يكن الله ليجمع أمتي على ~~الخطأ» ، «وسألت الله أن لا يجمع أمتي على الضلالة فأعطانيه» ". # وقوله: " «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» (1) ، «يد الله على ~~الجماعة ولا يبالي بشذوذ من شذ» ، «ومن سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ~~فإن دعوتهم لتحيط من ورائهم» ، «وإن الشيطان مع الفذ، وهو من الاثنين أبعد» ~~، «ولا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يظهر أمر الله ولا تزال طائفة من ~~أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم خلاف من خالفهم» ، «ومن خرج عن الجماعة ~~وفارق الجماعة» (2) . «قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» ، «ومن فارق ~~الجماعة ومات فميتته جاهلية» ، «عليكم بالسواد الأعظم» (3) ". # وقوله: " «تفترق أمتي نيفا وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة، ~~قيل: يا رسول الله ومن تلك الفرقة؟ قال: هي الجماعة» ". # إلى غير ذلك من الأحاديث التي لا تحصى كثرة، ولم تزل ظاهرة مشهورة بين ~~الصحابة معمولا بها، ولم ينكرها منكر ولا دفعها دافع. PageV01P219 # فإن قيل: هذه كلها أخبار آحاد تبلغ مبلغ التواتر ولا تفيد اليقين، وإن ~~سلمنا التواتر، ولكن يحتمل أنه أراد به (1) الخطأ والضلالة عن الأمة عصمة ~~جميعهم عن الكفر لا بتأويل ولا شبهة. # ويحتمل أنه ms171 أراد بهم (2) عصمتهم عن الخطأ في الشهادة في الآخرة أو فيما ~~يوافق النص المتواتر أو دليل العقل، دون ما يكون بالاجتهاد. # سلمنا دلالة هذه الأخبار على عصمتهم عن كل خطأ وضلال، لكن يحتمل أنه أراد ~~بالأمة كل من آمن به إلى يوم القيامة، وأهل كل عصر ليسوا كل الأمة، فلا ~~يلزم امتناع الخطأ والضلال عليهم. # سلمنا انتفاء الخطأ والضلال عن الإجماع في كل واحد من الأعصار، ولكن لم ~~قلتم إنه يكون حجة على المجتهدين، وإنه لا تجوز مخالفته، مع أن كل مجتهد في ~~الفرعيات مصيب على ما يأتي تحقيقه، ولا يجب على أحد المصيبين اتباع المصيب ~~الآخر. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على كون الإجماع حجة، ولكنه معارض بما يدل على ~~أنه ليس بحجة، ودليله ما سبق من الآيات والأخبار والمعقول في الآية الأولى ~~(3) . # والجواب عن السؤال الأول من وجهين: # الأول: أن كل واحد من هذه الأخبار وإن كان خبر واحد يجوز تطرق الكذب إليه ~~إلا أن كل عاقل يجد من نفسه العلم الضروري من جملتها قصد رسول الله عليه ~~السلام تعظيم هذه الأمة وعصمتها عن الخطأ كما علم بالضرورة سخاء حاتم، ~~وشجاعة علي، وفقه الشافعي ومالك وأبي حنيفة رضي الله عنهم، وميل رسول الله ~~إلى عائشة دون باقي نسائه بالأخبار التي آحادها آحاد، غير أنها نازلة منزلة ~~التواتر (4) . PageV01P220 # الوجه الثاني: أن هذه الأحاديث لم تزل ظاهرة مشهورة بين الصحابة ومن ~~بعدهم متمسكا بها فيما بينهم في إثبات الإجماع من غير خلاف فيها ولا نكير ~~إلى زمان وجود المخالفين، والعادة جارية بإحالة اجتماع الخلق الكثير، والجم ~~الغفير مع تكرر الأزمان واختلاف هممهم ودواعيهم ومذاهبهم على الاحتجاج بما ~~لا أصل له في إثبات أصل من أصول الشريعة، وهو الإجماع المحكوم به على ~~الكتاب والسنة من غير أن ينبه أحد على فساده وإبطاله وإظهار النكير فيه. # فإن قيل: من المحتمل أن أحدا أنكر هذه الأخبار ولم ينقل إلينا، ومع هذا ~~الاحتمال فلا قطع. # قولكم: إن الصحابة والتابعين استدلوا بها على الإجماع، لا نسلم ms172 ذلك، وما ~~المانع أن يكون استدلالهم على الإجماع لا بهذه الأحاديث، بل بغيرها، ~~والاستدلال على صحة الأحاديث بالإجماع. # سلمنا استدلالهم بها على ذلك لكنه دور لما فيه من الاستدلال بالأحاديث ~~على الإجماع، ثم ما ذكرتموه في الدلالة على صحتها من عدم النكير معارض بما ~~يدل على عدم صحتها. # وذلك أنها لو كانت معلومة الصحة مع أن الحاجة داعية إلى معرفتها لبناء ~~هذا الأصل العظيم عليها لإحالة (1) العادة أن لا تعرف الصحابة للتابعين ~~طريق صحتها؛ قطعا للشك والارتياب. # قلنا: جواب الأول: أن الإجماع من أعظم أصول الدين فلو وجد فيما يستدل به ~~عليه نكير لاشتهر ذلك فيما بينهم وعظم الخلاف فيه، كاشتهار خلافهم فيما هو ~~دونه من مسائل الفروع كاختلافهم في دية الجنين، وقوله: أنت علي حرام، وحد ~~الشرب، ومسائل الجد والإخوة، ذلك ولو كان كذلك لكانت العادة تحيل عدم نقله، ~~بل كان نقله أولى من نقل ما خولف فيه من مسائل الفروع، بل أولى من نقل خلاف ~~النظام في ذلك مع خفائه وقلة الاعتبار بقوله. # وجواب الثاني: ما ظهر واشتهر من تمسك الصحابة والتابعين والاحتجاج بهذه ~~الأخبار في معرض التهديد لمخالف الجماعة، والزجر عن الخروج عنهم ظهورا لا ~~ريب فيه. PageV01P221 # وجواب الثالث: أن الاستدلال على صحة الأخبار لم يكن بالإجماع بل بالعادة ~~المحيلة لعدم الإنكار على الاستدلال بما لا صحة له فيما هو من أعظم أصول ~~الأحكام. # والاستدلال بالعادة غير الاستدلال بالإجماع، وذلك كالاستدلال بالعادة على ~~إحالة دعوى وجود معارض للقرآن واندراسه، ووجود دليل يدل على إيجاب صلاة ~~الضحى وصوم شوال ونحوه. # وجواب الرابع: أنه يحتمل أن تكون الصحابة قد علمت صحة الأخبار المذكورة ~~وكونها مفيدة للعلم، بعصمة الأمة لا بصريح مقال بل بقرائن أحوال وأمارات ~~دالة على ذلك لا سبيل إلى نقلها، ولو نقلت لتطرق إليها التأويل والاحتمال، ~~واكتفوا بما يعلمه التابعون من أن العادة تحيل الاعتماد على ما لا أصل له ~~فيما هو من أعظم الأصول (1) . # قولهم: يحتمل أنه نفى عنهم الضلال والخطأ بمعنى الكفر (2) . # قلنا: هذه الأخبار ms173 نعلم أنها إنما وردت تعظيما لشأن هذه الأمة في معرض ~~الامتنان والإنعام عليهم، وفي حملها على نفي الكفر عنهم خاصة إبطال فائدة ~~اختصاصهم بذلك لمشاركة بعض آحاد الناس للأمة في ذلك، وإنما يصح ذلك أن لو ~~أراد بها العصمة عما لا يعصم عنه الآحاد من أنواع الخطأ والكذب ونحوه، وما ~~ذكروه من باقي التأويلات فباطل. # فإن فائدة هذه الأخبار إنما وردت لإيجاب متابعة الأمة والحث عليه والزجر ~~عن مخالفته، ولو لم يكن ذلك محمولا على جميع أنواع الخطأ، بل على بعض غير ~~معلوم من ألفاظ الأخبار؛ لامتنع إيجاب متابعتهم فيه لكنه (3) غير معلوم، ~~ولبطلت فائدة تخصيص الأمة بما ظهر منه قصد تعظيمها لمشاركة آحاد الناس لهم ~~في نفي بعض أنواع الخطأ عنهم على ما سبق تعريفه. PageV01P222 # وعن السؤال الثالث: ما سبق في المسائل المتقدمة. # وعن الرابع: أنه إذا ثبت انتقاء الخطأ عن الإجماع فيما ذهبوا إليه قطعا، ~~فمخالفه يكون مخطئا قطعا، والمخطئ قطعا في أمور الدين إذا كان عالما به لا ~~يخرج عن التبديع والتفسيق، ولا معنى لكون الإجماع حجة على الغير سوى ذلك. # كيف وإنه إذا ثبت انتفاء الخطأ عن أهل الإجماع فيما ذهبوا إليه فقد ~~أجمعوا على وجوب اتباعهم فيما ذهبوا إليه، فكان واجبا نفيا للخطأ عنهم وعن ~~المعارضات (1) النقلية ما سبق في أول المسألة. # وأما المعقول فهو أن الخلق الكثير - وهم أهل كل عصر - إذا اتفقوا على حكم ~~قضية وجزموا به جزما قاطعا، فالعادة تحيل على مثلهم الحكم الجزم بذلك ~~والقطع به، وليس له مستند قاطع (2) بحيث لا يتنبه واحد منهم إلى الخطأ في ~~القطع بما ليس بقاطع. # ولهذا وجدنا أهل كل عصر قاطعين بتخطئة مخالف ما تقدم من إجماع من قبلهم، ~~ولولا أن يكون ذلك عن دليل قاطع لاستحال في العادة اتفاقهم على القطع ~~بتخطئة المخالف ولا يقف واحد منهم على وجه الحق في ذلك. # ومن سلك هذه الطريقة المعنوية لم ير انعقاد الإجماع عندما إذا كان عدد ~~المجمعين ينقص عن عدد التواتر، ويلزمه أن لا ms174 يكون الإجماع المحتج به خصيصا ~~بإجماع أهل الحل والعقد من المسلمين، بل هو عام في إجماع كل من بلغ عددهم ~~عدد التواتر وإن لم يكونوا مسلمين فضلا عن أهل الحل والعقد. # وقد احتج الشيعة على صحة الإجماع بأن (3) ما من عصر إلا ولا بد فيه من ~~إمام معصوم على ما قررناه من قاعدتهم في ذلك في " أبكار الأفكار " فإذا ~~أجمع أهل الحل والعقد من أهل العصر على حكم حادثة فلا بد وأن يكون فيهم ~~الإمام المعصوم لكونه سيد العلماء، وإلا لما كان الاتفاق من جميع أهل الحل ~~والعقد، وهو خلاف الفرض. # وإذا كان كذلك فالإمام المعصوم لا يقول إلا حقا PageV01P223 # مقطوعا به، وما وافقه من قول باقي الأمة أيضا يكون مقطوعا به لكونه ~~موافقا للمقطوع به، ومخالف القاطع مخطئ لا محالة. # ولقائل أن يقول: أما الحجة الأولى فالعادة لا تحيل الخطأ على الخلق ~~الكثير بظنهم ما ليس قاطعا قاطعا. # ولهذا فإن اليهود مع كثرتهم كثرة تخرج عن حد التواتر قد أجمعوا على تكذيب ~~محمد عليه السلام وإنكار رسالته، وليس ذلك إلا لخطئهم في ظن ما ليس قاطعا ~~قاطعا. # وبالجملة فإما أن يقال باستحالة الخطأ عليهم فيما ذهبوا إليه، أو لا يقال ~~باستحالته، فإن كان الأول لزم أن لا يكون محمد نبيا حقا لإجماعهم على ~~تكذيبه، وإن كان الثاني فهو المطلوب (1) . # فإن قيل: ما ذكرتموه في إبطال التمسك هاهنا بالعادة لازم عليكم فيما ~~ذكرتموه في الاحتجاج بالسنة على كون الإجماع حجة، فإن حاصله آيل إلى ~~الاحتجاج بالعادة، وفيه إبطال ما قررتموه. # قلنا: الذي تمسكنا به من العادة إحالة اتفاق الأمة على إسناد المقطوع إلى ~~الأخبار التي مستند العلم بها وبمدلولها السماع المحسوس أو قرائن الأحوال، ~~والذي لا نحيله في العادة هاهنا إنما هو الغلط بظن ما ليس مقطوعا مقطوعا به ~~فيما هو نظري وطرقه مختلفة، وهو غير محسوس، ولا مستند العلم به قرائن ~~الأحوال فافترق البابان. PageV01P224 # وأما حجة الشيعة فمبنية على وجود الإمام المعصوم في كل عصر، وقد أبطلنا ~~ذلك بالاعتراضات ms175 القادحة والإشكالات المشكلة على جهة الوفاء والاستقصاء في ~~موضعه اللائق به من الإمامة في علم الكلام، فعليك بمراجعته (1) . ### | [المسألة الرابعة لا عبرة بغير المسلمين في الإجماع] # المسألة الرابعة # اتفق القائلون بكون الإجماع حجة على أنه لا اعتبار بموافقة من هو خارج عن ~~الملة، ولا بمخالفته، وأنه لا يشترط فيه اتفاق كل أهل الملة إلى يوم ~~القيامة. # أما الأول: فلأن الإجماع إنما عرف كونه حجة بالأدلة السمعية على ما سبق، ~~وهي مع اختلاف ألفاظها لا إشعار لها بإدراج من ليس من أهل الملة في الإجماع ~~ولا دلالة لها إلا على عصمة أهل الملة؛ ولأن الكافر غير مقبول القول فلا ~~يكون قوله معتبرا في إثبات حجة شرعية ولا إبطالها، وإذا تم الإجماع دونه، ~~فلا اعتبار بمخالفته. # وأما الثاني: فلأن الإجماع حجة شرعية يستدل به على الأحكام الشرعية، فلو ~~اعتبر فيه إجماع كل أهل الملة إلى يوم القيامة لما أمكن الاحتجاج به، أما ~~قبل يوم القيامة فلعدم كمال المجمعين، وأما يوم القيامة فلأنه لا تكليف ولا ~~استدلال. PageV01P225 ### | [المسألة الخامسة لا اعتبار بموافقة العامي من أهل الملة في انعقاد الإجماع ولا بمخالفته] # المسألة الخامسة # ذهب الأكثرون إلى أنه لا اعتبار بموافقة العامي من أهل الملة في انعقاد ~~الإجماع ولا بمخالفته، واعتبره الأقلون وإليه ميل القاضي أبي بكر وهو ~~المختار. # وذلك لأن قول الأمة إنما كان حجة لعصمتها عن الخطأ بما دلت عليه الدلائل ~~السمعية من قبل، ولا يمنع أن تكون العصمة من صفات الهيئة الاجتماعية من ~~الخاصة والعامة. # وإذا كان كذلك فلا يلزم أن تكون العصمة الثابتة للكل ثابتة للبعض ; لأن ~~الحكم الثابت للجملة لا يلزم أن يكون للأفراد. # فإن قيل: يجب تخصيص ما ورد من النصوص الدالة على عصمة الأمة بأهل الحل ~~والعقد منهم دون غيرهم لستة أوجه. # الأول: أن العامي يلزمه المصير إلى أقوال العلماء بالإجماع، فلا تكون ~~مخالفته معتبرة فيما يجب عليه التقليد فيه. # الثاني: أن الأمة إنما كان قولها حجة إذا كان ذلك مستندا إلى الاستدلال ; ~~لأن إثبات الأحكام من ms176 غير دليل محال، والعامي ليس أهلا للاستدلال والنظر ~~فلا يكون قوله معتبرا كالصبي والمجنون. # الثالث: أن قول العامي في الدين من غير دليل خطأ مقطوع به، والمقطوع ~~بخطئه لا تأثير لموافقته ولا لمخالفته. # الرابع: أن أهل العصر الأول من الصحابة علماؤهم وعوامهم أجمعوا على أنه ~~لا عبرة بموافقة العامي ولا بمخالفته. # الخامس: أن الأمة إنما عصمت عن الخطأ في استدلالها ; لأن إثبات الأحكام ~~الشرعية من غير استدلال ودليل خطأ، والعامي ليس هو من أهل الاستدلال، فلا ~~يتصور ثبوت عصمة الاستدلال في حقه. # السادس: هو أن العامي لا يتصور منه الإصابة إذا (1) كان قائلا بالحكم من ~~غير دليل فلا يتصور عصمته ; لأن العصمة مستلزمة للإصابة. PageV01P226 # والجواب عن الوجه الأول: أنه وإن كان يجب على العامي الرجوع إلى أقوال ~~العلماء، فليس في ذلك ما يدل على أن أقوال العلماء دونه حجة قاطعة على ~~غيرهم من المجتهدين من بعدهم لجواز أن يكون الاحتجاج بأقوالهم على من بعدهم ~~مشروطا بموافقة العامة لهم (1) وإن لم يكن ذلك شرطا في وجوب اتباع العامة ~~لهم فيما يفتون به. # وعن الثاني: أنه وإن كان لا بد في الإجماع من الاستدلال، لكن من أهل ~~الاستدلال أو مطلقا: الأول مسلم، والثاني ممنوع. # وعلى هذا فلا يمتنع أن تكون موافقة العامة للعلماء المستدلين شرطا في جعل ~~الإجماع حجة وإن لم يكن العامي مستدلا (2) ، ولا يلزم من عدم اشتراط موافقة ~~الصبيان والمجانين عدم اشتراط موافقة العامة لما بينهما من التفاوت في قرب، ~~وإنما المؤثر في حق العامة الموجب للتكليف، وبعده في حق الصبيان والمجانين ~~المانع من التكليف (3) # وعن الثالث: أنه وإن كان قول العامي في الدين من غير دليل خطأ، فلا يمنع ~~ذلك من كون موافقته للعلماء في أقوالهم شرطا في الاحتجاج بها على غيرهم (4) ~~. # وعن الرابع: أنه دعوى لم يقم عليها دليل (5) # وعن الخامس: أن العامي وإن لم يكن من أهل الاجتهاد فلا يمتنع أن تكون ~~موافقته من غير استدلال شرطا في كون الإجماع حجة. PageV01P227 # وعن السادس: أنه وإن كان العامي ms177 إذا انفرد بالحكم لا يتصور منه الإصابة، ~~فما المانع من تصويبه مع الجماعة بتقدير موافقته لهم في أقوالهم، ولا شك أن ~~العامي مصيب في موافقته للعلماء، وعلى هذا جاز أن تكون موافقته شرطا في جعل ~~الإجماع حجة على ما سبق تقريره. # وبالجملة فهذه المسألة اجتهادية، غير أن الاحتجاج بالإجماع عند دخول ~~العوام فيه يكون قطعيا وبدونهم يكون ظنيا (1) # وعلى هذا فمن قال بإدخال العوام في الإجماع، قال بإدخال الفقيه الحافظ ~~لأحكام الفروع فيه وإن لم يكن أصوليا، وبإدخال الأصولي الذي ليس بفقيه ~~بطريق الأولى، لما بينهما وبين العامة من التفاوت في الأهلية وصحة النظر، ~~هذا في الأحكام، وهذا في الأصول. # ومن قال بأنه لا مدخل للعوام في الإجماع اختلفوا في الفقيه والأصولي نفيا ~~وإثباتا، فمن أثبت نظر إلى ما اشتملا عليه من الأهلية التي لا وجود لها في ~~العامي، ودخولهما في عموم لفظ الأمة في الأحاديث السابق ذكرها. # ومن نفى نظر إلى عدم الأهلية المعتبرة في أئمة أهل الحل والعقد من ~~المجتهدين كالشافعي، وأبي حنيفة، ومالك، وأحمد وغيرهم، ومنهم من فصل بين ~~الفقيه والأصولي وهؤلاء اختلفوا، فمنهم من اعتبر قول الفقيه الذي ليس ~~بأصولي وألغى قول الأصولي الذي ليس بفقيه. # ومنهم من عكس الحال واعتبر قول الأصولي دون الفقيه ; لكونه أقرب إلى ~~مقصود الاجتهاد لعمله بمدارك الأحكام على اختلاف أقسامها، وكيفية دلالاتها ~~وكيفية تلقي الأحكام من منطوقها ومفهومها ومعقولها بخلاف الفقيه. # ومن اعتبر قول الأصولي والفقيه، اعتبر قول من بلغ رتبة الاجتهاد وإن لم ~~يكن مشتهرا بالفتوى بطريق الأولى وذلك كواصل بن عطاء ونحوه، وفيه خلاف ~~والمتبع في ذلك كله ما غلب على ظن المجتهد. PageV01P228 ### | [المسألة السادسة حكم مخالفة المجتهد للإجماع] # المسألة السادسة # المجتهد المطلق، إذا كان مبتدعا لا يخلو ; إما أن لا يكفر ببدعته أو ~~يكفر، فإن كان الأول فقد اختلفوا في انعقاد الإجماع مع مخالفته نفيا ~~وإثباتا (1) ، ومنهم من قال: الإجماع لا ينعقد عليه بل على غيره، فيجوز له ~~مخالفة إجماع من عداه، ولا يجوز ذلك لغيره. # والمختار ms178 أنه لا ينعقد الإجماع دونه، لكونه من أهل الحل والعقد وداخلا في ~~مفهوم لفظ الأمة المشهود لهم بالعصمة، وغايته أن يكون فاسقا، وفسقه غير مخل ~~بأهلية الاجتهاد، والظاهر من حاله فيما يخبر به عن اجتهاده الصدق، كإخبار ~~غيره من المجتهدين. # كيف وإنه قد يعلم صدق الفاسق بقرائن أحواله في مباحثاته وفلتات لسانه، ~~وإذا علم صدقه، وهو مجتهد كان كغيره من المجتهدين. # فإن قيل: إذا كان فاسقا، فالفاسق غير مقبول القول إجماعا فيما يخبر به، ~~فكان كالكافر والصبي، ولأنه لا يجوز تقليده فيما يفتي به فلا يعتبر خلافه ~~كالصبي. # قلنا: إنما لا يقبل قوله فيما يخبر به إذا لم يكن متأولا وكان عالما ~~بفسقه، وأما إذا لم يكن كذلك فلا، وعلى هذا فلا نسلم امتناع قبول فتواه ~~بالنسبة إلى من ظهر صدقه عنده. # وأما الصبي فإنما لم يعتبر قوله لعدم أهليته بخلاف ما نحن فيه، وإن كان ~~الثاني فلا خلاف في أنه غير داخل في الإجماع لعدم دخوله في مسمى الأمة ~~المشهود لهم بالعصمة، وإن لم يعلم هو كفر نفسه. # وعلى هذا فلو خالف في مسألة فرعية وبقي مصرا على المخالفة حتى تاب عن ~~بدعته فلا أثر لمخالفته ; لانعقاد إجماع جميع الأمة الإسلامية قبل إسلامه ~~كما لو أسلم ثم خالف إلا على رأي من يشترط في الإجماع انقراض عصر المجمعين، ~~PageV01P229 # ولو ترك بعض الفقهاء العمل بالإجماع بخلاف هذا المبتدع المكفر فهو معذور، ~~إن لم يعلم ببدعته، ولا يؤاخذ بالمخالفة كما إذا عمل الحاكم بشهادة شاهد ~~الزور من غير علم بتزويره، وإن علم ببدعته وخالف الإجماع لجهله بأن تلك ~~البدعة مكفرة فهو غير معذور لتقصيره عن البحث والسؤال عن ذلك لعلماء الأصول ~~(1) العارفين بأدلة الإيمان والتكفير حتى يحصل له العلم بذلك بدليله إن ~~كانت له أهلية فهمه، وإلا قلدهم فيما يخبرون به من التكفير، وأما ماذا يكفر ~~به من البدع فقد استقصينا الكلام فيه في حكايات مذاهب أهل الملل والنحل في ~~" أبكار الأفكار " فعليك بمراجعته. ### | [المسألة السابعة حكم إجماع أهل كل عصر] ms179 # المسألة السابعة # ذهب الأكثرون من القائلين بالإجماع إلى أن الإجماع المحتج به غير مختص ~~بإجماع الصحابة بل إجماع أهل كل عصر حجة خلافا لداود وشيعته من أهل الظاهر، ~~ولأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه (2) # والأول هو المختار ويدل عليه أن حجة كون الإجماع حجة غير خارجة كما ~~ذكرناه من الكتاب والسنة والمعقول، وكل واحد منها لا يفرق بين أهل عصر ~~وعصر، بل هو متناول لأهل كل عصر حسب تناوله لأهل عصر الصحابة، فكان إجماع ~~أهل كل عصر حجة. # فإن قيل: حجة كون الإجماع حجة غير خارجة عن الآيات والأخبار السابق ~~ذكرها، وقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ، وقوله: {وكذلك جعلناكم ~~أمة وسطا} مع الموجودين في زمن النبي عليه السلام، فلا يكون متناولا ~~لغيرهم، وقوله تعالى: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} والأخبار على (3) عصمة ~~الأمة خاصة PageV01P230 # بالصحابة الموجودين في زمن النبي عليه السلام، إذا هم كل المؤمنين وكل ~~الأمة، فإن من لم يوجد بعد، لا يكون موصوفا بالإيمان وبكونه من الأمة. # وأما التابعون وكذلك من بعدهم إذا أجمعوا على حكم، فليس هم كل المؤمنين ~~ولا كل الأمة، فلا يكون الخطاب متناولا لهم وحدهم، بل مع من تقدم من ~~المؤمنين قبلهم ضرورة اتصافهم بذلك حالة وجودهم، وبموتهم لم يخرجوا عن ~~كونهم من المؤمنين ومن الأمة. # وكذلك فإنه لو ذهب واحد من الصحابة إلى حكم، واتفق التابعون على خلافه لم ~~يكن إجماعهم منعقدا، ولو خرج بموته عن الأمة والمؤمنين لما كان كذلك. # وإذا لم يكن التابعون كل الأمة ولا كل المؤمنين، فما اتفقوا عليه لا يكون ~~هو قول كل الأمة ولا كل المؤمنين، فلا يكون حجة. # وسواء وجد لمن تقدم قول أو لم يوجد، فمخالفهم لا يكون مخالفا لكل الأمة ~~ولا لكل المؤمنين، فلا يكون بذلك مستحقا للذم والتوعد. # سلمنا دلالة الآيات والأخبار على انعقاد إجماع من بعد الصحابة حجة لكنه ~~معارض بما يدل على عدمه، وبيانه من ستة أوجه: # الأول: أن إجماع التابعين لا بد له من دليل، وذلك الدليل إما ms180 أن يكون نصا ~~أو إجماعا أو قياسا. # فإن كان إجماع من تقدم فالحكم ثابت بإجماع الصحابة لا بإجماع التابعين. # وإن كان قياسا، فيستدعي أن يكون متفقا عليه بين جميع التابعين ليكون مناط ~~إجماعهم، وليس كذلك لوقوع الخلاف فيه فيما بينهم. # وإن كان نصا، فلا بد وأن تكون الصحابة عالمة به ضرورة أنه لا طريق إلى ~~معرفة التابعين به إلا من جهة الصحابة، ولو كان ذلك دليلا يمكن التمسك به ~~في إثبات الحكم لما تصور تواطؤ الصحابة على تركه وإهماله. # الثاني: هو أن الأصل أن لا يرجع إلى قول أحد سوى الصادق المؤيد بالمعجزة ~~لتطرق الخطأ والكذب إلى من عداه، غير أنه لما ورد الثناء من النبي عليه ~~السلام # PageV01P231 # على الصحابة بقوله: " «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (1) "، ~~وقوله: " «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» "، والذم لأهل ~~الأعصار المتأخرة بقوله عليه السلام ثم يفشو الكذب، وأن الرجل يصبح مؤمنا ~~ويمسي كافرا، وأن الواحد منهم يحلف على ما لا يعلم ويشهد قبل أن يستشهد، ~~وأن الناس يكونون كالذئاب، إلى غير ذلك من أنواع الذم التي سبق ذكرها (2) ، ~~أوجب قصر الاحتجاج على إجماع الصحابة دون غيرهم. # الثالث: أن الاحتجاج بالإجماع إنما يمكن بعد الاطلاع على قول كل واحد من ~~أهل الحل والعقد ومعرفته في نفسه. # وذلك إنما يتصور في حق الصحابة ; لأن أهل الحل والعقد منهم كانوا معروفين ~~مشهورين محصورين لقلتهم وانحصارهم في قطر واحد، بخلاف التابعين، ومن بعدهم ~~لكثرتهم وتشتتهم في البلاد المتباعدة. # الرابع: أن الإجماع من الصحابة واقع على أن كل مسألة لا تكون مجمعا عليها ~~ولا فيها نص قاطع أنه يجوز الاجتهاد فيها. # فإذا لم يكن إجماع من الصحابة، ولا ثم نص قاطع، وإلا لما ساغ من الصحابة ~~تركه وإهماله، فتكون المسألة مجمعا على جواز الاجتهاد فيها منهم، فلو أجمع ~~التابعون على حكم تلك المسألة فإن منعنا من اجتهاد غيرهم فيها، فقد خرقنا ~~إجماع الصحابة وإن جوزنا، فإجماع التابعين لا يكون حجة وهو المطلوب. # الخامس: أنه لو كان في الأمة ms181 من هو غائب فإنه وإن لم يكن له في المسألة ~~قول بنفي، ولا إثبات لا ينعقد الإجماع دونه في تلك المسألة لكونه لو كان ~~حاضرا لكان له فيها قول، فكذلك الميت من الصحابة قبل التابعين. PageV01P232 # السادس: أنه لو كان قد خالف واحد من الصحابة فإن إجماع التابعين بعده لا ~~ينعقد، وإذا لم ينقل خلاف من تقدم لا ينعقد الإجماع لاحتمال أن أحدا ممن ~~تقدم خالف ولم ينقل خلافه، وإذا احتمل واحتمل، فالإجماع لا يكون متيقنا. # والجواب عن السؤال الأول: قولهم في الآيات إنها خطاب مع الموجودين في زمن ~~النبي عليه السلام يلزمهم عليه أن لا ينعقد إجماع الصحابة بعد موت من كان ~~موجودا عند نزول هذه الآيات ; لأن إجماعهم ليس إجماع جميع المخاطبين وقت ~~نزولها، وأن لا يعتد بخلاف من أسلم بعد نزولها لكونه خارجا عن المخاطبين. # وقد أجمعنا على أن إجماع من بقي من الصحابة بعد رسول الله يكون حجة. # قولهم: التابعون ليس هم كل الأمة ولا كل المؤمنين يلزم عليه أن لا ينعقد ~~إجماع من بقي من الصحابة بعد موت رسول الله ; لأن من مات من الصحابة أو ~~استشهد في حياة رسول الله داخل في مسمى المؤمنين والأمة، وهو خلاف المجمع ~~عليه بين القائلين بالإجماع وليس ذلك، إلا لأن الماضي إذا لم يكن له قول ~~غير معتبر كما أن المستقبل غير منتظر. # وعلى هذا فنقول: إنه إذا ذهب واحد من الصحابة إلى حكم في مسألة ثم مات ~~وأجمع التابعون على خلافه في تلك المسألة، فقد قال بعض الأصوليين: إنه ~~ينعقد إجماع التابعين ولا اعتبار بقول الماضي، وليس بحق؛ لأنه يلزم منه أنه ~~إذا أجمعت الصحابة على حكم، ثم ماتوا وأجمع التابعون على خلاف إجماع ~~الماضين، أنه ينعقد وهو محال مخالف لإجماع القائلين بالإجماع. # وإنما الحق في ذلك أن يقال: إذا حكم الواحد من الصحابة بحكم ثم حكم ~~التابعون بخلافه، فحكم التابعين ليس هو حكم جميع الأمة المعتبرين في تلك ~~المسألة التي وقع الخوض فيها. # وإن كان حكمهم في ms182 مسألة لم يتقدم فيها خلاف بعض الصحابة فهو حكم كل الأمة ~~المعتبرين، وهذا كما لو أفتى الصحابي بحكم ثم مات، وأجمع باقي الصحابة على ~~خلافه فإنه لا ينعقد إجماعهم، وإن انعقد إجماعهم إذا مات من غير مخالفة ; ~~لأن حكمهم في الأول ليس هو حكم كل الأمة المعتبرين بخلاف حكمهم في الثاني. # PageV01P233 # والجواب عن المعارضة الأولى أنه وإن كان دليل التابعين معلوما للصحابة، ~~غير أنه لا يمتنع أن تكون واقعة الحكم لم تقع في زمن الصحابة فلم يتعرضوا ~~لحكمها، وإنما وقعت في زمن التابعين فتعرضوا لإثبات حكمها بناء على ما ~~وجدوه من الدليل الذي كان معلوما للصحابة. # وعن الثانية: أن الأدلة الدالة على كون الإجماع حجة لا تفرق بين أهل عصر ~~وعصر، وقوله عليه السلام: " «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (1) " ~~لا يدل على عدم الاهتداء بغيرهم إلا بطريق مفهوم اللقب، والمفهوم ليس بحجة ~~فضلا عن مفهوم اللقب على ما سيأتي في مسائل المفهوم. # وكذلك الكلام في قوله: " «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» " كيف ~~وأن ذلك مما يوجب كون إجماع أبي بكر وعمر مع مخالفة باقي الصحابة لهم حجة ~~قاطعة، وهو خلاف الإجماع من الصحابة؟ # قولهم: إنه ذم أهل الأعصار المتأخرة. # قلنا: غاية ما في ذلك غلبة ظهور الفساد والكذب، وليس فيه ما يدل على خلو ~~كل عصر ممن تقوم الحجة بقوله (2) ، وأنه (3) إذا اتفق أهل ذلك العصر على ~~حكم لا يكونون معصومين عن الخطأ فيه. # وعن الثالثة: ما سبق في مسألة تصور الاطلاع على إجماعهم ومعرفتهم. # وعن الرابعة: أنه إن أجمع الصحابة على تجويز الخلاف مطلقا فلا يتصور ~~انعقاد إجماع التابعين على الحكم في تلك المسألة، لما فيه من التعارض بين ~~الإجماعين القاطعين، وإن أجمعوا على تسويغ الاجتهاد مشروطا بعدم الإجماع ~~فلا تناقض. # وعن الخامسة: أنها منتقضة بالواحد من الصحابة، فإنه لو مات انعقد الإجماع ~~PageV01P234 # من باقي الصحابة دونه ولو كان غائبا لم ينعقد، وإنما كان كذلك ; لأن ~~الغائب في الحال له أهلية القول والحكم والموافقة والمخالفة بخلاف الميت. ms183 # وعن السادسة: أنها باطلة بالميت الأول من الصحابة ; فإنه يحتمل أنه خالف ~~ولم ينقل خلافه، ومع ذلك فإن إجماع باقي الصحابة بعده يكون منعقدا، كيف وإن ~~النظر إلى مثل هذه الاحتمالات البعيدة مما لا التفات إليه. # وإلا لما انعقد إجماع الصحابة لاحتمال أن يكون واحد منهم قد أظهر ~~الموافقة وأبطن المخالفة لأمر من الأمور، كما نقل عن ابن عباس في موافقته ~~لعمر في مسألة العول وإظهار النكير بعده. ### | [المسألة الثامنة حكم انعقاد إجماع الأكثر مع مخالفة الأقل] # المسألة الثامنة # اختلفوا في انعقاد إجماع الأكثر مع مخالفة الأقل، فذهب الأكثرون إلى أنه ~~لا ينعقد، وذهب محمد بن جرير الطبري، وأبو بكر الرازي، وأبو الحسين الخياط ~~من المعتزلة وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه إلى انعقاده. # وذهب قوم إلى أن عدد الأقل إن بلغ التواتر لم يعتد بالإجماع دونه وإلا ~~كان معتدا به. # وقال أبو عبد الله الجرجاني: إن سوغت الجماعة الاجتهاد في مذهب المخالف ~~كان خلافه معتدا به كخلاف ابن عباس في مسألة العول، وإن أنكرت الجماعة عليه ~~ذلك كخلاف ابن عباس في المتعة والمنع من تحريم ربا الفضل لم يكن خلافه ~~معتدا به. # ومنهم من قال: إن قول الأكثر يكون حجة وليس بإجماع، ومنهم من قال: إن ~~اتباع الأكثر أولى وإن جاز خلافه، والمختار مذهب الأكثرين، ويدل عليه ~~أمران: # الأول: أن التمسك في إثبات الإجماع حجة إنما هو بالأخبار الواردة في ~~السنة الدالة على عصمة الأمة على ما سبق تقريره، وعند ذلك، فلفظ (الأمة) في ~~الأخبار يحتمل أنه أراد به كل الموجودين، من المسلمين في أي عصر كان. # ويحتمل أنه أراد به الأكثر كما يقال: بنو تميم يحمون الجار ويكرمون ~~الضيف، والمراد به الأكثر منهم، غير أن حمله على الجميع مما يوجب العمل ~~بالإجماع # PageV01P235 # قطعا لدخول العدد الأكثر في الكل، ولا كذلك إذا حمل على الأكثر فإنه لا ~~يكون الإجماع مقطوعا به لاحتمال إرادة الكل، والأكثر ليس هو الكل. # الثاني: أنه قد جرى مثل ذلك في زمن الصحابة ولم ms184 ينكر أحد منهم على خلاف ~~الواحد، بل سوغوا له الاجتهاد فيما ذهب إليه مع مخالفة الأكثر، ولو كان ~~إجماع الأكثر حجة ملزمة للغير الأخذ به لما كان كذلك، فمن ذلك اتفاق أكثر ~~الصحابة على امتناع قتال مانعي الزكاة مع خلاف أبي بكر لهم، وكذلك خلاف ~~أكثر الصحابة لما انفرد به ابن عباس في مسألة العول وتحليل المتعة وأنه لا ~~ربا إلا في النسيئة. # وكذلك خلافهم لابن مسعود فيما انفرد به في مسائل الفرائض، ولزيد بن أرقم ~~في مسألة العينة، ولأبي موسى في قوله: النوم لا ينقض الوضوء، ولأبي طلحة في ~~قوله بأن أكل البرد لا يفطر، إلى غير ذلك. # ولو كان إجماع الأكثر حجة، لبادروا بالإنكار والتخطئة وما وجد منهم من ~~الإنكار في هذه الصور لم يكن إنكار تخطئة، بل إنكار مناظرة في المأخذ كما ~~جرت عادة المجتهدين بعضهم مع بعض، ولذلك بقي الخلاف الذي ذهب إليه الأقلون ~~جائزا إلى وقتنا هذا، وربما كان ما ذهب إليه الأقل هو المعول عليه الآن ~~كقتال مانعي الزكاة، ولو كان ذلك مخالفا للإجماع المقطوع به لما كان ذلك ~~سائغا. # وقد تمسك بعضهم هاهنا بطريقة أخرى، فقال إنه لو انعقد إجماع الأكثر مع ~~مخالفة الأقل فإما أن ينعقد الإجماع عليه، فيلزم منه ترك ما علمه بالدليل، ~~والرجوع إلى التقليد وذلك في حق المجتهد ممتنع، وإن لم ينعقد الإجماع عليه ~~فلا يكون الإجماع حجة مقطوعا بها فإنه لو كان مقطوعا به لما ساغت مخالفته ~~بالاجتهاد، ولقائل أن يقول: إذا فرضنا أن انعقاد الإجماع من الأكثر دون ~~الأقل حجة قاطعة، فالقول برجوع الواحد إليه، وإن كان على خلاف ما أوجبه ~~اجتهاده، لا يكون منكرا لما فيه من ترك الاجتهاد بالرجوع إلى الإجماع ~~القاطع. # ولهذا فإنه لو أجمعت الأمة على حكم ثم جاء من بعدهم مجتهد يرى في اجتهاده ~~ما يخالف إجماع الأمة السابقة، لم يجز له الحكم به، بل وجب عليه الرجوع إلى ~~الأمة (1) . PageV01P236 # احتج المخالفون بالنصوص والإجماع والمعقول. # أما من جهة النصوص فمنها ما ورد ms185 من الأخبار الدالة على عصمة الأمة عن ~~الخطأ، ولفظ (الأمة) يصح إطلاقه على أهل العصر وإن شذ منهم الواحد والاثنان ~~كما يقال: بنو تميم يحمون الجار، ويكرمون الضيف، والمراد به الأكثر، فكان ~~إجماعهم حجة لدلالة النصوص عليه. # ومنها قوله عليه السلام: " «عليكم بالسواد الأعظم عليكم بالجماعة يد الله ~~مع الجماعة إياكم والشذوذ» "، والواحد والاثنان بالنسبة إلى الخلق الكثير ~~شذوذ. # ( «الشيطان مع الواحد وهو عن الاثنين أبعد» ) ونحو ذلك من الأخبار. # وأما الإجماع فهو أن الأمة اعتمدت في خلافة أبي بكر على انعقاد الإجماع ~~عليه لما اتفق عليه الأكثرون وإن خالف في ذلك جماعة كعلي وسعد بن عبادة، ~~ولولا أن إجماع الأكثر حجة مع مخالفة الأقل، لما كانت إمامة أبي بكر ثابتة ~~بالإجماع، وأما من جهة المعقول فمن خمسة أوجه: # الأول: أن خبر الواحد بأمر لا يفيد العلم، وخبر الجماعة إذا بلغ عددهم ~~عدد التواتر يفيد العلم، فليكن مثله في باب الاجتهاد والإجماع. # الثاني: أن الكثرة يحصل بها الترجيح في رواية الخبر، فليكن مثله في ~~الاجتهاد. # الثالث: أنه لو اعتبرت مخالفة الواحد والاثنين لما انعقد الإجماع أصلا ; ~~لأنه ما من إجماع إلا ويمكن مخالفة الواحد والاثنين فيه إما سرا وإما ~~علانية. # الرابع: أن الإجماع حجة في العصر الذي هم فيه وفيما بعد، وذلك يقتضي أن ~~يكون فيهم مخالف حتى يكون حجة عليه. # الخامس: أن الصحابة أنكرت على ابن عباس خلافه في ربا الفضل في النقود ~~وتحليل المتعة والعول، ولولا أن اتفاق الأكثر حجة لما أنكروا عليه، فإنه ~~ليس للمجتهد الإنكار على المجتهد. # والجواب قولهم: لفظ (الأمة) يصح إطلاقه على الأكثر. # PageV01P237 # قلنا بطريق المجاز، ولهذا يصح أن يقال: إذا شذ عن الجماعة واحد ليس هم كل ~~الأمة ولا كل المؤمنين بخلاف ما إذا لم يشذ منهم أحد، وعلى هذا فيجب حمل ~~لفظ (الأمة) على الكل لكون الحجة فيه قطعية لما بيناه في حجتنا. # وعلى هذا فيجب حمل قوله عليه السلام: " «عليكم بالسواد الأعظم» (1) " على ~~جميع أهل العصر ; لأنه لا أعظم منه. # فإن ms186 قيل: فظاهر هذا الخبر يقتضي أن يكون السواد الأعظم حجة على من ليس ~~الأعظم وذلك لا يتم إلا بأن يكون في عصرهم مخالف لهم. # قلنا: هو حجة على من يأتي بعدهم أقل عددا منهم، وعلى هذا يكون الجواب عن ~~قوله: " «عليكم بالجماعة، يد الله على الجماعة» " وحيث قال عليه السلام: " ~~«الاثنان فما فوقهما جماعة» "، إنما أراد به انعقاد جماعة الصلاة بهما، ~~وقوله: " «إياكم والشذوذ» ". # قلنا: الشاذ هو المخالف بعد الموافقة لا من خالف قبل الموافقة، وقوله: " ~~«الشيطان مع الواحد وهو عن الاثنين أبعد» " أراد به الحث على طلب الرفيق في ~~الطريق، ولهذا قال " «والثلاثة ركب» ". # وما ذكروه في عقد الإمامة لأبي بكر، فلا نسلم أن الإجماع معتبر في انعقاد ~~الإمامة، بل البيعة بمحضر من عدلين كافية. # كيف وإنا لا نسلم عدم انعقاد إجماع الكل على بيعة أبي بكر، فإن كل من ~~تأخر عن البيعة إنما تأخر لعذر أو طرء أمر مع ظهور الموافقة منه بعد ذلك، ~~وقد استقصينا الكلام في هذا المعنى في الإمامة من علم الكلام. # والجواب عن الحجة الأولى من المعقول أنه إن كان صدق الأكثر فيما يخبرون ~~به عن أمر محسوس مفيد للعلم، فلا يلزم مثله في الإجماع الصادر عن الاجتهاد ~~مع أن الاحتجاج فيه إنما هو بقول الأمة، والأكثر ليس هم كل الأمة على ما ~~سبق. # ثم لو كان كل من أفاد خبره اليقين يكون قوله إجماعا محتجا به لوجب أن ~~يكون إجماع كل أهل بلد محتجا به مع مخالفة أهل البلد الآخر لهم ; لأن خبر ~~أهل كل بلد يفيد العلم. PageV01P238 # وعن الثانية أنه لا يلزم من الترجيح بالكثرة في الرواية التي يطلب منها ~~غلبة الظن دون اليقين مثله في الإجماع، مع كونه يقينيا، كيف وإنه لو اعتبر ~~في الإجماع ما يعتبر في الرواية لكان مصير الواحد إلى الحكم وحده إجماعا ~~كما أن روايته وحده مقبولة، وليس كذلك. # وعن الثالثة: أن الاحتجاج بالإجماع إنما يكون حيث علم الاتفاق من الكل ~~إما بصريح المقال أو قرائن الأحوال، ms187 وذلك ممكن حسب إمكان العلم باتفاق ~~الأكثر، وأما حيث لا يعلم فلا. # وإن قيل: إن ذلك غير ممكن، فمثله أيضا جار في الأكثر، ويلزم من ذلك أن لا ~~ينعقد الإجماع أصلا، وهو خلاف الأصلين (1) # وعن الرابعة: أنه يكون حجة على من خالف منهم بعد الوفاق في زمنهم، وعلى ~~من يوجد بعدهم، ثم إن كان الإجماع لا يكون حجة إلا مع الخلاف، فيلزم منه ~~أنه إذا لم يكن خلاف لا يكون إجماع، وهو ظاهر الإحالة. # وعن الخامسة: أن إنكار الصحابة على ابن عباس فيما ذهب إليه لم يكن بناء ~~على إجماعهم واجتهادهم، بل بناء على مخالفة ما رووه له من الأخبار الدالة ~~على تحريم ربا الفضل ونسخ المتعة على ما جرت به عادة المجتهدين في ~~مناظراتهم، والإنكار على مخالفة ما ظهر لهم من الدليل حتى يبين لهم المأخذ ~~من جانب الخصم، وذلك كما قال ابن عباس: من شاء باهلني باهلته، والذي أحصى ~~رمل عالج عددا ما جعل الله في الفريضة نصفا ونصفا وثلثا، هذان نصفان ذهبا ~~بالمال فأين موضع الثلث، وقال آخر: ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابنا ~~ولا يجعل أب الأب أبا، وليس ذلك لأن العود إلى قوله واجب على من خالفه بل ~~بمعنى طلب الكشف عن مأخذ المخالفة. # وإذا عرف أنه لا يكون اتفاق الأكثر إجماعا، فيمتنع أن يكون حجة لخروجه عن ~~الأدلة المتفق عليها. # وهي النص من الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، والقياس، وعدم دليل يدل على ~~صحة الاحتجاج به، ولذلك لا يكون أولى بالاتباع ; لأن الترجيح بالكثرة وإن ~~كان حقا في باب رواية الأخبار لما فيه من ظهور أحد الظنين على الآخر، فلا ~~يلزم مثله في باب الاجتهاد لما فيه من ترك ما ظهر له من الدليل لما لم يظهر ~~له فيه دليل، أو ظهر غير أنه مرجوح في نظره. PageV01P239 ### | [المسألة التاسعة هل ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفة التابعي] # المسألة التاسعة # اختلفوا في التابعي إذا كان من أهل الاجتهاد في عصر الصحابة هل ينعقد ~~إجماع الصحابة ms188 مع مخالفته أم لا. # فمنهم من قال: لا ينعقد بإجماعهم مع مخالفته ثم اختلف هؤلاء. # فمن لم يشترط انقراض العصر قال: إن كان من أهل الاجتهاد قبل انعقاد إجماع ~~الصحابة ; فلا يعتد بإجماعهم مع مخالفته، وإن بلغ رتبة الاجتهاد بعد انعقاد ~~إجماع الصحابة لا يعتد بخلافه، وهذا هو مذهب أصحاب الشافعي وأكثر المتكلمين ~~وأصحاب أبي حنيفة، ومذهب أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه. # ومن شرط انقراض العصر، قال لا ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفته، سواء كان ~~من أهل الاجتهاد حالة إجماعهم أو صار مجتهدا بعد إجماعهم لكن في عصرهم. # وذهب قوم إلى أنه لا عبرة بمخالفته أصلا، وهو مذهب بعض المتكلمين، وأحمد ~~بن حنبل في رواية. # والمختار أنه إن كان من أهل الاجتهاد حالة إجماع الصحابة لا ينعقد ~~إجماعهم دون موافقته. # وقد استدل كثير من أصحابنا بقولهم إن الصحابة سوغت للتابعين المعاصرين ~~لهم الاجتهاد معهم في الوقائع الحادثة في عصرهم، كسعيد بن المسيب، وشريح ~~القاضي، والحسن البصري، ومسروق، وأبي وائل، والشعبي، وسعيد بن جبير وغيرهم، ~~حتى إن عمر وعليا وليا شريحا القضاء ولم يعترضا عليه فيما خالفهما فيه وحكم ~~على علي في خصومة عرضت له عنده على خلاف رأي علي، ولم ينكر عليه، وروي عن ~~ابن عمر أنه سئل عن فريضة، فقال: اسألوا سعيد بن جبير فإنه أعلم بها مني. # وسئل الحسين بن علي كرم الله وجهه عن مسألة، فقال: اسألوا الحسن البصري، ~~وسئل ابن عباس عن نذر ذبح الولد، فقال: اسألوا مسروقا، فلما أتاه السائل ~~بجوابه اتبعه. # وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: تذاكرت أنا وابن عباس ~~وأبو هريرة في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال ابن عباس: عدتها أبعد ~~الأجلين، وقلت أنا: عدتها أن تضع حملها، وقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، ~~فسوغ ابن عباس لأبي سلمة أن يخالفه مع أبي هريرة، إلى غير ذلك من الوقائع. # PageV01P240 # ولو كان قول التابعي باطلا لما ساغ للصحابة تجويزه والرجوع إليه، وفي هذه ~~الحجة ms189 نظر فإن لقائل أن يقول إنما كان الاجتهاد مسوغا للتابعي عند اختلاف ~~الصحابة ولا يلزم من الاعتداد بقوله مع الاختلاف الاعتداد بقوله مع ~~الاتفاق، وهو محل النزاع. # ولهذا فإن قول التابعي معتبر بعد انقراض عصر الصحابة إذا لم يكن منهم ~~اتفاق، وغير معتبر إذا كان على خلاف اتفاقهم. # والمعتمد في ذلك أن يقال: الأدلة الدالة على كون الإجماع حجة إنما هي ~~الأخبار الدالة على عصمة الأمة عن الخطأ على ما سبق، وهذا الاسم لا يصدق ~~عليهم مع خروج التابعين المجتهدين عنهم، فإنه لا يقال إجماع جميع الأمة بل ~~إجماع بعضهم فلا يكون حجة. # احتج الخصوم بالنص والمعقول والآثار. # أما النص فقوله عليه السلام: " «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من ~~بعدي عضوا عليها بالنواجذ» "، وقوله: " «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر ~~وعمر» "، وقوله: " «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ". # وأما المعقول فهو أن الصحابة لهم مزية الصحبة وشهادة التنزيل وسماع ~~التأويل وأنهم مرضي عنهم على ما قال تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ ~~يبايعونك تحت الشجرة} ، وقد قال النبي في حقهم: «لو أنفق غيرهم (1) ملء ~~الأرض ذهبا لما بلغ مد أحدهم» ، وذلك يدل على أن الحق معهم لا مع مخالفهم. # وأما الآثار فمنها أن عليا عليه السلام نقض على شريح حكمه في ابني عم ~~أحدهما أخ لأم، لما جعل المال كله للأخ. # ومنها ما روي عن عائشة أنها أنكرت على أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ~~مجاراته للصحابة، وكلامه فيما بينهم وزجرته عن ذلك، وقالت: " فروج يصيح مع ~~الديكة ". # والجواب عن النصوص ما سبق في مسألة انعقاد إجماع غير الصحابة. ~~PageV01P241 # وعن المعقول قولهم إن الصحابة لهم مزية الصحبة والفضيلة والدرجة الرفيعة. # قلنا: لو كان ذلك مما يوجب اختصاص الإجماع بهم لما اعتبر قول الأنصار مع ~~المهاجرين، ولا قول المهاجرين مع قول العشرة، ولا قول باقي العشرة مع قول ~~الخلفاء الأربعة، ولا قول عثمان وعلي مع قول أبي بكر وعمر، ولا قول غير ~~الأهل مع الأهل ولا الزوجات مع الزوجات لوقوع ms190 التفاوت والتفاضل، ولم يقل به ~~قائل. # وعن الآثار، أما نقض علي على شريح حكمه ; فليس لأن قوله غير معتبر. # ولهذا فإنه لما حكم عليه في مخاصمته بخلاف رأيه لم ينكر عليه، وإنما نقض ~~حكمه بمعنى أنه رد عليه بطريق الاستدلال والاعتراض كما يقال: نقض فلان كتاب ~~فلان وكلامه إذا اعترض عليه، ويحتمل أنه نقضه بنص اطلع عليه أوجب نقض حكمه. # وأما إنكار عائشة على أبي سلمة فيحتمل أنه كان ذلك بخلافه فيما سبق فيه ~~إجماع الصحابة؛ أو لأنه لم يكن قد بلغ رتبة الاجتهاد أو بطريق التأديب مع ~~الصحابة، أو لأنها رأت ذلك مذهبا لها فلا حجة فيه. # PageV01P242 ### | [المسألة العاشرة إجماع أهل المدينة] # المسألة العاشرة # اتفق الأكثرون على أن إجماع أهل المدينة وحدهم لا يكون حجة على من خالفهم ~~في حالة انعقاد إجماعهم خلافا لمالك، فإنه قال: يكون حجة، ومن أصحابه من ~~قال إنما أراد بذلك ترجيح روايتهم على رواية غيرهم، ومنهم من قال: أراد به ~~أن يكون إجماعهم أولى، ولا تمتنع مخالفته. # ومنهم من قال: أراد بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والمختار مذهب الأكثرين، وذلك أن الأدلة الدالة على كون الإجماع حجة ~~متناولة لأهل المدينة والخارج عن أهلها وبدونه لا يكونون كل الأمة ولا كل ~~المؤمنين، فلا يكون إجماعهم حجة على ما عرف في المسائل المتقدمة. # احتج من نصر مذهب مالك بالنص والمعقول، أما النص فقوله عليه السلام: " ~~«إن المدينة طيبة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد» " والخطأ من الخبث ~~فكان منفيا عنها. # وقال عليه السلام: " «إن الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى ~~جحرها» "، وقال عليه السلام: " «لا يكايد أحد أهل المدينة إلا انماع كما ~~ينماع الملح في الماء» ". # وأما المعقول فمن ثلاثة أوجه: # الأول: هو أن المدينة دار هجرة النبي عليه السلام، وموضع قبره (1) ، ~~ومهبط الوحي ومستقر الإسلام ومجمع الصحابة، فلا يجوز أن يخرج الحق عن قول ~~أهلها. # الثاني: أن أهل المدينة شاهدوا التنزيل، وسمعوا التأويل وكانوا أعرف ~~بأحوال الرسول من غيرهم، ms191 فوجب أن لا يخرج الحق عنهم. # الثالث: أن رواية أهل المدينة مقدمة على رواية غيرهم، فكان إجماعهم حجة ~~على غيرهم. # والجواب عن النص الأول أنه وإن دل على خلوص المدينة عن الخبث، فليس فيه ~~ما يدل على أن من كان خارجا عنها لا يكون خالصا عن الخبث، ولا على كون ~~إجماع أهل المدينة دونه حجة، وتخصيصه للمدينة بالذكر إنما كان إظهارا ~~لشرفها وإبانة لخطرها وتمييزا لها عن غيرها لما اشتملت عليه المذكورة في ~~الوجه الأول من المعقول، وهو الجواب عن باقي النصوص. PageV01P243 # وعن الوجه الأول من المعقول أن غايته اشتمال المدينة على صفات موجبة ~~لفضلها وليس في ذلك ما يدل على انتفاء الفضيلة عن غيرها ولا على الاحتجاج ~~بإجماع أهلها. # ولهذا فإن مكة أيضا مشتملة على أمور موجبة لفضلها كالبيت المحترم، ~~والمقام وزمزم، والحجر المستلم، والصفا والمروة ومواضع المناسك، وهي مولد ~~النبي عليه السلام ومبعثه ومولد إسماعيل (1) ومنزل إبراهيم، ولم يدل ذلك ~~على الاحتجاج بإجماع أهلها على مخالفيهم إذ لا قائل به، وإنما الاعتبار ~~بعلم العلماء واجتهاد المجتهدين ولا أثر للبقاع في ذلك. # وعن الوجه الثاني أن ذلك لا يدل على انحصار أهل العلم فيها والمعتبرين من ~~أهل الحل والعقد ومن تقوم الحجة بقولهم، فإنهم كانوا منتشرين في البلاد ~~متفرقين في الأمصار وكلهم فيما يرجع إلى النظر والاعتبار سواء، ولهذا قال ~~عليه السلام: " «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (2) " ولم يخصص ذلك ~~بموضع دون موضع لعدم تأثير المواضع في ذلك. # وعن الوجه الثالث أنه تمثيل من غير دليل موجب للجمع بين الرواية ~~والدراية. # كيف وإن الفرق حاصل، وذلك من جهة الإجمال والتفصيل. # وأما الإجمال: فهو أن الرواية يرجح فيها بكثرة الرواة حتى إنه يجب على كل ~~مجتهد الأخذ بقول الأكثر بعد التساوي في جميع الصفات المعتبرة في قبول ~~الرواية، ولا كذلك في الاجتهاد فإنه لا يجب على أحد من المجتهدين الأخذ ~~بقول الأكثر من المجتهدين ولا بقول الواحد أيضا. # وأما من جهة التفصيل: فهو أن الرواية مستندها السماع ووقوع الحوادث ~~المروية ms192 في زمن النبي عليه السلام وبحضرته. # ولما كان أهل المدينة أعرف بذلك وأقرب إلى معرفة المروي كانت روايتهم ~~أرجح. # وأما الاجتهاد: فإن طريقه النظر والبحث بالقلب والاستدلال على الحكم، ~~وذلك مما لا يختلف بالقرب والبعد، ولا يختلف باختلاف الأماكن. # وعلى ما ذكرناه فلا يكون إجماع أهل الحرمين - مكة والمدينة والمصرين ~~الكوفة والبصرة - حجة على مخالفيهم وإن خالف فيه قوم، لما ذكرناه من ~~الدليل. PageV01P244 ### | [المسألة الحادية عشرة إجماع أهل البيت] # المسألة الحادية عشرة # لا يكفي في انعقاد الإجماع اتفاق أهل البيت، مع مخالفة غيرهم لهم خلافا ~~للشيعة للدليل السابق في المسائل المتقدمة. # احتج المثبتون بالكتاب والسنة والمعقول: # أما الكتاب فقوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا} أخبر بذهاب الرجس عن أهل البيت " بإنما "، وهي للحصر فيهم، ~~وأهل البيت علي وفاطمة والحسن والحسين. # ويدل على هذا أنه لما نزلت هذه الآية أدار النبي عليه السلام الكساء على ~~هؤلاء، وقال: " «هؤلاء أهل بيتي» (1) " والخطأ (2) . والضلال من الرجس فكان ~~منتفيا عنهم. PageV01P245 # وأما السنة فقوله عليه السلام: " «إني تارك فيكم الثقلين، فإن تمسكتم ~~بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي» (1) " حصر التمسك بهما فلا تقف الحجة على ~~غيرهما. # وأما المعقول فهو أن أهل البيت اختصوا بالشرف والنسب، وأنهم أهل بيت ~~الرسالة، ومعدن النبوة، والوقوف على أسباب التنزيل ومعرفة التأويل وأفعال ~~الرسول وأقواله ; لكثرة مخالطتهم له عليه السلام، وأنهم معصومون عن الخطأ ~~PageV01P246 # على ما عرف في موضعه من الإمامة، والآية (1) المذكورة أولا ; فكانت ~~أقوالهم وأفعالهم حجة على غيرهم، بل قول الواحد منهم ضرورة عصمته عن الخطأ ~~كما في أقوال النبي عليه السلام وأفعاله. # والجواب عن التمسك بالآية أنها إنما نزلت في زوجات النبي عليه السلام ~~لقصد دفع التهمة عنهن وامتداد الأعين بالنظر إليهن. # ويدل على ذلك أول الآية وآخرها وهو قوله تعالى: {يا نساء النبي لستن كأحد ~~من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا ~~معروفا} إلى قوله: {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ms193 وأقمن ~~الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت} ، وقوله عليه السلام: " «هؤلاء أهل بيتي» " لا ينافي كون ~~الزوجات من أهل البيت ويدل عليه الآية المخاطبة لهم بأهل البيت. # والخبر وهو ما روي عن أم سلمة «أنها قالت للنبي عليه السلام: " ألست من ~~أهل البيت " قال: " بلى إن شاء الله» " (2) . # فإن قيل: لو كان المراد بقوله: {ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} الزوجات ~~لقال: (عنكن) . # قلنا: إنما قال (عنكم) لأن أول الآية وإن كان خطابا مع الزوجات، غير أنه ~~لما خاطبهن بأهل البيت أدخل معهن غيرهن من الذكور كعلي والحسن والحسين، ~~فجاء بخطاب التذكير ; لأن الجمع إذا اشتمل على مذكر ومؤنث غلب جمع التذكير، ~~وصار كما في قوله تعالى في حق زوجة إبراهيم: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء ~~إسحاق يعقوب - قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء ~~عجيب - قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} فكان ~~ذلك عائدا إليها وإلى من حواه بيت إبراهيم من ذكر وأنثى. PageV01P247 # وعن الخبر أنه من باب الآحاد، وعندهم أنه ليس بحجة (1) وإن كان حجة ولكن ~~لا نسلم أن المراد بالثقلين الكتاب والعترة، بل الكتاب والسنة على ما روي ~~أنه قال: " «كتاب الله وسنتي» " وإن كان كما ذكروه غير أنه أمكن حمله على ~~الرواية عنه عليه السلام وروايتهم حجة، ويجب الحمل على ذلك جمعا بين ~~الأدلة، وإنما خصهم بذلك؛ لأنهم أخبر بحاله من أقواله وأفعاله (2) # ثم ما ذكروه معارض بقوله عليه السلام: " «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم» (3) ، " «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها ~~بالنواجذ» " (4) ، وبقوله: " «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» "، ~~وبقوله: " «خذوا شطر دينكم عن الحميراء» " (5) وليس العمل بما ذكرتموه أولى ~~مما ذكرناه. # وعن المعقول ; أما اختصاصهم بالشرف والنسب فلا أثر له في الاجتهاد ~~واستنباط الأحكام من مداركها، بل المعول في ذلك إنما هو على الأهلية للنظر ~~والاستدلال ومعرفة المدارك الشرعية وكيفية استثمار الأحكام منها، وذلك مما ms194 ~~لا يؤثر فيه الشرف ولا قرب القرابة. # وأما كثرة المخالطة للنبي عليه السلام، فذلك مما يشارك العترة فيه ~~الزوجات ومن كان يصحبه من الصحابة في السفر والحضر من خدمه وغيرهم، وأما ~~العصمة فلا يمكن التمسك بها لما بيناه في الكتب الكلامية. # وأما الآية فقد بينا أن المراد بنفي الرجس إنما هو نفي الظنة والتهمة عن ~~زوجات النبي عليه السلام وذلك بمعزل عن الخطأ والضلال في الاجتهاد والنظر ~~في الأحكام الشرعية. PageV01P248 # وعلى هذا فقد بطل أن يكون قول الواحد منهم أيضا حجة. # ويؤيد ذلك أن عليا عليه السلام لم ينكر على أحد ممن خالفه فيما ذهب إليه ~~من الأحكام، ولم يقل له إن الحجة فيما أقول مع كثرة مخالفيه، ولو كان ذلك ~~منكرا، فقد كان متمكنا من الإنكار فيما خولف فيه في زمن ولايته وظهور شوكته ~~; فتركه لذلك يكون خطأ منه، ويخرج بذلك عن العصمة وعن وجوب اتباعه فيما ذهب ~~إليه. ### | [المسألة الثانية عشرة إجماع الخلفاء الأربعة] # المسألة الثانية عشرة # لا ينعقد إجماع الأئمة الأربعة مع وجود المخالف لهم من الصحابة عند ~~الأكثرين خلافا لأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، وللقاضي أبي حازم من ~~أصحاب أبي حنيفة، وكذلك لا ينعقد إجماع الشيخين أبي بكر وعمر مع مخالفة ~~غيرهما لهما، خلافا لبعض الناس، ودليل ذلك ما سبق في المسائل المتقدمة. # حجة من قال بانعقاد إجماع الأئمة الأربعة قوله عليه السلام: " «عليكم ~~بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» " أوجب اتباع ~~سنتهم كما أوجب اتباع سنته، والمخالف لسنته لا يعتد بقوله، فكذلك المخالف ~~لسنتهم. # وحجة من قال بانعقاد إجماع الشيخين قوله عليه السلام: " «اقتدوا باللذين ~~من بعدي أبي بكر وعمر» ". # والجواب عن الخبر الأول أنه عام في كل الخلفاء الراشدين ولا دلالة فيه ~~على الحصر في الأئمة الأربعة، وإن دل على الحصر فهو معارض بقوله عليه ~~السلام: " «أصحابي كالنجوم» (1) " الحديث. # وليس العمل بأحد الخبرين أولى من الآخر، وإذا تعارض الخبران سلم لنا ما ~~ذكرناه، وبهذا يبطل الاستدلال بالخبر الآخر أيضا. ms195 PageV01P249 ### | [المسألة الثالثة عشرة اشتراط عدد التواتر في الإجماع] # المسألة الثالثة عشرة # اختلفوا في اشتراط عدد التواتر في الإجماع، فمن استدل على كون الإجماع ~~حجة بدلالة العقل وهو أن الجمع الكثير لا يتصور تواطؤهم على الخطأ كإمام ~~الحرمين وغيره فلا بد من اشتراط ذلك عنده لتصور الخطأ على من دون عدد ~~التواتر. # وأما من احتج على ذلك بالأدلة السمعية، فقد اختلفوا فمنهم من شرطه ومنهم ~~من لم يشترطه. # والحق أنه غير مشترط لما بيناه من أن إثبات الإجماع بطريق العقل غير ~~متصور، وأنه لا طريق إليه سوى الأدلة السمعية من الكتاب والسنة، وعلى هذا ~~فمهما كان عدد الإجماع أنقص من عدد التواتر صدق عليهم لفظ (الأمة) و ~~(المؤمنين) وكانت الأدلة السمعية موجبة لعصمتهم عن الخطأ عليهم، ووجب ~~اتباعهم. # فإن قيل: ما ذكرتموه إنما يصح بتقدير عود عدد المسلمين إلى ما دون عدد ~~التواتر، وذلك غير متصور مهما دام التكليف من الله تعالى بدين الإسلام، ~~وذلك لأن التكليف به إنما يكون مع قيام الحجة على ذلك، والحجة على ذلك إنما ~~تكون بالنقل المفيد لوجود محمد وتحديه بالرسالة، وما ورد على لسانه من معجز ~~الكتاب والسنة وأدلة الأحكام يقينا، ولا يفيد ذلك غير التواتر من أخبار ~~المسلمين لعدم نقل غيرهم لذلك ومبالغتهم في محو ذلك وإعدامه. # سلمنا إمكان انتفاء التكليف مع عود عدد المجمعين إلى ما دون عدد التواتر ~~ولكن ما دون عدد التواتر مما لا يعلم إسلامهم وإيمانهم بأقوالهم، ومن لا ~~يعلم إيمانه لا يعلم صدقه في الخبر عن الدين. # سلمنا إمكان حصول العلم بأقوال من عددهم دون عدد التواتر فلو لم يبق من ~~الأمة سوى واحد هل تقوم الحجة بقوله أم لا؟ # والجواب عن الأول: أنا إن قلنا إن أهل الإجماع هم أهل الحل والعقد، فلا ~~يلزم من نقصان عددهم عن عدد التواتر انقطاع الحجة بالتكليف؛ لإمكان حصول ~~المعرفة بذلك من أخبار المجتهدين والعامة جميعا، فإنه ليس من شرط التواتر ~~أن # PageV01P250 # يكون ناقله مجتهدا، وإن قلنا إن العوام داخلة في الإجماع ms196 ومع ذلك فعدد ~~الجميع دون عدد التواتر، فلا يلزم أيضا انقطاع ذلك لإمكان إدامة الله ذلك ~~بأخبار المسلمين وأخبار الكفار معهم، وإن كانوا لا يعترفون بنبوة محمد عليه ~~السلام وبخبر العدد القليل لاحتفاف القرائن المفيدة للعلم بأخبارهم. # ويدل على ذلك قوله عليه السلام: " «لا تزال طائفة من أمتي تقوم بالحق حتى ~~يأتي أمر الله» "، وبتقدير عدم ذلك كله فانقطاع التكليف وانتهاء الإسلام ~~غير ممتنع عقلا ولا شرعا. # ولذلك قال عليه السلام: " «أول ما يفقد من دينكم الأمانة، وآخر ما يفقد ~~الصلاة» "، وقال عليه السلام: " «إن الله لا ينزع العلم من صدور الرجال، ~~ولكن ينزع العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، ~~فإذا سئلوا أفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» ". # وعن السؤال الثاني: أنه لا بعد في حصول العلم بخبرهم بما يحتف به من ~~القرائن، بل ولا بعد في ذلك وإن كان المخبر واحدا، وأن يخلق الله لنا العلم ~~الضروري بذلك. # وعن السؤال الثالث: أن ذلك مما اختلف فيه جواب الأصحاب، فمنهم من قال: إن ~~قوله يكون حجة متبعة ; لأنه إذا لم يوجد من الأمة سواه صدق عليه إطلاق لفظ ~~(الأمة) . # ودليله قوله تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتا} أطلق لفظ (الأمة) عليه ~~وهو واحد. # والأصل في الإطلاق الحقيقة، وإذا كان أمة كانت النصوص السابق ذكرها ~~متناولة له حسب تناولها للجمع الكثير. # ومنهم من أنكر ذلك مصيرا منه إلى أن لفظ (الإجماع) مشعر بالاجتماع وأقل ~~ما يكون ذلك من اثنين فصاعدا. # PageV01P251 ### | [المسألة الرابعة عشرة الإجماع السكوتي] # المسألة الرابعة عشرة # اختلفوا فيما إذا ذهب واحد من أهل الحل والعقد إلى حكم، وعرف به أهل عصره ~~ولم ينكر عليه منكر، هل يكون ذلك إجماعا؟ # فذهب أحمد بن حنبل وأكثر أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي، والجبائي ~~إلى أنه إجماع وحجة. # لكن من هؤلاء من شرط في ذلك انقراض العصر كالجبائي. # وذهب الشافعي إلى نفي الأمرين وهو منقول عن داود وبعض أصحاب أبي حنيفة. # وذهب أبو هاشم إلى أنه حجة وليس ms197 بإجماع. # وذهب أبو علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي إلى أنه إن كان ذلك حكما من ~~حاكم لم يكن إجماعا، وإن كان فتيا كان إجماعا. # وقد احتج النافون لكونه إجماعا بأن سكوت من سكت يحتمل أن يكون لأنه ~~موافق، ويحتمل أنه لم يجتهد بعد في حكم الواقعة، ويحتمل أنه اجتهد لكن لم ~~يؤد اجتهاده إلى شيء، وإن أدى إلى شيء فيحتمل أن يكون ذلك الشيء مخالفا ~~للقول الذي ظهر، لكنه لم يظهره إما للتروي والتفكر في ارتياد وقت يتمكن من ~~إظهاره، وإما لاعتقاده أن القائل بذلك مجتهد ولم ير الإنكار على المجتهد؛ ~~لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب، أو لأنه سكت خشية ومهابة وخوف ثوران فتنة، كما ~~نقل عن ابن عباس أنه وافق عمر في مسألة العول وأظهر النكير بعده، وقال: ~~هبته وكان رجلا مهيبا، وإما لظنه أن غيره قد كفاه مؤنة الإنكار وهو مخطئ ~~فيه. # ومع هذه الاحتمالات فلا يكون سكوتهم مع انتشار قول فيما بينهم إجماعا ولا ~~حجة. # PageV01P252 # وأما حجة ابن أبي هريرة أن العادة جارية بأن الحاضر مجالس الحكام يحضر ~~على بصيرة من خلافهم له فيما ذهب إليه من غير إنكار لما في الإنكار من ~~الافتيات عليهم ; ولأن حكم الحاكم يقطع الخلاف ويسقط الاعتراض، بخلاف قول ~~المفتي، فإن فتواه غير لازمة ولا مانعة من الاجتهاد، وفي هاتين الحجتين ~~نظر: # أما الأولى: فما ذكر فيها من الاحتمالات وإن كانت منقدحة عقلا، فهي خلاف ~~الظاهر من أحوال أرباب الدين وأهل الحل والعقد. # أما احتمال عدم الاجتهاد في الواقعة فبعيد من الخلق الكثير والجم الغفير، ~~لما فيه من إهمال حكم الله تعالى فيما حدث مع وجوبه عليهم وإلزامهم به ~~وامتناع تقليدهم لغيرهم مع كونهم من المجتهدين؛ فإنه معصية، والظاهر عدم ~~ارتكابها من المتدين المسلم. # وأما احتمال عدم تأدية الاجتهاد إلى شيء من الأحكام فبعيد أيضا؛ لأن ~~الظاهر أنه ما من حكم إلا ولله تعالى عليه دلائل وأمارات تدل عليه، والظاهر ~~ممن له أهلية الاجتهاد إنما هو الاطلاع عليها والظفر بها. ms198 # وأما احتمال تأخير الإنكار للتروي والتفكر، وإن كان جائزا، غير أن العادة ~~تحيل ذلك في حق الجميع ولا سيما إذا مضت عليهم أزمنة كثيرة حتى انقرض العمر ~~من غير نكير. # وأما احتمال السكوت عنه لكونه مجتهدا، فذلك مما لا يمنع من مباحثته ~~ومناظرته وطلب الكشف عن مأخذه، لا بطريق كالعادة الجارية من زمن الصحابة ~~إلى زمننا هذا بمناظرة المجتهدين وأئمة الدين فيما بينهم ; لتحقيق الحق ~~وإبطال الباطل، كمناظرتهم في مسائل الجد والإخوة، وقوله: أنت علي حرام، ~~والعول، ودية الجنين ونحو ذلك من المسائل. # وأما احتمال التقية فبعيد أيضا، وذلك لأن التقية إنما يكون فيما يحتمل ~~المخافة ظاهرا، وليس كذلك لوجهين: # الأول أن مباحث المجتهدين غير مستلزمة لذلك ; وذلك لأن الغالب من حال ~~المجتهد وهو من سادات أرباب الدين، أن مباحثته فيما ذهب إليه لا توجب خيفة ~~على نفسه، ولا حقدا في صدره تخاف عاقبته، إذ هو خلاف مقتضى الدين. # PageV01P253 # الثاني أنه إما أن يكون خاملا غير مخوف، فلا تقية بالنسبة إليه وإن كان ~~ذا شوكة وقوة كالإمام الأعظم، فمحاباته في ذلك تكون غشا في الدين، والكلام ~~معه فيه يعد نصحا. # والغالب إنما هو سلوك طريق النصح وترك الغش من أرباب الدين كما نقل عن ~~علي في رده على عمر في عزمه على إعادة الجلد على أحد الشهود على المغيرة ~~(1) بقوله: " إن جلدته، ارجم (2) صاحبك ". # ورد معاذ عليه في عزمه على جلد الحامل بقوله: إن جعل الله لك على ظهرها ~~سبيلا فما جعل لك على ما في بطنها سبيلا، حتى قال عمر: لولا معاذ لهلك عمر. # ومن ذلك رد المرأة على عمر لما نهى عن المغالاة في مهور النساء بقولها: ~~أيعطينا الله تعالى بقوله: {وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} ، ~~ويمنعنا عمر، حتى قال عمر: امرأة خاصمت عمر فخصمته. # ومن ذلك قول عبيدة السلماني لعلي عليه السلام لما ذكر أنه قد تجدد له رأي ~~في بيع أمهات الأولاد: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك، إلى غير ~~ذلك من ms199 الوقائع. # وأما حجة ابن أبي هريرة فإنما تصح بعد استقرار المذاهب، وأما قبل ذلك فلا ~~نسلم أن السكوت لا يكون إلا عن رضا، وعلى هذا فالإجماع السكوتي ظني ~~والاحتجاج به ظاهر لا قطعي. PageV01P254 ### | [المسألة الخامسة عشرة قول المجتهد إذا لم يعرف له مخالف] # المسألة الخامسة عشرة (1) إذا ذهب واحد من أهل الحل والعقد إلى حكم في ~~مسألة، ولم ينتشر بين أهل عصره، لكنه لم يعرف له مخالف هل يكون إجماعا؟ # اختلفوا فيه والأكثر على أنه ليس بإجماع وهو المختار، وذلك لأنه إنما ~~يتخيل كونه إجماعا من أهل العصر إذا علموا بقوله وسكتوا عن الإنكار على ما ~~تقدم في المسألة التي قبلها، وأما إذا لم يعلموا به فيمتنع رضاهم به أو ~~سخطهم، ومع ذلك فيحتمل أن لا يكون لهم في تلك المسألة قول لعدم خطورها ~~ببالهم. # وإن كان لهم فيها قول احتمل أن يكون موافقا للمنقول إلينا، واحتمل أن ~~يكون مخالفا له احتمالا على السواء. # ومن لا قول له في نفس الأمر في المسألة أو له قول لكنه متردد بين ~~الموافقة والمخالفة فلا تتحقق منه الموافقة والإجماع، وإذا لم يكن ذلك ~~إجماعا فهل يكون ما نقل إلينا من قول الصحابي حجة متبعة أو لا؟ فسيأتي ~~الكلام فيه فيما بعد (2) PageV01P255 ### | [المسألة السادسة عشرة انقراض العصر هل هو شرط في انعقاد الإجماع] # المسألة السادسة عشرة # اختلفوا في انقراض العصر، هل هو شرط في انعقاد الإجماع أو لا؟ # فذهب أكثر أصحاب الشافعي، وأبي حنيفة والأشاعرة والمعتزلة إلى أنه ليس ~~بشرط، وذهب أحمد بن حنبل، والأستاذ أبو بكر بن ذفورك إلى اعتباره شرطا. # ومن الناس من فصل وقال: إن كان قد اتفقوا بأقوالهم أو أفعالهم أو بهما، ~~لا يكون انقراض العصر شرطا. # وإن كان الإجماع بذهاب واحد من أهل الحل والعقد إلى حكم وسكت الباقون عن ~~الإنكار مع اشتهاره فيما بينهم، فهو شرط، وهذا هو المختار. # لكن قد احتج القائلون بعدم الاشتراط بمسلكين ضعيفين لا بد من الإشارة ~~إليهما ووجه ضعفهما، ثم نذكر بعد ذلك ms200 ما هو المختار. # المسلك الأول: أنهم قالوا: وقع الإجماع على كون الإجماع حجة بعد انقراض ~~العصر إذا لم يوجد لهم مخالف، فالحجة إما أن تكون في نفس الاتفاق أو نفس ~~انقراض العصر أو مجموع الأمرين. # لا جائز أن يقال بالثاني، وإلا كان انقراض العصر دون الاتفاق حجة وهو ~~محال، ولا جائز أن يقال بالثالث وإلا كان موتهم مؤثرا في جعل أقوالهم حجة ~~وهو محال كما في موت النبي عليه السلام، فلم يبق سوى الأول، وهو ثابت قبل ~~انقراض العصر وذلك هو المطلوب. # ولقائل أن يقول: ما المانع أن تكون الحجة في اتفاقهم مشروطا بعدم المخالف ~~لهم في عصرهم. # ولا يخفى أن دعوى إحالة ذلك غير محل النزاع، ولا يلزم من عدم اشتراط عدم ~~مخالفة النبي عليه السلام في صحة الاحتجاج بقوله عدم اشتراط ذلك فيما نحن ~~فيه إذ هو تمثيل جامع صحيح، كيف والفرق حاصل من جهة أن قول النبي مستند إلى ~~الوحي على ما قال تعالى: {وما ينطق عن الهوى - إن هو إلا وحي يوحى} ، وقول ~~غيره ليس عن وحي حتى يقع في مقابلة قوله، وأما قول غيره فمستند إلى ~~الاجتهاد، وقول المخالف له أيضا مستند إلى الاجتهاد، وليس أحدهما أولى من ~~الآخر فافترقا. # PageV01P256 # المسلك الثاني: هو أن القول باشتراط انقراض العصر يفضي إلى عدم تحقق ~~الإجماع مطلقا مع كونه حجة متبعة، وكل شرط أفضى إلى إبطال المشروط المتفق ~~على تحقيقه كان باطلا. # وبيان ذلك أن من اشترط انقراض العصر جوز لمن حدث من التابعين لأهل ذلك ~~العصر إذا كان من أهل الاجتهاد مخالفتهم، وشرط في صحة إجماعهم موافقته لهم، ~~وإذا صار التابعي من أهل الإجماع فقد لا ينقرض عصرهم حتى يحدث تابع ~~التابعي. # والكلام فيه كالكلام في الأول وهلم جرا إلى يوم القيامة، ومع ذلك فلا ~~يكون الإجماع متحققا في عصر من الأعصار. # ولقائل أن يقول: القائلون باشتراط انقراض العصر اختلفوا في إدخال من أدرك ~~المجمعين من التابعين لهم في إجماعهم، فذهب أحمد بن حنبل إلى أنه لا ms201 مدخل ~~للتابعي في إجماع أهل ذلك العصر في إحدى الروايتين عنه، مع أنه يشترط ~~انقراض العصر. # وفائدة اشتراطه لذلك إمكان رجوع المجمعين أو بعضهم عما حكموا به أولا لا ~~لجواز وجود مجتهد آخر، وعلى هذا فالإشكال يكون مندفعا. # وبتقدير تسليم دخول التابع لهم في إجماعهم فلا يمتنع أن يكون الشرط هو ~~انقراض عصر المجمعين عند حدوث الحادثة، واعتبار موافقة من أدرك ذلك العصر ~~من المجتهدين لا عصر من أدرك عصرهم، وعلى هذا فالإشكال لا يكون متجها. # والمعتمد في ذلك أن يقال: إذا اتفق إجماع أمة عصر (1) من الأعصار على حكم ~~حادثة، فهم كل الأمة بالنسبة إلى تلك المسألة وتجب عصمتهم في ذلك عن الخطأ ~~على ما سبق من النصوص في مسألة إثبات كون الإجماع حجة، وذلك غير متوقف على ~~انقراض عصرهم. # هذا فيما إذا اتفقوا على الحكم بأقوالهم أو أفعالهم أو بهما، وأما إن حكم ~~واحد بحكم وانتشر حكمه فيما بينهم وسكتوا عن الإنكار وإن كان الظاهر ~~الموافقة على ما سبق تقريره، فذلك مما لا يمنع من إظهار بعضهم PageV01P257 # المخالفة في وقت آخر لاحتمال أن يكون في مهلة النظر، وقد ظهر له الدليل ~~عند ذلك، ويدل على ظهور هذا الاحتمال إظهاره للمخالفة، فإنه لو كان سكوته ~~عن موافقة ودليل لكان الظاهر عدم مخالفته لذلك الدليل. # وأما إن حدث تابعي مخالف مع إصرار الباقين على السكوت، فالظاهر أنه لا ~~يعتد بمخالفته في مقابلة الإجماع الظاهر. # احتج المخالفون بالنص والآثار والمعقول، أما النص فقوله تعالى: {وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} ووجه الدلالة أنه جعلهم حجة على ~~الناس، ومن جعل إجماعهم مانعا لهم من الرجوع فقد جعلهم حجة على أنفسهم. # وأما الآثار فمنها ما روي عن علي عليه السلام أنه قال: اتفق رأيي ورأي ~~عمر على أن لا تباع أمهات الأولاد، والآن فقد رأيت بيعهن - أظهر الخلاف بعد ~~الوفاق - ودليله قول عبيدة السلماني: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك ~~وحدك، وقول عبيدة دليل سبق الإجماع. # ومنها أن عمر خالف ms202 ما كان عليه أبو بكر والصحابة في زمانه من التسوية في ~~القسم، وأقره الصحابة أيضا على ذلك. # ومنها أن عمر حد الشارب ثمانين، وخالف ما كان أبو بكر والصحابة عليه من ~~الحد أربعين. # وأما المعقول ; فمن أربعة أوجه: # الأول: أن إجماعهم ربما كان عن اجتهاد وظن، ولا حجر على المجتهد إذا تغير ~~اجتهاده، وإلا كان الاجتهاد مانعا من الاجتهاد وهو ممتنع، وذلك لأن العادة ~~جارية بأن الرأي والنظر عند المراجعة وتكرر النظر يكون أوضح وأصح. # ويدل عليه قوله تعالى: {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي} ~~، جعلوا بادي الرأي ذما وطعنا فلا يجوز أن يكون محكما على الرأي الثاني. # الوجه الثاني: أنه لو لم تعتبر المخالفة في عصرهم لبطل مذهب المخالف لهم ~~في عصرهم بموته ; لأن من بقي بعده كل الأمة، وذلك خلاف الإجماع. # PageV01P258 # الوجه الثالث أن قول الجماعة لا يزيد على قول النبي عليه السلام، ووفاة ~~النبي شرط في استقرار الحجة فيما يقوله، فاشتراط ذاك في استقرار قول ~~الجماعة أولى. # الوجه الرابع: أنه لو لم يشترط انقراض العصر وإلا فبتقدير أن يتذكر واحد ~~منهم أو جماعة منهم أو جملتهم حديثا عن رسول الله على خلاف إجماعهم، فإن ~~جاز رجوعهم إليه كان الإجماع الأول خطأ، وإن لم يجز الرجوع كان استمرارهم ~~على الحكم مع ظهور دليل يناقضه، وهو أيضا خطأ ولا مخلص منه إلا باشتراط ~~انقراض العصر. # والجواب عن الآية من وجهين: # الأول: أنه لا يلزم من وصفهم بأنهم شهداء على الناس وحجة على غيرهم ~~امتناع كون أقوالهم حجة على أنفسهم إلا بطريق المفهوم ولا حجة فيه على ما ~~يأتي، بل ربما كان قبول قولهم على أنفسهم أولى من قبوله على غيرهم لعدم ~~التهمة، وتكون فائدة التخصيص التنبيه بالأدنى على الأعلى، ولهذا فإنه قد ~~يقبل إقرار المرء على نفسه وإن كان لا تقبل شهادته على غيره. # الثاني: أن المراد بجعلهم شهداء على الناس في يوم القيامة بإبلاغ ~~الأنبياء إليهم فلا يكون ذلك حجة فيما نحن فيه. # وعن الآثار ms203 (1) : أما قول علي فليس فيه ما يدل على اتفاق الأمة وإلا قال: ~~رأيي ورأي الأمة، والذي يدل على ذلك أنه قد نقل أن جابر بن عبد الله كان ~~يرى جواز بيعهن في زمن عمر ومع مخالفته فلا إجماع، وقول السلماني ليس فيه ~~أيضا ما يدل على اتفاق الجماعة على ذلك ; لأنه يحتمل أنه أراد به: رأيك مع ~~رأي الجماعة، ويحتمل أنه أراد به: رأيك في زمن الجماعة والإلفة والطاعة ~~للإمام أحب إلينا من رأيك في زمن الفتنة وتشتيت الكلمة، نفيا للتهمة عن علي ~~في تطرقها إليه في PageV01P259 # مخالفة الشيخين، وبتقدير أن يكون علي قد خالف بعد انعقاد الإجماع فلعله ~~كان ممن يرى اشتراط انقراض العصر، ولا حجة في قول الواحد في محل النزاع. # وأما قضية التسوية فلا نسلم أن عمر خالف فيها بعد الوفاق فإنه روي أنه ~~خالف أبا بكر في ذلك في زمانه، وقال له: أتجعل من جاهد في سبيل الله بنفسه ~~وماله كمن دخل في الإسلام كرها، فقال أبو بكر: إنما عملوا لله وإنما أجرهم ~~على الله وإنما الدنيا بلاغ. # ولم يرو أن عمر رجع إلى قول أبي بكر، وإنما فضل في زمانه وعود الأمر إليه ~~(1) ; لأنه كان مصرا على المخالفة. # وأما حده للشارب ثمانين، فغايته أنه خالف الإجماع السكوتي، ونحن نقول ~~بجواز ذلك ; لكونه كان من جملة الساكتين على ما بيناه في المسألة المتقدمة. # وعن الحجة الأولى من المعقول، أنه وإن كان مصير كل واحد من المجتهدين إلى ~~الحكم عن اجتهاد وظن ولكن بعد اتفاقهم على الحكم إنما يجوز الرجوع عنه ~~بالاجتهاد أن لو لم يصر الحكم بإجماعهم قطعيا. # وأما إذا صار قطعيا فيمتنع العود عنه وتركه بالاجتهاد الظني، وهذا بخلاف ~~العود عن الاجتهاد الظني بالاجتهاد الظني. # وعن الثانية أنه قد ذهب بعض من نص هذا المذهب إلى إبطال مذهب المخالف ~~بموته، وقال بانعقاد إجماع من بقي ومنهم من قال: إنما (2) لم يبطل مذهبه ~~ولا ينعقد الإجماع بعده ; لأن من بعده ليس هم كل الأمة بالنسبة إلى ms204 هذه ~~المسألة التي خالف فيها الميت، فإن فتواه لا تبطل بموته وهو الحق. # وعن الثالثة: بالفرق بين النبي عليه السلام والأمة أن قوله إنما لم يستقر ~~قبل موته لإمكان نسخه من الله تعالى وهو مرتقب. # وذلك إنما هو بالوحي القاطع، ورفع القاطع بالقاطع على طريق النسخ غير ~~ممتنع بخلاف رفع حكم الإجماع القاطع بطريق الاجتهاد. # وعن الرابعة: أن ما فرضوه من تذكر الخبر المخالف لإجماعهم فهو فرض محال، ~~بل الله تعالى يعصم الأمة عن الإجماع على خلاف الخبر، وذلك يوجب إما عدم ~~الخبر المخالف أو أن يعصم الراوي له عن النسيان إلى تمام انعقاد الإجماع، ~~وعلى هذا يكون الحكم فيما يقال من اطلاع التابعين على خبر مخالف للإجماع ~~السابق. PageV01P260 ### | [المسألة السابعة عشرة لابد للإجماع من مستند] # المسألة السابعة عشرة # اتفق الكل على أن الأمة لا تجتمع عن (1) الحكم إلا عن مأخذ ومستند يوجب ~~اجتماعها خلافا لطائفة شاذة، فإنهم قالوا بجواز انعقاد الإجماع عن توفيق لا ~~توقيف بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب من غير مستند. # وقد احتج النافون لذلك بمسالك: # المسلك الأول: أنهم قالوا مع فقد الدليل والمستند لا يجب الوصول إلى ~~الحق، أي: لا يلزم. # ولقائل أن يقول: متى لا يلزم ذلك، إذا لم تجمع الأمة على الحكم أو إذا ~~أجمعت، الأول مسلم، والثاني دعوى محل النزاع، فإنه ما المانع أنهم إذا اتفق ~~إجماعهم أن يوفقهم الله تعالى للصواب ضرورة استحالة إجماعهم على الخطأ لما ~~سبق في المسالك السمعية، والكلام إنما هو في جواز ذلك لا في وقوعه. # المسلك الثاني: أن الصحابة ليسوا بآكد حال من النبي عليه السلام، ومعلوم ~~أنه لا يقول ولا يحكم إلا عن وحي على ما نطق به النص، فالأمة أولى أن لا ~~تقول إلا عن دليل. # ولقائل أن يقول: إذا دل الدليل على امتناع الخطأ على الرسول فيما يقول ~~وكذلك الأمة، فلو قال الرسول قولا وحكم بحكم من غير دليل لما كان إلا حقا ~~ضرورة استحالة الخطأ عليه (2) ، غير أنه امتنع منه الحكم والقول ms205 من غير ~~دليل لقوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى - إن هو إلا وحي يوحى} (3) # وأما الأمة فقد دل الدليل على استحالة الخطأ عليهم فيما أجمعوا عليه، ولم ~~يدل على أنهم لا يحكمون إلا عن دليل (4) فافترقا. PageV01P261 # المسلك الثالث: أنه لو جاز أن يحكموا من غير مستند لجاز ذلك لكل واحد ~~منهم، فإنهم إنما يجمعون على الحكم بأن يقول كل واحد به، ولو جاز ذلك ~~لآحادهم لم يكن للجمع في ذلك مزية على الآحاد. # ولقائل أن يقول: المزية للجمع على الآحاد من وجهين: # الأول: أن إجماعهم يكون حجة بخلاف قول كل واحد من الآحاد (1) # الثاني: أن جواز ذلك للآحاد مشروط بضم قول الباقي إليه لا أنه جائز من ~~غير ضم، ولا كذلك قول الجميع فإنه جائز على الإطلاق (2) . # المسلك الرابع: إن القول في الدين من غير دلالة ولا أمارة خطأ، فلو ~~اتفقوا عليه كانوا مجمعين على الخطأ، وذلك محال قادح في الإجماع. # ولقائل أن يقول: متى يكون ذلك خطأ، إذا لم تجمع الأمة عليه أو إذا أجمعت؟ ~~الأول مسلم، والثاني دعوى محل النزاع. # المسلك الخامس: أن المقالة إذا لم تستند إلى دليل لا يعلم انتسابها إلى ~~وضع الشارع، وما يكون كذلك لا يجوز الأخذ به. # ولقائل أن يقول: إما أن يراد بأنه لا يعرف انتسابها إلى وضع الشارع: أنه ~~لا يعرف ذلك عن دليل شرعي، أو أنه لا يعلم كونها مصيبة لحكم الشارع، أو ~~معنى آخر. # الأول مسلم، وهذا هو عين صورة الواقع المختلف فيه، والثاني دعوى محل ~~النزاع، والثالث فلا بد من تصويره والدلالة عليه (3) . PageV01P262 # المسلك السادس: أنه لو جاز انعقاد الإجماع من غير دليل لم يكن لاشتراط ~~الاجتهاد في قول المجمعين معنى، وهو محال ; لأن اشتراط الاجتهاد مجمع عليه. # ولقائل أن يقول: الاجتهاد مشترط لا حالة الإجماع، أو حالة الإجماع؟ # الأول مسلم، والثاني دعوى محل النزاع. # فإن الخصم إذا قال بجواز الإصابة وامتناع الخطأ على الإجماع من غير دليل، ~~كيف يسلم اشتراط الاجتهاد في مثل هذه الصورة؟ فهذه جملة ms206 ما ظفرت به من ~~مسالك النافين وليس شيء منها موجبا لاستبعاد مقالة المخالف، والحكم ببعده ~~عن الصواب. # وأما المثبتون فقد احتجوا بمسلكين: # الأول: أن الإجماع حجة، فلو افتقر في جعله حجة إلى دليل لكان ذلك الدليل ~~هو الحجة في إثبات الحكم المجمع عليه، ولم يكن في إثبات كون الإجماع حجة ~~فائدة وهو باطل من ثلاثة أوجه: # الأول: أنه أمكن أن يقال فائدة كون الإجماع حجة جواز الأخذ به، وإسقاط ~~البحث عن ذلك الدليل، وحرمة المخالفة الجائزة قبل الاتفاق. # الثاني: أن ما ذكروه يوجب عدم انعقاد الإجماع عن الدليل ولم يقولوا به. # الثالث: أنه ينتقض بقول الرسول، فإنه حجة بالاتفاق مع أنه لا يقول ما ~~يقوله إلا عن دليل، وهو ما يوحي به إليه على ما نطق به النص (1) . # المسلك الثاني: استدلالهم بالواقع، وهو أنهم قالوا: قد انعقد الإجماع من ~~غير دليل كإجماعهم على أجرة الحمام، وناصب الحباب على الطريق، وأجرة الحلاق ~~وآخذ الخراج ونحوه. # ولقائل أن يقول: لا نسلم وقوع شيء من الإجماعات إلا عن دليل غايته أنه لم ~~ينقل الاكتفاء بالإجماع عنه، وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين فالواجب أن ~~يقال إنهم إن أجمعوا عن غير دليل، فلا يكون إجماعهم إلا حقا ضرورة استحالة ~~الخطأ عليهم. # وأما أن يقال إنه لا يتصور إجماعهم إلا عن دليل أو يتصور، فذلك مما قد ~~ظهر ضعف المأخذ فيه من الجانبين (2) . PageV01P263 ### | [المسألة الثامنة عشرة الاختلاف في جواز انعقاد الإجماع عن الاجتهاد والقياس] # المسألة الثامنة عشرة # القائلون بأنه لا ينعقد الإجماع إلا عن مستند اختلفوا في جواز انعقاده عن ~~الاجتهاد والقياس، فجوزه الأكثرون لكن اختلفوا في الوقوع نفيا وإثباتا. # والقائلون بثبوته اختلفوا، فمنهم من قال: إن الإجماع مع ذلك يكون حجة ~~تحرم مخالفته وهم الأكثرون، ومنهم من قال: لا تحرم مخالفته ; لأن القول ~~بالاجتهاد في ذلك يفتح باب الاجتهاد ولا يحرمه. # وذهبت الشيعة، وداود الظاهري، وابن جرير الطبري إلى المنع من ذلك، ومن ~~الناس من قال بجواز ذلك بالقياس الجلي دون الخفي. # والمختار جوازه ms207 ووقوعه، وأنه حجة تمتنع مخالفته. # أما دليل الجواز العقلي، فهو أنا قد وحدنا الخلق الكثير الزائد على عدد ~~التواتر مجمعين على أحكام باطلة لا تستند إلى دليل قطعي ولا دليل ظني كما ~~ذكرناه في مسألة تصور انعقاد الإجماع (1) ، فجواز انعقاد الإجماع عن الدليل ~~الظني الظاهر أولى، كيف وأنا لو قدرنا وقوع ذلك لما لزم عنه لذاته محال ~~عقلا (2) ، ولا معنى للجائز سوى هذا. # وأما دليل الوقوع فهو أن الصحابة أجمعت على إمامة أبي بكر من طريق ~~الاجتهاد والرأي حتى قال جماعة منهم: رضيه رسول الله لديننا أفلا نرضاه ~~لدنيانا؟ وقال بعضهم: " إن تولوها أبا بكر تجدوه قويا في أمر الله ضعيفا في ~~بدنه "، وأيضا فإنهم اتفقوا على قتال مانعي الزكاة بطريق الاجتهاد حتى قال ~~أبو بكر: " والله لا فرقت بين ما جمع الله، قال الله: (أقيموا الصلاة وآتو ~~الزكاة) . " # وأجمعوا على تحريم شحم الخنزير قياسا على تحريم لحمه، وأجمعوا على إراقة ~~الشيرج والدبس السيال إذا وقعت فيه فأرة وماتت قياسا على فأرة السمن، وعلى ~~تأمير خالد بن الوليد في موضع كانوا فيه باجتهادهم. PageV01P264 # وأجمعوا في زمن عمر على حد شارب الخمر ثمانين بالاجتهاد، حتى قال علي ~~عليه السلام: إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى، فأرى أن يقام ~~عليه حد المفترين، وقال عبد الرحمن بن عوف: هذا حد وأقل الحدود ثمانون. # وأجمعوا أيضا بطريق الاجتهاد على جزاء الصيد، ومقدار أرش الجناية، ومقدار ~~نفقة القريب، وعدالة الأئمة والقضاة ونحو ذلك. # وإذا ثبت الجواز والوقوع وجب أن يكون حجة متبعة لما ثبت في مسألة كون ~~الإجماع حجة. # فإن قيل: ما ذكرتموه من دليل الجواز معارض بما يدل على عدمه، وبيانه من ~~خمسة أوجه: # الأول: أنه ما من عصر إلا وفيه جماعة من نفاة القياس، وذلك مما يمنع من ~~انعقاد الإجماع مستندا إلى القياس. # الثاني: أن القياس أمر ظني، وقوى الناس وأفهامهم مختلفة في إدراك الوقوف ~~عليه، وذلك مما يحيل اتفاقهم على إثبات الحكم به عادة، كما يستحيل اتفاقهم ~~على ms208 أكل طعام واحد في وقت واحد لاختلاف أمزجتهم. # الثالث: أن الإجماع دليل مقطوع به ; حتى إن مخالفه يبدع ويفسق والدليل ~~المظنون الثابت بالاجتهاد على ضده، وذلك مما يمنع إسناد الإجماع إليه. # الرابع: أن الإجماع أصل من أصول الأدلة وهو معصوم عن الخطأ، والقياس فرع ~~وعرضة للخطأ، واستناد الأصل وما هو معصوم عن الخطأ إلى الفرع وما هو عرضة ~~للخطأ ممتنع. # الخامس: أن الإجماع منعقد على جواز مخالفة المجتهد، فلو انعقد الإجماع عن ~~اجتهاد أو قياس لحرمت المخالفة الجائزة بالإجماع، وذلك تناقض. # وأما ما ذكرتموه من دليل الوقوع فلا نسلم أن إجماعهم في جميع صور الإجماع ~~كان عن القياس والاجتهاد، بل إنما كان ذلك عن نصوص ظهرت للمجمعين منها ما ~~ظهر لنا وذلك كتمسك أبي بكر في قتال مانعي الزكاة بقوله تعالى: {وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة} ، # PageV01P265 # وباستثناء النبي عليه السلام وهو قوله (إلا بحقها) من قوله: " «أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» " وكاستدلال الصحابة على تقديم ~~أبي بكر بفعل النبي عليه السلام حيث قالوا: أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين ~~قدمهما رسول الله، ومنها ما لم يظهر لنا للاكتفاء بالإجماع عن نقله. # والجواب عن الوجه الأول: أنا لا نسلم وقوع الخلاف في القياس في العصر ~~الأول ليصح ما ذكروه، ووجود الخلاف بعده في القياس غايته المنع من وقوع ~~انعقاد الإجماع على القياس بعد ظهور الخلاف فيه ولا يمنع من ذلك مطلقا، كيف ~~وهو منقوض بخبر الواحد؟ فإنه مختلف فيه وفي أسباب تزكيته، ومع ذلك فقد ~~وافقوا على انعقاد الإجماع بناء عليه. # وعن الثاني: أن القياس إذا ظهر وعدم الميل والهوى، فلا يبعد اتفاق ~~العقلاء عليه ويكون داعيا إلى الحكم به، وإن تعذر ذلك في وقت معين لتفاوت ~~أفهامهم وجدهم في النظر والاجتهاد فلا يتعذر ذلك في أزمنة متطاولة كما لا ~~يتعذر اتفاقهم على العمل بخبر الواحد مع أن عدالته مظنونة بما يظهر من ~~الأمارات الدالة عليها والأسباب الموجبة لتزكيته. # وهذا بخلاف اتفاق الكافة على أكل طعام واحد، ms209 فإن اختلاف أمزجتهم موجب ~~لاختلاف أغراضهم وشهواتهم، ولا داعي لهم إلى الاجتماع عليه كما وجد الداعي ~~لهم عند ظهور القياس إلى الحكم بمقتضاه. # وعن الثالث من وجهين: الأول أن الأمة إذا اتفقت على ثبوت حكم القياس ~~فإجماعهم على ذلك يسبقه إجماعهم على صحة ذلك القياس، وبذلك يخرج عن كونه ~~ظنيا فإذا استناد الإجماع القطعي إنما هو إلى قطعي لا إلى ظني. # الثاني: أن ما ذكروه ينتقض بما وافقوا عليه من انعقاد الإجماع، بناء على ~~خبر الواحد مع كونه ظنيا، والإجماع المستند إليه قطعي فما هو الجواب في ~~صورة الإلزام يكون جوابا في محل النزاع. # PageV01P266 # وعن الرابع: أن القياس الذي هو مستند الإجماع ليس هو فرعا للإجماع، بل ~~لغيره من الكتاب والسنة، وذلك لا يتحقق معه بناء الإجماع على فرعه. # قولهم إن القياس عرضة للخطأ بخلاف الإجماع، فجوابه ما سبق في جواب الوجه ~~الذي قبله. # وعن الخامس: أن الإجماع إنما انعقد على جواز مخالفة المجتهد المنفرد ~~باجتهاده كالواحد والاثنين دون اجتهاد الأمة. # قولهم: الأمة في الصورة المذكورة إنما أجمعت على نصوص. # قلنا: وإن أمكن التشبث بما أوردوه من النصوص في بعض الصور، فما العذر ~~فيما لا يظهر فيه نص مع تصريحهم بالقياس وإلحاق صورة بصورة فيما ذكرناه، ~~ولو كان لهم فيها نص لما عدلوا عنه إلى التصريح بالقياس (1) وإذا ثبت جواز ~~انعقاد الإجماع عن القياس وعن غيره من الأدلة الظنية، فلو ظهر دليل من ~~الأدلة الظنية ورأينا الأمة قد حكمت بمقتضاه - وإن غلب على الظن كونه هو ~~المستند - فلا يجب تعيينه لجواز أن المستند غيره (2) لتكثر الأدلة في نفس ~~الأمر، خلافا لأبي عبد الله البصري. PageV01P267 ### | [المسألة التاسعة عشرة إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين هل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث] # المسألة التاسعة عشرة # إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين هل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ~~ثالث؟ # اختلفوا فيه: فذهب الجمهور إلى المنع من ذلك، خلافا لبعض الشيعة وبعض ~~الحنفية وبعض أهل الظاهر، وذلك كما لو قال ms210 بعض أهل العصر: إن الجارية الثيب ~~إذا وطئها المشتري ثم وجد بها عيبا يمنع الرد، وقال بعضهم: بالرد مع العقر، ~~فالقول بالرد مجانا قول ثالث. # وكذلك لو قال بعضهم: الجد يرث جميع المال مع الأخ، وقال بعضهم: ~~بالمقاسمة، فالقول بأنه لا يرث شيئا قول ثالث. # وكذلك إذا قال بعضهم: النية معتبرة في جميع الطهارات، وقال البعض: النية ~~معتبرة في البعض دون البعض، فالقول بأنها لا في شيء من الطهارات قول ثالث. # وفي معنى هذا ما لو قال بعضهم: بجواز فسخ النكاح بالعيوب الخمسة، وقال ~~البعض: لا يجوز الفسخ بشيء منها، فالقول بالفسخ بالبعض دون البعض قول ثالث. # وكذلك إذا قال بعضهم في زوج وأبوين أو زوجة وأبوين: للأم ثلث في ~~المسألتين، وقال بعضهم: لها ثلث ما يبقى بعد نصيب الزوج والزوجة، فالقول ~~بأن لها ثلث الأصل في إحدى المسألتين وثلث ما يبقى في المسألة الأخرى؛ قول ~~ثالث. # احتج الغزالي على امتناع القول الثالث بأنه لو جاز القول الثالث فإما أن ~~لا يكون له دليل أو له دليل. # فإن كان الأول، فالقول به ممتنع (1) ، وإن كان الثاني يلزم منه نسبته ~~الخطأ إلى الأمة بنسبتهم إلى تضييعه والغفلة عنه (2) ، وهو محال وهو ضعيف. # فإنه إنما يلزم PageV01P268 # من ذلك نسبة الأمة إلى الخطأ، أن لو كان الحق في المسألة معينا وهو ليس ~~كذلك على ما سيأتي (1) ، وإذا كان كل مجتهد مصيبا فالتخطئة تكون ممتنعة. # واحتج القاضي عبد الجبار على ذلك بأن الأمة إذا اختلفت على قولين، فقد ~~أجمعت من جهة المعنى على المنع من إحداث قول ثالث ; لأن كل طائفة توجب ~~الأخذ بقولها أو بقول مخالفها، ويحرم الأخذ بغير ذلك وهو ضعيف أيضا، وذلك ~~لأن الخصم إنما يسلم إيجاب كل واحدة من الطائفتين الأخذ بقولها أو قول ~~مخالفها بتقدير أن لا يكون اجتهاد الغير قد يفضي إلى القول الثالث. # والمختار في ذلك إنما هو التفصيل، وهو أنه إن كان القول الثالث مما يرفع ~~ما اتفق عليه القولان فهو ممتنع لما فيه من مخالفة ms211 الإجماع، وذلك كما في ~~مسألة الجارية المشتراة، فإنه إذا اتفقت الأمة فيها على قولين وهما امتناع ~~الرد، والرد مع العقر فالقولان متفقان على امتناع الرد مجانا، فالقول به ~~يكون خرقا للإجماع السابق. # وكذلك في مسألة الجد، فإنه إذا اتفقت الأمة على قولين وهما: استقلاله ~~بالميراث ومقاسمته للأخ، فقد اتفق الفريقان على أن للجد قسطا من المال، ~~فالقول الحادث أنه لا يرث شيئا يكون خرقا للإجماع. # وكذلك في مسألة النية في الطهارة إذا اتفقت الأمة فيها على قولين، وهما ~~اعتبار النية في جميع الطهارات وعلى اعتبارها في البعض دون البعض فقد اتفق ~~القولان على اعتبارها في البعض، فالقول المحدث النافي لاعتبارها مطلقا يكون ~~خرقا للإجماع السابق. # وأما إن كان القول الثالث لا يرفع ما اتفق عليه القولان، بل وافق كل واحد ~~من القولين من وجه وخالفه من وجه، فهو جائز إذ ليس فيه خرق الإجماع. # وذلك كما لو قال بعضهم باعتبار النية في جميع الطهارات، وقال البعض بنفي ~~اعتبارها في جميع الطهارات، فالقول الثالث وهو اعتبارها في البعض دون البعض ~~لا يكون خرقا للإجماع ; لأن خرق الإجماع إنما هو القول بما PageV01P269 # يخالف ما اتفق عليه أهل الإجماع، وهاهنا ليس كذلك، فإن القائل بالنفي في ~~البعض والإثبات في البعض قد وافق في كل صورة مذهب ذي مذهب، فلم يكن مخالفا ~~للإجماع لا في صورة اعتبار النية لكونه موافقا لقول من قال باعتبارها في ~~الكل، ولا في صورة النفي لكونه موافقا لمن قال بنفي الاعتبار في الكل. # وكذلك لو قال بعضهم بأنه لا يقتل المسلم بالذمي ولا يصح بيع الغائب، وقال ~~بعضهم بجواز قتل المسلم بالذمي وبصحة بيع الغائب، فمن قال بجواز قتل المسلم ~~بالذمي وبنفي صحة بيع الغائب أو بالعكس لم يكن خارقا للإجماع من غير خلاف، ~~وكان ذلك جائزا له، وعلى هذا يكون الحكم في مسألة فسخ النكاح بالعيوب ~~الخمسة (1) . # فإن قيل: فمن قال بالإثبات مطلقا لم يقل بالتفصيل، وكذلك من قال بالنفي ~~مطلقا، فالقول بالتفصيل قول لم يقل به قائل. ms212 # قلنا: وعدم القائل به مما لا يمنع من القول به وإلا لما جاز أن يحكم في ~~واقعة متجددة بحكم إذا لم يكن قد سبق فيها لأحد قول، وهو خلاف الإجماع. # فإن قيل: فكل من القائلين بالنفي والإثبات مطلقا قائل بنفي التفصيل؛ ~~فالقول بالتفصيل يكون خرقا للإجماع. # قلنا: لا نسلم ذلك، فإن قول كل واحد منهما بنفي التفصيل إما أن يعرف من ~~صريح مقاله أو من قوله بالنفي أو الإثبات مطلقا، الأول ممنوع حتى أن كل ~~واحد من الفريقين لو صرح بنفي التفصيل لما ساغ القول بالتفصيل، والثاني غير ~~مستلزم للقول بنفي التفصيل وإلا لامتنع القول بالتفصيل فيما ذكرناه من ~~مسألة المسلم بالذمي وبيع الغائب، وهو ممتنع. # فإن قيل: القول بالتفصيل فيه تخطئة كل واحد من الفريقين في بعض ما ذهب ~~إليه، وتخطئة الفريقين تخطئة للأمة، وذلك محال. PageV01P270 # قلنا: المحال إنما هو تخطئة الأمة فيما اتفقوا عليه، وأما تخطئة كل بعض ~~فيما لم يتفق عليه لا يكون محالا، وعلى هذا يجوز انقسام الأمة إلى قسمين، ~~وكل قسم مخطئ في مسألة لما ذكرناه وإن خالف فيه الأكثرون. # (شبه المخالفين) # الأولى: أن اختلاف الأمة على قولين دليل تسويغ الاجتهاد، والقول الثالث ~~حادث عن الاجتهاد فكان جائزا. # الثانية: أنهم قالوا: أجمعنا على أن الصحابة لو انقرض عصرهم وكانوا قد ~~استدلوا في مسألة من المسائل بدليلين فإنه يجوز للتابعي الاستدلال بدليل ~~ثالث، فكذلك القول الثالث. # الثالثة: أنهم قالوا: دليل جواز إحداث قول ثالث الوقوع من غير إنكار من ~~الأمة، فمن ذلك أن الصحابة اختلفوا في مسألة زوج وأبوين وزوجة وأبوين، فقال ~~ابن عباس: للأم ثلث الأصل بعد فرض الزوج والزوجة، وقال الباقون: للأم ثلث ~~الباقي بعد فرض الزوج والزوجة وقد أحدث التابعون قولا ثالثا، فقال ابن ~~سيرين (1) بقول ابن عباس في زوج وأبوين دون الزوجة والأبوين، وقال تابعي ~~آخر بالعكس. # ومن ذلك أن الصحابة اختلفوا في قوله (أنت علي حرام) (2) على ستة أوجه، ~~فأحدث مسروق وهو من التابعين مذهبا سابعا وهو أنه لا يتعلق بقوله ms213 حكم. # والجواب عن الشبهة الأولى: أن ذلك يدل على تسويغ الاجتهاد منهم أو من ~~غيرهم: الأول مسلم، والثاني ممنوع. # وعن الثانية بالفرق، وبيانه من وجهين: # الأول أن الاستدلال بدليل ثالث يؤكد ما صارت إليه الأمة من الحكم، ولا ~~يبطله، بخلاف القول الثالث على ما حققناه. PageV01P271 # الثاني أن اتفاقهم على دليل واحد لا يمنع من دليل آخر، ومع ذلك فإن ~~اتفاقهم على حكم واحد مانع من إبداع حكم آخر مخالف له فافترقا. # وعن الثالثة: أما مسألة الزوج والزوجة مع الأبوين فهي من قبيل ما لا يرفع ~~ما اتفق عليه الفريقان، بل قول ابن سيرين وغيره من التابعين فيما ذهبا إليه ~~غير مخالف للإجماع، بل هو قائل في كل صورة بمذهب ذي مذهب كما قررناه، ~~وبتقدير أن يكون رافعا لما اتفق عليه الفريقان فلا يخلو إما أن يكون لم ~~يستقر قول جميع الصحابة على القولين بل قول البعض، أو قد استقر عليهما قول ~~جميع الصحابة، فإن كان الأول فليس فيه مخالفة الإجماع بل مخالفة البعض، وإن ~~كان الثاني فإما أن يكون قد خالفهم في وقت اتفاقهم على القولين أو بعد ذلك، ~~فإن كان الأول فهو من أهل الإجماع وقد خالفهم حالة اتفاقهم على القولين، ~~فلا يكون بذلك خارقا للإجماع، وإن قدر إحداث قوله بعد ذلك فهو مردود غير ~~مقبول، وعدم نقل الإنكار لا يدل على عدمه في نفسه، وعلى هذا يكون الجواب في ~~مسألة (أنت علي حرام) . # PageV01P272 ### | [المسألة العشرون إذا استدل أهل العصر في مسألة بدليل فهل يجوز لمن بعدهم إحداث دليل آخر] # المسألة العشرون # إذا استدل أهل العصر في مسألة بدليل، أو تأولوا تأويلا فهل يجوز لمن ~~بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر؟ # لا يخلو إما أن يكون أهل ذلك العصر قد نصوا على إبطال ذلك الدليل وذلك ~~التأويل أو على صحته أو سكتوا عن الأمرين. # فإن كان الأول لم يجز إحداثه لما فيه من تخطئة الأمة فيما أجمعوا عليه، ~~وإن كان الثاني جاز إحداثه إذ لا تخطئة فيه، وإن كان ms214 الثالث فقد ذهب ~~الجمهور إلى جوازه ومنع منه الأقلون. # والمختار جوازه إلا إذا لزم من ذلك القدح فيما أجمع عليه أهل العصر، ~~ودليل ذلك أنه إذا لم يلزم منه القدح فيما أجمعوا عليه، كان ذلك جائزا كما ~~لو لم يسبقه تأويل أو دليل آخر، ولهذا فإن الناس في كل عصر لم يزالوا ~~يستخرجون الأدلة والتأويلات المغايرة لأدلة من تقدم وتأويلاته، ولم ينكر ~~عليهم أحد فكان ذلك إجماعا. # فإن قيل ما ذكرتموه معارض بالكتاب والسنة والمعقول، أما الكتاب فقوله ~~تعالى: (سبيل المؤمنين) ، والدليل والتأويل الثاني ليس هو سبيل المؤمنين. # وأيضا قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف} دل على ~~أنهم يأمرون بكل معروف ; لأنه ذكر المعروف بالألف واللام المستغرقة للجنس، ~~ولو كان الدليل والتأويل الثاني معروفا لأمروا به وحيث لم يأمروا به لم يكن ~~معروفا فكان منكرا. # وأما السنة، فقوله عليه السلام: " «أمتي لا تجتمع على الخطأ» "، وقد ~~ذهبوا عن الدليل والتأويل الثاني، فلا يكون ذهابهم عنه خطأ، ولو كان دليلا ~~صحيحا أو تأويلا صحيحا لكان الذهاب عنه خطأ وهو محال. # PageV01P273 # وأما المعقول فهو أنه (1) جاز أن يذهب على أهل العصر الأول الدليل الثاني ~~لجاز أن يوحي الله تعالى إلى النبي عليه السلام بدليلين على حكم واحد، ~~والنبي عليه السلام يشرع الحكم لأحد الدليلين ويذهب عن الآخر وهو ممتنع، ~~والجواب عن الآية الأولى أن الذم فيها إما أن يكون على ترك العمل بما ~~اتفقوا عليه من إثبات أو نفي، وإما بسلوك ما لم يتعرضوا له بنفي ولا إثبات. # الأول مسلم، غير أنه لا تحقق له فيما نحن فيه فإن المحدث للدليل والتأويل ~~الثاني غير تارك لدليل أهل العصر الأول ولا لتأويلهم، بل غايته ضم دليل إلى ~~دليل وتأويل إلى تأويل، ولا هو تارك لما نهوا عنه من الدليل والتأويل ~~الثاني، إذ الكلام فيما إذا لم يكن قد نهوا عنه. # والثاني مما لا سبيل إلى حمل الآية عليه لما فيه من إلحاق الذم بما لا ~~تعرض فيه لإبطال الإجماع لا ms215 بنفي ولا إثبات. # وعن الآية الثانية أنها مشتركة الدلالة، وذلك لأن قوله: {وتنهون عن ~~المنكر} يقتضي كونهم ناهين عن كل منكر لما ذكروه من لام الاستغراق، ولو كان ~~الدليل والتأويل الثاني منكرا لنهوا عنه، ولم ينهوا عنه فلا يكون منكرا. # وعن السنة أن ذهابهم عن الدليل والتأويل الثاني مع صحته إنما يكون خطأ أن ~~لو لم يستغنوا عنه بدليلهم وتأويلهم. # وعن المعقول أنه قياس من غير جامع صحيح فلا يقبل، كيف وإنه لا يخلو إما ~~أن يكون مع تعريفه (2) الحكم الواحد بدليلين قد كلف إثبات الحكم بهما أو ~~بأحدهما، فإن كان الثاني فلا مانع من إثباته للحكم بأحدهما دون الآخر، وإن ~~كان الأول فلا يلزم من امتناع إثباته للحكم بأحد الدليلين مع تكليفه إثبات ~~الحكم بهما امتناع إثبات الأمة للحكم بأحد الدليلين دون الآخر إلا أن ~~يكونوا قد كلفوا بذلك، وهو غير مسلم. PageV01P274 ### | [المسألة الحادية والعشرون الخلاف في إجماع عصر لاحق على أحد قولي عصر سابق] # المسألة الحادية والعشرون # إذا اختلف أهل عصر من الأعصار في مسألة من المسائل على قولين، واستقر ~~خلافهم في ذلك ولم يوجد له نكير، فهل يتصور انعقاد إجماع من بعدهم على أحد ~~القولين بحيث يمتنع على المصير إلى القول الآخر أم لا؟ # ذهب أبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو الحسن ~~الأشعري، وإمام الحرمين، والغزالي وجماعة من الأصوليين إلى امتناعه. # وذهب المعتزلة وكثير من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة إلى جوازه. # والأول هو المختار ; وذلك لأن الأمة إذا اختلفت على القولين واستقر ~~خلافهم في ذلك بعد تمام النظر والاجتهاد فقد انعقد إجماعهم على تسويغ الأخذ ~~بكل واحد من القولين باجتهاد أو تقليد، وهم معصومون من الخطأ فيما أجمعوا ~~عليه على ما سبق من الأدلة السمعية. # فلو أجمع من بعدهم على أحد القولين على وجه يمتنع على المجتهد المصير إلى ~~القول الآخر - مع أن الأمة في العصر الأول مجمعة على جواز الأخذ به (1) - ~~ففيه تخطئة أهل العصر الأول فيما ذهبوا إليه. # ويستحيل أن يكون ms216 الحق في جواز الأخذ بذلك القول، والمنع من الأخذ به معا، ~~فلا بد وأن يكون أحد الأمرين خطأ أو يلزمه تخطئة أحد الإجماعين القاطعين ~~وهو محال، فثبت أن إجماع التابعين على أحد قولي أهل العصر الأول يفضي إلى ~~أمر ممتنع، فكان ممتنعا. # لكن ليس هذا الامتناع عقليا بل سمعيا. PageV01P275 # فإن قيل اتفاق أهل العصر على قولين (1) لا يلزم منه اتفاقهم على تجويز ~~الأخذ بكل واحد منهما ; لأن أحد القولين لا بد وأن يكون خطأ لقوله عليه ~~السلام: " «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران» "، وإجماع ~~الأمة على تجويز الأخذ بالخطأ خطأ (2) ، وإن سلمنا إجماعهم على ذلك، ولكن ~~ما المانع أن يقال بأن أهل العصر الأول إنما اتفقوا على تسويغ الاجتهاد ~~والأخذ بكل واحد من القولين بشرط أن لا يظهر إجماع كاتفاقهم على أن فرض ~~العادم للماء هو التيمم مشروطا بعدم الماء، فإذا وجد الماء زال حكم ذلك ~~الإجماع. # سلمنا أن إجماعهم على ذلك غير مشروط ولكن إجماعهم على ذلك يدل على جواز ~~الأخذ بأحد القولين. # فإذا أجمع أهل العصر الثاني على أحد القولين فإجماعهم عليه موافق لإجماع ~~أهل العصر الأول على جواز الأخذ به إلا أنه (3) مخالف لإجماعهم، وما يكون ~~موافقا للإجماع لا يكون ممتنعا سمعا. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على الامتناع، لكنه معارض بما يدل على جوازه ~~وبيانه بالوقوع وذلك أن الصحابة اتفقوا على دفن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في بيت عائشة بعد اختلافهم في موضع دفنه، واتفقوا على إمامة أبي بكر ~~بعد اختلافهم في من يكون إماما، واتفقوا على قتال مانعي الزكاة بعد ~~اختلافهم في ذلك، واتفق التابعون على منع بيع أمهات الأولاد بعد اختلاف ~~الصحابة في ذلك، ولو كان الاتفاق بعد الخلاف ممتنعا لما كان ذلك واقعا. # والجواب عن السؤال الأول: لا نسلم أن أحد القولين لا بد وأن يكون خطأ بل ~~كل مجتهد في مسائل الاجتهاد مصيب على ما يأتي تحقيقه (4) . # وما ذكروه من الخبر فسيأتي تأويله كيف وإنه يجب اعتقاد ms217 الإصابة نظرا إلى ~~إجماع الأمة على جواز الأخذ بكل واحد من أقوال المجتهدين ولو لم يكن صوابا ~~PageV01P276 # وإلا كان إجماعهم على تجويز الأخذ بالخطأ (1) ، وهو محال. # وعن السؤال الثاني أنه لو جوز مثل هذا الاشتراط في إجماعهم على مثل هذا ~~الحكم مع أن الأمة أطلقوا ولم يشترطوا؛ لساغ مثل ذلك في كل إجماع، ولساغ أن ~~تتفق الأمة على قول واحد، ومن بعدهم على خلافه؛ لجواز أن يكون إجماعهم ~~مشروطا بأن لا يظهر إجماع مخالف له بل ولجاز للواحد من المجتهدين من بعدهم ~~المخالفة، لما قيل من الشرط وهو محال ; لأن الإجماع منعقد على أن كل من ~~خالف الإجماع المطلق الذي لم يظهر فيه ما ذكروه من الشرط فهو مخطئ آثم (2) ~~، وبه إبطال ما صار إليه أبو عبد الله البصري من جواز انعقاد الإجماع على ~~خلاف الإجماع السابق. # وعن السؤال الثالث أن إجماع أهل العصر الثاني لم يكن محالا لنفس إجماعهم ~~على أحد القولين بل لما يستلزمه من امتناع الأخذ الآخر (3) . # وعن السؤال الرابع أن الاتفاق فيما ذكروه من مسألة الدفن والإمامة وقتال ~~مانعي الزكاة لم يكن بعد استقرار الخلاف فيما بينهم واستمرار كل واحد من ~~المجتهدين على الجزم بما ذهب إليه، بل إنما كان ذلك الخلاف على طريق ~~المشورة كما جرت به العادة في حالة البحث عما ينبغي أن يعمل بين العقلاء ~~بخلاف ما وقع النزاع فيه. # سلمنا أنه كان ذلك الاتفاق بعد استقرار الخلاف غير أنه اتفاق من ~~المختلفين بأعيانهم، ومن شرط في الإجماع انقراض عصر المجتهدين لم يمنع من ~~رجوعهم أو رجوع بعضهم عما أجمعوا عليه، والخلاف معه إنما يتصور في المجمعين ~~على خلافهم بعد انقراض عصر الأولين، غير أن الجواب الأول هو المختار (4) . ~~PageV01P277 # وأما مسألة أمهات الأولاد وإن كان خلاف الصحابة قد استقر واستمر إلى ~~انقراض عصرهم فلا نسلم إجماع التابعين قاطبة على امتناع بيعهن. # فإن مذهب علي في جواز بيعهن لم يزل بل جميع الشيعة وكل من هو من أهل الحل ~~والعقد على مذهبه قائل به ms218 وإلى الآن وهو مذهب الشافعي في أحد قوليه. ### | [المسألة الثانية والعشرون الخلاف في إجماع أهل عصر على أحد أقوالهم] # المسألة الثانية والعشرون # إذا اختلف الصحابة أو أهل أي عصر كان في المسألة على قولين، فهل يجوز ~~اتفاقهم بعد استقرار خلافهم على أحد القولين، والمنع من جواز المصير إلى ~~القول الآخر؟ # اختلفوا فيه، فمن اعتبر انقراض العصر في الإجماع قطع بجوازه، ومن لم ~~يعتبر انقراض العصر اختلفوا، فمنهم من جوزه بشرط أن يكون مستند اتفاقهم على ~~الخلاف القياس والاجتهاد لا دليلا قاطعا، ومنهم من منع ذلك مطلقا ولم يجوز ~~انعقاد إجماعهم على أحد أقوالهم وهو المختار. # وذلك لأنا بينا أن اتفاق الأمة على الحكم ولو في لحظة واحدة كان ذلك ~~مستند (1) إلى دليل ظني أو قطعي أنه يكون حجة قاطعة مانعة من مخالفته. # وقد بينا في أن الأمة إذا استقر خلافهم في المسألة على قولين فهو إجماع ~~منهم على تجويز الأخذ بكل واحد من القولين، فلو تصور إجماعهم على أحد ~~القولين بعد ذلك لزم منه المحال الذي بيناه في تقرير المسألة التي قبلها ~~(2) . # وكل ما ورد في المسألة المتقدمة من الاعتراض والانفصال فهو بعينه متوجه ~~هاهنا فعليك باعتباره ونقله إلى هاهنا، غير أن هذه المسألة تختص بسؤال آخر ~~وهو أن يقال: إذا اتفق جميع الصحابة أو أهل أي عصر كان على حكم وخالفهم ~~واحد منهم، فإنه لا يمتنع أن يظهر لذلك الواحد ما ظهر لباقي الأمة، ومع ~~ظهور ذلك له إن منعناه من المصير إلى PageV01P278 # مقتضاه فقد منعناه من الحكم بالدليل الذي ظهر له ولباقي الأمة معه ~~وأوجبنا عليه الحكم بما يخالف ذلك ويقطع ببطلانه وهو محال. # وإن لم نمنعه من العمل به فقد حصل الوفاق منهم بعد الخلاف وهو المطلوب. # قلنا: لو ظهر له ما ظهر للأمة فنحن لا نحيل عليه الرجوع إليه، ولكنا نقول ~~باستحالة ظهوره عليه لا من جهة العقل، بل من جهة السمع وهو ما يفضي إليه من ~~تعارض الإجماعين ولزوم الخطأ في أحدهما كما بيناه في ms219 المسألة المتقدمة (1) ~~. # ولا فارق بينهما إلا من جهة أن أهل الإجماع في هذه المسألة هم الراجعون ~~بأعيانهم عما أجمعوا عليه والمخالفون لأنفسهم بخلاف المسألة الأولى وأن ~~المخالف في المسألة الأولى قد يتوهم أن بعض الأمة (2) الخائضين في تلك ~~المسألة التي اتفقوا عليها وفي هذه المسألة المجمعون هم كل الأمة، ولذلك ~~كان الإشكال في هذه المسألة أعظم منه في الأولى. # وعلى هذا نقول إنه إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين ثم مات أحد ~~القسمين وبقي القسم الآخر فإنه لا يكون قولهم إجماعا مانعا من الأخذ بالقول ~~الآخر، والوجه في تقريره ما سبق وإن خالف فيه قوم. ### | [المسألة الثالثة والعشرون هل يمكن وجود خبر أو دليل ولا معارض له وتشترك الأمة في عدم العلم به] # المسألة الثالثة والعشرون # هل يمكن وجود خبر أو دليل ولا معارض له وتشترك الأمة في عدم العلم به؟ ~~اختلفوا فيه، فمنهم من جوزه مصيرا منه إلى أنهم غير مكلفين بالعمل (3) ، ~~بما لم يظهر لهم ولم يبلغهم، فاشتراكهم في عدم العلم به لا يكون خطأ فإن ~~عدم العلم ليس من فعلهم، وخطأ المكلف من أوصاف فعله. # ومنهم من أحاله مصيرا منه إلى أنهم لو اشتركوا في عدم العلم به، لكان ذلك ~~سبيلا لهم ولوجب على غيرهم اتباعه، وامتنع تحصيل العلم به لقوله تعالى: ~~(سبيل المؤمنين) الآية. PageV01P279 # والمختار أنه لا مانع من اشتراكهم في عدم العلم به، وإن كان عملهم موافقا ~~لمقتضاه لعدم تكليفهم بمعرفة ما لم يبلغهم ولم يظهر لهم، وأما الآية فلا ~~حجة فيها هاهنا، لأن سبيل كل طائفة ما كان من الأفعال المقصودة لهم ~~المتداولة فيما بينهم باتفاق منهم على ما هو المتبادر إلى الفهم من قول ~~القائل: سبيل فلان كذا وسبيل فلان كذا. # وعدم العلم ليس من فعل الأمة فلا يكون سبيلا لهم، كيف وإنا نعلم أن ~~المقصود من الآية إنما هو الحث على متابعة سبيل المؤمنين، ولو كان عدم ~~العلم بالدليل سبيلا لهم لكانت الآية حاثة على متابعته، والشارع لا يحث على ms220 ~~الجهل بأدلته الشرعية إجماعا. # وأما إن كان عملهم على خلافه فهو محال لما فيه من إجماع الأمة على الخطأ ~~المنفي بالأدلة السمعية. ### | [المسألة الرابعة والعشرون هل يمكن ارتداد الأمة] # المسألة الرابعة والعشرون # اختلفوا في تصور ارتداد أمة محمد عليه السلام في عصر من الأعصار نفيا ~~وإثباتا، ولا شك في تصور ذلك عقلا، وإنما الخلاف في امتناعه سمعا، والمختار ~~امتناعه لقوله عليه السلام: " «أمتي لا تجتمع على ضلالة، أمتي لا تجتمع على ~~الخطأ» " إلى غير ذلك من الأحاديث السابقة الدالة على عصمة الأمة عن فعل ~~الخطأ والضلال (1) . # فإن قيل: حال ارتدادهم ليس هم من أمته عليه السلام فلا تكون الأخبار ~~متناولة لهم. # قلنا: الأخبار دالة على أن أمة محمد لا يصدق عليهم الاتفاق على الخطأ، ~~وإذا ارتدت الأمة صدق قول القائل: إن أمة محمد قد اتفقت على الردة، والردة ~~من الخطأ، وذلك ممتنع. PageV01P280 ### | [المسألة الخامسة والعشرون هل التمسك بأقل ما قيل ليس تمسكا بالإجماع] # المسألة الخامسة والعشرون # اختلف العلماء في دية اليهودي، فمنهم من قال: إنها مثل دية المسلم، ومنهم ~~من قال: إنها على النصف منها، ومنهم من قال: إنها على الثلث. # فمن حصرها في الثلث كالشافعي رحمة الله عليه اختلفوا فيه، فظن بعض ~~الفقهاء أنه متمسك في ذلك بالإجماع، وليس كذلك بل الحصر في الثلث مشتمل على ~~وجوب الثلث ونفي الزيادة، فوجوب الثلث مجمع عليه ولا خلاف فيه. # وأما نفي الزيادة فغير مجمع عليه ; لوقوع الخلاف فيه، بل نفيه عند من نفى ~~إنما هو مستند إما إلى ظهور دليل في نظره بنفيه من وجود مانع أو فوات شرط ~~أو عدم المدارك والاعتماد على استصحاب النفي الأصلي، وليس ذلك من الإجماع ~~في شيء. ### | [المسألة السادسة والعشرون هل يثبت الإجماع بخبر الواحد] # المسألة السادسة والعشرون # اختلفوا في ثبوت الإجماع بخبر الواحد، فأجازه جماعة من أصحابنا وأصحاب ~~أبي حنيفة رحمه الله والحنابلة، وأنكره جماعة من أصحاب أبي حنيفة وبعض ~~أصحابنا كالغزالي مع اتفاق الكل على أن ما ثبت بخبر الواحد لا يكون إلا ms221 ~~ظنيا في سنده (1) وإن كان قطعيا في متنه. # وحجة من قال بجوازه النص والقياس، أما النص: فقوله عليه السلام: " «نحن ~~نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر» "، ذكر (الظاهر) بالألف واللام ~~المستغرقة فدخل فيه الإجماع الثابت بخبر الواحد لكونه ظاهرا ظنيا. # وأما القياس: فهو أن خبر الواحد عن الإجماع مفيد للظن، فكان حجة كخبره عن ~~نص الرسول. # وحجة المانعين من ذلك أن كون (2) الإجماع المنقول على لسان الآحاد أصلا ~~من أصول الفقه كالقياس وخبر الواحد عن الرسول، وذلك مما لم يرد من الأمة ~~PageV01P281 # فيه إجماع قاطع يدل على جواز الاحتجاج به ولا نص قاطع من كتاب أو سنة وما ~~عدا ذلك من الظواهر فغير محتج بها في الأصول (1) وإن احتج بها في الفروع. # وبالجملة فالمسألة دائرة على اشتراط كون دليل الأصل مقطوعا به وعلى عدم ~~اشتراطه، فمن اشترط القطع منع أن يكون خبر الواحد مفيدا في نقل الإجماع، ~~ومن لم يشترط ذلك كان الإجماع المنقول على لسان الآحاد عنده حجة، والظهور ~~في هذه المسألة للمعترض من الجانبين دون المستدل فيها. ### | [المسألة السابعة والعشرون حكم جاحد الحكم المجمع عليه] # المسألة السابعة والعشرون # اختلفوا في تكفير جاحد الحكم المجمع عليه، فأثبته بعض الفقهاء وأنكره ~~الباقون مع اتفاقهم على أن إنكار حكم الإجماع موجب للتكفير. # والمختار إنما هو التفصيل، وهو أن حكم الإجماع إما أن يكون داخلا في ~~مفهوم اسم الإسلام كالعبادات الخمس، ووجوب اعتقاد التوحيد والرسالة، أو لا ~~يكون كذلك كالحكم بحل البيع وصحة الإجارة ونحوه، فإن كان الأول فجاحده كافر ~~لمزايلة حقيقة الإسلام له وإن كان الثاني فلا (2) . PageV01P282 ### | [خاتمة فيما يكون الإجماع حجة فيه وما لا يكون وهل الإجماع في الأديان السالفة كان حجة] # خاتمة # فيما يكون الإجماع حجة فيه، وما لا يكون، وأن الإجماع في الأديان السالفة ~~كان حجة أم لا. # أما الأول فهو أن المجمع عليه لا يخلو إما أن تكون صحة الإجماع متوقفة ~~عليه، أو لا يكون كذلك. # فإن كان الأول فالاحتجاج بالإجماع على ذلك الشيء يكون ممتنعا لتوقف صحة ms222 ~~كل واحد منهما على الآخر وهو دور. # وذلك كالاستدلال على وجود الرب تعالى وصحة رسالة النبي عليه السلام من ~~حيث إن صحة الإجماع متوقفة على النصوص الدالة على عصمة الأمة عن الخطأ كما ~~سبق تقريره وصحة النصوص متوقفة على وجود الرب المرسل، وكون محمد رسولا. # فإذا توقفت معرفة وجود الرب ورسالة رسوله محمد على صحة الإجماع كان دورا، ~~وإن كان من القسم الثاني، فالمجمع عليه إما أن يكون من أمور الدين أو ~~الدنيا، فإن كان من أمور الدين فهو حجة مانعة من المخالفة إن كان قطعيا من ~~غير خلاف القائلين بالإجماع. # وسواء كان ذلك المتفق عليه عقليا كرؤية الرب لا في جهة، ونفي الشريك لله ~~تعالى، أو شرعيا كوجوب الصلاة والزكاة ونحوه (1) . PageV01P283 # وأما إن كان المجمع عليه من أمور الدنيا كالإجماع على ما يتفق من الآراء ~~في الحرب وترتيب الجيوش وتدبير أمور الرعية، فقد اختلف فيه قول القاضي عبد ~~الجبار بالنفي والإثبات، فقال تارة بامتناع مخالفته، وتارة بالجواز، وتابعه ~~على كل واحد من القولين جماعة. # والمختار إنما هو المنع من المخالفة، وأنه حجة لازمة ; لأن العمومات ~~الدالة على عصمة الأمة عن الخطأ ووجوب اتباعهم فيما أجمعوا عليه عامة في كل ~~ما أجمعوا عليه. # وأما أن الإجماع في الأديان السالفة كان حجة أم لا، فقد اختلف فيه ~~الأصوليون، والحق في ذلك أن إثبات ذلك أو نفيه مع الاستغناء عنه لم يدل ~~عليه عقل ولا نقل، فالحكم بنفيه أو إثباته متعذر. # وهذا آخر الكلام في الإجماع. # PageV01P284 ### | [الأصل الرابع فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والإجماع] ### | [النوع الأول النظر في السند] ### | [الباب الأول في حقيقة الخبر وأقسامه] # بسم الله الرحمن الرحيم # الأصل الرابع # فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والإجماع # وهو نوعان؛ يتعلق أحدهما بالنظر في السند، والآخر بالنظر في المتن # النوع الأول - النظر في السند # وهو الإخبار عن المتن، ويشتمل على ثلاثة أبواب # الباب الأول # في حقيقة الخبر وأقسامه # أما حقيقة الخبر، فاعلم أولا أن اسم الخبر قد يطلق على الإشارات الحالية ~~والدلائل المعنوية، ms223 كما في قولهم: " عيناك تخبرني بكذا؛ والغراب يخبر بكذا ~~". # ومنه قول الشاعر: # وكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبر أن المانوية تكذب (1) # وقد يطلق على قول مخصوص لكنه مجاز في الأول وحقيقة في الثاني بدليل ~~تبادره إلى الفهم من إطلاق لفظ الخبر، والغالب إنما هو اشتهار استعمال ~~اللفظ في حقيقته دون مجازه. # ثم القول المخصوص قد يطلق على الصيغة كقول القائل: قام زيد، وقعد ~~PageV02P003 # عمرو. # وقد يطلق على المعنى القائم بالنفس، المعبر عنه بالصيغة كما قررناه في ~~الكلاميات. # والأشبه أنه في اللغة حقيقة في الصيغة؛ لتبادرها إلى الفهم من إطلاق لفظ ~~الخبر (1) وإذا عرف مسمى الخبر حقيقة فما حده؟ # اختلفوا فيه: فمن أصحابنا من قال: لا سبيل إلى تحديده، بل معناه معلوم ~~بضرورة العقل. ودل على ذلك بأمرين: # الأول: أن كل أحد يعلم بالضرورة أنه موجود، وأنه ليس بمعدوم، وأن الشيء ~~الواحد لا يكون موجودا معدوما. # ومطلق الخبر جزء من معنى الخبر الخاص، والعلم بالكل موقوف على العلم ~~بالجزء، فلو كان تصور ماهية مطلق الخبر موقوفا على الاكتساب، لكان تصور ~~الخبر الخاص أولى أن يكون كذلك. # الثاني: أن كل أحد يعلم بالضرورة الموضع الذي يحسن فيه الخبر (2) عن ~~الموضع الذي يحسن فيه الأمر، ولولا أن هذه الحقائق متصورة لما كان كذلك، ~~وهو ضعيف. # أما قوله: إنه معلوم بالضرورة فدعوى مجردة، وهي مقابلة بنقيضها. وما ذكره ~~من الدلالة على ذلك، فهو دليل على أن العلم به غير ضروري؛ لأن الضروري هو ~~الذي لا يفتقر في العلم به إلى نظر ودليل يوصل إليه، وما يفتقر إلى ذلك فهو ~~نظري لا ضروري. # فإن قيل: ما ذكرناه إنما هو بطريق التنبيه، لا بطريق الدلالة؛ لأن من ~~الضروريات ما يفتقر إلى نوع تذكير وتنبيه على ما علم في مواضعه، فهو باطل ~~من وجهين. # الأول: أنه لو قيل ذلك لأمكن دعوى الضرورة في كل علم نظري. وأن ما ذكروه ~~من الدليل إنما هو بطريق التنبيه دون الدلالة، وهو محال. # الثاني: أن ما ذكره في معرض التنبيه ms224 غير مفيد. # أما الوجه الأول فهو باطل من وجهين: # الأول: أن علم الإنسان بوجود نفسه، وإن كان ضروريا وكذلك العلم باستحالة ~~كون الشيء الواحد موجودا معدوما معا. فغايته أنه علم ضروري بنسبة خاصة، ~~PageV02P004 # أو بسلب نسبة خاصة، ولا يلزم منه أن يكون ذلك علما بحقيقة الخبر من حيث ~~هو خبر، وهو محل النزاع. # فإن قيل: إذا كانت تلك النسبة الخاصة معلومة بالضرورة فلا معنى لكون ذلك ~~المعلوم خبرا سوى تلك النسبة الخاصة فهو (1) عود إلى التحديد وترك لما قيل. # الثاني: إنا؛ وإن سلمنا أن مثل هذه الأخبار الخاصة معلومة بالضرورة، فلا ~~يلزم أن يكون الخبر المطلق من حيث هو خبر كذلك، قوله: لأن الخبر المطلق جزء ~~من الخبر الخاص، ليس كذلك؛ لأن الخبر المطلق أعم من الخبر الخاص فلو كان ~~جزءا من معنى الخبر الخاص، لكان الأعم منحصرا في الأخص وهو محال. # فإن قيل: الأعم لا بد وأن يكون مشتركا فيه بين الأمور الخاصة التي تحته، ~~ولا معنى لاشتراكها فيه سوى كونه جزءا من معناها. # قلنا: أما أولا، فإنه لا معنى لكون (2) الأعم مشتركا فيه أنه موجود في ~~الأنواع أو الأشخاص التي هي أخص منه، بل بمعنى لحد أن حد الطبيعة التي عرض ~~لها إن كانت كلية مطلقة مطابق طبائع الأمور الخاصة تحتها. # وأما ثانيا: فلأنه ليس كل عام يكون جزءا من معنى الخاص، ومقوما له بجواز ~~(3) أن يكون من الأعراض العامة الخارجة عن مفهوم المعنى الخاص، كالأسود ~~والأبيض بالنسبة إلى ما تحتهما من معنى الإنسان والفرس ونحوه. # وأما الوجه الثاني: فباطل أيضا من جهة أن العلم الضروري إنما هو واقع ~~بالتفرقة بين ما يحسن فيه بيان الأمر وما يحسن فيه الخبر بعد معرفة الأمر ~~والخبر، أما قبل ذلك فهو غير مسلم. # نعم؛ غاية ما في ذلك أنه يعلم التفرقة بين ما يجده في نفسه من طلب الفعل ~~والنسبة بين أمرين على وجه خاص، وليس هو العلم بحقيقة الأمر والخبر. فإن ~~قيل إنه لا معنى للأمر والخبر سوى ذلك المعلوم ms225 الخاص، فهو أيضا عود إلى ~~التحديد. # كيف وإن PageV02P005 # ما ذكره يوجب أن يكون الأمر أيضا مستغنيا عن التحديد كاستغناء الخبر. # وهذا القائل بعينه قد عرف الأمر بالتحديد، حيث قال: الأمر هو طلب الفعل ~~على سبيل الاستعلاء. # وأيضا فإن الكلام إنما هو واقع في مفهوم الخبر اللفظي. وحقائق أنواع ~~الألفاظ وانقسامها إلى أمر ونهي، وخبر وغير ذلك مما لا سبيل إلى القول ~~بكونه معلوما بالضرورة، لكونه مبنيا على الوضع والاصطلاح. # ولهذا، فإن العرب لو أطلقوا اسم الأمر على المفهوم من الخبر الآن، واسم ~~الخبر على مفهوم الأمر؛ لما كان ممتنعا، وما يتبدل ويختلف باختلاف ~~الاصطلاحات فالعلم بمعناه لا يكون ضروريا. # وإذا عرف ذلك فقد أجمع الباقون على أن العلم بمفهوم الخبر إنما يعرف ~~بالحد والنظر، لكن اختلفوا في حده، فقالت المعتزلة كالجبائي وابنه وأبي عبد ~~الله البصري والقاضي عبد الجبار وغيرهم: إن الخبر هو الكلام الذي يدخله ~~الصدق والكذب. وقد أورد عليه إشكالات أربعة: # الأول: أنه منتقض بقول القائل: محمد ومسيلمة صادقان في دعوى النبوة، ولا ~~يدخله الصدق، وإلا كان مسيلمة صادقا، ولا الكذب، وإلا كان محمد كاذبا وهو ~~خبر، وكذلك من كذب في جميع أخباره فقال: جميع أخباري كذب، فإن قوله هذا ~~خبر، ولا يدخله الصدق. # وإلا كانت جميع أخباره كذبا، وهو من جملة أخباره ولا يدخله الكذب، وإلا ~~كانت جميع أخباره مع هذا الخبر كذبا، وصدق في قوله (جميع أخباري كذب) . # الثاني: أن تعريف الخبر بما يدخله الصدق إلى يفضي إلى الدور؛ لأن تعريف ~~الصدق والكذب متوقف على معرفة الخبر من حيث إن الصدق هو الخبر الموافق ~~للمخبر، والكذب بضده، وهو ممتنع. # الثالث: إن الصدق والكذب متقابلان، ولا يتصور اجتماعهما في خبر واحد. ~~ويلزم من ذلك إما امتناع وجود الخبر مطلقا، وهو محال، وإما وجود الخبر مع ~~امتناع اجتماع دخول الصدق والكذب فيه، فيكون المحدود متحققا دون ما قيل ~~بكونه حدا له وهو أيضا محال. # PageV02P006 # الرابع: أن الباري تعالى له خبر، ولا يتصور دخول الكذب فيه. # وقد أجاب الجبائي ms226 عن قول القائل " محمد ومسيلمة صادقان " بأن هذا الكلام ~~يفيد صدق أحدهما في حال صدق الآخر، فكأنه قال: أحدهما صادق حال صدق الآخر. # ولو قال ذلك كان قوله كاذبا، فكذلك إذا قال: هما صادقان وهو إنما يصح أن ~~لو كان معنى هذا الكلام ما قيل، وليس كذلك بل قوله: هما صادقان أعم من كون ~~أحدهما صادقا، حال صدق الآخر وقبله وبعده. والأعم غير مشعر بالأخص، ولا ~~يلزم من كذب الأخص كذب الأعم. # وأجاب أبو هاشم بأن هذا الخبر جار مجرى خبرين أحدهما خبر بصدق الرسول، ~~والآخر خبر بصدق مسيلمة. # والخبران لا يوصفان بالصدق ولا بالكذب، فكذلك هاهنا. # وإنما الذي يوصف بالصدق والكذب الخبر الواحد من حيث هو خبر، وليس بحق ~~أيضا فإنه إنما ينزل منزلة الخبر من حيث إنه أفاد حكما واحدا لشخصين، وذلك ~~غير مانع من وصفه بالصدق والكذب، بدليل الكذب في قول القائل: كل موجود حادث ~~وإن كان يفيد حكما واحدا لأشخاص متعددة. # وأجاب عنه القاضي عبد الجبار بأن قال: المراد من قولنا: " ما دخله الصدق ~~والكذب " أن اللغة لا تحرم أن يقال للمتكلم به: صدقت أو كذبت. وهو أيضا غير ~~صحيح، فإن حاصله يرجع إلى التصديق والتكذيب، وهو غير الصدق والكذب في نفس ~~الخبر. # وأجاب عنه أبو عبد الله البصري بأنه كذب؛ لأنه يفيد إضافة الصدق إليهما ~~معا مع عدم إضافته إليهما معا، وهو وإن كان كما ذكر غير أنه إذا كان كاذبا ~~فلا يدخله الصدق، وقد قيل: الخبر ما يدخله الصدق والكذب، والحق في الجواب ~~أن يقال حاصل هذا وإن كانت صورته صورة خبر واحد يرجع إلى خبرين؛ أحدهما ~~صادق وهو إضافة الصدق إلى محمد. والآخر كاذب وهو إضافته إلى مسيلمة. # وأما الإلزام الثاني فلا يخلو الخبر فيه، إما أن يكون مطابقا للمخبر عنه، ~~أو غير مطابق. # فإن كان الأول فهو صدق، وإن كان الثاني فهو كذب لاستحالة الجمع بين ~~المتناقضين في السلب أو الإيجاب. # PageV02P007 # وأما الإشكال الثاني، فقد أجاب عنه القاضي عبد الجبار بأن الخبر ms227 معلوم ~~لنا، وما ذكرناه لم نقصد به تعريف الخبر؛ بل فصله وتمييزه عن غيره، فإذا ~~عرفنا الصدق والكذب بالخبر فلا يكون دورا، وهو غير صحيح؛ لأنه إذا كان ~~تمييز الخبر عن غيره إنما يكون بالنظر إلى الصدق والكذب فتمييز الصدق ~~والكذب بالخبر يوجب توقف كل واحد من الأمرين في تمييزه عن غيره على الآخر، ~~وهو عين الدور بل لو قيل: إن الصدق والكذب وإن كان داخلا في حد الخبر ~~ومميزا له، فلا نسلم أن الصدق والكذب مفتقر في معرفته إلى الخبر، بل الصدق ~~والكذب معلوم لنا بالضرورة، لكان أولى. # وأما الإشكال الثالث، فقد قيل في جوابه إن المحدود إنما هو جنس الخبر، ~~وهو قابل لدخول الصدق والكذب فيه كاجتماع السواد والبياض في جنس اللون، وهو ~~غير صحيح. فإن الحد وإن كان لجنس الخبر فلا بد وأن يكون الحد موجودا في كل ~~واحد من آحاد الأخبار، وإلا لزم منه وجود الخبر دون حد الخبر وهو ممتنع. # ولا يخفى أن آحاد الأخبار الشخصية مما لا يجتمع فيه الصدق والكذب، والحق ~~في ذلك أن (الواو) وإن كانت ظاهرة في الجمع المطلق، غير أن المراد بها ~~الترديد بين القسمين تجوزا. # وأما الإشكال الرابع فقد قيل في جوابه مثل جواب الإشكال الذي قبله، وقد ~~عرف ما فيه. # ومن الناس من قال: الخبر ما دخله الصدق أو الكذب، ويرد عليه الإشكالان ~~الأولان من الإشكالات الواردة على الحد الأول دون الأخيرين (1) # وقد عرف ما فيهما. # ويرد عليه إشكال آخر خاص به، وهو أن الحد معروف للمحدود، وحرف (أو) ~~للترديد، وهو مناف للتعريف. # ويمكن أن يقال في جوابه: إن الحكم بقبول الخبر لأحد هذين الأمرين من غير ~~تعيين جازم لا تردد فيه وهو المأخوذ في التحديد. # وإنما التردد في اتصافه بأحدهما عينا، وهو غير داخل في الحد. # وقيل ما يدخله التصديق والتكذيب. . PageV02P008 # ومنهم من قال: هو ما يدخله التصديق والتكذيب، ويرد عليهما تعريف الخبر ~~بالتصديق والتكذيب المتوقف على معرفة الصدق والكذب المتوقف على معرفة الخبر ~~والترديد. وقد عرف ms228 ما في كل واحد منهما. # وقال أبو الحسين البصري: الخبر كلام يفيد بنفسه إضافة أمر إلى أمر نفيا ~~أو إثباتا. # واحترز بقوله (بنفسه) عن الأمر، فإنه يستدعي كون الفعل المأمور به واجبا ~~لكن لا بنفسه، بل بواسطة ما استدعاه الأمر بنفسه من طلب الفعل الصادر من ~~الحكيم، وهو منتقض بالنسب التقييدية كقول القائل: حيوان ناطق، فإنه أفاد ~~بنفسه إثبات النطق للحيوان، وليس بخبر. # فإن قال: إن ذلك ليس بكلام. ونحن. فقد قيدنا الحد بالكلام. قلنا: هذا منه ~~لا يصح فإن (1) حد الكلام بما انتظم من الحروف المسموعة المميزة من غير ~~اعتبار قيد آخر. # وحد الكلام بهذا الاعتبار متحقق فيما نحن فيه، فكان على أصله كلاما. # والمختار فيه أن يقال: الخبر عبارة عن اللفظ الدال بالوضع على نسبة معلوم ~~إلى معلوم أو سلبها على وجه يحسن السكوت عليه من غير حاجة إلى تمام مع قصد ~~المتكلم به الدلالة على النسبة أو سلبها. # أما قولنا (اللفظ) فهو كالجنس للخبر وغيره من أقسام الكلام ويمكن أن ~~يحترز به عن الخبر المجازي مما ذكرناه أولا. # وقولنا: (الدال) احتراز عن اللفظ المهمل. # وقولنا: (بالوضع) احتراز عن اللفظ الدال بجهة الملازمة. # وقولنا: (على نسبة) احتراز عن أسماء الأعلام، وعن كل ما ليس له دلالة على ~~نسبة. # وقولنا: (معلوم إلى معلوم) حتى يدخل فيه الموجود والمعدوم. # وقولنا: (سلبا أو إيجابا) حتى يعم " ما " مثل قولنا: زيد في الدار، ليس ~~في الدار. # وقولنا: (يحسن السكوت عليه من غير حاجة إلى إتمام) احتراز عن اللفظ الدال ~~على النسب التقييدية. PageV02P009 # وقولنا (مع قصد المتكلم به الدلالة على النسبة أو سلبها) احتراز عن صيغة ~~الخبر إذا وردت. ولا تكون خبرا، كالواردة على لسان النائم والساهي والحاكي ~~لها، أو لقصد الأمر مجازا كقوله تعالى: {والجروح قصاص} ، وقوله: {والوالدات ~~يرضعن أولادهن} ، {والمطلقات يتربصن} ، {ومن دخله كان آمنا} ونحوه، حيث إنه ~~لم يقصد بها الدلالة على النسبة ولا سلبها. ### | [القسمة الأولى الخبر ينقسم إلى صادق وكاذب] # وإذا عرف معنى الخبر فهو ينقسم ثلاث قسم: ms229 # القسمة الأولى: أن الخبر ينقسم إلى صادق وكاذب؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون ~~مطابقا للمخبر به (1) أو غير مطابق فإن كان الأول فهو الصادق، وإن كان ~~الثاني فهو الكاذب. # وقال الجاحظ: الخبر ينقسم ثلاثة أقسام: صادق، وكاذب، وما ليس بصادق، ولا ~~كاذب. وقد احتج على ذلك بالنص والمعقول. # أما النص فحكاية القرآن عن الكفار قولهم عن النبي عليه السلام {أفترى على ~~الله كذبا أم به جنة} حصروا دعواه النبوة في الكذب والجنة، وليس إخباره ~~بالنبوة حالة جنونه كذبا لأنهم جعلوها في مقابلة الكذب، ولا صدقا، لأنهم لم ~~يعتقدوا صدقه على كل تقدير. فإخباره حالة جنة ليس بصدق ولا كذب. # وأما المعقول فمن وجهين: الأول: أنه ليس الصادق هو الخبر المطابق للمخبر. # فإن من أخبر بأن زيدا في الدار، على اعتقاد أنه ليس فيها، وكان فيها، ~~فإنه لا يوصف بكونه صادقا ولا يستحق المدح على ذلك، وإن كان خبره مطابقا ~~للمخبر. ولا يوصف بكونه كاذبا لمطابقة خبره للمخبر. وكذلك ليس الكذب هو عدم ~~مطابقة الخبر للمخبر لوجهين؛ الأول: أنه كان يلزم منه الكذب في كلام الله ~~(تعالى) بتخصيص عموم خبره وتقييد مطلقه لعدم المطابقة، وهو محال. # الثاني: أنه لو أخبر مخبر أن زيدا في الدار، على اعتقاد كونه فيها ولم ~~يكن فيها، PageV02P010 # فإنه لا يوصف بكونه كاذبا؛ ولا يستحق الذم على ذلك. ولا يوصف بكونه صادقا ~~لعدم مطابقة الخبر للمخبر. وإنما الصادق ما طابق المخبر مع اعتقاد المخبر ~~أنه كذلك. والكذب ما لم يطابق المخبر مع اعتقاده أنه كذلك. # الثاني: أنه إذا جاز أن يفرض في الاعتقاد واسطة بين كونه علما أو جهلا، ~~لا يوصف بكونه علما، ولا جهلا مركبا، كاعتقاد العامي المقلد وجود الإله ~~تعالى، جاز أن يفرض بين الصادق والكاذب خبر ليس بصادق ولا كاذب. # والجواب عن الآية أنهم إنما حصروا أمره بين الكذب والجنة؛ لأن قصد ~~الدلالة به على مدلوله شرط في كونه خبرا، والمجنون ليس له قصد صحيح، فصار ~~كالنائم والساهي، إذا صدرت منه صيغة الخبر، ms230 فإنه لا يكون خبرا وحيث لم ~~يعتقدوا صدقه لم يبق إلا أن يكون كاذبا، أو لا يكون ما أتى به خبرا وإن ~~كانت صورته صورة الخبر، أما أن يكون خبرا وليس صادقا فيه ولا كاذبا؛ فلا. # وعن الوجه الأول من المعقول: أنا لا نسلم أن من أخبر عن كون زيد في الدار ~~على اعتقاد أنه ليس فيها وهو فيها أن خبره لا يكون صادقا، وإن كان لا يستحق ~~المدح على الصدق. # وكذلك لا نسلم أن من أخبر بأن زيدا في الدار، على اعتقاد كونه فيها، ولم ~~يكن فيها أنه ليس كاذبا، وإن كان لا يستحق الذم على كذبه؛ لأن المدح والذم ~~ليس على نفس الصدق والكذب لا غير، بل على الصدق مع قصده والكذب مع قصده؛ ~~ولهذا فإن الأمة حاكمة بأن الكافر الذي علم منه اعتقاد بطلان رسالة محمد ~~عليه السلام صادق بإخباره بنبوة محمد لما كان خبره مطابقا للمخبر، وإن لم ~~يكن معتقدا لذلك ولا قاصدا للصدق، وحاكمة بكذبه في إخباره أنه ليس برسول، ~~وإن كان معتقدا لما أخبر به لما كان خبره غير مطابق للمخبر. # وأما تخصيص عموم خبر القرآن وتقييد مطلقه، فإنما لم يكن كذبا، وإن لم يكن ~~الخبر محمولا على ظاهره من العموم والإطلاق؛ لأنه مصروف عن حقيقته إلى ~~مجازه، وصرف اللفظ عن أحد مدلوليه إلى الآخر لا يكون كذبا، وسواء كان ذلك ~~اللفظ من قبيل الألفاظ المشتركة أو # PageV02P011 # المجازية. # ولهذا فإن من أخبر بلفظ مشترك وأراد به بعض مدلولاته دون البعض. كما لو ~~قال: (رأيت عينا) وأراد به العين الجارية دون الباصرة، وبالعكس فإنه لا يعد ~~كاذبا. # وكذلك من أخبر بلفظ هو حقيقة في شيء ومجاز في شيء، وأراد جهة المجاز دون ~~الحقيقة؛ فإنه لا يعد كاذبا، وذلك كما لو قال: (رأيت أسدا) وأراد به المحمل ~~المجازي دون الحقيقي، وهو الإنسان. # وعن الوجه الثاني أنه لا يلزم من انقسام الاعتقاد إلى علم وجهل مركب، ~~وحالة متوسطة ليست علما ولا جهلا مركبا، انقسام الخبر إلى صدق ms231 وكذب، وما ~~ليس بصدق ولا كذب، إذ هو قياس تمثيلي من غير جامع، ولو كان ذلك كافيا، لوجب ~~أن يقال إنه أيضا يلزم من ذلك أن يكون بين النفي والإثبات واسطة، وهو محال. # وبالجملة، فالنزاع في هذه المسألة لفظي حيث إن أحد الخصمين يطلق اسم ~~الصدق والكذب على ما لا يطلقه الآخر إلا بشرط زائد. ### | [القسمة الثانية الخبر ينقسم إلى ما يعلم صدقه وإلى ما يعلم كذبه وإلى ما لا يعلم صدقه ولا كذبه] # القسمة الثانية: # أن الخبر ينقسم إلى ما يعلم صدقه، وإلى ما يعلم كذبه، وإلى ما لا يعلم ~~صدقه ولا كذبه. # فأما ما يعلم صدقه فمنه ما يعلم صدقه بمجرد الخبر، كخبر التواتر، وما ~~يعلم صدقه لا بنفس الخبر، بل بدليل يدل على كونه صادقا، كخبر الله وخبر ~~الرسول فيما يخبر به عن الله تعالى وخبر أهل الإجماع وخبر من أخبر الله ~~تعالى عنه أو رسوله أو أهل الإجماع أنه صادق، وخبر من وافق خبره خبر الصادق ~~أو دليل العقل وأما ما وراء ذلك مما ادعي أنه معلوم الصدق، ففيه اختلاف ~~وتفصيل يأتي ذكره في أخبار الآحاد. # وأما ما يعلم كذبه، فما كان مخالفا لضرورة العقل أو النظر، أو الحس أو ~~أخبار التواتر، أو النص القاطع، أو الإجماع القاطع، أو ما صرح الجمع الذين ~~لا يتصور تواطؤهم على الكذب بتكذيبه، ومن ذلك قول من لم يكذب قط فيما أخبر ~~به " أنا كاذب " فخبره ذلك كاذب؛ لأن المخبر عنه ليس هو نفس هذا الخبر؛ لأن ~~الخبر يجب أن يكون غير المخبر عنه، ولا ما لم يوجد من أخباره، فإنها لا ~~توصف بصدق ولا كذب فلم يبق غير الأخبار السالفة. وقد كان صادقا فيها فخبره ~~عنها بأنه كاذب فيها يكون # PageV02P012 # كذبا. وقد اختلف في أخبار قيل إنها معلومة الكذب، وسيأتي الكلام فيها بعد ~~هذا في أخبار الآحاد. # وأما ما لا يعلم صدقه ولا كذبه، فمنه ما يظن صدقه ككثير من الأخبار ~~الواردة في أحكام الشرائع والعادات ممن هو مشهور ms232 بالعدالة والصدق. ومنه ما ~~يظن كذبه كخبر من اشتهر بالكذب، ومنه ما هو غير مظنون الصدق ولا الكذب، بل ~~مشكوك فيه، كخبر من لم يعلم حاله ولم يشتهر أمره بصدق ولا كذب. # فإن قيل: كل خبر لم يقم الدليل على صدقه قطعا فهو كاذب؛ لأنه لو كان ~~صادقا لما أخلانا الله تعالى عن نصب دليل يدل عليه، ولهذا فإن المتحدي ~~بالنبوة، إذا لم تظهر على يده معجزة تدل على صدقه، فإنا نقطع بكذبه، قلنا: ~~جوابه من ثلاثة أوجه: الأول: لا نسلم امتناع الخلو من نصب دليل يدل على ~~صدقه بتقدير أن يكون صادقا في نفس الأمر. ومن أوجب ذلك فإنما بناه على وجوب ~~رعاية الصلاح أو الأصلح وقد أبطلناه في علم الكلام. # الثاني: أنه مقابل بمثله، وهو أن يقال: ولو كان كاذبا لما أخلانا الله ~~تعالى عن نصب دليل يدل على كذبه. # الثالث: أنه يلزم مما ذكروه أن يقطع بكذب كل شاهد لم يقم الدليل القاطع ~~على صدقه، وكفر كل مسلم وفسقه، إذا لم يقم دليل قاطع على إيمانه وعدالته، ~~وهو محال. # وأما المتحدي بالرسالة إذا لم تظهر المعجزة الدالة على صدقه إنما قطعنا ~~بكذبه بالنظر إلى العادة لا بالنظر إلى العقل، وذلك لأن الرسالة عن الله ~~تعالى على خلاف العادة، والعادة تقضي بكذب من يدعي ما يخالف العادة من غير ~~دليل ولا كذلك الصدق في الأخبار عن الأمور المحسوسة؛ لأنه غير مخالف ~~للعادة. ### | [القسمة الثالثة الخبر ينقسم إلى متواتر وآحاد] # القسمة الثالثة: أن الخبر ينقسم إلى متواتر وآحاد، ولما كان النظر في كل ~~واحد من هذين القسمين هو المقصود الأعظم من هذا النوع، وجب رسم ### | الباب الثاني في المتواتر، # والباب الثالث في الآحاد. # PageV02P013 ### | [الباب الثاني في المتواتر] ### | [مقدمة في بيان معنى التواتر والمتواتر] # الباب الثاني # في المتواتر # ويشتمل على مقدمة ومسائل. # أما المقدمة ففي بيان معنى التواتر والمتواتر. # أما التواتر في اللغة، فعبارة عن تتابع أشياء واحدا بعد واحد، بينهما ~~مهلة. ومنه قوله تعالى: {ثم أرسلنا رسلنا تترى} أي: ms233 واحدا بعد واحد بمهلة. # وأما في اصطلاح الأصوليين، فقد قال بعض أصحابنا: إنه عبارة عن خبر جماعة ~~بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم. # وهو غلط، فإن ما ذكروه إنما هو حد الخبر المتواتر، لا حد نفس التواتر، ~~وفرق بين التواتر والمتواتر. وإنما التواتر في اصطلاح المتشرعة؛ عبارة عن ~~تتابع الخبر عن جماعة مفيد (1) للعلم بمخبره. # وأما المتواتر فقد قال بعض أصحابنا أيضا: إنه الخبر المفيد للعلم اليقيني ~~بمخبره، مانع لدخول خبر الواحد الصادق فيه. # كيف وفيه زيادة لا حاجة إليها، وهي قوله: (العلم اليقيني) فإن أحدهما كاف ~~عن الآخر، والحق أن المتواتر في اصطلاح المتشرعة عبارة عن خبر جماعة مفيد ~~بنفسه للعلم بمخبره. # فقولنا: (خبر) كالجنس للمتواتر والآحاد، وقولنا: (جماعة) احتراز عن خبر ~~الواحد، وقولنا: (مفيد للعلم) احتراز عن خبر جماعة لا يفيد العلم، فإنه لا ~~يكون متواترا، وقولنا: (بنفسه) احتراز عن خبر جماعة وافق دليل العقل، أو دل ~~قول الصادق على صدقهم، كما سبق. # وقولنا: (بمخبره) احتراز عن خبر جماعة أفاد العلم بخبرهم لا (بمخبره) ~~فإنه لا يسمى متواترا، وإذ أتينا على بيان المقدمة، فلا بد من ذكر المسائل ~~المتعلقة بخبر التواتر، وهي ست مسائل: PageV02P014 ### | [المسألة الأولى خبر التواتر مفيد للعلم] # المسألة الأولى # اتفق الكل على أن خبر التواتر مفيد للعلم بمخبره خلافا للسمنية (1) ~~والبراهمة (2) في قولهم: لا علم في غير الضروريات إلا بالحواس دون الأخبار ~~وغيرها، ودليل ذلك ما يجده كل عاقل من نفسه من العلم الضروري بالبلاد ~~النائية، والأمم السالفة، والقرون الخالية، والملوك، والأنبياء، والأئمة، ~~والفضلاء المشهورين والوقائع الجارية بين السلف الماضين، بما يرد علينا من ~~الأخبار حسب وجداننا كالعلم بالمحسوسات عند إدراكنا لها بالحواس. ومن أنكر ~~ذلك فقد سقطت مكالمته، وظهر جنونه أو مجاحدته. # فإن قيل ما ذكرتموه فرع تصور اجتماع الخلق الكثير والجم الغفير على ~~الإخبار بخبر واحد، وذلك غير مسلم، مع اختلافهم في الأمزجة والآراء ~~والأغراض وقصد الصدق والكذب، كما لا يتصور اتفاق أهل بلد من البلاد على حب ~~طعام واحد معين، ms234 وحب الخير أو الشر. # وإن سلمنا تصور اتفاق الخلق الكثير على الإخبار بشيء واحد، إلا أن كل ~~واحد منهم يجوز أن يكون كاذبا في خبره، بتقدير انفراده كما يجوز عليه ~~الصدق. # فلو امتنع ذلك عليه حالة الاجتماع لانقلب الجائز ممتنعا، وهو محال وإذا ~~جاز ذلك على كل واحد واحد، والجملة لا تخرج عن الآحاد، كان خبر الجملة جائز ~~الكذب، وما يجوز أن يكون كاذبا، لا يكون العلم بما يخبر به واقعا. # وإن سلمنا أنه لا يلزم أن ما ثبت للآحاد يكون ثابتا للجملة، غير أن القول ~~بحصول العلم بخبر التواتر يلزم منه أمر ممتنع فيمتنع، وبيانه من ستة أوجه: # الأول: أنه لو جاز أن تخبر جماعة بما يفيد العلم، لجاز على مثلهم الخبر ~~بنقيض خبرهم، كما لو أخبر الأولون بأن زيدا كان في وقت كذا ميتا، ونقل ~~الآخرون حياته في ذلك الوقت بعينه، فإن حصل العلم بالخبرين، لزم اجتماع ~~العلم الضروري بموته وحياته في وقت واحد معين وهو محال، وإن حصل العلم بأحد ~~الخبرين دون الآخر، فلا أولوية مع فرض تساوي المخبرين في الكمية والكيفية. ~~PageV02P015 # الثاني أنه لو حصل العلم بخبر الجماعة الكثيرة لحصل العلم بما ينقله ~~اليهود عن موسى، والنصارى عن عيسى، من الأمور المكذبة لرسالة نبينا، التي ~~دلت المعجزة القاطعة على صدقه فيها ووجوب علمنا بها، واجتماع علمين ~~متناقضين محال. # الثالث: أنه لو حصل العلم الضروري بخبر التواتر، لما خالف في نبوة نبينا ~~أحد، لأن ما علم بالضرورة لا يخالف؛ وحيث وقع الخلاف في ذلك من الخلق ~~الكثير علمنا أن خبر التواتر لا يفيد العلم (1) # الرابع: أنه لو كان العلم الضروري حاصلا بخبر التواتر، لما وقع التفاوت ~~بين علمنا بما أخبر به أهل التواتر من وجود بعض الملوك، وعلمنا بأنه لا ~~واسطة بين النفي والإثبات واستحالة اجتماع الضدين، وأن الجسم الواحد لا ~~يكون في آن واحد في مكانين؛ لأن الضروريات لا تختلف، ولا يخفى وجه الاختلاف ~~في سكون النفس إليهما. # الخامس: هو أن ما يحصل من الاعتقاد الجازم ms235 بما يخبر به أهل التواتر لا ~~يزيد على الاعتقاد الجازم بأن ما شاهدناه بالأمس من وجود الأفلاك الدائرة، ~~والكواكب السيارة، والجبال الشامخة، أنه الذي نشاهده اليوم مع جواز أن يكون ~~الله تعالى قد أعدم ذلك، وما نشاهده الآن قد خلقه الله تعالى على مثاله ~~فإذا لم يكن هذا يقينيا فما لا يزيد عليه في الجزم والاعتقاد أيضا لا يكون ~~يقينيا. # السادس: أنه لو كان العلم الضروري حاصلا من خبر التواتر لما خالفناكم فيه ~~لأن الضروري لا يخالف: والجواب من جهة الإجمال والتفصيل. # أما الإجمال: فهو أن ما ذكروه تشكيك على ما علم بالضرورة، فلا يكون ~~مقبولا، وأما التفصيل: فأما السؤال الأول، فجوابه بما سبق في بيان تصور ~~الإجماع فيما تقدم. # وأما السؤال الثاني: فلأنه لا يلزم أن ما كان لآحاد الجملة وجائزا عليها ~~أن يكون ثابتا للجملة وجائزا عليها. ولهذا فإنه ما من واحد من معلومات الله ~~إلا وهو متناه، وجملة معلوماته غير متناهية. # وكذلك كل واحد من آحاد الجملة PageV02P016 # فإنه جزء من الجملة، والجملة ليست جزءا من الجملة. # وكذلك كل لبنة أو خشبة داخلة في مسمى الدار وهي جزء منها، وليست دارا، ~~والمجتمع من الكل دار، وكذلك العشرة مركبة من خمسة وخمسة، وكل واحدة من ~~الخمستين ليست عشرة، والمجموع منهما عشرة ونحوه. # وأما ما ذكروه في السؤال الثالث من الإلزام الأول، فهو فرض محال، فإنه ~~مهما أخبر جمع بما يحصل منه العلم بالمخبر، فيمتنع إخبار مثلهم في الكمية ~~والكيفية وقرائن الأحوال بما يناقض ذلك. # وأما الإلزام الثاني، فإنما يصح أن لو قلنا إن العلم يحصل من خبر كل ~~جماعة؛ وإن خبر كل جماعة تواتر وليس كذلك؛ وإنما دعوانا أن العلم قد يحصل ~~من خبر الجماعة، ولا يلزم أن يكون خبر كل جماعة محصلا للعلم. # وأما الإلزام الثالث فغير صحيح؛ لأن التواتر إنما يفيد العلم في الإخبار ~~عن المحسوسات والمشاهدات، والنبوة حكم، فلذلك لم يثبت بخبر التواتر (1) كيف ~~وإنا لا ندعي أن كل تواتر يجب حصول العلم بمخبره مطلقا لكل ms236 أحد لتفاوت ~~PageV02P017 # الناس في السماع وقوة الفهم والاطلاع على القرائن المقترنة بالأخبار ~~المفيدة للعلم، فمخالفة من يخالف غير قادحة فيما ندعيه من حصول العلم به ~~لبعض الناس. # وأما الإلزام الرابع والخامس، فإنما يصح أن لو ادعينا أن ما يحصل من ~~العلم بخبر التواتر من الأمور البديهية، وليس كذلك بل إنما ندعي العلم ~~العادي. # وعلى هذا، فلا يخرج عن كونه علما بتقاصره عن العلوم البديهية، ولا ~~بمساواته لما قيل من العلوم العادية. # وأما الإلزام السادس: فحاصله يرجع إلى المكابرة والمجاحدة، وذلك غير ~~متصور في العادة في خلق لا يتصور عليهم التواطؤ على الخطأ. # ثم لو كان الخلاف مما يمنع من كونه علما ضروريا؛ لكان خلاف السوفسطائية ~~(1) في حصول العلم بالمحسوسات مما يخرجه عن كونه علما ضروريا، وهو خلاف ~~مذهب السمنية، وما هو اعتذارهم في خلاف السوفسطائية في العلم بالمحسات يكون ~~عذرا لنا في خلافهم لنا في المتواترات. ### | [المسألة الثانية هل العلم الحاصل عن خبر التواتر ضروري أو نظري] # المسألة الثانية # اتفق الجمهور من الفقهاء والمتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة على أن العلم ~~الحاصل عن خبر التواتر ضروري. # وقال الكعبي وأبو الحسين البصري من المعتزلة والدقاق من أصحاب الشافعي ~~أنه نظري. # وقال الغزالي إنه ضروري بمعنى أنه لا يحتاج في حصوله إلى الشعور بتوسط ~~واسطة مفضية إليه، مع أن الواسطة حاضرة في الذهن، وليس ضروريا بمعنى ~~PageV02P018 # أنه حاصل من غير واسطة، كقولنا: القديم لا يكون محدثا، والموجود لا يكون ~~معدوما، فإنه (1) لا بد فيه من حصول مقدمتين في النفس. # إحداهما: أن هؤلاء مع كثرتهم واختلاف أحوالهم لا يجمعهم على الكذب جامع. # الثانية: أنهم قد اتفقوا على الإخبار عن الواقعة، ولكنه لا يفتقر إلى ~~ترتيب المقدمتين بلفظ منظوم، ولا إلى الشعور بتوسطهما وإفضائهما إليه. # ومنهم من توقف في ذلك، كالشريف المرتضى من الشيعة. # وإذ أتينا على تفصيل المذاهب فلا بد من ذكر حججها، والتنبيه على ما فيها، ~~ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. # أما حجج القائلين بالضرورة، فأولها وهي الأقوى، أنه لو كان ms237 حصول العلم ~~بخبر التواتر بطريق الاستدلال والنظر، لما وقع ذلك لمن ليس له أهلية النظر ~~والاستدلال، كالصبيان والعوام. وهو واقع لهم لا محالة. # ولقائل أن يقول: لا نسلم أن الصبيان والعوام الذين يحصل لهم العلم بخبر ~~التواتر ليس لهم أهلية النظر في مثل هذا العلم، وإن لم يكونوا من أهل النظر ~~فيما عداه من المسائل الغامضة، كحدوث العالم ووجود الصانع ونحوه. # وذلك لأن العلم النظري منقسم إلى ما مقدماته المفضية إليه نظرية، فيكون ~~خفيا، وإلى ما مقدماته المفضية إليه ضرورية غير نظرية، وعند ذلك فلا يمتنع ~~أن يكون العلم بخبر التواتر من القبيل الثاني دون الأول. # وعلى هذا فلا يمتنع أن يكون العلم بأحوال المخبرين التي يتوقف عليها ~~العلم بمخبرهم حاصلة بالضرورة للصبيان والعوام، ويكون (2) العلم بالنتيجة ~~اللازمة عنها ضروريا. # وإنما تتم الحجة المذكورة أن لو بين أن العلم بمخبرهم من قبيل ما مقدماته ~~نظرية لا ضرورية، وذلك مما لا سبيل إلى بيانه. # الحجة الثانية: أن كل عاقل يجد من نفسه العلم بوجود مكة وبغداد والبلاد ~~النائية عند خبر التواتر بها، مع أنه لا يجد من نفسه سابقة فكر ولا نظر ~~فيما يناسبه من العلوم PageV02P019 # المتقدمة عليه، ولا في ترتيبها المفضي إليه. ولو كان نظريا لما كان كذلك. # ولقائل أن يقول إنما يحتاج ذلك إلى الفكر والنظر في المقدمات وترتيبها، ~~إن لو لم يكن العلم بتلك الأمور حاصلا بالضرورة على ما بيناه في إبطال ~~الحجة الأولى. # وأما إذا كان حاصلا بالضرورة فلا. # الحجة الثالثة: أن العلم بخبر التواتر لا ينتفي بالشبهة. وهذه هي أمارة ~~الضرورة، ولقائل أن يقول المنفي بالشبهة: العلم النظري الذي مقدماته نظرية ~~أو الذي مقدماته ضرورية الأول مسلم، والثاني ممنوع. # الحجة الرابعة: أنه لو كان نظريا، لأمكن الإضراب عنه، كما في سائر ~~النظريات، وحيث لم يمكن ذلك، دل على كونه ضروريا. # ولقائل أن يقول: الذي يمكن الإضراب عنه من العلوم النظرية إنما هو العلم ~~المفتقر إلى المقدمات النظرية. # وأما ما لزمه (1) من مقدمات حاصلة بالضرورة؛ فلا. # الحجة ms238 الخامسة: أنه لو كان نظريا، لوقع الخلاف فيه بين العقلاء، وحيث لم ~~يقع إلا من معاند كما سبق كان ضروريا كالعلم بالمحسات ونحوه. # ولقائل أن يقول: تسويغ الخلاف عقلا إنما يكون في العلوم النظرية التي ~~مقدماتها نظرية. # وأما مقدماتها ضرورية؛ فلا، كما في المحسات. # وأما حجج القائلين بالنظر؛ فأولها وهي ما استدل بها أبو الحسين البصري أن ~~قال: الاستدلال ترتيب علوم يتوصل بها إلى علم آخر، فكلما وقف وجوده على ~~ترتيب فهو نظري، والعلم الواقع بخبر التواتر كذلك فكان نظريا، وذلك لأنا ~~إنما نعلم ذلك، إذا علمنا أن المخبر لم يخبر عن رأيه، بل عن أمر محسوس، لا ~~لبس فيه، وأنه لا داعي له إلى الكذب فيعلم أنه لا يكون كذبا. # وإذا لم يكن كذبا تعين كونه صدقا. # ومهما اختل شيء من هذه الأمور لم نعلم صحة الخبر، ولا معنى لكونه نظريا ~~سوى ذلك. PageV02P020 # ولقائل أن يقول: سلمنا أن النظر عبارة عما ذكر، لكن لا نسلم تحققه فيما ~~نحن فيه. # وما المانع أن يكون اتفاقهم على الكذب لا لغرض مع كونه مقدورا لهم، فإن ~~قال بأن العادة تحيل اتفاق الجمع الكثير على الكذب لا لغرض ومقصود. # قلنا: والعادة أيضا تحيل اتفاقهم على الصدق لا لغرض ومقصود، فلم قلت بعدم ~~الغرض في الصدق دون الكذب، وإذا لم يكن غرض، فليس الصدق أولى من الكذب. # فإن قلنا: الغرض في الصدق كونه صدقا، لكونه حسنا ولا كذلك الكذب لكونه ~~قبيحا، فهو مبني على التحسين والتقبيح العقلي وقد أبطلناه. # فإن قال: المراد إنما هو التحسين والتقبيح العرفي دون العقلي، ولا شك أن ~~أهل العرف يعدون الكذب قبيحا والصدق حسنا. # قلنا: التحسين والتقبيح العرفي راجع إلى موافقة الغرض ومخالفته، وعلى هذا ~~فلعل الكذب من حيث هو كذب فيما أخبروا به موافق لأغراضهم دون الصدق، فكان ~~حسنا، كما في اتفاقهم على الصدق في بعض ما أخبروا به. # سلمنا أنهم لا يجمعون على الكذب إلا لغرض، ولكن ما المانع منه؟ فإنا قد ~~نجد الجمع الكثير متفقين على ms239 وضع الأحاديث والأخبار لحكمة عائدة إليهم وذلك ~~كأهل مدينة أو جيش عظيم اتفقوا على وضع خبر لا أصل له، إما لدفع مفسدة عنهم ~~لا سبيل إلى دفعها إلا به، وإما لجلب مصلحة لا تحصل إلا به. # وهذا مما يغلب مثله في كل عصر وزمان، حتى إن أكثر الأخبار العامة الشائعة ~~الواقعة في المعتاد كذلك. # فإن قال بأن ذلك، وإن كان واقعا، إلا أن العادة تحيل دوامه، وتوجب ~~انكشافه عن قرب من الزمان. # قلنا: فإذا آل الأمر إلى التمسك بالعادة في استحالة اتفاقهم على الكذب ~~دائما فما المانع أن يقال بأن العادة موجبة لصدق المخبرين، إذا كانوا جمعا ~~كثيرا، وحصول العلم بخبرهم، وليس القول بأن العادة تحيل اتفاقهم على الكذب، ~~ويلزم من ذلك الصدق أولى من أن يقال العادة توجب اتفاقهم على الصدق، ويلزم ~~من ذلك امتناع اتفاقهم على الكذب، وعند ذلك فيخرج العلم بخبر التواتر عن ~~كونه نظريا. # PageV02P021 # سلمنا أنه لا بد في حصول العلم بخبر التواتر من حصول العلم بامتناع الكذب ~~على المخبرين، ولكن لا نسلم أن ذلك يكون كافيا في كون العلم من التواتر ~~نظريا، إلا أن يكون العلم بالمقدمات قد علم معه أنها مرتبطة بالعلم بخبر ~~التواتر، وأنها الواسطة المفضية إليه، وذلك غير مسلم الوجود فيما نحن فيه، ~~كما ذهب إليه الغزالي. # الحجة الثانية: أنه لو كان العلم بخبر التواتر ضروريا لنا لكنا عالمين ~~بذلك العلم على ما هو عليه، كما في سائر العلوم الضرورية. # وذلك لأن حصول علم للإنسان وهو لا يشعر به محال. # فإذا كان ذلك العلم ضروريا، وجب أن يعلم كونه ضروريا وليس كذلك. # ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه إذا كان ضروريا لا بد وأن يعلم أنه ضروري بل ~~جاز أن يكون أصل العلم بالمخبر بالضرورة والعلم بصفته؛ وهي الضرورة، غير ~~ضروري. # كيف وأنه معارض بأنه لو كان نظريا، لعلمناه على صفته نظريا على ما قرروه، ~~وليس كذلك وليس أحد الأمرين أولى من الآخر. # الحجة الثالثة: أنه لو كان العلم بخبر التواتر ضروريا، ms240 لما اختلف العقلاء ~~فيه، كما في غيره من الضروريات. # ولقائل أن يقول: الاختلاف فيه لا يدل على أنه غير ضروري، وإلا كان خلاف ~~السوفسطائية في حصول العلم بالضروريات، مانعا من كونها ضرورية، وليس كذلك ~~بالاتفاق من الخصمين هاهنا، بل ولكان خلاف السمنية في حصول أصل العلم بخبر ~~التواتر مانعا منه، وليس كذلك. # الحجة الرابعة: أن خبر التواتر لا يزيد في القوة على خبر الله تعالى وخبر ~~رسوله، بل هو مماثل أو أدنى، والعلم بخبر الله ورسوله غير حاصل بالضرورة، ~~بل بالاستدلال فما هو مثله كذلك، والأدنى أولى. # ولقائل أن يقول: حاصل ما ذكر راجع إلى التمثيل، مفيد لليقين كما عرفناه ~~في مواضعه. # كيف وإن العلم بخبر التواتر من حيث هو علم، وإن كان لا يقع التفاوت بينه ~~وبين العلم الحاصل من خبر الله والرسول، فكذلك لا تفاوت # PageV02P022 # بين العلوم الضرورية المتفق على ضروريتها، كالعلم بأن لا واسطة بين النفي ~~والإثبات، والعلم بأن الواحد أقل من الاثنين ونحوه، وبين العلم الحاصل بخبر ~~الله وخبر رسوله من حيث إن كل واحد منهما علم. # ومع ذلك ما لزم من كون العلوم الضرورية ضرورية أن يكون العلم الحاصل من ~~خبر الله وخبر رسوله ضروريا، ولا من كون خبر الله ورسوله غير ضروري، أن ~~تكون العلوم الضرورية غير ضرورية. # وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين وتقاوم الكلام بين الطرفين، فقد ظهر أن ~~الواجب إنما هو الوقف عن الجزم بأحد الأمرين. ### | [المسألة الثالثة خبر التواتر لا يولد العلم] # المسألة الثالثة # اتفقت الأشاعرة والمعتزلة وجميع الفقهاء على أن خبر التواتر لا يولد ~~العلم خلافا لبعض الناس. # وقد اعتمد القائلون بامتناع ذلك على مسلكين ضعيفين: الأول أنهم قالوا: لو ~~كان خبر التواتر مولدا للعلم، فالعلم إما أن يكون متولدا من الخبر الأخير ~~أو منه، ومن جملة الأخبار المتقضية، فإن كان الأول فهو محال وإلا لتولد منه ~~بتقدير انفراده. # وإن كان الثاني فهو ممتنع لأن الأخبار متعددة والمسبب الواحد لا يصدر عن ~~سببين، كما لا يكون مخلوقا بين خالقين. ms241 # ولقائل أن يقول: ما المانع أن يكون متولدا عن الخبر الأخير مشروطا بتقدم ~~ما وجد من الأخبار قبله وعدمت، وإن كان متولدا عن الجميع فما المانع أن ~~يكون متولدا عن الهيئة الاجتماعية، وهي شيء واحد لا أنه متولد عن كل واحد ~~واحد من تلك الأخبار. وهذا مما لا مدفع له. # نعم لو قيل أن تولده من جميع الأخبار ممتنع ضرورة أن ما تقضى من الأخبار ~~معدوم ولا تولد عن المعدوم كان متجها. # المسلك الثاني، أنهم قالوا: قد استقر من مذهب القائلين بالتولد أن كل ما ~~هو طالب لجهة من الجهات فإنه يجوز أن يتولد عنه شيء في غير محله، ~~كالاعتمادات والحركات، وما ليس كذلك لا يتولد عنه شيء في غير محله، والقول ~~والخبر ليس # PageV02P023 # له جهة فلا يتولد عنه العلم؛ لأنه لو تولد عنه العلم لتولد في غير محله ~~وهو ممتنع، وذلك (1) مما لا اتجاه له مع ما عرف من مذاهب الخصوم، أن إرعاب ~~الإنسان لغيره مما يولد فيه الوجل المولد للاصفرار بعد الاحمرار، وأن ~~تهجينه له مما يولد فيه الخجل المولد للاحمرار بعد الاصفرار، وإن كان ما ~~تولد عن القول المرهب والمهجن في غير محله. # والمعتمد في إبطال ذلك ليس إلا ما حققناه في أبكار الأفكار، من الدليل ~~الدال على امتناع موجد غير الله تعالى، وأن كل موجود ممكن، فوجوده ليس إلا ~~بالله تعالى، فعليك باعتباره ونقله إلى هنا. # فإن قيل: اختياركم في المسألة المتقدمة إنما هو الوقف عن الجزم بكون ~~الحاصل عن خبر التواتر ضروريا أو نظريا، وما ذكرتموه هاهنا من كونه مخلوقا ~~لله تعالى يوجب كونه اضطراريا للعبد، وهو تناقض. # كيف وإنه لو كان مخلوقا لله تعالى لأمكن حصوله عن خبر الجماعة المفروضين ~~بسبب خلق الله تعالى له، وأمكن أن لا يحصل بسبب عدم خلقه. # فلما كان ذلك واجب الحصول بخبر التواتر علم أنه غير موجود بالاختيار ~~مباشرة، بل بالتولد عما هو مباشر بالقدرة. # قلنا: أما التناقض فمندفع، سواء قلنا إن العلم مكتسب للعبد، أو هو حاصل ms242 ~~له ضروريا، فلا يخرج بذلك عن كونه مخلوقا لله تعالى على ما عرف من أصلنا ~~(2) . # قولهم: لو كان مخلوقا لله تعالى لأمكن أن يحصل وأن لا يحصل. # قلنا: ذلك ممكن عقلا، غير أن الله تعالى قد أجرى العادة بخلقه للعلم عند ~~خبر التواتر، كما أجرى العادة بالشبع عند أكل الخبز، والري عند شرب الماء ~~ونحوه. PageV02P024 ### | [المسألة الرابعة شروط التواتر] # المسألة الرابعة # اتفق القائلون بحصول العلم عن الخبر المتواتر على شروط، واختلفوا في ~~شروط. # فأما المتفق عليه، فمنها ما يرجع إلى المخبرين، ومنها ما يرجع إلى ~~المستمعين. # فأما ما يرجع إلى المخبرين، فأربعة شروط: # الأول: أن يكونوا قد انتهوا في الكثرة إلى حد يمتنع معه تواطؤهم على ~~الكذب. # الثاني: أن يكونوا عالمين بما أخبروا به لا ظانين. # الثالث: أن يكون علمهم مستندا إلى الحس، لا إلى دليل العقل. # الرابع: أن يستوي طرفا الخبر ووسطه في هذه الشروط؛ لأن خبر أهل كل عصر ~~مستقل بنفسه، فكانت هذه الشروط معتبرة فيه. # وأما ما يرجع إلى المستمعين، فأن يكون المستمع متأهلا لقبول العلم بما ~~أخبر به، غير عالم به قبل ذلك وإلا كان فيه تحصيل الحاصل. # غير أن من زعم أن حصول العلم بخبر التواتر نظري؛ شرط تقدم العلم بهذه ~~الأمور على حصول العلم بخبر التواتر. # ومن زعم أنه ضروري لم يشترط سبق العلم بهذه الأمور، لأن العلم عنده حاصل ~~عند خبر التواتر بخلق الله تعالى، فإن خلق العلم له علم أن الخبر مشتمل على ~~هذه الشروط، وإن لم يخلق له العلم علم اختلال هذه الشروط أو بعضها، فضابط ~~العلم بتكامل هذه الشروط حصول العلم بخبر التواتر عنده، لا أن ضابط حصول ~~العلم بخبر التواتر سابقة (1) حصول العلم بهذه الشروط. # ثم اختلف هؤلاء في أقل عدد يحصل معه العلم. # فقال بعضهم: هو خمسة؛ لأن ما دون ذلك، كالأربعة بينة شرعية يجوز للقاضي ~~عرضها على المزكين بالإجماع لتحصيل غلبة الظن، ولو كان العلم حاصلا بقول ~~الأربعة، لما كان كذلك. # وقد قطع القاضي أبو بكر بأن ms243 الأربعة عدد ناقص، وتشكك في الخمسة. ~~PageV02P025 # ومنهم من قال: أقل ذلك اثنا عشر، بعدد النقباء من بني إسرائيل، على ما ~~قال تعالى: {وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} وإنما خصهم بذلك العدد لحصول ~~العلم بخبرهم. # ومنهم من قال: أقله عشرون تمسكا بقوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين} وإنما خصهم بذلك لحصول العلم بما يخبرون به. # ومنهم من قال: أقل ذلك أربعون أخذا من عدد أهل الجمعة. # ومنهم من قال: أقلهم سبعون، تمسكا بقوله تعالى: {واختار موسى قومه سبعين ~~رجلا لميقاتنا} وإنما خصهم بذلك لحصول العلم بما يخبرون به. # ومنهم من قال: أقله ثلاثمائة وثلاثة عشر، نظرا إلى عدد أهل بدر، إنما ~~خصوا بذلك ليعلم ما يخبرون به للمشركين. # ومنهم من قال: أقل عدد يحصل به العلم معلوم لله تعالى، غير معلوم لنا، ~~وهذا هو المختار. # وذلك لأنا لا نجد من أنفسنا معرفة العدد الذي حصل علمنا بوجود مكة، ~~وبغداد وغير ذلك من المتواترات عنده. # ولو كلفنا أنفسنا معرفة ذلك عند توارد المخبرين بأمر من الأمور بترقب ~~الحالة التي يكمل علمنا فيها بعد تزايد ظننا بخبر واحد بعد واحد لم نجد ~~إليه سبيلا عادة، كما لم نجد من أنفسنا العلم بالحالة التي يحصل فيها كمال ~~عقولنا بعد نقصها، بالتدريج الخفي، لقصور القوة البشرية عن الوقوف على ذلك، ~~بل يحصل لنا العلم بخبر التواتر، وإن كنا لا نقف على أقل عدد أفاده كما ~~نعلم حصول الشبع بأكل الخبز، والري بشرب الماء، وإن كنا لا نقف على المقدار ~~الذي حصل به الشبع والري. # وما قيل من الأقاويل في ضبط عدد التواتر، فهي مع اختلافها وتعارضها وعدم ~~مناسبتها وملائمتها للمطلوب مضطربة، فإنه ما من عدد يفرض حصول العلم به ~~لقوم، إلا وقد يمكن فرض خبرهم بعينه غير مفيد للعلم، بالنظر إلى آخرين، بل ~~ولو أخبروا بأعيانهم بواقعة أخرى لم يحصل بها العلم لمن حصل له العلم ~~بخبرهم الأول، ولو كان ذلك العدد هو الضابط لحصول العلم لما اختلف، وإنما ~~وقع الاختلاف بسبب ms244 الاختلاف في القرائن المقترنة بالخبر، وقوة سماع المستمع ~~وفهمه، وإدراكه للقرائن. # PageV02P026 # وبالجملة فضابط التواتر ما حصل العلم عنده من أقوال المخبرين، لا أن ~~العلم مضبوط بعدد مخصوص، وعلى هذا فما من عدد يفرض كان أربعة أو ما زاد إلا ~~ويمكن أن يحصل به العلم، ويمكن أن لا يحصل، ويختلف ذلك باختلاف القرائن، ~~وما ذكر في كل صورة من أن تعيين ذلك العدد فيها إنما كان لحصول العلم ~~بخبرهم، تحكم لا دليل عليه، بل أمكن أن يكون لأغراض أخر غير ذلك، أو أن ذلك ~~واقع بحكم الاتفاق. # وعلى قولنا بأن ضابط التواتر حصول العلم عنده يمتنع الاستدلال بالتواتر ~~على من لم يحصل له العلم منه، وإنما المرجع فيه إلى الوجدان، هذا ما يرجع ~~إلى الشرائط المعتبرة المتفق عليها. # وأما الشروط المختلف فيها فستة: # الأول: ذهب قوم إلى أن شرط عدد التواتر أن لا يحويهم بلد ولا يحصرهم عدد، ~~ومذهب الباقين خلافه، وهو الحق. # وذلك لأنه قد يحصل العلم بخبر أهل بلد من البلاد، بل بخبر الحجيج أو أهل ~~الجامع بواقعة وقعت، وحادثة حدثت، مع أنهم محصورون. # الثاني: ذهب قوم إلى اشتراط اختلاف أنساب المخبرين وأوطانهم وأديانهم، ~~وهو فاسد، لأنا لو قدرنا أهل بلد اتفقت أديانهم وأنسابهم، وأخبروا بقضية ~~شاهدوها، لم يمتنع حصول العلم بخبرهم. # الثالث: ذهب بعضهم إلى أن شرط المخبرين أن يكونوا مسلمين عدولا؛ لأن ~~الكفر عرضة للكذب والتحريف، والإسلام والعدالة ضابط الصدق والتحقيق في ~~القول؛ ولهذه العلة اختص المسلمون بدلالة إجماعهم على القطع، ولأنه لو وقع ~~العلم بتواتر خبر الكفار لوقع العلم بما أخبر به النصارى مع كثرة عددهم عن ~~قتل المسيح وصلبه، وما نقلوه عنه من كلمة التثليث. # وهو باطل، فإن نجد من أنفسنا العلم بأخبار العدد الكثير، وإن كانوا كفارا ~~كما لو أخبر أهل قسطنطينية بقتل ملكهم. # وليس ذلك إلا لأن الكثرة مانعة من التواطؤ على الكذب، وإن لم يكن ذلك ~~ممتنعا فيما كان دون تلك الكثرة. # PageV02P027 # وأما الإجماع فإنما اختص علماء الإسلام بالاحتجاج به للأدلة السمعية، ms245 دون ~~الأدلة العقلية، كما سبق بخلاف التواتر. # وأما أنه لم يحصل لنا العلم بما أخبر به النصارى من قتل المسيح وصلبه ~~وكلمة التثليث، فيجب أن يكون ذلك محالا على عدم (1) شرط من شروط التواتر، ~~وهو إما اختلال استواء طرفي الخبر ووسطه فيما ذكرناه من الشروط قبل، أو ~~لأنهم ما سمعوا كلمة التثليث صريحا، بل سمعوا كلمة موهمة لذلك (2) فنقلوا ~~التثليث، ويجب اعتقاد ذلك نفيا للكفر عن المسيح، على ما قال تعالى: {لقد ~~كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} أو لأن المسيح شبه لهم، فنقلوا قتله ~~وصلبه، ولا بعد في ذلك، وإن كان الغلط فيه غير معتاد إذا وقع في زمان خرق ~~العوائد، وهو زمان النبوة، وإن كان بعيدا في غير زمانه. ويجب اعتقاد ذلك ~~عملا بقوله تعالى: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} . # فإن قيل: فخرق العوائد جائز في غير زمان النبوة بكرامات الأولياء، فليجز ~~في كل ما أخبر به أهل ذلك العصر عن المحسات ووقوع الغلط فيه. # قلنا: إن حصل لنا العلم بخبرهم، علمنا استحالة الغلط عليهم، وإن لم يحصل ~~لنا العلم به، علمنا أنه قد اختل شرط من شرائط التواتر، وإن لم يكن ذلك ~~الشرط معينا عندنا (3) . # الرابع: ذهب قوم إلى أن شرطه أن لا يكونوا محمولين على أخبارهم بالسيف، ~~وهو باطل، فإنهم إن حملوا على الصدق لم يمتنع حصول العلم بقولهم، كما لو لم ~~يحملوا عليه. # ولهذا فإنه لو حمل الملك أهل مدينة عظيمة على الإخبار عن أمر محس، وجدنا ~~أنفسنا عالمة بخبرهم حسب علمنا بخبرهم من غير حمل، وإن حملوا على الكذب، ~~فيمتنع حصول العلم بخبرهم، لفوات شرط، وهو إخبارهم عن معلوم محس. ~~PageV02P028 # الخامس: شرطت الشيعة وابن الراوندي (1) وجود المعصوم في خبر التواتر، حتى ~~لا يتفقوا على الكذب، وهو باطل أيضا، لما بيناه من أنه لو اتفق أهل بلد من ~~بلاد الكفار على الإخبار عن قتل ملكهم أو أخذ مدينة، فإن العلم يحصل ~~بخبرهم، مع كونهم كفارا فضلا عن كون الإمام المعصوم ليس فيهم. ms246 # ثم لو كان كذلك، فالعلم يكون حاصلا بقول الإمام المعصوم بالنسبة إلى من ~~سمعه لا بخبر التواتر. # السادس: شرطت اليهود في خبر التواتر أن يكون مشتملا على أخبار أهل الذلة ~~والمسكنة؛ لأنه إذا لم يكن فيهم مثل هؤلاء، فلا يؤمن تواطؤهم على الكذب ~~لغرض من الأغراض. بخلاف ما إذا كانوا أهل ذلة ومسكنة، فإن خوف مؤاخذتهم ~~بالكذب يمنعهم من الكذب. # ولو صح لهم هذا الشرط، لثبت غرضهم من إبطال العلم بخبر التواتر بمعجزات ~~عيسى، ونبينا عليه السلام، حيث إنهم لم يدخلوا في الأخبار بها، وهم أهل ~~الذلة والمسكنة. لكنه باطل بما نجده من أنفسنا من العلم بأخبار الأكابر ~~والشرفاء العظماء إذا أخبروا بأمر محس، وكانوا خلقا كثيرا. بل ربما كان ~~حصول العلم من خبرهم أسرع من حصول العلم بخبر أهل المسكنة والذلة لترفع ~~هؤلاء عن رذيلة الكذب لشرفهم وقلة مبالاة هؤلاء به لخستهم. # وبالجملة لا يمتنع أن يكون شيء من هذه الشروط إذا تحقق كان حصول العلم ~~بخبر التواتر معه أسرع من غيره. # أما أن يكون ذلك شرطا ينتفي العلم بخبر التواتر عند انتفائه؛ فلا. ### | [المسألة الخامسة كل عدد وقع العلم بخبره في واقعة لشخص لا بد وأن يكون مفيدا للعلم] # المسألة الخامسة # ذهب القاضي أبو بكر وأبو الحسين البصري إلى أن كل عدد وقع العلم بخبره في ~~واقعة لشخص لا بد وأن يكون مفيدا للعلم بغير تلك الواقعة لغير ذلك الشخص ~~إذا سمعه. وهذا إنما يصح على إطلاقه إذا كان العلم قد حصل من نفس خبر ذلك ~~العدد مجردا عما احتف به من القرائن العائدة إلى أخبار المخبرين وأحوالهم ~~واستواء السامعين في قوة السماع للخبر والفهم لمدلوله مع فرض التساوي في ~~PageV02P029 # القرائن. مع أن القرائن قد تفيد آحادها الظن. وبتضافرها واجتماعها العلم ~~كما سنبينه. # فلا يمتنع أن يحصل العلم بمثل ذلك العدد في بعض الوقائع للمستمع دون ~~البعض، لما اختص به من القرائن التي لا وجود لها في غيره، وبتقدير اتحاد ~~الواقعة وقرائنها لا يلزم من حصول العلم بذلك ms247 العدد لبعض الأشخاص حصوله ~~لشخص آخر، لتفاوتهما في قوة الإدراك والفهم للقرائن، إذ التفاوت فيما بين ~~الناس في ذلك ظاهر جدا، حتى إن منهم من له قوة فهم أدق المعاني وأغمضها في ~~أدنى دقيقة من غير كد ولا تعب. # ومنهم من انتهى في البلادة إلى حد لا قدرة له على فهم أظهر ما يكون من ~~المعاني مع الجد والاجتهاد في ذلك. # ومنهم من حاله متوسطة بين الدرجتين. وهذا أمر واضح لا مراء فيه. ومع ~~التفاوت في هذه الأمور يظهر أن ما ذكره القاضي وأبو الحسين البصري مما لا ~~سبيل إلى تصحيحه على إطلاقه. ### | [المسألة السادسة بلغ عدد المخبرين إلى حد التواتر لكن اختلفت أخبارهم مع اشتراك جميع أخبارهم في معنى جلي] # المسألة السادسة # إذا عرف أن التواتر يفيد العلم بالخبر الواحد، كالإخبار عن قتل ملك أو ~~هجوم بلد، كما ذكرناه، فلو بلغ عدد المخبرين إلى حد التواتر، لكن اختلفت ~~أخبارهم والوقائع التي أخبروا عنها مع اشتراك جميع أخبارهم في معنى جلي ~~مشترك بين مخبراتهم فالكل مخبرون عن ذلك المعنى المشترك ضرورة إخبارهم عن ~~جزئياته، إما بجهة التضمن، أو الالتزام، فكان معلوما من أخبارهم، وذلك ~~كالأخبار التي وردت خارجة الحصر عن وقائع عنترة في حروبه، ووقائع حاتم في ~~هباته وضيافاته، وإن اختلفت وقائع هذه الأخبار، فكلها دالة على القدر ~~المشترك من شجاعة هذا، وكرم هذا، غير أنه ربما كان حصول العلم بها مثل (1) ~~التواتر الأول؛ لاتحاد لفظه ومعناه، أسرع حصولا من الثاني، لاختلاف ألفاظه ~~وما طابقها من المعاني، وإن اتحد مدلولها من جهة التضمن، أو الالتزام، وهذا ~~آخر باب التواتر. PageV02P030 ### | [الباب الثالث في أخبار الآحاد] ### | [القسم الأول في حقيقة خبر الواحد] ### | [مقدمة في حقيقة خبر الواحد وشرح معناه] # ويشتمل على أربعة أقسام: # أولها: النظر في حقيقة خبر الواحد، وما يتعلق به من المسائل. # وثانيها: النظر في شرائط وجوب العمل بخبر الواحد، وما يتعلق به من ~~المسائل. # وثالثها: النظر في مستند الراوي، وكيفية روايته، وما يتعلق به من ~~المسائل. # ورابعها: النظر فيما ms248 اختلف في رد خبر الواحد به ومسائله. # القسم الأول # في حقيقة خبر الواحد - ويشتمل على مقدمة ومسائل. # أما المقدمة، ففي حقيقة خبر الواحد وشرح معناه. # قال بعض أصحابنا: خبر الواحد ما أفاد الظن، وهو غير مطرد ولا منعكس (1) . # أما أنه غير مطرد، فلأن القياس مفيد للظن، وليس هو خبر واحد. فقد وجد ~~الحد ولا محدود. # وأما أنه غير منعكس، فهو أن الواحد إذا أخبر بخبر. ولم يفد الظن، فإنه ~~خبر واحد، وإن لم يفد الظن فقد وجد المحدود ولا حد. كيف وإن التعريف بما ~~أفاد الظن تعريف بلفظ متردد بين العلم، كما في قول الله تعالى: {الذين ~~يظنون أنهم ملاقو ربهم} أي: يعلمون وبين ترجح أحد الاحتمالين على الآخر في ~~النفس من غير قطع. # والحدود مما يجب صيانتها عن الألفاظ المشتركة لإخلالها بالتفاهم ~~وافتقارها إلى القرينة. # والأقرب في ذلك أن يقال خبر الآحاد ما كان من الأخبار غير منته إلى حد ~~التواتر. # وهو منقسم: إلى ما لا يفيد الظن أصلا، وهو ما تقابلت فيه الاحتمالات على ~~السواء، وإلى ما يفيد الظن وهو ترجح أحد الاحتمالين الممكنين على الآخر في ~~النفس من غير قطع. # فإن نقله جماعة تزيد على الثلاثة والأربعة سمي مستفيضا مشهورا. ~~PageV02P031 # وإذا عرف ذلك فلنذكر ما يتعلق به من المسائل، وهي سبع: ### | [المسألة الأولى الواحد العدل إذا أخبر بخبر هل يفيد خبره العلم] # المسألة الأولى # اختلفوا في الواحد العدل. إذا أخبر بخبر، هل يفيد خبره العلم، (1) فذهب ~~قوم إلى أنه يفيد العلم ثم اختلف هؤلاء. # فمنهم من قال: إنه يفيد العلم بمعنى الظن لا بمعنى اليقين، فإن العلم قد ~~يطلق ويراد به الظن كما في قوله تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات} أي: ~~ظننتموهن. # ومنهم من قال: إنه يفيد العلم اليقيني من غير قرينة، لكن من هؤلاء من قال ~~ذلك مطرد في خبر كل واحد، كبعض أهل الظاهر وهو مذهب أحمد بن حنبل في إحدى ~~الروايتين عنه. # ومنهم من قال: إنما يوجد ذلك في بعض أخبار الآحاد لا في الكل، ms249 وإليه ذهب ~~بعض أصحاب الحديث. # ومنهم من قال: إنه يفيد العلم، إذا اقترنت به قرينة، كالنظام، ومن تابعه ~~في مقالته. # وذهب الباقون إلى أنه لا يفيد العلم اليقيني مطلقا، لا بقرينة ولا بغير ~~قرينة. # والمختار حصول العلم بخبره، إذا احتفت به القرائن. # ويمتنع ذلك عادة دون القرائن، وإن كان لا يمتنع خرق العادة بأن يخلق الله ~~تعالى لنا العلم بخبره من غير قرينة. # أما أنه لا يفيد العلم بمجرده، فقد احتج القائلون بذلك بحجج واهية لا بد ~~من التنبيه عليها، والإشارة بعد ذلك إلى ما هو المعتمد في ذلك. # الحجة الأولى: من الحجج الواهية قولهم: لو كان خبر الواحد مفيدا للعلم ~~لأفاده كل خبر واحد، كما أن خبر التواتر لما كان موجبا للعلم كان كل خبر ~~متواتر كذلك. # ولقائل أن يقول: هذا قياس تمثيلي، وهو غير مفيد للعلم. # كيف وإن خبر التواتر إن قيل أن العلم به ضروري غير مكتسب، فلا يمتنع أن ~~يخلقه الله تعالى عند كل تواتر؛ لعلمه بما يشتمل عليه من مصلحة مختصة به، ~~أو لا لمصلحة (2) كما يشاء ويختار، ومثل ذلك غير لازم في أخبار الآحاد. ~~PageV02P032 # وإن قيل: إنه نظري مكتسب، فلا مانع من استواء جميع أخبار التواتر فيما لا ~~بد منه في حصول العلم. # ولا يلزم من ذلك استواء جميع أخبار الآحاد في ذلك. # الحجة الثانية: أن تأثيرات الأدلة في النفوس بحسب المؤثر، ولا نجد في ~~أنفسنا من خبر الواحد؛ وإن بلغ الغاية في العدالة، سوى ترجح صدقه على كذبه ~~من غير قطع، وذلك غير موجب للعلم. # وهذه الحجة في غاية الضعف؛ لأن حاصلها يرجع إلى محض الدعوى في موضع ~~الخلاف من غير دلالة، ومع ذلك، فهي مقابلة بمثلها، وهو أن يقول الخصم: وأنا ~~أجد في نفسي العلم بذلك. # وليس أحد الأمرين أولى من الآخر. # الحجة الثالثة: أنه لو كان خبر الواحد يوجب العلم، لما روعي فيه شرط ~~الإسلام والعدالة كما في خبر التواتر. # وحاصل هذه الحجة أيضا يرجع إلى التمثيل، مفيد لليقين. ثم ما ms250 المانع أن ~~يكون حصول العلم بخبر التواتر؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بخلق العلم عنده ~~إن قيل إن العلم بخبر التواتر ضروري، وذلك غير لازم في خلقه عند خبر من ليس ~~بمسلم ولا عدل، أو أن يكون التواتر من حيث هو تواتر مشتمل على ما يوجب ~~العلم، إن قيل بأن العلم بخبر التواتر كسبي، وخبر من ليس بمسلم ولا عدل غير ~~مشتمل على ذلك. # والمعتمد في ذلك أربع حجج: # الحجة الأولى: أنه لو كان خبر الواحد الثقة مفيدا للعلم بمجرده، فلو أخبر ~~ثقة آخر بضد خبره، فإن قلنا خبر كل واحد يكون مفيدا للعلم لزم اجتماع العلم ~~بالشيء وبنقيضه، وهو محال. # وإن قلنا خبر أحدهما يفيد العلم دون الآخر، فإما أن يكون معينا، أو غير ~~معين. فإن كان الأول فليس أحدهما أولى من الآخر، ضرورة تساويهما في العدالة ~~والخبر. # وإن لم يكن معينا، فلم يحصل العلم بخبر واحد منهما على التعيين، بل كل ~~واحد منهما إذا جردنا النظر إليه، كان خبره غير مفيد للعلم لجواز أن يكون ~~المفيد للعلم هو خبر الآخر. # كيف وأنه لا مزية لأحدهما على الآخر حتى يقال بحصول العلم بخبره، دون خبر ~~الآخر (1) . PageV02P033 # الحجة الثانية: إن كل عاقل يجد من نفسه عندما إذا أخبره واحد بعد واحد ~~بمخبر واحد تزيد اعتقاده بذلك المخبر، ولو كان الخبر الأول والثاني مفيدا ~~للعلم فالعلم غير قابل للتزيد والنقصان. # فإن قيل: كيف يقال بأن العلم غير قابل للزيادة والنقصان، مع أن بعض ~~العلوم قد يكون أجلى من بعض وأظهر، كالعلم الضروري، فإنه أقوى من العلم ~~المكتسب، والعلم بالأعيان أقوى من العلم بالخبر. # قلنا: لا نسلم تصور التفاوت بين العلوم من حيث هي علوم بزيادة ولا نقصان، ~~لانتفاء احتمال النقيض عنها قطعا، ولو لم يكن كذلك لما كانت علوما، بل ~~ظنونا. # والتفاوت الواقع بين العلم النظري والعلم الضروري ليس في نفس العلم ~~بالمعلوم، بل من جهة أن أحدهما مفتقر في حصوله إلى النظر دون الآخر، أو أن ~~أحدهما أسرع حصولا من ms251 الآخر، لتوقفه على النظر. # والتفاوت الواقع بين العلم بالخبر والعلم بالنظر غير متصور فيما تعلقا ~~به، وإنما التفاوت بينهما من جهة أن ما لا يدرك بالخبر يكون مدركا بالعيان ~~والنظر (1) . # الحجة الثالثة: أنه لو كان الخبر الواحد بمجرده موجبا للعلم، لكان العلم ~~حاصلا بنبوة من أخبر بكونه نبيا من غير حاجة إلى معجزة دالة على صدقه، ~~ولوجب أن يحصل للحاكم العلم بشهادة الشاهد الواحد، وأن لا يفتقر معه إلى ~~شاهد آخر، ولا إلى تزكيته، لما فيه من طلب تحصيل الحاصل، إذ العلم غير قابل ~~للزيادة والنقصان كما سبق تقريره (2) . PageV02P034 # الحجة الرابعة: أنه لو حصل العلم بخبر الواحد بمجرده لوجب تخطئة مخالفه ~~بالاجتهاد وتفسيقه وتبديعه، إن كان ذلك فيما يبدع بمخالفته، ويفسق، ولكان ~~مما يصح معارضته بخبر التواتر، وأن يمتنع التشكيك بما يعارضه كما في خبر ~~التواتر، وكل ذلك خلاف الإجماع (1) . # فإن قيل ما ذكرتموه معارض بالنص والمعقول والأثر. # أما النص فقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} نهى عن اتباع غير ~~العلم، وقد أجمعنا على جواز اتباع خبر الواحد في أحكام الشرع ولزوم العلم ~~به فلو لم يكن خبر الواحد مفيدا للعلم لكان الإجماع منعقدا على مخالفة النص ~~وهو ممتنع، وأيضا فإن الله تعالى قد ذم على اتباع الظن بقوله تعالى: {إن ~~يتبعون إلا الظن} ، وقوله تعالى: {وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني ~~من الحق شيئا} فلو لم يكن خبر الواحد مفيدا للعلم؛ بل للظن، لكنا مذمومين ~~على اتباعه، وهو خلاف الإجماع، وأما من جهة المعقول، فمن وجهين: # الأول: أنه لو لم يكن خبر الواحد مفيدا للعلم لما أوجبه، وإن كثر العدد ~~إلى حد التواتر؛ لأن ما جاز على الأول جاز على من بعده. # الثاني: أنه لو لم يكن خبره موجبا للعلم، لما أبيح قتل المقر بالقتل على ~~نفسه ولا بشهادة اثنين عليه. ولما وجبت الحدود بأخبار الآحاد؛ لكون ذلك ~~قاضيا على دليل العقل وبراءة الذمة. PageV02P035 # وأما من جهة الأثر، ونخص مذهب من فرق بين ms252 خبر وخبر كبعض المحدثين، فهو أن ~~عليا كرم الله وجهه، قال: " ما حدثني أحد بحديث إلا استحلفته سوى أبي بكر " ~~صدق أبا بكر، وقطع بصدقه، وهو واحد. # قلنا: أما الآيات، فالجواب عنها من وجهين: # الأول: أن وجوب العمل بخبر الواحد واتباعه في الشرعيات إنما كان بناء على ~~انعقاد الإجماع على ذلك والإجماع قاطع، فاتباعه لا يكون اتباعا لما ليس ~~بعلم، ولا اتباعا للظن (1) . # الثاني: أنه يحتمل أن يكون المراد من الآيات إنما هو المنع من اتباع غير ~~العلم فيما المطلوب منه العلم، كالاعتقادات في أصول الدين من اعتقاد وجود ~~الله تعالى، وما يجوز عليه وما لا يجوز، ويجب الحمل على ذلك عملا بما ~~ذكرناه من الأدلة (2) . # وأما ما ذكروه من الوجه الأول من جهة المعقول، فغير لازم؛ لأن حكم الجملة ~~قد يغاير حكم الآحاد، على ما سبق مرارا. # وأما الوجه الثاني: فمبني على أن أحكام الشرع لا تبنى على غير العلم، وهو ~~غير مسلم، وعلى خلاف إجماع السلف قبل وجود المخالفين. # وما ذكروه من الأثر، فغايته أن يدل على أن عليا صدق أبا بكر؛ رضي الله ~~عنهما، من غير يمين، لحصول ظنه بخبره من غير يمين دون خبر غيره لكون ما ~~اختص به من زيادة الرتبة وعلو الشأن في العدالة والثقة في مقابلة يمين غيره ~~والتصديق بناء على غلبة الظن جائز في باب الظنون، وإن لم يكن الصدق معلوما. ~~PageV02P036 # وأما جواز وقوع العلم بخبر الواحد، إذا احتفت به القرائن، فيدل عليه أن ~~القرينة قد تفيد الظن مجردة عن الخبر. # وذلك كما إذا رأينا إنسانا يكثر من النظر إلى شخص مستحسن، فإنا نظن حبه ~~له، فإذا اقترن بذلك ملازمته له، زاد ذلك الظن ولا يزال في التزايد بزيادة ~~خدمته له وبذل ما له وتغير حاله إلى غير ذلك من القرائن، حتى يحصل العلم ~~بحبه له كما في تزايد الظن بأخبار الآحاد حتى يصير تواترا. # وكذلك علمنا بخجل من هجن، ووجل من خوف، باحمرار هذا واصفرار هذا. # وبهذا الطريق نعلم عند ارتضاع ms253 الطفل وصول اللبن إلى جوفه بكثرة امتصاصه ~~وازدراده وحركة حلقه مع كون المرأة شابة نفساء وبسكون الصبي بعد بكائه، إلى ~~غير ذلك من القرائن. # وإذا كانت القرائن المتضافرة بمجردها مفيدة للعلم، فلا يبعد أن تقترن ~~بالخبر المفيد للظن مفيدة للظن، قائمة مقام اقتران خبر آخر به، ثم لا يزال ~~التزايد في الظن بزيادة اقتران القرائن إلى أن يحصل العلم، كما في خبر ~~التواتر. # وإذا ثبت الجواز فبيان الوقوع أنه لو أخبر واحد أن ولد الملك قد مات، ~~واقترن بذلك علمنا بمرضه، وأنه لا مريض في دار الملك سواه، وما شاهدناه من ~~الصراخ العالي في داره، والنحيب الخارج عن العادة، وخروج الجنازة محتفة ~~بالخدم، والجواري حاسرات مبرحات يلطمن خدودهن، وينتفن شعورهن، والملك ممزق ~~الثوب حاسر الرأس يلطم وجهه، وهو مضطرب البال، مشوش الحال، على خلاف ما كان ~~من عادته من التزام الوقار والهيبة، والمحافظة على أسباب المروءة فإن كل ~~عاقل سمع ذلك الخبر، وشاهد هذه القرائن يعلم صدق ذلك المخبر، ويحصل له ~~العلم بمخبره، كما يعلم صدق خبر التواتر ووقوع مخبره. # وكذلك إذا أخبر واحد، مع كمال عقله وحبه لحياة نفسه وكراهته للألم، وهو ~~في أرغد عيشة، نافذ الأمر، قائم الجاه أنه قتل من يكافئه عمدا عدوانا، بآلة ~~يقتل مثلها غالبا، من غير شبهة له في قتله، ولا مانع له من القصاص، كان ~~خبره مع هذه القرائن موجبا للعلم بصدقه عادة. # وكذلك إذا كان في جوار إنسان امرأة حامل، وقد انتهت مدة حملها، فسمع ~~الطلق من وراء الجدار، وضجة النسوان حول تلك الحامل، ثم سمع صراخ # PageV02P037 # الطفل، وخرج نسوة يقلن إنها قد ولدت، فإنه لا يستريب في ذلك، ويحصل له ~~العلم به قطعا، وإنكار ذلك مما يخرج المناظرة إلى المكابرة. # فإن قيل العلم الحاصل بموت ولد الملك في الصورة المفروضة، إما أن يكون ~~حاصلا من نفس الخبر أو من نفس القرائن، أو من الخبر مشروطا بالقرائن، أو ~~بالقرائن مشروطا بالخبر الأول أو من الأمرين معا لا جائز أن يكون من مجرد ms254 ~~الخبر لما ذكرتموه أولا، ولا جائز أن يكون من الخبر مشروطا بالقرائن، ولا ~~من القرائن بشرط الخبر ولا من الخبر والقرائن معا، لاستقلال تلك القرائن ~~المذكورة بإفادة العلم بالموت، سواء وجد الخبر أو لم يوجد، فلم يبق إلا أن ~~يكون حاصلا من نفس القرائن ولا أثر للخبر. # ثم ما ذكرتموه معارض بما ذكرتموه من الحجج الدالة على امتناع وقوع العلم ~~بخبر الواحد مجردا عن القرائن فإنها متجهة بعينها هاهنا. # والجواب عن السؤال الأول أنه لا يمتنع أن يكون سبب ما وجد من القرائن موت ~~غير ولد الملك فجأة، فإذا انضم إليها الخبر بموت ذلك المريض بعينه، كان ~~اعتقاد موته آكد من اعتقاد موته مع القرائن دون الخبر (1) . # وعن المعارضات أنها غير لازمة فيما نحن فيه. # أما الحجة الأولى، فلأنا إذا فرضنا حصول العلم بخبر من احتفت بخبره ~~القرائن، فيمتنع تصور اقتران مثل تلك القرائن، أو ما يقوم مقامها بالخبر ~~المناقض له وإن كان نفس الخبر مناقضا، بخلاف ما إذا كان الخبر بمجرده مفيدا ~~للعلم، فإن ذلك غير مانع من خبر آخر مناقض له على ما هو معلوم في الشاهد ~~(2) . # وأما الحجة الثانية، فلأن ما نجده من التزيد عند أخبار الآحاد إنما يكون ~~فيما لم يحصل العلم فيه بخبر الأول والثاني، وأما متى كان العلم قد حصل ~~بخبر الأول PageV02P038 # فالتزيد من ذلك يكون ممتنعا، ولا كذلك فيما إذا أخبر واحد بخبر، فإنا إذا ~~جردنا النظر إلى خبره من غير قرينة، وجدنا أنفسنا مما يزيد فيها الظن بما ~~أخبر به باقتران خبر غيره بخبره (1) . # وأما الحجة الثالثة: فلأنا إذا قلنا إن خبر الواحد يفيد العلم بمخبره، ~~لزم تصديق مدعي النبوة في خبره، ولا كذلك إذا قلنا إن الخبر لا يفيد العلم ~~إلا بالقرائن. # فخبر الواحد بنبوته لا يكون مفيدا للعلم بصدقه دون اقتران القرائن بقوله، ~~والمعجزة من القرائن (2) . # وأما الحجة الرابعة: فغايتها أنها تدل على أنه لم يوجد خبر من أخبار ~~الآحاد في الشرعيات موجبا للعلم بمجرده (3) ، ولا يلزم منه انتفاء ذلك ms255 ~~مطلقا. ### | [المسألة الثانية إذا أخبر واحد بين يدي رسول الله بخبر ولم ينكر عليه هل يعلم كونه صادقا فيه] # المسألة الثانية # إذا أخبر واحد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر، ولم ينكر ~~عليه، هل يعلم كونه صادقا فيه؟ # منهم من قال بأن ذلك دليل العلم بصدقه فيما أخبر به، فإنه لو كان كاذبا ~~لأنكر النبي عليه السلام عليه، وإلا كان مقرا له على الكذب مع كونه محرما، ~~وذلك محال في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وهو غير صحيح، فإنه من الجائز ~~أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم غير سامع له، بل هو ذاهل عنه، وإن غلب ~~على الظن السماع وعدم الغفلة، وبتقدير أن يعلم سماعه له وعدم غفلته عنه، ~~فمن الجائز أن لا يكون فاهما لما يقول، وإن غلب على الظن فهمه له، وبتقدير ~~أن يكون فاهما له، فلا يخلو إما أن يكون ما أخبر به متعلقا بالدين، أو ~~الدنيا: فإن كان متعلقا بالدين، وقدر كونه كاذبا فيه، فيحتمل أن يكون قد ~~بينه له وعلم أن إنكاره عليه وبيانه له ثانيا غير منجع فيه فلم ير في ~~PageV02P039 # الإنكار عليه فائدة، ورأى المصلحة في إهماله إلى وقت آخر، وبتقدير عدم ~~ذلك كله، احتمل أن يكون كذبه في ذلك صغيرة، وعدم الإنكار عليه في ذلك، ~~غايته أن يكون صغيرة في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وانتفاء الصغائر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم غير مقطوع به على ما بيناه في كتبنا الكلامية. # هذا، إن كان إخباره بأمر ديني، وأما إن كان إخباره بأمر دنيوي، فيحتمل أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم بكونه كاذبا فيما أخبر به، وإن ظن علمه ~~به، وبتقدير أن يكون عالما بكذبه، فيحتمل أنه امتنع من الإنكار لمانع، أو ~~لعلمه بأنه لا فائدة في إنكاره، وبتقدير عدم ذلك كله فيحتمل أن يكون ذلك من ~~الصغائر - الصغائر غير ممتنعة على الأنبياء؛ كما علم - وعلى هذا فعدم ~~الإنكار لا يدل على صدقه قطعا، ms256 وإن دل عليه ظنا (1) . ### | [المسألة الثالثة إذا أخبر واحد بخبر عن أمر محس بين يدي جماعة عظيمة وسكتوا عن تكذيبه] # المسألة الثالثة # إذا أخبر واحد بخبر عن أمر محس بين يدي جماعة عظيمة وسكتوا عن تكذيبه قال ~~قوم: علم من ذلك صدقه لأنه يمتنع عادة أن لا يطلع واحد منهم على كذبه، ~~وبتقدير الاطلاع يمتنع عادة سكوت الجمع العظيم عن التكذيب مع اختلاف ~~أمزجتهم وطباعهم واختلاف دواعيهم. فحيث سكتوا عن التكذيب دل على صدقه وليس ~~بحق؛ لأنه من الجائز أن لا يكون لهم اطلاع على ما أخبر به، ولا يعلمون كونه ~~صادقا ولا كاذبا، ولا واحد منهم، ولا العادة مما تحيل اطلاع بعض الناس على ~~أمر لم يطلع عليه غيره. # وبتقدير أن يعلم واحد منهم أو اثنان كذبه، فالعادة لا تحيل سكوت الواحد ~~والاثنين عن تكذيبه، وبتقدير أن يعلم الكل بكذبه، فيحتمل أن مانعا منعهم من ~~تكذيبه، ومع هذه الاحتمالات يمتنع القطع بتصديقه وإن كان صدقه مظنونا. ~~PageV02P040 ### | [المسألة الرابعة إذا روى واحد خبرا ورأينا الأمة مجمعة على العمل بمقتضاه] # المسألة الرابعة # إذا روى واحد خبرا، ورأينا الأمة مجمعة على العمل بمقتضاه، قال جماعة من ~~المعتزلة، كأبي هاشم وأبي عبد الله البصري وغيرهما، إن ذلك يدل على صدقه ~~قطعا، وإلا كان عملهم بمقتضاه خطأ، والأمة لا تجتمع على الخطأ وهو باطل. # وذلك لأنه من المحتمل أنهم لم يعملوا به، بل بغيره من الأدلة أو بعضهم ~~به، وبعضهم بغيره. # وبتقدير عمل الكل به فلا يدل ذلك على صدقه قطعا؛ لأنه إذا كان مظنون ~~الصدق، فالأمة مكلفة بالعمل بموجبه، وعملهم بموجبه مع تكليفهم بذلك لا يكون ~~خطأ، لأن خطأهم إنما يكون بتركهم لما كلفوا به، أو العمل بما نهوا عنه. # ومع هذه الاحتمالات فصدقه لا يكون مقطوعا، وإن كان مظنونا. # وعلى هذا لو روى واحد خبرا، واتفق أهل الإجماع فيه على قولين، فطائفة ~~عملت بمقتضاه وطائفة اشتغلت بتأويله، فلا يدل ذلك على صدقه قطعا، وذلك لأن ~~الطائفة التي عملت بمقتضاه لعلها لم تعمل ms257 به، بل بغيره، كما سبق. # وبتقدير أن تكون عاملة به، فاتفاقهم على قبوله لا يوجب كونه صادقا قطعا ~~لما ذكرناه من تكليفهم باتباع الظني. ### | [المسألة الخامسة وجد شيئا بمشهد من الخلق الكثير وانفرد بروايته عن باقي الخلق] # المسألة الخامسة # اختلفوا فيما لو وجد شيء بمشهد من الخلق الكثير لتوفرت الدواعي على نقله، ~~إذا انفرد الواحد بروايته عن باقي الخلق، كما إذا أخبر مخبر بأن الخليفة ~~ببغداد قتل في وسط الجامع يوم الجمعة بمشهد من الخلق، ولم يخبر بذلك أحد ~~سواه فذهب الكل إلى أن ذلك يدل على كذبه، خلافا للشيعة، وهو الحق. # وذلك لأن الله تعالى قد ركز في طباع الخلق من توفير الدواعي على نقل ما ~~علموه، والتحدث بما عرفوه، حتى إن العادة لتحيل كتمان ما لا يؤبه له مما ~~جرى من صغار الأمور على الجمع القليل، فكيف على الجمع الكثير فيما هو من ~~عظائم الأمور ومهماتها، والنفوس مشرئبة إلى معرفته، وفي نقله صلاح للخلق، ~~بل السكوت عن نقل ذلك وإشاعته في إحالة العادة له أشد من إحالة العادة ~~لسكوتهم وتواطئهم على عدم نقل وجود مكة وبغداد. # فلو جاز كتمان ذلك لجاز أن يوجد مثل مصر وبغداد ولم يخبر أحد # PageV02P041 # عنهما وذلك محال عادة (1) . # وبمثل هذا عرفنا كذب من ادعى معارضة القرآن والتنصيص على إمام بعينه، من ~~حيث إنه لو وجد ذلك لشاع وتوفرت الدواعي على نقله (2) . # فإن قيل: العادة إنما تحيل اتفاق الجمع الكثير على كتمان ما جرى بمشهد ~~منهم من الأمور العظيمة، إذا لم يتحقق الداعي إلى الكتمان معارضا لداعي ~~الإظهار، ولا بعد في ذلك، إما لغرض واحد يعم الكل نظرا إلى مصلحة تتعلق ~~بالكل في أمر الولاية وإصلاح المعيشة، أو خوف ورهبة من عدو غالب وملك قاهر، ~~أو لأغراض متعددة، كل غرض لواحد، ويدل على ذلك الوقوع. # وهو أن النصارى مع كثرتهم كثرة تخرج عن الحصر، لم ينقلوا كلام المسيح في ~~المهد، مع أنه من أعجب حادث حدث في الأرض، ومن أعظم ما تتوفر الدواعي على ms258 ~~نقله وإشاعته ونقلوا ما دون ذلك من معجزاته. # وأيضا فإن الناس نقلوا أعلام الرسل، ولم ينقلوا أعلام شعيب وغيره من ~~الرسل. # وأيضا فإن آحاد المسلمين قد انفردوا بنقل ما تتوفر الدواعي على نقله مع ~~شيوعه فيما بين الصحابة والجمع الكثير، كنقل ما عدا القرآن من معجزاته، ~~كانشقاق القمر، وتسبيح الحصا في يده، ونبع الماء من بين أصابعه، وحنين ~~الجذع إليه، وتسليم الغزالة عليه، وكدخول مكة عنوة أو صلحا، وتثنية الإقامة ~~وإفرادها، وإفراده في الحج، وقرانه ونكاحه لميمونة وهو حرام، وقبوله لشهادة ~~الأعرابي وحده في هلال رمضان، ورفع اليدين في الصلاة، والجهر بالتسمية إلى ~~غير ذلك من الوقائع التي لا تحصى. PageV02P042 # قلنا: قد بينا أن العادة تحيل اتفاق الجمع الكثير على كتمان ما يجري ~~بينهم من الوقائع العظيمة. # قولهم ذلك: إنما يصح أن لو لم يوجد الداعي إلى الكتمان. # قلنا: والكلام فيه، وذلك أن العادة أيضا تحيل اشتراك الخلق الكثير في ~~الداعي إلى الكتمان، كما يستحيل اشتراكهم في الداعي إلى الكذب، وإلى أكل ~~طعام واحد في يوم واحد، وما ذكروه من صور الاستشهاد. # أما كلام عيسى في المهد، فإنما تولى نقله الآحاد؛ لأنه لم يتكلم إلا ~~بحضرة نفر يسير، حيث لم يكن أمره قد ظهر، ولا شأنه قد اشتهر، ولا عرف ~~برسالة ولا نبوة، وذلك بخلاف إحياء الميت، وإبراء الأكمه والأبرص، فإنه كان ~~وقت اشتهاره ودعواه الرسالة، مستدلا بذلك على صدقه، وتطلع الناس إليه ~~وامتداد الأعين إلى ما يدعيه، فلذلك لم يقع اتفاقهم على كتمانه. # وأما أعلام شعيب وغيره من الأنبياء، فإنما لم ينقل؛ لأنهم لم يدعوا حتى ~~يستدلوا عليها بالمعجزات (1) ، ولا كان لهم شريعة انفردوا بها، بل كانوا ~~يدعون إلى شريعة من قبلهم من الرسل، كدعوى غيرهم من الأئمة وآحاد العلماء. # وأما نقل باقي معجزات الرسول غير القرآن، فإنما تولاه الآحاد؛ لأنه لم ~~يوجد شيء من ذلك بمشهد من الخلق العظيم، بل إنما جرى ما جرى منهم بحضور ~~طائفة يسيرة، ولا سيما انشقاق القمر، فإنه كان من الآيات الليلية وقعت، ms259 ~~والناس بين نائم وغافل في لمح البصر، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~دعاهم إلى رؤيته ولا نبههم على PageV02P043 # ذلك سوى من رآه من النفر اليسير (1) . # ولهذا، فإنه كم من أمر مهول يقع في الليل، من زلزلة أو صاعقة أو ريح عاصف ~~أو انقضاض شهاب عظيم، ولا يشعر به سوى الآحاد (2) . # وهذا بخلاف القرآن، فإنه كان صلى الله عليه وسلم يردده بين الخلق في جميع ~~عمره، فلم يبق أحد من الجمع العظيم في زمانه إلا وقد علمه وشاهده. # فلذلك استحال تواطؤهم على عدم نقله (3) . # وأما دخول مكة، فقد نقله الجمع الكثير، وهو مستفيض مشهور، أنه دخلها عنوة ~~متسلحا بالألوية والأعلام على سبيل القهر والغلبة، مع بذل الأمان لمن ألقى ~~سلاحه، واعتصم بالكعبة ودار أبي سفيان، وإنما خالف بعض الفقهاء لما اشتبه ~~عليه ذلك بأداء دية من قتله خالد بن الوليد، ولا يبعد ظن ذلك من الآحاد. ~~PageV02P044 # وأما تثنية الإقامة وإفرادها، فإنما اختلفوا فيه لاحتمال أن المؤذن كان ~~يفرد تارة، ويثني أخرى، فنقل كل بعض ما سمعه، وأهمل الباقي لعلمه بأنه من ~~الفروع المتسامح فيها، وهو الجواب عن الجهر بالتسمية ورفع اليدين في ~~الصلاة. # وأما إفراد النبي وقرانه في الحج، فإنما نقله الآحاد، لأن ذلك مما يتعلق ~~بالنية، وليس ذلك مما يجب ظهوره ومناداة النبي صلى الله عليه وسلم به (1) . # وأما نكاحه ميمونة، وهو حرام، فليس ذلك أيضا مما يجب إظهاره، بل جاز أن ~~يكون قد وقع ذلك بمحضر جماعة يسيرة، فلذلك انفرد به الآحاد، وهو الجواب عن ~~قبول شهادة الأعرابي وحده. ### | [المسألة السادسة هل يجوز التعبد بخبر الواحد العدل] # المسألة السادسة # مذهب الأكثرين جواز التعبد بخبر الواحد العدل عقلا، خلافا للجبائي (2) ~~وجماعة من المتكلمين. # ودليل جوازه عقلا: أنا لو فرضنا ورود الشارع بالتعبد بالعمل بخبر الواحد ~~إذا غلب على الظن صدقه، لم يلزم عنه لذاته محال في العقل، ولا معنى للجائز ~~العقلي سوى ذلك. # وغاية ما يقدر في اتباعه احتمال كونه كاذبا أو مخطئا. # وذلك لا يمنع من ms260 التعبد به، بدليل اتفاقنا على التعبد بالعمل بقول ~~المفتي، والعمل بقول الشاهدين، مع احتمال الكذب والخطأ على المفتي والشاهد ~~فيما أخبرا به. # فإن قيل: وإن سلمنا أنه لو ورد الشرع بذلك لم يلزم عنه لذاته محال، وأنه ~~ليس محالا لذاته عقلا، لكنه محال عقلا باعتبار أمر خارج عن ذاته، وذلك لأن ~~PageV02P045 # التكاليف مبنية على المصالح ودفع المفاسد، فلو تعبدنا باتباع خبر الواحد ~~والعمل به، فإذا أخبر بخبر عن رسول الله بسفك دم، واستحلال بضع محرم، مع ~~احتمال كونه كاذبا، فلا يكون في العمل بمقتضى قوله مصلحة بل محض مفسدة، وهو ~~خلاف وضع الشرع. # ولهذا امتنع ورود التعبد؛ ومعناه بخبر الفاسق والصبي، فيما يتعلق ~~بالأحكام الشرعية إجماعا (1) . # وأما ما ذكرتموه من التعبد بالعمل بقول الشاهدين، فالفرق بين الشهادة ~~والخبر من ثلاثة أوجه: # الأول: أن الشهادة إنما تقبل فيما يجوز فيه الصلح، ولا كذلك الخبر عن ~~الله تعالى والرسول فكانت المفسدة في الشهادة أبعد. # الثاني: أن الخبر يقتضي إثبات شرع بخلاف الشهادة. # الثالث: هو أن الحكم عند الشهادة إنما يثبت بدليل قاطع وهو الإجماع، ~~والشهادة شرط لا مثبت، بخلاف خبر الواحد، فإنه عندكم دليل مثبت للحكم ~~الشرعي. # ثم وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على جواز التعبد بخبر الواحد إلا أنه ~~معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه من جهة المنقول والمعقول. # أما المنقول، فقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} ، وقوله تعالى: ~~{وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ، وقوله تعالى: {وإن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا} . # وأما المعقول، فمن أربعة أوجه: # الأول: أنه لو جاز ورود التعبد بقبول خبر الواحد في الأحكام الشرعية عن ~~الرسول عند ظننا بصدقه، لاحتمال كونه مصلحة، لجاز ورود التعبد بقبول خبر ~~الواحد عن الله تعالى بالأحكام الشرعية، وذلك دون اقتران المعجزة بقوله ~~محال. # الثاني: أنه لو جاز ورود التعبد بخبر الواحد في الفروع، لجاز ورود التعبد ~~به في PageV02P046 # الأصول، وليس كذلك (1) . # الثالث: أنه لو جاز التعبد بقبول خبر الواحد لجاز التعبد به في نقل ms261 ~~القرآن، وهو محال. # الرابع: أن أخبار الآحاد قد تتعارض، فلو ورد التعبد بالعمل بها، لكان ~~واردا بالعمل بما لا يمكن العمل به ضرورة التعارض، وهو ممتنع على الشارع. # والجواب عن السؤال الأول من وجهين: # الأول: أنه مبني على وجوب رعاية المصالح في أحكام الشرع وأفعاله، وهو غير ~~مسلم على ما عرفناه في الكلاميات (2) . # الثاني: أن ما ذكروه منتقض بورود التعبد بقبول شهادة الشهود (3) وقول ~~المفتي، وما ذكروه من الفروق فباطلة، أما الفرق الأول فمن وجهين: # الأول: أنه لا يطرد في الأخبار المتعلقة بأنواع المعاملات. # الثاني: أنه ينتقض بالشهادة فيما لا يجري فيه الصلح، كالدماء والفروج (4) ~~. # وأما الفرق الثاني: فمن جهة أن الخبر كما يستلزم إثبات أمر شرعي، ~~كالشهادة على القتل والسرقة وغير ذلك، يستلزم إثبات أمر شرعي، وهو وجوب ~~القتل والقطع. # وأما الثالث: فمن جهة أنه لا فرق بين الخبر والشهادة من حيث إنه لا بد ~~عند الشهادة من دليل يوجب العمل بها، كما في العمل بالخبر. # وأما المعارضة بالآيات، فجوابها من وجهين: PageV02P047 # الأول: أنا نقول بموجبها، وذلك أن العمل بخبر الواحد ووجوب اتباعه إنما ~~هو بدليل مقطوع به، مفيد للعلم بذلك، وهو الإجماع. # الثاني: أنه لازم على الخصوم في اعتقادهم امتناع التعبد بخبر الواحد، إذ ~~هو معلوم بدليل قاطع، بل غايته أن يكون مظنونا لهم، فالآيات مشتركة ~~الدلالة، فكما تدل على امتناع اتباع خبر الواحد، تدل على امتناع القول بعدم ~~اتباعه، وإذا تعارضت جهات الدلالة فيها، امتنع العمل بها، وسلم لنا ما ~~ذكرناه (1) . # وعلى هذا، نقول بجواز ورود التعبد بقبول خبر الفاسق والصبي عقلا، إذا غلب ~~على الظن صدقه وإن كان ذلك غير واقع (2) . # وما ذكروه من المعارضات العقلية، فجوابها من وجهين؛ أحدهما عام للكل، ~~والثاني خاص بكل واحد منها. # أما العام فهو أن ما ذكروه إلزاما علينا في خبر الواحد، فهو لازم عليهم ~~في ورود التعبد بقبول قول الشاهدين والمفتي، فما هو جوابهم عنه يكون جوابا ~~لنا في خبر الواحد. # وأما ما يخص كل معارضة: أما الأولى، فالجواب ms262 عنها من وجهين. # الأول: هو أن دعوى الواحد للرسالة ونزول الوحي إليه من أندر الأشياء، ~~فإذا لم يقترن بدعواه ما يوجب القطع بصدقه فلا يتصور حصول الظن بصدقه ~~PageV02P048 # بل الذي يجزم به إنما هو كذبه، ونحن وإن قلنا بجواز ورود التعبد بخبر من ~~يغلب على الظن صدقه، فقد لا نسلم جواز ورود التعبد بقول من غلب على الظن ~~كذبه. # الثاني: هو أنا إذا جوزنا ورود التعبد بخبر الواحد فوجوب العمل به لا بد ~~وأن يستند إلى دليل قاطع من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا كذلك المدعي ~~للرسالة؛ إذا لم تقترن بقوله معجزة تدل على وجوب العمل بقوله. # فإن قيل: فلو بعث رسول، وظهرت المعجزة القاطعة الدالة على صدقه، ثم قال: ~~مهما أخبركم إنسان بأن الله تعالى أرسله بشريعة، وظننتم صدقه، فاعملوا ~~بقوله، فقد استند وجوب العمل بقوله إلى دليل قاطع، وهو قول النبي الصادق، ~~ومع ذلك، فإنه لا يجوز (1) . # قلنا: لا نسلم، مع فرض هذا التقدير، أنه لا يجوز الأخذ بقوله، ثم الفرق ~~بين الأمرين هو أن المفسدة اللازمة من قبول قول المدعي للرسالة من غير ~~معجزة أعظم من مفسدة قبول خبر الواحد في الأحكام الشرعية. # وذلك؛ لأن رئاسة النبوة أعظم من كل رئاسة، ورتبتها أعلى من كل رتبة، فلو ~~ورد التعبد باتباع كل مدع للرسالة إذا غلب على الظن صدقه من غير معجزة دالة ~~على صدقه، فما من أحد من الناس إلا وقد يسلك المسالك المغلبة على الظن ~~صدقه، ويتوخى من الأفعال والأقوال ما تظهر به عدالته، طمعا في نيل مثل هذه ~~الرئاسة العظمى بمجرد دعواه. # وذلك يفضي إلى أن كل واحد يدعي نسخ شريعة الآخر ورفعها على قرب من ~~الزمان، ولا يخفى ما في ذلك من المفسدة التي لا تحقق لمثلها في خبر الواحد. ~~PageV02P049 # وأما المعارضة الثانية، فجوابها أن المعتبر في الأصول القطع واليقين، ولا ~~قطع في خبر الواحد، بخلاف الفروع، فإنها مبنية على الظنون (1) . # وأما المعارضة الثالثة، فجوابها أن القرآن معجزة الرسول الدالة على صدقه، ~~ولا ms263 بد وأن يكون طريق إثباته قاطعا، وخبر الواحد ليس بقاطع، بخلاف أحكام ~~الشرع فإن ما يثبت منها بخبر الواحد ظنية غير قطعية. # وأما المعارضة الرابعة؛ فجوابها أن التعارض بين الخبرين لا يمنع من العمل ~~بما يرجح منها. # وبتقدير عدم الترجيح مطلقا، فقد يمكن أن يقال بالتخيير بينهما على ما هو ~~مذهب الشافعي. # وبتقدير امتناع التخيير، فغايته امتناع ورود التعبد بمثل الأخبار التي لا ~~يمكن العمل بها، ولا يلزم منه امتناع ورود التعبد بما أمكن العمل بمقتضاه. ~~PageV02P050 ### | [المسألة السابعة الذين قالوا بجواز التعبد بخبر الواحد عقلا اختلفوا في وجوب العمل به] # المسألة السابعة # الذين قالوا بجواز التعبد بخبر الواحد عقلا، اختلفوا في وجوب العمل به: # فمنهم من نفاه؛ كالقاساني والرافضة وابن داود، ومنهم من أثبته. # والقائلون بثبوته اتفقوا على أن أدلة السمع دلت عليه. # واختلفوا في وجوب وقوعه بدليل العقل، فأثبته أحمد بن حنبل والقفال وابن ~~سريج من أصحاب الشافعي، وأبو الحسين (1) من المعتزلة، وجماعة كثيرة. # ونفاه الباقون. وفصل أبو عبد الله البصري بين الخبر الدال على ما يسقط ~~بالشبهة، وما لا يسقط بها: فمنع منه في الأول، وجوزه في الثاني. # فأما من قال بكونه حجة فقد احتجوا بحجج ضعيفة لا بد من ذكرها، والتنبيه ~~على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. # الحجة الأولى: من جهة المعقول وهي ما اعتمد عليها أبو الحسين البصري ~~وجماعة من المعتزلة وهي أنهم قالوا: العقلاء يعلمون وجوب العلم بخبر الواحد ~~في العقليات، ولا يجوز أن يعلموا وجوب ذلك إلا وقد علموا علة وجوبه، ولا ~~علة لذلك سوى أنهم ظنوا بخبر الواحد تفصيل جملة معلومة بالعقل. # وبيان ذلك أنه قد علم بالعقل وجوب التحرز من المضار وحسن اجتلاب المنافع. # فإذا ظننا صدق من أخبرنا بمضرة يلزمنا أن لا نشرب الدواء الفلاني، وأن لا ~~نفصد، وأن لا نقوم من تحت حائط مستهدم، فقد ظننا تفصيلا لما علمناه جملة من ~~وجوب التحرز عن المضار. # وبيان أن العلة للوجوب ما ذكره دورانها معها وجودا وعدما، وذلك ms264 بعينه ~~موجود في خبر الواحد في الشرعيات، فوجب العمل به. # وذلك لأنا قد علمنا في PageV02P051 # الجملة وجوب الانقياد للنبي صلى الله عليه وسلم، فيما يخبرنا به من ~~مصالحنا ودفع المضار عنا. # فإذا ظننا بخبر الواحد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعانا إلى ~~الانقياد له في فعل أخبر أنه مصلحة وخلافه مضرة، فقد ظننا تفصيل ما علمناه ~~في الجملة، فوجب العمل به. # ولقائل أن يقول: أما أولا، فلا نسلم وجوب العمل بخبر الواحد في العقليات، ~~بل غايته إذا ظننا صدقه أن يكون العمل بخبره أولى من تركه. # وكون الفعل أولى من الترك أمر أعم من الواجب لشموله للمندوب، فلا يلزم ~~منه الوجوب (1) . # سلمنا أن العمل بخبره واجب في العقليات، ولكن لا نسلم أن علة الوجوب ما ~~ذكرتموه من الدوران فلا يدل على أن المدار علة الدائر (2) لجواز أن تكون ~~علة الوجوب غير ما ذكرتموه من ظن تفصيل جملة معلومة بالعقل، وذلك بأن تكون ~~العلة معنا ملازما لما ذكرتموه لا نفس ما ذكرتموه. # ولا يلزم من التلازم بينهما في العقليات التلازم بينهما في الشرعيات ~~بجواز (3) أن يكون ذلك التلازم في العقليات اتفاقيا. # وإن سلمنا أن علة الوجوب ما ذكرتموه، لكن لا يلزم أن يكون ذلك علة في ~~الشرعيات، لجواز أن يكون خصوص ما ظن تفصيل جملته في العقليات داخلا في ~~التعليل، وتلك محققة في الشرعيات (4) . # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أنه علة بجهة عمومه، لكن قطعا أو ظنا: الأول ~~ممنوع والثاني مسلم. # غير أنه منقوض بخبر الفاسق والصبي إذا غلب على الظن صدقه، فإن ما ذكرتموه ~~من الوصف الجامع متحقق فيه، وقد انعقد الإجماع على أنه لا يجب العمل به في ~~PageV02P052 # الشرعيات (1) . # سلمنا عدم الانتقاض، لكن غاية ما ذكرتموه أنه استعمال لقياس ظني في إفادة ~~كون خبر الواحد حجة في الشرعيات مع كونه أصلا من أصول الفقه، وإنما يصح ذلك ~~أن لو لم يكن التعبد في إثبات مثل ذلك بالطرق اليقينية، وهو غير مسلم (2) . # الحجة الثانية: أنهم قالوا: صدق الواحد ms265 في خبره ممكن، فلو لم يعمل به، ~~لكنا تاركين لأمر الله تعالى وأمر رسوله، وهو خلاف ما يقتضيه الاحتياط. # ولقائل أن يقول: صدق الراوي، وإن كان ممكنا وراجحا، فلم قلتم بوجوب العمل ~~به والاحتياط (3) بالأخذ بقوله. # وإن كان مناسبا، ولكن لا بد له من شاهد بالاعتبار، ولا شاهد له سوى خبر ~~التواتر (4) وقول الواحد في الفتوى والشهادة. # ولا يمكن القياس على الأول؛ لأن ذلك مفيد للعلم، ولا يلزم من إفادته ~~للوجوب إفادة الخبر الظني له، ولا يمكن قياسه على الثاني، وذلك لأن براءة ~~الذمة معلومة، وهي الأصل. # وغاية قول الشاهد والمفتي، إذا غلب على الظن صدقه مخالفة البراءة الأصلية ~~بالنظر إلى شخص واحد، ولا يلزم من العمل بخبر الشاهد والمفتي مع مخالفته ~~للبراءة الأصلية بالنظر إلى شخص واحد العمل بخبر الواحد المخالف لبراءة ~~الذمة، بالنظر إلى جميع الناس، وإن سلمنا صحة القياس، فغايته أنه مفيد لظن ~~الإلحاق، وهو غير معتبر في إثبات الأصول كما تقدم في PageV02P053 # الحجة التي قبلها (1) كيف وأنه منقوض بخبر الفاسق والصبي، إذا غلب على ~~الظن صدقه (2) . # الحجة الثالثة: أنهم قالوا إذا وقعت واقعة، ولم يجد المفتي سوى خبر ~~الواحد فلو لم يحكم به لتعطلت الواقعة عن حكم الشارع، وذلك ممتنع. # ولقائل أن يقول: خلو الواقعة عن الحكم الشرعي إنما يمتنع مع وجود دليله، ~~وأما مع عدم الدليل؛ فلا (3) . # ولهذا فإنه لو لم يظفر المفتي في الواقعة بدليل ولا خبر الواحد، فإنه لا ~~يمتنع خلو الواقعة عن الحكم الشرعي والمصير إلى البراءة الأصلية. # وعلى هذا فامتناع خلو الواقعة عن الحكم الشرعي عند الظفر بخبر الواحد ~~يتوقف على كون خبر الواحد حجة ودليلا، وكونه حجة يتوقف على امتناع خلو ~~الواقعة مع وجوده عن الحكم، وهو دور ممتنع. # كيف وإنا لا نسلم خلو الواقعة عن الحكم الشرعي، فإن حكم الله تعالى في حق ~~المكلف عند عدم الأدلة المقتضية لإثبات الحكم الشرعي نفي ذلك الحكم ومدركه ~~شرعي، فإن انتفاء مدارك الشرع بعد ورود الشرع مدرك شرعي لنفي الحكم. ~~PageV02P054 # الحجة الرابعة: ms266 أنه لو لم يكن خبر الواحد واجب القبول، لتعذر تحقيق بعثة ~~الرسول إلى كل أهل عصره، وذلك ممتنع، وبيان ذلك أنه لا طريق إلى تعريف أهل ~~عصره إلا بالمشافهة أو الرسل، ولا سبيل له إلى المشافهة للكل لتعذره. ~~والرسالة منحصرة في عدد التواتر والآحاد، والتواتر إلى كل أحد متعذر، فلو ~~لم يكن خبر الواحد مقبولا، لما تحقق معنى التبليغ والرسالة إلى جميع الخلق ~~فيما أرسل به، وهو محال مخالف لقوله تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} ~~ولقائل أن يقول: إنما يمتنع ذلك، أن لو كان التبليغ إلى كل من في عصره ~~واجبا، وأن كل من في عصره مكلف بما بعث به، وليس كذلك؛ بل إنما هو مكلف ~~بالتبليغ إلى من يقدر على إبلاغه إما بالمشافهة أو بخبر التواتر (1) . # وكذلك كل واحد من الأمة إنما كلف بما أرسل به الرسول إذا علمه، وأما مع ~~عدم علمه به؛ فلا، ولهذا فإن من كان في زمن الرسول في البلاد النائية ~~والجزائر المنقطعة، ولا سبيل إلى إعلامه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يكن مكلفا بتبليغه، ولا ذلك الشخص كان مكلفا بما أرسل به. # الحجة الخامسة: قالوا قد ثبت أن مخالفة أمر الرسول سبب لاستحقاق العقاب، ~~فإذا أخبر الواحد بذلك عن الرسول، وغلب على الظن صدقه، فإما أن يجب العمل ~~بالاحتمال الراجح والمرجوح معا أو تركهما معا، أو العمل بالمرجوح دون ~~الراجح، أو بالعكس بالاحتمال لا سبيل إلى الأول والثاني والثالث؛ لأنه ~~محال، فلم يبق سوى الرابع وهو المطلوب. # ولقائل أن يقول: ما المانع من القول بأنه لا يجب العمل بقوله، ولا يجب ~~تركه، بل هو جائز الترك، والقول بأن مخالفة أمر الرسول موجبة لاستحقاق ~~العقاب مسلم فيما علم PageV02P055 # فيه أمر الرسول، وأما مع عدم العلم به (1) فهو محل النزاع. # هذا ما قيل من الحجج العقلية. # وأما ما قيل من الحجج النقلية الواهية، فمنها قوله تعالى: {فلولا نفر من ~~كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ~~لعلهم يحذرون} ms267 ووجه الاحتجاج بها أن الله تعالى أوجب الإنذار على كل طائفة ~~من فرقة خرجت للتفقه في الدين عند رجوعهم إلى قومهم بقوله تعالى: {ولينذروا ~~قومهم إذا رجعوا إليهم} (2) أمر بالإنذار، والإنذار هو الإخبار (3) والأمر ~~للوجوب. # وإنما أمر بالإنذار طلبا للحذر بدليل قوله تعالى: {لعلهم يحذرون} و (لعل) ~~ظاهرة في الترجي (4) وهو مستحيل في حق الله تعالى، فتعين حمل ذلك على ما هو ~~ملازم للترجي، وهو الطلب، فكان الأمر بالإنذار طلبا للتحذير، فكان أمرا ~~بالتحذير فكان الحذر واجبا. # وإذا ثبت أن إخبار كل طائفة موجب للحذر، فالمراد من لفظ " الطائفة " إنما ~~هو العدد الذي لا ينتهي إلى حد التواتر. وبيانه من ثلاثة أوجه: # الأول: أن لفظ الطائفة قد يطلق على عدد لا ينتهي إلى حد التواتر، ~~كالاثنين والثلاثة وعلى العدد المنتهي إلى حد التواتر، والأصل في الإطلاق ~~الحقيقة، ويجب اعتقاد اتحاد المسمى؛ نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ. # والقدر المشترك لا يخرج عن العدد القليل وما لازمه، فكان هو المسمى. ~~PageV02P056 # الثاني: أن الثلاثة فرقة، فالطائفة الخارجة منها إما واحد أو اثنان. # الثالث: أنه لا يخلو إما أن يكون المراد من لفظ " الطائفة " التي وجب ~~عليها الخروج للتفقه والإنذار العدد الذي ينتهي إلى حد التواتر، أو ما دونه ~~لا جائز أن يقال بالأول، وإلا لوجب على كل طائفة وأهل بلدة، إذا كان ما ~~دونهم لا ينتهون إلى حد التواتر، أن يخرجوا بأجمعهم للتفقه والإنذار، وذلك ~~لا قائل به في عصر النبي، ولا في عصر من بعده فلم يبق غير الثاني. # وإذا ثبت أن إخبار العدد الذي لا ينتهي إلى حد التواتر حجة موجبة في هذه ~~الصورة، لزم أن يكون حجة في غيرها؛ ضرورة أن لا قائل بالفرق وذلك هو ~~المطلوب، ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه أوجب الإنذار على كل طائفة كما ~~ذكرتموه. # وصيغة قوله: (لينذروا) لا نسلم أنها للأمر (1) . # وإن كانت للأمر فلا نسلم للوجوب على ما يأتي (2) . # سلمنا أنها للوجوب، ولكن لا نسلم أن الإنذار هو الإخبار، بل أمكن أن يكون ms268 ~~المراد به التخويف من فعل شيء أو تركه، بناء على العلم بما فيه من المصلحة ~~أو المفسدة. والتخويف خارج عن الإخبار (3) . PageV02P057 # سلمنا أن المراد به الإخبار، ولكن أمكن أن يكون ذلك بطريق الفتوى في ~~الفروع والأصول (1) ونحن نقول به. # سلمنا أن المراد به الإخبار عن الرسول بما سمع عنه ومنه، ولكن لا نسلم ~~أنه يلزم من إيجاب الإخبار بذلك إيجاب الحذر على من أخبر (2) . # قولكم يجب حمل قوله تعالى: (لعل) على طلب الحذر لكونه ملازما للترجي. # قلنا: الطلب الملازم للترجي الطلب الذي هو بمعنى ميل النفس أو بمعنى ~~الأمر، الأول مسلم ولكنه مستحيل في حق الله تعالى. # والثاني ممنوع، وإذا لم يكن الحذر مأمورا به لا يكون واجبا (3) . # ومع تطرق هذه الاحتمالات فالاستدلال بالآية على كون خبر الواحد حجة في ~~خارج عن باب الظنون فيما هو من جملة الأصول، والخصم مانع لصحته (4) . # ومنها قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} ~~ووجه الاحتجاج بهذه الآية من وجهين؛ الأول: أنه علق وجوب التثبت على خبر ~~الفاسق، فدل على أن الفاسق بخلافه، وذلك إما أن يكون بالجزم برده أو ~~بقبوله، لا جائز أن يقال الأول، وإلا كان خبر العدل أنزل درجة من خبر ~~الفاسق، وهو محال فلم يبق غير الثاني، وهو المطلوب. # الثاني: أن سبب نزول هذه الآية «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد ~~بن عقبة بن أبي معيط ساعيا إلى قوم، فعاد وأخبر PageV02P058 # النبي صلى الله عليه وسلم أن الذين بعثه إليهم قد ارتدوا، وأرادوا قتله ~~فأجمع النبي صلى الله عليه وسلم على غزوهم وقتلهم» . # وذلك حكم شرعي: وكان النبي قد أراد العمل فيه بخبر الواحد، ولو لم يكن ~~جائزا لما أراده ولأنكره الله تعالى عليه. # وهذه الحجة أيضا ضعيفة؛ أما الوجه الأول: فلأن الاستدلال بهذه الآية غير ~~خارج عن مفهوم المخالفة، وسنبين أنه ليس بحجة، (1) ، وإن كان حجة، لكنه حجة ~~ظنية، فلا يصح الاستدلال به في باب الأصول (2) . # وأما الوجه الثاني فمن وجهين: الأول لا ms269 نسلم أن النبي أجمع على قتلهم ~~وقتالهم بخبر الوليد بن عقبة، فإنه قد روي «أنه بعث خالد بن الوليد وأمره ~~بالتثبت في أمرهم، فانطلق حتى أتاهم ليلا فبعث عيونه، فعادوا إليه وأخبروه ~~بأنهم على الإسلام، وأنهم سمعوا أذانهم وصلاتهم فلما أصبحوا، أتاهم خالد بن ~~الوليد ورأى ما يعجبه منهم، فرجع إلى النبي وأخبره بذلك» . # الثاني: أن ما ذكروه من سبب النزول من أخبار الآحاد، فلا يكون حجة في ~~الأصول (3) . # ومنها قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} ~~ووجه الحجة من ذلك أن المخبر بخبر لنا عن الرسول شاهد على الناس، ولا يجوز ~~أن يجعله الله شاهدا على الناس، وهو غير مقبول القول. # ولقائل أن يقول: الآية خطاب مع الأمة لا مع الآحاد، فلا تكون حجة في محل ~~النزاع. # ومنها قوله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} الآية. # ووجه الحجة بها أن الله تعالى توعد على كتمان الهدى، وذلك يدل على إيجاب ~~إظهار الهدى، وما يسمعه الواحد من النبي صلى الله عليه وسلم فهو من الهدى، ~~فيجب عليه إظهاره، فلو لم يجب علينا قبوله، لكان الإظهار كعدمه، فلا يجب. ~~PageV02P059 # ولقائل أن يقول: يحتمل أن يكون المراد من قوله: {إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات والهدى} العدد الذي تقوم به الحجة، ويحتمل أنه أراد به ~~ما دون ذلك (1) . # وبتقدير إرادة ما دون ذلك، فيحتمل أن يكون المراد بما أنزل من البينات ~~والهدى الكتاب العزيز، وهو الظاهر المتبادر إلى الفهم منه عند الإطلاق (2) ~~وبتقدير أن يكون المراد به كل ما أنزل على الرسول حتى السنة، فغاية التهديد ~~على كتمان ذلك الدلالة على وجوب إظهار ما سمع من الرسول على من سمعه. # وليس في ذلك ما يدل على وجوب قبوله على من بلغه على لسان الآحاد، ولهذا ~~فإنه بمقتضى الآية يجب على الفاسق إظهار ما سمعه، وإن كان لا يجب على سامعه ~~قبوله (3) . # وذلك لأنه من المحتمل أن يكون وجوب الإظهار على كل واحد واحد، حتى يتألف ms270 ~~من خبر المجموع التواتر المفيد للعلم (4) . # ومع ذلك كله فدلالة الآية على وجوب قبول خبر الواحد ظنية، فلا تكون حجة ~~في الأصول لما سبق (5) . # ومنها قوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} أمر بسؤال أهل ~~الذكر؛ والأمر للوجوب، ولم يفرق بين المجتهد وغيره. # وسؤال المجتهد لغيره PageV02P060 # منحصر في طلب الإخبار بما سمعه دون الفتوى، ولو لم يكن القبول واجبا، لما ~~كان السؤال واجبا. # ولقائل أن يقول: لا نسلم أن قوله: " فاسألوا " صيغة أمر (1) ، وإن كانت ~~أمرا، فلا نسلم أنها للوجوب، كما يأتي. # وإن كانت للوجوب، فيحتمل أن يكون المراد من أهل الذكر أهل العلم، وأن ~~يكون المراد من المسئول عنه الفتوى (2) . # وبتقدير أن يكون المراد السؤال عن الخبر، فيحتمل أن يكون المراد من ~~السؤال العلم بالمخبر عنه وهو الظاهر (3) وذلك لأنه أوجب السؤال عند عدم ~~العلم. # فلو لم يكن المطلوب حصول العلم بالسؤال، لكان السؤال واجبا بعد حصول خبر ~~الواحد (4) ، لعدم حصول العلم بخبره، فإنه لا يفيد غير الظن. # وذلك يدل على أن العمل بخبر غير واجب؛ لأنه لا قائل بوجوب العمل بخبره مع ~~وجوب السؤال عن غيره. # وإذا كان المطلوب إنما هو حصول العلم من السؤال، فذلك إنما يتم بخبر ~~التواتر، لا بما دونه. # وإن سلمنا أن السؤال واجب على الإطلاق، فلا يلزم أن يكون العمل بخبر ~~الواحد واجبا، بدليل ما ذكرناه في الحجة المتقدمة (5) . PageV02P061 # وبتقدير دلالة ذلك على وجوب القبول، لكنها دلالة ظنية، فلا يحتج بها في ~~الأصول. # ومنها قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} ~~أمر بالقيام بالقسط والشهادة لله، والأمر للوجوب. # ومن أخبر عن الرسول بما سمعه منه، فقد قام بالقسط وشهد لله، فكان ذلك ~~واجبا عليه، وإنما يكون ذلك واجبا إن لو كان القبول واجبا، وإلا كان وجود ~~الشهادة كعدمها، وهو ممتنع. # ولقائل أن يقول: لا أسلم دلالة الآية على وجوب القيام بالقسط والشهادة ~~لله على ما يأتي، وإن سلمنا دلالتها على وجوب ذلك، غير أنا نقول بموجب ~~الآية، ms271 فإن الشهادة لله والقيام بالقسط إنما يكون فيما يجوز العمل به. # وأما ما لا يجوز العمل به فلا يكون قياما بالقسط ولا شهادة لله، وعند ذلك ~~فيتوقف العمل بالآية في وجوب قبول خبر الواحد. # على أنه قام بالقسط وأنه شاهد لله، وقيامه بالقسط وشهادته لله متوقف على ~~قبول خبره وجواز العمل به، وهو دور ممتنع. # وإن سلمنا أنه شهد لله وقام بالقسط، ولكن لا نسلم أنه واجب القبول؛ ~~ودليله ما سبق، وبتقدير دلالة الآية على وجوب القبول، ولكن لجهة الظن فلا ~~يصح (1) . # ومنها ما اشتهر واستفاض بالنقل المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان ينفذ آحاد الصحابة إلى النواحي والقبائل والبلاد بالدعاء إلى الإسلام، ~~وتبليغ الأخبار والأحكام، وفصل الخصومات، وقبض الزكوات ونحو ذلك، مع علمنا ~~بتكليف المبعوث إليه بالطاعة والانقياد لقبول قول المبعوث إليهم، والعمل ~~بمقتضى ما يقول مع كون المنفذ من الآحاد، ولو لم يكن خبر الواحد حجة لما ~~كان كذلك. PageV02P062 # ولقائل أن يقول: وإن سلمنا تنفيذ الآحاد بطريق الرسالة والقضاء وأخذ ~~الزكوات والفتوى وتعليم الأحكام، فلا نسلم وقوع تنفيذ الآحاد بالأخبار التي ~~هي مدارك الأحكام الشرعية ليجتهدوا فيها (1) وذلك محل النزاع. # سلمنا صحة التنفيذ بالأخبار الدالة على الأحكام الشرعية وتعريفهم إياها، ~~ولكن لا نسلم أن ذلك يدل على كون خبر الواحد في ذلك حجة، بل جاز أن يكون ~~ذلك لفائدة حصول العلم للمبعوث إليهم بما تواتر بضم خبر غير ذلك الواحد ~~إليه (2) . # ومع هذه الاحتمالات، فلا يثبت كون خبر الواحد حجة فيما نحن فيه. # وقد أورد على هذه الحجة سؤالان آخران لا وجه لهما: # الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم كما أنه كان ينفذ الآحاد لتبليغ ~~الأخبار، كان ينفذهم لتعريف وحدانية الله تعالى وتعريف الرسالة. # فلو كان خبر الواحد حجة في الإخبار بالأحكام الشرعية، لكان حجة في تعريف ~~التوحيد والرسالة وهو خلاف الإجماع (3) . # الثاني: أن من الجائز أن يكون تنفيذ الآحاد بالإخبار عن أحكام شرعية كانت ~~معلومة للمبعوث لهم قبل إرسال ذلك الواحد بها، كما ms272 أنهم علموا وجوب العمل ~~بخبر الواحد، فهل إرسال ذلك الواحد إليهم على أصلكم. PageV02P063 # والجواب عن الأول أن إنفاذ الآحاد لتعريف التوحيد والرسالة لم يكن واجب ~~القبول، لكونه خبر واحد، بل إنما كان واجب القبول من جهة ما يخبرهم به من ~~الأدلة العقلية، ويعرفهم من الدلائل اليقينية التي تشهد بصحتها عقولهم (1) ~~ولا كذلك فيما يخبر به من الأخبار الدالة على الأحكام الشرعية. # وعن الثاني أنهم لو كانوا عالمين بالأحكام الشرعية التي دل عليها خبر ~~الواحد، لما احتيج إلى إرساله لتعريفهم لما قد عرفوه، لما فيه من تحصيل ~~الحاصل، كيف وإن تعريف المعلوم بالخبر المظنون محال، وهذا بخلاف ما إذا علم ~~كون خبر الواحد مما يجب العمل به في الجملة، فإن تنفيذ الواحد لا يعرف وجوب ~~العمل بقوله بل إنما يعرف المخبر به على ما هو عليه، وذلك لم يكن معروفا ~~قبل خبره، فكان تنفيذه لتعريف ذلك مفيدا. # والأقرب في هذه المسألة إنما هو التمسك بإجماع الصحابة، ويدل على ذلك ما ~~نقل عن الصحابة من الوقائع المختلفة الخارجة عن العد والحصر، المتفقة على ~~العمل بخبر الواحد، ووجوب العمل به. # فمن ذلك ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أنه عمل بخبر المغيرة ~~ومحمد بن مسلمة في ميراث الجدة، «أن النبي أطعمها السدس» ، فجعل لها السدس. # ومن ذلك عمل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ ~~الجزية من المجوس، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " «سنوا بهم سنة أهل ~~الكتاب» " وعمل أيضا بخبر حمل ابن مالك في الجنين، وهو قوله: «كنت بين ~~جاريتين لي (يعني ضرتين) فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنينا ميتا، ~~فقضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة» ، فقال عمر: لو لم نسمع بهذا ~~لقضينا فيه بغير هذا. # وروي عنه أنه قال: كدنا نقضي فيه برأينا. # وأيضا فإنه كان لا يرى توريث المرأة من دية زوجها، فأخبره الضحاك بن ~~سفيان «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليه أن يورث ms273 امرأة أشيم ~~الضبابي من ديته فرجع إليه» . PageV02P064 # وأيضا فإنه كان يرى في الأصابع نصف الدية، ويفاضل بينها فيجعل في الخنصر ~~ستة، وفي البنصر تسعة، وفي الوسطى والسبابة عشرة، وفي الإبهام خمسة عشرة، ~~ثم رجع إلى خبر عمرو بن حزم أن «في كل أصبع عشرة» . # ومن ذلك عمل عثمان وعلي رضي الله عنهما بخبر فريعة بنت مالك في اعتداد ~~المتوفى عنها زوجها في منزل زوجها، وهو أنها قالت: «جئت إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعد وفاة زوجي أستأذنه في موضع العدة، فقال صلى الله عليه وسلم ~~امكثي حتى تنقضي عدتك» . # ومن ذلك ما اشتهر من عمل علي عليه السلام بخبر الواحد، وقوله: كنت إذا ~~سمعت من رسول الله حديثا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني غيره حلفته ~~فإذا حلف صدقته (1) . # ومن ذلك عمل ابن عباس بخبر أبي سعيد الخدري في الربا في النقد، بعد أن ~~كان لا يحكم بالربا في غير النسيئة. # ومن ذلك عمل زيد بن ثابت بخبر امرأة من الأنصار أن الحائض تنفر بلا وداع. # ومن ذلك ما روي عن أنس بن مالك أنه قال: «كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة ~~وأبي بن كعب شرابا من فضيخ التمر إذ أتانا آت فقال إن الخمر قد حرمت» ، ~~فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها، قال: فقمت إلى مهراس لنا ~~فضربتها بأسفله حتى تكسرت. # ومن ذلك عمل أهل قباء في التحول من القبلة بخبر الواحد أن القبلة قد ~~نسخت، فالتفتوا إلى الكعبة بخبره. # ومن ذلك ما روي عن ابن عباس أنه بلغه عن رجل أنه قال: إن موسى صاحب الخضر ~~ليس هو موسى بني إسرائيل، فقال ابن عباس: كذب عدو الله. # أخبرني أبي بن كعب قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم» ثم ذكر ~~موسى والخضر بشيء يدل على أن موسى بني إسرائيل صاحب الخضر، فعمل بخبر أبي ~~حتى كذب الرجل وسماه عدو الله. PageV02P065 # ومن ذلك ما روي أنه لما «باع معاوية شيئا من أواني ms274 ذهب وورق بأكثر من ~~وزنه أنه قال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن ~~ذلك» ، فقال له معاوية: لا أرى بذلك بأسا، فقال أبو الدرداء: من يعذرني من ~~معاوية، أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرني عن رأيه، لا أساكنك ~~بأرض أبدا. # ومن ذلك عمل جميع الصحابة بما رواه أبو بكر الصديق من قوله: " «الأئمة من ~~قريش» "، ومن قوله: " «الأنبياء يدفنون حيث يموتون» "، ومن قوله: " «نحن ~~معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» ". # وعملهم بأجمعهم في الرجوع عن سقوط فرض الغسل بالتقاء الختانين بقول ~~عائشة: «فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم واغتسلنا» . # وعمل جميعهم بخبر رافع بن خديج في المخابرة، وذلك ما روي عن ابن عمر أنه ~~قال: «كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأسا حتى روى لنا رافع بن خديج أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك» فانتهينا (1) إلى غير ذلك من الوقائع ~~التي لا تحصى عددا، وكان ذلك شائعا ذائعا فيما بينهم من غير نكير. # وعلى هذا جرت سنة التابعين، كعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجبير بن ~~مطعم، ونافع بن جبير، وخارجة بن زيد، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن ~~يسار، وعطاء بن يسار، وطاوس وعطاء بن مجاهد (2) وسعيد بن المسيب وفقهاء ~~الحرمين والمصرين (يعني الكوفة والبصرة) إلى حين ظهور المخالفين. # فإن قيل: ما ذكرتموه من الأخبار في إثبات كون خبر الواحد حجة أخبار آحاد، ~~وذلك يتوقف على كونها حجة، وهو دور ممتنع. PageV02P066 # سلمنا عدم الدور، ولكن لا نسلم أن الصحابة عملوا بها، بل من الجائز أنهم ~~عملوا بنصوص متواترة أو بها مع ما اقترن بها من المقاييس، أو قرائن ~~الأحوال، أو غير ذلك من الأسباب. # سلمنا أنهم عملوا بها لا غير، لكن كل الصحابة أو بعضهم، الأول ممنوع ولا ~~سبيل إلى الدلالة عليه، والثاني مسلم، لكن لا حجة فيه. # قولكم لم يوجد له نكير، لا نسلم ذلك، وبيانه من وجوه: منها رد أبي ms275 بكر ~~خبر المغيرة في ميراث الجدة حتى انضم إليه خبر محمد بن مسلمة. # ومنها رد أبي بكر وعمر خبر عثمان في إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~رد الحكم بن أبي العاص. # ومنها رد عمر خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان، وهو قوله: " «سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا استأذن أحدكم على صاحبه ثلاثا فلم يؤذن ~~له، فلينصرف» " حتى روى معه أبو سعيد الخدري. # ومنها رد علي رضي الله عنه خبر أبي سنان الأشجعي في المفوضة، وأنه كان لا ~~يقبل خبر أحد حتى يحلفه، سوى أبي بكر. # ومنها رد عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه. # سلمنا عدم الرد والإنكار ظاهرا، غير أن سكوت الباقين عن الإنكار لا يدل ~~على الموافقة لما سبق في مسائل الإجماع. # سلمنا دلالة ذلك على الموافقة فيما تلقوه (1) بالقبول، وعملوا بموجبه، أو ~~مطلقا في كل خبر، الأول مسلم، وذلك لأن اتفاقهم عليه يدل على صحته قطعا، ~~نفيا للخطأ عن الإجماع، والثاني ممنوع. # وعلى هذا فيمتنع الاستدلال بكل خبر لم يقبلوه. PageV02P067 # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على كون خبر الواحد حجة، لكنه معارض بما يدل على ~~أنه ليس بحجة، وبيانه من جهة المعقول والمنقول، أما المنقول، فمن جهة ~~الكتاب والسنة. # أما الكتاب: فقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} ، وقوله تعالى: ~~{وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ، وقوله تعالى: {إن يتبعون إلا الظن} ~~ذكر ذلك في معرض الذم، والعمل بخبر الواحد عمل بغير علم وبالظن، فكان ~~ممتنعا (1) . # وأما السنة، فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه توقف في خبر ذي ~~اليدين حين سلم النبي صلى الله عليه وسلم عن اثنتين، وهو قوله: ( «أقصرت ~~الصلاة أم نسيت» ) حتى أخبر أبو بكر وعمر ومن كان في الصف بصدقه، فأتم وسجد ~~للسهو. # وأما المعقول فمن وجوه: # الأول: أنه لو جاز التعبد بخبر الواحد إذا ظن صدقه في الفروع، لجاز ذلك ~~في الرسالة والأصول، وهو ممتنع (2) . # الثاني: أن ms276 الأصل براءة الذمة من الحقوق والعبادات وتحمل المشاق، وهو ~~مقطوع به، فلا تجوز مخالفته بخبر الواحد مع كونه مظنونا. # الثالث: أن العمل بخبر الواحد يفضي إلى ترك العمل بخبر الواحد؛ لأنه ما ~~من خبر إلا ويجوز أن يكون معه خبر آخر مقابل له. # الرابع: أن قبول خبر الواحد تقليد لذلك الواحد، فلا يجوز للمجتهد ذلك، ~~كما لا يجوز تقليده لمجتهد آخر. # والجواب عن السؤال الأول أن ما ذكرناه من الأخبار، وإن كانت آحادها ~~آحادا، فهي متواترة من جهة الجملة، كالأخبار الواردة بسخاء حاتم وشجاعة ~~عنترة. # وعن الثاني: أنهم لو عملوا بغير الأخبار المروية، لكانت العادة تحيل ~~تواطؤهم على عدم نقله، ولا سيما في موضع الإشكال وظهور استنادهم في العمل ~~إلى ما ظهر PageV02P068 # من الأخبار. # كيف والمنقول عنهم خلاف ذلك حيث قال عمر: (لو لم نسمع هذا لقضينا فيه ~~بغير هذا، وقول ابن عمر ( «حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن ذلك، فانتهينا» ) وكذلك ما ظهر منهم من رجوعهم إلى خبر ~~عائشة في التقاء الختانين إلى غير ذلك، وجدهم في طلب الأخبار والسؤال عنها ~~عند وقوع الوقائع دليل العمل بها. # وعن الثالث: أن عمل بعض الصحابة، بل الأكثر من المجتهدين منهم بأخبار ~~الآحاد مع سكوت الباقين عن النكير دليل الإجماع على ذلك، كما سبق تقريره في ~~مسائل الإجماع. # وما رووه (1) من الأخبار أو توقفوا فيه إنما كان لأمور اقتضت ذلك من وجود ~~معارض أو فوات شرط، لا لعدم الاحتجاج بها في جنسها، مع كونهم متفقين على ~~العمل بها. # ولهذا أجمعنا على أن ظواهر الكتاب والسنة حجة، وإن جاز تركها والتوقف ~~فيها لأمور خارجة عنها. # وعن الرابع: أن اتفاقهم على العمل بخبر الواحد إنما يوجب العلم بصدقه، أن ~~لو لم يكونوا متعبدين باتباع الظن، وليس كذلك، بدليل تعبدهم باتباع ظواهر ~~الكتاب والسنة المتواترة، والعمل بالقياس على ما يأتي. # وإذا كان اتباعهم لخبر الواحد، لكونه ظنيا مضبوطا بالعدالة، كان خبر ~~الواحد من تلك الجهة حجة معمولا ms277 بها؛ ضرورة بالاتفاق عليه من تلك الجهة، ~~وذلك يعم خبر كل عدل. # وأما المعارضة بالآيات فجوابها ما سبق في بيان جواز التعبد بخبر الواحد ~~عقلا. # وعن السنة، أنه عليه السلام إنما توقف في خبر ذي اليدين لتوهمه غلطه لبعد ~~انفراده بمعرفة ذلك دون من حضره من الجمع الكثير. # ومع ظهور أمارة الوهم في خبر الواحد يجب التوقف فيه (2) فحيث وافقه ~~الباقون على ذلك، ارتفع حكم الأمارة الدالة على وهم ذي اليدين، وعمل بموجب ~~خبره. # كيف وإن PageV02P069 # عمل النبي صلى الله عليه وسلم بخبر أبي بكر وعمر وغيرهما، مع خبر ذي ~~اليدين عمل بخبر لم ينته إلى حد التواتر، وهو موضع النزاع، وفي تسليمه ~~تسليم المطلوب. # وعن المعارضة الأولى من المعقول أنها منتقضة بخبر الواحد في الفتوى ~~والشهادة. # كيف والفرق حاصل. وذلك أن المشترط في إثبات الرسالة والأصول الدليل ~~القطعي، فلم يكن الدليل الظني معتبرا فيها، بخلاف الفروع (1) . # وعن الثانية من وجهين: # الأول: أن براءة الذمة غير مقطوع بها بعد الوجود والتكليف في نفس الأمر. ~~بل الشغل محتمل وإن لم يظهر لنا سبب الشغل، فمخالفة براءة الذمة بخبر ~~الواحد لا يكون رفع مقطوع بمظنون. # الثاني: أنه منتقض بالشهادة والفتوى. # وعن الثالث: أن تجويز وجود خبر معارض للخبر الذي ظهر لا يمنع من الاحتجاج ~~به، وإلا لما ساغ التمسك بدليل من ظواهر الكتاب والسنة المتواترة؛ لأنه ما ~~من واحد منها إلا ويجوز ورود ناسخ له أو مخصص له، بل ولما جاز التمسك بدليل ~~مستنبط معارض له (2) ، ولما ساغ أيضا للقاضي الحكم بشهادة الشاهدين، ولا ~~للعامي الأخذ بفتوى المجتهد له، لجواز وجود ما يعارضه، وذلك خلاف الإجماع. # وعن الرابع: أنه إنما لم يجز تقليد العالم للعالم، لاستوائهما في درجة ~~الاجتهاد، وليس تقليد أحدهما للآخر أولى من العكس، ولا كذلك المجتهد مع ~~الراوي، فإنهما لم يستويا في معرفة ما استبد بمعرفته الراوي من الخبر فلذلك ~~وجب عليه تقليده فيما رواه. # وبالجملة فالاحتجاج بمسلك الإجماع في هذه المسألة غير خارج عن مسالك ~~الظنون وإن كان ms278 التمسك به أقرب مما سبق من المسالك. PageV02P070 # وعلى هذا فمن اعتقد كون المسألة قطعية، فقد تعذر عليه النفي والإثبات ~~لعدم مساعدة الدليل القاطع على ذلك. # ومن اعتقد كونها ظنية فليتمسك بما شاء من المسالك المتقدمة، (والله أعلم ~~بالصواب) (1) . ### | [القسم الثاني في شرائط وجوب العمل بخبر الواحد] ### | [الشرط الأول أن يكون الراوي مكلفا] # القسم الثاني # في شرائط وجوب العمل بخبر الواحد وما يتشعب عنها من المسائل، أما الشروط ~~فمنها ما لا بد منها، ومنها ما ظن أنها شروط وليست كذلك. # أما الشروط المعتبرة فهي أربعة: # الشرط الأول: أن يكون الراوي مكلفا (2) . # وذلك لأن من لا يكون مكلفا، إما أن يكون بحيث لا يقدر على الضبط ~~والاحتراز فيما يتحمله ويؤديه، كالمجنون والصبي غير المميز فلا تقبل روايته ~~(3) لتمكن الخلل فيها. # وإما أن يكون بحيث يقدر على الضبط والمعرفة، كالصبي المميز والمراهق الذي ~~لم يبق بينه وبين البلوغ سوى الزمان اليسير، فلا تقبل روايته (4) لا لعدم ~~ضبطه، فإنه قادر عليه متمكن منه، ولا لما قيل من أنه لا يقبل إقراره على ~~نفسه، فلا يقبل قوله على غيره بطريق الأولى؛ لأنه منتقض بالعبد وبالمحجور ~~عليه، فإنه لا يقبل إقراره على نفسه وروايته مقبولة بالإجماع، بل لأنا ~~أجمعنا على عدم قبول رواية الفاسق، لاحتمال كذبه، مع أنه يخاف الله (تعالى) ~~لكونه مكلفا فاحتمال الكذب من الصبي مع أنه لا يخاف الله تعالى لعدم تكليفه ~~يكون أظهر PageV02P071 # من احتمال الكذب في حق الفاسق، فكان أولى بالرد، ولا يلزم من قبول قوله ~~في إخباره أنه متطهر، حتى إنه يصح الاقتداء به في الصلاة، مع أن الظن بكونه ~~متطهرا شرط في صحة الاقتداء به وقبول (1) روايته؛ لأن الاحتياط والتحفظ في ~~الرواية أشد منه في الاقتداء به في الصلاة؛ ولهذا صح الاقتداء بالفاسق عند ~~ظن طهارته، ولا تقبل روايته وإن ظن صدقه. # ومن قال بقبول شهادة الصبيان فيما يجري بينهم من الجنايات (2) فإنما كان ~~اعتماده في ذلك على أن الجنايات فيما بينهم مما تكثر، وأن الحاجة ماسة إلى ~~معرفة ms279 ذلك بالقرائن، وهي شهادتهم مع كثرتهم قبل تفرقهم، وليس ذلك جاريا على ~~منهاج الشهادة ولا الرواية (3) . # وهذا بخلاف ما إذا تحمل الرواية قبل البلوغ، وكان ضابطا لها، وأداها بعد ~~البلوغ وظهور رشده في دينه، فإنها تكون مقبولة؛ لأنه لا خلل في تحمله ولا ~~في أدائه، ويدل على قبول روايته الإجماع والمعقول. # أما الإجماع فمن وجهين: # الأول: أن الصحابة أجمعت على قبول رواية ابن عباس وابن الزبير والنعمان ~~بن بشير وغيرهم من أحداث الصحابة مطلقا، من غير فرق بين ما تحملوه في حالة ~~الصغر وبعد البلوغ. # الثاني: إجماع السلف والخلف على مجالس الحديث وقبول روايتهم لما تحملوه ~~في حالة الصبا بعد البلوغ. # وأما المعقول، فهو أن التحرز في أمر الشهادة أكثر منه في الرواية، ولهذا ~~اختلف في قبول شهادة العبد، والأكثر على ردها. # ولم يختلف في قبول رواية العبد، واعتبر العدد في الشهادة (4) بالإجماع ~~واختلف في اعتباره في الرواية. # وقد أجمعنا على أن ما تحمله الصبي من الشهادة قبل البلوغ، إذا شهد به بعد ~~البلوغ قبلت شهادته، فالرواية أولى بالقبول. PageV02P072 ### | [الشرط الثاني أن يكون مسلما] # وذلك؛ لأن الكافر إما أن لا يكون منتميا إلى الملة الإسلامية، كاليهودي ~~والنصراني (ونحوه) أو هو منتم إليها كالمجسم. # فإن كان الأول فلا خلاف في امتناع قبول روايته، لا لما قيل من أن الكفر ~~أعظم أنواع الفسق، والفاسق غير مقبول الرواية فالكافر أولى. # وذلك لأن الفاسق إنما لم تقبل روايته لما علم من جرأته على فعل المحرمات ~~مع اعتقاد تحريمها، وهذا المعنى غير متحقق في حق الكافر، إذا كان مترهبا ~~عدلا في دينه معتقدا لتحريم الكذب، ممتنعا منه حسب امتناع العدل المسلم. # وإنما الاعتماد في امتناع قبول روايته على إجماع الأمة الإسلامية على ~~ردها سلبا لأهلية هذا المنصب الشريف عنه لخسته (1) . # وإن كان الثاني، فقد اختلفوا فيه: # فمذهب أكثر أصحابنا، كالقاضي أبي بكر والغزالي والقاضي عبد الجبار من ~~المعتزلة، (2) ، أنه مردود الرواية. # وقال أبو الحسين البصري: إن كان ذلك ممن اشتهر بالكذب والتدين به لنصرة ~~مذهبه، ms280 فلا تقبل روايته لعدم الوثوق بصدقه، وإن كان متحرجا في مذهبه متحرزا ~~عن الكذب حسب احتراز العدل عنه، فهو مقبول الرواية لأن صدقه ظاهر مظنون. # والمختار رده لا لما قيل من إجماع الأمة على رده، ولا لقياسه على الكافر ~~الخارج عن الملة بواسطة اشتراكهما في الكفر المناسب لسلب أهلية هذا المنصب ~~عنه، إذلالا له. PageV02P073 # أما الأول فلأن للخصم منع اتفاق الأمة على رد قول الكافر مطلقا، ولا سبيل ~~إلى الدلالة عليه، والقياس على الكافر الخارج عن الملة متعذر من جهة أن ~~كفره أشد وأغلظ وأظهر من كفر من هو من أهل القبلة، لكثرة مخالفته للقاعدة ~~الإسلامية أصولا وفروعا بالنسبة إلى مخالفة المتأول لها. # فكان إذلاله بسلب هذا المنصب عنه أولى، ومع هذه الأولوية، فلا قياس. # بل الواجب الاعتماد في ذلك على قوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ~~أن تصيبوا قوما بجهالة} أمر بالتثبت عند إخبار الفاسق، والكافر فاسق؛ لأن ~~الكفر أعلى درجات الفسق. # وإذا كان فاسقا، فالآية إن كانت عامة بلفظها في كل فاسق، فالكافر داخل ~~تحتها، وإن لم تكن عامة بلفظها في كل فاسق، فهي عامة بالنظر إلى المعنى ~~المومى إليه، وهو الفسق من حيث إنه رتب رد الخبر على كون الآتي به فاسقا ~~مطلقا في كلام الشارع مع مناسبته له، فكان ذلك علة للرد، وهو متحقق فيما ~~نحن فيه. # فإن قيل المرتب عليه رد الأخبار إنما هو مسمى الفاسق، وهو في عرف الشرع ~~خاص بمن هو مسلم صدرت منه كبيرة، أو واظب على صغيرة فلا يكون متناولا ~~للكافر. # وإن سلمنا تناوله للكافر، غير أنه معارض بقوله صلى الله عليه وسلم " نحن ~~نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر " والكافر المتأول إذا كان متحرزا عن ~~الكذب فقد ظهر صدقه، فوجب العمل به للخبر. # والجواب عن السؤال الأول بمنع اختصاص اسم الفاسق في الشرع بالمسلم، وإن ~~كان ذلك عرفا للمتأخرين من الفقهاء، وكلام الشارع إنما ينزل على عرفه، لا ~~على ما صار عرفا للفقهاء. # كيف وإن حمل الآية على الفاسق المسلم ms281 مما يوهم قبول خبر الفاسق الكافر ~~على الإطلاق، نظرا إلى قضية المفهوم، وهو خلاف الإجماع. # ولا يخفى أن حمل اللفظ على ما يلزم منه مخالفة دليل، أو ما اختلف في كونه ~~دليلا على خلاف الأصل. # وعن السؤال الثاني أن العمل بما ذكرناه أولى، لتواتره وخصوصه بالفاسق، ~~متفق على تخصيصه ومخالفته، وما ذكروه آحاد، وهو متناول للكافر # PageV02P074 # بعموم كون خبره ظاهرا، أو هو مخالف لخبر الكافر الخارج عن الملة، والفاسق ~~إذا ظن صدقه فإن خبره لا يكون مقبولا بالإجماع. ### | [الشرط الثالث أن يكون ضبطه لما يسمعه أرجح من عدم ضبطه] # ، وذكره له أرجح من سهوه، لحصول غلبة الظن بصدقه فيما يرويه. # وإلا، فبتقدير رجحان مقابل كل واحد من الأمرين عليه أو معادلته له ~~فروايته لا تكون مقبولة لعدم حصول الظن بصدقه، إما على أحد التقديرين فلكون ~~صدقه مرجوحا، وإما على التقدير الآخر فلضرورة التساوي. # وإن جهل حال الراوي في ذلك، كان الاعتماد على ما هو الأغلب من حال ~~الرواة، وإن لم يعلم الأغلب من ذلك، فلا بد من الاختبار والامتحان. # فإن قيل إنه وإن غلب السهو على الذكر أو تعادلا فالراوي عدل، والظاهر منه ~~أنه لا يروي إلا ما يثق من نفسه بذكره له وضبطه. # ولهذا فإن الصحابة أنكرت على أبي هريرة كثرة روايته، حتى قالت عائشة رضي ~~الله عنها: رحم الله أبا هريرة، لقد كان رجلا مهزارا في حديث المهراس (1) ~~ومع ذلك قبلوا أخباره، لما كان الظاهر من حاله أنه لا يروي إلا ما يثق من ~~نفسه بضبطه وذكره. # وأيضا فإن الخبر دليل والأصل فيه الصحة، فتساوي الضبط والاختلال والذكر ~~والنسيان غايته أنه موجب للشك في الصحة، والشك في ذلك لا يقدح في الأصل، ~~كما إذا كان متطهرا، ثم شك بعد ذلك أنه محدث أو طاهر فإن الأصل هاهنا لا ~~يترك بهذا الشك. PageV02P075 # قلنا: إذا كان الغرض (1) إنما هو غلبة السهو أو التعادل، فالراوي وإن كان ~~الغالب من حاله أنه لا يروي إلا ما يظن أنه ذاكر له، فذلك لا ms282 يوجب حصول ~~الظن بصحة روايته؛ لأن من شأنه النسيان يظن أنه ما نسي، وإن كان ناسيا. # وأما إنكار الصحابة على أبي هريرة كثرة الرواية، فلم يكن ذلك لاختلال ~~ضبطه وغلبة النسيان عليه، بل لأن الإكثار مما لا يؤمن معه اختلال الضبط ~~الذي لا يعرض لمن قلت روايته وإن كان ذلك بعيدا. # وما قيل من أن الخبر دليل، والأصل فيه الصحة، فلا يترك بالشك. # قلنا: إنما يكون دليلا، والأصل فيه الصحة، إذا كان مغلبا على الظن، ومع ~~عدم ترجيح ذكر الراوي على نسيانه لا يكون مغلبا على الظن فلا يكون دليلا ~~لوقوع التردد في كونه دليلا لا في أمر خارج عنه، ولا كذلك فيما إذا شك في ~~الحدث، ثم تيقن سابقة الطهارة، فإن تيقن الطهارة السابقة لا يقدح فيه الشك ~~الطارئ، وبالنظر إليه يترجح إليه أحد الاحتمالين، فلا يبقى معه الشك في ~~الدوام حتى إنه لو بقي الشك مع النظر إلى الأصل، لما حكم بالطهارة. ### | [الشرط الرابع أن يكون الراوي متصفا بصفة العدالة] # وذلك يتوقف على معرفة (العدل) لغة وشرعا. # أما العدل في اللغة، فهو عبارة عن المتوسط في الأمور من غير إفراط في ~~طرفي الزيادة والنقصان، ومنه قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} أي ~~عدلا. # فالوسط والعدل بمعنى واحد. # وقد يطلق في اللغة والمراد به المصدر المقابل للجور، وهو اتصاف الغير ~~بفعل ما يجب له، وترك ما لا يجب، والجور في مقابلته. # وقد يطلق: ويراد به ما كان من الأفعال الحسنة يتعدى الفاعل إلى غيره، ~~ومنه يقال للملك المحسن إلى رعيته: عادل. # وأما في لسان المتشرعة، فقد يطلق ويراد به أهلية قبول الشهادة والرواية ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. PageV02P076 # وقد قال الغزالي في معنى هذه الأهلية إنها عبارة عن استقامة السيرة ~~والدين. # وحاصلها يرجع إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة ~~جميعا، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه. # وذلك إنما يتحقق باجتناب الكبائر وبعض الصغائر وبعض المباحات. # أما الكبائر فقد روى ابن عمر عن أبيه عن النبي ms283 صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " «الكبائر تسع؛ الشرك بالله تعالى، وقتل النفس المؤمنة، وقذف ~~المحصنة، والزنا، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق ~~الوالدين المسلمين، والإلحاد بالبيت الحرام» ". # وروى أبو هريرة مع ذلك: «أكل الربا، والانقلاب إلى الأعراب بعد هجرة» . # وروي عن علي عليه السلام، أنه أضاف إلى ذلك: السرقة، وشرب الخمر (1) . # وأما بعض الصغائر فما يدل فعله على نقض الدين، وعدم الترفع عن الكذب وذلك ~~كسرقة لقمة، والتطفيف بحبة، واشتراط أخذ الأجرة على إسماع الحديث ونحوه. # وأما بعض المباحات فيما يدل على نقص المروءة، ودناءة الهمة، كالأكل في ~~السوق والبول في الشوارع وصحبة الأراذل، والإفراط في المزح. ونحو ذلك مما ~~يدل على سرعة الإقدام على الكذب، وعدم الاكتراث به. # ولا خلاف في اعتبار اجتناب هذه الأمور في العدالة المعتبرة في قبول ~~الشهادة والرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن من لا يجتنب هذه الأمور ~~أحرى أن لا يجتنب الكذب، فلا يكون موثوقا بقوله. # ولا خلاف أيضا في اشتراط هذه الأمور الأربعة في الشهادة. # وتختص الشهادة بشروط أخر: كالحرية، والذكورة، والعدد والبصر، وعدم ~~القرابة والعداوة. # وإذ أتينا شروط الرواية فلا بد من الإشارة إلى ذكر مسائل متشعبة عن شروط ~~العدالة جرت العادة بذكرها وهي ثمان مسائل. PageV02P077 ### | [المسألة الأولى مجهول الحال غير مقبول الرواية] # المسألة الأولى # مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر أهل العلم أن مجهول الحال (1) غير ~~مقبول الرواية، بل لا بد من خبرة باطنة بحاله ومعرفة سيرته، وكشف سريرته، ~~أو تزكية من عرفت عدالته وتعديله له. # وقال أبو حنيفة وأتباعه: يكتفى في قبول الرواية بظهور الإسلام والسلامة ~~عن الفسق ظاهرا، وقد احتج النافون بحجج: # الأولى: أن الدليل ينفي قبول خبر الفاسق وهو قوله تعالى: {إن جاءكم فاسق ~~بنبإ فتبينوا} غير أنا خالفناه فيمن ظهرت عدالته بالاختبار بمعنى لا وجود ~~له في محل النزاع، وهو ما اختص به من زيادة ظهور الثقة بقوله، فوجب أن لا ~~يقبل. # ولقائل أن يقول: الآية إنما دلت على امتناع قبول خبر ms284 الفاسق، ومن ظهر ~~إسلامه وسلم من الفسق ظاهرا، لا نسلم أنه فاسق حتى يندرج تحت عموم الآية. # واحتمال وجود الفسق فيه لا يوجب كونه فاسقا بدليل العدل المتفق على ~~عدالته. # الحجة الثانية: أنه مجهول الحال فلا يقبل إخباره في الرواية؛ دفعا ~~لاحتمال مفسدة الكذب، كالشهادة في العقوبات. # ولقائل أن يقول: وإن كان احتمال الكذب قائما (ظاهرا) ، غير أن احتمال ~~الصدق مع ظهور الإسلام والسلامة من الفسق ظاهرا أظهر من احتمال الكذب. # ومع ذلك، فاحتمال القبول يكون أولى من احتمال الرد، ولا يمكن القياس على ~~الشهادة؛ لأن الاحتياط في باب الشهادة أتم منه في باب الرواية. # ولهذا كان العدد والحرية مشترطا في الشهادة دون الرواية، ومتعبدا فيها ~~بألفاظ خاصة غير معتبرة في الرواية، حتى إنه لو قال " أعلم " بدل قوله " ~~أشهد " لم يكن مقبولا. PageV02P078 # وعلى هذا، فلا يلزم من اشتراط ظهور العدالة في الشهادة بالخبرة الباطنة ~~اشتراط ذلك في الرواية. # الحجة الثالثة: قالوا: أجمعنا على أن العدالة شرط في قبول الرواية عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى أن بلوغ رتبة الاجتهاد في الفقه شرط في ~~قبول الفتوى، فإذا لم يظهر حال الراوي بالاختبار، فلا تقبل أخباره دفعا ~~للمفسدة اللازمة من فوات الشرط كما إذا لم يظهر بالاختبار بلوغ المفتي رتبة ~~الاجتهاد فإنه لا يجب على المقلد اتباعه إجماعا. # ولقائل أن يقول: المجمع على اشتراطه في الرواية العدالة بمعنى ظهور ~~الإسلام والسلامة من الفسق ظاهرا، أو بمعنى آخر، والأول مسلم، غير أن ما هو ~~الشرط متحقق فيما نحن فيه، والثاني ممنوع. # كيف وإن ما ذكرتموه من الوصف الجامع غير مناسب لما سبق في الحجة ~~المتقدمة، وبتقدير ظهور مناسبة الوصف الجامع، فالاعتبار بالمفتي غير ممكن؛ ~~وذلك لأن بلوغ رتبة الاجتهاد أبعد في الحصول من حصول صفة العدالة. # ولهذا كانت العدالة أغلب وقوعا من رتبة الاجتهاد في الأحكام الشرعية، ~~وعند ذلك فاحتمال عدم صفة الاجتهاد يكون أغلب من عدم صفة العدالة، فلا يلزم ~~من عدم قبول قول المفتي مع الجهل بحاله القبول بعدم ms285 قول الراوي مع الجهل ~~بحاله. # الحجة الرابعة: أن عدم الفسق شرط في قبول الرواية، فاعتبر فيه الخبرة ~~الباطنية مبالغة في دفع الضرر، كما في عدم الصبي والرق والكفر في قبول ~~الشهادة. # ولقائل أن يقول ما ذكرتموه من الوصف الجامع غير مناسب لما سبق تقريره في ~~الحجة الثانية، وبتقدير مناسبته فالقياس على الشهادة غير ممكن لما تقدم. # الحجة الخامسة: قالوا: رد عمر رواية فاطمة بنت قيس لما كانت مجهولة ~~الحال، وعلي عليه السلام رد قول الأشجعي في المفوضة، واشتهر ذلك فيما بين ~~الصحابة، ولم ينكره منكر فكان إجماعا. # ولقائل أن يقول: أما رد عمر لخبر فاطمة إنما كان لأنه لم يظهر له صدقها ~~(1) . PageV02P079 # ولهذا قال: كيف نقبل قول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت. # وما نحن فيه ليس كذلك، فإن من ظهر إسلامه وسلامته من الفسق ظاهرا، ~~فاحتمال صدقه لا محالة أظهر من احتمال كذبه. # وأما رد علي عليه السلام لخبر الأشجعي فإنما كان أيضا لعدم ظهور صدقه ~~عنده؛ ولهذا وصفه بكونه بوالا على عقبيه؛ أي: غير محترز في أمور دينه. # ويجب أن يكون كذلك، وإلا كان مخالفا لقوله صلى الله عليه وسلم: " «نحن ~~نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر» ". # والمعتمد في المسألة أنا نقول: القول بوجوب قبول رواية مجهول الحال ~~يستدعي دليلا، والأصل عدم ذلك الدليل، والمسألة اجتهادية ظنية، فكان ذلك ~~كافيا فيها (1) . # فإن قيل: بيان وجود الدليل من جهة النص والإجماع والمعقول. # أما النص فمن جهة الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق ~~بنبإ فتبينوا} أمر بالتثبت مشروطا بالفسق فما لم يظهر الفسق لا يجب التثبت ~~فيه. # وأما السنة فمن وجهين؛ الأول: قوله عليه السلام: " «إنما أحكم بالظاهر، ~~والله يتولى السرائر» " (2) وما نحن فيه فالظاهر من حاله الصدق، فكان داخلا ~~تحت عموم الخبر. # الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه الأعرابي، وقال: (أشهد أن ~~لا إله إلا الله) وشهد برؤية الهلال عنده، قبل شهادته، وأمر بالنداء بالصوم ~~لما ثبت عنده إسلامه PageV02P080 # ولم يعلم منه ما يوجب ms286 فسقا، فالرواية أولى (1) . # وأما الإجماع فهو أن الصحابة كانوا متفقين على قبول أقوال العبيد ~~والنسوان والأعراب المجاهيل لما ظهر إسلامهم وسلامتهم من الفسق ظاهرا. # وأما المعقول فمن وجهين؛ الأول: أن الراوي مسلم لم يظهر منه فسق، فكان ~~خبره مقبولا كإخباره بكون اللحم (لحم) مذكى، وكون الماء طاهرا أو نجسا، ~~وكون الجارية المبيعة رقيقة، وكونه متطهرا عن الحدثين؛ حتى يصح الاقتداء ~~به، ونحوه. # والثاني: أنه لو أسلم كافر، وروى عقيب إسلامه خبرا من غير مهلة، فمع ظهور ~~إسلامه وعدم وجود ما يوجب فسقه بعد إسلامه، يمتنع رد روايته، وإذا قبلت ~~روايته حال إسلامه، فطول مدته في الإسلام أولى أن لا توجب رده. # والجواب عن الآية أن العمل بموجبها نفيا وإثباتا متوقف على معرفة كونه ~~فاسقا أو ليس فاسقا، لا على عدم علمنا بفسقه، وذلك لا يتم دون البحث والكشف ~~عن حاله. # وعن الخبر الأول، من ثلاثة أوجه: # الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم، أضاف الحكم بالظاهر إلى نفسه، ولا ~~يلزم مثله في حق غيره إلا بطريق القياس عليه، لا بنفس النص المذكور، ~~والقياس عليه ممتنع؛ لأن ما للنبي صلى الله عليه وسلم، من الاطلاع والمعرفة ~~بأحوال المخبر لصفاء جوهر نفسه واختصاصه عن الخلق بمعرفة ما لا يعرفه أحد ~~منهم من الأمور الغيبية، غير متحقق في حق غيره (2) . # الثاني: أنه رتب الحكم على الظاهر، وذلك وإن كان يدل على كونه علة لقبوله ~~والعمل به، فتخلف الحكم عنه في الشهادة على العقوبات والفتوى يدل على أنه ~~ليس بعلة. PageV02P081 # الثالث، المعارضة بقوله تعالى: {إن الظن لا يغني من الحق شيئا} وليس ~~العمل بعموم أحد النصين وتأويل الآخر أولى من الآخر، بل العمل بالآية أولى؛ ~~لأنها متواترة وما ذكروه آحاد. # وعن الخبر الثاني: لا نسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يعلم من حال ~~الأعرابي سوى الإسلام. # وعن الإجماع، لا نسلم أن الصحابة قبلوا رواية أحد من المجاهيل فيما يتعلق ~~بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم. # ولهذا، ردوا رواية من جهلوه كرد عمر ms287 شهادة فاطمة بنت قيس، (1) ورد علي ~~شهادة الأعرابي. # وعن الوجه الأول من المعقول بالفرق بين صور الاستشهاد ومحل النزاع. # وذلك من وجهين؛ الأول: أن الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أعلى رتبة ~~وأشرف منصبا من الإخبار فيما ذكروه من الصور، فلا يلزم من القبول مع الجهل ~~بحال الراوي فيما هو أدنى الرتبتين قبوله في أعلاهما. # الثاني: أن الإخبار فيما ذكروه من الصور مقبول مع ظهور الفسق، ولا كذلك ~~فيما نحن فيه. # وعن الوجه الثاني: من المعقول بمنع قبول روايته دون الخبرة بحاله، ~~لاحتمال أن يكون كذوبا، وهو باق على طبعه. # وإن قلنا: روايته في مبدأ إسلامه، فلا يلزم ذلك في حالة دوامه، لما بين ~~ابتداء الإسلام ودوامه من رقة القلب، وشدة الأخذ بموجباته، والحرص على ~~امتثال مأموراته، واجتناب منهياته على ما يشهد به العرف والعادة في حق كل ~~من دخل في أمر محبوب والتزمه، فإن غرامه به في الابتداء يكون أشد منه في ~~دوامه. PageV02P082 ### | [الفاسق المتأول الذي لا يعلم فسق نفسه] # المسألة الثانية # الفاسق المتأول الذي لا يعلم فسق نفسه لا يخلو، إما أن يكون فسقه مظنونا، ~~أو مقطوعا به، فإن كان مظنونا، كفسق الحنفي إذا شرب النبيذ، فالأظهر قبول ~~روايته وشهادته، وقد قال الشافعي رضي الله عنه: إذا شرب الحنفي النبيذ أحده ~~وأقبل شهادته. # وإن كان فسقه مقطوعا به، فإما أن يكون ممن يرى الكذب ويتدين به، أو لا ~~يكون كذلك، فإن كان الأول فلا نعرف خلافا في امتناع قبول شهادته كالخطابية ~~من الرافضة؛ لأنهم يرون شهادة الزور لموافقيهم في المذهب. # وإن كان الثاني كفسق الخوارج الذين استباحوا الدار، وقتلوا الأطفال ~~والنسوان فهو موضع الخلاف. # فمذهب الشافعي وأتباعه وأكثر الفقهاء أن روايته وشهادته مقبولة، وهو ~~اختيار الغزالي وأبي الحسين البصري وكثير من الأصوليين. # وذهب القاضي أبو بكر والجبائي وأبو هاشم وجماعة من الأصوليين إلى امتناع ~~قبول شهادته وروايته، وهو المختار. # وقد احتج النافون بحجة ضعيفة، وذلك أنهم قالوا، أجمعنا على أن الفاسق ~~المفروض، لو كان عالما بفسقه لم ms288 يقبل خبره، فإذا كان جاهلا بفسقه معتقدا ~~أنه ليس بفاسق، فقد انضم إلى فسقه فسق آخر وخطيئة أخرى، وهو اعتقاده في ~~الفسق أنه ليس بفسق، فكان أولى أن لا يقبل خبره. # ولقائل أن يقول: إذا لم يعتقد أنه فاسق، وكان متحرجا محترزا في دينه عن ~~الكذب وارتكاب المعصية، فكان (1) إخباره مغلبا على الظن صدقه، بخلاف ما إذا ~~علم أن ما يأتي به فسقا، فذلك يدل على قلة مبالاته بالمعصية، وعدم تحرزه عن ~~الكذب فافترقا. # والمعتمد في ذلك النص والمعقول: # أما النص فقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} أمر برد نبأ الفاسق. ~~PageV02P083 # والخلاف إنما هو فيمن قطع بفسقه، فكان مندرجا تحت عموم الآية، غير أنا ~~خالفناه فيمن كان فسقه مظنونا، وما نحن فيه مقطوع بفسقه، فلا يكون في معنى ~~صورة المخالفة. # وأيضا قوله تعالى: {إن الظن لا يغني من الحق شيئا} غير أنا خالفناه في ~~خبر من ظهرت عدالته، وفيمن كان فسقه مظنونا، فيبقى فيما عداه على مقتضى ~~الدليل. # وأما المعقول، فهو أن القول بقبول خبره يستدعي دليلا، والأصل عدمه. # فإن قيل: بيان وجود الدليل النص والإجماع والقياس: # أما النص فقوله صلى الله عليه وسلم: " «إنما أحكم بالظاهر، والله يتولى ~~السرائر» " والفاسق فيما نحن فيه محترز عن الكذب، متدين بتحريمه، فكان صدقه ~~في خبره ظاهرا، فكان مندرجا تحت عموم الخبر. # وأما الإجماع فهو أن عليا عليه السلام والصحابة قبلوا أقوال قتلة عثمان ~~والخوارج مع فسقهم، ولم ينكر ذلك منكر فكان ذلك إجماعا. # وأما القياس فهو أن الظن بصدقه موجود، فكان واجب القبول مبالغة في تحصيل ~~مقصوده قياسا على العدل والمظنون فسقه. # والجواب عن الخبر ما سبق في المسألة التي قبلها، وعن الإجماع: أنا لا ~~نسلم أن كل من قبل شهادة الخوارج وقتلة عثمان كانوا يعتقدون فسقهم، فإن ~~الخوارج من جملة المسلمين والصحابة، ولم يكونوا معتقدين فسق أنفسهم. # ومع عدم اعتقاد الجميع لفسقهم، وإن قبلوا شهادتهم فلا يتحقق انعقاد ~~الإجماع على قبول خبر الفاسق. # وعن القياس بالفرق في الأصول المستشهد بها. ms289 # أما في العدل فلظهور عدالته واستحقاقه لمنصب الشهادة والرواية، وذلك ~~يناسب قبوله إعظاما له وإجلالا (1) بخلاف الفاسق. # وأما في مظنون الفسق فلأن حاله في استحقاق منصب الشهادة والرواية أقرب من ~~حال من كان فسقه مقطوعا به فلا يلزم من القبول ثم القبول هاهنا. ~~PageV02P084 ### | [المسألة الثالثة الجرح والتعديل هل يثبت بقول الواحد] # المسألة الثالثة # اختلفوا في الجرح والتعديل: هل يثبت بقول الواحد أو لا؟ # فذهب قوم إلى أنه لا بد في التعديل والجرح من اعتبار العدد في الرواية ~~والشهادة. # وذهب آخرون إلى الاكتفاء بالواحد فيهما، وهو اختيار القاضي أبي بكر (1) . # والذي عليه الأكثر إنما هو الاكتفاء بالواحد في باب الرواية دون الشهادة ~~وهو الأشبه. # وذلك لأنه لا نص ولا إجماع في هذه المسألة يدل على تعيين أحد هذه ~~المذاهب، فلم يبق غير التشبيه والقياس. # ولا يخفى أن العدالة شرط في قبول الشهادة والرواية، والشرط لا يزيد في ~~إثباته على مشروطه، فكان إلحاق الشرط بالمشروط في طريق إثباته أولى من ~~إلحاقه بغيره. # وقد اعتبر العدد في قبول الشهادة دون قبول الرواية، فكان الحكم في شرط كل ~~واحد منها ما هو الحكم في مشروطه. # فإن قيل: التزكية والتعديل شهادة، فكان العدد معتبرا فيهما كالشهادة على ~~الحقوق. # قلنا ليس ذلك أولى من قول القائل بأنها إخبار، فلا يعتبر العدد في قبولها ~~كنفس الرواية. # فإن قيل: إلا أن ما ذكرناه أولى لما فيه من زيادة الاحتياط. # قلنا: بل ما يقوله الخصم أولى حذرا من تضييع أوامر الله تعالى ونواهيه. # كيف وأن اعتباره قول الواحد في الجرح والتعديل أصل متفق عليه، واعتبار ضم ~~قول غيره إليه يستدعي دليلا، والأصل عدمه، ولا يخفى أن ما يلزم منه النفي ~~الأصلي أولى مما يلزم منه مخالفته (2) . PageV02P085 ### | [المسألة الرابعة الجرح والتعديل دون ذكر سببهما] # المسألة الرابعة # اختلفوا في قبول الجرح والتعديل دون ذكر سببهما فقال قوم: لا بد من ذكر ~~السبب فيهما، أما في الجرح فلاختلاف الناس فيما يجرح به، فلعله اعتقده ~~جارحا وغيره لا يراه جارحا، وأما في العدالة ms290 فلأن مطلق التعديل لا يكون ~~محصلا للثقة بالعدالة لجري العادة بتسارع الناس إلى ذلك بناء على الظاهر. # وقال قوم: لا حاجة إلى ذلك فيهما اكتفاء ببصيرة المزكي والجارح، وهو ~~اختيار القاضي أبى بكر. # وقال الشافعي (رضي الله عنه) " لا بد من ذكر سبب الجرح، لاختلاف الناس ~~فيما يجرح به، بخلاف العدالة فإن سببها واحد لا اختلاف فيه ". # ومنهم من عكس الحال واعتبر ذكر سبب العدالة دون الجرح، والمختار إنما هو ~~مذهب القاضي أبي بكر، وذلك لأنه إما أن يكون المزكي والجارح عدلا بصيرا بما ~~يجرح به ويعدل، أو لا يكون كذلك، فإن لم يكن عدلا، أو كان عدلا وليس بصيرا، ~~فلا اعتبار بقوله، وإن كان عدلا بصيرا وجب الاكتفاء بمطلق جرحه وتعديله، إذ ~~الغالب مع كونه عدلا بصيرا أنه ما أخبر بالعدالة والجرح إلا وهو صادق في ~~مقاله، فلا معنى لاشتراط إظهار السبب مع ذلك. # والقول بأن الناس قد اختلفوا فيما يجرح به، وإن كان حقا إلا أن الظاهر من ~~حال العدل البصير بجهات الجرح والتعديل أنه أيضا يكون عارفا بمواقع الخلاف ~~في ذلك. # والظاهر أنه لا يطلق الجرح إلا في صورة علم الوفاق عليها (1) وإلا كان ~~مدلسا ملبسا بما يوهم الجرح على من لا يعتقده، وهو خلاف مقتضى العدالة ~~والدين، وبمثل هذا يظهر أنه ما أطلق التعديل إلا بعد الخبرة الباطنة ~~والإحاطة بسريرة المخبر عنه، ومعرفة اشتماله على سبب العدالة دون البناء ~~على ظاهر الحال. PageV02P086 ### | [المسألة الخامسة إذا تعارض الجرح والتعديل] # المسألة الخامسة # إذا تعارض الجرح والتعديل فلا يخلو إما أن يكون الجارح قد عين السبب، أو ~~لم يعينه: فإن لم يعينه فقول الجارح يكون مقدما لاطلاعه على ما لم يعرفه ~~المعدل، ولا نفاه لامتناع الشهادة على النفي. # وإن عين السبب بأن يقول تقديرا: رأيته، وقد قتل فلانا، فلا يخلو إما أن ~~لا يتعرض المعدل لنفي ذلك، أو يتعرض لنفيه. # فإن كان الأول، فقول الجارح يكون مقدما لما سبق، وإن تعرض لنفيه بأن قال: ~~رأيت فلانا المدعى قتله حيا ms291 بعد ذلك، فهاهنا يتعارضان، ويصح ترجيح أحدهما ~~على الآخر بكثرة العدد، وشدة الورع والتحفظ، وزيادة البصيرة إلى غير ذلك ~~مما ترجح به إحدى الروايتين على الأخرى كما سيأتي تحقيقه (1) . PageV02P087 ### | [المسألة السادسة في طرق الجرح والتعديل] # المسألة السادسة # في طرق الجرح والتعديل # أما طرق التعديل فمتفاوتة في القوة والضعف، وذلك لأنه لا يخلو إما أن ~~يصرح المزكي بالتعديل قولا، أو لا يصرح به. # فإن صرح به بأن يقول: " هو عدل " رضا، فإما أن يذكر مع ذلك السبب بأن ~~يقول (لأني عرفت منه كذا وكذا) أو لا يذكر السبب. # فإن كان الأول، فهو تعديل متفق عليه، وإن كان الثاني فمختلف فيه، والأظهر ~~منه التعديل، كما سبق في المسألة المتقدمة، فهذا الطريق مرجوح بالنسبة إلى ~~الأول للاختلاف فيه ولنقصان البيان فيه بخلاف الأول (1) . # وأما إن لم يصرح بالتعديل قولا، لكن حكم بشهادته، أو عمل بروايته، أو روى ~~عنه خبرا. # فإن حكم بشهادته فهو أيضا تعديل متفق عليه، وإلا كان الحاكم فاسقا بشهادة ~~من ليس بعدل عنده، وهذه الطريق أعلى من التزكية بالقول من غير ذكر سبب ~~لتفاوتهما في الاتفاق والاختلاف، اللهم إلا أن يكون الحاكم ممن يرى الحكم ~~بشهادة الفاسق. # وأما بالنسبة إلى التزكية مع ذكر السبب، فالأشبه التعادل بينهما ~~لاستوائهما في الاتفاق عليهما. # والأول وإن اختص بذكر السبب، فهذا مختص بإلزام الغير بقبول الشاهد، بخلاف ~~الأول. # وأما إن عمل بروايته على وجه علم أنه لا مستند له في العمل سواها، ولا ~~يكون ذلك من باب الاحتياط فهو أيضا تعديل متفق عليه، وإلا كان عمله برواية ~~من ليس بعدل فسقا. # وهذا الطريق، وإن احتمل أن يكون العمل فيه مستندا إلى ظهور الإسلام ~~والسلامة من الفسق ظاهرا، كما في التعديل بالقول من غير ذكر PageV02P088 # السبب، فهو راجح على التعديل بالقول من غير ذكر السبب، للاتفاق عليه ~~والاختلاف في ذلك، ومرجوح بالنسبة إلى التزكية بالقول مع ذكر السبب، ~~وبالنسبة إلى الحكم بالشهادة لأن باب الشهادة أعلى من باب الرواية. # ولذلك اشترط فيه ما لم يشترط ms292 في باب الرواية كما سيأتي تعريفه، فكان ~~الاحتياط والاحتراز فيها أتم وأوفى. # وأما إن روى عنه، فهذا مما اختلف فيه هل هو تعديل أو لا. # ومنهم من فصل وقال: إن عرف من قول المزكي أو عادته أنه لا يروي إلا عن ~~العدل، فهو تعديل، وإلا فلا، وهو المختار. # وذلك لأن العادة جارية بالرواية عمن لو سئل عن عدالته لتوقف فيها، ولا ~~يلزم من روايته عنه مع عدم معرفته بعدالته، أن يكون ملبسا مدلسا في الدين ~~كما قيل؛ لأنه إنما يكون كذلك أن لو أوجبت روايته عنه على الغير العمل بها، ~~وليس كذلك. # بل غايته أنه قال: (سمعته يقول كذا) فعلى السامع بالكشف عن حال المروي ~~عنه إن رام العمل بمقتضى روايته، وإلا كان مقصرا، وهذا الطريق يشبه أن يكون ~~مرجوحا بالنسبة إلى باقي الطرق. # أما بالنسبة إلى التصريح بالتعديل فظاهر، ولا سيما إن اقترن بذكر السبب ~~للاتفاق والاختلاف في هذا الطريق. # ولهذا يكون مرجوحا بالنسبة إلى الحكم بالشهادة للاتفاق عليه ولاختصاص ~~الشهادة بما ذكرناه قبل. # وأما بالنسبة إلى العمل بالرواية، فلاشتراكهما في أصل الرواية واختصاص ~~أحدهما بالعمل بها. # وأما طرق الجرح، أن يصرح بكونه مجروحا، ويذكر مع ذلك سبب الجرح، وإن لم ~~يذكر معه سبب الجرح، فهو جرح كما سبق في المسألة المتقدمة، لكنه دون الأول، ~~للاختلاف فيه، وللاتفاق على الأول، وليس من الجرح ترك العمل بروايته والحكم ~~بشهادته، لجواز أن يكون ذلك بسبب غير الجرح. # وذلك إما لمعارض، وإما لأنه غير ضابط أو لغلبة النسيان والغفلة عليه ~~ونحوه، ولا الشهادة بالزنا، وكل ما يوجب الحد على المشهود عليه إذا لم يكمل ~~نصاب الشهادة ; لأنه # PageV02P089 # لم يأت بصريح القذف، وإنما جاء ذلك مجيء الشهادة، ولا بما يسوغ فيه ~~الاجتهاد، وقد قال به بعض الأئمة المجتهدين، كاللعب بالشطرنج وشرب النبيذ ~~ونحوه، ولا بالتدليس، وذلك كقول من لم يعاصر الزهري مثلا، ولكنه روى عمن ~~لقيه قولا يوهم أنه لقيه (1) وكقوله: حدثنا فلان وراء النهر، موهما أنه ~~يريد جيحان، وإنما يشير به إلى ms293 نهر عيسى مثلا، لأنه ليس بكذب، وإنما هو من ~~المعاريض المغنية عن الكذب. ### | [المسألة السابعة عدالة الصحابة] # المسألة السابعة # اتفق الجمهور من الأئمة على عدالة الصحابة (2) . # وقال قوم إن حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند ~~الرواية. # ومنهم من قال إنهم لم يزالوا عدولا إلى حين ما وقع من الاختلاف والفتن ~~فيما بينهم، وبعد ذلك، فلا بد من البحث في العدالة عن الراوي أو الشاهد ~~منهم، إذا لم يكن ظاهر العدالة. PageV02P090 # ومنهم من قال بأن كل من قاتل عليا عالما منهم، فهو فاسق مردود الرواية ~~والشهادة، لخروجهم عن الإمام الحق. # ومنهم من قال برد رواية الكل وشهادتهم ; لأن أحد الفريقين فاسق، وهو غير ~~معلوم ولا معين. # ومنهم من قال بقبول رواية كل واحد منهم وشهادته إذا انفرد ; لأن الأصل ~~فيه العدالة، وقد شككنا في فسقه، ولا يقبل ذلك منه مع مخالفة غيره لتحقق ~~فسق أحدهما من غير تعيين. # والمختار إنما هو مذهب الجمهور من الأئمة، وذلك بما تحقق من الأدلة ~~الدالة على عدالتهم ونزاهتهم وتخييرهم على من بعدهم. # فمن ذلك قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} أي عدولا. # وقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} وهو خطاب مع الصحابة الموجودين ~~في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم: " «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم» " (1) والاهتداء بغير عدل محال. # وقوله - صلى الله عليه وسلم: " «إن الله اختار لي أصحابا وأصهارا ~~وأنصارا» " (2) واختيار الله تعالى لا يكون لمن ليس بعدل. # ومنها ما ظهر واشتهر بالنقل المتواتر الذي لا مراء فيه من مناصرتهم ~~للرسول والهجرة إليه، والجهاد بين يديه، والمحافظة على أمور الدين، وإقامة ~~القوانين، والتشدد في امتثال أوامر الشرع ونواهيه، والقيام بحدوده ~~ومراسيمه، حتى إنهم قتلوا الأهل والأولاد حتى قام الدين واستقام، ولا أدل ~~على العدالة أكثر من ذلك. # وعند ذلك، فالواجب أن يحمل كل ما جرى بينهم من الفتن على أحسن حال، وأن ~~ذلك إنما كان لما أدى إليه اجتهاد كل فريق ms294 من اعتقاده أن الواجب ما صار ~~إليه، وأنه أوفق للدين وأصلح للمسلمين. # وعلى هذا فإما أن يكون كل مجتهد مصيبا أو أن المصيب واحد والآخر مخطئ في ~~اجتهاده. PageV02P091 # وعلى كلا التقديرين، فالشهادة والرواية من الفريقين لا تكون مردودة أما ~~بتقدير الإصابة فظاهر، وأما بتقدير الخطأ مع الاجتهاد فبالإجماع. # وإذ أتينا على ما أردناه من بيان عدالة الصحابة، فلا بد من الإشارة إلى ~~بيان من يقع عليه اسم الصحابي. ### | [المسألة الثامنة الخلاف في مسمى الصحابي] # المسألة الثامنة # اختلفوا في مسمى الصحابي: فذهب أكثر أصحابنا وأحمد بن حنبل إلى أن ~~الصحابي من رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يختص به اختصاص المصحوب، ~~ولا روى عنه، ولا طالت مدة صحبته. # وذهب آخرون إلى أن الصحابي إنما يطلق على من رأى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - واختص به اختصاص المصحوب، وطالت مدة صحبته، وإن لم يرو عنه. # وذهب عمرو بن يحيى إلى أن هذا الاسم إنما يسمى به من طالت صحبته للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وأخذ عنه العلم. # والخلاف في هذه المسألة، وإن كان آيلا إلى النزاع في الإطلاق اللفظي، ~~فالأشبه إنما هو الأول، ويدل على ذلك ثلاثة أمور. # الأول: أن الصاحب اسم مشتق من الصحبة، والصحبة تعم القليل والكثير، ومنه ~~يقال صحبته ساعة، وصحبته يوما وشهرا، وأكثر من ذلك، كما يقال: فلان كلمني ~~وحدثني وزارني، وإن كان لم يكلمه ولم يحدثه ولم يزره سوى مرة واحدة. # الثاني: أنه لو حلف أنه لا يصحب فلانا في السفر، أو ليصحبنه، فإنه يبر ~~ويحنث بصحبته ساعة. # الثالث: أنه لو قال قائل: صحبت فلانا، فيصح أن يقال: صحبته ساعة أو يوما ~~أو أكثر من ذلك، وهل أخذت عنه العلم ورويت عنه، أو لا، ولولا أن الصحبة ~~شاملة لجميع هذه الصور، ولم تكن مختصة بحالة منها، لما احتيج إلى الاستفهام ~~(1) . PageV02P092 # فإن قيل: إن الصاحب في العرف إنما يطلق على المكاثر الملازم، ومنه يقال: ~~أصحاب القرية، وأصحاب الكهف والرقيم وأصحاب الرسول، وأصحاب الجنة، ~~للملازمين لذلك، وأصحاب ms295 الحديث للملازمين لدراسته وملازمته دون غيرهم. # ويدل على ذلك أنه يصح أن يقال: فلان لم يصحب فلانا، لكنه وفد عليه أو رآه ~~أو عامله، والأصل في النفي أن يكون محمولا على حقيقته، بل لا بد مع طول ~~المدة من أخذ العلم والرواية عنه، ولهذا يصح أن يقال المزني صاحب الشافعي، ~~وأبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة (1) ولا يصح أن يقال لمن رآهما ~~وعاشرهما طويلا ولم يأخذ عنهما، أنه صاحب لهما. # والجواب عن الشبهة الأولى: أنا لا نسلم أن اسم الصاحب لا يطلق إلا على ~~المكاثر الملازم، ولا يلزم من صحة إطلاق اسم الصاحب على الملازم المكاثر ~~كما في الصور المستشهد بها امتناع إطلاقه على غيره، بل يجب أن يقال بصحة ~~إطلاق ذلك على المكاثر وغيره حقيقة، نظرا إلى ما وقع به الاشتراك نفيا ~~للتجوز، والاشتراك عن اللفظ وصحة النفي إنما كان لأن الصاحب في أصل الوضع، ~~وإن كان لمن قلت صحبته أو كثرت، غير أنه في عرف الاستعمال لمن طالت صحبته، ~~فإن أريد نفي الصحبة بالمعنى العرفي فحق، وإن أريد نفيها بالمعنى الأصلي ~~فلا يصح. # وهذا هو الجواب عما قيل من اشتراط أخذ العلم والرواية عنه أيضا. # وإذا عرف ذلك، فلو قال من عاصر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنا صحابي ~~مع إسلامه وعدالته، فالظاهر صدقه. # ويحتمل أن لا يصدق في ذلك، لكونه متهما بدعوى رتبة يثبتها لنفسه، كما لو ~~قال: أنا عدل، أو شهد لنفسه بحق. # هذا ما أردناه من الشروط المعتبرة. PageV02P093 # وأما الشروط التي ظن أنها شروط، وليست كذلك. # فشروط: منها أنه ليس من شرط قبول الخبر العدد، بل يكفي في القبول خبر ~~العدل الواحد، خلافا للجبائي، فإنه قال: لا يقبل إلا أن يضاف إليه خبر عدل ~~آخر، أو موافقة ظاهرا، وأن يكون منتشرا فيما بين الصحابة، أو عمل به بعض ~~الصحابة، ونقل عنه أيضا أنه لا يقبل الخبر في الزنا إلا من أربعة. # والوجه في الاحتجاج والانفصال ما سبق في مسألة وجوب التعبد بخبر الواحد. ms296 # وأيضا فليس من شرطه الذكورة لما اشتهر من أخذ الصحابة بأخبار النساء، كما ~~سبق بيانه، ولا البصر، بل يجوز قبول رواية الضرير إذا كان حافظا لما يسمعه ~~وله آلة أدائه. # ولهذا كانت الصحابة تروي عن عائشة ما تسمعه من صوتها، مع أنهم لا يرون ~~شخصها: ولا عدم القرابة، بل تجوز رواية الولد، وبالعكس لاتفاق الصحابة على ~~ذلك، ولا عدم العداوة؛ لأن حكم الرواية عام، فلا يختص بواحد معين، حتى تكون ~~العداوة مؤثرة فيه، ولا الحرية، بل هذه الأمور إنما تشترط في الشهادة. # ولا يشترط أيضا في الراوي أن يكون مكثرا من سماع الأحاديث مشهور النسب، ~~لاتفاق الصحابة على قبول رواية من لم يرو سوى خبر واحد وعلى قبول رواية من ~~لا يعرف نسبه، إذا كان مشتملا على الشرائط المعتبرة. # ولا يشترط أيضا أن يكون فقيها عالما بالعربية وبمعنى الخبر. # وسواء كانت روايته موافقة للقياس أو مخالفة خلافا لأبي حنيفة فيما يخالف ~~القياس، لقوله - صلى الله عليه وسلم: " «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها» ~~" إلى قوله: " «فرب حامل فقه ليس بفقيه» " دعا له وأقره على الرواية: ولو ~~لم يكن مقبول القول لما كان كذلك، ولأن الصحابة سمعوا أخبار آحاد لم يكونوا ~~فقهاء كما ذكرناه فيما تقدم، ولأن الاعتماد على خبر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم. # والظاهر من الراوي إذا كان عدلا متدينا أنه لا يروي إلا ما يتحققه على ~~الوجه الذي سمعه. # PageV02P094 ### | [القسم الثالث في مستندات الراوي وكيفية روايته] ### | [المسألة الأولى قول الصحابي قال رسول الله كذا] # القسم الثالث # في مستندات الراوي وكيفية روايته # الراوي لا يخلو إما أن يكون صحابيا أو غير صحابي، فإن كان صحابيا فقد ~~اتفقوا على أنه إذا قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول كذا ~~أو أخبرني أو حدثني أو شافهني رسول الله بكذا، فهو خبر عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - واجب القبول، واختلفوا في مسائل: # المسألة الأولى # إذا قال الصحابي: قال رسول الله كذا، اختلفوا فيه، فذهب الأكثرون إلى أنه ~~سمعه من ms297 النبي - صلى الله عليه وسلم، فيكون حجة من غير خلاف، وقال القاضي ~~أبو بكر: لا يحكم بذلك، بل هو متردد بين أن يكون سمعه من النبي عليه ~~السلام، وبين أن يكون قد سمعه من غيره. # وبتقدير أن يكون قد سمعه من غير النبي - صلى الله عليه وسلم، فمن قال ~~بعدالة جميع الصحابة، فحكمه حكم ما لو سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم، ~~ومن قال بأن حكم الراوي من الصحابة حكم غيرهم في وجوب الكشف عن حال الراوي ~~منهم، فحكمه حكم مراسيل تابع التابعين، وسيأتي تفصيل القول فيه. # والظاهر أن ذلك محمول على سماعه من غير واسطة مع إمكان سماعه من الواسطة ~~; لأن قوله: " قال " يوهم السماع من النبي صلى الله عليه وسلم من غير واسطة ~~إيهاما ظاهرا. # والظاهر من حال الصحابي العدل العارف بأوضاع اللغة أنه لا يأتي بلفظ يوهم ~~معنى، ويريد غيره. # PageV02P095 ### | [المسألة الثانية قول الصحابي سمعت رسول الله يأمر بكذا أو ينهى عن كذا] # المسألة الثانية # إذا قال الصحابي (سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر بكذا أو ~~ينهى عن كذا) اختلفوا في كونه حجة. # فذهب قوم إلى أنه ليس بحجة؛ لأن الاحتجاج إنما هو بلفظ النبي - صلى الله ~~عليه وسلم، وقول الصحابي " سمعته يأمر وينهى " لا يدل على وجود الأمر ~~والنهي من النبي صلى الله عليه وسلم، لاختلاف الناس في صيغ الأمر والنهي، ~~فلعله سمع صيغة اعتقد أنها أمر أو نهي، وليست كذلك عند غيره. # ويحتمل أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بشيء، أو ينهى عن شيء، وهو ~~ممن يعتقد أن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، وأن النهي عن الشيء أمر ~~بأحد أضداده، فنقل الأمر والنهي، وليس بأمر ولا نهي عند غيره. # والذي عليه اعتماد الأكثرين، أنه حجة وهو الأظهر، وذلك لأن الظاهر من حال ~~الصحابي مع عدالته ومعرفته بأوضاع اللغة أن يكون عارفا بمواقع الخلاف ~~والوفاق، وعند ذلك، فالظاهر من حاله أنه لا ينقل إلا ما تحقق أنه أمر أو ~~نهي ms298 من غير خلاف، نفيا للتدليس والتلبيس عنه بنقل ما يوجب على سامعه اعتقاد ~~الأمر والنهي فيما لا يعتقده أمرا ولا نهيا. # PageV02P096 ### | [المسألة الثالثة قول الصحابي أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا] # المسألة الثالثة # إذا قال الصحابي: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا، وأوجب علينا كذا وحرم ~~علينا كذا، أو أبيح لنا كذا، فمذهب الشافعي وأكثر الأئمة أنه يجب إضافة ذلك ~~إلى النبي عليه السلام. # وذهب جماعة من الأصوليين والكرخي من أصحاب أبي حنيفة إلى المنع من ذلك، ~~مصيرا منهم إلى أن ذلك متردد بين كونه مضافا إلى النبي عليه السلام، وبين ~~كونه مضافا إلى أمر الكتاب أو الأمة، أو بعض الأئمة، وبين أن يكون قد قال ~~ذلك عن الاستنباط والقياس، وأضافه إلى صاحب الشرع بناء على أن موجب القياس ~~مأمور باتباعه من الشارع. # وإذا احتمل واحتمل، لا يكون مضافا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بل ~~ولا يكون حجة. # والظاهر مذهب الشافعي، وذلك لأن من كان مقدما على جماعة وهم بصدد امتثال ~~أوامره ونواهيه، فإذا قال الواحد منهم: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، فالظاهر ~~أنه يريد أمر ذلك المقدم ونهيه، والصحابة بالنسبة إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - على هذا النحو. # فإذا قال الصحابي منهم: أمرنا أو نهينا كان الظاهر منه أمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ونهيه، ولا يمكن حمله على أمر الكتاب ونهيه ; لأنه لو كان ~~كذلك لكان ظاهرا للكل، فلا يختص بمعرفته الواحد منهم، ولا على أمر الأمة ~~ونهيها ; لأن قول الصحابي أمرنا ونهينا قول الأمة، وهم لا يأمرون وينهون ~~أنفسهم، ولا على أمر الواحد من الصحابة، إذ ليس أمر البعض للبعض أولى من ~~العكس. # كيف وإن الظاهر من الصحابي أنه إنما يقصد بذلك تعريف الشرع، وذلك لا يكون ~~ثابتا بأمر الواحد من الصحابة ونهيه، ولا أن يكون ذلك بناء على ما قيل من ~~القياس والاستنباط لوجهين: # الأول: أن قول الصحابي أمرنا ونهينا خطاب مع الجماعة، وما ظهر لبعض ~~المجتهدين من القياس وإن كان مأمورا باتباع حكمه، ms299 فذلك غير موجب للأمر ~~باتباع من لم يظهر له ذلك القياس. # الثاني: أن قوله أمرنا ونهينا بكذا عن كذا إنما يفهم منه مطلق الأمر ~~والنهي، لا الأمر باتباع حكم القياس. # PageV02P097 ### | [المسألة الرابعة قول الصحابي من السنة كذا] # المسألة الرابعة # اختلفوا في قول الصحابي: من السنة كذا. # فذهب الأكثرون إلى أن ذلك محمول على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- خلافا لأبي الحسن الكرخي (1) من أصحاب أبي حنيفة، والمختار مذهب ~~الأكثرين، وذلك لما ذكرناه في المسالة المتقدمة. # فإن قيل اسم السنة متردد بين سنة النبي، وسنة الخلفاء الراشدين، على ما ~~قال صلى الله عليه وسلم: " «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، ~~عضوا عليها بالنواجذ» ". # وإذا كان اللفظ مترددا بين احتمالين، فلا يكون صرفه إلى أحدهما دون الآخر ~~أولى من العكس. # قلنا: وإن سلمنا صحة إطلاق السنة على ما ذكروه، غير أن احتمال إرادة سنة ~~النبي صلى الله عليه وسلم أولى لوجهين: # الأول: أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم أصل، وسنة الخلفاء الراشدين تبع ~~لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومقصود الصحابي إنما هو بيان الشرعية، ولا ~~يخفى أن إسناد ما قصد بيانه إلى الأصل أولى من إسناده إلى التابع. # الثاني: أن ذلك هو المتبادر إلى الفهم من إطلاق لفظ السنة في كلام ~~الصحابي، لما ذكرناه في المسألة المتقدمة، فكان الحمل عليه أولى. ~~PageV02P098 ### | [المسألة الخامسة قول الصحابي كنا نفعل كذا] # المسألة الخامسة # إذا قال الصحابي: كنا نفعل كذا، وكانوا يفعلون كذا، وذلك كقول عائشة: " ~~كانوا لا يقطعون في الشيء التافه ". # وكقول إبراهيم النخعي (1) كانوا يحذفون التكبير حذفا، فهو عند الأكثرين ~~محمول على فعل الجماعة دون بعضهم، خلافا لبعض الأصوليين. # ويدل على مذهب الأكثرين أن الظاهر من الصحابي أنه إنما أورد ذلك في معرض ~~الاحتجاج، وإنما يكون ذلك حجة إن لو كان ما نقله مستندا إلى فعل الجميع؛ ~~لأن فعل البعض لا يكون حجة على البعض الآخر، ولا على غيرهم. # فإن قيل: لو كان ذلك مستندا إلى فعل الجميع لكان ms300 إجماعا، ولما ساغ ~~مخالفته بطريق الاجتهاد فيه، وحيث سوغتم ذلك دل على عوده إلى البعض دون ~~الكل. # قلنا: تسويغ الاجتهاد فيه إنما كان لأن إضافة ذلك إلى الجميع وقع ظنا لا ~~قطعا، وذلك كما يسوغ الاجتهاد فيما يرويه الواحد من الألفاظ القاطعة في ~~الدلالة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان طريق اتباعه ظنيا، وإن ~~كان لا يسوغ فيه الاجتهاد عندما إذا ثبت بطريق قاطع. # وأما إن كان الراوي غير صحابي، فمستنده في الرواية إما قراءة الشيخ، لما ~~يرويه عنه، أو القراءة على الشيخ أو إجازة الشيخ له، أو أن يكتب له كتابا ~~بما يرويه عنه، أو يناوله الكتاب الذي يرويه عنه، أو أن يرى خطا يظنه خط ~~الشيخ بأني سمعت عن فلان كذا. # فإن كان مستنده في الرواية قراءة الشيخ، فإما أن يكون الشيخ قد قصد ~~إسماعه بالقراءة أو لم يقصد إسماعه بطريق من الطرق: فإن قصد إسماعه ~~بالقراءة أو مع غيره، فهذا هو أعلى الرتب في الرواية، وللراوي عنه ~~PageV02P099 # أن يقول: حدثنا وأخبرنا، وقال فلان، وسمعته يقول كذا، وإن لم يقصد إسماعه ~~فليس له أن يقول حدثنا وأخبرنا؛ لأنه يكون كاذبا في ذلك، بل له أن يقول: ~~قال فلان كذا وسمعته يقول كذا، ويحدث بكذا، ويخبر بكذا. # وأما القراءة على الشيخ مع سكوت الشيخ من غير ما يوجب السكوت عن الإنكار، ~~من إكراه أو غفلة أو غير ذلك، فقد اتفقوا على وجوب العمل به، خلافا لبعض ~~أهل الظاهر؛ لأنه لو لم تكن روايته صحيحة لكان سكوته عن الإنكار مع القدرة ~~عليه فسقا، لما فيه من إيهام صحة ما ليس بصحيح، وذلك بعيد عن العدل ~~المتدين. # ثم اتفق القائلون بالصحة على تسليط الراوي على قوله: أخبرنا وحدثنا فلان ~~قراءة عليه. # واختلفوا في جواز قوله: حدثنا وأخبرنا مطلقا، والأظهر امتناعه ; لأن ذلك ~~يشعر بنطق الشيخ، وذلك من غير نطق منه كذب. # وأما إجازة الشيخ، وذلك بأن يقول: أجزت لك أن تروي عني الكتاب الفلاني، ~~أو ما صح عندك من ms301 مسموعاتي، فقد اختلفوا في جواز الرواية بالإجازة: فجوزه ~~أصحاب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأكثر المحدثين، واتفق هؤلاء على تسليط ~~الراوي على قوله: أجازني فلان كذا وحدثني وأخبرني إجازة، واختلفوا في قوله ~~حدثني وأخبرني مطلقا. # والذي عليه الأكثر، وهو الأظهر، أنه لا يجوز لأن ذلك يشعر بنطق الشيخ ~~بذلك وهو كذب. # وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا تجوز الرواية بالإجازة مطلقا. # وقال أبو بكر الرازي (1) من أصحاب أبي حنيفة، إنه إن كان المجيز والمجاز ~~له قد علما ما في الكتاب الذي أجاز روايته، جازت روايته بقوله: أخبرني ~~وحدثني. PageV02P100 # وذلك كما لو كتب إنسان صكا، والشهود يرونه ثم قال لهم: اشهدوا علي بجميع ~~ما في هذا الصك، فإنه يجوز لهم إقامة الشهادة عليه بما في ذلك الكتاب، وإلا ~~فلا. # والمختار إنما هو جواز الرواية بالإجازة، وذلك لأن المجيز عدل ثقة، ~~والظاهر أنه لم يجز إلا ما علم صحته، وإلا كان بإجازته رواية ما لم يروه ~~فاسقا، وهو بعيد عن العدل. # وإذا علمت الرواية أو ظنت بإجازته، جازت الرواية عنه كما لو كان هو ~~القارئ أو قرئ عليه وهو ساكت. # فإن قيل: إنه لم يوجد من المحدث فعل الحديث، ولا ما يجري مجرى فعله، فلم ~~يجز أن يقول الراوي عنه: أخبرني، ولا حدثني لأنه يكون كذبا، ولأنه قادر على ~~أن يحدث به، فحيث لم يحدث به دل على أنه غير صحيح عنده. # قلنا: هذا باطل بما إذا كان الراوي عن الشيخ هو القارئ، فإنه لم يوجد من ~~الشيخ فعل الحديث، ولا ما يجري مجراه وهو قادر على القراءة بنفسه، ومع ذلك، ~~فإنه يجوز للراوي أن يقول: أخبرني وحدثني حيث كانت قراءته عليه مع السكوت ~~دليل صحة الحديث. # وعلى ما ذكرناه من الخلاف في الإجازة والمزيف والمختار يكون الكلام فيما ~~إذا ناوله كتابا فيه حديث سمعه، وقال له: قد أجزت لك أن تروي عني ما فيه، ~~وله أن يقول: ناولني فلان كذا، وأخبرني، وحدثني مناولة. # وكذلك الحكم أيضا إذا كتب إليه بحديث، وقال: أجزت ms302 لك روايته عني فإنه يدل ~~على صحته، ويسلط الراوي على أن يقول: كاتبني بكذا وحدثني أو أخبرني بكذا ~~كتابة. # ولو اقتصر على المناولة أو الكتابة دون لفظ الإجازة، لم تجز له الرواية، ~~إذ ليس في الكتابة والمناولة ما يدل على تسويغ الرواية عنه ولا على صحة ~~الحديث في نفسه. # أما رؤية خط الشيخ بأني سمعت من فلان كذا، فلا يجوز مع ذلك الرواية عنه، ~~وسواء قال: هذا خطي، أو لم يقل؛ لأنه قد يكتب ما سمعه، ثم يشكك فيه، فلا بد ~~من التسليط من قبل الشيخ على الرواية عنه بطريقة، إذ ليس لأحد رواية ما شك ~~في روايته، إجماعا، وعلى هذا، فلو روى كتابا عن بعض المحدثين، وشك في حديث ~~واحد منه # PageV02P101 # غير معين، لم تجز له روايته (1) شيء منه، لأنه ما من واحد من تلك ~~الأحاديث إلا ويجوز أن يكون هو المشكوك فيه. # وكذلك لو روى عن جماعة حديثا، وشك في روايته عن بعضهم من غير تعيين، فليس ~~له الرواية عن واحد منهم، لأنه ما من واحد إلا ويجوز أن يكون هو المشكوك في ~~الرواية عنه، والرواية مع الشك ممتنعة. # نعم، لو غلب على ظنه رواية الحديث عن بعض المشايخ وسماعه منه، فهذا مما ~~اختلف فيه. # فقال أبو حنيفة: لا تجوز روايته ولا العمل به، لأنه حكم على المروي عنه ~~بأنه حدثه به، فلا يجوز مع عدم العلم، كما في الشهادة. # وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن: تجوز له الرواية والعمل به؛ لأن ~~ذلك مما يغلب على الظن صحته. # ولهذا فإن آحاد أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يحملون كتب ~~الرسول إلى أطراف البلاد في أمور الصدقات وغيرها، وكان يجب على كل أحد ~~الأخذ بها بإخبار حاملها أنها من كتب الرسول، وإن لم يكن ما فيها مما سمعه ~~الحامل، ولا المحمول إليه لكونها مغلبة على الظن. # ولا كذلك في الشهادة ; لأنه قد اعتبر فيها من الاحتياط ما لم يعتبر مثله ~~في الرواية، كما ذكرناه فيما تقدم. ms303 # وعلى هذا، فلو قال عدل من عدول المحدثين عن كتاب من كتب الحديث، إنه ~~صحيح، فالحكم في جواز الأخذ به والخلاف فيه، كما سبق فيما إذا ظن أنه ~~يرويه، مع الاتفاق على أنه لا تجوز روايته عنه بخلاف ما إذا ظن الرواية ~~عنه. PageV02P102 ### | [القسم الرابع فيما اختلف في رد خبر الواحد به] ### | [المسألة الأولى نقل حديث النبي بالمعنى دون اللفظ] # القسم الرابع # فيما اختلف في رد خبر الواحد به وفيه عشر مسائل # المسألة الأولى # اختلفوا في نقل حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمعنى دون اللفظ. # والذي عليه اتفاق الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل والحسن البصري ~~وأكثر الأئمة أنه يحرم ذلك على الناقل، إذ (1) كان غير عارف بدلالات ~~الألفاظ واختلاف مواقعها، وإن كان عالما بذلك، فالأولى له النقل بنفس اللفظ ~~إذ هو أبعد عن التغيير والتبديل وسوء التأويل. # وإن نقله بالمعنى من غير زيادة في المعنى، ولا نقصان منه، فهو جائز. # ونقل عن ابن سيرين (2) وجماعة من السلف وجوب نقل اللفظ على صورته، وهو ~~اختيار أبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة. # ومنهم من فصل وقال: بجواز إبدال اللفظ بما يرادفه، ولا يشتبه الحال فيه، ~~ولا يجوز بما عدا ذلك. # والمختار مذهب الجمهور، ويدل عليه النص، والإجماع، والأثر والمعقول. # أما النص، فما روى ابن مسعود «أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقال له: " يا رسول الله تحدثنا بحديث لا نقدر أن نسوقه كما سمعناه، فقال ~~صلى الله عليه وسلم: " إذا أصاب أحدكم المعنى فليحدث» (3) وأيضا، فإن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - كان مقررا لآحاد رسله إلى البلاد في إبلاغ أوامره ~~ونواهيه بلغة المبعوث إليهم دون لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو دليل ~~الجواز. PageV02P103 # وأما الإجماع فما روي عن ابن مسعود أنه كان إذا حدث قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - هكذا أو نحوه، ولم ينكر عليه منكر، فكان إجماعا. # وأما الأثر فما روي عن مكحول أنه قال: دخلنا على واثلة بن الأسقع فقلنا: ms304 ~~" حدثنا حديثا ليس فيه تقديم ولا تأخير "، فغضب وقال: " لا بأس إذا قدمت ~~وأخرت إذا أصبت المعنى " (1) . # وأما المعقول فمن وجهين: الأول أن الإجماع منعقد على جواز شرح الشرع ~~للعجم بلسانهم، وإذا جاز الإبدال بغير العربية في تفهم المعنى، فالعربية ~~أولى. # الثاني: هو أنا نعلم أن اللفظ غير مقصود لذاته ونفسه، ولهذا فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يذكر المعنى في الكرات المتعددة بألفاظ مختلفة، بل ~~المقصود إنما هو المعنى، ومع حصول المعنى، فلا أثر لاختلاف اللفظ. # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالنص والمعقول: # أما النص: فقوله صلى الله عليه وسلم: " «نضر الله امرأ سمع مقالتي ~~فوعاها، وأداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من ~~هو أفقه منه» ". # وأما المعقول فمن وجهين: الأول أن العلماء بالعربية وأهل الاجتهاد، قد ~~يختلفون في معنى اللفظ الوارد مع اتحاده، حتى إن كل واحد منهم قد يتنبه منه ~~على ما لا يتنبه عليه الآخر. # وعند ذلك فالراوي وإن كان عالما بالعربية واختلاف دلالات الألفاظ، فقد ~~يحمل اللفظ على معنى فهمه من الحديث مع الغفلة عن غير ذلك. # فإذا أتى بلفظ يؤدي المعنى الذي فهمه من اللفظ النبوي دون غيره، مع ~~احتمال أن يكون ما أخل به هو المقصود أو بعض المقصود، فلا يكون وافيا ~~بالغرض من اللفظ، وربما اختل المقصود من اللفظ بالكلية بتقدير تعدد النقلة، ~~بأن ينقل كل واحد ما سمعه من الراوي الذي قبله بألفاظ غير ألفاظه على حسب ~~ما يعقله من لفظه، مع التفاوت اليسير في المعنى، حتى ينتهي المعنى الأخير ~~إلى مخالفة المعنى المقصود باللفظ النبوي بالكلية، وهو ممتنع. PageV02P104 # الثاني: أن خبر النبي صلى الله عليه وسلم قول تعبدنا باتباعه، فلا يجوز ~~تبديله بغيره، كالقرآن وكلمات الأذان والتشهد والتكبير. # والجواب: عن النص من وجهين: الأول: القول بموجبه، وذلك لأن من نقل معنى ~~اللفظ من غير زيادة ولا نقصان يصح أن يقال أدى ما سمع كما سمع، ولهذا يقال ~~لمن ترجم لغة إلى لغة، ms305 ولم يغير المعنى، أدى ما سمع كما سمع، ويدل على أن ~~المراد من الخبر إنما هو نقل المعنى دون اللفظ، ما ذكره من التعليل، وهو ~~اختلاف الناس في الفقه، إذ هو المؤثر في اختلاف المعنى. # وأما الألفاظ التي لا يختلف اجتهاد الناس في قيام بعضها مقام بعض، فذلك ~~مما يستوي فيه الفقيه والأفقه ومن ليس بفقيه، ولا يكون مؤثرا في تغيير ~~المعنى. # الثاني: أن هذا الخبر بعينه يدل على جواز نقل الخبر بالمعنى دون اللفظ، ~~وذلك لأن الظاهر أن الخبر المروي حديث واحد، والأصل عدم تكرره من النبي - ~~صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فقد روي بألفاظ مختلفة، فإنه قد روي «نضر الله ~~امرأ» «، ورحم الله امرأ» ، «ورب حامل فقه غير فقيه» ، وروي لا فقه له (1) ~~. # وعن المعنى الأول من المعقول أن الكلام إنما هو مفروض في نقل المعنى من ~~غير زيادة ولا نقصان، حتى إنه لو ظهرت فيه الزيادة والنقصان لم يكن جائزا. # وعن الثاني بالفرق بين ما نحن فيه وما ذكروه من الأصول المقيس عليها. # أما القرآن فلأن المقصود من ألفاظه الإعجاز، فتغييره مما يخرجه عن ~~الإعجاز فلا يجوز، ولا كذلك الخبر فإن المقصود منه المعنى دون اللفظ. # ولهذا فإنه لا يجوز التقديم والتأخير في القرآن، وإن لم يختلف المعنى، ~~كما لو قال بدل اسجدي واركعي، اركعي واسجدي، ولا كذلك في الخبر. # وأما كلمات الأذان والتشهد والتكبير، فالمقصود منها إنما هو التعبد بها، ~~وذلك لا يحصل بمعناها، والمقصود من الخبر هو المعنى دون اللفظ. كيف وإنه ~~ليس قياس الخبر على ما ذكروه أولى من قياسه على الشهادة؛ حيث تجوز الشهادة ~~على شهادة الغير مع اتحاد المعنى، وإن كان اللفظ مختلفا. PageV02P105 ### | [المسألة الثانية إذا أنكر الشيخ رواية الفرع عنه] # المسألة الثانية # إذا أنكر الشيخ رواية الفرع عنه، فلا يخلو إما أن يكون إنكاره لذلك إنكار ~~جحود وتكذيب للفرع، أو إنكار نسيان وتوقف. # فإن كان الأول فلا خلاف في امتناع العمل بالخبر (1) لأن كل واحد منهما ~~مكذب للآخر فيما يدعيه، ms306 ولا بد من كذب أحدهما، وهو موجب للقدح في الحديث، ~~غير أن ذلك لا يوجب جرح واحد منهما على التعيين ; لأن كل واحد منهما عدل، ~~وقد وقع الشك في كذبه. # والأصل العدالة فلا تترك بالشك. # وتظهر فائدة ذلك في قبول رواية كل واحد منهما في غير ذلك الخبر. # وأما إن كان الثاني، فقد اختلفوا في قبول ذلك الخبر والعمل به، فذهب ~~الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل في أصح الروايتين عنه، وأكثر المتكلمين إلى ~~جواز العمل، خلافا للكرخي (2) وجماعة من أصحاب أبي حنيفة ولأحمد بن حنبل في ~~الرواية الأخرى عنه، ودليله الإجماع والمعقول. # أما الإجماع، فما روي أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن روى عن سهيل بن أبي ~~صالح، عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قضى ~~باليمين مع الشاهد» (3) ثم نسبه سهيل، فكان يقول: حدثني ربيعة عني أني ~~حدثته عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويرويه هكذا. # ولم ينكر عليه أحد من التابعين ذلك، فكان إجماعا منهم على جوازه. ~~PageV02P106 # وأما المعقول فمن وجهين: الأول: أن الفرع عدل، وهو جازم بروايته عن ~~الأصل، غير مكذب له وهما عدلان، فوجب قبول الرواية والعمل بها. # الثاني: أن نسيان الأصل الرواية لا تزيد على موته وجنونه، ولو مات أو جن، ~~كانت رواية الفرع عنه مقبولة، ويجب العمل بها إجماعا فكذلك إذا نسي. # فإن قيل: أما الاستدلال بقضية ربيعة، فلا حجة فيه، لاحتمال أن سهيلا ذكر ~~الرواية برواية ربيعة عنه ومع الذكر، فالرواية تكون مقبولة. # ثم هو معارض بما روي «أن عمار بن ياسر قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ~~(أما تذكر يا أمير المؤمنين، لما كنا في الإبل، فأجنبت فتمعكت في التراب، ~~ثم سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنما يكفيك أن تضرب بيديك» (1) ~~فلم يقبل عمر من عمار ما رواه، مع كونه عدلا عنده، لما كان ناسيا له. # وأما ما ذكرتموه من المعقول، فالأصل وإن لم يكن مكذبا للفرع، غير أن ~~نسيانه لما ms307 نسب إليه يجب أن يكون مانعا من العمل به، كما لو ادعى مدع أن ~~الحاكم حكم له بشيء، فقال الحاكم: لا أذكر ذلك، فأقام المدعي شاهدين شهدا ~~بذلك، فإنه لا يقبل، وكذلك إذا أنكر شاهد الأصل شهادة الفرع عليه على سبيل ~~النسيان، فإن الشهادة لا تقبل. # الجواب عن قولهم: إن سهيلا ذكر الرواية، قلنا لو كان كذلك، لانطوى ذكر ~~ربيعة، وكان يروي عن شيخه، كما لو نسي، ثم تذكر بنفسه، وأما رد عمر لرواية ~~عمار عند نسيانه، فليس نظيرا لما نحن فيه، فإن عمارا لم يكن راويا عن عمر، ~~بل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحيث لم يعمل عمر بروايته فلعله كان شاكا ~~في روايته أو كأن ذلك كان مذهبا له، فلا يكون حجة على غيره من المجتهدين ~~على ما سيأتي تقريره. PageV02P107 # وأما الحاكم إذا نسي ما حكم به، وشهد شاهدان بحكمه، فقد قال مالك وأبو ~~يوسف: يلزمه الحكم بشهادتهما، وعندنا وإن لم يجب عليه ذلك، فهو واجب على ~~غيره من القضاة. # وأما القياس على الشهادة، فلا يصح لأن باب الشهادة أضيق من باب الرواية، ~~وقد اعتبر فيها من الشروط والقيود ما لم يعتبر في الرواية، وذلك كاعتبار ~~العدد والحرية والذكورة، ولا يقبل فيها العنعنة، ولا تصح الشهادة على ~~الشهادة من وراء حجاب، ولو قال: أعلم بدل قوله أشهد لا يصح، ولا كذلك في ~~الرواية فامتنع القياس. ### | [المسألة الثالثة إذا روى جماعة من الثقات حديثا وانفرد واحد منهم بزيادة] # المسألة الثالثة # إذا روى جماعة من الثقات حديثا، وانفرد واحد منهم بزيادة في الحديث لا ~~تخالف المزيد عليه، كما لو روى جماعة، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل ~~البيت، وانفرد واحد منهم بزيادة، فقال: دخل البيت وصلى، فلا يخلو إما أن ~~يكون مجلس الرواية مختلفا بأن يكون المنفرد بالزيادة روايته عن مجلس غير ~~مجلس الباقين، أو أن مجلس الرواية متحد، ويجهل الأمران. # فإن كان المجلس مختلفا، فلا نعرف خلافا في قبول الزيادة، لاحتمال أن يكون ~~النبي - صلى الله عليه ms308 وسلم - قد فعل الزيادة في أحد المجلسين دون الآخر، ~~والراوي عدل ثقة، ولم يوجد ما يقدح في روايته، فكانت روايته مقبولة. # ولهذا فإنه لو روى حديثا لم ينقله غيره مع عدم حضوره لم يقدح ذلك في ~~روايته، وكذلك لو شهد اثنان على شخص بألفي درهم لزيد في مجلس، وشهدت بينة ~~أخرى عليه في مجلس آخر بألف، لا يكون ذلك قادحا في الألف الزائدة، مع أن ~~باب الشهادة أضيق من باب الرواية كما قررنا. # وأما إن اتحد المجلس، فإن كان من لم يرووا الزيادة قد انتهوا إلى عدد لا ~~يتصور في العادة غفلة مثلهم عن سماع تلك الزيادة وفهمها، فلا يخفى أن تطرق ~~الغلط والسهو إلى الواحد فيما نقله من الزيادة، يكون أولى من تطرق ذلك إلى ~~العدد المفروض # PageV02P108 # فيجب ردها (1) وإن لم ينتهوا إلى هذا الحد، فقد اتفق جماعة الفقهاء ~~والمتكلمين على وجوب قبول الزيادة، خلافا عنه لجماعة من المحدثين، ولأحمد ~~بن حنبل في إحدى الروايتين عنه. # ودليل ذلك أن الراوي عدل ثقة، وقد جزم بالرواية، وعدم نقل الغير لها ~~فلاحتمال أن يكون من لم ينقل الزيادة قد دخل في أثناء المجلس وسمع بعض ~~الحديث أو خرج في أثناء المجلس لطارئ أوجب له الخروج قبل سماع الزيادة. # وبتقدير أن يكون حاضرا من أول المجلس إلى آخره، فلاحتمال أن يكون قد طرأ ~~ما شغله عن سماع الزيادة وفهمها من سهو أو ألم أو جوع أو عطش مفرط، أو فكرة ~~في أمر مهم، أو اشتغال بحديث مع غيره والتفات إليه، أو أنه نسيها بعد ما ~~سمعها. # ومع تطرق هذه الاحتمالات وجزم العدل بالرواية، لا يكون عدم نقل غيره ~~للزيادة قادحا في روايته. # فإن قيل: هذه الاحتمالات وإن كانت منقدحة في حق من لم يرو الزيادة، ~~فاحتمال الغلط والسهو على الناقل للزيادة أيضا منقدح. # وذلك بأن يتوهم أنه سمع تلك الزيادة، ولم يكن قد سمعها، أو أنه سمعها من ~~غير الرسول، وتوهم سماعها من الرسول، أو أنه ذكرها على سبيل التفسير ~~والتأويل، فظن ms309 السامع أنها زيادة في الحديث المروي، وذلك كما روى ابن عباس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، «أنه نهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفى» . # قال ابن عباس: ولا أحسب غير الطعام إلا كالطعام، فأدرجه بعض الرواة في ~~الحديث. # وكذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «فإذا زادت الإبل ~~على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة» " فظن الراوي أن الاستئناف إعادة للفرض ~~الأول في المائة الأولى، فقال: في كل خمس شاة، وأدرج ذلك في كلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ومع تعارض الاحتمالات، فليس العمل بالزيادة أولى من تركها، ~~بل الترجيح بجانب الترك لوجهين: PageV02P109 # الأول: أن احتمال تطرق الغلط والسهو على الواحد أكثر من احتمال تطرقه إلى ~~الجماعة. # الثاني: أن الترك على وفق النفي الأصلي، والإثبات على خلافه، فكان أولى، ~~ولهذا فإنه لو اجتمع المقومون على قيمة متلف، وخالفهم واحد بزيادة في ~~تقويمه في القيمة فإن الزيادة تلغى بالإجماع. # والجواب عما عارضوا به من السهو في حق راوي الزيادة، أنه وإن كان منقدحا، ~~غير أن ما ذكرناه من الاحتمالات في حق من لم يرو الزيادة أكثر، ولأن سهو ~~الإنسان عما سمعه يكون أكثر من سهوه فيما لم يسمعه أنه سمعه. # وما ذكروه من الزيادة بناء على احتمال التفسير والتأويل، وإن كان قائما، ~~غير أنه في غاية البعد، إذ الظاهر من حال العدل الثقة أنه لا يدرج في كلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس فيه لما فيه من التدليس والتلبيس، ولو جوز ~~مثل ذلك فما من حديث إلا ويمكن أن يتطرق إليه هذا الاحتمال، ويلزم من ذلك ~~إبطال جميع الأحاديث. # وما ذكروه من الترجيح الأول فغير مطرد فيما إذا كان عدد الناقل للزيادة ~~مساويا لعدد الآخرين، وهو من جملة صور النزاع، وبتقدير أن يكون أكثر، فقد ~~بينا أن الترجيح بجانب الواحد. # وما ذكروه من الترجيح الثاني فهو معارض بما إذا كانت الزيادة مقتضية لنفي ~~حكم لولاها لثبت، وأما التقويم فحاصله يرجع إلى ظن وتخمين بطريق الاجتهاد، ~~ولا ms310 يخفى أن تطرق الخطأ في ذلك إلى الواحد أكثر من تطرقه إلى الجمع، بخلاف ~~الرواية، فإنها لا تكون إلا بنقل ما هو محسوس بالسمع، وتطرق الخطأ إليه ~~بعيد. # وأما إن جهل الحال في أن الرواية عن مجلس واحد أو مجالس مختلفة، فالحكم ~~على ما سبق فيما إذا اتحد المجلس، وقبول الزيادة فيه أولى، نظرا إلى احتمال ~~اختلاف مجلس الرواية. # هذا كله فيما إذا لم تكن الزيادة مخالفة للمزيد عليه # PageV02P110 # وأما إن كانت مخالفة له، بحيث لا يمكن الجمع بينهما، فالظاهر التعارض ~~خلافا لبعض المعتزلة، وعلى هذا لو روى الواحد الزيادة مرة، وأهملها مرة، في ~~حديث واحد، فالتفصيل والحكم على ما تقدم فيما إذا تعددت الرواة، فعليك ~~بالاعتبار. # وكذلك الخلاف فيما إذا أسند الخبر واحد، وأرسله الباقون، أو رفعه إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأوقفه الباقون على بعض الصحابة. ### | [المسألة الرابعة إذا سمع الراوي خبرا وأراد نقل بعضه وحذف بعضه] # المسألة الرابعة # إذا سمع الراوي خبرا وأراد نقل بعضه، وحذف بعضه، فلا يخلو إما أن يكون ~~الخبر متضمنا لأحكام لا يتعلق بعضها ببعض، أو يتعلق بعضها ببعض. # فإن كان الأول كقوله: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ~~ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم) فلا نعرف خلافا في جواز نقل البعض ~~وترك البعض، فإن ذلك بمنزلة أخبار متعددة، ومن سمع أخبارا متعددة فله رواية ~~البعض دون البعض، وإن كان الأولى إنما هو نقل الخبر بتمامه، لقوله صلى الله ~~عليه وسلم: ( «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها» ) . # وإن كان الثاني، وذلك بأن يكون الخبر مشتملا على ذكر غاية، كنهيه - صلى ~~الله عليه وسلم - عن بيع الطعام؛ حتى تحوزه التجار إلى رحالهم، وكنهيه عن ~~بيع الثمار حتى تزهي، أو شرط: كقوله ( «من قاء أو رعف أو أمذى فليتوضأ ~~وضوءه للصلاة» ) . # أو استثناء: كقوله ( «لا تبيعوا البر بالبر إلى قوله إلا سواء بسواء مثلا ~~بمثل» ) . # فإذا ذكر بعض الخبر، وقطعه عن الغاية أو الشرط أو الاستثناء، فهو غير ~~جائز ms311 لما فيه من تغيير الحكم وتبديل الشرع. # PageV02P111 ### | [المسألة الخامسة خبر الواحد إذا ورد موجبا للعمل فيما تعم به البلوى] # المسألة الخامسة # خبر الواحد إذا ورد موجبا للعمل فيما تعم به البلوى، كخبر ابن مسعود (1) ~~في نقض الوضوء بمس الذكر، وخبر أبي هريرة في غسل اليدين عند القيام من نوم ~~الليل، وخبره في رفع اليدين في الركوع، والأكل في الصوم ناسيا ونحوه، مقبول ~~عند الأكثرين، خلافا للكرخي (2) وبعض أصحاب أبي حنيفة. # ودليل ذلك النص، والإجماع، والمعقول، والإلزام، أما النص فقوله تعالى: ~~{فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} أوجب الإنذار على كل طائفة خرجت للتفقه في ~~الدين، وإن كانت آحادا، وهو مطلق فيما تعم به البلوى، وما لا تعم، ولولا ~~أنه واجب القبول لما كان لوجوبه فائدة، وتقريره كما سبق، وأما الإجماع، فهو ~~أن الصحابة اتفقت على العمل بخبر الواحد فيما تعم به البلوى. # فمن ذلك ما روي عن ابن عمر، أنه قال: «كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك ~~بأسا، حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك ~~فانتهينا» . # ومن ذلك رجوع الصحابة بعد اختلافهم في وجوب الغسل بالتقاء الختانين من ~~غير إنزال إلى خبر عائشة، وهو قولها «إذا التقى الختانان وجب الغسل، أنزل ~~أو لم ينزل، فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم واغتسلنا» . # ومن ذلك: رجوع أبي بكر وعمر في سدس الجدة لما قال لها " لا أجد لك في ~~كتاب الله شيئا " إلى خبر المغيرة، وهو قوله: «إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أطعمها السدس» وصار ذلك إجماعا. # وأما المعقول فمن وجهين: PageV02P112 # الأول: أن الراوي عدل ثقة، وهو جازم بالرواية فيما يمكن فيه صدقه، وذلك ~~يغلب على الظن صدقه، فوجب تصديقه كخبره فيما لا تعم به البلوى. # الثاني: أنه يغلب على الظن، فكان واجب الاتباع، كالقياس، والمسألة ظنية، ~~فكان الظن فيها حجة. # وأما الإلزام فهو أن الوتر وحكم الفصد والحجامة ms312 والقهقهة في الصلاة، ~~ووجوب الغسل من غسل الميت، وإفراد الإقامة وتثنيتها، فمن قبيل ما تعم به ~~البلوى، ومع ذلك فقد أثبتها الخصوم بأخبار الآحاد، فإن قيل لا نسلم إجماع ~~الصحابة على العمل بخبر الواحد فيما تعم به البلوى، فإن أبا بكر رد خبر ~~المغيرة في الجدة. # وما ذكرتموه من المعقول فمبني على أن خبر الواحد فيما تعم به البلوى ~~مظنون، وليس كذلك، وبيانه من وجهين. # الأول: أن ما تعم به البلوى، كخروج الخارج من السبيلين، ومس الذكر مما ~~يتكرر في كل وقت، فلو كانت الطهارة مما تنتقض به لوجب على النبي صلى الله ~~عليه وسلم إشاعته وأن لا يقتصر على مخاطبة الآحاد به، بل يلقيه على عدد ~~التواتر مبالغة في إشاعته، حتى لا يفضي ذلك إلى إبطال صلاة أكثر الخلق، وهم ~~لا يشعرون فحيث لم ينقله سوى الواحد دل على كذبه. # الثاني: أن ذلك مما يكثر السؤال عنه، والجواب والدواعي متوفرة على نقله. # فحيث انفرد به الواحد دل على كذبه، كانفراد الواحد بنقل قتل أمير البلد ~~في السوق، بمشهد من الخلق وطروء حادثة منعت الناس من صلاة الجمعة، وإن ~~الخطيب سب الله ورسوله على رأس المنبر ذلك من الوقائع، ولهذا فإنه لما كان ~~القرآن مما تعم به البلوى، بمعرفته امتنع إثباته بخبر الواحد. # وأما ما ذكرتموه من الإلزامات فغير مساوية في عموم البلوى لمس الذكر، فلا ~~تكون في معناه. # والجواب عن رد أبي بكر بخبر المغيرة في الجدة، أنه لم يكن مطلقا ; ولهذا ~~عمل به لما تابعه على ذلك محمد بن مسلمة، وخبرهما غير خارج عن الآحاد. # PageV02P113 # وما ذكروه في الوجه الأول من التكذيب فإنما يصح أن لو كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم مكلفا بالإشاعة على لسان أهل التواتر، وهو غير مسلم. # قولهم إنه يلزم من عدم ذلك إبطال صلاة أكثر الخلق، لا نسلم، فإن من لم ~~يبلغه ذلك، فالنقض غير ثابت في حقه. # ولا تكليف بمعرفة ما لم يقم عليه دليل. # وما ذكروه في الوجه الثاني فإنما يلزم ms313 توفر الدواعي على نقله إن لو كان ~~لا طريق إلى إثباته سوى النقل المتواتر، وأما إذا كان طريق معرفة ذلك إنما ~~هو الظن، فخبر الواحد كاف فيه، ولهذا جاز إثباته بالقياس إجماعا، وما ~~استشهدوا به من الوقائع فغير مناظرة لما نحن فيه، إذ الطباع مما تتوفر على ~~نقلها وإشاعتها عادة، فانفراد الواحد يدل على كذبه (1) . # ثم ما ذكروه من الوجهين منتقض عليهم حيث عملوا بأخبار الآحاد فيما ذكرناه ~~من صور الإلزام ومس الذكر، وإن كان أعم في الوقوع من تلك الصور، فذلك لا ~~يخرج تلك الصورة عن كونها واقعة في عموم البلوى. # وأما القرآن فإنما امتنع إثباته بخبر الواحد، لا لأنه مما تعم به البلوى، ~~بل لأنه المعجز في إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وطريق معرفته ~~متوقف على القطع، ولذلك وجب على النبي إشاعته وإلقاؤه على عدد التواتر (2) ~~. # ولا كذلك ما نحن فيه، فإن الظن كاف فيه، ولذلك يجوز إثباته بالقياس، وما ~~عدا القرآن مما أشيع إشاعة اشترك فيها الخاص والعام، كالعبادات الخمس، ~~وأصول المعاملات كالبيع والنكاح والطلاق والعتاق، وغير ذلك من الأحكام مما ~~كان يجوز أن لا يشيع، فذلك إما بحكم الاتفاق، وإما لأنه صلى الله عليه وسلم ~~كان متعبدا بإشاعته، والله أعلم (3) . PageV02P114 ### | [المسألة السادسة إذا روى الصحابي خبرا فلا يخلو إما أن يكون مجملا أو ظاهرا أو قاطعا في متنه] # المسألة السادسة # إذا روى الصحابي خبرا، فلا يخلو إما أن يكون مجملا أو ظاهرا أو قاطعا في ~~متنه. # فإن كان مجملا مشتركا بين محامل على السوية، كلفظ القروء ونحوه، فإن حمله ~~الراوي على بعض محامله، فإن قلنا إن اللفظ المشترك ظاهر العموم في جميع ~~محامله، كما سيأتي تقريره، فهو القسم الثاني وسيأتي الكلام فيه. # وإن قلنا: بامتناع حمله على جميع محامله فلا نعرف خلافا في وجوب حمل ~~الخبر على ما حمله الراوي عليه؛ لأن الظاهر من حال النبي صلى الله عليه ~~وسلم، أنه لا ينطق باللفظ المجمل، لقصد التشريع وتعريف الأحكام، ويخليه عن ~~حالية أو مقالية ms314 تعين المقصود من الكلام. # والصحابي الراوي المشاهد للحال أعرف بذلك من غيره، فوجب الحمل عليه، ولا ~~يبعد أن يقال بأن تعيينه لا يكون حجة على غيره من المجتهدين حتى ينظر، فإن ~~انقدح له وجه يوجب تعيين غير ذلك الاحتمال، وجب عليه اتباعه، وإلا فتعيين ~~الراوي صالح للترجيح، فيجب اتباعه. # وأما إن كان اللفظ ظاهرا في معنى، وحمله الراوي على غيره، فمذهب الشافعي ~~وأبي الحسين الكرخي وأكثر الفقهاء أنه يجب الحمل على ظاهر الخبر دون تأويل ~~الراوي: ولهذا قال الشافعي كيف أترك الخبر لأقوال أقوام، لو عاصرتهم ~~لحاججتهم بالحديث؟ وذهب بعض أصحاب أبي حنيفة وغيرهم إلى وجوب العمل بمذهب ~~الراوي. # وقال القاضي عبد الجبار: إن لم يكن لمذهب الراوي وتأويله وجه، سوى علمه ~~بقصد النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك التأويل وجب المصير إليه. # وإن لم يعلم ذلك بل جوز أن يكون قد صار إليه لدليل ظهر له، من نص أو قياس ~~وجب النظر إلى ذلك الدليل، فإن كان مقتضيا لما ذهب إليه، وجب المصير إليه ~~وإلا فلا، وهذا اختيار أبي الحسين البصري. # والمختار أنه إن علم مأخذه في المخالفة، وكان ذلك مما يوجب حمل الخبر على ~~ما ذهب إليه الراوي، وجب اتباع ذلك الدليل لا لأن الراوي عمل به، فإنه ليس ~~عمل أحد المجتهدين حجة على الآخر. # PageV02P115 # وإن جهل مأخذه فالواجب العمل بظاهر اللفظ، وذلك لأن الراوي عدل، وقد جزم ~~بالرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الأصل في وجوب العمل بالخبر، ~~ومخالفة الراوي له، فيحتمل أنه كان لنسيان طرأ عليه، ويحتمل أنه كان لدليل ~~اجتهد فيه وهو مخطئ فيه، أو هو مما يقول به دون غيره من المجتهدين، كما عرف ~~من مخالفة مالك، لخبر خيار المجلس بما رآه من إجماع أهل المدينة على خلافه، ~~ويحتمل أنه علم ذلك علما لا مراء فيه، من قصد النبي له. # وإذا تردد بين هذه الاحتمالات، فالظاهر لا يترك بالشك والاحتمال، وعلى كل ~~تقدير فبمخالفته للخبر، لا يكون فاسقا، حتى يمتنع العمل بروايته، ms315 وبهذا ~~يندفع قول الخصم إنه إن أحسن الظن بالراوي وجب حمل الخبر على ما حمله عليه، ~~وإن أسيئ به الظن امتنع العمل بروايته. # وأما إن كان الخبر نصا في دلالته، غير محتمل للتأويل والمخالفة، فلا وجه ~~لمخالفة الراوي له سوى احتمال اطلاعه على ناسخ، ولعله يكون ناسخا في نظره، ~~ولا يكون ناسخا عند غيره من المجتهدين. # وما ظهر في نظره لا يكون حجة على غيره. # وإذا كان ذلك محتملا، فلا يترك النص الذي لا احتمال فيه لأمر محتمل. ### | [المسألة السابعة خبر الواحد العدل إذا ثبت أن النبي عمل بخلافه] # المسألة السابعة # خبر الواحد العدل، إذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم عمل بخلافه، فلا ~~يرد له الخبر إن لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم، داخلا تحت عمومه، أو كان ~~داخلا تحت عمومه، لكنه قام الدليل على أن ما فعله من خواصه التي لا يشاركه ~~فيها أحد، وإن لم يكن من خواصه فيجب العمل بالراجح من الفعل أو الخبر إن ~~تعذر تخصيص أحدهما بالآخر، وإن عمل بخلافه أكثر الأمة فهم بعض الأمة، فلا ~~يرد الخبر بذلك إجماعا. # وإن خالف باقي الحفاظ للراوي فيما نقله، فالمختار الوقف في ذلك نظرا إلى ~~أن تطرق السهو والخطأ إلى الجماعة، وإن كان أبعد من تطرقه إلى الواحد، غير ~~أن تطرق السهو إلى ما لم يسمع أنه سمع أبعد من تطرق السهو إلى ما سمع أنه ~~لم يسمع (1) . PageV02P116 ### | [المسألة الثامنة قبول خبر الواحد فيما يوجب الحد] # المسألة الثامنة # اتفقت الشافعية والحنابلة وأبو يوسف وأبو بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة، ~~وأكثر الناس على قبول خبر الواحد فيما يوجب الحد، وفي كل ما يسقط بالشبهة، ~~خلافا لأبي عبد الله البصري والكرخي، ودليل ذلك أنه يغلب على الظن، فوجب ~~قبوله لقوله صلى الله عليه وسلم: " «نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى ~~السرائر» " (1) ولأنه حكم يجوز إثباته بالظن، بدليل ثبوته بالشهادة، وبظاهر ~~الكتاب، فجاز إثباته بخبر الواحد كسائر الأحكام الظنية، والمسألة ظنية (2) ~~فكان الظن كافيا فيها. # وسقوطه بالشبهة ms316 لو كان لكان مانعا من الأعمال، والأصل عدم ذلك، وعلى من ~~يدعيه بيانه. # فإن قيل: خبر الواحد مما يدخله احتمال الكذب، فكان ذلك شبهة في درء الحد، ~~لقوله صلى الله عليه وسلم: ( «ادرءوا الحدود بالشبهات» ) فهو باطل بإثباته ~~بالشهادة، فإنها محتملة للكذب، ومع ذلك يثبت بها. PageV02P117 ### | [المسألة التاسعة خبر الواحد إذا خالف القياس] # المسألة التاسعة # خبر الواحد، إذا خالف القياس، فإما أن يتعارضا من كل وجه بأن يكون أحدهما ~~مثبتا لما نفاه الآخر، أو من وجه دون وجه، بأن يكون أحدهما مخصصا للآخر. # فإن كان الأول فقد قال الشافعي رضي الله عنه، وأحمد بن حنبل، والكرخي، ~~وكثير من الفقهاء: إن الخبر مقدم على القياس. # وقال أصحاب مالك: يقدم القياس، وقال عيسى (1) بن أبان: إن كان الراوي ~~ضابطا عالما غير متساهل فيما يرويه، قدم خبره على القياس، وإلا فهو موضع ~~اجتهاد. # وفصل أبو الحسين البصري، فقال: علة القياس الجامعة أن تكون منصوصة أو ~~مستنبطة، فإن كانت منصوصة، فالنص عليها إما أن يكون مقطوعا به، أو غير ~~مقطوع: فإن كان مقطوعا به، وتعذر الجمع بينهما، وجب العمل بالعلة لأن النص ~~على العلة كالنص على حكمها، وهو مقطوع به، وخبر الواحد مظنون، فكانت مقدمة. # وإن لم يكن النص على العلة مقطوعا به، ولا حكمها في الأصل مقطوعا به، ~~فيجب الرجوع إلى خبر الواحد لاستواء النصين في الظن، أو اختصاص خبر الواحد ~~بالدلالة على الحكم بصريحه من غير واسطة، بخلاف النص الدال على العلة، فإنه ~~إنما يدل على الحكم بواسطة العلة، وإن كان حكمها ثابتا قطعا، فذلك موضع ~~الاجتهاد. # وإن كانت العلة مستنبطة فحكم الأصل، إما أن يكون بخبر واحد أو بدليل ~~مقطوع به، فإن كان ثابتا بخبر واحد، فالأخذ بالخبر أولى، وإن كان قطعا، قال ~~فينبغي أن يكون هذا موضع الاختلاف بين الناس، ومختاره أنه مجتهد فيه، وقال ~~القاضي أبو بكر بالوقف. # والمختار في ذلك أن يقال: إما أن يكون متن خبر الواحد قطعيا، أو ظنيا: ~~فإن كان متنه قطعيا فعلة القياس، إما ms317 أن تكون منصوصة أو مستنبطة، فإن كانت ~~منصوصة، وقلنا إن التنصيص على علة القياس لا يخرجه عن القياس فالنص ~~PageV02P118 # الدال عليها، إما أن يكون مساويا في الدلالة لخبر الواحد، أو راجحا عليه، ~~أو مرجوحا. # فإن كان مساويا، فخبر الواحد أولى لدلالته على الحكم من غير واسطة، ~~ودلالة نص العلة على حكمها بواسطة. # وإن كان مرجوحا، فخبر الواحد أولى مع دلالته على الحكم من غير واسطة، وإن ~~كان راجحا على خبر الواحد، فوجود العلة في الفزع إما أن يكون مقطوعا به أو ~~مظنونا: فإن كان مقطوعا، فالمصير إلى القياس أولى، وإن كان وجودها فيه ~~مظنونا، فالظاهر الوقف؛ لأن نص العلة، وإن كان في دلالته على العلة راحجا، ~~غير أنه إنما يدل على الحكم بواسطة العلة، وخبر الواحد لا بواسطة، فاعتدلا. # وأما إن كانت العلة مستنبطة، فالخبر مقدم على القياس مطلقا، ودليله النص ~~والإجماع، والمعقول. # أما النص فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ حيث بعثه ~~إلى اليمن قاضيا: ( «بم تحكم؟ قال بكتاب الله، قال: فإن لم تجد قال بسنة ~~رسول الله، قال فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي، ولا آلو» . # أخر العمل بالقياس عن السنة من غير تفصيل بين المتواتر والآحاد، والنبي ~~صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك، وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول ~~الله لما يرضاه الله ورسوله» . # وإما الإجماع، فهو أن عمر رضي الله عنه، ترك القياس في الجنين لخبر حمل ~~بن مالك، وقال: " لولا هذا، لقضينا فيه برأينا ". # وأيضا ما روي عنه أنه ترك القياس، في تفريق دية الأصابع على قدر منافعها ~~بخبر الواحد الذي روى في كل إصبع عشرا من الإبل، وترك اجتهاده. # وأيضا فإنه ترك اجتهاده في منع ميراث المرأة من دية زوجها بخبر الواحد، ~~وقال: " أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا " وكان ~~ذلك مشهورا فيما بين الصحابة، ولم ينكر عليه منكر، فصار إجماعا. # PageV02P119 # وأما المعقول، فهو أن خبر الواحد راجح على القياس وأغلب على الظن، فكان ~~مقدما ms318 عليه، وبيان ذلك أن الاجتهاد في الخبر واحتمال الخطأ فيه أقل من ~~القياس ; لأن خبر الواحد لا يخرج الاجتهاد فيه عن عدالة الراوي، وعن دلالته ~~على الحكم، وعن كونه حجة معمولا بها، فهذه ثلاثة أمور. # وأما القياس، فإنه إن كان حكم أصله ثابتا بخبر الواحد، فهو مفتقر إلى ~~الاجتهاد في الأمور الثلاثة، وبتقدير أن يكون ثابتا بدليل مقطوع به، فيفتقر ~~إلى الاجتهاد في كون الحكم في الأصل مما يمكن تعليله أو لا. # وبتقدير إمكان تعليله، فيفتقر إلى الاجتهاد في إظهار وصف صالح للتعليل، ~~وبتقدير ظهور وصف صالح يفتقر إلى الاجتهاد في نفي المعارض له في الأصل. # وبتقدير سلامته عن ذلك يفتقر إلى الاجتهاد في وجوده في الفرع، وبتقدير ~~وجوده فيه، يفتقر إلى الاجتهاد في نفي المعارض في الفرع من وجود مانع أو ~~فوات شرط، وبتقدير انتفاء ذلك، يحتاج إلى النظر في كونه حجة. # فهذه سبعة أمور لا بد من النظر فيها. وما يفتقر في دلالته إلى بيان ثلاثة ~~أمور لا غير، فاحتمال الخطأ فيه يكون أقل احتمالا من احتمال الخطأ فيما ~~يفتقر في بيانه إلى سبعة أمور. فكان خبر الواحد أولى. # وربما قيل في ترجيح خبر الواحد هنا وجوه أخر واهية آثرنا الإعراض عن ~~ذكرها، لظهور فسادها بأول نظر. # فإن قيل: أما ما ذكرتموه من خبر معاذ، فقد خالفتموه فيما إذا كانت العلة ~~الجامعة في القياس مقطوعا بعليتها وبوجودها في الفرع كما تقدم. # وما ذكرتموه من الإجماع على تقديم خبر الواحد على القياس فغير مسلم، فإن ~~ابن عباس قد خالف في ذلك حيث إنه لم يقبل خبر أبي هريرة فيما رواه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من قوله: " إذا «استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في ~~الإناء حتى يغسلها ثلاثا» " لكونه مخالفا للقياس. # وأيضا فإنه رد خبر أبي هريرة في التوضي مما مست النار بالقياس، وقال: ~~ألسنا نتوضأ بماء الحميم، فكيف نتوضأ بما عنه نتوضأ؟ . # PageV02P120 # وأما ما ذكرتموه من الترجيح، فهو معارض لما يتطرق إلى الخبر من احتمال ms319 ~~كذب الراوي، وأن يكون في نفسه كافرا أو فاسقا أو مخطئا. # واحتمال الإجمال في دلالة الخبر والتجوز، والإضمار والنسخ، وكل ذلك، غير ~~متطرق إلى القياس. # وأيضا، فإن القياس يجوز به تخصيص عموم الكتاب، وهو أقوى من خبر الواحد، ~~فكان ترك خبر الواحد بالقياس أولى، وأيضا فإن الظن بالقياس يحصل للمجتهد من ~~جهة نفسه واجتهاده، والظن الحاصل من خبر الواحد يحصل له من جهة غيره، وثقة ~~الإنسان بنفسه أتم من ثقته بغيره، وأيضا فإن خبر الواحد، بتقدير إكذاب ~~المخبر لنفسه، يخرج الخبر عن كونه شرعيا، ولا كذلك القياس. # والجواب: قولهم إنكم خالفتم خبر معاذ، قلنا: غايته أنا خصصناه في صورة ~~لمعنى لم يوجد فيما نحن فيه، فبقينا عاملين بعمومه فيما عدا تلك الصورة. # قولهم: إن ابن عباس قد رد خبر أبي هريرة بالقياس فيما ذكروه، ليس كذلك، ~~أما رده لخبر غسل اليدين، فإنما يمكن الاحتجاج به، أن لو كان قد رده ~~لمخالفة القياس المقتضي لجواز غسل اليدين من ذلك الإناء، وليس كذلك. # أما أولا، فلأنا لا نسلم وجود القياس المقتضي لذلك، وبتقدير تسليمه، فهو ~~إنما رده لا للقياس، بل لأنه لا يمكن الأخذ به ; ولهذا قال ابن عباس: فماذا ~~تصنع بالمهراس. # والمهراس كان حجرا عظيما يصب فيه الماء لأجل الوضوء، فاستبعد الأخذ ~~بالخبر لاستبعاده صب الماء من المهراس على اليد. # وقد وافق ابن عباس على ما تخيله من الاستبعاد عائشة، حيث قالت: رحم الله ~~أبا هريرة لقد كان رجلا مهذارا، فماذا يصنع بالمهراس؟ (1) . # وأما تركه لخبر التوضي مما مست النار، فلم يكن بالقياس، بل بما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه «أكل كتف شاة مصلية، وصلى ولم يتوضأ» ، ثم ~~ذكر القياس بعد معارضته بالخبر. PageV02P121 # وأما ما ذكروه من ترجيحات القياس على خبر الواحد فمندفعة. # أما تطرق احتمال الكذب والفسق والخطأ إلى الراوي، وإن كان منقدحا، فمثله ~~متطرق إلى دليل حكم الأصل، إذا كان ثابتا بخبر الواحد، وهو من جملة صور ~~النزاع. # وبتقدير ثبوته بدليل مقطوع به، فلا يخفى أن ms320 تطرق ذلك إلى من ظهرت عدالته ~~وإسلامه أبعد من تطرق الخطأ إلى القياس في اجتهاده فيما ذكرناه من احتمالات ~~الخطأ في القياس، لكونه معاقبا على الكذب والكفر والفسق، بخلاف الخطأ في ~~الاجتهاد، فإنه غير معاقب عليه، بل مثاب. # وما ذكروه من تطرق التجوز والاشتراك والنسخ إلى خبر الواحد، فذلك مما لا ~~يوجب ترجيح القياس عليه، بدليل الظاهر من الكتاب والسنة المتواترة، فإن ~~جميع ذلك متطرق إليه، وهو مقدم على القياس. # قولهم: إن القياس يجوز تخصيص عموم الكتاب به، قلنا وكذلك خبر الواحد، فلا ~~ترجيح من هذه الجهة، كيف وإنه لا يلزم من تخصيص الكتاب بالقياس، مع أنه غير ~~معطل للكتاب، أن يكون معطلا لخبر الواحد بالكلية، إذ الكلام مفروض فيما إذا ~~تعارضا وتعذر الجمع بينهما. # وقولهم إن الظن من القياس يحصل له من جهة نفسه، بخلاف خبر الواحد، قلنا: ~~إلا أن تطرق الخطأ إليه أقرب من تطرقه إلى خبر الواحد لما سبق تقريره. # وقولهم إن الخبر يخرج عن كونه شرعيا بإكذاب المخبر لنفسه بخلاف القياس. # قلنا: وبتقدير الخطأ في القياس يخرج عن كونه قياسيا شرعيا فاستويا، كيف ~~وإن الترجيح للخبر من جهات أخرى غير ما ذكرناها أولا، وهو أنه مستند إلى ~~كلام المعصوم، بخلاف القياس، فإنه مستند إلى اجتهاد المجتهد وهو غير معصوم. # وأيضا فإن القياس مفتقر إلى جنس النص في إثبات حكم الأصل، وفي كونه حجة، ~~وخبر الواحد غير مفتقر إلى شرف القياس. # وأيضا فإن خبر الواحد قد يصير قطعيا بما يعتضد به من جنسه حتى يصير ~~متواترا، ولا كذلك القياس، فإنه لا ينتهي إلى القطع بما يعتضد به من جنس ~~الأقيسة أصلا، فكان أولى. # PageV02P122 # هذا كله فيما إذا تعارضا وتعذر الجمع بينهما. # وأما إن كان أحدهما أعم من الآخر، فإن كان الخبر هو الأعم، جاز أن يكون ~~القياس مخصصا له على ما سيأتي في تخصيص العموم، وإن كان القياس أعم من خبر ~~الواحد، فإن قلنا: إن العلة لا تبطل بتقدير تخصيصها وجب العمل بخبر الواحد ~~فيما دل عليه ms321 وبالقياس فيما عدا ذلك جمعا بينهما. # وإن قلنا بأن العلة تبطل بتقدير تخصيصها، فالحكم فيها على ما عرف فيما ~~إذا تعذر الجمع بين القياس وخبر الواحد. ### | [المسألة العاشرة قبول الخبر المرسل] # المسألة العاشرة. # اختلفوا في قبول الخبر المرسل وصورته، ما إذا قال من لم يلق النبي صلى ~~الله عليه وسلم وكان عدلا " قال رسول الله ". # فقبله أبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل في أشهر الروايتين عنه، وجماهير ~~المعتزلة كأبي هاشم. # وفصل عيسى بن أبان فقبل مراسيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ومن ~~هو من أئمة النقل مطلقا، دون من عدا هؤلاء. # وأما الشافعي رضي الله عنه، فإنه قال: إن كان المرسل من مراسيل الصحابة ~~أو مرسلا قد أسنده غير مرسله أو أرسله راو آخر يروي عن غير شيوخ الأول، أو ~~عضده قول صحابي، أو قول أكثر أهل العلم، أو أن يكون المرسل قد عرف من حاله ~~أنه لا يرسل عمن فيه علة من جهالة أو غيرها، كمراسيل ابن المسيب، فهو مقبول ~~وإلا فلا. # ووافقه على ذلك أكثر أصحابه، والقاضي أبو بكر (1) وجماعة من الفقهاء. # والمختار قبول مراسيل العدل مطلقا، ودليله الإجماع والمعقول، أما الإجماع ~~فهو أن الصحابة والتابعين أجمعوا على قبول المراسيل من العدل: PageV02P123 # أما الصحابة فإنهم قبلوا أخبار عبد الله بن عباس مع كثرة روايته. # وقد قيل إنه لم يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سوى أربعة أحاديث، ~~لصغر سنه (1) . # ولما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إنما الربا في النسيئة» ، وأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «لم يزل يلبي حتى رمى حجر العقبة» . # قال في الخبر الأول، لما روجع فيه: أخبرني به أسامة بن زيد، وقال في ~~الخبر الثاني: أخبرني به أخي الفضل بن عباس (2) . # وأيضا ما روى ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " «من ~~صلى على جنازة، فله قيراط» " وأسنده بعد ذلك إلى أبي هريرة. # وأيضا ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " «من ~~أصبح جنبا ms322 في رمضان فلا صوم له " وقال: ما أنا قلته، ورب الكعبة، ولكن ~~محمدا قاله» ، فلما روجع فيه، قال: حدثني به الفضل بن عباس. # وأيضا ما روي عن البراء بن عازب، أنه قال: ما كل ما نحدثكم به سمعناه من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم، ولكن سمعنا بعضه، وحدثنا أصحابنا ببعضه. # وأما التابعون فقد كان من عادتهم إرسال الأخبار، ويدل على ذلك ما روي عن ~~الأعمش أنه قال: قلت لإبراهيم النخعي إذا حدثتني فأسند، فقال: إذا قلت لك ~~حدثني فلان عن عبد الله فهو الذي حدثني، وإذا قلت لك حدثني عبد الله، فقد ~~حدثني جماعة عنه، وأيضا ما روي عن الحسن أنه روى حديثا، فلما روجع فيه قال: ~~(أخبرني به سبعون بدريا، ويدل على ذلك ما اشتهر من إرسال ابن المسيب ~~والشعبي وغيرهما، ولم يزل ذلك مشهورا فيما بين الصحابة والتابعين من غير ~~نكير، فكان إجماعا (3) . PageV02P124 # وأما المعقول فهو أن العدل الثقة إذا قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كذا، مظهرا للجزم بذلك، فالظاهر من حاله أنه لا يستجيز ذلك إلا وهو ~~عالم أو ظان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك. # فإنه لو كان ظانا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله، أو كان شاكا فيه، ~~لما استجاز في دينه النقل الجازم عنه، لما فيه من الكذب والتدليس على ~~المستمعين، وذلك يستلزم تعديل من روي عنه، وإلا لما كان عالما ولا ظانا ~~بصدقه في خبره (1) . # فإن قيل لا نسلم الإجماع، ودليله من جهة الإجمال والتفصيل: أما الإجمال ~~فهو أن المسألة اجتهادية، والإجماع قاطع، فلا يساعد في مسائل الاجتهاد. # وأما من جهة التفصيل فهو أن غاية ما ذكر مصير بعض الصحابة أو التابعين ~~إلى الإرسال، وليس في ذلك ما يدل على إجماع الكل. # قولكم: لم ينكر ذلك منكر لا نسلم ذلك، ولهذا باحثوا ابن عباس وابن عمر ~~وأبا هريرة في ذلك حتى أسند كل واحد ما أخبر به. # وقال ابن سيرين: لا نأخذ بمراسيل الحسن وأبي ms323 العالية، وإن سلمنا عدم ~~النكير، فغايته أنهم سكتوا، والسكوت لا يدل على الموافقة لما سبق تقريره في ~~مسائل الإجماع، سلمنا الموافقة، غير أن الإرسال المحتج بوقوعه، إنما وقع من ~~الصحابة والتابعين، ونحن نقول بذلك ; لأن الصحابي والتابعي إنما يروي عن ~~الصحابي، والصحابة عدول على ما سبق تحقيقه. PageV02P125 # وأما ما ذكرتموه من المعقول فلا نسلم أن قول الراوي: " قال رسول الله " ~~تعديل للمروي عنه، وذلك لأنه قد يروي الشخص عمن لو سئل عنه، لجرحه، أو توقف ~~فيه، فالراوي ساكت عن التعديل والجرح، والسكوت عن الجرح لا يكون تعديلا، ~~وإلا كان السكوت عن التعديل جرحا ; ولهذا فإن شاهد الفرع لو أرسل شهادة ~~الأصل، فإنه لا يكون تعديلا لشاهد الأصل، لما ذكرناه. # قولكم: لو لم يكن ظانا لعدالة المروي عنه، أو عالما بها، لما جاز له أن ~~يجزم بالرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، قلنا: قد بينا إمكان الرواية ~~عن الكاذب، والجزم بالرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، مع تجويز كذب ~~الراوي، وذلك قادح في الرواية، عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وإذا تعذر الجزم، فليس حمل قوله: (قال) على معنى (أظن أنه قال) أولى من ~~حمله على (أني سمعت أنه قال) ولو حمل على (أني سمعت أنه قال) لم يكن ذلك ~~تعديلا، وعلى هذا فلا يكون بروايته مدلسا ولا ملبسا. # سلمنا أن الإرسال تعديل للمروي عنه، ولكن لا نسلم أن مطلق التعديل مع قطع ~~النظر عن ذكر أسباب العدالة كاف في التعديل كما سبق. # سلمنا أن مطلق التعديل كاف، لكن إذا عين المروي عنه، ولم يعرف بفسق، وأما ~~إذا لم يعينه، فلعله اعتقده عدلا في نظره، ولو عينه لعرفنا فيه فسقا لم ~~يطلع المعدل عليه، ولهذا لم يقبل تعديل شاهد الفرع لشاهد الأصل مع عدم ~~تعيينه. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على التعديل، لكنه معارض بما يدل على عدم ~~التعديل، وبيانه من ستة أوجه. # الأول أن الجهالة بعين الراوي آكد من الجهل بصفته، وذلك لأن من جهلت ذاته ~~فقد جهلت صفته، ms324 ولا كذلك بالعكس، ولو كان معلوم العين، مجهول الصفة، لم يكن ~~خبره مقبولا، فإذا كان مجهول العين والصفة، أولى أن لا يكون خبره مقبولا. # الثاني: أن من شرط قبول الرواية المعرفة بعدالة الراوي، والمرسل لا يعرف ~~عدالة الراوي له، فلا يكون خبره مقبولا لفوات الشرط. # الثالث: هو أن الخبر كالشهادة في اعتبار العدالة، وقد ثبت أن الإرسال في ~~الشهادة مانع من قبولها فكذلك الخبر. # PageV02P126 # الرابع: أنه لو جاز العمل بالمراسيل، لم يكن لذكر أسماء الرواة والبحث عن ~~عدالتهم معنى. # الخامس: أنه لو وجب العمل بالمراسيل لزم في عصرنا هذا أن يعمل بقول ~~الإنسان: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا " وإن لم يذكر الرواة، ~~وهو ممتنع. # السادس: أن الخبر خبران: تواتر وآحاد، ولو قال الراوي " أخبرني من لا ~~أحصيهم عددا " لا يقبل قوله في التواتر، فكذلك في الآحاد. # والجواب قولهم: الإجماع لا يساعد في مسائل الاجتهاد، قلنا: الذي لا يساعد ~~إنما هو الإجماع القاطع في متنه وسنده، وما ذكرناه من الإجماع السكوتي ~~فظني، فلا يمتنع التمسك به في مسائل الاجتهاد كالظاهر من الكتاب والسنة. # قولهم: لا نسلم عدم الإنكار، قلنا: الأصل عدمه. # قولهم: إنهم باحثوا ابن عباس وابن عمر وأبا هريرة، قلنا: المراجعة في ذلك ~~لا تدل على إنكار الإرسال (1) بل غايته طلب زيادة علم لم تكن حاصلة ~~بالإرسال، وقول ابن سيرين ليس إنكارا للإرسال مطلقا، بل إرسال الحسن وأبي ~~العالية لا غير لظنه أنهما لم يلتزما في ذلك تعديل المروي عنه (2) . # ولهذا قال فإنهما لا يباليان عمن أخذا الحديث منه، لا على الإرسال. # قولهم: السكوت لا يدل على الموافقة، قلنا: وإن لم يدل عليها قطعا فهو ~~دليل عليها ظنا، كما سبق تقريره في الإجماع (3) . # قولهم: نحن لا ننكر أن إرسال الصحابة والتابعين حجة، قلنا: إنما يصح ذلك، ~~أن لو كانوا لا يروون إلا عن الصحابي العدل، وليس كذلك. # ولهذا قال الزهري بعد الإرسال حدثني به رجل على باب عبد الملك، وقال عروة ~~بن الزبير فيما أرسله حدثني به ms325 بعض الحرسية. PageV02P127 # قولهم لا نسلم أن قول الراوي " قال رسول الله " تعديل للمروي عنه، قلنا ~~دليله ما سبق. # قولهم: إن الراوي قد يروي عمن لو سئل عنه لجرحه أو عدله، قلنا: ذلك إنما ~~يكون فيما إذا كان قد عين الراوي، ووكل النظر فيه إلى المجتهدين، ولم يجزم ~~بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا، بل غايته أنه قال قال فلان إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال كذا، وأما إذا لم يعين، فالظاهر أنه لا يجزم بقوله ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد علم أو ظن عدالة الراوي على ما سبق ~~(1) . # وأما إرسال الشهادة فلا يلزم من عدم قبولها عدم قبول الإرسال في الرواية؛ ~~لأن الشهادة قد اعتبر فيها من الاحتياط ما لم يعتبر في الرواية كما سبق ~~تقريره. # قولهم: إن الجزم مع تجويز كذب من روي عنه كذب، قلنا: إنما يكون كذبا، إن ~~لو ظن أو علم أنه كاذب، وأما إذا قال ذلك مع ظن الصدق، فلا يكون كاذبا، وإن ~~احتمل في نفس الأمر أن يكون المروي عنه كاذبا، كما لو قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - مع العنعنة. # قولهم: سلمنا أن الإرسال من الراوي تعديل للمروي عنه، لكنه تعديل مطلق ~~فلا يكون حجة موجبة للعمل به على الغير، قلنا: قد بينا أن التعديل المطلق ~~دون تعيين سببه كاف فيما تقدم (2) . # قولهم لعله: اعتقده عدلا ولو عينه لعرفنا فيه فسقا لم يعرفه المعدل، ~~قلنا: وإن كان ذلك محتملا، غير أن الظاهر عدمه (3) ولا سيما مع تعديل العدل ~~العالم بأحوال الجرح والتعديل، وعدم الظفر بما يوجب الجرح. # وأما اعتبار الرواية بالشهادة، فقد عرف وجه الفارق فيهما، وما ذكروه من ~~المعارضة الأولى، فإنما يصح أن لو كان يلزم من الجهل بعين الراوي، الجهل ~~بصفته مطلقا، وليس كذلك مما بيناه من أن الإرسال يدل على تعديله من جهة ~~الجملة، وإن جهلت عينه PageV02P128 # وبهذا يبطل ما ذكروه من المعارضة الثانية. # وأما المعارضة الثالثة، فقد عرف جوابها بالفرق بين ms326 الرواية والشهادة. # وأما المعارضة الرابعة، فجوابها ببيان فائدة ذكر الراوي، وذلك من وجهين: ~~الأول: أن الراوي قد يشتبه عليه حال المروي عنه، فيعينه ليكل النظر في أمره ~~إلى المجتهد، بخلاف ما إذا أرسل. # الثاني: أنه إذا عين الراوي، فالظن الحاصل للمجتهد بفحصه بنفسه عن حاله ~~يكون أقوى من الظن الحاصل له بفحص غيره. # وأما المعارضة الخامسة فمندفعة أيضا، فإنه مهما كان المرسل للخبر في ~~زماننا عدلا، ولم يكذبه الحفاظ، فهو حجة. # وأما المعارضة السادسة، فإنما لم يصر الخبر بقول الواحد متواترا ; لأن ~~المتواتر يشترط فيه استواء طرفيه ووسطه، والواحد ليس كذلك، فلا يحصل بخبره ~~التواتر. # وإذا عرف أن المرسل مقبول من العدل، فمن لم يقل به كالشافعي، فقد قيل إنه ~~لا معنى لقوله إنه يكون مقبولا إذا أسنده غير المرسل أو أسنده المرسل مرة ; ~~لأن الاعتماد في ذلك إنما هو على الإسناد، لا على الإرسال ولا معنى لقوله: ~~إنه يكون مقبولا إذا أرسله اثنان، وكانت مشايخهما مختلفة ; لأن ضم الباطل ~~إلى الباطل غير موجب للقبول، وليس بحق ; لأن الظن الحاصل بصدق الراوي من ~~الإرسال مع هذه الأمور أقوى منه عند عدمها. # وعلى هذا، فلا يلزم من عدم الاحتجاج بأضعف الظنين عدم الاحتجاج بأقواهما، ~~وإذا عرف الخبر المقبول وغير المقبول، فإذا تعارض خبران مقبولان، فالعمل ~~بأحدهما يتوقف على الترجيح. وسيأتي في قاعدة الترجيحات بأقصى الممكن إن شاء ~~الله تعالى. # PageV02P129 ### | [النوع الثاني فيما يتعلق في المتن] ### | [الباب الأول فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والإجماع] ### | [الصنف الأول في الأمر] ### | [البحث الأول فيما يطلق عليه اسم الأمر حقيقة] # النوع الثاني # فيما يتعلق في المتن وفيه بابان، أولهما فيما يشترك فيه الكتاب والسنة ~~والإجماع، وثانيهما فيما يشترك فيه الكتاب والسنة دون ما عداهما من الأدلة. # الباب الأول # فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والإجماع # وكل واحد من هذه الأصول الثلاثة، إما أن يدل على المطلوب بمنظومه، أو لا ~~بمنظومه، فلنفرض في كل واحد منها قسما # القسم الأول # في دلالات المنظوم، وهي تسعة أصناف # الصنف الأول - في ms327 الأمر وفيه أربعة أبحاث # أولهما: فيما يدل اسم الأمر عليه حقيقة. # وثانيها: في حد الأمر الحقيقي. # وثالثها: في صيغة الأمر الدالة عليه، ورابعها: في مقتضاه. # البحث الأول: فيما يطلق عليه اسم الأمر حقيقة. # فنقول: اتفق الأصوليون على أن اسم الأمر حقيقة في القول المخصوص، وهو قسم ~~من أقسام الكلام، ولذلك قسمت العرب الكلام إلى أمر ونهي، وخبر واستخبار، ~~ووعد ووعيد ونداء، وسواء قلنا إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، أو ~~العبارة الدالة بالوضع والاصطلاح، على اختلاف المذاهب (1) والكلام القديم ~~النفساني عندنا (2) وإن كان صفة واحدة لا تعدد فيه في ذاته، غير أنه يسمى ~~أمرا PageV02P130 # ونهيا وخبرا إلى غير ذلك من أقسام الكلام، بسبب اختلاف تعلقاته، ~~ومتعلقاته، كما سبق تقريره (1) في (أبكار الأفكار) فلا يمتنع أن يكون الأمر ~~قسما من أقسامه بهذا التفسير، وإنما وقع الخلاف بينهم في إطلاق اسم الأمر ~~على الفعل، هل هو حقيقة أو لا؟ والأكثرون على أنه مجاز، واختيار أبي الحسين ~~البصري أنه مشترك بين الشيء والصفة، وبين جملة الشأن والطرائق، ووافق على ~~أنه ليس حقيقة في نفس الفعل، من حيث هو فعل، بل من حيث هو شيء. # وها نحن نذكر حجج كل فريق وننبه على ما فيها، ونذكر بعد ذلك ما هو ~~المختار، أما حجة أبي الحسين البصري على ما ذهب إليه أن الإنسان إذا قال ~~(هذا أمر) لم يدر السامع مراده من قوله إلا بقرينة وهو غير صحيح، لكونه ~~مصادرا (2) بدعوى التردد في إطلاق اسم الأمر، ولا يخفى ظهور المنع من مدعي ~~الحقيقة في القول المخصوص، وأنه مهما أطلق اسم الأمر عنده كان المتبادر إلى ~~فهمه القول المخصوص، وأنه لا ينصرف إلى غيره إلا بقرينة ولا يخفى امتناع ~~تقرير التردد مع هذا المنع. # وأما حجج القائلين بكونه مجازا في الفعل فكثيرة. # الأولى منها: أنه لو كان حقيقة في الفعل مع كونه حقيقة في القول لزم منه ~~الاشتراك في اللفظ، وهو خلاف الأصل، لكونه مخلا بالتفاهم لاحتياجه في فهم ~~المدلول المعين منه إلى قرينة، وعلى تقدير ms328 خفائها، لا يحصل المقصود من ~~الكلام. # الثانية، أنه لو كان حقيقة في الفعل لاطرد في كل فعل، إذ هو لازم ~~الحقيقة، ولهذا فإنه لما كان إطلاق اسم العالم على من قام به العلم حقيقة، ~~اطرد في كل من قام به العلم، ولما كان قوله: {واسأل القرية} مجازا عن ~~أهلها، لما بينهما من المجاورة، لم يصح التجوز بلفظ السؤال للبساط والكوز ~~عن صاحبه، وإن كانت الملازمة بينهما أشد، وهو غير مطرد، إذ لا يقال للأكل ~~والشرب أمر. # الثالثة، أنه لو كان حقيقة في الفعل، لاشتق لمن قام به منه اسم الأمر، ~~كما في القول المخصوص، إذ هو الأصل إلا أن يمنع مانع من جهة أهل اللغة ~~PageV02P131 # كما اشتقوا اسم القارورة للزجاجة المخصوصة، من قرار المائع فيها، ومنعوا ~~من ذلك في الجرة والكوز ولم يرد مثله فيما نحن فيه. # الرابعة: أن جمع الأمر الحقيقي في القول المخصوص بأوامر، وهو لازم له ~~لنفس الأمر لا للمسمى، وهو غير متحقق في الفعل، بل إن جمع فإنما يجمع ~~بأمور. # الخامسة: أن الأمر الحقيقي له متعلق، وهو المأمور، وهو غير متحقق في ~~الفعل، فإنه وإن سمي أمرا، فلا يقال له مأمور، ويلزم من انتفاء اللازم ~~انتفاء الملزوم. # السادسة: أن من لوازم الأمر الحقيقي، وصفه بكونه مطاعا أو مخالفا، ولا ~~كذلك الفعل، وفي هذه الحجج نظر. # أما الأولى: فلقائل أن يقول: لا نسلم أنه يلزم من كونه حقيقة في الفعل، ~~أن يكون مشتركا (1) إذا أمكن أن يكون حقيقة فيهما باعتبار معنى مشترك بين ~~القول المخصوص، والفعل، فيكون متواطئا (2) . # فإن قيل: الأصل عدم ذلك المسمى المشترك، فلا تواطؤ، قيل: لا خفاء ~~باشتراكهما في صفات، وافتراقهما في صفات، فأمكن أن يكون بعض الصفات ~~المشتركة هو المسمى، كيف وإن الأصل أن لا يكون اللفظ مشتركا ولا مجازا، لما ~~فيه من الافتقار إلى القرينة المخلة بالتفاهم، وليس أحد الأمرين (3) أولى ~~من الآخر. # فإن قيل: ما وقع به الاشتراك (4) لا يخرج عن الموجود والصفة والشبيه (5) ~~وغير ذلك، وأي أمر قدر الاشتراك فيه، ms329 فهو متحقق في النهي وسائر أقسام ~~الكلام، ولا يسمى أمرا. # والقول (6) بأنه متواطئ ممتنع، كيف وإن القائل قائلان، قائل إنه مشترك ~~(7) وقائل إنه مجاز في الفعل، فإحداث قول ثالث (8) يكون خرقا للإجماع وهو ~~ممتنع. PageV02P132 # قلنا: أما الأول فغير صحيح، وذلك أن مسمى اسم الأمر إنما هو الشأن ~~والصفة، وكل ما صدق عليه ذلك كان نهيا أو غيره، فإنه يسمى أمرا حقيقة. # وعلى هذا فقد اندفع ما ذكروه من خرق الإجماع (1) فإن ما ذكرناه من جعل ~~الشأن والصفة، مدلولا لاسم الأمر، فمن جملة ما قيل وإن سلمنا (2) أن ذلك ~~يفضي إلى الاشتراك، ولكن لم قيل بامتناعه. # والقول بأنه مجاز مخل بالتفاهم (3) لافتقاره إلى القرينة وإنما يصح أن لو ~~لم يكن اللفظ المشترك عند إطلاقه محمولا على جميع محامله، وليس كذلك على ما ~~سيأتي تقديره في مذهب الشافعي والقاضي أبي بكر، سلمنا أنه خلاف الأصل، وليس ~~أحد الأمرين (4) أولى من الآخر. # فإن قيل: إلا أن محذور الاشتراك أعظم من محذور التجوز، فكان المجاز أولى، ~~وبيانه من جهة الإجمال والتفصيل، أما الإجمال فهو أن المجاز أغلب في لغة ~~العرب من الاشتراك (5) ولولا أنه أوفى بتحصيل مقصود الوضع، لما كان كذلك، ~~وأما التفصيل فمن وجهين. # الأول: أن المحذور اللازم من الاشتراك بافتقاره إلى القرينة لازم له ~~أبدا، بخلاف المجاز: فإن المحذور إنما يلزمه بتقدير إرادة جهة المجاز، وهو ~~احتمال نادر، إذ الغالب إنما هو إرادة جهة الحقيقة. # الثاني: أن المحذور لازم في المشترك في كل محمل من محامله، لافتقاره إلى ~~القرينة في كل واحد منها، بخلاف المجاز، فإنه إنما يفتقر إلى القرينة ~~بتقدير إرادة جهة المجاز، لا بتقدير إرادة جهة الحقيقة، قيل هذا معارض (6) ~~من عشرة أوجه، PageV02P133 # الأول: أن المشترك لكونه حقيقة في كل واحد من مسمياته مما يطرد، بخلاف ~~المجاز كما سبق، وما يطرد أولى لقلة اضطرابه. # الثاني: أنه يصح منه الاشتقاق، لكونه حقيقة بخلاف المجاز، فكان أوسع في ~~اللغة وأكثر فائدة. # الثالث: أنه لكونه حقيقيا، مما يصح التجوز به في غير محله ms330 الحقيقي، بخلاف ~~المجاز، فكان أولى لكثرة فائدته. # الرابع: أنه وإن افتقر إلى قرينة، لكن يكفي أن يكون أدنى ما يغلب على ~~الظن، بخلاف المجاز، لافتقاره إلى مغلبة على الظن، وأن تكون راجحة على جهة ~~ظهور اللفظ في حقيقته، فكان تمكن الخلل معه لذلك أكثر. # الخامس: أن المجاز لا بد فيه من علاقة بينه وبين محل الحقيقة، تكون مصححة ~~للتجوز باللفظ، على ما سلف، بخلاف المشترك. # السادس: أن المجاز لا يتم فهمه دون فهم محل الحقيقة ضرورة كونه مستعارا ~~منه، وفهم كل واحد من مدلولات اللفظ المشترك غير متوقف على فهم غيره، فكان ~~أولى. # السابع: أن المجاز متوقف على تصرف من قبلنا في تحقيق العلاقة التي هي شرط ~~في التجوز، وربما وقع الخطأ فيه: بخلاف اللفظ المشترك. # الثامن: أنه يلزم من العمل باللفظ في جهة المجاز مخالفة الظهور في جهة ~~الحقيقة، بخلاف اللفظ المشترك، إذ لا يلزم من العمل به في أحد مدلوليه ~~مخالفة ظاهر أصلا. # التاسع: أن المجاز تابع للحقيقة ولا عكس، فكان المشترك أولى. # العاشر: أن السامع للمجاز بتقدير عدم معرفته بالقرينة الصارفة إلى ~~المجاز، إذا كان هو مراد المتكلم فقد يبادر إلى العمل بالحقيقة، ويلزم منه ~~ترك المراد وفعل ما ليس بمراد، بخلاف المشترك، فإنه بتقدير عدم ظهور ~~القرينة مطلقا، لا يفعل شيئا فلا يلزم سوى عدم المقصود. # فإن قيل إلا أن المجاز يتعلق به فوائد، فإنه ربما كان أبلغ وأوجز وأوفق ~~في بديع الكلام ونظمه ونثره للسجع والمطابقة والمجانسة واتحاد الروي في ~~الشعر، إلى غير ذلك. # PageV02P134 # قلنا: ومثل هذا أيضا منقدح في اللفظ المشترك مع كونه حقيقة، فكان اللفظ ~~المشترك أولى، وإن لم يكن أولى فلا أقل من المساواة، وهي كافية في مقام ~~المعارضة (1) . # وأما الحجة الثانية، فلا نسلم امتناع إطلاق الأمر على الأكل والشرب، وإن ~~سلم ذلك فعدم اطراده في كل فعل إن كان مما يمنع من كونه حقيقة في بعض ~~الأفعال فعدم اطراده في كل قول مما يمنع كونه حقيقة في القول المخصوص، وهو ~~غير ms331 مطرد في كل قول على ما لا يخفى (2) ، وإن كان لا يمنع من ذلك في القول ~~فكذلك في الفعل. # فإن قيل: إنما يجب اطراد الاسم في المعنى الذي كان الاسم حقيقة فيه، لا ~~في غيره، والأمر إنما كان حقيقة في القول المخصوص، لا في مطلق قول، وهو ~~مطرد في ذلك القول، فمثله (3) لازم في الأفعال، إذ للخصم أن يقول إنما هو ~~حقيقة في بعض الأفعال، لا في كل فعل. # أما الحجة الثالثة: أنه لو كان الأصل في الحقائق الاشتقاق لكان المنع من ~~اشتقاق اسم القارورة للجرة والكوز من قرار المائع فيها على خلاف الأصل. # فإن قيل: ولو لم يكن على وفق الأصل لكان الاشتقاق في صور الاشتقاق على ~~خلاف الأصل، والمحذور اللازم منه أكثر ; لأن صور الاشتقاق أغلب وأكثر من ~~صور عدم الاشتقاق. # قيل لا يلزم من عدم الأصالة في الاشتقاق أن يكون الاشتقاق على خلاف الأصل ~~لجواز أن يكون الاشتقاق وعدمه لا على وفق أصل فيقتضيه، بل هما تابعان للنقل ~~والوضع. # كيف وإنه إذا جاز أن يكون الاشتقاق من توابع الحقيقة جاز أن يكون من ~~توابع بعض المسميات، وليس أحد الأمرين أولى من الآخر، وعلى هذا فلا يلزم من ~~الاشتقاق في بعض المسميات الاشتقاق في غيره؛ لعدم الاشتراك في ذلك المسمى. ~~PageV02P135 # وبهذا يندفع ما ذكروه من الحجة الرابعة، والخامسة، والسادسة. # كيف وقد قيل في الحجة الرابعة إن (أوامر) ليست جمع (أمر) بل جمع (أمره) ~~وأما القائلون بكونه مشتركا بين القول المخصوص والفعل، فقد احتجوا بثلاث ~~حجج. # الأولى: أن المسمى في نفسه مختلف، وكما قد أطلق اسم الأمر على القول ~~المخصوص، فقد أطلق على الفعل، والأصل في الإطلاق الحقيقة، ويدل على الإطلاق ~~قول العرب: أمر فلان مستقيم، أي عمله، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وما ~~أمرنا إلا واحدة} أي فعلنا {وما أمر فرعون برشيد} . # الحجة الثانية: أن اسم الأمر في الفعل قد جمع بأمور والجمع علامة ~~الحقيقة. # والحجة الثالثة: أنه لو كان اسم الأمر في الفعل مجازا لم يخل: إما أن ms332 ~~يكون مجازا بالزيادة أو بالنقصان، أو لمشابهته لمحل الحقيقة، أو لمجاور له، ~~أو لأنه كان عليه أو سيؤول إليه، ولم يتحقق شيء من ذلك في الفعل، وإذا لم ~~يكن مجازا كان حقيقة، وهذه الحجج ضعيفة أيضا. # أما الحجة الأولى: فلقائل أن يقول لا نسلم صحة إطلاق اسم الأمر على ~~الفعل، وقولهم (أمر فلان مستقيم) ليس مسماه الفعل، بل شأنه، وصفته وهو ~~المراد من قوله تعالى: {وما أمرنا إلا واحدة} ، ومن قوله: {وما أمر فرعون ~~برشيد} . # وأما الحجة الثانية، فلا نسلم أن الجمع دليل الحقيقة، بدليل قولهم في جمع ~~من سمي (حمارا) لبلادته (حمر) وهو مجاز، وإن سلمنا بأن الجمع يدل على ~~الحقيقة، ولكن لا نسلم أن (أمور) جمع (أمر) بل الأمر والأمور كل واحد منهما ~~يقع موقع الآخر وليس أحدهما جمعا للآخر. # ولهذا يقال (أمر فلان مستقيم) فيفهم منه ما يفهم من قولهم (أمور فلان ~~مستقيمة) . # وأما الحجة الثالثة: فهو أنه لا يلزم من كون الأمر ليس مجازا في الفعل أن ~~يكون حقيقة فيه من حيث هو فعل، وإنما هو حقيقة فيه من جهة ما اشتمل عليه من ~~معنى الشأن والصفة كما سبق. # PageV02P136 # وعلى هذا، فالمختار إنما هو كون اسم الأمر متواطئا في القول المخصوص ~~والفعل، لا أنه مشترك (1) ولا مجاز في أحدهما. ### | [البحث الثاني في حد الأمر] # وقد اختلفت المعتزلة فيه بناء على إنكارهم لكلام النفس، فذهب البلخي ~~وأكثر المعتزلة إلى أن الأمر هو قول القائل لمن دونه (افعل) أو ما يقوم ~~مقامه. # وأراد بقوله (يقوم مقامه) أي في الدلالة على مدلوله، وقصد بذلك إدراج ~~صيغة الأمر من غير العربي في الحد، وهو فاسد من ثلاثة أوجه. # الأول: أن مثل ذلك قد يوجد فيما ليس بأمر بالاتفاق (2) كالتهديد في قوله ~~تعالى: {اعملوا ما شئتم} ، والإباحة في قوله: {وإذا حللتم فاصطادوا} ، ~~والإرشاد في قوله: {فاستشهدوا} ، والامتنان كقوله: {كلوا مما رزقكم الله} ، ~~والإكرام كقوله: {ادخلوها بسلام آمنين} ، والتسخير، والتعجيز، إلى غير ذلك ~~من المحامل التي يأتي ذكرها. # الثاني: أنه يلزم من ms333 ذلك، أن تكون صيغة (افعل) الواردة من النبي صلى الله ~~عليه وسلم نحونا، أمرا حقيقة لتحقق ما ذكروه من شروط الأمر فيها، ويلزم من ~~ذلك أن يكون هو الآمر لنا بها، ويخرج بذلك عن كونه رسولا، لأنه لا معنى ~~للرسول غير المبلغ لكلام المرسل، لا أن يكون هو الآمر والناهي، كالسيد إذا ~~أمر عبده، وسواء كانت صيغته مخلوقة له، كما هو مذهبهم، أو لله تعالى كما هو ~~مذهبنا (3) . # الثالث: أنه قد يرد مثل هذه الصيغة من الأعلى نحو الأدنى ولا يكون أمرا، ~~بأن يكون ذلك على سبيل التضرع والخضوع، وقد يرد من الأدنى نحو الأعلى إذا ~~كانت على سبيل الاستعلاء لا على سبيل الخضوع والتذلل، ولذلك يوصف قائلها ~~بالجهل والحمق بأمره لمن هو أعلى رتبة منه. # ومنهم من قال، الأمر صيغة (افعل) على تجردها من القرائن الصارفة لها عن ~~جهة الأمر إلى التهديد، وما عداه من المحامل. PageV02P137 # وهو أيضا فاسد من حيث إنه أخذ الأمر في تعريف الأمر، وتعريف الشيء بنفسه ~~محال، وإن اقتصروا في التحديد على القول بأن الأمر صيغة (افعل) المجردة عن ~~القرائن لا غير، وزعموا أن صيغة (افعل) فيما ليس بأمر لا تكون مجردة عن ~~القرائن، فليس ما ذكروه أولى من قول القائل، التهديد عبارة عن صيغة (افعل) ~~المجردة عن القرائن، إلا أن يدل عليه دليل من جهة السمع، وهو غير متحقق. # ومنهم من قال، الأمر صيغة (افعل) بشرط إرادات ثلاث، إرادة إحداث الصيغة، ~~وإرادة الدلالة بها على الأمر، وإرادة الامتثال، فإرادة إحداث الصيغة ~~احتراز عن النائم إذا وجدت هذه الصيغة منه، وإرادة الدلالة بها على الأمر ~~احتراز عما إذا أريد بها التهديد أو ما سواه من المحامل، وإرادة الامتثال ~~احتراز عن الرسول الحاكي المبلغ، فإنه وإن أراد إحداث الصيغة والدلالة بها ~~على الأمر، فقد لا يريد بها الامتثال. # وهو أيضا فاسد من وجهين. # الأول: أنه أخذ الأمر في حد الأمر، وتعريف الشيء بنفسه محال ممتنع. # الثاني: هو أن الأمر الذي هو مدلول الصيغة إما أن يكون ms334 هو الصيغة أو غير ~~الصيغة، فإن كان هو نفس الصيغة، كان الكلام متهافتا من حيث إن حاصله يرجع ~~إلى أن الصيغة دالة على الصيغة، والدال غير المدلول. # وإن كان هو غير الصيغة، فيمتنع أن يكون الأمر هو الصيغة، وقد قال بأن ~~الأمر هو الصيغة (افعل) بشرط الدلالة على الأمر، فإن الشرط غير المشروط، ~~وإذا كان الأمر غير الصيغة فلا بد من تعريفه والكشف عنه، إذ هو المقصود في ~~هذا المقام. # ولما انحسمت عليهم طرق التعريف قال قائلون منهم: الأمر هو إرادة الفعل، ~~وقد احتج الأصحاب على إبطاله بأن السيد المعاتب من جهة السلطان على ضرب ~~عبده، إذا اعتذر عن ذلك قصد إظهار أمره، وأمره بين يدي السلطان قصدا لإظهار ~~مخالفته لبسط عذره، والخلاص من عقاب السلطان له، فإنه يعد آمرا، والعبد ~~مأمورا، ومطيعا بتقدير الامتثال، وعاصيا بتقدير المخالفة، مع علمنا بأنه لا ~~يريد منه الامتثال لما فيه من ظهور كذبه، وتحقيق عقاب السلطان له. والعاقل ~~لا يقصد ذلك، غير أن مثل هذا لازم على أصحابنا # PageV02P138 # إن كان صحيحا في تفسيرهم الأمر، بطلب الفعل، من جهة أن السيد أيضا آمر في ~~مثل هذه الصورة لعبده، مع علمنا بأنه يستحيل منه طلب الفعل من عبده، لما ~~فيه من تحقيق عقابه وكذبه، والعاقل لا يطلب ما فيه مضرته وإظهار كذبه. وعند ~~ذلك فما هو جواب أصحابنا في تفسير الأمر بالطلب يكون جوابا للخصم في تفسيره ~~بالإرادة. # وإن زعم بعض أصحابنا أن الأمر ليس هو الطلب، بل الإخبار باستحقاق الثواب ~~على الفعل، فيلزمه أن يكون الآمر لعبده مما يصح تصديقه وتكذيبه في أمره ~~لعبده ضرورة كون الأمر خبرا وهو ممتنع. # كيف وإنه على خلاف تقسيم أهل اللغة الكلام، إلى أمر وخبر. # والحق في ذلك أن يقال، أجمع المسلمون من غير مخالفة من الخصوم، على أن من ~~علم الله تعالى أنه يموت على كفره أنه مأمور بالإيمان، وليس الإيمان منه ~~مراد الله تعالى (1) لأنه، لا معنى لكونه مراد الله تعالى سوى تعلق الإرادة ~~به، ولا ms335 معنى لتعلق الإرادة بالفعل سوى تخصيصها له بحالة حدوثه، فلا يعقل ~~تعلقها به دون تخصيصها له بحالة حدوثه، وما لم يوجد لم تكن الإرادة مخصصة ~~له بحالة حدوثه، فلا تكون متعلقة به، وليقنع بهذا هاهنا عما استقصيناه من ~~الوجوه الكثيرة في علم الكلام. # وأما أصحابنا، فمنهم من قال، الأمر عبارة عن الخبر على الثواب على الفعل ~~تارة، والعقاب على الترك تارة، وهو فاسد لما سبق امتناع من تصديق الآمر ~~وتكذيبه، ولأنه يلزم منه لزوم الثواب على فعل ما أمر به، والعقاب على تركه، ~~من جهة الشارع حذرا من الخلف في خبر الصادق، وليس كذلك بالإجماع. # أما الثواب فلجواز إحباط العمل بالردة، وأما العقاب فلجواز العفو ~~والشفاعة، ويمكن أن يحترز عن هذا الإشكال بأن يقال: هو الإخبار باستحقاق ~~الثواب والعقاب، غير أنه يبقى عليه الإشكال الأول من غير دافع. PageV02P139 # ومنهم من قال، وهم الأكثرون، كالقاضي أبي بكر وإمام الحرمين والغزالي ~~وغيرهم: الأمر هو القول المقتضي طاعة المأمور به، فقولهم (القول) كالجنس ~~للأمر وغيره من أقسام الكلام، وقولهم: (المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور ~~به) للفصل بين الأمر وغيره من أقسام الكلام، ولفصل الأمر عن الدعاء ~~والسؤال. # ومنهم من زاد في الحد (بنفسه) احترازا عن الصيغة، فإنها لا تقتضي الطاعة ~~بنفسها، بل بالتوقيف والاصطلاح وعلى كل تقدير فهو باطل لما فيه من تعريف ~~الأمر بالمأمور والمأمور به، وهما مشتقان من الأمر، والمشتق من الشيء أخفى ~~من ذلك الشيء، وتعريف الشيء بما لا يعرف إلا بعد معرفة ذلك الشيء محال. # ومنهم من قال: الأمر هو طلب الفعل على وجه يعد فاعله مطيعا، وهو أيضا ~~باطل لما فيه من تعريف الأمر بالطاعة المتعلقة بالفعل، والطاعة المتعلقة ~~بالفعل لا تعرف إلا بموافقة الأمر: وهو دور ممتنع، كيف وإن فعل الرب تعالى ~~لما طلبه العبد منه بالسؤال يقال له باعتبار موافقة طلب العبد مطيعا، بدليل ~~قوله عليه السلام " «إن أطعت الله أطاعك» " أي إن فعلت ما أراد فعل ما ~~تريد، وليس طلب العبد من الله تعالى بجهة ms336 السؤال لله أمرا، إذ الأمر لله ~~قبيح شرعا، بخلاف السؤال، ويمكن الاحتراز عنه بما يعد فاعله مطيعا في العرف ~~العام، والباري تعالى ليس كذلك. # والأقرب في ذلك إنما هو القول الجاري على قاعدة الأصحاب، وهو أن يقال، ~~الأمر طلب الفعل على جهة الاستعلاء. # فقولنا: (طلب الفعل) احتراز عن النهي وغيره من أقسام الكلام، وقولنا: ~~(على جهة الاستعلاء) احتراز عن الطلب بجهة الدعاء والالتماس. # فإن قيل: قولكم (الأمر هو طلب الفعل) إن أردتم به الإرادة، فهو مذهب ~~المعتزلة، وليس مذهبا لكم، وإن أردتم غيره فلا بد من تصويره، وإلا كان فيه ~~تعريف الأمر بما هو أخفى من الأمر. # PageV02P140 # قلنا إجماع العقلاء منعقد على أن الأمر قسم من أقسام الكلام، وأنه واقع ~~موجود لا ريب فيه، وقد بينا امتناع تفسيره بالصيغة والإرادة بما سبق، فما ~~وراء ذلك هو المعني بالطلب، والنزاع في تسميته بالطلب بعد الموافقة على ~~وجوده، فآيل إلى خلاف لفظي. ### | [البحث الثالث في الصيغة الدالة على الأمر] # وقد اختلف القائلون بكلام النفس (1) هل للأمر صيغة تخصه وتدل عليه دون ~~غيره في اللغة، أم لا. # فذهب الشيخ أبو الحسن، رحمه الله ومن تابعه إلى النفي، وذهب من عداهم إلى ~~الإثبات. # قال إمام الحرمين والغزالي، والذي نرآه أن هذه الترجمة عن الأشعري خطأ. # فإن قول القائل لغيره " أمرتك وأنت مأمور " صيغة خاصة بالأمر من غير ~~منازعة، وإنما الخلاف في أن صيغة " افعل " هل هي خاصة بالأمر، أو لكونها ~~مترددة في اللغة بين محامل كثيرة يأتي ذكرها. # واعلم أنه لا وجه لاستبعاد هذا الخلاف، وقول القائل " أمرتك وأنت مأمور " ~~لا يرفع هذا الخلاف، إذ الخلاف إنما هو في صيغة الأمر الموضوعة للإنشاء، ~~وما مثل (2) هذه الصيغ أمكن أن يقال إنها إخبارات عن الأمر لا إنشاآت. # وإن كان الظاهر صحة استعمالها للإنشاء، فإنه لا مانع من استعمال صيغة ~~الخبر للإنشاء، كما في قوله: طلقت وبعت واشتريت ونحوه. PageV02P141 # وبيانه أنه إذا قال لزوجته (طلقتك) فإن الطلاق يقع عليه إجماعا، ولو كان ~~إخبارا لكان إخبارا عن ms337 الماضي أو الحال، لعدم صلاحية هذه الصيغة للاستقبال، ~~ولو كان كذلك، لم يخل إما أن يكون قد وجد منه الطلاق، أو لم يوجد: فإن كان ~~الأول، امتنع تعليقه بالشرط في قوله " إن دخلت الدار " لأن تعليق وجود ما ~~وجد على وجود ما لم يوجد محال، وإن كان الثاني، وجب أن يعد كاذبا، وأن لا ~~يقع الطلاق عليه، وهو خلاف الإجماع. # وإن قدر أنه إخبار عن المستقبل مع الإحالة، فيجب أيضا أن لا يقع به ~~الطلاق كما لو صرح بذلك، وقال لها ستصيرين طالقا في المستقبل، فإنه لا يقع ~~به الطلاق مع أنه صريح إخبار عن وقوع الطلاق في المستقبل فما ليس بصريح ~~أولى. # وإذا بطل كونه إخبارا تعين أن يكون إنشاء، إذ الإجماع منعقد على امتناع ~~الخلو منهما، فإذا بطل أحدهما تعين الآخر. ### | [البحث الرابع في مقتضى صيغة الأمر] ### | [المسألة الأولى فيماذا صيغة الأمر حقيقة] # البحث الرابع، في مقتضى صيغة الأمر وفيه اثنتا عشرة مسألة. # المسألة الأولى # فيماذا صيغة الأمر حقيقة فيه إذا وردت مطلقة عرية عن القرائن، وقد اتفق ~~الأصوليون على إطلاقها بإزاء خمسة عشر اعتبارا (1) . # الوجوب، كقوله: {أقم الصلاة} . # والندب، كقوله: {فكاتبوهم} . # والإرشاد، كقوله تعالى: {فاستشهدوا} ، وهو قريب من الندب لاشتراكهما في ~~طلب تحصيل، غير أن الندب لمصلحة أخروية، والإرشاد لمصلحة دنيوية. # والإباحة كقوله: {فاصطادوا} . # والتأديب، وهو داخل في الندب كقوله: " كل مما يليك " PageV02P142 # والامتنان، كقوله: {كلوا مما رزقكم الله} والإكرام، كقوله: {ادخلوها ~~بسلام} والتهديد، كقوله: {اعملوا ما شئتم} والإنذار، كقوله: {تمتعوا} وهو ~~في معنى التهديد. # والتسخير، كقوله: {كونوا قردة خاسئين} والتعجيز، كقوله: {كونوا حجارة} ~~والإهانة، كقوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز} والتسوية، كقوله: {فاصبروا أو ~~لا تصبروا} والدعاء، كقوله: {اغفر لي} والتمني، كقول الشاعر: ( # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي # ) (1) وكمال القدرة، كقوله: {كن فيكون} . # وقد اتفقوا على أنها مجاز فيما سوى الطلب، والتهديد، والإباحة، غير أنهم ~~اختلفوا، فمنهم من قال: إنها مشتركة كاشتراك لفظ القرء بين الطلب للفعل، ~~وبين التهديد المستدعي لترك الفعل، وبين الإباحة المخيرة ms338 بين الفعل والترك. # ومنهم من قال: إنها حقيقة في الإباحة مجاز فيما سواها، ومنهم من قال: ~~إنها حقيقة في الطلب، ومجاز فيما سواه، وهذا هو الأصح. # وذلك لأنا إذا سمعنا أن أحدا قال لغيره (افعل كذا) وتجرد ذلك عن جميع ~~القرائن، وفرضناه كذلك، فإنه يسبق إلى الإفهام منه طلب الفعل واقتضاؤه من ~~غير توقف على أمر خارج دون التهديد المستدعي لترك الفعل والإباحة المخيرة ~~بين الفعل والترك. # ولو كان مشتركا (2) أو ظاهرا في الإباحة، لما كان كذلك. # وإذا كان الطلب هو السابق إلى الفهم عند عدم القرائن مطلقا، دل ذلك على ~~كون صيغة (افعل) ظاهرة فيه. # فإن قيل: يحتمل أن يكون ذلك بناء على عرف طارئ على الوضع اللغوي، كما في ~~لفظ الغائط والدابة، وإن سلم دلالة ما ذكرتموه على الظهور في الطلب. ~~PageV02P143 # غير أنه معارض بما يدل على ظهوره في الإباحة، لكونها أقل الدرجات فكانت ~~مستيقنة. # قلنا: جواب الأول أن الأصل عدم العرف الطارئ وبقاء الوضع الأصلي بحاله. # وجواب الثاني: لا نسلم أن الإباحة متيقنة، إذ هي مقابلة للطلب والتهديد، ~~لكونها غير مستدعية للفعل ولا للترك، والطلب مستدع للفعل، والتهديد مستدع ~~لترك الفعل، فلا تيقن لواحد منهما (1) . ### | [المسألة الثانية إذا ثبت أن صيغة افعل ظاهرة في الطلب والاقتضاء فالفعل المطلوب يكون فعله راجحا على تركه] # المسألة الثانية # إذا ثبت أن صيغة (افعل) ظاهرة في الطلب والاقتضاء، فالفعل المطلوب لا بد ~~وأن يكون فعله راجحا على تركه: فإن كان ممتنع الترك. كان واجبا، وإن لم يكن ~~ممتنع الترك، فإما أن يكون ترجحه لمصلحة أخروية، فهو المندوب، وإما لمصلحة ~~دنيوية، فهو الإرشاد. # وقد اختلف الأصوليون، فمنهم من قال: إنه مشترك بين الكل (2) وهو مذهب ~~الشيعة، ومنهم من قال إنه لا دلالة له على الوجوب والندب بخصوصه، وإنما هو ~~حقيقة في القدر المشترك بينهما، وهو ترجيح الفعل على الترك (3) # ومنهم من قال: إنه حقيقة في الوجوب، مجاز فيما عداه، وهذا هو مذهب ~~الشافعي رضي الله عنه، والفقهاء وجماعة من المتكلمين، كأبي الحسين ms339 البصري، ~~وهو قول الجباشي في أحد قوليه. # ومنهم من قال: إنه حقيقة من الندب، وهو مذهب أبي هاشم وكثير من المتكلمين ~~من المعتزلة وغيرهم، وجماعة من الفقهاء وهو أيضا منقول عن الشافعي رحمه ~~الله تعالى. PageV02P144 # ومنهم من توقف، وهو مذهب الأشعري رحمه الله، ومن تابعه من أصحابه، ~~كالقاضي أبي بكر (1) والغزالي وغيرهما وهو الأصح. # وذلك لأن وضعه مشتركا (2) أو حقيقة في البعض، مجازا في البعض، إما أن ~~يكون مدركه عقليا أو نقليا. # الأول: محال، إذ العقول لا مدخل لها في المنقول، لا ضرورة ولا نظرا، ~~والثاني: فإما أن يكون قطعيا أو ظنيا، والقطعي غير متحقق فيما نحن فيه، ~~والظني إنما ينفع أن لو كان إثبات مثل هذه المسألة، مما يقنع فيه بالظن، ~~وهو غير مسلم (3) فلم يبق غير التوقف. # فإن قيل: ما ذكرتموه مبني على أن مدار مثل هذه المسألة على القطع، وهو ~~غير مسلم ولا في شيء من اللغات، وإن سلمنا ذلك، لكن ما المانع أن يكون ~~المدرك لا عقليا محضا ولا نقليا محضا، بل هو مركب منهما، كما يأتي تحقيقه، ~~وإن سلمنا الحصر فيما ذكرتموه، غير أنه لازم عليكم في القول بالوقف أيضا، ~~فإن العقل لا يقتضيه، والنقل القطعي غير متحقق فيه، والظن إنما يكتفى به أن ~~لو كانت المسألة ظنية، فما هو جوابكم عنه في القول بالوقف يكون جوابا ~~لخصومكم فيما ذهبوا إليه على اختلاف مذاهبهم. # قلت: أما إنكار القطع في اللغات على الإطلاق يفضي إلى إنكار القطع في ~~جميع الأحكام الشرعية؛ لأن مبناها على الخطاب بالألفاظ اللغوية ومعقولها، ~~وذلك كفر صراح، والقول بأن ما ذكرتموه مبني على أن مدار ما نحن فيه على ~~القطع. # قلنا: نحن في هذه المسألة غير متعرضين لنفي ولا إثبات بل نحن متوقفون، ~~فمن رام إثبات اللغة فيما نحن فيه بطريق ظني أمكن أن يقال له متى يكتفى ~~بذلك فيما نحن فيه، أإذا كان شرط إثباته القطع أم لا؟ ولا بد عند توجه ~~التقسيم من تنزيل الكلام على الممنوع أو المسلم، وكل ms340 واحد منهما متعذر لما ~~سبق: PageV02P145 # قولهم: ما المانع من كونه مركبا من العقل والنقل: قلنا: لأن ما ذكرناه من ~~التقسيم في النقلي، ثابت هاهنا كان مستقلا أو غير مستقل، والقطع لا سبيل ~~إليه وإن كان ظنيا، فالمركب منه ومن العقلي يكون ظنيا، سواء كان العقلي ~~ظنيا أو قطعيا. # قولهم: ما ذكرتموه لازم عليكم في الوقف، قلنا: ليس كذلك ; لأن الواقف غير ~~حاكم، بل هو ساكت عن الحكم (1) والساكت عن الحكم، لا يفتقر إلى دليل، فلا ~~يكون ما ذكروه لازما علينا. # شبه القائلين بالوجوب # وقد ذكر أبو الحسين البصري في ذلك ما يناهز ثلاثين شبهة دائرة بين غث ~~وثمين. وها نحن نلخص حاصلها، ونأتي على المعتمد من جملتها، مع حذف الزيادات ~~العرية عن الفائدة، ونشير إلى جهة الانفصال عنها، ثم نذكر بعد ذلك شبه ~~القائلين بالندب، وطرق تخريجها إن شاء الله تعالى. # فأما شبه القائلين بالوجوب فشرعية، ولغوية، وعقلية. # أما الشرعية: فمنها ما يرجع إلى الكتاب، ومنها ما يرجع إلى السنة، ومنها ~~ما يرجع إلى الإجماع. # أما الكتاب: فقوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} ثم هدد عليه ~~بقوله: {فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم} والتهديد على ~~المخالفة دليل الوجوب. # وأيضا قوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو ~~يصيبهم عذاب أليم} ووجه الاستدلال به ما سبق في الآية التي قبلها. # وأيضا قوله تعالى لإبليس: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} أورد ذلك في معرض ~~الذم بالمخالفة، لا في معرض الاستفهام اتفاقا، وهو دليل الوجوب. ~~PageV02P146 # وأيضا قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} ذمهم على المخالفة، ~~وهو دليل الوجوب، وأيضا قوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} والمراد من قوله: (قضى) أي ألزم ~~ومن قوله: (أمرا) أي مأمورا وما لا خيرة فيه من المأمورات لا يكون إلا ~~واجبا. # وأيضا قوله تعالى: {أفعصيت أمري} وقوله: {لا يعصون الله ما أمرهم} وقوله: ~~{ولا أعصي لك أمرا} ms341 وصف مخالفة الأمر بالعصيان، وهو اسم ذم، وذلك لا يكون ~~في غير الوجوب. # وأيضا قوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت} أي أمرت ولولا أن الأمر للوجوب لما كان ~~كذلك. # وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم لبريرة وقد عتقت تحت عبد وكرهته ( ~~«لو راجعتيه - فقالت بأمرك يا رسول الله - فقال: لا إنما أنا شافع - فقالت: ~~لا حاجة لي فيه» ) فقد عقلت أنه لو كان أمرا لكان واجبا، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم قررها عليه. # وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم: ( «لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم ~~بالسواك عند كل صلاة» ) وهو دليل الوجوب، وإلا فلو كان الأمر للندب، ~~فالسواك مندوب. # وأيضا قوله لأبي سعيد الخدري حيث لم يجب دعاءه وهو في الصلاة (أما سمعت ~~الله تعالى يقول: {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} وبخه على ~~مخالفة أمره، وهو دليل الوجوب. # وأيضا فإنه لما سأله الأقرع بن حابس ( «أحجنا هذا لعامنا أم للأبد» ) قال ~~صلى الله عليه وسلم: بل للأبد ولو قلت: نعم لوجبت (1) . # وذلك دليل على أن أوامره للوجوب. PageV02P147 # وأما الإجماع فهو أن الأمة في كل عصر لم تزل راجعة في إيجاب العبادات إلى ~~الأوامر من قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} إلى غير ذلك من غير ~~توقف، وما كانوا يعدلون إلى غير الوجوب إلا لمعارض. # وأيضا فإن أبا بكر رضي الله عنه، استدل على وجوب الزكاة على أهل الردة ~~بقوله: {وآتوا الزكاة} ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان ذلك إجماعا. # وأما من جهة اللغة فمن وجوه. # الأول: وصف أهل اللغة من خالف الأمر بكونه عاصيا، ومنه قولهم (أمرتك، ~~فعصيتني) وقوله تعالى: {أفعصيت أمري} وقول الشاعر: # أمرتك أمرا حازما فعصيتني (1) والعصيان اسم ذم، وذلك في غير الوجوب ~~ممتنع، وأيضا فإن السيد إذا أمر عبده بأمر، فخالفه، حسن الحكم من أهل اللغة ~~بذمه واستحقاقه للعذاب، ولولا أن الأمر للوجوب لما كان كذلك. # وأما من جهة العقل ms342 فمن وجوه. # الأول: أن الإيجاب من المهمات في مخاطبة أهل اللغة، فلو لم يكن الأمر ~~للوجوب لخلا الوجوب عن لفظ يدل عليه، وهو ممتنع مع دعوى الحاجة إليه. # وأيضا فإنه قد ثبت أن الطلب لا يخرج عن الوجوب والندب، ويمتنع أن يكون ~~حقيقة في الندب، لا بجهة الاشتراك ولا التعيين ولا بطريق التخيير ~~PageV02P148 # لأن حمل الطلب على الندب معناه، افعل إن شئت، وهذا الشرط غير مذكور في ~~الطلب فيمتنع حمل الطلب عليه بوجه من هذه الوجوه، ويلزم من ذلك أن يكون ~~حقيقة في الوجوب. # وأيضا فإن الأمر مقابل للنهي، والنهي يقتضي ترك الفعل والامتناع من الفعل ~~جزما، فالأمر يجب أن يكون مقتضيا للفعل ومانعا من الترك جزما. # وأيضا فإن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، والنهي عن أضداده مما يمنع ~~من فعلها، وذلك غير متصور دون فعل المأمور به، فكان واجبا. # وأيضا فإن حمل الأمر على الوجوب أحوط للمكلف ; لأنه إن كان للوجوب فقد ~~حصل المقصود الراجح وأمن من ضرر تركه، وإن كان للندب فحمله على الوجوب يكون ~~أيضا نافعا غير مضر، ولو حملناه على الندب، لم نأمن من الضرر بتقدير كونه ~~واجبا لفوات المقصود الراجح. # وأيضا فإن المندوب داخل في الواجب من غير عكس، فحمل الأمر على الوجوب لا ~~يفوت معه المقصود من الندب، بخلاف الحمل على الندب، فكان حمله على الوجوب ~~أولى. # وأيضا فإن الأمر موضوع لإفادة معنى، وهو إيجاد الفعل، فكان مانعا من ~~نقيضه كالخبر، وأيضا فإن الأمر بالفعل يفيد رجحان وجود الفعل على عدمه، ~~وإلا كان مرجوحا أو مساويا، ولو كان مرجوحا لما أمر به لما فيه من الإخلال ~~بالمصلحة الزائدة في الترك والتزام المفسدة الراجحة في الفعل، وهو قبيح، ~~ولو كان مساويا لم يكن الأمر به أولى من النهي عنه، وذلك أيضا قبيح. # وإذا كان راجحا، فلو جاز تركه، لزم منه الإخلال بأرجح المقصودين، وهو ~~قبيح، فلا يرد به الشرع فتعين الامتناع من الترك، وهو معنى الوجوب. # والجواب من جهة الإجمال، والتفصيل، أما الإجمال فهو ms343 أن جميع ما ذكروه لا ~~خروج له عن الظن، وإنما يكون مفيدا فيما يطلب فيه الظن فقط وهو غير مسلم ~~فيما نحن فيه (1) . # وقوله صلى الله عليه وسلم: ; «نحن نحكم بالظاهر» " (2) فظني في صحة ~~الاحتجاج به فيما نحن فيه، فعلى ما تقدم. PageV02P149 # وأما من جهة التفصيل، فإنا نخص كل شبهة بجواب. # أما قوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} فهو أمر والخلاف في ~~اقتضائه للوجوب بحاله، وقوله: {فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما ~~حملتم} فإما أن لا يكون للتهديد بل للإخبار بأن الرسول عليه ما حمل من ~~التبليغ، وعليكم ما حملتم من القبول، وليس في ذلك ما يدل على كون الأمر ~~للوجوب، وإن كان للتهديد فهو دليل على الوجوب فيما هدد على تركه ومخالفته ~~من الأوامر، وليس فيه ما يدل على أن كل أمر مهدد بمخالفته، بدليل أمر ~~الندب، فإن المندوب مأمور به، على ما سيأتي وليس مهددا على مخالفته. # وإذا انقسم الأمر إلى مهدد عليه، وغير مهدد، وجب اعتقاد الوجوب فيما هدد ~~عليه، دون غيره، وبه يخرج الجواب عن كل صيغة أمر هدد على مخالفتها، وحذر ~~منها، ووصف مخالفها بكونه عاصيا، وبه دفع أكثر ما ذكروه من الآيات. # ويخص قوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} بأنه غير عام في كل أمر ~~بصيغته (1) . # وإن قيل بالتعميم بالنظر إلى معقوله من جهة أنه مناسب رتب التحذير على ~~مخالفته، فإنما يصح أن لو لم يتخلف الحكم عنه في أمر الندب، وقد تخلف فلا ~~يكون حجة (2) وأيضا، فإن غايته أنه حذر من مخالفة أمره،. # ومخالفة أمره أن لا يعتقد موجبه، وأن لا يفعل على ما هو عليه من إيجاب أو ~~ندب، ونحن نقول به، وليس فيه ما يدل على أن كل أمر للوجوب. # ويخص قوله لإبليس: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} بأنه غير عام في كل أمر. ~~PageV02P150 # ويخص قوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة} الآية بأن المراد من قوله أن ~~تكون لهم الخيرة من أمرهم، أي في اعتقاد وجوب ms344 المأمور به أو ندبه وفعله على ~~ما هو عليه، إن كان واجبا فواجب، وإن كان ندبا فندب. # ويخص قوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك} الآية، بأنه لا حجة ~~فيها. # وقوله: {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت} أي حكمت به من الوجوب ~~والندب والإباحة والتحريم ونحوه، وليس فيه ما يدل على أن كل ما يقضي به ~~يكون واجبا. # وأما حديث بريرة فلا حجة فيه، فإنها إنما سألت عن الأمر طلبا للثواب ~~بطاعته، والثواب والطاعة (1) قد يكون بفعل المندوب، وليس في ذلك ما يدل على ~~أنها فهمت من الأمر الوجوب، فحيث لم يكن أمرا لمصلحة أخروية لا بجهة الوجوب ~~ولا بجهة الندب، قالت: لا حاجة لي فيه. # فإن قيل: فإجابة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم مندوب إليها، فإذا لم ~~يكن مأمورا بها، تعين أن يكون الأمر للوجوب. # قلنا: إذا سلم أن الشفاعة في صورة بريرة غير مأمور بإجابتها، فلا نسلم ~~أنها كانت في تلك الصورة مندوبة، ضرورة أن المندوب عندنا لا بد وأن يكون ~~مأمورا به (2) . # وأما السواك ففيه ما يدل على أنه أراد بالأمر أمر الوجوب، بدليل أنه قرن ~~به المشقة، والمشقة لا تكون إلا في فعل الواجب، لكونه متحتما بخلاف المندوب ~~لكونه في محل الخيرة بين الفعل والترك، ولا يمتنع صرف الأمر إلى الوجوب ~~بقرينة، ودخول حرف (لولا) على مطلق الأمر لا يمنع من هذا التأويل. ~~PageV02P151 # وأما خبر أبي سعيد الخدري (1) فلا حجة فيه أيضا، فإن قوله تعالى: ~~{استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} إنما كان محمولا على وجوب ~~إجابة النداء، تعظيما لله تعالى، ولرسوله في إجابة دعائه، ونفيا للإهانة ~~عنه والتحقير له، بالإعراض عن إجابة دعائه لما فيه من هضمه في النفوس، ~~وإفضاء ذلك إلى الإخلال بمقصود البعثة، ولا يمتنع صرف الأمر إلى الوجوب ~~بقرينة. # وأما خبر الحج، فلا دلالة فيه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " «ولو ~~قلت نعم لوجب» " ليس أمرا ليكون للوجوب، بل لأنه يكون بيانا لقوله تعالى: ~~{ولله على ms345 الناس حج البيت} فإنه مقتض للوجوب، غير أنه متردد بين التكرار ~~والمرة الواحدة فقوله: " «لو قلت نعم لوجب» " (أي) تكرره لأنه يكون بيانا ~~لما أوجبه الله تعالى، لا أنه يكون موجبا. # وأما ما ذكروه من الإجماع، فإن أريد به أن الأمة كانت ترجع في الوجوب إلى ~~مطلق الأوامر فهو غير مسلم، وليس هو أولى من قول القائل إنهم كانوا يرجعون ~~في الندب إلى مطلق الأوامر، مع أن أكثر الأوامر للمندوبات، وإن أريد به ~~أنهم كانوا يرجعون في الوجوب إلى الأوامر المقترنة بالقرائن، فلا حجة فيه. # وأما قصة أبي بكر فلا حجة في احتجاجه بقوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وأتوا ~~الزكاة) على أن الأمر بمطلقه للوجوب، وذلك لأنهم لم يكونوا منكرين لأصل ~~الوجوب، حتى يستدل على الوجوب بالآية، بل إنما أنكروا التكرار، والاستدلال ~~على تكرار ما وجب لا يكون استدلالا على نفس اقتضاء الأمر بمطلقه للوجوب (2) ~~. # وأما قولهم: إن أهل اللغة يصفون من خالف الأمر المطلق بالعصيان، ويحكمون ~~عليه باستحقاق الذم والتوبيخ، ليس كذلك فإنه ليس القول بملازمة هذه الأمور ~~للأمر المطلق، وملازمة انتفائها للأمر المقيد بالقرينة في المندوبات أولى ~~من العكس. PageV02P152 # فإن قيل: بل تقييد المندوب بالقرينة، أولى من تقييد الواجب بها، فإنها ~~بتقدير خفائها تحمل على الوجوب وهو نافع غير مضر. # وبتقدير تقييد الواجب بها يلزم الإضرار بترك الواجب بتقدير خفائها، لفوات ~~المقصود الأعظم منه، فهو معارض بأن الأوامر الواردة في المندوبات، أكثر ~~منها في الواجبات، فإنه ما من واجب إلا ويتبعه مندوبات، والواجب غير لازم ~~للمندوب، ولا يخفى أن المحذور في تقييد الأعم بالقرينة لاحتمال خفائها، ~~أعظم من محذور ذلك في الأخص. # وأما الشبه العقلية قولهم: إن الوجوب من المهمات. # قلنا: والندب من المهمات، وليس إخلاء أحد الأمرين من لفظ يدل عليه، أولى ~~من الآخر. # وإن قيل: بأن المندوب له لفظ يدل عليه، وهو قول القائل: (ندبت ورغبت) ~~فللوجوب أيضا لفظ يدل عليه، وهو قوله (أوجبت وألزمت وحتمت) . # قولهم: إنه يمتنع أن يكون الأمر حقيقة في الندب ; لما ذكروه، ms346 فهو مقابل ~~بمثله فإن حمل الطلب على الوجوب معناه، افعل وأنت ممنوع من الترك، وهو غير ~~مذكور في الطلب، فلا يكون حمله على أحدهما أولى من الآخر. # قولهم إن النهي يقتضي المنع من الفعل، فيجب أن يكون الأمر مقتضيا للمنع ~~من الترك. # قلنا: لا نسلم أن مطلق النهي يقتضي المنع من الفعل إلا أن يدل عليه دليل، ~~كما ذكرناه في الأمر. # وإن صح ذلك في النهي فحاصل ما ذكروه راجع إلى القياس في اللغة، وهو باطل ~~بما سبق. # قولهم إن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده غير مسلم كما يأتي، وإن سلم، ~~ولكن إنما يمكن القول بأن النهي عن أضداد المأمور به مما يمنع من فعلها، إن ~~لو كان الأمر للوجوب، وإلا فبتقدير أن يكون للندب فالنهي عن أضداده يكون ~~نهي تنزيه، فلا يمنع من فعلها، وعند ذلك فيلزم منه توقف الوجوب على كون ~~النهي عن أضداده مانعا، وذلك متوقف على كون الأمر للوجوب، وهو دور ممتنع. # قولهم: إن حمل الطلب على الوجوب أحوط للمكلف على ما ذكروه، فهو معارض بما ~~يلزم من حمله على الوجوب من الإضرار اللازم من الفعل الشاق بتقدير # PageV02P153 # فعله، والعقاب بتقدير تركه، ولما فيه من مخالفة النفي الأصلي بما اختص به ~~الوجوب من زيادة الذم والوصف بالعصيان، بخلاف المندوب، كيف وإن المكلف إذا ~~نظر وظهر له أن الأمر للندب، فقد أمن الضرر، وحصل مقصود الأمر. # قولهم: إن المندوب داخل في الواجب، ليس كذلك على ما سبق تقريره. # قولهم: إن الأمر موضوع لمعنى، فكان مانعا من نقيضه دعوى محل النزاع، ~~والقياس على الخبر من باب القياس في اللغات، وهو باطل بما سبق (1) . # ثم إنه منقوض بالأمر بالمندوب، فإنه مأمور به على ما سبق (2) . # فإن قيل لا يلزم من مخالفة الدليل في المندوب المخالفة مطلقا. # قلنا: يجب أن نعتقد أن ما ذكروه ليس بدليل حتى لا يلزم منه المخالفة في ~~المندوب. # وما ذكروه من الأخيرة فهي منتقضة بالمندوب، وأما شبه القائلين بالندب، ~~فمنها نقلية وعقلية. # أما النقلية ms347 فقوله صلى الله عليه وسلم: " «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم، وإذ نهيتكم عن شيء فانتهوا» " فوض الأمر إلى استطاعتنا ومشيئتنا ~~وهو دليل الندبية. # وأما العقلية فهو أن المندوب ما فعله خير من تركه، وهو داخل في الواجب، ~~فكل واجب مندوب، وليس كل مندوب واجبا؛ لأن الواجب ما يلام على تركه، ~~والمندوب ليس كذلك، فوجب جعل الأمر حقيقة فيه لكونه متيقنا. # وجوابهما من جهة الإجمال، فما سبق في جواب شبه القائلين بالوجوب. # ومن جهة التفصيل: عن الأولى أنه لا يلزم من قوله " {ما استطعتم} " تفويض ~~الأمر إلى مشيئتنا، فإنه لم يقل فافعلوا ما شئتم، بل قال: " {ما استطعتم} " ~~وليس ذلك خاصية للندب، فإن كل واجب كذلك. # وعن الثانية ما سبق من امتناع وجود المندوب في الواجب، ثم لو كان تنزيل ~~لفظ الأمر على المتيقن لازما، لكان جعله حقيقة في رفع الحرج عن الفعل أولى ~~لكونه متيقنا بخلاف المندوب، فإنه متميز بكون الفعل مترجحا على الترك، وهو ~~غير متيقن (3) . PageV02P154 ### | [المسألة الثالثة الأمر العري عن القرائن] # المسألة الثالثة # اختلف الأصوليون في الأمر العري عن القرائن فذهب الأستاذ أبو إسحاق ~~الإسفرايني وجماعة من الفقهاء والمتكلمين إلى أنه مقتض للتكرار المستوعب ~~لزمان العمر مع الإمكان، وذهب آخرون إلى أنه للمرة الواحدة، ومحتمل ~~للتكرار، ومنهم من نفى احتمال التكرار، وهو اختيار أبي الحسين البصري: ~~وكثير من الأصوليين، ومنهم من توقف في الزيادة، ولم يقض فيها بنفي ولا ~~إثبات، وإليه ميل إمام الحرمين والواقفية. # والمختار أن المرة الواحدة لا بد منها في الامتثال، وهو معلوم قطعا، ~~والتكرار محتمل، فإن اقترن به قرينة أشعرت بإرادة المتكلم التكرار حمل ~~عليه، وإلا كان الاقتصار على المرة الواحدة كافيا. # والدليل على ذلك أنه إذا قال له " صل أو صم " فقد أمره بإيقاع فعل الصلاة ~~والصوم، وهو مصدر (افعل) والمصدر محتمل للاستغراق والعدد، ولهذا يصح تفسيره ~~به، فإنه لو قال لزوجته " أنت طالق ثلاثا " وقع به لما كان تفسيرا للمصدر ~~وهو الطلاق، ولو اقتصر على قوله " أنت طالق " لم يقع ms348 سوى طلقة واحدة مع ~~احتمال اللفظ للثلاث، فإذا قال " صل " فقد أمره بإيقاع المصدر، وهو الصلاة، ~~والمصدر محتمل للعدد، فإن اقترن به قرينة مشعرة بإرادة العدد حمل عليه، ~~وإلا فالمرة الواحدة تكون كافية. # ولهذا فإنه لو أمر عبده أن يتصدق صدقة، أو يشتري خبزا أو لحما، فإنه ~~يكتفي منه بصدقة واحدة، وشراء واحد، ولو زاد على ذلك فإنه يستحق اللوم ~~والتوبيخ، لعدم القرينة الصارفة إليه، وإن كان اللفظ محتملا له، وإنما كان ~~كذلك لأن حال الآمر متردد بين إرادة العدد، وعدم إرادته، وإنما يجب العدد ~~مع ظهور الإرادة، ولا ظهور، إذ الفرض فيما إذا عدمت القرائن المشعرة به. # فقد بطل القول بعدم إشعار اللفظ بالعدد مطلقا وبطل القول بظهوره فيه ~~وبالوقف أيضا. # والاعتراض هاهنا يختلف باختلاف مذاهب الخصوم، فمن اعتقد ظهوره في التكرار ~~اعترض بشبه. # الأولى منها أن أوامر الشارع في الصوم والصلاة محمولة على التكرار، فدل ~~على إشعار الأمر به. # PageV02P155 # الثانية، أن قوله تعالى: (واقتلوا المشركين) يعم كل مشرك، فقوله " صم وصل ~~" ينبغي أن يعم جميع الأزمان لأن نسبة اللفظ إلى الأزمان كنسبته إلى ~~الأشخاص. # الثالثة: أن قوله (صم) كقوله (لا تصم) ومقتضى النهي الترك أبدا، فوجب أن ~~يكون الأمر مقتضيا للفعل أبدا لاشتراكهما في الاقتضاء والطلب. # الرابعة: أن الأمر اقتضى فعل الصوم، واقتضى اعتقاد وجوبه، والعزم عليه ~~أبدا، فكذلك الموجب الآخر. # الخامسة: أن الأمر لا اختصاص له بزمان دون زمان، فليس حمله على البعض ~~أولى من البعض، فوجب التعميم. # السادسة: أنه لو لم يكن الأمر للتكرار لما صح الاستثناء منه، لاستحالة ~~الاستثناء من المرة الواحدة، ولا تطرق النسخ إليه ; لأن ذلك يدل على البداء ~~وهو محال على الله تعالى، ولا حسن الاستفهام من الآمر أنك أردت المرة ~~الواحدة أو التكرار. # ولكان قول الآمر لغيره (صل مرة واحدة) غير مفيد، وكان قوله (صل مرارا) ~~تناقضا، ولكان إذا لم يفعل المأمور ما أمر به في أول الوقت، محتاجا في فعله ~~ثانيا إلى دليل، وهو ممتنع. # السابعة: أن الحمل على التكرار ms349 أحوط للمكلف، لأنه إن كان للتكرار، فقد ~~حصل المقصود ولا ضرر، وإن لم يكن للتكرار لم يكن فعله مضرا. # الثامنة: إن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، والنهي عن أضداده يقتضي ~~استغراق الزمان، وذلك يستلزم استدامة فعل المأمور به. # التاسعة: قوله صلى الله عليه وسلم: " «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم» " أي فأتوا بما أمرتكم به ما استطعتم، وذلك يقتضي وجوب التكرار. # العاشرة: «أن عمر بن الخطاب سأل النبي صلى الله عليه وسلم لما رآه قد جمع ~~بطهارة واحدة بين صلوات عام الفتح، وقال: " أعمدا فعلت هذه يا رسول الله؟ ~~فقال: نعم» ولولا أنه فهم تكرار الطهارة من قوله تعالى: {إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم} لما كان للسؤال معنى. # الحادية عشرة: أنه إذا قال الرجل لغيره: أحسن عشرة فلان، فإنه يفهم منه ~~التكرار والدوام. # PageV02P156 # وأما شبه القائلين بامتناع احتمال التكرار، فأولها: أن من قال لغيره " ~~ادخل الدار " يعد ممتثلا بالدخول مرة واحدة، كما أنه يصير ممتثلا لقوله " ~~اضرب رجلا " بضرب رجل واحد. # ولذلك، فإنه لا يلام بترك التكرار، بل يلام من لامه عليه. # وثانيها: أنه لو قال القائل (صام زيد) صدق على المرة الواحدة من غير ~~إدامة فليكن مثله في الأمر. # وثالثها: أنه لو حلف أنه ليصلين أو ليصومن، برت يمينه بصلاة واحدة وصوم ~~يوم واحد، وعد آتيا بما التزمه، فكذلك في الالتزام بالأمر. # ورابعها أنه لو قال الرجل لوكيله (طلق زوجتي) لم يملك أكثر من تطليقة ~~واحدة. # وخامسها: أنه لو كان الأمر للتكرار، لكان قوله (صل مرارا) غير مفيد. وكان ~~قوله (صل مرة واحدة) نقصا وليس كذلك. # وسادسها: أنه لو كان مطلق الأمر للتكرار: لكان الأمر بعبادتين مختلفتين ~~لا يمكن الجمع بينهما، إما تكليفا بما لا يطاق، أو أن يكون الأمر بكل واحدة ~~مناقضا للأمر بالأخرى، وهو ممتنع. # وأما شبه القائلين بالوقف، فأولها أن الأمر بمطلقه غير ظاهر في المرة ~~الواحدة، ولا في التكرار، ولهذا فإنه يحسن أن يستفهم من الآمر عند قوله " ~~اضرب " ويقال له " مرة ms350 واحدة أو مرارا ". # ولو كان ظاهرا في أحد الأمرين لما حسن الاستفهام. # وثانيها: أنه لو كان ظاهرا في المرة الواحدة لكان قول الآمر " اضرب مرة ~~واحدة " تكرارا " أو مرارا " تناقضا، وكذلك لو كان ظاهرا في التكرار. # والجواب عن الشبهة الأولى للقائلين بالتكرار هو أن حمل بعض الأوامر، وإن ~~كانت متكررة على التكرار، لا يدل على استفادة ذلك من ظاهرها، وإلا كان ما ~~حمل من الأوامر على المرة الواحدة، كالحج ونحوه، مستفادا من ظاهر الأمر، ~~ويلزم من ذلك إما التناقض أو اعتقاد الظهور في أحد الأمرين دون الآخر من ~~غير أولية وهو محال (1) . PageV02P157 # فإن قيل: اعتقاد الظهور في التكرار أولى؛ لأن ما حمل من الأوامر على ~~التكرار أكثر من المحمول على المرة الواحدة، وعند ذلك فلو جعلناه ظاهرا في ~~المرة الواحدة، لكان المحذور اللازم من مخالفته في الحمل على التكرار أقل ~~من المحذور اللازم من جعله ظاهرا في التكرار عند حمله على المرة الواحدة. # قلنا: هذا إنما يلزم أن لو قلنا إن الأمر ظاهر في أحد الأمرين، وليس كذلك ~~بل الأمر عندنا إنما يقتضي إيقاع مصدر الفعل، والمرة الواحدة من ضروراته؛ ~~لأن الأمر ظاهر فيها، وكذلك في التكرار (1) فحمل الأمر على أحدهما بالقرينة ~~لا يوجب مخالفة الظاهر في الآخر، لعدم تحققه فيه. # وعن الثانية: وإن سلمنا أن العموم في قوله تعالى: (واقتلوا المشركين) أنه ~~يتناول كل مشرك، فليس ذلك إلا لعموم اللفظ، ولا يلزم مثله فيما نحن فيه ~~لعدم العموم في قوله " صم " بالنسبة إلى جميع الأزمان (2) بل لو قال " صم ~~في جميع الأزمان " كان نظيرا لقوله " اقتلوا المشركين ". # وعن الثالثة: لا نسلم أن النهي المطلق للدوام، وإنما يقتضيه عند التصريح ~~بالدوام أو ظهور قرينة تدل عليه، كما في الأمر وإن سلمنا اقتضاءه للدوام، ~~لكن ما ذكروه من إلحاق الأمر بالنهي بواسطة الاشتراك بينهما في الاقتضاء ~~فرع صحة القياس في اللغات، وقد أبطلناه. # وإن سلمنا صحة ذلك، غير أنا نفرق: وبيانه من وجهين: الأول أن من أمر غيره ~~أن يضرب فقد ms351 أمره بإيقاع مصدره، وهو الضرب، فإذا ضرب مرة واحدة يصح أن ~~يقال: لم يعدم الضرب. (3) . # الثاني: إن حمل الأمر على التكرار مما يفضي إلى تعطيل الحوائج المهمة، ~~وامتناع الإتيان بالمأمورات التي لا يمكن اجتماعها بخلاف الانتهاء عن ~~المنهي مطلقا. PageV02P158 # وعن الرابعة: أنها غير متجهة، وذلك لأن دوام اعتقاد الوجوب عند قيام دليل ~~الوجوب ليس مستفادا من نفس الأمر، وإنما هو من أحكام الإيمان، فتركه يكون ~~كفرا، والكفر منهي عنه دائما، ولهذا كان اعتقاد الوجوب دائما في الأوامر ~~المقيدة. # وأما العزم، فلا نسلم وجوبه، ولهذا فإن من دخل عليه الوقت وهو نائم، لا ~~يجب على من حضره إنباهه ولو كان العزم واجبا في ذلك الوقت، لوجب عليه، كما ~~لو ضاق وقت العبادة، وهو نائم. # وإن سلمنا وجوب العزم، لكن لا نسلم وجوبه دائما، بل هو تبع لوجوب المأمور ~~به، وإن سلمنا وجوبه دائما، فلا نسلم كونه مستفادا من نفس الأمر، ليلزم ما ~~قيل، بل إنما هو مستفاد من دليل اقتضى دوامه غير الأمر الوارد بالعبادة، ~~ولهذا وجب في الأوامر بالفعل مرة واحدة. # وعن الخامسة: أنها باطلة من جهة أن الأمر غير مشعر بالزمان، وإنما الزمان ~~من ضرورات وقوع الفعل المأمور به، ولا يلزم من عدم اختصاصه ببعض الأزمنة ~~دون البعض التعميم كالمكان. # وعن السادسة: وهي قولهم لو كان (الأمر) للمرة الواحدة لما دخله النسخ ليس ~~كذلك عندنا، فإنه لو أمر بالحج في السنة المستقبلة، جاز نسخه عندنا قبل ~~التمكن من الامتثال على ما يأتي. # وإنما ذلك لازم على المعتزلة، وأما دخول الاستثناء فمن أوجب الفعل على ~~الفور يمنع منه، ومن أوجبه على التراخي، فلا يمنع من استثناء بعض الأوقات ~~التي المكلف مخير في إيقاع الواجب فيها. # وأما حسن الاستفهام، فإنما كان لتحصيل اليقين فيما اللفظ محتمل له ~~تأكيدا، فإنه محتمل لإرادة التكرار وإرادة المرة الواحدة، وبه يخرج الجواب ~~عن قوله: " صل مرة واحدة " وقوله " صل مرارا " غير متناقض، بل غايته دلالة ~~الدليل على إرادة التكرار المحتمل. # وإذا لم يفعل ما أمر ms352 به في أول الوقت فمن قال بالتراخي لا يحتاج إلى دليل ~~آخر ; لأن مقتضى الأمر المطلق عنده تخيير المأمور في إيقاع الفعل في أي وقت ~~شاء من ذلك " الوقت "، ومن قال بالفور فلا بد له من دليل في ثاني الحال. # PageV02P159 # وعن السابعة: ما سبق في الواجب والمندوب. # وعن الثامنة: لا نسلم أن الأمر بالشيء نهي عن أضداده، وإن سلم ذلك، ولكن ~~اقتضاء النهي للأضداد بصفة الدوام، فرع كون الأمر مقتضيا للفعل على الدوام، ~~وهو محل النزاع. # وأما قوله: صلى الله عليه وسلم ( «إذا أمرتكم بأمر» ) الحديث، إنما يلزم ~~أن لو كان ما زاد على المرة الواحدة مأمورا به، وليس كذلك. # وأما حديث عمر فلا يدل على أنه فهم أن الأمر بالطهارة يقتضي تكرارها ~~بتكرر الصلاة، بل لعله أشكل عليه أنه للتكرار فسأل النبي عن عمده وسهوه في ~~ذلك لإزاحة الإشكال، بمعرفة كونه للتكرار إن كان فعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم سهوا أو لا للتكرار إن كان فعله عمدا. # كيف وإن فهم عمر لذلك مقابل بإعراض النبي صلى الله عليه وسلم عن التكرار، ~~ولو كان للتكرار لما أعرض عنه، وله الترجيح (1) . # وأما الأخيرة: فإنما عم الأمر فيها بالإكرام وحسن العشرة للأزمان ; لأن ~~ذلك إنما يقصد به التعظيم، وذلك يستدعي استحقاق المأمور بإكرامه للإكرام، ~~وهو سبب الأمر، فمهما لم يعلم زوال ذلك السبب وجب دوام المسبب، فكان الدوام ~~مستفادا من هذه القرينة لا من مطلق الأمر. # والجواب عن الأولى للقائلين بامتناع احتمال الأمر المطلق للتكرار أن ذلك ~~يدل على أن الأمر غير ظاهر في التكرار، ولا يلزم منه امتناع احتماله له. # ولهذا فإنه لو قال: ادخل الدار مرارا بطريق التفسير، فإنه يصح ويلزم ولو ~~عدم لما صح التفسير. # وعن الثانية: أن ذلك قياس في اللغات فلا يصح، وبه دفع الشبهة الثالثة. # وإذا قال لوكيله (طلق زوجتي) إنما لم يملك ما زاد على الطلقة الواحدة ~~لعدم ظهور الأمر فيها لا لعدم لغة الاحتمال ; ولهذا لو قال (طلقها ثلاثا) ~~على التفسير صح. # وعن ms353 الخامسة ما سبق. PageV02P160 # وعن السادسة أنها باطلة وذلك لأن زيادة المشقة من حمل الأمر على التكرار، ~~إما أن لا يكون منافيا له أو يكون منافيا، فإن كان الأول فلا اتجاه لما ~~ذكروه، وإن كان الثاني فغايته تعذر العمل بالأمر في التكرار عند لزوم ~~الحرج، فيكون ذلك قرينة مانعة من صرف الأمر إليه، ولا يلزم من ذلك امتناع ~~احتماله له لغة. # وجواب شبهة القائلين بالوقف ما سبق في جواب من تقدم والله أعلم. ### | [المسألة الرابعة الأمر المعلق بشرط] # المسألة الرابعة # الأمر المعلق بشرط كقوله: (إذا زالت الشمس فصلوا) (1) أو صفة كقوله: ~~{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} هل يقتضي تكرار المأمور ~~به بتكرر الشرط والصفة أم لا؟ # فمن قال: إن الأمر المطلق يقتضي التكرار فهو هاهنا أولى، ومن قال: إن ~~الأمر المطلق لا يقتضي التكرار اختلفوا هاهنا: فمنهم من أوجبه، ومنهم من ~~نفاه. # وقبل الخوض في الحجاج لا بد من تلخيص محل النزاع، فنقول: ما علق به ~~المأمور من الشرط أو الصفة، إما أن يكون قد ثبت كونه علة في نفس الأمر ~~لوجوب الفعل المأمور به كالزنا، أو لا يكون كذلك، بل الحكم متوقف عليه من ~~غير تأثير له فيه، كالإحصان الذي يتوقف عليه الرجم في الزنا، فإن كان الأول ~~فالاتفاق واقع على تكرر الفعل بتكرره نظرا إلى تكرر العلة، ووقوع الاتفاق ~~على التعبد باتباع العلة، مهما وجدت، فالتكرار مستند إلى تكرار العلة، لا ~~إلى الأمر وإن كان الثاني، فهو محل الخلاف، والمختار أنه لا تكرار. # وقد احتج القائلون بهذا المذهب بحجج واهية، لا بد من التنبيه عليها، وعلى ~~ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار، الحجة الأولى أنهم قالوا أجمعنا ~~على أن الخبر المعلق بالشرط أو الصفة لا يقتضي تكرار المخبر عنه، كما لو ~~قال: " إن جاء زيد جاء عمرو " فإنه لا يلزم تكرر مجيء عمرو في تكرر مجيء ~~زيد، فكذلك في الأمر، وهي باطلة، فإن حاصلها يرجع إلى القياس في اللغة، وقد ~~أبطلناه (2) . PageV02P161 # الثانية أنه ms354 لو قال لزوجته " إذا دخلت الدار فأنت طالق " فإنه لا يتكرر ~~الطلاق بتكرار الدخول، فكذلك في قوله " إذا زالت الشمس فصلوا " وهو أيضا من ~~جنس ما تقدم، لما فيه من قياس الأمر على إنشاء الطلاق الذي ليس بأمر. # الثالثة: أن اللفظ لا دلالة فيه إلا على تعليق شيء بشيء، وهو أعم من ~~تعليقه عليه في كل صورة، أو في صورة واحدة، والمشعر بالأعم لا يلزم أن يكون ~~مشعرا بالأخص. # وحاصل هذه الحجة أيضا يرجع إلى محض الدعوى بأن الأمر المضاف إلى الشرط أو ~~الصفة لا يفهم منه اقتضاء التكرار بتكرر الشرط أو الصفة، وهو عين محل ~~النزاع. # وإنما الواجب أن يقال إنه مشعر بالأعم، والأصل عدم إشعاره بالأخص. # والمعتمد في ذلك، أن يقال لو وجب التكرار لم يخل إما أن يكون المقتضي له ~~نفس الأمر أو الشرط أو مجموع الأمرين، لا جائز أن يقال بالأول لما سبق في ~~المسألة المتقدمة، ولا بالثاني لأن الشرط غير مؤثر في المشروط بحيث يلزم من ~~وجوده، بل إنما تأثيره في انتفاء المشروط عند انتفائه، وحيث قيل بملازمة ~~المشروط لوجود الشرط في قوله لزوجته " إن دخلت الدار فأنت طالق " إنما كان ~~لضرورة وجود الموجب، وهو قوله " أنت طالق " لا لنفس دخول الدار، وإلا كان ~~دخول الدار موجبا للطلاق مطلقا، وهو محال، ولا جائز أن يقال بالثالث، لأنا ~~أجمعنا على أنه لو قال لعبده " إذا دخلت السوق فاشتر لحما " أنه لا يقتضي ~~التكرار، وذلك إما أن يكون مع تحقق الموجب للتكرار، أو لا مع تحققه: لا ~~جائز أن يقال بالأول. # وإلا فانتفاء التكرار إما لمعارض، أو لا لمعارض، والأول ممتنع لما فيه من ~~المعارضة وتعطيل الدليل عن أعماله، وهو خلاف الأصل، والثاني أيضا باطل لما ~~فيه من مخالفة الدليل من غير معارض فلم يبق سوى الثاني، وهو المطلوب. # فإن قيل ما ذكرتموه معارض من وجوه. # الأول: أنه قد وجد في كتاب الله تعالى أوامر متعلقة بشروط وصفات وهي ~~متكررة بتكررها، كقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة ms355 فاغسلوا} الآية، وقوله ~~تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} {الزانية والزاني} الآية، ولو ~~لم يكن ذلك مقتضيا للتكرار لما كان متكررا. # PageV02P162 # الثاني: أن العلة يتكرر الحكم بتكررها إجماعا، والشرط أقوى من العلة ~~لانتفاء الحكم بانتفائه بخلاف العلة، فكان اقتضاؤه للتكرار أولى. # الثالث: أن نسبة الحكم إلى إعداد الشرط المعلق عليه نسبة واحدة، ولا ~~اختصاص له بالموجود الأول منها، دون ما بعده، وعند ذلك، فإما أن يلزم من ~~انتفاء الحكم مع وجود الشرط ثانيا وثالثا انتفاؤه مع وجود الشرط الأول، أو ~~من وجوده مع الأول الوجود مع الثاني وما بعده ضرورة التسوية. والأول خلاف ~~الإجماع، والثاني هو المطلوب. # الرابع: أنه لو لم يكن الأمر مقتضيا لتعليق الحكم بجميع الشروط، بل ~~بالأول منها فيلزم، أن يكون فعل العبادة مع الشرط الثاني، دون الأول، قضاء، ~~وكانت مفتقرة إلى دليل آخر وهو ممتنع. # الخامس: أن النهي المعلق بالشرط مفيد للتكرار، كما إذا قال " إن دخل زيد ~~الدار فلا تعطه درهما " والأمر ضد النهي، فكان مشاركا له في حكمه، ضرورة ~~اشتراكهما في الطلب والاقتضاء. # السادس: أن تعليق الأمر على الشرط الدائم موجب لدوام المأمور به بدوامه، ~~كما لو قال (إذا وجد شهر رمضان فصمه) فإن الصوم يكون دائما بدوام الشهر، ~~وتعليق الأمر على الشرط المتكرر في معناه فكان دائما. # والجواب عن الأول أنه إذا ثبت بما ذكرناه أن الأمر المعلق بالشرط والصفة ~~غير مقتض للتكرار، فحيث قضي بالتكرار، إما أن يكون الشرط والصفة علة للحكم ~~المكرر في نفس الأمر، كما في الزنا والسرقة، أو لا يكون علة له فإن كان ~~الأول، فالتكرار إنما كان لتكرر العلة الموجبة للحكم، ولا كلام فيه. # وإن كان الثاني، فيجب اعتقاد كونه متكررا لدليل اقتضاه غير الأمر المعلق ~~بالشرط والصفة، لما ذكرناه من عدم اقتضائه، كيف وإنه كما قد يتكرر الفعل ~~المأمور به بتكرر الشرط، فقد لا يتكرر كالأمر بالحج، فإنه مشروط بالاستطاعة ~~وهو غير متكرر بتكررها. # PageV02P163 # وعن الثاني أنه لا يلزم من تكرر الحكم بتكرر العلة لكونها موجبة للحكم، ~~تكرره ms356 بتكرر الشرط، مع أنه غير موجب للحكم، كما تقرر. # وعن الثالث أنه إنما يلزم القائلين بالوجوب على الفور، وليس كذلك عندنا ~~بل الأمر مقتض للامتثال مع استواء التقديم والتأخير فيه، إذا علم تجدد ~~الشرط، وغلب على الظن بقاء المأمور، ويكون الأمر قد اقتضى تعلق المأمور به ~~على الشروط كلها على طريق البدل من غير اختصاص له ببعضها دون بعض. # وأما إن لم يغلب على الظن تجدد الشرط، ولا بقاء المأمور إلى حالة وجود ~~الشرط الثاني، فقد تعين اختصاص المأمور بالشرط الأول، لعدم تحقق ما سواه. # وعلى هذا، فقد خرج الجواب عن الرابع أيضا. # وعن الخامس: أن حاصله يرجع إلى قياس الأمر على النهي في اللغة، وهو باطل ~~بما سبق. # كيف وإنا لا نسلم أن النهي المضاف إلى الشرط يتكرر بتكرر الشرط، بل ما ~~اقتضاه النهي إنما هو دوام المنع عند تحقق الشرط الأول، سواء تجدد الشرط ~~ثانيا، أو لم يتجدد. # وعن السادس: أن الشرط المستشهد به، وإن كان له دوام في زمان معين والحكم ~~موجود معه، فهو واحد، والمشروط به غير متكرر بتكرره. # وعند ذلك فلا يلزم من لزوم وجود المشروط عند تحقق شرطه من غير تكرر، لزوم ~~التكرر بتكرر الشرط في محل النزاع. # PageV02P164 ### | [المسألة الخامسة الأمر المطلق هل يقتضي تعجيل فعل المأمور به] # المسألة الخامسة # اختلفوا في الأمر المطلق: هل يقتضي تعجيل فعل المأمور به؟ فذهبت الحنفية ~~والحنابلة، وكل من قال بحمل الأمر على التكرار، إلى وجوب التعجيل. # وذهبت الشافعية والقاضي أبو بكر وجماعة من الأشاعرة والجبائي وابنه وأبو ~~الحسين البصري إلى التراخي، وجواز التأخير عن أول وقت الإمكان. # وأما الواقفية فقد توقفوا، لكن منهم من قال: التوقف إنما هو في المؤخر هل ~~هو ممتثل أو لا؟ وأما المبادر فإنه ممتثل قطعا، لكن هل يأثم بالتأخير؟ ~~اختلفوا فيه: فمنهم من قال بالتأثيم، وهو اختيار إمام الحرمين، ومنهم من لم ~~يؤثمه. # ومنهم من توقف في المبادر أيضا، وخالف في ذلك إجماع السلف. # والمختار أنه مهما فعل، كان مقدما أو مؤخرا، ms357 كان ممتثلا للأمر، ولا إثم ~~عليه بالتأخير. # والدليل على ذلك أن الأمر حقيقة في طلب الفعل لا غير، فمهما أتى بالفعل ~~في أي زمان كان، مقدما أو مؤخرا كان آتيا بمدلول الأمر، فيكون ممتثلا للأمر ~~ولا إثم عليه بالتأخير، لكونه آتيا بما أمر به على الوجه الذي أمر به، ~~وبيان أن مدلول الأمر طلب الفعل لا غير وجهان. # الأول: أنه دليل على طلب الفعل بالإجماع، والأصل عدم دلالته على أمر ~~خارج، والزمان وإن كان لا بد منه من ضرورة وقوع الفعل المأمور به، فلا يلزم ~~أن يكون داخلا في مدلول الأمر، فإن اللازم من الشيء أعم من الداخل في معناه ~~ولا أن يكون متعينا، كما لا تتعين الآلة في الضرب، ولا الشخص المضروب، وإن ~~كان ذلك من ضرورات امتثال الأمر بالضرب. # الوجه الثاني: أنه يجوز ورود الأمر بالفعل على الفور وعلى التراخي، ويصح ~~مع ذلك أن يقال بوجود الأمر في الصورتين. # والأصل في الإطلاق الحقيقة، ولا مشترك بين الصورتين سوى طلب الفعل؛ لأن ~~الأصل عدم ما سواه، فيجب أن يكون هو مدلول الأمر في الصورتين، دون ما به ~~الاقتران من الزمان وغيره نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ. # PageV02P165 # فإن قيل ما ذكرتموه في بيان امتناع خروج الوقت (1) عن الدخول في مقتضى ~~الأمر معارض بما يدل على نقيضه. وبيانه من وجوه خمسة: الأول: أنه إذا قال ~~السيد لعبده " اسقني ماء " فإنه يفهم منه تعجيل السقي حتى أنه يحسن لوم ~~العبد وذمه في نظر العقلاء بتقدير التأخير. ولولا أنه من مقتضيات الأمر لما ~~كان كذلك، إذ الأصل عدم القرينة. # الثاني هو أن مدلول الأمر، وهو الفعل المأمور به، لا يقع إلا في وقت ~~وزمان، فوجب أن يكون الأمر مقتضيا للفعل في أقرب زمان كالمكان، وكما لو قال ~~لزوجته " أنت طالق " ولعبده " أنت حر " فإن مدلول لفظه يقع على الفور في ~~أقرب زمان. # الثالث أن الأمر مشارك للنهي في مطلق الطلب، والنهي مقتض للامتثال على ~~الفور، فوجب أن يكون الأمر كذلك. # الرابع: أن الأمر ms358 بالشيء نهي عن جميع أضداده، والنهي عن أضداد المأمور به ~~مقتض للانتهاء عنها على الفور، وذلك متوقف على فعل المأمور به على الفور، ~~فكان الأمر مقتضيا له على الفور. # الخامس: أنه تعالى عاتب إبليس ووبخه على مخالفة الأمر بالسجود لآدم في ~~الحال بقوله: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} ولو لم يكن الأمر بالسجود مقتضيا ~~له في الحال، لما حسن توبيخه عليه، ولكان تلك عذرا لإبليس في تأخيره. # سلمنا عدم دلالة الأمر على وجوب الفعل على الفور لفظا لكن لم قلتم إنه لا ~~يكون مستلزما له بواسطة دلالته على أصل الوجوب، وبيان ذلك من وجوه أربعة. # الأول: أن الأمر إذا دل على وجوب الفعل فقد أجمعنا على وجوب اعتقاده على ~~الفور، مع أن ذلك لم يكن مقتضى للأمر، بل هو من لوازم مقتضاه فكان مقتضاه ~~على الفور أولى لأصالته. # الثاني أن إجماع السلف منعقد على أن المبادر يخرج عن عهدة الأمر، ولا ~~إجماع في المؤخر، فكان القول بالتعجيل أحوط وأولى. PageV02P166 # الثالث أن الفعل واجب بالاتفاق، فلو جاز تأخيره، إما أن يجوز إلى غاية ~~معينة، أو لا إلى غاية. # فإن جاز تأخيره إلى غاية معينة، فإما أن تكون معلومة للمأمور، أو لا تكون ~~معلومة له فإن كانت معلومة له، فإما أن تكون مذكورة بأن يقال له (إلى عشرة ~~أيام) مثلا أو موصوفة. # الأول خلاف الفرض، إذ الفرض فيما إذا كان أمرا مطلقا غير مقيد بوقت في ~~الذكر. # وإن كان الثاني فالوقت الموصوف لا يخرج بالإجماع عن الوقت الذي إذا انتهى ~~إليه غلب على ظنه أنه لو أخر المأمور به عنه لفات، وذلك لا يكون إلا بأمارة ~~تدل عليه، وهي بالإجماع غير خارجة عن الغرض المرجو وعلو السن، وكل واحد من ~~الأمرين مضطرب مختلف، فإنه قد يموت قبل ذلك، أو يعيش بعده فلا يعتمد عليه. # وإن كانت الغاية غير معلومة له مع أنه لا يجوز له التأخير عنها، كان ذلك ~~تكليفا بما لا يطاق، وهو ممتنع، وهذا كله فيما إذا جاز التأخير ms359 إلى غاية. # وإن كان التأخير لا إلى غاية، فإما أن يجوز ذلك ببدل، أو لا ببدل، فإن ~~كان ببدل، فذلك البدل إما أن يكون واجبا أو غير واجب، لا جائز أن لا يكون ~~واجبا وإما لما كان بدلا عن الواجب بالإجماع. # وإن كان واجبا فهو ممتنع لوجوه أربعة. الأول: أنه لو كان واجبا لوجب ~~إنباه المأمور حالة ورود الأمر نحوه على من حضر حذرا من فوات الواجب الذي ~~هو البدل، كما لو ضاق عليه الوقت وكان نائما، الثاني: هو أن الأمر لا تعرض ~~فيه لوجوب البدل، والأصل عدم دليل آخر، ويمتنع القول بوجوب ما لا دليل ~~عليه. # الثالث: أن البدل لو كان واجبا، لكان قائما مقام المبدل ومحصلا لمقصوده، ~~وإما لما كان بدلا، لما فيه من فوات مقصود الأصل، ويلزم من ذلك سقوط ~~المأمور به بالكلية بتقدير الإتيان بالبدل ضرورة حصول مقصوده، وهو محال. # الرابع: أنه لو كان البدل واجبا لم يخل إما أن يجوز تأخيره عن الوقت ~~الثاني، من ورود الأمر أو لا يجوز: فإن كان الأول فالكلام فيه كالكلام في ~~أصل المأمور به، وهو تسلسل ممتنع. # PageV02P167 # وإن كان الثاني، فهو أيضا ممتنع ; لأن البدل لا يزيد على نفس المبدل، ~~ووقت المبدل غير معين فكذلك البدل، وإن جاز التأخير أبدا لا ببدل، ففيه ~~إخراج الواجب عن حقيقته، وهو محال. # الرابع: من الوجوه الأول أن امتثال المأمور به من الخيرات، وهو سبب ~~الثواب فوجب تعجيله لقوله تعالى: {فاستبقوا الخيرات} وقوله تعالى: {وسارعوا ~~إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض} أمر بالمسارعة والمسابقة ~~وهي التعجيل، والأمر للوجوب. # والجواب عن الوجه الأول أنه إنما فهم التعجيل من أمر السيد بسقي الماء من ~~الظن الحاصل بحاجة السيد إليه في الحال، إذ الظاهر أنه لا يطلب سقي الماء ~~من غير حاجة إليه، حتى أنه لو لم يعلم أو يظن أن حاجته إليه داعية في ~~الحال، لما فهم من أمره التعجيل، ولا حسن ذم العبد بالتأخير. # فإن قيل: أهل العرف إنما يذمون العبد بمخالفة ms360 مطلق الأمر، ويقولون في ~~معرض الذم " خالف أمر سيده " وذلك يدل على أن مطلق الأمر هو المقتضي ~~للتعجيل دون غيره. # قلنا: إنما نسلم صحة ذلك في الأمر المقيد بالقرينة دون المطلق، والأمر ~~فيما نحن فيه مقيد، ثم هو معارض عند مطلق الأمر بصحة عذر العبد بقوله: " ~~إنما أخرت لعدم علمي وظني بدعوى حاجته إليه في الحال " وليس أحد الأمرين ~~أولى من الآخر. # وعن الثاني من وجهين. # الأول: لا نسلم تعين أقرب الأماكن، ولا نسلم أن قوله " أنت طالق، وأنت حر ~~" يفيد صحة الطلاق والعتق بوضعه له لغة، بل ذلك لسبب جعل الشرع له علامة ~~على ذلك الحكم الخالي، ولا يلزم من ذلك أن يكون الأمر موضوعا للفور. # الثاني: أن حاصله يرجع إلى القياس في اللغة، وهو ممتنع كما سبق. # وعن الثالث والرابع ما سبق في المسألة المتقدمة. # وعن الخامس أن توبيخه لإبليس إنما كان ذلك لإبائه واستكباره، ويدل عليه ~~قوله تعالى: {إلا إبليس أبى واستكبر} ولتخيره على آدم بقوله: # PageV02P168 # {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} ولا يمكن إضافة التوبيخ إلى ~~مطلق الأمر من حيث هو أمر ; لأنه منقسم إلى أمر إيجاب واستحباب، كما سبق ~~تقريره، ولا توبيخ على مخالفة أمر الاستحباب إجماعا. # ولو كان التوبيخ على مطلق الأمر، لكان أمر الاستحباب موبخا على مخالفته، ~~فلم يبق إلا أن يكون التوبيخ على أمر الإيجاب، وهو منقسم إلى أمر إيجاب على ~~الفور، وأمر إيجاب على التراخي، كما إذا قال " أوجبت عليك متراخيا " ولا ~~يلزم منه أن يكون مطلق الأمر للإيجاب حالا. # وإن سلمنا أنه وبخه على مخالفة الأمر في الحال، ولكن لا نسلم أن الأمر ~~بالسجود كان مطلقا، بل هو مقترن بقرينة لفظية موجبة لحمله على الفور، وهي ~~قوله تعالى: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} رتب السجود ~~على هذه الأوصاف بفاء التعقيب، وهي مقتضية للسجود عقبها على الفور من غير ~~مهلة. # قولهم لم قلتم بأنه لا يكون مستلزما للفور بواسطة دلالته على وجوب الفعل ~~قلنا ms361 الأصل عدم ذلك. # قولهم: إنه يجب تعجيل اعتقاد وجوب الفعل، قلنا ولم يلزم منه تعجيل وجوب ~~الفعل (1) . # قولهم: إنه من لوازم وجوب الفعل، قلنا: من لوازم وجوب تقديم الفعل، أو من ~~لوازم وجوب الفعل، الأول ممنوع، والثاني مسلم، ولكن لا يلزم منه وجوب تقديم ~~الفعل، بدليل ما لو أوجب الفعل مصرحا بتأخيره، فإنه يجب تعجيل اعتقاد ~~وجوبه، وإن لم يكن وجوب الفعل على الفور. # قولهم: القول بالتعجيل أحوط للمكلف، قلنا: الاحتياط إنما هو باتباع ~~المكلف ما أوجبه ظنه: فإن ظن الفور، وجب عليه اتباعه، وإن ظن التراخي، وجب ~~عليه اتباعه، وإلا فبتقدير أن يكون قد غلب على ظنه التراخي، فالقول بوجوب ~~التعجيل على خلاف ظنه، يكون حراما وارتكاب المحرم يكون إضرارا، فلا يكون ~~احتياطا. # قولهم: لو جاز التأخير، إما أن يكون إلى غاية، أو لا إلى غاية إلى آخره ~~PageV02P169 # فهو منقوض بما لو صرح الآمر بجواز التأخير، فإن كل ما ذكروه من الأقسام ~~متحقق فيه، مع جواز تأخيره. # وما ذكروه من الآيتين الأخيرتين فهي غير دالة على وجوب تعجيل الفعل ~~المأمور به، فإنهما بمنطوقهما يدلان على المسارعة إلى الخيرات والمغفرة. # والمراد به إنما هو المسارعة إلى سبب ذلك، ودلالتهما على السبب إنما هي ~~بجهة الاقتضاء، والاقتضاء لا عموم له، على ما يأتي تقريره، فلا دلالة لهما ~~على المسارعة إلى كل سبب للخيرات والمغفرة، فيختص ذلك بما اتفق على وجوب ~~تعجيله من الأفعال المأمور بها، ولا يعم كل فعل مأمور به (1) . ### | [المسألة السادسة الأمر بالشيء على التعيين] # المسألة السادسة (2) الأمر بالشيء على التعيين (3) هل هو نهي عن أضداده؟ ~~اختلفوا فيه: وتفصيل المذاهب: أما أصحابنا فالأمر عندهم هو الطلب القائم ~~بالنفس، وقد اختلفوا: فمنهم من قال: الأمر بالشيء بعينه نهي عن أضداده، وإن ~~طلب الفعل بعينه هو طلب ترك أضداده، وهو قول القاضي أبي بكر في أول أقواله. # ومنهم من قال: هو نهي عن أضداده، بمعنى أنه يستلزم النهي عن الأضداد لا ~~أن الأمر هو عين النهي، وهو آخر ما اختاره القاضي ms362 في آخر أقواله (4) . ~~PageV02P170 # ومنهم من منع من ذلك مطلقا (1) وإليه ذهب إمام الحرمين والغزالي. # وأما المعتزلة: فالأمر عندهم نفس صيغة " افعل " وقد اتفقوا على أن عين ~~صيغة " افعل " لا تكون نهيا ; لأن صيغة النهي " لا تفعل " وليس إحداهما عين ~~الأخرى، وإنما اختلفوا في أن الأمر بالشيء هل يكون نهيا عن أضداده من جهة ~~المعنى. # فذهب القدماء من مشايخ المعتزلة إلى منعه، ومن المعتزلة من صار إليه، ~~كالعارضي (2) وأبي الحسين البصري، وغيرهما من المعتبرين منهم. # ومعنى كونه نهيا عن الأضداد من جهة المعنى عندهم، أن صيغة الأمر تقتضي ~~إيجاد الفعل، والمنع من كل ما يمنع منه. # ومنهم من فصل بين أمر الإيجاب والندب، وحكم بأن أمر الإيجاب يكون نهيا عن ~~أضداده، ومقبحا لها، لكونها مانعة من فعل الواجب، بخلاف المندوب. # ولهذا فإن أضداد المندوب من الأفعال المباحة غير منهي عنها، لا نهي تحريم ~~ولا نهي تنزيه. # والمختار إنما هو التفصيل، وهو إما أن نقول بجواز التكليف بما لا يطاق، ~~أو لا نقول به، فإن قلنا بجوازه، على ما هو مذهب الشيخ أبي الحسن (رحمة ~~الله عليه) كما سبق تقريره، فالأمر بالفعل لا يكون بعينه نهيا عن أضداده، ~~ولا مستلزما للنهي عنها، بل جائز أن نؤمر بالفعل وبضده في الحالة الواحدة، ~~فضلا عن كونه لا يكون منهيا عنه (3) . PageV02P171 # وإن منعنا ذلك فالمختار أن الأمر بالشيء يكون مستلزما للنهي عن أضداده، ~~لا أن يكون عين الأمر هو عين النهي عن الضد (1) وسواء كان الأمر أمر إيجاب ~~أو ندب. # أما أنه مستلزم للنهي عن الأضداد، فلأن فعل المأمور به لا يتصور إلا بترك ~~أضداده. # وما لا يتم فعل المأمور به دون تركه، فهو واجب الترك إن كان الأمر ~~للإيجاب، ومندوب إلى تركه إن كان الأمر للندب، على ما سبق تقريره. # وهو معنى كونه منهيا عنه، غير أن النهي عن أضداد الواجب يكون نهي تحريم، ~~وعن أضداد المندوب نهي كراهة وتنزيه، وأما أنه لا يكون عين الأمر هو عين ~~النهي. فإذا قلنا إن الأمر هو ms363 صيغة (افعل) فظاهر، على ما سبق (2) وأما على ~~قولنا إن الأمر هو الطلب القائم بالنفس، فلأنا إذا فرضنا الكلام في الطلب ~~النفساني القديم، فهو وإن اتحد على أصلنا (3) فإنما يكون أمرا بسبب تعلقه ~~بإيجاد الفعل، وهو من هذه الجهة لا يكون نهيا، بسبب تعلقه بترك الفعل، وهما ~~بسبب التغاير في التعلق والمتعلق متغايران. # وإن فرضنا الكلام في الطلب القائم بالمخلوق فهو وإن تعدد، فالأمر منه ~~أيضا إنما هو الطلب المتعلق بتركه وهما غيران. # فإن قيل: لو كان الأمر بالفعل مستلزما للنهي عن أضداده لكان الأمر ~~بالعبادة مستلزما للنهي عن جميع المباحات المضادة لها، ويلزم من ذلك أن ~~تكون حراما إن كان النهي نهي تحريم أو مكروهة إن كان النهي نهي تنزيه. # وخرج المباح عن كونه مباحا، كما ذهب إليه الكعبي (4) من المعتزلة، ~~PageV02P172 # بل ويلزم منه أن يكون ما عدا العبادة المأمور بها من العبادات المضادة ~~لها منهيا عنها ومحرمة أو مكروهة وهو محال. # كيف وإن الآمر بالفعل قد يكون غافلا عن أضداده، والغافل عن الشيء لا يكون ~~ناهيا عنه ; لأن النهي عن الشيء يستدعي العلم به، والعلم بالشيء مع الذهول ~~عنه محال. # سلمنا أنه مستلزم للنهي عن أضداده، لكن يمتنع أن يكون النهي عن الأضداد ~~غير الأمر، بل يجب أن يكون هو هو بعينه، كما قاله القاضي أبو بكر في أحد ~~قوليه. # ومأخذه أنه إذا وقع الاتفاق على أنه يلزم من الأمر بالفعل النهي عن ~~أضداده، فذلك النهي إن كان هو غير الأمر، فإما أن يكون ضدا له أو مثلا (1) ~~أو خلافا. لا جائز أن يقال بالمضادة، وإلا لما اجتمعا، وقد اجتمعا. # ولا جائز أن يكون مثلا لأن المتماثلات أضداد على ما عرف في الكلاميات. # ولا جائز أن يكون خلافا، وإلا جاز وجود أحدهما دون الآخر، كما في العلم ~~والإرادة ونحوهما، ولجاز أن يوجد أحدهما مع ضد الآخر، كما يوجد العلم ~~بالشيء مع الكراهة المضادة لإرادته، ويلزم من ذلك أنه إذا أمر بالحركة ~~المضادة للسكون إذا كان النهي عن السكون ms364 مخالفا للأمر بالحركة أن يجتمع ~~الأمر بالحركة والأمر بالسكون المضاد المنهي عنه، وفيه الأمر بالضدين معا، ~~وهو ممتنع على ما وقع به الفرض، وإذا بطلت المغايرة تعين الاتحاد. # وعلى هذا فالحركة عين ترك PageV02P173 # السكون، وشغل الجوهر بحيز هو عين تفريغه لغيره (1) وعين القرب من المشرق ~~بالفعل الواحد هو عين البعد من المغرب، فطلب أحدهما بعينه طلب الآخر لاتحاد ~~المطلوب. # والجواب: عن السؤال الأول أنا لا نمنع من كون المباحات بل الواجبات ~~المضادة المأمور بها منهيا عنها من جهة كونها مانعة من فعل المأمور به، لا ~~في ذاتها كما نقول في فعل الصلاة في الدار المغصوبة، فإنه في ذاته غير منهي ~~عنه، وإن كان منهيا عنه من جهة ما يتعلق به من شغل ملك الغير، كما سبق ~~ذكره. # ولا التفات إلى ما يهول به من خروج المباحات عن كونها مباحة، فإن ذلك ~~إنما يلزم أن لو قيل بكونها منهيا عنها في ذواتها. # وأما إذا قيل بكونها منهيا مانعة من فعل المأمور به فلا. # قولهم: إنه قد يأمر بالفعل من هو غافل عن أضداده، قلنا: لا نسلم أن الآمر ~~بالشيء عند كونه آمرا به يتصور أن يكون غافلا عن طلب ترك ما يمنع من فعل ~~المأمور به من جهة الجملة، وإن كان غافلا عن تفصيله. # ونحن إنما نريد بقولنا إن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن الأضداد من جهة ~~الجملة لا من جهة التفصيل، قولهم: إنه يمتنع أن يكون النهي عن الأضداد غير ~~الأمر، قلنا: دليله ما سبق (2) . # وما ذكره القاضي أبو بكر من الدليل، فالمختار منه إنما هو قسم التخالف، ~~ولا يلزم من ذلك جواز انفكاك أحدهما عن الآخر لجواز أن يكونا من قبيل ~~المختلفات المتلازمة كما في المتضايفات (3) وكل متلازمين من الطرفين وبه ~~PageV02P174 # يمتنع (1) الجمع بين وجود أحدهما، وضد الآخر ولا يلزم من جواز ذلك في بعض ~~المختلفات جوازه في الباقي، وإذا بطل ما ذكره من دليل الاتحاد بطل ما هو ~~مبني عليه. ### | [المسألة السابعة الإتيان بالمأمور به يدل على الإجزاء] ms365 # المسألة السابعة # مذهب أصحابنا والفقهاء وأكثر المعتزلة أن الإتيان بالمأمور به يدل على ~~الإجزاء، خلافا للقاضي عبد الجبار من المعتزلة ومتبعيه، فإنه قال: لا يدل ~~على الإجزاء. # وقبل الخوض في الحجاج، لا بد من تحقيق معنى الإجزاء ليكون التوارد بالنفي ~~والإثبات على محز واحد، فنقول كون الفعل مجزئا، قد يطلق بمعنى أنه امتثل به ~~الأمر عندما إذا أتي به على الوجه الذي أمر به، وقد يطلق بمعنى أنه مسقط ~~للقضاء. # وإذا علم معنى كون الفعل مجزئا فقد اتفق الكل على أن الإتيان بالمأمور به ~~على الوجه الذي أمر به، يكون مجزئا بمعنى كونه امتثالا للأمر، وذلك مما لا ~~خلاف فيه. # وإنما خالف القاضي عبد الجبار في كونه مجزئا بالاعتبار الآخر، وهو أنه لا ~~يسقط القضاء، ولا يمتنع مع فعله من الأمر بالقضاء وهو مصرح به في عمده. # وعلى هذا، فكل من استدل من أصحابنا كإمام الحرمين وغيره من القائلين ~~بالإجزاء على كون الفعل امتثالا وخروجا عن عهدة الأمر الأول، فقد استدل على ~~محل الوفاق وحاد عن موضع النزاع. # لكن قد أورد أبو الحسين البصري إشكالا على تفسير إجزاء الفعل بكونه مسقطا ~~للقضاء، وقال: لو أمر بالصلاة مع الطهارة فأتى بها من غير طهارة، ومات عقيب ~~الصلاة فإنه لا يكون فعله مجزئا، وإن كان القضاء ساقطا (2) . # وربما زاد عليه بعض الأصحاب، وقال: يمتنع تفسير الإجزاء بسقوط القضاء؛ ~~لأنا نعلل وجوب القضاء بكون الفعل الأول لم يكن مجزئا، والعلة لا بد وأن ~~تكون مغايرة للمعلول. PageV02P175 # والوجه في إبطالهما (1) أن يقال: أما الأول فلأن الإجزاء ليس هو نفس سقوط ~~القضاء مطلقا ليلزم ما قيل، بل سقوط القضاء بالفعل في حق من يتصور في حقه ~~وجوب القضاء، وذلك غير متصور في حق الميت (2) . # وأما الثاني: فلأن علة صحة (3) وجوب القضاء إنما هو استدراك ما فات من ~~مصلحة أصل العبادة، أو صفتها، أو مصلحة ما انعقد سبب وجوبه. # ولم يجب لمانع " لا ما قيل " (4) . # وإذا تنقح محل النزاع فنعود إلى المقصود، فنقول: الفعل المأمور به ms366 لا ~~يخلو: إما أن يكون قد أتى به المأمور على نحو ما أمر به من غير خلل ولا نقص ~~في صفته وشرطه، أو أتى به على نوع من الخلل. # والقسم الثاني: " أنه " لا نزاع في كونه غير مجزئ ولا مسقط للقضاء وإنما ~~النزاع في القسم الأول، وليس النزاع فيه أيضا من جهة أنه يمتنع ورود أمر ~~مجدد بعد خروج الوقت بفعل مثل ما أمر به أولا، وإنما النزاع في ورود الأمر ~~بالفعل متصفا بصفة القضاء، والحق نفيه؛ لأن القضاء عبارة عن استدراك ما فات ~~من مصلحة الأداء، أو مصلحة صفته، أو شرطه. # وإذا كان المأمور به قد فعل على جهة الكمال والتمام، من غير نقص ولا خلل ~~فوجوب القضاء استدراكا لما قد حصل تحصيل للحاصل، وهو محال. # ومن ينفي القضاء إنما ينفيه بهذا التفسير، وهذا مما يتعذر مع تحقيقه ~~المنازعة فيه، وإن كان لا ينكر إمكان ورود الأمر خارج الوقت، بمثل ما فعل ~~أولا غير أنه لا يسميه قضاء، ومن سماه قضاء فحاصل النزاع معه آيل إلى اللفظ ~~دون المعنى. PageV02P176 # شبه الخصوم: الأولى أن من صلى وهو يظن أنه متطهر - ولم يكن متطهرا - ~~مأمور بالصلاة، فإن كان مأمورا بها مع الطهارة حقيقة فهو عاص آثم بصلاته ~~حيث لم يكن متطهرا، وإن كان مأمورا بالصلاة على حسب حاله فقد أتى بما أمر ~~به على الوجه الذي أمر به، ومع ذلك يجب عليه القضاء إذ لم يكن متطهرا. # وكذلك المفسد للحج مأمور بمضيه في حجه الفاسد على حسب حاله، ويجب عليه ~~القضاء. # الثانية: أن الأمر لا يدل على غير طلب الفعل، ولا دلالة له على امتناع ~~التكليف بمثل فعل ما أمر به، فلا يكون مقتضيا له. # الثالثة: أن الأمر مثل النهي في الطلب، والنهي لا دلالة فيه على فساد ~~المنهي عنه، فالأمر لا يدل على كون المأمور به مجزئا. # وجواب الأولى: أنا لا نسلم وجوب القضاء فيما إذا صلى على ظن الطهارة، ثم ~~علم أنه لم يكن متطهرا على قول لنا، وإن ms367 سلمنا وجوب القضاء لكنه ليس واجبا ~~عما أمر به من الصلاة المظنون طهارتها، ولا عما أمر به من المضي في الحج ~~الفاسد لأنه قد أتى بما أمر به على النحو الذي أمر به، وإنما القضاء ~~استدراك لمصلحة ما أمر به أولا من الصلاة مع الطهارة، والحج العري عن ~~الفساد. # وعن الثانية: أنا لا نمنع من ورود أمر يدل على مثل ما فعل أولا، وإنما ~~المدعى أنه إذا أتى المأمور بفعل المأمور به على نحو ما أمر به امتنع وجوب ~~القضاء بما ذكرناه من التفسير (1) # وعن الثالثة: أنه قياس في اللغة، وقد أبطلناه وإن سلم صحته، غير أنا لا ~~نقول بأن الأمر يدل على الإجزاء بمعنى امتناع وجوب القضاء، بل امتثال الأمر ~~هو المانع من وجوب القضاء على ما تقرر (2) وفرق بين الأمرين. PageV02P177 ### | [المسألة الثامنة ورود صيغة افعل بعد الحظر] # المسألة الثامنة # إذا وردت صيغة " افعل " بعد الحظر، فمن قال إنها للوجوب قبل الحظر ~~اختلفوا، فمنهم من أجراها على الوجوب ولم يجعل لسبق الحظر تأثيرا ~~كالمعتزلة. # ومنهم من قال بأنها للإباحة ورفع الحجر لا غير وهم أكثر الفقهاء. # ومنهم من توقف كإمام الحرمين وغيره. # والمختار أنها وإن كانت ظاهرة في الطلب والاقتضاء، وموقوفة بالنسبة إلى ~~الوجوب والندب على ما سبق تقرير كل واحد من الأمرين، إلا أنها محتملة ~~للإباحة وللإذن في الفعل كما تقدم. # فإذا وردت بعد الحظر احتمل أن تكون مصروفة إلى الإباحة ورفع الحجر كما في ~~قوله تعالى {وإذا حللتم فاصطادوا} ، {فإذا طعمتم فانتشروا} ، {فإذا قضيت ~~الصلاة فانتشروا} ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «كنت نهيتكم عن ادخار ~~لحوم الأضاحي فادخروا» " واحتمل أن تكون مصروفة إلى الوجوب، كما لو قيل ~~للحائض والنفساء: إذا زال عنك الحيض فصلي وصومي. # وعند هذا فإما أن يقال بتساوي الاحتمالين، أو بترجيح أحدهما على الآخر. # فإن قيل بالتساوي امتنع الجزم بأحدهما ووجب التوقف. # وإن قيل بوجوب الترجيح وامتناع التعارض من كل وجه فليس اختصاص الوجوب به ~~أولى من الإباحة، إلا أن يقوم الدليل على التخصيص، ms368 والأصل عدمه. # وعلى هذا أيضا فيجب التوقف، كيف وأن احتمال الحمل على الإباحة أرجح؟ نظرا ~~إلى غلبة ورود مثل ذلك للإباحة دون الوجوب. # وعلى كل تقدير فيمتنع الصرف إلى الوجوب. # وبالجملة فهذه المسألة مستمدة من مسألة أن صيغة (افعل) إذا وردت مطلقة هل ~~هي ظاهرة في الوجوب أو الندب أو موقوفة؟ # وقد تقرر مأخذ كل فريق وما هو المختار فيه. (والله أعلم) . # PageV02P178 ### | [المسألة التاسعة إذا ورد الأمر بعبادة في وقت مقدر فلم تفعل فيه] # المسألة التاسعة # إذا ورد الأمر بعبادة في وقت مقدر فلم تفعل فيه لعذر أو لغير عذر، أو ~~فعلت فيه على نوع من الخلل، اختلفوا في وجوب قضائها بعد ذلك الوقت هل هو ~~بالأمر الأول أو بأمر مجدد؟ # الأول هو مذهب الحنابلة وكثير من الفقهاء، والثاني هو مذهب المحققين من ~~أصحابنا والمعتزلة. # ونقل عن أبي زيد الدبوسي أنه قال بوجوب القضاء بقياس الشرع. # وإن ورد مطلقا غير مقيد بوقت فمن قال بحمله على الفور. # اختلفوا فيما إذا وقع الإخلال به في أول وقت الإمكان هل يجب قضاؤه بنفس ~~ذلك الأمر أو بأمر مجدد؟ # والمختار أنه مهما قيد الأمر بوقت فالقضاء بعده لا يكون إلا بأمر مجدد. # وبيانه من وجوه: # الأول: أنه لو كان الأمر الأول مقتضيا للقضاء لكان مشعرا به، وهو غير ~~مشعر به، فإنه إذا قال " صم في يوم الخميس أو صل في وقت الزوال " فإنه لا ~~إشعار له بإيقاع الفعل في غير ذلك الوقت لغة. # الثاني: أنه إذا علق الفعل بوقت معين فلا بد وأن يكون ذلك لحكمة ترجع إلى ~~المكلف إذ هو الأصل في شرع الأحكام. # وسواء ظهرت الحكمة أم لم تظهر، وتلك الحكمة إما أن تكون حاصلة من الفعل ~~في غير ذلك الوقت، أو غير حاصلة وليست حاصلة لثلاثة أوجه: # الأول: أنه يحتمل أن يكون ويحتمل أن لا يكون، والأصل العدم. # الثاني: أنها لو كانت حاصلة فإما أن تكون مثلا لها في الوقت الأول أو ~~أزيد، لا جائز أن تكون أزيد وإلا كان ms369 الحث على إيجاد الفعل بعد فوات وقته ~~أولى من فعله في الوقت وهو محال، وإن كانت مثلا فهو ممتنع، وإلا لما كان ~~تخصيص أحد الوقتين بالذكر أولى من الآخر. # PageV02P179 # الثالث: أن الفعل في الوقت موصوف بكونه أداء، وقد قال - عليه السلام - ~~(1) : " «لن يتقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت عليهم» ". # وإذا لم تكن حاصلة في الوقت الثاني حسب حصولها في الوقت الأول، فلا يلزم ~~من اقتضاء الأمر للفعل في الوقت الأول أن يكون مقتضيا له فيما بعده. # وصار هذا كما لو أمر الطبيب بشرب الدواء في وقت فإنه لا يكون متناولا ~~لغير ذلك الوقت. # وكذلك إذا علق الأمر بشرط معين كاستقبال جهة معينة، أو بمكان معين كالأمر ~~بالوقوف بعرفة، فإنه لا يكون متناولا لغيره. # الوجه الثالث من الوجوه الأول: هو أن العبادات المأمور بها منقسمة إلى ما ~~يجب قضاؤه كالصوم والصلاة، وإلى ما لا يجب كالجمعة والجهاد، فلو كان الأمر ~~الأول مقتضيا للقضاء لكان القول بعدم القضاء فيما فرض من الصور على خلاف ~~الدليل، وهو ممتنع. # الرابع: قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «من نام عن صلاة أو نسيها ~~فليصلها إذا ذكرها» " أمر بالقضاء، ولو كان مأمورا به بالأمر الأول لكانت ~~فائدة الخبر التأكيد، ولو لم يكن مأمورا به لكانت فائدته التأسيس، وهو أولى ~~لعظم فائدته. # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض من خمسة أوجه: # الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم» " ومن فاته الوقت الأول فهو مستطيع للفعل في الوقت الثاني. # الثاني: أن الأمر إنما يدل على طلب الفعل، وهو مقتضاه، وأما الزمان فلا ~~يكون مطلوبا بالأمر إذ ليس هو من فعل المكلف، وإنما وقع ذلك ضرورة كونه ~~ظرفا للفعل، فاختلاله لا يؤثر في مقتضى الأمر وهو الفعل. # الثالث: أن الغالب من المأمورات في الشرع إنما هو القضاء بتقدير فوات ~~أوقاتها المعينة، ولا بد لذلك من مقتض، والأصل عدم كل ما سوى الأمر السابق، ~~فكان هو المقتضى. PageV02P180 # الرابع: أنه لو وجب القضاء بأمر مجدد لكان ms370 أداء كما في الأمر الأول، ولما ~~كان لتسميته قضاء معنى. # الخامس: أن العبادة حق لله تعالى، والوقت المفروض كالأجل لها، ففوات ~~أجلها لا يوجب سقوطها كما في الدين للآدمي، ولأنه لو سقط وجوب الفعل بفوات ~~الوقت لسقط المأثم لأنه من أحكام وجوب الفعل، ولأن الأصل بقاء الوجوب، ~~فالقول بالسقوط بفوات الأجل على خلاف مقتضى الأصل. # والجواب عن المعارضة الأولى: أن الخبر دليل وجوب الإتيان بما استطيع من ~~المأمور به، وإنما يفيد أن لو كان الفعل في الوقت الثاني داخلا تحت الأمر ~~الأول، وهو محل النزاع. # وعن الثاني: أن الأمر اقتضى مطلق الفعل أو فعلا مخصوصا بصفة وقوعه في وقت ~~معين، الأول ممنوع، والثاني مسلم. # وعن الثالث أن القضاء فيما قيل بقضائه إنما كان بناء على أدلة أخرى، لا ~~بالأمر الأول. # قولهم الأصل عدم ما سوى الأمر الأول، قلنا: والأصل عدم دلالة الأمر الأول ~~عليه، كيف وقد بينا عدم دلالته؟ # وعن الرابع أنه إنما سمي قضاء لكونه مستدركا لما فات من مصلحة الفعل ~~المأمور به أولا، أو مصلحة وصفه كما تقدم تحقيقه. # وعن الخامس بمنع كون الوقت أجلا للفعل المأمور به، إذ الأجل عبارة عن وقت ~~مهلة وتأخير المطالبة بالواجب من أوله إلى آخره، كما في الحول بالنسبة إلى ~~وجوب الزكاة. # ولذلك لا يأثم بإخراج وقت الأجل عن قضاء الدين، وإخراج الحول عن أداء ~~الزكاة فيه، ولا كذلك الوقت المقدر للصلاة، بل هو صفة الفعل الواجب. # ومن وجب عليه فعل بصفة لا يكون مؤديا له دون تلك الصفة. # وعلى هذا فلا يخفى الكلام في الأمر المطلق إذا كان محمولا على الفور، ولم ~~يؤت بالمأمور به في أول وقت الإمكان. # PageV02P181 ### | [المسألة العاشرة الأمر المتعلق بأمر المكلف لغيره بفعل من الأفعال] # المسألة العاشرة # الأمر المتعلق بأمر المكلف لغيره بفعل من الأفعال لا يكون أمرا لذلك ~~الغير بذلك الفعل. # وبيانه من وجهين: الأول: أنه لو كان أمرا لذلك الغير لكان ذلك مقتضاه ~~لغة، ولو كان كذلك لكان أمره - صلى الله عليه وسلم - لأولياء الصبيان ms371 ~~بقوله: " «مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع» " أمرا للصبيان بالصلاة من الشارع، ~~وليس كذلك لوجهين: # الأول: أن الأمر الموجه نحو الأولياء أمر تكليف، ولذلك يذم الولي بتركه ~~شرعا، فلو كان ذلك أيضا أمرا للصبيان لكانوا مكلفين بأمر الشارع، وخاصة ذلك ~~لحقوق الذم بالمخالفة شرعا، وهو غير متصور في حق الصبيان، لعدم فهمهم لخطاب ~~الشارع. # ويدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي ~~حتى يبلغ» " الخبر، ويمكن أن يقال فيه: الأمر للولي والصبي، وإن كان واحدا، ~~غير أن نسبته إليهما مختلفة فلا يمتنع اختلافهما في الذم بسبب ذلك. # الثاني: أنه لو كان أمرا للصبي لم يخل إما أن يكون أهلا لفهم الشارع، أو ~~لا يكون أهلا له. # فإن كان الأول فلا حاجة إلى أمر الولي له، أو أن يكون أحد الأمرين ~~تأكيدا، والأصل في إفادة الألفاظ لمعانيها إنما هو التأسيس. وإذا لم يكن ~~أهلا له فأمره وخطابه ممتنع بالإجماع. # وإذا لم يكن أمر الولي بأمر الصبيان أمرا للصبيان فإما أن يكون ذلك لعدم ~~اقتضائه لذلك لغة أو لمعارض، والمعارضة يلزم منها تعطيل أحد الدليلين عن ~~إعماله وهو خلاف الأصل، فلم يبق إلا أن يكون ذلك لعدم اقتضائه له لغة وهو ~~المطلوب. # الثاني من الوجهين الأولين: أنه يحسن أن يقول السيد لعبده سالم: " مر ~~غانما بكذا "، ويقول لغانم: " لا تطعه "، ولا يعد ذلك مناقضة في كلامه، ولو ~~كان ذلك أمرا لغانم لكان كأنه قال: " أوجبت عليك طاعتي ولا تطعني " وهو ~~تناقض. # وعلى هذا لو أوجب الآمر على المأمور أن يأخذ من غيره مالا لا يكون ذلك ~~إيجابا للإعطاء على ذلك الغير كما في قوله تعالى لنبيه: {خذ من أموالهم ~~صدقة} فإن ذلك لا يدل على إيجاب إعطاء الصدقة على الأمة بنفس ذلك الإيجاب، ~~بل إن # PageV02P182 # وجب فإنما يجب بدليل آخر موجب لطاعة الرسول فيما يحكم به تعظيما له، ~~ونفيا لما يلزم من مخالفته من تحقيره وهضمه في أعين الناس المبعوث إليهم، ~~المفضي إلى الإخلال بمقصود البعثة، وإلا فلا ms372 يبعد أن يقول السيد لأحد ~~عبديه: " أوجبت عليك أن تأخذ من العبد الآخر كذا " ويقول للآخر: " حرمت ~~عليك موافقته " من غير مناقضة فيما أوجبه، ولو كان إيجاب ذلك على أحد ~~العبدين إيجابا على العبد الآخر لكان تناقضا. # فإن قيل وجوب الأخذ إنما يتم بالإعطاء، وما لا يتم الواجب إلا به فهو ~~واجب. # قلنا: إن كان الوجوب متعلقا بنفس الطلب فهو غير متوقف على الإعطاء. # وإن كان متعلقا بنفس الأخذ، وإن كان لا يتم ذلك دون الإعطاء فليس كل ما ~~يتوقف عليه الواجب يكون واجبا، إلا أن يكون ذلك مقدورا لمن وجب عليه الأخذ، ~~وإعطاء الغير غير مقدور لمن وجب عليه الأخذ فلا يكون واجبا. ### | [المسألة الحادية عشرة إذا أمر بفعل من الأفعال مطلقا غير مقيد في اللفظ بقيد خاص] # المسألة الحادية عشرة (1) إذا أمر بفعل من الأفعال مطلقا غير مقيد في ~~اللفظ بقيد خاص # قال بعض أصحابنا: الأمر إنما تعلق بالماهية الكلية المشتركة ولا تعلق له ~~بشيء من جزئياتها، وذلك كالأمر بالبيع فإنه لا يكون أمرا بالبيع بالغبن ~~الفاحش ولا بثمن المثل إذ هما متفقان في مسمى البيع ومختلفان بصفتهما. # والأمر إنما تعلق بالقدر المشترك، وهو غير مستلزم لما تخصص به كل واحد من ~~الأمرين، فلا يكون الأمر المتعلق بالأعم متعلقا بالأخص اللهم إلا أن تدل ~~القرينة على إرادة أحد الأمرين. # قال: ولذلك قلنا إن الوكيل في البيع المطلق لا يملك البيع بالغبن الفاحش، ~~وهو غير صحيح. # وذلك لأن ما به الاشتراك بين الجزئيات معنى كلي لا تصور لوجوده في ~~الأعيان وإلا كان موجودا في جزئياته. # ويلزم من ذلك انحصار ما يصلح اشتراك كثيرين فيه فيما لا يصلح لذلك وهو ~~محال. PageV02P183 # وعلى هذا فليس معنى اشتراك الجزئيات في المعنى الكلي سوى أن الحد المطابق ~~للطبيعة الموصوفة بالكلية مطابق للطبيعة الجزئية، بل إن تصور وجوده فليس في ~~غير الأذهان. # وإذا كان كذلك فالأمر طلب إيقاع الفعل على ما تقدم، وطلب الشيء يستدعي ~~كونه متصورا في نفس الطالب على ما تقدم تقريره. ms373 # وإيقاع المعنى الكلي في الأعيان غير متصور في نفسه فلا يكون متصورا في ~~نفس الطالب فلا يكون آمرا به، ولأنه يلزم منه التكليف بما لا يطاق، ومن أمر ~~بالفعل مطلقا لا يقال إنه مكلف بما لا يطاق، فإذا الأمر لا يكون بغير ~~الجزئيات الواقعة في الأعيان لا بالمعنى الكلي، وبطل ما ذكره. # ثم وإن سلم أن الأمر متعلق بالمعنى الكلي المشترك وهو المسمى بالبيع، ~~فإذا أتى المأمور ببعض الجزئيات كالبيع بالغبن الفاحش فقد أتى بما هو مسمى ~~البيع المأمور به الموكل فيه، فوجب أن يصح نظرا إلى مقتضى صيغة الأمر ~~المطلق بالبيع. # وإن قيل بالبطلان فلا يكون ذلك لعدم دلالة الأمر به بل لدليل معارض. ### | [المسألة الثانية عشرة الأمران المتعاقبان] # المسألة الثانية عشرة # الأمران المتعاقبان إما أن لا يكون الثاني معطوفا على الأول أو يكون ~~معطوفا (1) ، فإن كان الأول فإما أن يختلف المأمور به أو يتماثل، فإن اختلف ~~فلا خلاف في اقتضاء المأمورين على اختلاف المذاهب في الوجوب والندب والوقف، ~~وسواء أمكن الجمع بينهما كالصلاة مع الصوم أم لا يمكن الجمع كالصلاة في ~~مكانين أو الصلاة مع أداء الزكاة، وإن تماثل فإما أن يكون المأمور به قابلا ~~للتكرار أو لا يكون قابلا له، فإن لم يكن قابلا له كقوله: " صم يوم الجمعة، ~~صم يوم الجمعة " فإنه للتأكيد المحض، وإن كان قابلا للتكرار فإن كانت ~~العادة مما تمنع من تكرره كقول السيد لعبده: " اسقني ماء اسقني ماء " أو ~~كان الثاني منهما PageV02P184 # معرفا كقوله: " أعط زيدا درهما أعط زيدا الدرهم " فلا خلاف أيضا في كون ~~الثاني مؤكدا للأول. # وإنما الخلاف فيما لم تكن العادة مانعة من التكرار والثاني غير معرف ~~كقوله: " صل ركعتين " " صل ركعتين ". # فقال القاضي عبد الجبار: إن الثاني يفيد غير ما أفاده الأول، ويلزم ~~الإتيان بأربع ركعات مصيرا منه إلى أن الأمر الثاني لو انفرد أفاد اقتضاء ~~الركعتين، فكذلك إذا تقدمه أمر آخر لأن الاقتضاء لا يختلف. # وخالفه أبو الحسين البصري بالذهاب إلى الوقف والتردد بين حمل الأمر ~~الثاني ms374 على الوجوب أو التوكيد للأول، والأظهر أنه إذا لم تكن العادة مانعة ~~من التكرار؛ ولا الثاني معرف أن مقتضى الثاني غير مقتضى الأول. # وسواء قلنا إن مقتضى الأمر الوجوب أم الندب أم هو موقوف بين الوجوب ~~والندب كما سبق، لأنه لو كان مقتضيا عين ما اقتضاه الأول كانت فائدته ~~التأكيد، ولو كان مقتضيا غير ما اقتضاه الأول لكانت فائدته التأسيس، ~~والتأسيس أصل، والتأكيد فرع، وحمل اللفظ على الفائدة الأصلية أولى. # فإن قيل إلا أنه يلزم منه تكثير مخالفة النفي الأصل، ودليل براءة الذمة ~~من القدر الزائد، وليس أحد الأمرين أولى من الآخر، فهو معارض بما يلزم من ~~التأكيد من مخالفة ظاهر الأمر، فإنه إما أن يكون ظاهرا في الوجوب أو الندب، ~~أو هو متردد بينهما على وجه لا خروج له عنهما على اختلاف المذاهب، وحمله ~~على التأكيد خلاف ما هو الظاهر من الأمر. # وإذا تعارض الترجيحان سلم لنا ما ذكرناه أولا. # كيف وإنه يحتمل أن يكون للوجوب في نفس الأمر، وفي تركه محذور فوات ~~المقصود من الواجب وتحصيل مقصود التأكيد، ولا يخفى أن تفويت مقصود التأكيد ~~وتحصيل مقصود الواجب أولى. # وأما إن كان الأمر الثاني معطوفا على الأول، فإن كان المأمور به مختلفا ~~فلا نزاع أيضا في اقتضائهما للمأمورين أمكن الجمع بينهما أو لم يمكن. # وإن تماثلا فالمأمور به إن لم يقبل التكرار فالأمر الثاني للتأكيد من غير ~~خلاف، كقوله: " صم يوم الجمعة وصم يوم الجمعة "، وإن كان قابلا للتكرار فإن ~~لم تكن العادة مانعة # PageV02P185 # من التكرار ولا الثاني معرف فالحكم على ما تقدم فيما إذا لم يكن حرف عطف، ~~ويزيد ترجيح آخر وهو موافقة الظاهر من حروف العطف، وذلك كقوله: " صل ركعتين ~~وصل ركعتين ". # وأما إن كانت العادة تمنع من التكرار أو كان الثاني معرفا كقوله: " اسقني ~~ماء واسقني ماء " وكقوله: " صل ركعتين وصل ركعتين " فقد تعارض الظاهر من ~~حروف العطف مع اللام المعرف، أو مع منع العادة من التكرار، ويبقى الأمر على ~~ما ذكرنا فيما إذا لم يكن ms375 حرف عطف، ولا ثم تعريف ولا عادة مانعة من ~~التكرار. وقد عرف ما فيه. # وأما إن اجتمع التعريف والعادة المانعة من التكرار في معارضة حرف العطف ~~كقوله: " اسقني ماء واسقني الماء " فالظاهر الوقف لأن حرف العطف مع ما ~~ذكرناه من الترجيح السابق الموجب لحمل الأمر الثاني على التأسيس واقع في ~~مقابلة العادة المانعة من التكرار ولام التعريف، ولا يبعد ترجيح أحد ~~الأمرين بما يقترن به من ترجيحات أخر. # PageV02P186 ### | [الصنف الثاني في النهي] ### | [المسألة النهي عن التصرفات والعقود المفيدة لأحكامها هل يقتضي فسادها] # اعلم أنه لما كان النهي مقابلا للأمر فكل ما قيل في حد الأمر على أصولنا ~~وأصول المعتزلة من المزيف والمختار. # فقد قيل مقابله في حد النهي ولا يخفى وجه الكلام فيه. # والكلام في النهي " على أصول أصحابنا " هل له صيغة تخصه وتدل عليه؟ فعلى ~~ما سبق في الأمر أيضا، وأن صيغة " لا تفعل " وإن ترددت بين سبعة محامل: وهي ~~التحريم والكراهة والتحقير كقوله تعالى: {ولا تمدن عينيك} ، وبيان العاقبة ~~كقوله: {ولا تحسبن الله غافلا} ، والدعاء كقوله: " لا تكلنا إلى أنفسنا "، ~~واليأس كقوله: {لا تعتذروا اليوم} ، والإرشاد كقوله: {لا تسألوا عن أشياء} ~~. # فهي حقيقة في طلب الترك واقتضائه، ومجاز فيما عداه. # وأنها هل هي حقية (1) في التحريم أو الكراهة أو مشتركة بينهما أو موقوفة؟ ~~فعلى ما سبق في الأمر من المزيف، والمختار، والخلاف في أكثر مسائله، فعلى ~~وزان الخلاف في مقابلاتها من مسائل الأمر ومأخذها كمأخذها فعلى الناظر ~~بالنقل والاعتبار. # غير أنه لا بد من الإشارة إلى ما تدعو الحاجة إلى معرفته من المسائل ~~الخاصة بالنهي، لاختصاصها بمأخذ لا تحقق له في مقابلاتها من مسائل الأمر، ~~وهي ثلاث مسائل. PageV02P187 # المسألة الأولى (1) # اختلفوا في أن النهي عن التصرفات والعقود المفيدة لأحكامها كالبيع ~~والنكاح ونحوهما هل يقتضي فسادها أو لا؟ # فذهب جماهير الفقهاء من أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة، والحنابلة وجميع ~~أهل الظاهر، وجماعة من المتكلمين إلى فسادها، لكن اختلفوا في جهة الفساد، ~~فمنهم من قال: إن ذلك من جهة اللغة، ms376 ومنهم من قال: إنه من جهة الشرع دون ~~اللغة، ومنهم من لم يقل بالفساد وهو اختيار المحققين من أصحابنا كالقفال ~~وإمام الحرمين والغزالي وكثير من الحنفية، وبه قال جماعة من المعتزلة كأبي ~~عبد الله البصري وأبي الحسين الكرخي والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري ~~وكثير من مشايخهم. # ولا نعرف خلافا في أن ما نهي عنه لغيره أنه لا يفسد كالنهي عن البيع في ~~وقت النداء يوم الجمعة إلا ما نقل عن مذهب مالك وأحمد بن حنبل في إحدى ~~الروايتين عنه. # والمختار أن ما نهي عنه لعينه (2) فالنهي لا يدل على فساده من جهة اللغة ~~بل من جهة المعنى. # أما أنه لا يدل على الفساد من جهة اللغة فلأنه لا معنى لكون التصرف فاسدا ~~سوى انتفاء أحكامه وثمراته المقصودة منه وخروجه عن كونه سببا مفيدا لها، ~~والنهي هو طلب ترك الفعل ولا إشعار له بسلب أحكامه وثمراته وإخراجه عن كونه ~~سببا مفيدا لها. # ولهذا فإنه لو قال: نهيتك عن ذبح شاة الغير بغير إذنه لعينه، ولكن إن ~~فعلت حلت الذبيحة وكان ذلك سببا للحل، ونهيتك عن استيلاد جارية الابن لعينه ~~وإن فعلت ملكتها، ونهيتك عن بيع مال الربا بجنسه متفاضلا لعينه وإن فعلت ~~PageV02P188 # ثبت الملك، وكان البيع سببا له فإنه لا يكون متناقضا. # ولو كان النهي عن التصرف لعينه مقتضيا لفساده لكان ذلك متناقضا (1) . # وأما أنه يدل على الفساد من جهة المعنى فذلك لأن النهي طلب ترك الفعل، ~~وهو إما أن يكون لمقصود دعا الشارع إلى طلب ترك الفعل (2) أو لا لمقصود لا ~~جائز أن يقال إنه لا لمقصود. # أما على أصول المعتزلة فلأنه عبث والعبث قبيح والقبيح لا يصدر من الشارع. # وأما على أصولنا (3) فإنا وإن جوزنا خلو أفعال الله تعالى عن الحكم ~~والمقاصد غير أنا نعتقد أن الأحكام المشروعة لا تخلو عن حكمة ومقصود راجع ~~إلى العبد، لكن لا بطريق الوجوب بل بحكم الوقوع. # فالإجماع إذا منعقد على امتناع خلو الأحكام الشرعية عن الحكم، وسواء ظهرت ~~لنا أم لم ms377 تظهر. # وبتقدير تسليم خلو بعض الأحكام عن الحكمة إلا أنه نادر، والغالب عدم ~~الخلو. # وعند ذلك فإدراج ما وقع فيه النزاع تحت الغالب يكون أغلب. # وإذا بطل أن يكون ذلك لا لمقصود تعين أن يكون لمقصود، وإذا كان لمقصود ~~فلو صح التصرف وكان سببا لحكمه المطلوب منه فإما أن يكون مقصود النهي راجحا ~~على مقصود الصحة أو مساويا أو مرجوحا، لا جائز أن يكون مرجوحا إذ المرجوح ~~لا يكون مقصودا مطلوبا في نظر العقلاء. # والغالب من الشارع إنما هو التقرير لا التغيير. # وما لا يكون مقصودا فلا يرد طلب الترك لأجله، وإلا كان الطلب خليا عن ~~الحكمة وهو ممتنع لما سبق. PageV02P189 # وبمثل ذلك يتبين أنه لا يكون مساويا (1) فلم يبق إلا أن يكون راجحا على ~~مقصود الصحة، ويلزم من ذلك امتناع الصحة وامتناع انعقاد التصرف لإفادة ~~أحكامه، وإلا كان الحكم بالصحة خليا عن حكمة ومقصود، ضرورة كون مقصودها ~~مرجوحا على ما تقدم تقريره، وإثبات الحكم خليا عن الحكمة في نفس الأمر ~~ممتنع لما فيه من مخالفة الإجماع، وهو المطلوب. # فإن قيل ما ذكرتموه من كون النهي لا يدل على الفساد لغة معارض بما يدل ~~عليه. # وبيانه من جهة النص والإجماع والمعنى. # أما من جهة النص فقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «من عمل عملا ليس عليه ~~أمرنا فهو رد» " وفي رواية: " «أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد» " ~~والمردود ما ليس بصحيح ولا مقبول. # ولا يخفى أن المنهي ليس بمأمور ولا هو من الدين فكان مردودا. # وأما الإجماع فهو أن الصحابة استدلوا على فساد العقود بالنهي، فمن ذلك ~~احتجاج ابن عمر على فساد نكاح المشركات بقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات} ~~، ولم ينكر عليه منكر فكان إجماعا. # ومنها احتجاج الصحابة على فساد عقود الربا بقوله تعالى: {وذروا ما بقي من ~~الربا} ، وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا ~~الورق بالورق» " الحديث إلى آخره. # وأما المعنى فمن وجهين: # الأول: أنا أجمعنا على حمل بعض المناهي على الفساد كالنهي عن ms378 بيع الجزء ~~المجهول، ولو لم يكن ذلك مقتضى النهي لكان لأمر خارج، والأصل عدمه فكان ~~مقتضى النهي، ويلزم منه الفساد حيث وجد، وإلا كان فيه نفي المدلول مع تحقق ~~دليله، وهو ممتنع مخالف للأصل. # الثاني: النهي مشارك للأمر في الطلب والاقتضاء ومخالف له في طلب الترك، ~~والأمر دليل الصحة فليكن النهي دليل الفساد المقابل للصحة، ضرورة كون النهي ~~مقابلا للأمر، وأنه يجب أن يكون حكم أحد المتقابلين مقابلا لحكم الآخر. ~~PageV02P190 # ثم ما ذكرتموه منقوض بالنهي عن العبادة لعينها، فإنا أجمعنا على أنها لا ~~تصح ولو صرح الناهي بالصحة لكان متناقضا. # وإن سلمنا أن النهي لا يدل على الفساد لغة، ولكن لا نسلم دلالته على ~~الفساد من جهة المعنى. # وما ذكرتموه من وجوب ترجيح مقصود النهي على مقصود الصحة فغايته أنه يناسب ~~نفي الصحة، وليس يلزم من ذلك نفي الصحة إلا أن يتبين له شاهد بالاعتبار. # ولو بينتم له شاهدا بالاعتبار كان الفساد لازما من القياس، لا من نفس ~~النهي ولا من معناه. # والجواب عن قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «من أدخل في ديننا ما ليس منه ~~فهو رد» " من ثلاثة أوجه: الأول: لا نسلم أن الفعل المأتي به من حيث إنه ~~سبب لترتب أحكامه عليه ليس من الدين حتى يكون مردودا. # الثاني: أنه أراد به الفاعل وتقديره: من أدخل في ديننا ما ليس منه، ~~فالفاعل رد أي مردود ومعنى كونه مردودا أنه غير مثاب عليه ونحن نقول به. # فإن قيل: عود الضمير إلى الفعل أولى إذ هو أقرب مذكور. # قلنا: إلا أنه يلزم منه المعارضة بينه وبين ما ذكرناه من الدليل، ولا ~~كذلك فيما إذا عاد إلى نفس الفاعل فكان عوده إلى الفاعل أولى. # الثالث: أنه وإن عاد إلى نفس الفعل المنهي عنه إلا أن معنى كونه ردا أنه ~~مردود بمعنى أنه غير مقبول، وما لا يكون مقبولا هو الذي لا يكون مثابا ~~عليه، ولا يلزم من مثاب غير مثاب عليه أن لا يكون سببا لترتب أحكامه الخاصة ~~به عليه، ms379 وهو عين محل النزاع. # وعن الحديث الآخر ما ذكرناه من الوجه الثاني والثالث. # ثم وإن سلمنا دلالتهما على الفساد فليس في ذلك ما يدل على أن الفساد من ~~مقتضيات النهي، بل من دليل آخر وهو قوله: " «فهو رد» " ونحن لا ننكر ذلك ~~(1) . PageV02P191 # وعن الإجماع لا نسلم صحة احتجاجهم بدلالة النهي لغة على الفساد، بل إن صح ~~ذلك فإنما يصح بالنظر إلى دلالة الالتزام على ما قررنا (1) ، ويجب الحمل ~~عليه جمعا بينه وبين ما ذكرناه من الدليل، وبه يخرج الجواب عن الوجه الأول ~~من المعنى. # وعن الثاني من المعنى أن النهي وإن كان مقابلا للأمر فلا نسلم أن الأمر ~~مقتض للصحة، حتى يكون النهي مقتضيا للفساد. # وإن سلمنا اقتضاء الأمر للصحة وأن النهي مقابل له فلا نسلم لزوم اختلاف ~~حكميهما لجواز اشتراك المتقابلات في لازم واحد. # وإن سلم أنه يلزم من ذلك تقابل حكميهما فيلزم أن لا يكون النهي مقتضيا ~~للصحة. # أما أن يكون مقتضيا للفساد فلا، وأما النقض بالنهي عن العبادة فمندفع، ~~لأنه مهما كان النهي عن الفعل لعينه فلا يتصور أن يكون عبادة مأمورا بها، ~~وما لم يكن عبادة فلا يتصور صحته عبادة، وإن قيل بفساده من جهة خروجه عن ~~كونه سببا لترتيب الأحكام الخاصة به عليه فهو محل النزاع. # وعن الاعتراض الأخير أنا لا نقضي بالفساد لوجود مناسب الفساد ليفتقر إلى ~~شاهد بالاعتبار، وإنما قضينا بالفساد لعدم المناسب المعتبر بما بيناه من ~~استلزام النهي لذلك. ### | [المسألة الثانية النهي عن الفعل لا يدل على صحته] # المسألة الثانية # اتفق أصحابنا على أن النهي عن الفعل لا يدل على صحته، ونقل أبو زيد عن ~~محمد بن الحسن (2) وأبي حنيفة أنهما قالا: يدل على صحته. # والمختار مذهب أصحابنا لوجهين: الأول: أن النهي لو دل على الصحة فإما أن ~~يدل عليها بلفظه أو بمعناه، إذ (3) الأصل عدم ما سوى ذلك، واللازم ممتنع. # وبيان امتناع دلالته على الصحة بلفظه أن صحة الفعل لا معنى لها سوى ترتب ~~أحكامه الخاصة به عليه، والنهي لغة لا ms380 يزيد على طلب ترك الفعل ولا إشعار له ~~بغير ذلك نفيا ولا إثباتا. PageV02P192 # وبيان امتناع دلالته على ما بيناه من أن النهي بمعناه يدل على الفساد في ~~المسألة المتقدمة، فلا يكون ذلك مفيدا لنقيضه وهو الصحة. # الوجه الثاني: أنا أجمعنا على وجود النهي حيث لا صحة كالنهي عن بيع ~~الملاقيح والمضامين وبيع حبل الحبلة، وكالنهي عن الصلاة في أيام الحيض ~~بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «دعي الصلاة أيام أقرائك» "، والنهي عن ~~نكاح ما نكح الآباء بقوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} ، ~~ولو كان النهي مقتضيا للصحة لكان تخلف الصحة مع وجود النهي على خلاف الدليل ~~وهو خلاف الأصل، وسواء كان لمعارض أو لا لمعارض. # فإن قيل: إذا نهى الشرع عن صوم يوم النحر وعن الصلاة في الأوقات والأماكن ~~المكروهة وعن بيع الربا، فالأصل تنزيل لفظ الصلاة والصوم والبيع على عرف ~~الشارع وعرف الشارع في ذلك إنما هو الفعل المعتبر في حكمه شرعا، فلو لم يكن ~~التصرف المنهي عنه كذلك لما كان هو التصرف الشرعي وهو ممتنع. # قلنا: أولا لا نسلم وجود عرف الشرع في هذه الأسماء لما سبق، (1) وإن ~~سلمنا أن له عرفا لكن في طرف الأوامر أو النواهي؟ الأول مسلم والثاني ~~ممنوع. # وعلى هذا فالنهي إنما هو عن التصرف اللغوي دون الشرعي وإن سلمنا عرف ~~الشارع في هذه الأسماء، ولكن لا نسلم أن عرفه فيها ما ذكروه، بل ما هو بحال ~~يصح ويمكن صحته، ويجب الحمل على ذلك جمعا بين الأدلة، ولا يلزم من كون ~~التصرف ممكن الصحة وقوع الصحة، كيف وإن ما ذكروه منتقض بما ذكرناه من ~~المناهي (2) مع انتفاء الصحة عن منهياتها. PageV02P193 ### | [المسألة الثالثة النهي عن الفعل يقتضي الانتهاء عنه دائما] # المسألة الثالثة # اتفق العقلاء على أن النهي عن الفعل يقتضي الانتهاء عنه دائما (1) خلافا ~~لبعض الشاذين. # ودليل ذلك أنه لو قال السيد لعبده: " لا تفعل كذا " وقدرنا نهيه مجردا عن ~~جميع القرائن فإن العبد لو فعل ذلك في أي وقت قدر يعد مخالفا ms381 لنهي سيده ~~ومستحقا للذم في عرف العقلاء وأهل اللغة. # ولو لم يكن النهي مقتضيا للتكرار والدوام لما كان كذلك. # فإن قيل: لا خفاء بأن النهي قد يرد ويراد به الدوام كما في النهي عن ~~الربا وشرب الخمر ونحوه، وقد يرد ولا يراد به الدوام كما في نهي الحائض عن ~~الصوم والصلاة ونحوه، والصورتان مشتركتان في طلب ترك الفعل لا غير، ~~ومفترقتان في دوامه في إحدى الصورتين وعدم دوامه في الأخرى. # والأصل أن يكون اللفظ حقيقة فيهما من غير اشتراك (2) ولا تجوز، والدال ~~على القدر المشترك لا يكون دالا على ما اختص بكل واحد من الطرفين ~~المختلفين، وأيضا فإنه لو كان النهي مقتضيا للدوام لكان عدم الدوام في بعض ~~صور النهي على خلاف الدليل وهو ممتنع. # قلنا: النهي حيث ورد غير مراد به الدوام يجب أن يكون ذلك لقرينة نظرا إلى ~~ما ذكرناه من الدليل. # وما قيل إن ذلك يلزم منه الاشتراك أو التجوز، قلنا: وإن لزم منه التجوز ~~وهو على خلاف الدليل لافتقاره إلى القرينة الصارفة غير أن جعله حقيقة في ~~المرة الواحدة مما يوجب جعله مجازا في الدوام والتكرار لاختلاف حقيقتهما. # وليس القول بجعله مجازا في التكرار وحقيقة في المرة الواحدة أولى من ~~العكس، بل جعله حقيقة في التكرار أولى لإمكان التجوز به عن البعض لكونه ~~مستلزما له. # ولو جعلناه حقيقة في البعض لما أمكن التجوز به عن التكرار لعدم استلزامه ~~له، وبه يندفع ما ذكروه من الوجه الثاني أيضا. PageV02P194 ### | [الصنف الثالث في معنى العام والخاص] ### | [مقدمة في بيان معنى العام والخاص وصيغ العموم] # ويشتمل على مقدمة ومسائل. # أما المقدمة ففي بيان معنى العام والخاص، وصيغ العموم. # أما العام فقد قال أبو الحسين البصري: العام هو اللفظ المستغرق لجميع ما ~~يصلح له، ووافقه على ذلك بعض أصحابنا وهو فاسد من وجهين: # الأول: أنه عرف العام بالمستغرق، وهما لفظان مترادفان، وليس المقصود ~~هاهنا من التحديد شرح اسم العام حتى يكون الحد لفظيا، بل شرح المسمى إما ~~بالحد الحقيقي أو الرسمي ms382 (1) ، وما ذكره خارج عن القسمين. # الثاني: أنه غير مانع لأنه يدخل فيه قول القائل: " ضرب زيد عمرا " فإنه ~~لفظ مستغرق لجميع ما هو صالح له وليس بعام. # وقال الغزالي: إنه اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدا، ~~وهو غير جامع، فإن لفظ المعدوم والمستحيل من الألفاظ العامة، ولا دلالة له ~~على شيئين فصاعدا، إذ المعدوم ليس بشيء عنده وعند أهل الحق من أصحابنا، ~~والمستحيل بالإجماع وإن كان جامعا إلا أنه غير مانع. # فإن قولنا: عشرة PageV02P195 # ومائة ليس من الألفاظ العامة، وإن كان مع اتحاده دالا على شيئين فصاعدا، ~~وهي الآحاد الداخلة فيها، والحق في ذلك أن يقال: العام هو اللفظ الواحد ~~الدال على مسميين فصاعدا مطلقا معا. # فقولنا: (اللفظ) وإن كان كالجنس للعام والخاص ففيه فائدة تقييد العموم ~~بالألفاظ، لكونه من العوارض الحقيقية لها دون غيرها عند أصحابنا وجمهور ~~الأئمة كما يأتي تعريفه (1) . # وقولنا: (الواحد) احتراز عن قولنا: ضرب زيد عمرا، وقولنا: (الدال على ~~مسميين) ليندرج فيه الموجود والمعدوم، وفيه أيضا احتراز عن الألفاظ المطلقة ~~كقولنا: رجل ودرهم وإن كانت صالحة لكل واحد من آحاد الرجال وآحاد الدراهم ~~فلا يتناولها معا، بل على سبيل البدل. # وقولنا: (فصاعدا) احتراز عن لفظ اثنين، وقولنا: (مطلقا) احتراز عن قولنا: ~~عشرة ومائة ونحوه من الأعداد المقيدة، ولا حاجة بنا إلى قولنا من جهة واحدة ~~احترازا عن الألفاظ المشتركة والمجازية. # أما عند من يعتقد كونها من الألفاظ العامة كما يأتي تحقيقه (2) فالحد لا ~~يكون مع أخذ هذا القيد جامعا. # وأما عند من لا يقول بالتعميم فلا حاجة به إلى هذا القيد أيضا، إذ اللفظ ~~دال على مسمياته معا، بل على طريق البدل، وكذلك الحكم في اللفظ الدال على ~~جهة الحقيقة والمجاز. # وفي الحد المذكور ما يدرأ النقص بذلك، وهو قولنا: (الدال على مسميين معا) ~~. # وأما الخاص فقد قيل فيه: هو كل ما ليس بعام، وهو غير مانع لدخول الألفاظ ~~المهملة فيه، فإنها لعدم دلالتها لا توصف بعموم ولا بخصوص. # ثم فيه تعريف الخاص ms383 بسلب العام عنه، ولا يخلو إما أن يكون بينهما واسطة ~~أو لا، فإن كان الأول فلا يلزم من سلب العام تعين الخاص. PageV02P196 # وإن كان الثاني فليس تعريف أحدهما بسلب حقيقة الآخر عنه أولى من العكس، ~~وأيضا فإن اللفظ قد يكون خاصا كلفظ الإنسان، فإنه خاص بالنسبة إلى لفظ ~~الحيوان وما خرج عن كونه عاما بالنسبة إلى ما تحته. # وإن قيل: إنه ليس بعام من جهة ما هو خاص، ففيه تعريف الخاص بالخاص، وهو ~~ممتنع. # والحق في ذلك أن يقال: الخاص قد يطلق باعتبارين، الأول: وهو اللفظ الواحد ~~الذي لا يصلح مدلوله لاشتراك كثيرين فيه كأسماء الأعلام من زيد وعمرو ~~ونحوه، الثاني: ما خصوصيته بالنسبة إلى ما هو أعم منه وحده أنه اللفظ الذي ~~يقال على مدلوله وعلى غير مدلوله لفظ آخر من جهة واحدة كلفظ الإنسان فإنه ~~خاص، ويقال على مدلوله وعلى غيره كالفرس والحمار لفظ الحيوان من جهة واحدة. # وإذا تحقق معنى العام والخاص فاعلم أن اللفظ الدال ينقسم إلى عام لا أعم ~~منه كالمذكور، فإنه يتناول الموجود والمعدوم والمعلوم والمجهول، وإلى خاص ~~لا أخص منه كأسماء الأعلام، وإلى ما هو عام بالنسبة، وخاص بالنسبة كلفظ ~~الحيوان، فإنه عام بالنسبة إلى ما تحته من الإنسان والفرس، وخاص بالنسبة ~~إلى ما فوقه كلفظ الجوهر والجسم. # وأما صيغ العموم عند القائلين بها فهي: إما أن تكون عامة فيمن يعقل جمعا ~~وأفرادا مثل (أي) في الجزاء والاستفهام، وأسماء الجموع المعرفة إذا لم يكن ~~عهد، سواء كان جمع سلامة أو جمع تكسير (كالمسلمين والرجال) ، والمنكرة ~~(كرجال ومسلمين) والأسماء المؤكدة لها مثل (كل وجميع) ، واسم الجنس إذا ~~دخله الألف واللام من غير عهد (كالرجل والدرهم) ، والنكرة المنفية كقولك ~~(لا رجل في الدار) و (ما في الدار من رجل) ، والإضافة كقولك (ضربت عبيدي) و ~~(أنفقت دراهمي) . # وإما عامة فيمن يعقل دون غيره (كمن) في الجزاء والاستفهام تقول: من عندك؟ ~~ومن جاءني أكرمته. # PageV02P197 # وإما عامة فيما لا يعقل؛ إما مطلقا من غير اختصاص بجنس مثل (ما) ms384 في ~~الجزاء كقوله: على اليد ما أخذت حتى ترد، والاستفهام تقول: ماذا صنعت؟ ، ~~وإما لا مطلقا، بل مختصة ببعض أجناس ما لا يعقل مثل (متى) في الزمان جزاء ~~واستفهاما، و (أين) و (حيث) في المكان جزاء واستفهاما تقول: متى جاء القوم؟ ~~ومتى جئتني أكرمتك وأين كنت؟ وأينما كنت أكرمتك. # وإذ أتينا على ما أردناه من بيان المقدمة فلنشرع الآن في المسائل وهي خمس ~~وعشرون مسألة. ### | [المسألة الأولى العموم من عوارض الألفاظ] # المسألة الأولى (1) اتفق العلماء على أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة، ~~واختلفوا في عروضه حقيقة للمعاني فنفاه الجمهور وأثبته الأقلون. # وقد احتج المثبتون بقولهم الإطلاق شائع ذائع في لسان أهل اللغة بقولهم: ~~عم الملك الناس بالعطاء والإنعام، وعمهم المطر والخصب والخير وعمهم القحط. # وهذه الأمور من المعاني لا من الألفاظ. # والأصل في الإطلاق الحقيقة. # أجاب النافون بأن الإطلاق في مثل هذه المعاني مجاز لوجهين: الأول: أنه لو ~~كان حقيقة في المعاني لاطرد في كل معنى إذ هو لازم الحقيقة، وهو غير مطرد. # ولهذا فإنه لا يوصف شيء من الخاصة الواقعة في امتداد الإشارة إليها كزيد ~~وعمرو بكونه عاما لا حقيقة ولا مجازا. # الثاني: أن من لوازم العام أن يكون متحدا ومع اتحاده متناولا لأمور ~~متعددة من جهة واحدة. # والعطاء والإنعام الخاص بكل واحد من الناس غير الخاص بالآخر منها، وكذلك ~~المطر فإن كل جزء اختص منه بجزء من الأرض لا وجود له بالنسبة إلى الجزء ~~الآخر منها، وكذلك الكلام في الخصب والقحط فلم يوجد من PageV02P198 # ذلك ما هو مع اتحاده يتناول أشياء من جهة واحدة، فلم يكن عاما حقيقة ~~بخلاف اللفظ الواحد كلفظ الإنسان والفرس. # أجاب المثبتون عن الأول: # بأن العموم وإن لم يكن مطردا في كل معنى، فهو غير مطرد في كل لفظ، فإن ~~أسماء الأعلام كزيد وعمرو ونحوه لا يتصور عروض العموم لها لا حقيقة ولا ~~مجازا، فإن كان عدم اطراده في المعاني مما يبطل عروضه للمعاني حقيقة فكذلك ~~في الألفاظ، وإن كان ذلك لا يمنع في ms385 الألفاظ فكذلك في المعاني، ضرورة عدم ~~الفرق. # وعن الوجه الثاني: أنه وإن تعذر عروض العموم للمعاني الجزئية الواقعة في ~~امتداد الإشارة إليها حقيقة، فليس في ذلك ما يدل على امتناع عروضه للمعاني ~~الكلية المتصورة في الأذهان، كالمتصورة من معنى الإنسان المجرد عن الأمور ~~الموجبة لتشخيصه وتعيينه، فإنه مع اتحاده فمطابق لمعناه وطبيعته لمعاني ~~الجزئيات الداخلة تحته من زيد وعمرو من جهة واحدة كمطابقة اللفظ الواحد ~~العام لمدلولاته. # وإذا كان عروض العموم للفظ حقيقة إنما كان لمطابقته مع اتحاده للمعاني ~~الداخلة تحته من جهة واحدة. # فهذا المعنى بعينه متحقق في المعاني الكلية بالنسبة إلى جزئياتها، فكان ~~العموم من عوارضها حقيقة. # PageV02P199 ### | [المسألة الثانية معنى العموم وهل له في اللغة صيغة أم لا] # المسألة الثانية (1) # اختلف العلماء في معنى العموم: هل له في اللغة صيغة موضوعة له خاصة به ~~تدل عليه أم لا؟ فذهبت المرجئة (2) إلى أن العموم لا صيغة له في لغة العرب. # وذهب الشافعي وجماهير المعتزلة وكثير من الفقهاء إلى أن ما سبق ذكره من ~~الصيغ حقيقة في العموم مجاز فيما عداه، ومنهم من خالف في الجمع المنكر ~~والمعروف واسم الجنس إذا دخله الألف واللام كما يأتي تعريفه وهو مذهب أبي ~~هاشم (3) . # وذهب أرباب الخصوص إلى أن هذه الصيغ حقيقة في الخصوص ومجاز فيما عداه، ~~وقد نقل عن الأشعري قولان: أحدهما: القول بالاشتراك (4) في العموم والخصوص، ~~والآخر: الوقف وهو عدم الحكم بشيء مما قيل في الحقيقة (5) في العموم ~~والخصوص أو الاشتراك، ووافقه على الوقف القاضي أبو بكر (6) . # وعلى كل واحد من القولين جماعة من الأصوليين. PageV02P200 # ومن الواقفية من فصل بين الإخبار والوعد والوعيد والأمر والنهي، فقال ~~بالوقف في الإخبار والوعد والوعيد دون الأمر والنهي. # والمختار إنما هو صحة الاحتجاج بهذه الألفاظ في الخصوص لكونه مرادا من ~~اللفظ يقينا سواء أريد به الكل أو البعض، والوقف فيما زاد على ذلك (1) ~~ومنهاج الكلام، فعلى ما عرف في التوقف في الأمر بين الوجوب والندب، فعليك ~~بنقله إلى هاهنا، وإنما يتحقق هذا المقصود بذكر شبه ms386 المخالفين والانفصال ~~عنها. # ولنبدأ من ذلك بشبه أرباب العموم وهي نصية وإجماعية ومعنوية. # أما النصية فمنها قول الله تعالى: {ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من ~~أهلي وإن وعدك الحق} تمسكا منه بقوله تعالى: (وأهلك) وأقره الباري تعالى ~~على ذلك، وأجابه بما دل على أنه ليس من أهله، ولولا أن إضافة الأهل إلى نوح ~~للعموم لما صح ذلك. # ومنها «أنه لما نزل قوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} ~~قال ابن الزبعرى: " لأخصمن محمدا " ثم جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال له: " وقد عبدت الملائكة والمسيح أفتراهم يدخلون النار؟» (2) واستدل ~~بعموم (ما) ولم ينكر عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، بل نزل قوله ~~تعالى غير منكر لقوله، بل مخصصا له بقوله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون} (3) PageV02P201 # ، ومنها قوله تعالى: {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو ~~أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين - قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم ~~بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} ، ووجه الاحتجاج بذلك ~~أن إبراهيم فهم من أهل هذه القرية العموم حيث ذكر لوطا، والملائكة أقروه ~~على ذلك وأجابوه بتخصيص لوط وأهله بالاستثناء واستثناء امرأته من الناجين. # وذلك كله يدل على العموم. # وأما الإجماعية فمنها احتجاج عمر على أبي بكر في قتال مانعي الزكاة ~~بقوله: كيف تقاتلهم وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم» " ولم ينكر عليه أحد من الصحابة احتجاجه بذلك، بل عدل أبو بكر ~~إلى التعليق بالاستثناء وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «إلا بحقها» "، ~~فدل على أن لفظ الجمع المعرف للعموم. # ومنها احتجاج فاطمة على أبي بكر في توريثها من أبيها فدك والعوالي بقوله ~~تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} ، ولم ينكر عليها ~~أحد من الصحابة، بل عدل أبو بكر - رضي الله عنه - إلى ما رواه ms387 عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إلى دليل التخصيص وهو قوله عليه السلام: " «نحن معاشر ~~الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» " ومنها احتجاج عثمان على علي - رضي الله ~~عنه - في جواز الجمع بين الأختين بقوله تعالى: {إلا على أزواجهم} ، واحتجاج ~~علي بقوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} ، ولم ينكر على أحد منهما صحة ~~ما احتج به. # وإنما يصح ذلك أن لو كانت الأزواج المضافة، والأختان على العموم. # ومنها أن عثمان لما سمع قول الشاعر (1) : # ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل # قال له: كذبت فإن نعيم أهل الجنة لا يزول ولم ينكر عليه منكر، ولولا أن ~~(كل) للعموم لما كان كذلك. PageV02P202 # ومنها احتجاج أبي بكر على الأنصار بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~«الأئمة من قريش» " (1) ووافقه الكل على صحة هذا الاحتجاج من غير نكير، ولو ~~لم يكن لفظ (الأئمة) عاما لما صح الاحتجاج. # ومنها إجماع الصحابة على إجراء قوله تعالى: {الزانية والزاني} و {والسارق ~~والسارقة} و {ومن قتل مظلوما} و {وذروا ما بقي من الربا} و {ولا تقتلوا ~~أنفسكم} و {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~«لا وصية لوارث» "، " «ولا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها» "، " «ومن ~~ألقى سلاحه فهو آمن» " إلى غير ذلك على العموم. # وأما الشبه المعنوية فمنها أن العموم من الأمور الظاهرة الجلية والحاجة ~~مشتدة إلى معرفته في التخاطب، وذلك مما تحيل العادة مع توالي الأعصار على ~~أهل اللغة إهماله وعدم تواضعهم على لفظ يدل عليه، مع أنه لا يتقاصر في دعوى ~~الحاجة إلى معرفته عن معرفة الواحد والاثنين وسائر الأعداد والخبر ~~والاستخبار والترجي والتمني والنداء، وغير ذلك من المعاني التي لها ~~الأسماء، وربما وضعوا لكثير من المسميات ألفاظا مترادفة مع الاستغناء عنها ~~ومنها ما يخص كل واحد واحد من الألفاظ المذكورة من قبل. # أما (من) الاستفهامية كقول القائل: من جاءك؟ فلا يخلو إما أن تكون حقيقة ~~في الخصوص أو العموم أو مشتركة بينهما أو موقوفة، أو ليست ms388 موضوعة لأحد ~~الأمرين لا حقيقة ولا تجوزا، والأول محال وإلا لما حسن أن يجاب بجملة ~~العقلاء، لكونه جوابا ما سأل عنه، ولا جائز أن تكون مشتركة أو موقوفة، وإلا ~~لما حسن الجواب بشيء إلا بعد PageV02P203 # الاستفهام عن مراد السائل وليس كذلك، ولا جائز أن يقال بالأخير للاتفاق ~~على إبطاله، فلم يبق إلا أن تكون حقيقة في العموم. # وأما الشرطية وهي عندما إذا قال السيد لعبده: من دخل داري فأكرمه، فإنه ~~إذا أكرم كل داخل لا يحسن من السيد الاعتراض عليه، ولو أخل بإكرام بعض ~~الداخلين فإنه يحسن لومه وتوبيخه في العرف. # وأيضا فإنه يحسن الاستثناء من ذلك بقوله: إلا أن يكون فاسقا والاستثناء ~~يخرج من الكلام ما لولاه لكان داخلا فيه، ولولا أن (من) للعموم لما صح ذلك. # وعلى هذا يكون الكلام في جميع الحروف المستعملة للشرط والاستفهام مثل ما ~~وأي ومتى وأين وكم وكيف ونحوه ومؤكداتها مثل كل وجميع فإنها للعموم. # وبيانه من وجوه: الأول: أنه إذا قال القائل لعبده: أكرم كل من رأيته فإنه ~~يسقط عنه اللوم بإكرام كل واحد، ولا يسقط بتقدير إخلاله بإكرام البعض، وإنه ~~يحسن الاستثناء بقوله إلا الفساق وذلك دليل العموم كما سبق (1) . # الثاني: أنه لو قال القائل: " رأيت كل من في البلد " فإنه يعد كاذبا ~~بتقدير عدم رؤيته لبعضهم. # الثالث: أنه إذا قال القائل: " كل الناس علماء " كذبه قول القائل: " كل ~~الناس ليسوا علماء ". # ولو لم يكن اسم (كل) للعموم لما كان كل واحد مكذبا للآخر، لجواز أن ~~يتناول كل واحد ما تناوله الآخر. # الرابع: أنا ندرك التفرقة بين (كل) و (بعض) ولو كان مفيدا للعموم لما ~~تحقق الفرق، لكونه مساويا في الإفادة للبعض. # الخامس: أنه لو كان قول القائل: كل الناس يفيد العموم ولكنه يعبر عنه ~~تارة عن البعض وتارة عن العموم حقيقة لكان قول القائل: كلهم بيانا لأحد ~~الأمرين فيما دخل عليه لا تأكيدا له كما لو قال: رأيت عينا باصرة. ~~PageV02P204 # وأما الجمع المعرف (1) فهو للعموم لوجهين: الأول: أن كثرة الجمع ms389 المعرف ~~تزيد على كثرة الجمع المنكر، ولهذا يقال رجال من الرجال ولا عكس، وعند ذلك ~~فالجمع المعرف إما أن يكون مفيدا للاستغراق أو للعدد غير مستغرق لا جائز أن ~~يقال بالثاني، لأن (2) ما من عدد يفرض من ذلك إلا ويصح نسبته إلى المعرفة ~~بأنه منه والأول هو المطلوب. # الثاني: أنه يصح تأكيده بما هو مفيد للاستغراق، والتأكيد إنما يفيد تقوية ~~المؤكد لا أمرا جديدا، فلو لم يكن المؤكد يفيد الاستغراق لما كان المؤكد ~~مفيدا له، أو كان مفيدا لأمر جديد وهو ممتنع. # وأما النكرة المنفية كقوله: لا رجل في الدار، أو في سياق النفي كقوله: ما ~~في الدار من رجل فإن القائل لذلك يعد كاذبا بتقدير رؤيته لرجل ما، وأنه ~~يحسن الاستثناء بقوله إلا زيد، وأنه يصح تكذيبه بأنك رأيت رجلا كما ورد ~~قوله تعالى: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} تكذيبا لمن قال: {ما ~~أنزل الله على بشر من شيء} وكل ذلك يدل على كونها للعموم، ولأنها لو لم تكن ~~للعموم لما كان قولنا: لا إله إلا الله توحيدا، لعدم دلالته على نفي كل إله ~~سوى الله تعالى. # وأما الإضافة كقوله: أعتقت عبيدي وإمائي فإنه يدل على العموم بدليل لزوم ~~العتق في الكل، وأنه يجوز لمن سمعه أن يزوج من أي العبيد شاء وأن يتزوج من ~~الإماء من شاء دون رضى الورثة، وكذلك لو قال: العبيد الذين هم في يدي لفلان ~~صح الإقرار بالنسبة إلى الجميع، ولولا أن ذلك للعموم لما كان كذلك. # وأما الجنس إذا دخله الألف واللام ولا عهد فإنه للعموم لأربعة أوجه: ~~الأول: أنه إذا قال القائل: رأيت إنسانا أفاد رؤية واحد معين فإذا دخلت ~~عليه الألف واللام، فلو لم تكن الألف واللام مفيدة للاستغراق لكانت معطلة، ~~لتعذر حملها على تعريف الجنس لكونه معلوما دونها وهو ممتنع. PageV02P205 # الثاني: أنه يصح نعته بالجمع المعرف وقد ثبت أن الجمع المعرف للعموم، ~~فكذلك المنعوت به وذلك في قولهم: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض، ~~وأنه يصح الاستثناء ms390 منه كما في قوله تعالى: {إن الإنسان لفي خسر - إلا ~~الذين آمنوا} وهو دليل العموم. # الثالث: أن القائل قائلان: قائل يقول: إن الألف واللام الداخلة على الاسم ~~المفرد والجمع تفيد العموم، وقائل بالنفي مطلقا. # وقد ثبت أنها مفيدة للعموم في الجمع، فالتفرقة تكون قولا بتفصيل لم يقل ~~به قائل (1) . # الرابع: أنه إذا كانت الألف واللام لتعريف المعهود عائدة إلى جميعه لعدم ~~أولوية عودها إلى البعض منه دون البعض فكذلك إذا كانت لتعريف الجنس. # وأما الجمع المنكر فيدل على أنه للعموم ثلاثة أوجه: # الأول: أن قول القائل رجال يطلق على كل جمع على الحقيقة، حتى الجمع ~~المستغرق فإذا حمل على الاستغراق كان حملا له على جميع حقائقه فكان أولى. # الثاني: أنه لو أراد المتكلم بلفظ الجمع المنكر البعض لعينه، وإلا كان ~~مراده مبهما فحيث لم يعينه دل على أنه للاستغراق. # الثالث: أنه يصح دخول الاستثناء عليه بكل واحد من آحاد الجنس فكان ~~للعموم. # ومن شبههم أن العرب فرقت بين تأكيد العموم والخصوص في أصل الوضع، فقالوا ~~في الخصوص: رأيت زيدا عينه نفسه، ولا يقولون كلهم: رأيت زيدا أجمعين، ~~وقالوا في العموم: رأيت الرجال كلهم أجمعين، ولا يقولون: رأيت الرجال عينه ~~نفسه، واختلاف التأكيد يدل على اختلاف المؤكد لأن التأكيد مطابق للمؤكد. # ومنها أنهم قالوا: وقع الإجماع على أن الباري تعالى قد كلفنا أحكاما تعم ~~جميع المكلفين، فلو لم يكن للعموم صيغة تفيده لما وقع التكليف به لعدم ما ~~يدل عليه، أو كان التكليف به تكليفا بما لا يطاق وهو محال. PageV02P206 # وأما شبه أرباب الخصوص، فأولها: أن تناول اللفظ للخصوص متيقن، وتناوله ~~للعموم محتمل، فجعله حقيقة في المتيقن أولى. # وثانيهما: أن أكثر استعمال هذه الصيغ في الخصوص دون العموم، ومنه يقال: ~~جمع السلطان التجار والصناع وكل صاحب حرفة، وأنفقت دراهمي، وصرمت نخيلي ~~ونحوه. فكان جعلها حقيقة فيما استعمالها فيه أغلب، أولى. # وثالثها: أنه إذا قال السيد لعبده: أكرم الرجال، ومن دخل داري فأعطه ~~درهما، ومتى جاءك فقير فتصدق عليه، ومتى جاء زيد ms391 فأكرمه " وأين كان، وحيث ~~حل، فإنه لا يحسن الاستفسار عن إرادة البعض ويحسن الاستفسار عما وراء ذلك، ~~فكان جعل هذه الصيغ حقيقة فيما لا يحسن الاستفسار عنه دون ما يحسن. # ورابعها: أنه لو كان قول القائل " رأيت الرجال " للعموم لكان إذا أريد به ~~الخصوص كان المخبر كاذبا، كما لو قال: " رأيت عشرين ولم ير غير عشرة بخلاف ~~ما إذا كانت للخصوص، وأريد به العموم. # وخامسها: لو كانت للعموم، لكان تأكيدها غير مفيد لغير ما أفادته، فكان ~~عبثا، وكان الاستثناء منها نقضا. # وسادسها: (ويخص من) من أنها لو كانت للعموم لما أجمعت لأن الجمع لا بد ~~وأن يفيد ما لا يفيده المجموع، وليس بعد العموم والاستغراق كثرة، فلا يجمع، ~~وقد جمعت في باب حكاية النكرات عند الاستفهام. فإنه إذا قال القائل: جاءني ~~رجال. قلت: منون؟ في حالة الوقف دون الوصل، ومنه قول الشاعر: # أتوا ناري، فقلت: منون أنتم؟ ... فقالوا: الجن. قلت عموا ظلاما (1) فقد ~~قال سيبويه: إنه شاذ غير معمول به. PageV02P207 # وأما شبه أرباب الاشتراك (1) : فأولها: أن هذه الألفاظ والصيغ قد تطلق ~~للعموم تارة وللخصوص تارة، والأصل في الإطلاق الحقيقة، وحقيقة الخصوص غير ~~حقيقة العموم، فكان اللفظ المتحد الدال عليهما حقيقة مشتركا كلفظ العين ~~والقرء ونحوه. # وثانيها: أنه يحسن عند إطلاق هذه الصيغ الاستفهام من مطلقها أنك أردت ~~البعض أو الكل، وحسن الاستفهام عن كل واحد منهما دليل الاشتراك (2) ، فإنه ~~لو كان حقيقة في أحد الأمرين دون الآخر لما حسن الاستفهام عن جهة الحقيقة. # وأما شبه من قال بالتعميم في الأوامر والنواهي دون الأخبار فهو أن ~~الإجماع منعقد على التكاليف بأوامر عامة لجميع المكلفين وبنواه عامة لهم، ~~فلو لم يكن الأمر والنهي للعموم لما كان التكليف عاما، أو كان تكليفا بما ~~لا يطاق وهو محال. # وهذا بخلاف الأخبار فإنه ليس بتكليف، ولأن الخبر يجوز وروده بالمجهول، ~~ولا بيان له أصلا كقوله تعالى: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن} ، {وقرونا بين ~~ذلك كثير} بخلاف الأمر فإنه وإن ورد بالمجمل كقوله: {وآتوا حقه يوم ms392 حصاده} ~~، وقوله {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} فإنه لا يخلو عن بيان متقدم أو ~~متأخر أو مقارن. # والجواب من جهة الإجمال عن جملة هذه الشبه ما أسلفناه في مسألة أن الأمر ~~للوجوب أو الندب، فعليك بنقله إلى هاهنا. # وأما من جهة التفصيل: أما ما ذكره أرباب العموم من الآيات، أما قصة نوح ~~فلا حجة فيها وذلك لأن إضافة الأهل قد تطلق تارة للعموم وتارة للخصوص كما ~~في قولهم: جمع السلطان أهل البلد، وإن كان لم يجمع النساء والصبيان والمرضى ~~(3) . # وعند ذلك فليس (القول) PageV02P208 # بحمل ذلك على الخصوص بقرينة أولى من القول بحمله على العموم بقرينة. # ونحن لا ننكر صحة الحمل على العموم بالقرينة، وإنما الخلاف في كونه حقيقة ~~أم لا. # وأما قصة ابن الزبعرى فلا حجة فيها أيضا، لأن سؤاله وقع فاسدا حيث ظن أن ~~(ما) عامة فيمن يعقل وليس كذلك. # ولهذا قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - منكرا عليه: " «ما أجهلك بلغة ~~قومك أما علمت أن (ما) لما لا يعقل» (1) وهي وإن أطلقت على من يعقل كما في ~~قوله تعالى: {والسماء وما بناها - والأرض وما طحاها - ونفس وما سواها} فليس ~~حقيقة، بل مجازا. # ويجب القول بذلك جمعا بينه وبين قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «أما ~~علمت أن (ما) لما لا يعقل» " ولما فيه من موافقة المنقول عن أهل اللغة في ~~ذلك. # وأما قصة إبراهيم فجوابها بما سبق في قصة نوح (2) . # وأما الاحتجاج بقصة عمر مع أبي بكر فلا حجة فيها أيضا، لأنه إنما فهم ~~العصمة من العلة الموجبة لها في الأموال والدماء، وهي قول لا إله إلا الله ~~فإنها مناسبة لذلك، والحكم مرتب عليها في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، فكان ذلك إيماء إليها بالتعليل. # أما أن يكون ذلك مأخوذا من عموم دمائهم وأموالهم فلا. # ومعارضة أبي بكر إنما كانت لما فهمه عمر من التعليل المقتضي للتعميم لا ~~لغيره (3) . PageV02P209 # وأما قصة فاطمة مع أبي بكر فالكلام في اعتقاد العموم في قوله تعالى: ~~{يوصيكم الله في أولادكم} ما سبق ms393 في قصة نوح (1) ، وهو الجواب أيضا عن ~~احتجاج عثمان على جواز الجمع بين الأختين، ثم قد أمكن أن يضاف ذلك إلى ما ~~فهم من العلة الموجبة لرفع الحرج وهي الزوجية لا إلى عموم اللفظ. # وكذلك احتجاج علي بقوله: {وأن تجمعوا بين الأختين} لم يكن لعموم اللفظ، ~~بل بما أومى إليه اللفظ من العلة المانعة من الجمع وهي الأخوة فإنها مناسبة ~~لذلك، دفعا للإضرار الواقع بين الأختين من المزاحمة على الزوج الواحد، ~~وإنما يصح الاحتجاج باللفظ بمجرده أن لو كان للعموم (2) وهو محل النزاع. # وإن صح الاحتجاج في هذه الصور بنفس اللفظ فلا يمتنع أن يكون ذلك بما ~~اقترن به من العلة الرافعة للحرج في احتجاج عثمان، والعلة المانعة من الجمع ~~في احتجاج علي - رضي الله عنه -. # وأما تكذيب عثمان للشاعر في قوله: ( # وكل نعيم لا محالة زائل # ) فإنما كان لما فهمه من حال الشاعر الدالة على قصد تعظيم الرب ببقائه، ~~وبطلان كل ما سواه. # أما أن يكون ذلك مستفادا من مجرد قوله (كل) فلا (3) . PageV02P210 # وأما استدلال أبي بكر بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «الأئمة من قريش» ~~" إنما فهم منه التعميم لما ظهر له من قصد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لتعظيم قريش وميزتهم على غيرهم من القبائل، فلو لم يكن ذلك يدل على الخصوص ~~فيهم والاستغراق لما حصلت هذه الفائدة. # وأما إجماع الصحابة على إجراء ما ذكروه من الآيات والأخبار على التعميم ~~في كل سارق وزان وغير ذلك، فإنما كان ذلك بناء على ما اقترن بها من العلل ~~المومى إليها الموجبة للتعميم، وهي السرقة والزنى وقتل الظالم إلى غير ذلك، ~~أما أن يكون اعتقاد تعميم تلك الأحكام مستندا إلى عموم تلك الألفاظ فلا. # وأما ما ذكر من الأولى المعنوية فالجواب عنها أنا وإن سلمنا أن العموم ~~ظاهر، وأن الحاجة داعية إلى وضع لفظ يدل عليه، ولكن لا نسلم إحالة الإخلال ~~به على الواضعين. # ولهذا قد أخلوا بالألفاظ الدالة على كثير من المعاني الظاهرة التي تدعو ~~الحاجة إلى تعريفها بوضع اللفظ ms394 عليها، وذلك كالفعل الحالي ورائحة المسك ~~والعود وغير ذلك من أنواع الروائح والطعوم الخاصة بمحالها. # فإن قيل: لا نسلم أنهم أخلوا بشيء من ذلك فإنهم يقولون: رائحة المسك ~~ورائحة العود وطعم العسل وطعم السكر إلى غير ذلك. # والإضافة من جملة الأوضاع المعرفة، ولهذا فإن الباري تعالى قد عرف نفسه ~~بالإضافة في قوله: {ذو العرش} و {ذي الطول} إلى غير ذلك. # قلنا: وعلى هذا لا نسلم أن العرب أخلت بما يعرف العموم، فإن الأسماء ~~المجازية والمشتركة أيضا من الأسماء المعرفة كما سيأتي بيانه. # وما وقع فيه الخلاف من ألفاظ العموم خارجة في نفس الأمر عن كونها حقيقة ~~في العموم دون غيره، أو مجازا فيه وحقيقة (1) فيه وفي غيره فتكون مشتركة. # وعلى كل تقدير، فما خلا العموم في وضعهم عن معرف، ولا خلاف في ذلك، وإنما ~~الخلاف في جهة دلالته عليه هل هي حقيقة أو مجاز؟ وخفاء جهة الدلالة والوقوف ~~في تعيينها لا يبطل أصل الوضع والتعريف. PageV02P211 # وأما الشبهة الثانية: وقولهم إن (من) إذا كانت استفهامية لا تخلو عن ~~الأقسام المذكورة في نفس الأمر مسلم. # ولكن لم قالوا بوجوب تعيين بعضها مع عدم الدليل القاطع على ذلك؟ # قولهم: لو كانت للخصوص لما حسن الجواب بكل العقلاء. # قلنا: ولو كانت للعموم لما حسن الجواب بالبعض الخاص لما قرروه، وليس أحد ~~الأمرين أولى من الآخر كيف وإن الجواب بالكل بتقدير أن يكون للخصوص يكون ~~جوابا عن المسئول عنه وزيادة؟ والجواب بالخصوص بتقدير أن يكون للعموم لا ~~يكون جوابا عن المسئول عنه. # ولذلك كان الجواب بالكل مستحسنا. # ثم ما المانع أن تكون مشتركة؟ # قولهم: لأنه لا يحسن الجواب إلا بعد الاستفهام. # قلنا: إذا كانت مشتركة وهي استفهامية فالاستفهام إنما هو عن مدلولها، ~~ومدلولها عند الاستفهام إنما هو أحد المدلولين لا بعينه، فإذا أجاب بأحد ~~الأمرين فقد أجاب عما سئل عنه، فلا حاجة بالمسئول إلى الاستفهام. # قولهم: في الشرطية إن المفهوم من قول السيد لعبده من دخل داري فأكرمه ~~العموم لما قرروه. # قلنا: ليس ذلك مفهوما ms395 من نفس اللفظ، بل من قرينة إكرام الزائر حتى أنا لو ~~قدرنا أنه لا أصلا، ولا تحقق لما سوى اللفظ المذكور، فإنا لا نسلم فهم ~~العموم منه ولا جواز التعميم دون الاستفهام أو ظهور دليل يدل عليه بناء على ~~قولنا بالوقف. # ويدل على ذلك أنه يحسن الاستفهام من العبد ولو كان على أي صفة قدر، وحسن ~~ذلك يدل على الترديد، ولولا الترديد لما حسن الاستفهام. # قولهم: إنه يحسن الاستثناء منه مسلم، ولكن لا نسلم أنه لا بد من دخول ما ~~استثني تحت المستثنى منه، فإن الاستثناء من غير الجنس صحيح، وإن لم يكن ~~المستثنى داخلا تحت المستثنى منه ولا له عليه دلالة (1) . # ويدل على صحة ذلك قوله تعالى: {ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} ، والظن ~~داخل تحت لفظ العلم، وقول الشاعر: PageV02P212 # وقفت فيها أصيلالا أسائلها ... عيت جوابا وما بالربع من أحد # إلا أواري لأيا ما أبينها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد (1) # فإن قيل: نحن إنما ندعي ذلك فيما كان من الجنس لا في غيره. # قلنا: وإذا كان من الجنس فالاستثناء يدل على وجوب دخول ما استثني تحت ~~المستثنى منه، أو على صلاحيته للدخول تحته، الأول ممنوع، والثاني مسلم. # ويدل على ذلك صحة استثناء كل واحد من آحاد الجنس من جموع القلة، وهي ما ~~يتناول العشرة فما دونها، وهي أفعل نحو أفلس، وأفعال نحو أصنام، وأفعلة نحو ~~أرغفة، وفعلة نحو صبية، مع أن آحاد الجنس غير واجبة الدخول تحت المستثنى ~~منه، والاستثناء من جمع السلامة إذا لم تدخله الألف واللام، فإنه من جموع ~~القلة بنص سيبويه. # فإن قيل: نحن إنما ندعي ذلك فيما يصح استثناء العدد الكثير والقليل منه، ~~واستثناء العدد الكثير وهو ما زاد على العشرة لا يصح من جمع القلة. # قلنا: فيلزم عليه استثناء ما زاد على العشرة من الجمع المنكر، فإنه يصح، ~~وإن كان كل واحد من المستثنيات غير واجب الدخول تحت الجمع المنكر، بل ممكن ~~الدخول. # فإن قيل: لو صح الاستثناء لإخراج ما يصح دخوله لا ms396 ما يجب دخوله لصح أن ~~يقول القائل: رأيت رجلا إلا زيدا، لصلاحية دخوله تحت لفظ رجل، وهو غير ~~صحيح. # وأيضا، فإن الاستثناء يدخل في الأعداد كقول القائل: له علي عشرة دراهم ~~إلا درهما وهو واجب الدخول. # وأيضا، فإن أهل اللغة قالوا: بأن الاستثناء إخراج جزء من كل، والجزء واجب ~~الدخول في كله. # قلنا: أما الأول فلأن قوله: رأيت رجلا لا يكون إلا معينا في نفس الأمر ~~ضرورة وقوع الرؤية عليه، وإن لم يكن معينا عند المستمع، والمعين لا يصح ~~الاستثناء منه إجماعا. # وأما الثاني فبعيد عن التحقيق من حيث إن وجوب دخول الواحد في العشرة لا ~~يمنع من صحة دخوله فيها، بمعنى أنه لا يمتنع دخوله فيها، وما ليس بممتنع ~~أعم من PageV02P213 # الواجب وعند ذلك، فلا يلزم أن يكون الاستثناء لوجوب الدخول، بل لصحة ~~الدخول وهو الجواب عن الوجه الثالث أيضا. # كيف وإن استثناء واجب الدخول لا يمنع من استثناء ممكن الدخول؟ وعلى ما ~~قررناه في إبطال الاستدلال على عموم (من) استفهامية وجزائية يكون بعينه ~~جوابا عما ذكروه من الوجه الأول في عموم (كل) و (جميع) . # قولهم الوجه الثاني: إنه لو قال: رأيت كل من في البلد يعد كاذبا بتقدير ~~عدم رؤية بعضهم لا نسلم لزوم ذلك مطلقا. # فإنه لو قال القائل: جمع السلطان كل التجار وكل الصناع وجاء كل العسكر، ~~فإنه لا يعد في العرف كاذبا بتقدير تخلف آحاد الناس. # والعرف بذلك شائع ذائع، وليس حوالة ذلك على القرينة أولى من حوالة صورة ~~التكذيب على القرينة (1) . # قولهم في الوجه الثالث: إن قول القائل: كل الناس علماء يكذبه قول الآخر: ~~كل الناس ليس علماء ليس كذلك مطلقا، فإنه لو فسر كلامه بالغالب عنده كان ~~تفسيره صحيحا مقبولا. # ومهما أمكن حمل كلامه على ذلك فلا تكاذب (2) . # نعم إنما يصح التكاذب بتقدير ظهور الدليل الدال على إرادة الكل بحيث لا ~~يشذ منهم واحد، وذلك مما لا ينكر، وإنما النزاع في اقتضاء اللفظ لذلك ~~بمطلقه. # قولهم في الوجه الرابع: إنا ندرك التفرقة بين ms397 (بعض) و (كل) مسلم، لكن من ~~جهة أن بعضا لا يصلح للاستغراق وكلا صالح له ولما دونه، ولا يلزم من ذلك ~~ظهور (كل) في العموم (3) . # قولهم في الوجه الخامس: إنه يلزم أن يكون قوله (كلهم) بيانا لا تأكيدا. ~~PageV02P214 # قلنا: وإن بين به مراده من لفظه لا يخرجه ذلك عن كونه تأكيدا لما أراده ~~من العموم، فإن لفظه صالح له (1) . # قولهم في الجمع المعرف: إن كثرة الجمع المعرف تزيد على كثرة المنكر، ~~قلنا: متى إذا أريد به الاستغراق أو إذا لم يرد به ذلك؟ الأول مسلم والثاني ~~ممنوع، ولا يلزم من كونه صالحا للاستغراق أن يكون متعينا له، بل غايته أنه ~~إذا قال: رأيت رجالا من الرجال كان ذلك قرينة صارفة للجمع المعرف إلى ~~الاستغراق. # قولهم: إنه يصح تأكيده بما يفيد الاستغراق، قلنا: ذلك يستدعي كون المؤكد ~~صالحا للعموم والدلالة على العموم عند التأكيد، ولا يدل على كونه متعينا ~~بوضعه للعموم (2) . # قولهم في تعميم النكرة المنفية: لو قال: لا رجل في الدار، فإنه يعد كاذبا ~~بتقدير رؤيته لرجل ما، قلنا: إنما عد كاذبا بذلك، لأن قوله لا رجل في الدار ~~إنما ينفي حقيقة رجل في الدار، فإذا وجد رجل في الدار كان كاذبا، ولا يلزم ~~من ذلك العموم في طرف النفي إذ هو نفي ما ليس بعام (3) . # قولهم: إنه يحسن الاستثناء سبق جوابه (4) . # قولهم: إنه يصح تكذيبه بأنك رأيت رجلا، قلنا: سبق جوابه أيضا (5) . ~~PageV02P215 # قولهم: لو لم يكن للعموم لما كان قول القائل: لا إله إلا الله توحيدا، ~~قلنا: وإن لم يكن حقيقة في العموم فلا يمتنع إرادة العموم بها. # وعلى هذا فمهما لم يرد المتكلم بها العموم فلا يكون قوله توحيدا، وإن ~~أراد ذلك كان توحيدا، لكن لا يكون العموم من مقتضيات اللفظ، بل من قرينة ~~حال المتكلم الدالة على إرادة التوحيد، وعلى هذا يكون الحكم أيضا فيما إذا ~~قال: ما في الدار من رجل، وقول أهل الأدب: إنها للعموم يمكن حمله على عموم ~~الصلاحية دون الوجوب (1) . # قولهم في الإضافة: ms398 إذا قال: أعتقت عبيدي وإمائي ثم مات جاز لمن سمعه أن ~~يزوج من شاء من العبيد دون رضى الورثة. # قلنا: ولو قال: أنفقت دراهمي، وصرمت نخيلي، وضربت عبيدي، فإنه لا يعد ~~كاذبا بتقدير عدم إنفاق بعض دراهمه وعدم صرم بعض نخيله وعدم ضرب بعض عبيده، ~~ولو كان ذلك للعموم لكان كاذبا، وليس صرف ذلك إلى القرينة (2) أولى من صرف ~~ما ذكروه إلى القرينة، وهو الجواب عن قوله: العبيد الذين في يدي لفلان. # وما ذكروه في الدلالة على تعميم اسم الجنس إذا دخله الألف واللام. # أما الوجه الأول منه قولهم: إنه لا بد للألف واللام من فائدة، قلنا: يمكن ~~أن تكون فائدتها تعريف المعهود، وإن لم يكن ثم معهود، فالتردد بين العموم ~~والخصوص على السوية بخلاف ما قبل دخولها (3) . PageV02P216 # وأما الوجه الثاني فقد قيل: إنه من النقل الشاذ الذي لا اعتماد عليه، وهو ~~مع ذلك مجاز. # ولهذا فإنه لم يطرد في كل اسم فرد، فإنه لا يقال: جاءني الرجل العلماء ~~والرجل المسلمون، ثم وإن أمكن نعته بالجمع، فإنما كان كذلك لأن المراد من ~~قولهم إنما هو جنس الدينار وجنس الدرهم لا جملة الدنانير وجملة الدراهم. # وحيث كان الهلاك بجنس الدينار والدرهم لأمر متحقق في كل واحد من ذلك ~~الجنس جاز نعته بالجمع، نظرا إلى اقتضاء المعنى للجمع، لا نظرا إلى اقتضاء ~~لفظ الدينار والدرهم. # وأما الاستثناء في الآية فهو مجاز. # ولهذا لم يطرد، فإنه لا يحسن أن يقال: رأيت الرجل إلا العلماء وعلى هذا ~~النحو. # ثم لو كان ذلك صالحا للاستغراق لأمكن مع اتحاده أن يؤكد (بكل) و (جميع) ~~كما في (من) في قولك: من دخل داري أكرمته وهو غير جائز، فإنه لا يحسن أن ~~يقال: جاءني الرجل كلهم أجمعون (1) ، ويمكن أن يقال: إن مثل هذا قياس في ~~اللغة، وهو غير جائز. # وأما الوجه الثالث فدفعه بمنع الحصر فيما قيل، بل القائل ثلاثة، والثالث ~~هو القائل بالتفصيل. # وأما الوجه الرابع فحاصله يرجع إلى القياس في اللغة، وقد أبطلناه. # وأما ما ذكروه ms399 في تعميم الجمع المنكر أما الوجه الأول منه فعنه جوابان: ~~الأول: أن قول القائل: رجال حقيقة في كل عدد على خصوصه ممنوع، وإن أراد به ~~أنه حقيقة في الجمع المشترك بين جميع الأعداد فمسلم. # ، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون دالا على ما هو الأخص لا حقيقة ولا مجازا. # وعلى هذا فقد بطل القول بأنا إذا حملناه على الاستغراق كان حملا له على ~~جميع حقائقه، ضرورة اتحاد مدلوله. # الثاني: وإن سلمنا أنه حقيقة في كل عدد بخصوصه، غير أنه ليس حمله على ~~الاستغراق مع احتمال عدم الإرادة أولى من حمله على الأقل مع كونه مستيقنا. # وأما الوجه الثاني: فإنما يلزم المتكلم به بيان إرادة البعض عينا أن لو ~~كان اللفظ موضوعا له. PageV02P217 # وأما إذا كان موضوعا لبعض مطلق فلا. # وأما الاستثناء فقد عرف جوابه كيف وإن أهل اللغة اتفقوا على تسميته نكرة؟ ~~ولو كان للاستغراق لكان معروفا كله، فلا يكون منكرا مختلطا بغيره. # قولهم: إن العرب فرقت بين تأكيد الواحد والعموم بما ذكروه، إنما يصح أن ~~لو كان (كلهم أجمعون) تأكيدا للعموم وليس كذلك، بل هو تأكيد للفظ الذي يجوز ~~أن يراد به العموم وغير العموم (1) . # قولهم: لو لم يكن للعموم صيغة تدل عليه لكان التكليف بالأمور العامة ~~تكليفا بما لا يطاق. # قلنا: إنما يكون كذلك إن لو لم يكن ثم ما يدل على التعميم وليس كذلك، ولا ~~يلزم من عدم صيغة تدل عليه بوضعها دون التكليف بالمحال مع وجود صيغة تدل ~~عليه مع القرينة. # وأما شبه أرباب الخصوص قولهم في الأولى: إن الخصوص متيقن، قلنا: ذلك لا ~~يدل على كونه مجازا في الزيادة، فإن الثلاثة مستيقنة في العشرة ولا يدل على ~~كونه لفظ العشرة حقيقة في الثلاثة مجازا في الزيادة. # ، فإن قيل: إلا أن الزيادة في العشرة على الثلاثة أيضا مستيقنة، قيل: ليس ~~كذلك وإلا لما صح استثناؤها بقوله: علي عشرة إلا ثلاثة، كيف وإن ما ذكروه ~~من الترجيح معارض بما يدل على كونه حقيقة في العموم، وذلك ms400 لأنه من المحتمل ~~أن يكون مراد المتكلم العموم، فلو حمل لفظه على الخصوص لم يحصل مراده، ~~وبتقدير أن يكون مراده الخصوص لا يمتنع حصول مقصوده منه بتقدير الحمل على ~~العموم، بل المقصود حاصل وزيادة، وليس أحد الأمرين أولى من الآخر. # قولهم في الشبهة الثانية: إن أكثر استعمال هذه الصيغ في الخصوص لا نسلم ~~حقيقة ذلك، وإن سلم إلا أن ذلك لا يدل على كون هذه الصيغ حقيقة في الخصوص ~~ومجازا في العموم، ويدل عليه أن استعمال لفظ الغائط والعذرة غالب في الخارج ~~المستقذر PageV02P218 # من الإنسان، وإن كان مجازا فيه وحقيقة في الموضع المطمئن من الأرض وفناء ~~الدار. # وكذلك لفظ الشجاع حقيقة في الحية المخصوصة، وإن كان غالب الاستخدام في ~~الرجل المقدام. # قولهم في الثالثة: إنه لا يحسن الاستفهام عن إرادة البعض بخلاف العموم. # قلنا: حسن الاستفهام عن إرادة العموم لا يخرج الصيغة عن كونها حقيقة في ~~العموم، ودليل ذلك أنه لو قال القائل: دخل السلطان البلد ولقيت بحرا وناطحت ~~جبلا ورأيت حمارا، فإنه يحسن استفهامه: هل أردت بالسلطان نفسه أو عسكره؟ ~~وهل أردت بالجبل الجبل الحقيقي أو الرجل العظيم؟ وهل أردت بالحمار الحمار ~~الحقيقي أو البليد؟ وأردت بالبحر البحر الحقيقي أو رجلا كريما؟ وعدم حسن ~~الاستفهام عن البعض لتيقنه لا يوجب كون الصيغة حقيقة فيه (1) بدليل الثلاثة ~~من العشرة. # قولهم في الرابعة: لو كان قوله: رأيت الرجال للعموم لكان كاذبا بتقدير ~~إرادة الخصوص، قلنا: إنما يكون كاذبا مع كون لفظه حقيقة في العموم إن لو لم ~~يكن لفظه صالحا لإرادة البعض تجوزا، ولهذا فإنه لو قال: رأيت أسدا وحمارا ~~أو بحرا، وكان قد رأى إنسانا شجاعا، وإنسانا بليدا، وإنسانا كريما لم يكن ~~كاذبا، وإن كان لفظه حقيقة في غيره، وهذا بخلاف ما إذا قال رأيت عشرة رجال ~~ولم يكن خمسة، فإن لفظ العشرة مما لا يصلح للخمسة لا حقيقة ولا تجوزا. # قولهم في الخامسة: إنه لو كانت هذه الصيغ للعموم لكان تأكيدها عبثا ليس ~~كذلك، فإنه يكون أبعد عن مجازفة ms401 المتكلم، وأبعد عن قبول التخصيص وأغلب على ~~الظن. # كيف وإنه يلزم على ما ذكروه صحة تأكيد الخاص (2) بقولهم: جاء زيد عينه ~~نفسه، وتأكيد عقود الأعداد كقوله تعالى: {تلك عشرة كاملة} ، وما هو الجواب ~~هاهنا عن التأكيد يكون جوابا في العموم. PageV02P219 # قولهم: وكان الاستثناء منها نقضا يلزم عليه الاستثناء من الأعداد المقيدة ~~كقوله: له علي عشرة إلا خمسة، فإنه صحيح بالاتفاق مع أن لفظ العشرة صريح ~~فيها، وجوابه في الأعداد جوابه في العموم. # قولهم في السادسة: إن (من) لو كانت للعموم لما جمعت، قلنا: قد قيل إن ذلك ~~ليس بجمع، وإنما هو إلحاق زيادة الواو وإشباع الحركة وبتقدير أن يكون جمعا ~~فقد قال سيبويه: إنه لا عمل عليه، لما فيه من جمع (من) حالة الوصل، وإنما ~~تجمع عندما إذا حكى بها الجمع المنكر حالة الوقف. # وإذ ذاك فلا تكون للعموم. # وأما شبه أرباب الاشتراك قولهم في الأولى: إن هذه الصيغ قد تطلق تارة ~~للعموم وتارة للخصوص، والأصل في الإطلاق الحقيقة. # قلنا: الأصل في الإطلاق الحقيقة بصفة الاشتراك أو لا بصفة الاشتراك؟ ~~الأول ممنوع والثاني مسلم، وذلك لأنه إذا كان مشتركا افتقر في فهم كل واحد ~~من مدلولاته إلى قرينة تعينه ضرورة تساوي نسبة اللفظ فيه إلى الكل، ~~والقرينة قد تظهر، وقد تخفى. # وذلك يفضي إلى الإخلال بمقصود الوضع، وهو التفاهم، وهذا بخلاف ما إذا كان ~~اللفظ حقيقة في مدلول واحد، فإنه يحمل عليه عند إطلاقه من غير افتقار إلى ~~قرينة مخلة بالفهم. # قولهم في الثانية: إنه يحسن الاستفهام. # قلنا: ذلك لا يدل على كون اللفظ مشتركا، فإنه يحسن مع كون اللفظ متحد ~~المدلول كما لو قال القائل: خاصمت السلطان، فيقال: أخصمته؟ مع كون اللفظ ~~حقيقة في شيء ومجازا في غيره كما سبق تمثيله من قول القائل: صدمت جبلا ~~ورأيت بحرا ولقيت حمارا، فإنه يحسن استفهامه، إنك أردت بذلك المدلولات ~~الحقيقية أو المجازية من الرجل العظيم والكريم والبليد. # وذلك لفائدة زيادة الأمن من المجازفة في الكلام، وزيادة غلبة الظن وتأكده ~~بما اللفظ ms402 ظاهر فيه، وللمبالغة في دفع المعارض كما سبق في التأكيد. # وأما طريق الرد على من فرق من الواقفية بين الأوامر والأخبار، فهو أن كل ~~ما يذكرونه في الدلالة على وجوب التوقف في الأخبار فهو بعينه مصطرد في ~~الأوامر. # PageV02P220 # قولهم: أولا إن الأمر تكليف. # قلنا: ومن الأخبار العامة ما كلفنا بمعرفتها كقوله تعالى: {الله خالق كل ~~شيء} ، و {وهو بكل شيء عليم} ، وكذلك عمومات الوعد والوعيد فإنا مكلفون ~~بمعرفتها، لأن بذلك يتحقق الانزجار عن المعاصي والانقياد إلى الطاعات، ومع ~~التساوي في التكليف فلا معنى للوقوف. # وإن سلمنا ذلك ليفضي إلى التكليف بما لا يطاق فهو غير ممتنع عندنا على ما ~~سبق تقريره (1) . # قولهم: ثانيا إن من الأخبار ما يرد بالمجهول من غير بيان بخلاف الأمر. # قلنا: لا نسلم امتناع ورود الأمر بالمجهول (2) كيف وإن هذا الفرق، وإن دل ~~على عدم الحاجة فيما كان من الأخبار لم نكلف بمعرفتها إلى وضع اللفظ العام ~~بإزائه فغير مطرد فيما كلفنا بمعرفته كما سبق، وهم غير قائلين بالتفصيل بين ~~خبر وخبر. PageV02P221 ### | [المسألة الثالثة أقل الجمع] # المسألة الثالثة # اختلف العلماء في أقل الجمع هل هو اثنان أو ثلاثة؟ وليس محل الخلاف ما هو ~~المفهوم من لفظ الجمع لغة، وهو ضم شيء إلى شيء، فإن ذلك في الاثنين ~~والثلاثة وما زاد من غير خلاف، وإنما محل النزاع في اللفظ المسمى بالجمع في ~~اللغة مثل قولهم: رجال ومسلمون. # وإذ تنقح محل النزاع فنقول مذهب عمر وزيد بن ثابت ومالك وداود والقاضي ~~أبي بكر والأستاذ أبي إسحاق (1) وجماعة من أصحاب الشافعي - رضي الله عنه - ~~كالغزالي وغيره أنه اثنان، ومذهب ابن عباس والشافعي وأبي حنيفة ومشايخ ~~المعتزلة وجماعة من أصحاب الشافعي أنه ثلاثة، وذهب إمام الحرمين (2) إلى ~~أنه لا يمتنع رد لفظ الجمع إلى الواحد. # احتج الأولون بحجج من جهة الكتاب والسنة وإشعار اللغة والإطلاق. # أما من جهة الكتاب فقوله تعالى: {إنا معكم مستمعون} ، وأراد به موسى ~~وهارون، وقوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} ، وقوله تعالى: ~~{وهل أتاك نبأ ms403 الخصم إذ تسوروا المحراب - إذ دخلوا على داود ففزع منهم ~~قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض} ، وقوله تعالى: {فإن كان له إخوة ~~فلأمه السدس} وأراد به الأخوين، وقوله تعالى: {عسى الله أن يأتيني بهم ~~جميعا} ، وأراد به يوسف وأخاه وقوله تعالى: {وكنا لحكمهم شاهدين} ، وأراد ~~به داود وسليمان، وقوله تعالى: {هذان خصمان اختصموا} ، وقوله تعالى: {إن ~~تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} . PageV02P222 # وأما من جهة السنة ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ~~«الاثنان فما فوقهما جماعة» " (1) . # وأما من جهة الإشعار اللغوي فهو أن اسم الجماعة مشتق من الاجتماع، وهو ضم ~~شيء إلى شيء، وهو متحقق في الاثنين حسب تحققه في الثلاثة وما زاد عليها، ~~ولذلك تتصرف العرب وتقول: جمعت بين زيد وعمرو فاجتمعا وهما مجتمعان، كما ~~يقال ذلك في الثلاثة، فكان إطلاق اسم الجماعة على الاثنين حقيقة، وأما من ~~جهة الإطلاق فمن وجهين: الأول: أن الاثنين يخبران عن أنفسهما بلفظ الجمع، ~~فيقولان: قمنا وقعدنا وأكلنا وشربنا كما تقول الثلاثة. # الثاني: أنه يصح أن يقول القائل إذا أقبل عليه رجلان في مخافة: أقبل ~~الرجال. # وذلك كله يدل على أن لفظ الجمع حقيقة في الاثنين، إذ الأصل في الإطلاق ~~الحقيقة. # قال النافون لذلك: أما قوله تعالى: {إنا معكم مستمعون} ، فالمراد به موسى ~~وهارون وفرعون وقومه وهم جمع، وقوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا} فكل طائفة جمع. # وأما قصة داود فلا حجة فيها، فإن الخصم قد يطلق على الواحد وعلى الجماعة ~~فيقال: هذا خصمي وهؤلاء خصمي، وليس في الآية ما يدل على أن كل واحد من ~~الخصمين كان واحدا، وقوله تعالى: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} ، فالمراد ~~به الثلاثة، وحيث ورثناها السدس مع الأخوين لم يكن ذلك مخالفا لمنطوق ~~اللفظ، بل لمفهومه بدليل آخر، وهو انعقاد الإجماع على ذلك (2) . # والمراد من قوله تعالى: {عسى الله أن يأتيني بهم جميعا} يوسف وأخوه ~~وشمعون الذي قال {فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي} ، والمراد من قوله ~~تعالى: ms404 {وكنا لحكمهم شاهدين} PageV02P223 # داود وسليمان والمحكوم له وهم جماعة، وقوله تعالى: {هذان خصمان اختصموا} ~~، فالجواب عنه ما تقدم في قصة داود، وقوله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد ~~صغت قلوبكما} فهو أشبه مما يحتج به هاهنا ويمكن أن يجاب عنه بأن الخطاب وإن ~~كان مع اثنين، وإنه ليس لكل واحد منهما في الحقيقة سوى قلب واحد غير أنه قد ~~يطلق اسم القلوب على ما يوجد للقلب الواحد من الترددات المختلفة إلى الجهات ~~المختلفة مجازا، ومن ذلك قولهم لمن مال قلبه إلى جهتين أو تردد بينهما: إنه ~~ذو قلبين وعند ذلك فيجب حمل قوله: {قلوبكما} على جهة التجوز دون الحقيقة، ~~جمعا بينه وبين ما سنذكره من الأدلة الدالة على امتناع إطلاق لفظ الجمع على ~~الاثنين حقيقة، ويمكن أن يقال: إنما قال: {قلوبكما} تجوزا حذرا من استثقال ~~الجمع بين تثنيتين. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «الاثنان فما فوقهما جماعة» " إنما أراد ~~به أن حكمهما حكم الجماعة في انعقاد صلاة الجماعة بهما وإدراك فضيلة ~~الجماعة (1) ، ويجب الحمل عليه، لأن الغالب من النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أن يعرفنا الأحكام الشرعية لا الأمور اللغوية، لكونها معلومة للمخاطب ~~ولما سيأتي من الأدلة. # وأما ما ذكروه من الإشعار اللغوي فجوابه أن يقال: وإن كان ما منه اشتقاق ~~لفظ الجماعة في الثلاثة موجودا في الاثنين، فلا يلزم إطلاق اسم الجماعة ~~عليهما إذ هو من باب القياس في اللغة، وقد أبطلناه، ولهذا فإن المعنى الذي ~~صح منه اشتقاق اسم القارورة للزجاجة المخصوصة، وهو قرار المائع فيها متحقق ~~في الجرة والكوز، ولا يصح تسميتهما قارورة. # كيف وإن ذلك لا يطرد في اسم الرجال والمؤمنين وغيرهما من أسماء الجموع إذ ~~مشتق من الجمع، والخلاف واقع في إطلاقه على الاثنين حقيقة. PageV02P224 # وجواب الإطلاق الأول أن ذلك لا يدل على أن الاثنين جمع بدليل صحة قول ~~الواحد لذلك مع أنه ليس بجماعة. # ولهذا فإنه لا يصح إخبار غيرهما عنهما بذلك، فلا يقال: عن الاثنين قاموا ~~وقعدوا، بل قاما وقعدا. # وجواب الإطلاق الثاني ms405 أن ذلك أيضا لا يدل على أن الاثنين جماعة، بدليل ~~صحة قوله: جاء الرجال عندما إذا أقبل عليه الواحد في حال المخافة، والواحد ~~ليس بجمع بالاتفاق. # وأما حجج القائلين بأن أقل الجمع ثلاثة فست: الأولى: ما روي عن ابن عباس ~~أنه قال لعثمان حين رد الأم من الثلث إلى السدس بأخوين: قال الله تعالى ~~{فإن كان له إخوة فلأمه السدس} ، وليس الأخوان إخوة في لسان قومك. فقال ~~عثمان: لا أستطيع أن أنقض أمرا كان قبلي وتوارثه الناس (1) ، ولولا أن ذلك ~~مقتضى اللغة لما احتج به ابن عباس على عثمان، وأقره عليه عثمان وهما من أهل ~~اللغة وفصحاء العرب. # الثانية: أن أهل اللغة فرقوا بين رجلين ورجال، فإطلاق اسم الرجال على ~~الرجلين رفع لهذا الفرق. # الثالثة: أنه لو صح إطلاق الرجال على الرجلين لصح نعتهما بما ينعت به ~~الرجال، ولا يصح أن يقال: جاءني رجلان ثلاثة كما يقال: جاءني رجال ثلاثة، ~~ولصح أن يقال: رأيت اثنين رجالا كما يقال: رأيت ثلاثة رجال. # الرابعة: أن أهل اللغة فرقوا بين ضمير التثنية والجمع فقالوا في الاثنين: ~~فعلا، وفي الجميع: فعلوا. # الخامسة: أنه يصح أن يقال: ما رأيت رجالا، بل رجلين. # ولو كان اسم الرجال للرجلين حقيقة لما صح نفيه. PageV02P225 # السادسة: أنه لو قال: لفلان علي دراهم، فإنه لا يقبل تفسيره بأقل من ~~ثلاثة. # وكذلك في النذر والوصية. # وهذه الحجج ضعيفة، أما الحجة الأولى فهي معارضة بما روي عن زيد بن ثابت ~~أنه قال: الأخوان أخوة. # وروي عنه أنه قال: أقل الجمع اثنان، وليس العمل بأحدهما أولى من الآخر. # وأما الثانية فهو أن التفرقة بين الرجلين والرجال أن اسم الرجلين جمع خاص ~~بالاثنين، والرجال جمع عام للاثنين وما زاد عليهما. # وأما الثالثة فهو أن الثلاثة نعت للجمع العام، وهو الرجال، ولا يلزم أن ~~يكون نعتا للجمع الخاص، وهو رجلان، وبه يعرف الجواب عن امتناع قولهم: رأيت ~~اثنين رجالا من حيث إن رجالا اسم للجمع العام، وهو الثلاثة وما زاد عليها، ~~فلا يلزم أن يكون ms406 أعطي لما دون ذلك، وبه يخرج الجواب عن الفرق بين ضمير ~~التثنية وضمير الجمع، فإن ضمير (فعلا) لجمع خاص، وهو الاثنان، و (فعلوا) ~~ضمير ما زاد على ذلك. # وأما الخامسة، فإنه إذا رأى رجلين لا نسلم أنه يصح قوله: ما رأيت رجالا ~~إلا أن يريد به ما زاد على الاثنين. # وأما الأحكام فممنوعة على أصل من يرى أن أقل الجمع اثنان. # وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين فعلى الناظر بالاجتهاد في الترجيح وإلا ~~فالوقف لازم (1) . PageV02P226 ### | [المسألة الرابعة العام بعد التخصيص هل هو حقيقة في الباقي أو مجاز] # المسألة الرابعة # اختلف القائلون بالعموم في العام بعد التخصيص هل هو حقيقة في الباقي أو ~~مجاز؟ على ثمانية مذاهب: # فمنهم من قال: إنه يبقى حقيقة مطلقا على أي وجه كان المخصص، وهو مذهب ~~الحنابلة وكثير من أصحابنا. # ومنهم من قال: إنه يبقى مجازا كيفما كان المخصص، وهو مذهب كثير من ~~أصحابنا، وإليه ميل الغزالي وكثير من المعتزلة وأصحاب أبي حنيفة كعيسى بن ~~أبان وغيره. # ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إن كان الباقي جمعا فهو حقيقة وإلا فلا. # وهو اختيار أبي بكر الرازي. # ومنهم من قال: إن خص بدليل لفظي فهو حقيقة كيفما كان المخصص متصلا أو ~~منفصلا وإلا فهو مجاز. # ومنهم من قال: إن خص بدليل متصل من شرط كقوله: من دخل داري وأكرمني ~~أكرمته، أو استثناء كقوله: من دخل داري أكرمته سوى بني تميم فحقيقة وإلا ~~فمجاز، وهو اختيار القاضي أبي بكر (1) . # وقال القاضي عبد الجبار من المعتزلة: إن كان مخصصه شرطا كما سبق تمثيله ~~أو تقييدا بصفة كقوله: من دخل داري عالما أكرمته فهو حقيقة، وإلا فهو مجاز ~~حتى في الاستثناء، وقال أبو الحسين البصري: إن كانت القرينة المخصصة مستقلة ~~بنفسها وسواء كانت عقلية كالدلالة الدالة على أن غير القادر غير مراد ~~بالخطاب في العبادات، أو لفظية كقول المتكلم بالعموم: أردت به البعض ~~الفلاني فهو مجاز وإلا فهو حقيقة، وسواء كانت القرينة شرطا أو صفة مقيدة أو ~~استثناء. # ومن الناس ms407 من قال: إنه حقيقة في تناول اللفظ له، مجاز في الاقتصار عليه. ~~PageV02P227 # والمختار تفريعا على القول بالعموم أنه يكون مجازا في المستبقي واحدا كان ~~أو جماعة، وسواء كان المخصص متصلا أو منفصلا عقليا أو لفظيا باستثناء أو ~~شرط أو تقييد بصفة. # ودليل ذلك أنه إذا كان اللفظ حقيقة في الاستغراق والهيئة الاجتماعية من ~~كل الجنس، فصرفه إلى البعض بالقرينة كيفما كانت القرينة. # أما أن يكون لدلالة اللفظ عليه حقيقة أو مجازا، لا جائز أن يقال بكونه ~~حقيقة فيه، وإلا كان اللفظ مشتركا بينه وبين الاستغراق، ضرورة اختلاف ~~معنييهما بالبعضية والكلية، وعدم اشتراكهما في معنى جامع يكون مدلولا للفظ، ~~(1) والمشترك لا يكون ظاهرا بلفظه في بعض مدلولاته دون البعض (2) ، وهو ~~خلاف مذهب القائلين بالعموم فلم يبق إلا أن يكون مجازا. # فإن قيل: ما المانع أن يكون حقيقة فيهما باعتبار اشتراكهما في الجنسية ~~على وجه لا يكون مشتركا (3) ولا مجازا في أحدهما؟ والذي يدل على كونه حقيقة ~~في البعض المستبقي أن اللفظ كان متناولا له حقيقة قبل التخصيص، فخروج غيره ~~عن عموم اللفظ لا يكون مؤثرا فيه، سلمنا أنه ليس حقيقة في الجنس المشترك، ~~ولكن ما المانع من كون اللفظ بمطلقه حقيقة في الاستغراق؟ ومع القرينة يكون ~~حقيقة في البعض، سلمنا امتناع بقائه حقيقة فيه، ولكن متى إذا كان دليل ~~التخصيص لفظيا متصلا أو منفصلا، الأول ممنوع والثاني مسلم. # وذلك لأنه إذا كان الدليل المخصص لفظيا متصلا، وسواء كان شرطا أو تقييدا ~~بصفة أو استثناء، فإن الكلام يصير بسبب الزيادة المتصلة به كلاما آخر ~~مستقلا موضوعا للبعض، فإنه إذا قال: من دخل داري أكرمته كان له معنى، فإذا ~~زاد شرطا أو صفة أو استثناء كقوله: من دخل داري وأكرمني أكرمته، ومن دخل ~~داري عالما أكرمته، أو من دخل داري أكرمته PageV02P228 # إلا بني تميم تغير ذلك المعنى الأول، وصار معنى الشرط الداخل المكرم، ~~ومعنى الصفة الداخل العالم، ومعنى الاستثناء الداخل ممن ليس من بني تميم، ~~فكان اللفظ والمعنى مختلفا، وكل واحد من اللفظين ms408 حقيقة في معناه، وصار هذا ~~بمنزلة قول القائل: مسلم فإن له معنى، فإذا زاد فيه الألف واللام فقال ~~المسلم، أو زاد فيه الواو والنون فقال مسلمون، فإن اللفظ بإلحاق الزيادة ~~فيه صار دالا على معنى زائد بجهة الحقيقة، لا بجهة التجوز، فكذلك فيما نحن ~~فيه. # وعلى هذا نقول إن قوله تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} إن ~~مجموع هذا القول دل على المستبقي بجهة الحقيقة، وهو قائم مقام قوله: فلبث ~~فيهم تسعمائة وخمسين عاما، هذا كله فيما إذا كان الاستثناء والمستثنى في ~~كلام متكلم واحد، وأما لو قال الله تعالى (اقتلوا المشركين) فقال الرسول ~~عقيبه: إلا زيدا فهذا مما اختلف فيه أنه كالمتصل الذي لا يجعل لفظ المشركين ~~مجازا أم لا. # فمن قال بكونه متصلا نظر إلى أن كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ~~يكون في تشريع الأحكام بغير الوحي، فكان في البيان كما لو كان ذلك بكلام ~~الله تعالى. # ومنهم من أجراه مجرى الدليل المنفصل دون المتصل، ولهذا فإنه لو قال ~~الباري تعالى: زيد، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: قام لا يكون خبرا ~~صادرا من الله تعالى، لأن نظم الكلام إنما يكون من متكلم واحد، ولعل هذا هو ~~الأظهر. # سلمنا أنه يكون مجازا في جميع الصور إلا في الشرط، وذلك لأنه إذا قال: ~~أكرم بني تميم إن دخلوا داري، فإن الشرط لم يخرج شيئا مما تناوله اللفظ من ~~أعيان الأشخاص، بل هو باق بحاله. # وإنما أخرج حالا من الأحوال، وهي حالة عدم دخول الدار بخلاف الاستثناء ~~وغيره فلا يكون مجازا. # سلمنا التجوز مطلقا، لكن متى إذا كان المستبقي منحصر، أو إذا لم يكن ~~الأول ممنوع والثاني مسلم. # PageV02P229 # والجواب عن السؤال الأول أن البعض، وإن كان من جنس الكل إلا أن اللفظ ~~العام حقيقة في استغراق الجنس من حيث هو كذلك، لا في الجنس مطلقا ولهذا ~~تعذر حمله على البعض، وإن كان من الجنس إلا بقرينة باتفاق القائلين ~~بالعموم، ومعنى متحقق في المستبقي فلا يكون حقيقة ms409 فيه. # قولهم: إن اللفظ كان متناولا له حقيقة قبل التخصيص، قلنا بانفراده أو مع ~~المخصص (1) الخارج، الأول ممنوع والثاني مسلم. # وعلى هذا فلا يلزم مع التخصيص أن يبقى حقيقة فيه، كيف ويلزم عليه الواحد؟ ~~فإن اللفظ كان متناولا له حقيقة قبل التخصيص وبعد التخصيص، فهو مجاز فيه ~~بالاتفاق. # وعن السؤال الثاني جوابان: الأول: أن ذلك مما يرفع جميع المجازات عن ~~الكلام، فإنه ما من مجاز إلا ويمكن أن يقال: إنه مع القرينة حقيقة في ~~مدلوله، وبدون القرينة حقيقة في غيره (2) . # الثاني: أنه لو كان كما ذكروه لكان استعمال ذلك اللفظ في الاستغراق مع ~~اقترانه بالقرينة المخصصة له بالبعض استعمالا له في غير الحقيقة، وصارفا له ~~عن الحقيقة، وهو خلاف إجماع القائلين بالعموم. # وعن السؤال الثالث أن دلالة اللفظ عند اقترانه بالدليل اللفظي المتصل لا ~~يخرج عن حقيقته وصورته بما اقترن به، وإلا كان كل مقترن بشيء خارجا عن ~~حقيقته. # ويلزم من ذلك خروج الجسم عن حقيقته من حيث هو جسم عند اتصافه بالبياض أو ~~السواد، وكذلك في كل موصوف بصفة، وهو محال. # وإذا كان باقيا على حقيقته فمعناه لا يكون مختلفا، بل غايته أن يصير ~~مصروفا عن معناه بالقرينة المقترنة به، وهو التجوز بعينه. # وعلى هذا فألفاظ الآية المذكورة في قصة نوح الألف للألف والخمسون ~~للخمسين، وإلا للرفع، ومعرفة ما بقي حاصلة بالحساب. # وخرج عن هذا زيادة الألف واللام في المسلم، والواو والنون في PageV02P230 # المسلمين، فإنها لا معنى لها في نفسها دون المزيد عليه، ولا سبيل إلى ~~إهمالها. # فلذلك كانت موجبة للتعيين في الوضع. # فإن قيل: لو قال: لا إله، فإنه بمطلقه يكون كفرا، ولو اقترن به الاستثناء ~~وهو قوله: إلا الله كان إيمانا، وكذلك لو قال لزوجته: أنت طالق كان بمطلقه ~~تنجيزا للطلاق، ولو اقترن به الشرط وهو قوله إن دخلت الدار كان تعليقا مع ~~أن الاستثناء والشرط له معنى، ولولا تغير الدلالة والوضع لما كان كذلك. # قلنا: لا نسلم التغيير في الوضع، بل غايته صرف اللفظ عما اقتضاه ms410 في جهة ~~إطلاقه إلى غيره بالقرينة كيف وإنه لو صح ما ذكروه لم يكن ذلك من باب تخصيص ~~العموم الذي نحن فيه؟ # وعن السؤال الرابع من وجهين: الأول: أنه مهما أخرج الشرط بعض الأحوال ~~فيلزم منه إخراج بعض الأعيان، وذلك أنه إذا قال: أكرم بني تميم إن دخلوا ~~داري فقد أخرج من لم يدخل الدار، الثاني: أنه وإن لم يخرج شيئا من الأعيان، ~~ولكن لا نسلم انحصار التجوز في إخراج الأعيان، وما المانع من القول بالتجوز ~~في إخراج بعض الأحوال مع عموم اللفظ بالنسبة إليها؟ # وعن السؤال الخامس لا نسلم أن المستبقي وإن كان جمعا غير منحصر أنه يكون ~~عاما إذا لم يكن مستغرقا للجنس، وإن سلمنا عمومه، غير أنه بعض مدلول اللفظ ~~العام المخصص، وإذا كان بعضا منه لزم أن يكون صرف اللفظ إليه مجازا لما ~~ذكرناه من الدليل. # PageV02P231 ### | [المسألة الخامسة الاحتجاج بالعموم بعد التخصيص في ما بقي] # المسألة الخامسة # اختلف القائلون بالعموم في صحة الاحتجاج به بعد التخصيص في ما بقي فأثبته ~~الفقهاء مطلقا، وأنكره عيسى بن أبان وأبو ثور مطلقا، ومنهم من فصل ثم اختلف ~~القائلون بالتفصيل، فقال البلخي (1) : إن خص بدليل متصل كالشرط والصفة ~~والاستثناء فهو حجة، وإن خص بدليل منفصل فليس بحجة. # وقال أبو عبد الله البصري: إن كان المخصص قد منع من تعلق الحكم بالاسم ~~العام، وأوجب تعلقه بشرط لا ينبئ عنه الظاهر لم يجز التعلق به كما في قوله ~~تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} فإن قيام الدلالة على اعتبار ~~الحرز ومقدار المسروق مانع من تعلق الحكم بعموم اسم السارق، وموجب لتعلقه ~~بشرط لا ينبئ عنه ظاهر اللفظ. # وإن كان المخصص لم يمنع من تعلق الحكم بالاسم العام فهو حجة كقوله تعالى: ~~(اقتلوا المشركين) ، فإن قيام الدلالة على المنع من قتل الذمي غير مانع من ~~تعلق الحكم باسم المشركين. # وقال القاضي عبد الجبار: إن كان العام المخصوص، لو تركنا وظاهره من دون ~~التخصيص كنا نمتثل ما أريد منا، ونضم إليه ما لم يرد منا ms411 صح الاحتجاج به، ~~وذلك كقوله تعالى: (اقتلوا المشركين) المخصص بأهل الذمة، وإن كان العام ~~بحيث لو تركنا وظاهره تخصيص لم يمكنا امتثال ما أريد منا دون بيان فلا يكون ~~حجة، وذلك كقوله تعالى: {أقيموا الصلاة} لو تركنا والآية لم يمكنا امتثال ~~ما أريد منا من الصلاة الشرعية قبل تخصيصه بالحائض، فكذلك بعد التخصيص. ~~PageV02P232 # ومن الناس من قال: إنه يكون حجة في أقل الجمع ولا يكون حجة فيما زاد على ~~ذلك. # واتفق الكل على أن العام لو خص تخصيصا مجملا، فإنه لا يبقى حجة كما لو ~~قال: اقتلوا المشركين إلا بعضهم. # والمختار صحة الاحتجاج به فيما وراء صور التخصيص، وقد احتج بعض الأصحاب ~~على ذلك بأن قال: اللفظ العام كان متناولا للكل بالإجماع، فكونه حجة في كل ~~قسم من أقسام ذلك الكل إما أن يكون موقوفا على كونه حجة في القسم الآخر، أو ~~على كونه حجة في الكل أو لا يتوقف على واحد منهما، فإن كان الأول فهو باطل ~~لأنه إن كان كونه حجة في كل واحد من الأقسام مشروطا بكونه حجة في القسم ~~الآخر فهو دور ممتنع، وإن كان كونه حجة في بعض الأقسام مشروطا بكونه حجة في ~~قسم آخر ولا عكس، فكونه حجة في ذلك القسم الآخر يبقى بدون كونه حجة في ~~القسم المشروط، وليس بعض الأقسام بذلك أولى من البعض مع تساوي نسبة اللفظ ~~العام إلى كل أقسامه. # وإن كان الثاني فهو أيضا باطل، لأن كونه حجة في الكل يتوقف على كونه حجة ~~في كل واحد من تلك الأقسام، لأن الكل لا يتحقق إلا عند تحقق جميع الأفراد، ~~وذلك أيضا دور ممتنع. # وإذا بطل القسمان ثبت كونه حجة في كل واحد من الأقسام من غير توقف على ~~كونه حجة في القسم الآخر، ولا على الكل ثبت كونه حجة في البعض المستبقي، ~~وإن لم يبق حجة في غيره. # وهذه الحجة مع طولها ضعيفة جدا إذ لقائل أن يقول: ما المانع من صحة توقف ~~الاحتجاج به في كل واحد من ms412 الأقسام على الآخر، أو على الكل مع التعاكس؟ # قوله إنه دور ممتنع متى يكون ذلك ممتنعا إذا كان التوقف توقف معية أو ~~توقف تقدم؟ (1) الأول ممنوع والثاني مسلم. # ولكن لم قلت بأن التوقف هاهنا بجهة التقدم. # ولا يخفى أن بيان ذلك مما لا سبيل إليه. PageV02P233 # والمعتمد في ذلك الإجماع والمعقول. # أما الإجماع فهو أن فاطمة - رضي الله عنها - احتجت على أبي بكر في ~~ميراثها من أبيها بعموم قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} الآية مع أنه ~~مخصص بالكافر والقاتل، ولم ينكر أحد من الصحابة صحة احتجاجها مع ظهوره ~~وشهرته، بل عدل أبو بكر في حرمانها إلى الاحتجاج بقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» ". # وأيضا، فإن عليا (1) عليه السلام احتج على جواز الجمع بين الأختين في ~~الملك بقوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} مع كونه مخصصا بالأخوات والبنات، ~~وكان ذلك مشهورا فيما بين الصحابة ولم يوجد له نكير فكان إجماعا. # وأيضا فإن ابن عباس احتج على تحريم نكاح المرضعة بعموم قوله تعالى: ~~{وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} ، وقال: قضاء الله أولى من قضاء ابن الزبير، مع ~~أنه مخصوص لكون الرضاع المحرم متوقفا على شروط وقيود، فليس كل، ولم ينكر ~~عليه منكر صحة احتجاجه به فكان إجماعا. PageV02P234 # وأما المعقول فهو أن العام قبل التخصيص حجة في كل واحد من أقسامه إجماعا. # والأصل بقاء ما كان قبل التخصيص بعده (1) إلا أن يوجد له معارض. # والأصل عدمه. # فإن قيل: لو كان حجة في الباقي بعد التخصيص لم يخل إما أن يدل عليه حقيقة ~~أو تجوزا، لا جائز أن يقال بالأول إذ يلزم منه أن يكون اللفظ مشتركا (2) ~~بينه وبين الاستغراق، ضرورة اتفاق القائلين بالعموم على كونه حقيقة في ~~الاستغراق، والاشتراك على خلاف الأصل. # وإن كان مجازا فيمتنع الاحتجاج به لثلاثة أوجه: # الأول: أن المجاز فيما وراء صورة التخصيص متردد بين أقل الجمع وما عدا ~~صورة التخصيص، ويمتنع الحمل على الكل لما فيه من تكثير جهات التجوز، وليس ~~حمله على ms413 أحد المجازين أولى من الآخر، لعدم دلالة اللفظ عليه فكان مجملا. # الثاني: أن المجاز ليس بظاهر وما لا يكون ظاهرا لا يكون حجة. # الثالث: أن العام بعد التخصيص ينزل منزلة قوله: اقتلوا المشركين إلا ~~بعضهم والمشبه به ليس بحجة، فكذلك المشبه سلمنا أنه حجة، لكن في أقل الجمع ~~أو فيما عدا صورة التخصيص؟ الأول مسلم والثاني ممنوع. # وذلك لأن الحمل على أقل الجمع متيقن بخلاف الحمل على ما زاد عليه، فإنه ~~مشكوك فيه فكان حجة في المتيقن. # والجواب عن السؤال الأول من جهة الإجمال والتفصيل، أما الإجمال فهو أن ~~اللفظ العام حجة في كل واحد من أقسامه قبل التخصيص إجماعا، وهو إما أن يكون ~~دالا عليه حقيقة أو مجازا ضرورة، وكل ما ذكروه من الإشكالات تكون لازمة، ~~ومع ذلك فهو حجة والعذر يكون متحدا. # وأما التفصيل فنقول: ما المانع أن يكون مشتركا؟ قولهم: الاشتراك على خلاف ~~الأصل، قلنا: إنما يكون خلاف الأصل إن لم يكن من قبيل الأسماء العامة، وليس ~~كذلك على ما يأتي عن قرب (إن شاء الله تعالى) . # وإن سلمنا أنه ليس مشتركا فما المانع من التجوز؟ PageV02P235 # قولهم: إنه مجمل لتردده بين جهات التجوز. # قلنا: يجب اعتقاد ظهوره في بعضها نفيا للإجمال عن الكلام إذ هو خلاف ~~الأصل، ثم متى يكون كذلك إذا كان حمله على ما عدا صورة التخصيص مشهورا أو ~~إذا لم يكن؟ الأول ممنوع والثاني مسلم. # وبيان اشتهاره ما نقل عن الصحابة من علمهم بالعمومات المخصصة فيما وراء ~~صورة التخصيص، نقلا شائعا ذائعا سلمنا أنه غير مشهور فيه، ولكن يجب حمل ~~اللفظ بعد التخصيص عليه لأنه أولى من حمله على أقل الجمع لثلاثة أوجه: # الأول: لكونه معينا وكون أقل الجمع مبهما في الجنس. # والثاني: إن حمله عليه بتقدير أن يكون المراد من اللفظ أقل الجمع غير مخل ~~بمراد المتكلم، وحمله على أقل الجميع بتقدير أن يكون المراد من اللفظ ما ~~عدا صورة التخصيص مخل بمراد المتكلم، فكان الحمل عليه أولى. # والثالث: إنه أقرب إلى الحقيقة ms414 فكان أولى. # قولهم: المجاز ليس بظاهر إن أرادوا به أنه ليس حقيقة فمسلم، ولكن لا يدل ~~ذلك على أنه لا يكون حجة إلا أن تكون الحجة منحصرة في الحقيقة، وهو محل ~~النزاع، وإن أرادوا به أنه لا يكون حجة، فهو محل النزاع. # قولهم: إنه ينزل منزلة قوله: اقتلوا المشركين إلا بعضهم ليس كذلك، فإن ~~الخارج عن العموم إذا كان مجهولا تعذر العمل بالعموم مطلقا، لأن العمل به ~~في أي واحد قدر لا يؤمن معه أن يكون هو المستثنى بخلاف ما إذا كان الخارج ~~معينا. # وعن السؤال الثاني بما ذكرناه من الترجيحات السابقة. # PageV02P236 ### | [المسألة السادسة إذا ورد خطاب جوابا لسؤال سائل داع إلى الجواب] # المسألة السادسة # إذا ورد خطاب جوابا لسؤال سائل داع إلى الجواب فالجواب إما أن يكون غير ~~مستقل بنفسه دون السؤال أو هو مستقل، فإن كان الأول فهو تابع للسؤال في ~~عمومه وخصوصه: أما في عمومه خلاف، وذلك كما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «أنه سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: " أينقص الرطب إذا يبس قالوا: ~~نعم، قال فلا إذا» ". # وأما في خصوصه فكما لو سأله سائل وقال: توضأت بماء البحر، فقال له: ~~يجزئك، فهذا وأمثاله، وإن ترك فيه الاستفصال مع تعارض الأحوال لا يدل على ~~التعميم في حق الغير كما قاله الشافعي - رضي الله عنه - إذ اللفظ لا عموم ~~له. # ولعل الحكم على ذلك الشخص كان لمعنى يختص به (1) كتخصيص أبي بردة في ~~الأضحية بجدعة من المعز، وقوله له: تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك، وتخصيصه ~~خزيمة بقبول شهادته وحده، وبتقدير تعميم المعنى الجالب للحكم، فالحكم في حق ~~غيره إن ثبت فبالعلة المتعدية لا بالنص. # وأما إن كان الجواب مستقلا بنفسه دون السؤال فإما أن يكون مساويا للسؤال ~~أو أعم منه أو أخص. PageV02P237 # فإن كان مساويا له فالحكم في عمومه وخصوصه عند كون السؤال عاما أو خاصا، ~~فكما لو لم يكن مستقلا. # ومثاله عند كون السؤال خاصا سؤال الأعرابي عن وطئه في نهار رمضان، وقوله ~~- صلى ms415 الله عليه وسلم -: " «اعتق رقبة» " (1) ، ومثاله عند كون السؤال عاما ~~ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه سئل فقيل له: " إنا نركب ~~البحر على أرماث لنا، (2) وليس معنا من الماء العذب ما يكفينا، أفنتوضأ ~~بماء البحر فقال - صلى الله عليه وسلم -: " البحر هو الطهور» ". # وأما إن كان الجواب أخص من السؤال فالجواب يكون خاصا، ولا يجوز تعديه ~~الحكم من محل التنصيص إلى غيره إلا بدليل خارج عن اللفظ، إذ اللفظ لا عموم ~~له كما سبق تقريره، بل وفي هذه الصورة الحكم بالخصوص أولى من القول به فيما ~~إذا كان السؤال خاصا، والجواب مساويا له حيث إنه هاهنا عدل عن مطابقة سؤال ~~السائل بالجواب مع دعوى الحاجة إليه، بخلاف تلك الصورة، فإنه طابق بجوابه ~~سؤال السائل. # وأما إن كان الجواب أعم من السؤال فإما أن يكون أعم من السؤال في ذلك ~~الحكم، كسؤاله - صلى الله عليه وسلم - عن ماء بئر بضاعة فقال: " «خلق الماء ~~طهورا لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه» " أو أنه (3) أعم من ~~السؤال في غير ذلك الحكم كسؤاله - صلى الله عليه وسلم - عن التوضؤ بماء ~~البحر فقال: " «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» " (4) . PageV02P238 # فإن كان من القسم الثاني فلا خلاف في عمومه في حل ميتته لأنه عام مبتدأ ~~به لا في معرض الجواب، إذ هو غير مسئول عنه، وكل عام ورد مبتدأ بطريق ~~الاستقلال فلا خلاف في عمومه عند القائلين بالعموم. # وأما إن كان من القسم الأول فمذهب أبي حنيفة والجم الغفير أنه عام، وإنه ~~لا يسقط عمومه بالسبب الذي ورد عليه، والمنقول عن الشافعي - رضي الله عنه - ~~ومالك والمزني وأبي ثور خلافه. # وعلى هذا يكون الحكم فيما إذا ورد العام على سبب خاص لا تعلق له بالسؤال، ~~كما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه مر بشاة ميمونة وهي ميتة، فقال - ~~صلى الله عليه وسلم -: " «أيما إهاب دبغ فقد طهر» " (1) . # والمختار إنما هو القول بالتعميم إلى أن يدل الدليل على التخصيص. # ودليله ms416 أنه لو عري اللفظ الوارد عن السبب كان عاما، وليس ذلك إلا ~~لاقتضائه للعموم بلفظه لا لعدم السبب، فإن عدم السبب لا مدخل له في ~~الدلالات اللفظية، ودلالة العموم لفظية، وإذا كانت دلالته على العموم ~~مستفادة من لفظه فاللفظ وارد مع وجوب السبب حسب وروده مع عدم السبب، فكان ~~مقتضيا للعموم، ووجود السبب لو كان لكان مانعا من اقتضائه للعموم، وهو ~~ممتنع لثلاثة أوجه: الأول: أن الأصل عدم المانعية، فمدعيها يحتاج إلى ~~البيان. # الثاني: أنه لو كان مانعا من الاقتضاء للعموم لكان تصريح الشارع بوجوب ~~العمل بعمومه مع وجود السبب إما إثبات حكم العموم مع انتفاء العموم، أو ~~إبطال الدليل المخصص، وهو خلاف الأصل. # الثالث: أن أكثر العمومات وردت على أسباب خاصة، فآية السرقة نزلت في سرقة ~~المجن أو رداء صفوان، وآية الظهار نزلت في حق سلمة بن صخر، وآية اللعان ~~نزلت في حق هلال بن أمية إلى غير ذلك. # والصحابة عمموا أحكام هذه PageV02P239 # الآيات من غير نكير فدل على أن السبب غير مسقط للعموم، ولو كان مسقطا ~~للعموم لكان إجماع الأمة على التعميم خلاف الدليل، ولم يقل أحد بذلك. # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على اختصاص العموم بالسبب، وبيانه من ~~ستة أوجه: الأول: أنه لو لم يكن المراد بيان حكم السبب لا غير، بل بيان ~~القاعدة العامة لما أخر البيان إلى حالة وقوع تلك الواقعة، واللازم ممتنع. # وإذا كان المقصود إنما هو بيان حكم السبب الخاص وجب الاقتصار عليه. # الثاني: أنه لو كان الخطاب عاما لكان جوابا وابتداء، وقصد الجواب ~~والابتداء متنافيان. # الثالث: أنه لو كان الخطاب مع السبب عاما لجاز إخراج السبب عن العموم ~~بالاجتهاد كما في غيره من الصور الداخلة تحت العموم، ضرورة تساوي نسبة ~~العموم إلى الكل، وهو خلاف الإجماع. # الرابع: أنه لو لم يكن للسبب مدخل في التأثير لما نقله الراوي لعدم ~~فائدته. # الخامس: أنه لو قال القائل لغيره: تغدى عندي، فقال: لا والله لا تغديت، ~~فإنه وإن كان جوابا عاما فمقصور على ms417 سببه حتى إنه لا يحنث بغدائه عند غيره، ~~ولولا أن السبب يقتضي التخصيص لما كان كذلك. # السادس: أنه إذا كان السؤال خاصا فلو كان الجواب عاما لم يكن مطابقا ~~للسؤال، والأصل المطابقة لكون الزيادة عديمة التأثير فيما تعلق به غرض ~~السائل. # والجواب عن المعارضة الأولى أنها مبنية على وجوب رعاية الغرض والحكمة في ~~أفعال الله وهو غير مسلم (1) ، وإن كان ذلك مسلما، لكن لا مانع من اختصاص ~~إظهار الحكم عند وجود السبب لحكمة استأثر الرب تعالى بالعلم بها دون غيره، ~~PageV02P240 # ثم يلزم مما ذكروه أن تكون العمومات الواردة على الأسباب الخاصة مما ~~ذكرناه مختصة بأسبابها، وهو خلاف الإجماع. # وعن الثانية أنه إن أريد بالتنافي بين الجواب والابتداء امتناع ذكره لحكم ~~السبب مع غيره فهو محل النزاع، وإن أرادوا غير ذلك فلا بد من تصويره. # وعن الثالثة أنه لا خلاف في كون الخطاب ورد بيانا لحكم السبب فكان مقطوعا ~~به فيه، فلذلك امتنع تخصيصه بالاجتهاد بخلاف غيره، فإن تناوله له ظني، وهو ~~ظاهر فيه فلذلك جاز إخراجه عن عموم اللفظ بالاجتهاد، وما نقل عن أبي حنيفة ~~من أنه كان يجوز إخراج السبب عن عموم اللفظ بالاجتهاد، حتى إنه أخرج الأمة ~~المستفرشة عن عموم قوله عليه السلام: " «الولد للفراش» " (1) ولم يلحق ~~ولدها بمولاها مع وروده في وليد زمعة. # وقد قال عبد الله بن زمعة: هو أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه. # فلعله فعل ذلك لعدم اطلاعه على ورود الخبر على ذلك السبب. # وعن الرابعة أن فائدة نقل السبب امتناع إخراجه عن العموم بطريق الاجتهاد ~~ومعرفة أسباب التنزيل. # وعن الخامسة أن الموجب للتخصيص بالسبب في الصورة المستشهد بها عادة أهل ~~العرف بعضهم مع بعض، ولا كذلك في الأسباب الخاصة بالنسبة إلى خطاب الشارع ~~بالأحكام الشرعية. # وعن السادسة إن أرادوا بمطابقة الجواب للسؤال الكشف عنه وبيان حكمه فقد ~~وجد، وإن أرادوا بذلك أن لا يكون بيانا لغير ما سئل عنه، فلا نسلم أنه ~~الأصل. # ويدل على ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم ms418 - لما سئل عن التوضؤ بماء ~~البحر فقال: " «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» " تعرض لحل الميتة ولم يكن ~~مسئولا عنها. # ولو كان الاقتصار على نفس المسئول عنه هو الأصل لكان بيان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لحل الميتة على خلاف الأصل، وهو بعيد. PageV02P241 ### | [المسألة اللفظ الواحد من متكلم واحد في وقت واحد إذا كان مشتركا] # المسألة السابعة (1) # اختلف العلماء في اللفظ الواحد من متكلم واحد في وقت واحد إذا كان مشتركا ~~(2) بين معنيين كالقرء للطهر والحيض أو حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر ~~كالنكاح المطلق على العقد والوطء، ولم تكن الفائدة فيهما واحدة، هل يجوز أن ~~يراد به كلا المعنيين معا أو لا؟ فذهب الشافعي والقاضي أبو بكر وجماعة من ~~أصحابنا وجماعة من مشايخ المعتزلة كالجبائي والقاضي عبد الجبار وغيرهم إلى ~~جوازه بشرط أن لا يمتنع الجمع بينهما، وذلك كاستعمال صيغة (افعل) في الأمر ~~بالشيء والتهديد عليه، غير أن مذهب الشافعي أنه مهما تجرد ذلك اللفظ عن ~~القرينة الصارفة له إلى أحد معنييه وجب حمله على المعنيين، ولا كذلك عند من ~~جوز ذلك من مشايخ المعتزلة. # وذهب جماعة من أصحابنا وجماعة من المعتزلة كأبي هاشم وأبي عبد الله ~~البصري وغيرهما إلى المنع من جواز ذلك مطلقا. # وفصل أبو الحسين البصري والغزالي فقالا: يجوز ذلك بالنظر إلى الإرادة دون ~~اللغة. # وعلى هذا النحو من الخلاف في اللفظ المفرد اختلفوا في جمعه كالأقراء التي ~~هي جمع قرء هل يجوز حمله على الحيض والأطهار معا؟ وسواء كان إثباتا كما لو ~~قيل للمرأة: اعتدي بالأقراء، أو نفيا كما لو قيل لها: لا تعتدي بالأقراء. # وذلك لأن جمع الاسم يفيد جمع ما اقتضاه الاسم، فإن كان الاسم متناولا ~~لمعنييه كان الجمع كذلك، وإن كان لا يفيد سوى أحد المعنيين فكذلك أيضا ~~جمعه. # والحجاج فيه متفرع على الحجاج في المفرد. # وربما قال بالتعميم في طرف النفي كان فردا أو جمعا بعض من قال بنفيه في ~~طرف الإثبات، ولهذا قال أبو الحسين البصري: وفيه بعض الاشتباه إذ يجوز ms419 أن ~~يقال: بنفي الاعتداد بالحيض والطهر معا. # والحق أن النفي لما اقتضاه الإثبات، فإن كان مقتضى الإثبات الجمع فكذلك ~~النفي، وإن كان مقتضاه أحد الأمرين فكذلك النفي. # وإذ أتينا على بيان اختلاف المذاهب بالتفصيل فلنعد إلى طرف الحجاج. # وقد احتج القائلون بجواز التعميم. PageV02P242 # أما في إمكان إرادة الأمرين باللفظ الواحد فهو أنا لو قدرنا عدم التكلم ~~بلفظ القرء لم يمنع الجمع بين إرادة الاعتداد بالحيض وإرادة الاعتداد ~~بالطهر، فوجود اللفظ لا يحيل ما كان جائزا، وكذلك الكلام في إرادة الجمع ~~بين الحقيقة والمجاز. # وأما بالنظر عند الوقوع لغة، فقوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على ~~النبي} ، والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الدعاء والاستغفار وهما ~~معنيان مختلفان، وقد أريدا بلفظ واحد. # وأيضا قوله تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض ~~والشمس والقمر} إلى آخر الآية، وسجود الناس غير سجود غير الناس، وقد أريدا ~~بلفظ واحد. # واحتجوا أيضا بأن سيبويه قال: قول القائل لغيره: الويل لك خبر ودعاء، فقد ~~جعله مع اتحاده مفيدا لكلا الأمرين. # اعترض النافون، أما على إرادة إنكار الجمع (1) بين المسميين فهو أن ~~المتكلم إذا استعمل الكلمة الواحدة في حقيقتها ومجازها معا كان مريدا ~~لاستعمالها فيما وضعت له، وهو محال. # وأيضا فإن المستعمل للكلمة فيما هي مجاز فيه لا بد وأن يضمر فيها كاف ~~التشبيه، والمستعمل لها في حقيقتها لا بد وأن لا يضمر فيها ذلك، والجمع بين ~~الإضمار وعدمه في الكلمة الواحدة محال. # هذا ما يخص الاسم المجازي وأما ما يخص الاسم المشترك فهو أن اللفظ ~~المشترك موضوع في اللغة لأحد أمرين مختلفين على سبيل البدل، ولا يلزم من ~~ذلك أن يكون موضوعا لهما على الجمع، إذ المغايرة بين المجموع وبين كل واحد ~~من أفراده واقعة بالضرورة، والمساواة بينهما في جميع الأحكام غير لازمة، ~~وعلى هذا فلا يلزم من كون كل واحد من المفردين مسمى باسم تسمية المجموع به ~~وعند ذلك فالواضع إذا وضع لفظا لأحد مفهومين على سبيل البدل، فإن ms420 لم يكن قد ~~وضعه لمجموعهما فاستعماله في المجموع استعمال اللفظ في غير ما وضع له، وهو ~~ممتنع. # وإن كان قد وضعه له فإما أن يستعمل اللفظ لإفادة المجموع وحده، أو ~~لإفادته مع إفادة الإفراد. # فإن كان الأول لم يكن اللفظ مفيدا لأحد مفهوماته، لأن الواضع إن كان ~~PageV02P243 # قد وضعه بإزاء أمور ثلاثة على البدل، واحدها ذلك المجموع فاستعمال اللفظ ~~فيه وحده لا يكون استعمالا للفظ في جميع مفهوماته. # وإن استعمله في إفادة المجموع والإفراد على الجمع فهو محال لأن إفادة ~~الجموع معناها أن الاكتفاء لا يحصل إلا به، وإفادته للمفرد معناها أنه يحصل ~~الاكتفاء بكل واحد منها، وهو جمع بين النقيضين، وهو محال فلا يكون اللفظ ~~المشترك من حيث هو مشترك في إفادة مفهوماته جملة. # وأما على دليل الوقوع لغة، أما النص الأول فقد قال الغزالي فيه: إن لفظ ~~الصلاة المطلق على صلاة الله تعالى والملائكة إنما هو باعتبار اشتراكهما في ~~معنى العناية بأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - إظهارا لشرفه وحرمته، فهو ~~لفظ متواطئ لا مشترك (1) ، وكذلك لفظ السجود في الآية الأخرى، فإن مسماه ~~إنما هو القدر المشترك من معنى الخضوع لله تعالى، والدخول تحت تسخيره ~~وإرادته. # وقال أبو هاشم: وإن سلم اختلاف المسمى وإرادتهما بلفظ واحد فلا يبعد أن ~~يقال: إن ذلك من قبيل ما نقلته الشريعة من الأسماء اللغوية إلى غير معانيها ~~في اللغة. # فأما قول سيبويه فإنه وإن دل على أن العرب وضعت قوله: الويل لك للخبر ~~والدعاء معا فليس فيه ما يدل على أن كل الألفاظ المشتركة، أو الألفاظ التي ~~هي حقيقة في شيء ومجاز في شيء موضوعة للجمع. # كيف وأن قول سيبويه لا يدل على كون ذلك القول مستعملا في الخبر والدعاء ~~معا، بل جاز أن يكون موضوعا للخبر، وهو مستعمل في الدعاء مجازا لا معا. # أجاب المثبتون عن الاعتراض الأول على الإمكان بمنع أن المستعمل للفظة في ~~حقيقتها ومجازها مريد لاستعمالها فيما وضعت له، ومريد للعدول بها عما وضعت ~~له، بل هو مريد ms421 لما وضعت له حقيقة ولما لم توضع له حقيقة. # وعن الثاني أن إضمار التشبيه وعدمه في الكلمة الواحدة إنما يمتنع بالنسبة ~~إلى شيء واحد، وأما بالنسبة إلى شيئين فلا، كيف وأن ذلك لا يطرد في كل ~~مجاز؟ (2) PageV02P244 # وعن الثالث أنه مبني على أن الاسم المشترك موضوع لأحد مسمياته على سبيل ~~البدل حقيقة، وليس كذلك عند الشافعي والقاضي أبي بكر، بل هو حقيقة في ~~المجموع كسائر الألفاظ العامة، ولهذا فإنه إذا تجرد عن القرينة عندهما وجب ~~حمله على الجميع، وإنما فارق باقي الألفاظ العامة من جهة تناوله لأشياء لا ~~تشترك في معنى واحد يصلح أن يكون مدلولا للفظ، بخلاف باقي العمومات فنسبة ~~(1) اللفظ المشترك في دلالته إلى جملة مدلولاتها، وإلى أفرادها كنسبة غيره ~~من الألفاظ العامة إلى مدلولاتها جملة وأفرادا. # وعلى هذا فقد بطل كل ما قيل من التقسيم المبني على أن اللفظ المشترك ~~موضوع لأحد مسمياته على طريق البدل حقيقة، ضرورة كونه مبنيا عليه، وإنما هو ~~لازم على مشايخ المعتزلة المعتقدين كون اللفظ المشترك موضوعا لأحد مسمياته ~~حقيقة على طريق البدل. # فإن قيل: وإن كان اللفظ المشترك حقيقة في الجمع فلا خفاء بجواز استعماله ~~في آحاد مدلولاته عند ظهور القرينة عند الشافعي والقاضي أبي بكر، وسواء كان ~~ذلك حقيقة أو مجازا. # وعند ذلك فاستعماله في المجموع وإن كان على وجه لا يدخل فيه الأفراد، فإن ~~كان اللفظ حقيقة في الإفراد فاللفظ يكون مشتركا ولم يدخل فيه جميع مسمياته، ~~وإن كان مجازا فلم تدخل فيه الحقيقة والمجاز معا، وهو خلاف مذهبكم، وإن كان ~~على وجه يدخل فيه الإفراد فهو محال لأن إفادته للمجموع معناها أن الاكتفاء ~~لا يحصل إلا به وإفادته للإفراد معناها أنه يحصل الاكتفاء بكل واحد منها، ~~وهو جمع بين النقيضين كما سبق. # قلنا: استعماله في الأفراد متى يكون معناه الاكتفاء بها إذا كانت داخلة ~~في المجموع أو إذا لم تكن داخلة فيه؟ والأول ممنوع، بل معنى استعماله فيها ~~أنه لا بد منها. # والثاني مسلم، ولا يلزم منه التناقض ms422 على كلا التقديرين، أما على تقدير ~~العمل باللفظ في آحاد أفراده مع الاقتصار عند ظهور القرينة فلأن الجملة غير ~~مشترطة في PageV02P245 # الاكتفاء، وأما عند كون الأفراد داخلة في مسمى الجملة فلأنها لا بد منها ~~لا بمعنى أنه يكتفي بها. # فإن قيل: وإذا كانت الأفراد داخلة في مسمى الجملة فليس للفظ عليها دلالة ~~بجهة الحقيقة ولا بجهة التجوز، بل بطريق الملازمة الذهنية، وليست دلالة ~~لفظية ليلزم ما قيل. # قلنا: لا خفاء بدخول الأفراد في الجملة فتكون مفهومة من اللفظ الدال على ~~الجملة، فله عليها دلالة وهي إما أن تكون بجهة الحقيقة، أو التجوز لما سبق. # وعن الاعتراض الأول على النصوص أنه لو كان مسمى الصلاة هو القدر المشترك ~~من الاعتناء، ومسمى السجود القدر المشترك من الخضوع والانقياد لاطرد الاسم ~~باطرادهما، وليس كذلك، فإنه لا يسمى كل اعتناء بأمر صلاة، ولا كل خضوع ~~وانقياد سجودا. # وإن كان المسمى باسم الصلاة اعتناء خاصا، وبالسجود خضوعا خاصا فلا بد من ~~تصويره وبيان الاشتراك فيه. # فإن قيل: يجب اعتقاده نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ، فهو مبني (1) على ~~أن التجوز والاشتراك على خلاف الأصل، وإنما يكون كذلك أن لو تعذر الجمع، ~~وهو محل النزاع. # وعن اعتراض أبي هاشم أنه مبني على تحقيق الأسماء الشرعية ونقلها من ~~موضوعاتها في اللغة، وهو باطل على ما سبق من مذهب القاضي أبي بكر (2) . # وعن الاعتراض على قول سيبويه: أما الأول فلأنه إنما يلزم أن لو كان ~~الاستدلال بقول سيبويه على أن كل لفظ مشترك أو مجاز يجب أن يكون موضوعا ~~لمجموع مسمياته، وليس كذلك، بل إنما قصد به بيان الوقوع لا غير. # وأما الثاني فلأنه لا انفكاك في قوله: الويل لك عن الخبر والدعاء، واللفظ ~~واحد، ولا معنى لاستعماله فيهما سوى فهمهما منه عند إطلاقه. PageV02P246 ### | [المسألة الثامنة نفي المساواة بين الشيئين يقتضي نفي الاستواء في جميع الأمور] # المسألة الثامنة # نفي المساواة بين الشيئين كما في قوله تعالى: {لا يستوي أصحاب النار ~~وأصحاب الجنة} يقتضي نفي الاستواء في جميع الأمور عند ms423 أصحابنا القائلين ~~بالعموم خلافا لأبي حنيفة، فإنه قال: إذا وقع التفاوت ولو من وجه واحد فقد ~~وفى بالعمل بدلالة اللفظ. # حجة أصحابنا أنه إذا قال القائل: لا مساواة بين زيد وعمرو فالنفي داخل ~~على مسمى المساواة، فلو وجدت المساواة من وجه لما كان مسمى المساواة ~~منتفيا، وهو خلاف مقتضى اللفظ. # فإن قيل: الاستواء ينقسم إلى الاستواء من كل وجه، وإلى الاستواء من بعض ~~الوجوه، ولهذا يصدق قول القائل: استوى زيد وعمرو عند تحقق كل واحد من ~~الأمرين. # والاستواء مطلقا أعم من الاستواء من كل وجه، ومن وجه دون وجه، والنفي ~~إنما دخل على الاستواء الأعم فلا يكون مشعرا بأحد القسمين الخاصين. # وأيضا فإنه لا يكفي في إطلاق لفظ المساواة الاستواء من بعض الوجوه وإلا ~~لوجب إطلاق لفظ المتساويين على جميع الأشياء، لأنه ما من شيئين إلا ولا بد ~~من استوائهما في أمر ما، ولو في نفي ما سواهما عنهما. # ولو صدق ذلك وجب أن يكذب عليه غير المساوي لتناقضهما عرفا. # ولهذا فإن من قال: هذا مساو لهذا فمن أراد تكذيبه قال: لا يساويه ~~والمتناقضان لا يصدقان معا، ويلزم من ذلك أن لا يصدق على شيئين أنهما غير ~~متساويين، وذلك باطل، فعلم أنه لا بد في اعتبار المساواة من التساوي من كل ~~وجه. # وعند ذلك فيكفي في نفي المساواة نفي الاستواء من بعض الوجوه، لأن نقيض ~~الكلي الموجب جزئي سالب فثبت أن نفي المساواة لا يقتضي نفي المساواة من كل ~~وجه. # وأيضا فإنه لو كان نفي المساواة يقتضي نفي المساواة من كل وجه لما صدق ~~نفي المساواة حقيقة على شيئين أصلا، لأنه ما من شيئين إلا وقد استويا في ~~أمر ما كما سبق. # وهو على خلاف الأصل إذ الأصل في الإطلاق الحقيقة دون المجاز. # PageV02P247 # والجواب عن الأول أن ذكر الأعم متى لا يكون مشعرا بالأخص إذا كان ذلك في ~~طرف الإثبات أو النفي؟ الأول مسلم والثاني ممنوع. # ولهذا فإنه لو قال القائل: ما رأيت حيوانا وكان قد رأى إنسانا أو غيره ms424 من ~~أنواع الحيوان، فإنه يعد كاذبا. # وعن الثاني لا نسلم أنه لا يكفي في إطلاق لفظ المساواة التساوي من بعض ~~الوجوه. # قولهم: لو كفى ذلك لوجب إطلاق لفظ المتساويين على جميع الأشياء لما قرر، ~~مسلم. # قولهم: يلزم من ذلك أن يكذب عليه غير المساوي، وهو باطل بما قرر. # فهو مقابل بمثله، وهو أن يقال: لا يكفي في إطلاق نفي المساواة نفي ~~المساواة من بعض الوجوه، وإلا لوجب إطلاق نفي المساواة على كل شيئين لأنه ~~ما من شيئين إلا وقد تفاوتا من وجه ضرورة تعينهما، ولو صدق ذلك لوجب أن ~~يكذب عليه المساوي لتناقضهما عرفا. # ولهذا فإن من قال: هذا غير مساو لهذا فمن أراد تكذيبه قال: إنه مساو له، ~~والمتناقضان لا يصدقان معا. # ويلزم من ذلك أن لا يصدق على شيئين أنهما متساويان، وذلك باطل، فإنه ما ~~من شيئين إلا ولا بد من استوائهما، ولو في نفي ما سواهما عنهما، فعلم أنه ~~لا بد في اعتبار نفي المساواة من نفي المساواة من كل وجه. # وعند ذلك فيكفي في إثبات المساواة المساواة من بعض الوجوه، لأن نقيض ~~الكلي السالب جزئي موجب. # وفيه إبطال ما ذكر من عدم الاكتفاء في إطلاق لفظ المساواة بالمساواة من ~~وجه. # وإذا تقابل الأمران سلم لنا ما ذكرناه أولا. # وعن الثالث لا نسلم صدق نفي المساواة مطلقا على ما وقع التساوي بينهما من ~~وجه. # قولهم: الأصل في الإطلاق الحقيقة، قلنا: إلا أن يدل الدليل على مخالفته. # ودليله ما ذكرناه. # وفي معنى نفي المساواة قوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين ~~سبيلا} . # PageV02P248 ### | [المسألة التاسعة المقتضى وهو ما أضمر ضرورة صدق المتكلم لا عموم له] # المسألة التاسعة # المقتضى وهو ما أضمر ضرورة صدق المتكلم لا عموم له، وذلك كما في قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» " ~~فإنه أخبر عن رفع الخطإ والنسيان، ويتعذر حمله على حقيقته لإفضائه إلى ~~الكذب في كلام الرسول، ضرورة تحقق الخطأ والنسيان في حق الأمة، فلا بد ms425 من ~~إضمار حكم يمكن نفيه من الأحكام الدنيوية أو الأخروية، ضرورة صدقه في ~~كلامه. # وإذا كانت أحكام الخطأ والنسيان متعددة فيمتنع إضمار الجميع إذ الإضمار ~~على خلاف الأصل، والمقصود حاصل بإضمار البعض، فوجب الاكتفاء به ضرورة تقليل ~~مخالفة الأصل. # فإن قيل: ما ذكرتموه إنما يصح أن لو لم يكن لفظ الرفع دالا على رفع جميع ~~أحكام الخطأ والنسيان، وليس كذلك، وبيانه أن قوله: «رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان» " يدل على رفعهما مستلزما لرفع أحكامها (1) . # فإذا تعذر العمل به في نفي الحقيقة تعين العمل به في نفي الأحكام. # سلمنا أنه لا دلالة عليها وضعا، ولكن لم قلتم بأنه لا يدل عليها بعرف ~~الاستعمال؟ ولهذا يقال: ليس للبلد سلطان، وليس له ناظر ولا مدبر، والمراد ~~به نفي الصفات. # سلمنا أنه لا يدل عليها بعرف الاستعمال غير أن اللفظ دال على رفع الخطأ ~~والنسيان. # فإذا تعذر ذلك وجب إضمار جميع الأحكام لوجهين: الأول: أنه يجعل وجود ~~الخطأ والنسيان كعدمه، والثاني: أنه لا يخلو إما أن يقال بإضمار الكل أو ~~البعض أو لا بإضمار شيء أصلا. # والقول بعدم الإضمار خلاف الإجماع، وليس إضمار البعض أولى من البعض، ~~ضرورة تساوي نسبة اللفظ إلى الكل، فلم يبق سوى إضمار الجميع. # والجواب عن الأول أن اللفظ إنما يستلزم نفي الأحكام بواسطة نفي حقيقة ~~الخطأ والنسيان، فإذا لم يكن الخطأ والنسيان منتفيا (2) فلا يكون مستلزما ~~لنفي الأحكام. PageV02P249 # وعن الثاني أن الأصل إنما هو العمل بالوضع الأصلي وعدم العرف الطارئ، فمن ~~ادعاه يحتاج إلى بيانه. # وما ذكروه من الاستشهاد بالصور فلا نسلم صحة حملها على جميع الصفات، وإلا ~~لما كان السلطان موجودا ولا عالما ولا قادرا ونحو ذلك من الصفات، وهو محال. # وعن الثالث قولهم: إضمار جميع الأحكام يكون أقرب إلى المقصود من نفي ~~الحقيقة. # قلنا: إلا أنه يلزم منه تكثير مخالفة الدليل المقتضي للأحكام، وهو وجود ~~الخطأ والنسيان. # قولهم: ليس إضمار البعض أولى من البعض إنما يصح أن لو قلنا بإضمار حكم ~~معين، وليس كذلك، بل بإضمار حكم ms426 ما، والتعيين إلى الشارع. # فإن قيل: فيلزم من ذلك الإجمال في مراد الشارع، وهو على خلاف الأصل. # قلنا: لو قيل بإضمار الكل لزم منه زيادة الإضمار، وتكثير مخالفة الدليل ~~كما سبق، وكل واحد منهما على خلاف الأصل. # ثم ما ذكرناه من الأصول إما أن تكون راجحة على ما ذكروه، أو مساوية له أو ~~مرجوحة. # فإن كانت راجحة لزم العمل بها. # وإن كانت مساوية فهو كاف لنا في هذا المقام في نفي زيادة الإضمار، وهما ~~تقديران، وما ذكروه إنما يمكن التمسك به على تقدير كونه راجحا، ولا يخفى أن ~~ما يتم التمسك به على تقديرين أرجح مما لا يمكن التمسك به إلا على تقدير ~~واحد. # PageV02P250 ### | [المسألة العاشرة الفعل المتعدي إلى مفعول هل يجري مجرى العموم بالنسبة إلى مفعولاته أم لا] # المسألة العاشرة # الفعل المتعدي إلى مفعول كقوله: والله لا آكل أو إن أكلت فأنت طالق هل ~~يجري مجرى العموم بالنسبة إلى مفعولاته أم لا؟ اختلفوا فيه فأثبته أصحابنا ~~والقاضي أبو يوسف ونفاه أبو حنيفة. # وتظهر فائدة الخلاف في أنه لو نوى به مأكولا معينا قبل عند أصحابنا، حتى ~~إنه لا يحنث بأكل غيره بناء على عموم لفظه له وقبول العام للتخصيص ببعض ~~مدلولاته، ولا يقبل عند أبي حنيفة تخصيصه به، لأن التخصيص من توابع العموم ~~ولا عموم. # حجة أصحابنا، أما في طرف النفي، وذلك عندما إذا قال: والله لا أكلت، أن ~~قوله أكلت فعل يتعدى إلى المأكول، ويدل عليه بوضعه وصيغته، فإذا قال: لا ~~أكلت فهو ناف لحقيقة الأكل من حيث هو أكل، ويلزم من ذلك نفيه بالنسبة إلى ~~كل مأكول، وإلا لما كان نافيا لحقيقة الأكل من حيث هو أكل، وهو خلاف دلالة ~~لفظه. # وإذا كان لفظه دالا على نفي حقيقة الأكل بالنسبة إلى كل مأكول، فقد ثبت ~~عموم لفظه بالنسبة إلى كل مأكول، فكان قابلا للتخصيص. # وأما في طرف الإثبات، وهو ما إذا قال: إن أكلت فأنت طالق، فلا يخفى أن ~~وقوع الأكل المطلق يستدعي مأكولا مطلقا، لكونه متعديا ms427 إليه، والمطلق ما كان ~~شائعا في جنس المقيدات الداخلة تحته، فكان صالحا لتفسيره وتقييده بأي منها ~~كان، ولهذا لو قال الشارع: اعتق رقبة صح تقييدها بالرقبة المؤمنة، ولو لم ~~يكن للمطلق على المقيد دلالة لما صح تفسيره به. # فإن قيل: يلزم على ما ذكرتموه الزمان والمكان، فإن حقيقة الأكل لا تتم ~~نفيا ولا إثباتا إلا بالنسبة إليهما، ومع ذلك لو نوى بلفظه مكانا معينا أو ~~زمانا معينا، فإنه لا يقبل. # قلنا: لا نسلم ذلك، وإن سلمنا فالفرق حاصل. # ، وذلك لأن الفعل؛ وهو قوله: أكلت غير متعد إلى الزمان والمكان، بل هو من ~~ضرورات الفعل فلم يكن اللفظ # PageV02P251 # دالا عليه بوضعه، فلذلك لم يقبل تخصيص لفظه به لأن التخصيص عبارة عن حمل ~~اللفظ على بعض مدلولاته، لا على غير مدلولاته بخلاف المأكول على ما سبق (1) ~~. # فإن قيل: إذا قال: إن أكلت فأنت طالق فالأكل الذي هو مدلول لفظه كلي ~~مطلق، والمطلق لا إشعار له بالمخصص فلا يصح تفسيره به. # قلنا: المحلوف عليه ليس هو المفهوم من الأكل الكلي الذي لا وجود له إلا ~~في الأذهان، وإلا لما حنث بالأكل الخاص إذ عليه، وهو خلاف الإجماع، فلم يبق ~~إلا أن يكون المراد به أكلا مقيدا من جملة الأكلات المقيدة التي يمكن ~~وقوعها في الأعيان أيا منها كان، وإذا كان لفظه لا إشعار له بغير المقيد صح ~~تفسيره به، كما إذا قال: اعتق رقبة، وفسره بالرقبة المؤمنة كما سبق. ### | [المسألة الحادية عشرة الفعل وإن انقسم إلى أقسام وجهات فالواقع منه لا يقع إلا على وجه واحد منها] # المسألة الحادية عشرة # الفعل وإن انقسم إلى أقسام وجهات فالواقع منه لا يقع إلا على وجه واحد ~~منها، فلا يكون عاما لجميعها بحيث يحمل وقوعه على جميع جهاته، وذلك كما روي ~~عنه - عليه السلام - أنه صلى داخل الكعبة، فصلاته الواقعة يحتمل أنها كانت ~~فرضا ويحتمل أنها كانت نفلا، ولا يتصور وقوعها فرضا نفلا، فيمتنع الاستدلال ~~بذلك على جواز الفرض والنفل في داخل الكعبة جميعا، إذ لا ms428 عموم للفعل الواقع ~~بالنسبة إليهما، ولا يمكن تعيين أحد القسمين إلا بدليل. # وأما ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - «أنه صلى بعد غيبوبة الشفق» ، ~~فالشفق اسم مشترك بين الحمرة والبياض، فصلاته يحتمل أنها وقعت بعد الحمرة، ~~ويحتمل أنها وقعت بعد البياض، فلا يمكن حمل ذلك على وقوع فعل الصلاة بعدهما ~~على رأي من لا يرى حمل اللفظ المشترك على جميع محامله، وإنما يمكن ذلك على ~~رأي من يرى ذلك كما سبق تحقيقه. # فإن قول الراوي: صلى بعد غيبوبة الشفق ينزل منزلة قوله: صلى بعد الشفقين. ~~PageV02P252 # وفي هذا المعنى أيضا قول الراوي: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجمع ~~بين الصلاتين في السفر» ، فإنه يحتمل وقوع ذلك في وقت الأولى، ويحتمل وقوعه ~~في وقت الثانية، وليس في نفس وقوع الفعل ما يدل على وقوعه فيهما، بل في ~~أحدهما. # والتعين متوقف على الدليل. # وأما وقوع ذلك منه - صلى الله عليه وسلم - متكررا على وجه يعم سفر النسك ~~وغيره، فليس أيضا في نفس وقوع الفعل ما يدل عليه، بل إن كان ولا بد ~~فاستفادة ذلك إنما هي من قول الراوي: كان يجمع بين الصلاتين. # ولهذا فإنه إذا قيل: كان فلان يكرم الضيف يفهم منه التكرار دون القصور ~~على المرة الواحدة. # وعلى هذا أيضا يجب أن يعلم أن ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~واجبا كان عليه أو جائزا له لا عموم له بالإضافة إلى غيره، بل هو خاص في ~~حقه إلا أن يدل دليل من خارج على المساواة بينه وبين غيره في ذلك الفعل، ~~كما لو صلى وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي، أو غير ذلك (1) . # فإن قيل: فقد أجمعت الأمة على تعميم سجود السهو في كل سهو، بما روي عنه - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه سها في الصلاة فسجد، وكذلك اتفقوا على تعميم ما ~~نقل عن عائشة أنها قالت: " كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وهو في الصلاة " في حق كل أحد، حتى إن الشافعي استدل ms429 بذلك على ~~طهارة مني الآدمي، واستدل به أبو حنيفة على جواز الاقتصار على الفرك في حق ~~غير النبي مع حكمه بنجاسته. PageV02P253 # وكذلك إجماعهم على وجوب الغسل من التقاء الختانين بقول عائشة: فعلته أنا ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واغتسلنا، وأيضا فإن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان إذا سئل عن حكم أجاب بما يخصه، وأحال معرفة ذلك على فعل ~~نفسه. # فمن ذلك لما سألته أم سلمة عن الاغتسال قال: " أما أنا فأفيض الماء على ~~رأسي " ومن ذلك أنه لما سئل عن قبلة الصائم قال: " «أنا أفعل ذلك» "، ولولا ~~أن للفعل عموما لما كان كذلك. # قلنا: أما تعميم سجود السهو، فإنه إنما كان لعموم العلة، وهي السهو من ~~حيث إنه رتب السجود على السهو بفاء التعقيب، وهو دليل العلية كما يأتي ذكره ~~لا لعموم الفعل. # وكذلك الحكم في قوله: " «زنى ماعز فرجم» " وفي قوله: " «رضخ يهودي رأس ~~جارية فرضخ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه» ". # وأما العمل بخبر عائشة في فرك المني ووجوب الغسل من التقاء الختانين، ~~وإفاضة الماء على الرأس وقبلة الصائم، فكل ذلك مستند إلى القياس لا إلى ~~عموم الفعل لتعذره كما (1) سبق، (2) والله أعلم. PageV02P254 ### | [المسألة الثانية عشرة قول الصحابي نهى رسول الله عن بيع الغرر هل يعم كل غرر] # المسألة الثانية عشرة # قول الصحابي: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر» ، ~~وقوله: «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للجار» ، ونحوه، اختلفوا في ~~تعميمه لكل غرر وكل جار. # والذي عليه معول أكثر الأصوليين أنه لا عموم له لأنه حكاية الراوي، ولعله ~~رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن فعل خاص لا عموم له فيه غرر، ~~وقضى لجار مخصوص فنقل صيغة العموم لظنه عموم الحكم. # ويحتمل أنه سمع صيغة ظنها عامة، وليست عامة، ويحتمل أنه سمع صيغة عامة. # وإذا تعارضت الاحتمالات لم يثبت العموم، والاحتجاج إنما هو بالمحكي لا ~~بنفس الحكاية. # ولقائل أن يقول: وإن كانت هذه الاحتمالات منقدحة غير أن الصحابي ms430 الراوي ~~من أهل العدالة والمعرفة باللغة، فالظاهر أنه لم ينقل صيغة العموم إلا وقد ~~سمع صيغة لا يشك في عمومها، لما هو مشتمل عليه من الداعي الديني والعقلي ~~المانع له من إيقاع الناس في ورطة الالتباس، واتباع ما لا يجوز اتباعه ~~وبتقدير أن لا يكون قاطعا بالعموم، فلا يكون نقله للعموم إلا وقد ظهر له ~~العموم والغالب إصابته فيما ظنه ظاهرا، فكان صدقه فيما نقله غالبا على ~~الظن، ومهما ظن صدق الراوي فيما نقله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجب ~~اتباعه (1) . PageV02P255 ### | [المسألة الثالثة عشرة إذا حكم النبي بحكم في واقعة خاصة وذكر علته أنه يعم من وجدت في حقه] # المسألة الثالثة عشرة # مذهب الشافعي - رضي الله عنه - أنه إذا حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بحكم في واقعة خاصة، وذكر علته أنه يعم من وجدت في حقه تلك العلة خلافا ~~للقاضي أبي بكر. # وذلك كقوله - صلى الله عليه وسلم - في حق أعرابي محرم وقصت به ناقته: " ~~«لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا، فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا» " وكقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - في قتلى أحد: " «زملوهم بكلومهم ودمائهم، فإنهم ~~يحشرون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما» " وكما لو قال الشارع: حرمت المسكر ~~لكونه حلوا، عم التحريم كل حلو. # والحق في ذلك أنه إن ادعى عموم الحكم نظرا إلى الصيغة الواردة فهو باطل ~~قطعا، كيف وأنه لو كان التنصيص على إثبات الحكم المعلل يقتضي بعمومه الحكم ~~في كل محل وجدت فيه العلة، لكان للوكيل إذا قال له الموكل: أعتق عبدي سالما ~~لكونه أسود أن يعتق كل عبد أسود له كما لو قال: أعتق عبيدي السودان، وليس ~~كذلك بالإجماع (1) . # وإن قيل بالعموم نظرا إلى الاشتراك في العلة فهو الحق، ولا يلزم من ~~التعميم في الحكم بالعلة المشتركة شرعا مثله فيما إذا قال لوكيله: أعتق ~~عبدي سالما لكونه أسود إذ الوكيل إنما يتصرف بأمر الموكل لا بالقياس على ما ~~أمره به. # وعلى هذا فالفائدة في ذكر العلة معرفة كون الحكم معللا إلا أن ms431 يكون اللفظ ~~الدال على الحكم عاما لغير محل التنصيص. # وما يقوله القاضي أبو بكر من أنه يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - علل ذلك في حق الأعرابي بما علمه من موته مسلما مخلصا في عبادته ~~محشورا ملبيا وقصت به ناقته لا بمجرد إحرامه، وفي قتلى أحد بعلو درجتهم في ~~الجهاد وتحقق شهادتهم، لا بمجرد الجهاد. # وفي تحريم المسكر لكونه حلوا مسكرا، وذلك كله غير معلوم في حق الغير. # وإن كان ما ذكروه منقدحا غير أنه على خلاف ما ظهر من تعليله - عليه ~~السلام - بمجرد الإحرام والجهاد، وترك ما ظهر من التعليل لمجرد الاحتمال ~~ممتنع. PageV02P256 ### | [المسألة الرابعة عشرة دلالة المفهوم] # المسألة الرابعة عشرة # اختلفوا في دلالة المفهوم تفريعا على القول به هل لها عموم أو لا؟ # وكشف الغطاء عن ذلك أن نقول: المفهوم ينقسم إلى مفهوم الموافقة، وهو ما ~~كان حكم السكوت عنه موافقا لحكم المنطوق، وإلى مفهوم المخالفة، وهو ما كان ~~حكم السكوت عنه مخالفا لحكم المنطوق كما يأتي تحقيقه. # فإن كان من قبيل مفهوم الموافقة كما في تحريم ضرب الوالدين من تنصيصه على ~~تحريم التأفيف لهما، فحكم التحريم وإن كان شاملا للصورتين، لكن مع اختلاف ~~جهة الدلالة فثبوته في صورة النطق بالمنطوق، وفي صورة السكوت بالمفهوم فلا ~~المنطوق عاما بالنسبة إلى الصورتين، ولا المفهوم من غير خلاف. # وإنما الخلاف في عموم المفهوم بالنسبة إلى صورة السكوت، ولا شك أن حاصل ~~النزاع فيه آيل إلى اللفظ. # فإن من قال بكونه عاما بالنسبة إليهما إنما يريد به ثبوت الحكم به في ~~جميعها لا بالدلالة اللفظية، وذلك مما لا خلاف فيه بين القائلين بالمفهوم. # ومن نفى العموم كالغزالي فلم يرد به أن الحكم لم يثبت به في جميع صور ~~السكوت إذ هو خلاف الفرض، وإنما أراد نفي ثبوته مستندا إلى الدلالة ~~اللفظية، وذلك مما لا يخالف فيه القائل بعموم المفهوم. # وأما مفهوم المخالفة كما في نفي الزكاة عن المعلوفة من تنصيصه - صلى الله ~~عليه وسلم - على وجوب الزكاة في الغنم ms432 السائمة، فلا شك أيضا بأن اللفظ فيه ~~غير عام بمنطوقه للصورتين ولا بمفهومه، وإنما النزاع في عمومه بالنسبة إلى ~~جميع صور السكوت، وحاصل النزاع أيضا فيه آيل إلى اللفظ كما سبق في مفهوم ~~الموافقة. # PageV02P257 ### | [المسألة الخامسة عشرة العطف على العام هل يوجب العموم في المعطوف] # المسألة الخامسة عشرة # العطف على العام هل يوجب العموم في المعطوف؟ اختلفوا فيه، فمنع أصحابنا ~~من ذلك وأوجبه أصحاب أبي حنيفة - رحمه الله -. # ومثاله استدلال أصحابنا على أن المسلم لا يقتل بالذمي بقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " «لا يقتل مسلم بكافر» "، وهو عام بالنسبة إلى كل كافر حربيا ~~كان أو ذميا. # فقال أصحاب أبي حنيفة: لو كان ذلك عاما للذمي لكان المعطوف عليه كذلك، ~~وهو قوله: " «ولا ذو عهد في عهده» " ضرورة الاشتراك بين المعطوف والمعطوف ~~عليه في الحكم وصفته، وليس كذلك، فإن الكافر الذي لا يقتل به المعاهد إنما ~~هو الكافر الحربي دون الذمي. # احتج أصحابنا بثلاثة أمور: الأول: أن المعطوف لا يستقل بنفسه في إفادة ~~حكمه، واللفظ الدال على حكم المعطوف عليه لا دلالة له على حكم المعطوف ~~بصريحه، وإنما أضمر حكم المعطوف عليه في المعطوف، ضرورة الإفادة وحذرا من ~~التعطيل. # والإضمار على خلاف الأصل، فيجب الاقتصار فيه على ما تندفع به الضرورة، ~~وهو التشريك في أصل الحكم دون تفصيله من صفة العموم وغيره، تقليلا لمخالفة ~~الدليل. # الثاني: أنه قد ورد عطف الخاص على العام في قوله تعالى: {والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ، فإنه عام في الرجعية والبائن، وقوله: ~~{وبعولتهن أحق بردهن} خاص. # وورد عطف الواجب على المندوب في قوله تعالى: {فكاتبوهم} ، فإنه للندب، ~~وقوله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} للإيجاب، وورد عطف الواجب على ~~المباح في قوله تعالى: {كلوا من ثمره إذا أثمر} ، فإنه للإباحة، وقوله: ~~{وآتوا حقه} للإيجاب. # ولو كان الأصل هو الاشتراك في أصل الحكم وتفصيله لكان العطف في جميع هذه ~~المواضع على خلاف الأصل، وهو ممتنع. # الثالث: أن الاشتراك في أصل الحكم متيقن، وفي صفته محتمل، فجعل العطف ms433 ~~أصلا في المتيقن دون المحتمل أولى. # PageV02P258 # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على وجوب التشريك بينهما في أصل ~~الحكم، وتفصيله وبيانه من وجهين: # الأول: أن حرف العطف يوجب جعل المعطوف والمعطوف عليه في حكم جملة واحدة، ~~فالحكم على أحدهما يكون حكما على الآخر. # الثاني: أن المعطوف إذا لم يكن مستقلا بنفسه فلا بد من إضمار حكم المعطوف ~~عليه فيه لتحقق الإفادة. # وعند ذلك لا يخلو إما أن يقال بإضمار كل ما ثبت للمعطوف عليه للمعطوف أو ~~بعضه، لا جائز أن يقال بالثاني لأن الإضمار إما لبعض معين أو غير معين. # القول بالتعيين ممتنع إذ هو غير واقع من نفس العطف. # كيف وإنه ليس البعض أولى من البعض الآخر، والقول بعدم التعيين موجب ~~للإبهام والإجمال في الكلام، وهو خلاف الأصل فلم يبق سوى القسم الأول، وهو ~~المطلوب. # قلنا: جواب الأول أن العطف يوجب جعل المعطوف والمعطوف عليه في حكم جملة ~~واحدة فيما فيه العطف أو في غيره، الأول مسلم والثاني ممنوع، فلم قلتم: إن ~~ما زاد على أصل الحكم معتبر في العطف إذ هو محل النزاع. # وجواب الثاني أن نقول بالتشريك في أصل الحكم المذكور دون صفته، وهو مدلول ~~اللفظ من غير إبهام ولا إجمال. # PageV02P259 ### | [المسألة السادسة عشرة إذا ورد خطاب خاص بالنبي لا يعم الأمة] # المسألة السادسة عشرة # إذا ورد خطاب خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - كقوله تعالى: {يا أيها ~~المزمل - قم الليل} ، {يا أيها المدثر - قم فأنذر} ، {يا أيها النبي اتق ~~الله} ، {لئن أشركت ليحبطن عملك} لا يعم الأمة ذلك الخطاب عند أصحابنا ~~خلافا لأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأصحابهما في قولهم: إنه يكون خطابا للأمة ~~إلا ما دل الدليل فيه على الفرق. # ودليلنا في ذلك أن الخطاب الوارد نحو الواحد موضوع في أصل اللغة لذلك ~~الواحد، فلا يكون متناولا لغيره بوضعه (1) . # ولهذا فإن السيد إذا أمر بعض عبيده بخطاب يخصه لا يكون أمرا للباقين. # وكذلك في النهي والإخبار وسائر أنواع الخطاب. # كيف وإنه من المحتمل أن ms434 يكون الأمر للواحد المعين مصلحة له، وهو مفسدة في ~~حق غيره، وذلك كما في أمر الطبيب لبعض الناس بشرب بعض الأدوية، فإنه لا ~~يكون ذلك أمرا لغيره لاحتمال التفاوت بين الناس في الأمزجة والأحوال ~~المقتضية لذلك الأمر. # ولهذا خص النبي - صلى الله عليه وسلم - بأحكام لم يشاركه فيها أحد من ~~أمته من الواجبات والمندوبات والمحظورات والمباحات، ومع امتناع اتحاد ~~الخطاب (2) وجواز الاختلاف في الحكمة والمقصود يمتنع التشريك في الحكم، ~~اللهم إلا أن يقوم دليل من خارج يدل على الاشتراك في العلة الداعية إلى ذلك ~~الحكم، فالاشتراك في الحكم يكون مستندا إلى نفس القياس لا إلى نفس الخطاب ~~الخاص بمحل التنصيص أو دليل آخر. PageV02P260 # فإن قيل: نحن لا ننكر أن الخطاب الخاص بالواحد لا يكون خطابا لغيره ~~مطلقا، بل المدعى أن من كان مقدما على قوم، وقد عقدت له الولاية والإمارة ~~عليهم وجعل له منصب الاقتداء به، فإنه إذا قيل له: اركب لمناجزة العدو وشن ~~الغارة عليه وعلى بلاده، فإن أهل اللغة يعدون ذلك أمرا لأتباعه وأصحابه. # وكذلك إذا أخبر عنه بأنه قد فتح البلد الفلاني وكسر العدو، فإنه يكون ~~إخبارا عن أتباعه أيضا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ممن قد ثبت كونه ~~قدوة للأمة ومتبعا لهم، فأمره ونهيه يكون أمرا ونهيا لأمته إلا ما دل ~~الدليل فيه على الفرق (1) . # ويدل على صحة ما ذكرناه قوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ~~فطلقوهن لعدتهن} ، ولم يقل إذا طلقت النساء فطلقهن، وذلك يدل على أن خطابه ~~لأمته، وأيضا قوله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون ~~على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} أخبره أنه إنما ~~أباحه ذلك ليكون ذلك مباحا للأمة، ولو كانت الإباحة خاصة به لما انتفى ~~الحرج عن الأمة. # وأيضا فإنه قد ورد الخطاب بتخصيصه - عليه السلام - بأحكام دون أمته كقوله ~~تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} إلى قوله: {خالصة لك من دون ~~المؤمنين} ، وكقوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة ms435 لك} ، ولو لم يكن ~~الخطاب المطلق له خطابا لأمته، بل خاصا به لما احتيج إلى بيان التخصيص به ~~هاهنا. # وما ذكرتموه من احتمال التفاوت في المصلحة والمفسدة فغير قادح مع ظهور ~~المشاركة في الخطاب كما تقرر. # ولهذا جاز تكليف الكل مع هذا لظهور الخطاب، وجاز تعدية الحكم من الأصل ~~إلى الفرع عند ظن الاشتراك في الداعي مع احتمال التفاوت بين الأصل والفرع ~~في المصلحة والمفسدة. PageV02P261 # والجواب لا نسلم أن أمر المقدم يكون أمرا لأتباعه لغة، ولهذا فإنه يصح أن ~~يقال: أمر المقدم ولم يأمر الأتباع، وإنه لو حلف أنه لم يأمر الأتباع لم ~~يحنث بالإجماع. # ولو كان أمره للمقدم أمرا لأتباعه لحنث، نعم غايته أنه يفهم عند أمر ~~المقدم بالركوب وشن الغارة لزوم توقف مقصود الأمر على اتباع أصحابه له، ~~فكان ذلك من باب الاستلزام لا من باب دلالة اللفظ مطابقة ولا ضمنا، ولا ~~يلزم مثله في النبي - صلى الله عليه وسلم - بشيء من العبادات أو بتحريم شيء ~~من الأفعال أو إباحتها من حيث إنه لا يتوقف المقصود من ذلك على مشاركة ~~الأمة له في ذلك. # وقوله تعالى: {إذا طلقتم النساء} ، فخطاب عام مع الكل على وجه يدخل فيه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره من الأمة، وتخصيص النبي في أول الآية ~~بالنداء جرى مجرى التشريف والتكريم له (1) . # كيف وإن في الآية ما يدل على أن خطاب النبي لا يكون خطابا للأمة، فإنه لو ~~كان كذلك لما احتيج إلى قوله: {طلقتم النساء فطلقوهن} ، لأن قوله: إذا طلقت ~~النساء فطلقهن كاف في خطاب الأمة مع اتساقه مع أول الآية. # وقوله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا} لا حجة فيه على المقصود. # وقوله: {لكي لا يكون على المؤمنين حرج} ليس فيه ما يدل على أن نفي الحرج ~~عن المؤمنين في أزواج أدعيائهم مدلول لقوله زوجناكها، بل غايته أن رفع ~~الحرج عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لمقصود رفع الحرج عن المؤمنين، ~~وذلك حاصل بقياسهم عليه بواسطة دفع الحاجة وحصول المصلحة، وعموم ms436 الخطاب غير ~~متعين لذلك (2) . PageV02P262 # وما ذكروه من الآيات الدالة على خصوصية النبي - صلى الله عليه وسلم - بما ~~ذكروه لا يدل على أن مطلق الخطاب له عام لأمته، بل إنما كان ذلك لقطع إلحاق ~~غيره به في تلك الأحكام بطريق القياس، ولو لم يرد التخصيص لأمكن الإلحاق ~~بطريق القياس (1) . # المسألة السابعة عشرة # اختلفوا في خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لأحد من أمته هل هو ~~للباقين أم لا؟ فنفاه أصحابنا وأثبته الحنابلة وجماعة من الناس. # ودليلنا ما سبق في المسألة التي قبلها (2) . # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالنص والإجماع والمعنى. # أما النص فقوله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} ، وقوله، صلى الله ~~عليه وسلم: " «بعثت إلى الناس كافة وبعثت إلى الأحمر والأسود» " وقوله: " ~~«حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» ". # وأما الإجماع فاتفاق الصحابة على رجوعهم في أحكام الحوادث إلى ما حكم به ~~النبي - عليه السلام - على آحاد الأمة. # فمن ذلك رجوعهم في حد الزنى إلى ما حكم به على (ماعز) ، ورجوعهم في ~~المفوضة إلى قصة (بروع بنت واشق) ، ورجوعهم في ضرب الجزية على المجوس إلى ~~ضربه - عليه السلام - الجزية على مجوس هجر. # ولولا أن حكمه على الواحد حكم على الجماعة لما كان كذلك. # وأما المعنى فهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خصص بعض الصحابة بأحكام ~~دون غيره، فمن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بردة في التضحية ~~بعناق: " «تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك» "، وقوله لأبي بكرة لما دخل الصف ~~راكعا: " «زادك الله حرصا ولا تعد» " وقوله لأعرابي زوجه بما معه من ~~القرآن: " «هذا لك وليس لأحد بعدك» ". PageV02P263 # وتخصيصه لخزيمة بقبول شهادته وحده، وتخصيصه لعبد الرحمن بن عوف بلبس ~~الحرير. # ولولا أن الحكم بإطلاقه على الواحد حكم على الأمة لما احتاج إلى التنصيص ~~بالتخصيص. # والجواب عن الآية وعن قوله: " «بعثت إلى الناس كافة وإلى الأحمر والأسود» ~~" أنه وإن كان مبعوثا إلى الناس كافة فبمعنى أنه يعرف كل واحد ما يختص به ~~من الأحكام كأحكام المريض والصحيح والمقيم والمسافر والحر والعبد ms437 والحائض ~~والطاهر وغير ذلك، ولا يلزم من ذلك اشتراك الكل فيما أثبت للبعض منهم (1) . # وعن قوله: " «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» " أنه يجب تأويله على أن ~~المراد به أنه حكم على الجماعة من جهة المعنى والقياس لا من جهة اللفظ (2) ~~لثلاثة أوجه: # الأول: أن الحكم هو الخطاب، وقد بينا في المسألة المتقدمة أن خطاب الواحد ~~ليس هو بعينه خطابا للباقين (3) . # الثاني: أنه لو كان بعينه خطابا للباقين لزم منه التخصيص بإخراج من لم ~~يكن موافقا لذلك الواحد في السبب الموجب للحكم عليه. PageV02P264 # الثالث: أنه لو كان خطابه المطلق للواحد خطابا للجماعة لما احتاج إلى ~~قوله: " «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» " أو كانت فائدته التأكيد، ~~والأصل في الدلالات اللفظية إنما هو التأسيس. # ثم وإن كان حكمه على الواحد حكما على الجماعة فلا يلزم اطراده في حكمه ~~للواحد أن يكون حكما للجماعة، فإنه فرق بين حكمه للواحد وحكمه عليه والخلاف ~~واقع في الكل (1) . # وأما ما ذكروه من رجوع الصحابة في أحكام الوقائع إلى حكمه على الآحاد فلا ~~يخلو، إما أن يقال: بذلك مع معرفتهم بالتساوي في السبب الموجب، أو لا مع ~~معرفتهم بذلك، الثاني خلاف الإجماع، وإن كان الأول فمستند التشريك في الحكم ~~إنما كان الاشتراك في السبب لا في الخطاب (2) . # وأما المعنى فقد سبق الجواب عنه في المسألة المتقدمة. ### | [المسألة الثامنة عشرة كل واحد من المذكر والمؤنث لا يدخل في الجمع الخاص بالآخر] # المسألة الثامنة عشرة # اتفق العلماء على أن كل واحد من المذكر والمؤنث لا يدخل في الجمع الخاص ~~بالآخر كالرجال والنساء، وعلى دخولهما في الجمع الذي لم تظهر فيه علامة ~~تذكير ولا تأنيث كالناس. # وإنما وقع الخلاف بينهم في الجمع الذي ظهرت فيه علامة التذكير كالمسلمين ~~والمؤمنين: هل هو ظاهر في دخول الإناث فيه أو لا؟ فذهبت الشافعية والأشاعرة ~~والجمع الكثير من الحنفية والمعتزلة إلى نفيه. # وذهبت الحنابلة وابن داود (3) وشذوذ من الناس إلى إثباته. PageV02P265 # احتج النافون بالكتاب والسنة والمعقول، أما الكتاب فقوله تعالى: {إن ~~المسلمين والمسلمات ms438 والمؤمنين والمؤمنات} عطف جمع التأنيث على جمع المسلمين ~~والمؤمنين، ولو كان داخلا فيه لما حسن عطفه عليه لعدم فائدته. # وأما السنة فما روي عن أم سلمة أنها قالت: «يا رسول الله: إن النساء قلن ~~ما نرى الله ذكر إلا الرجال» ، فأنزل الله: {إن المسلمين والمسلمات} الآية ~~(1) . # ولو كن قد دخلن في جمع التذكير، لكن مذكورات وامتنعت صحة السؤال والتقرير ~~عليه. # وأيضا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " «ويل للذين ~~يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضئون " فقالت عائشة: هذا للرجال فما للنساء؟» ~~(2) ولولا خروجهن من جمع الذكور لما صح السؤال ولا التقرير من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم. # وأما المعقول فهو أن الجمع تضعيف الواحد، فقولنا: قام لا يتناول المؤنث ~~بالإجماع، فالجمع الذي هو تضعيفه كقولنا: قاموا لا يكون متناولا له. # فإن قيل: أما الآية فالعطف فيها لا يدل على عدم دخول الإناث في جمع ~~التذكير. # قولكم لا فائدة فيه ليس كذلك إذ المقصود منه إنما هو الإتيان بلفظ يخصهن ~~تأكيدا فلا يكون عريا عن الفائدة. # وأما سؤال أم سلمة وعائشة فلم يكن لعدم دخول النساء في جمع الذكور، بل ~~لعدم تخصيصهن بلفظ صريح فيهن كما ورد في المذكر. # وأما قولكم: إن الجمع تضعيف الواحد فمسلم، ولكن لم قلتم بامتناع دخول ~~المؤنث فيه مع أنه محل النزاع؟ . # والذي يدل على دخول المؤنث في جمع التذكير ثلاثة أمور: PageV02P266 # الأول: أن المألوف من عادة العرب أنه إذا اجتمع التذكير والتأنيث غلبوا ~~جانب التذكير. # ولهذا فإنه يقال: للنساء إذا تمحضن: ادخلن، وإن كان معهن رجل قيل: ~~ادخلوا. # قال الله - تعالى - لآدم وحواء وإبليس: {قلنا اهبطوا منها جميعا} كما ألف ~~منهم تغليب جمع من يعقل إذا كان معه من لا يعقل. # ومنه قوله تعالى: {والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه} ، ~~بل أبلغ من ذلك أنهم إذا وصفوا ما لا يعقل بصفة من يعقل غلبوا فيه من يعقل. # ومنه قوله تعالى: {أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم ms439 لي ساجدين} جمعهم ~~جمع من يعقل لوصفهم بالسجود الذي هو صفة من يعقل. # وكتغليبهم الكثرة على القلة حتى إنهم يصفون بالكرم والبخل جمعا أكثرهم ~~متصف بالكرم أو البخل. # وكتغليبهم في التثنية أحد الاسمين على الآخر كقولهم: (الأسودان) للتمر ~~ظاهرا، والعمران لأبي بكر وعمر، والقمران للشمس والقمر. # الثاني: أنه يستهجن من العربي أن يقول لأهل حلة أو قرية: أنتم آمنون ~~ونساؤكم آمنات لحصول الأمن للنساء بقوله: أنتم آمنون، ولولا دخولهن في ~~قوله: أنتم آمنون لما كان كذلك. # وكذلك لا يحسن منه أن يقول لجماعة فيهم رجال ونساء: قوموا وقمن، بل لو ~~قال: قوموا كان ذلك كافيا في الأمر للنساء بالقيام. # ولولا دخولهن في جمع التذكير لما كان كذلك. # الثالث: أن أكثر أوامر الشرع بخطاب المذكر مع انعقاد الإجماع على أن ~~النساء يشاركن الرجال في أحكام تلك الأوامر، ولو لم يدخلن في ذلك الخطاب ~~لما كان كذلك. # والجواب قولهم في الآية: فائدة التخصيص بلفظ يخصهن التأكيد. # قلنا: لو اعتقدنا عدم دخولهن في جمع التذكير كانت فائدة تخصيصهن بالذكر ~~التأسيس، ولا يخفى أن فائدة التأسيس أولى في كلام الشارع. # قولهم: سؤال أم سلمة وعائشة إنما كان لعدم تخصيص النساء بلفظ يخصهن، لا ~~لعدم دخول النساء في جمع التذكير ليس كذلك، أما سؤال أم سلمة فهو صريح في ~~عدم الذكر مطلقا لا في عدم ذكر ما يخصهن بحيث قالت: ما نرى الله ذكر إلا ~~الرجال، ولو ذكر النساء، ولو بطريق الضمن لما صح هذا الإخبار # PageV02P267 # على إطلاقه. # وأما حديث عائشة فلأنها قالت: هذا للرجال، ولو كان الحكم عاما لما صح ~~منها تخصيص ذلك بالرجال. # قولهم: المألوف من عادة العرب تغليب جانب التذكير؛ مسلم، ونحن لا ننازع ~~في أن العربي إذا أراد أن يعبر عن جمع فيهم ذكور وإناث أنه يغلب جانب ~~التذكير ويعبر بلفظ التذكير، ويكون ذلك من باب التجوز، وإنما النزاع في أن ~~جمع التذكير إذا أطلق هل يكون ظاهرا في دخول المؤنث ومستلزما له أو لا؟ ~~وليس فيما قيل ما يدل على ms440 ذلك. # وهذا كما أنه يصح التجوز بلفظ الأسد عن الإنسان، ولا يلزم أن يكون ظاهرا ~~فيه مهما أطلق. # فإن قيل: إذا صح دخول المؤنث في جمع المذكر فالأصل أن يكون مشعرا به ~~حقيقة لا تجوزا. # قلنا: ولو كان جمع التذكير حقيقة للذكور والإناث مع انعقاد الإجماع على ~~أنه حقيقة في تمحض الذكور كان اللفظ مشتركا، وهو خلاف الأصل. # فإن قيل: ولو كان مجازا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد لدخول ~~المسمى الحقيقي فيه وهم الذكور، وهو ممتنع. # قلنا: ليس كذلك، فإنه لا يكون حقيقة في الذكور إلا مع الاقتصار. # وأما إذا كان جزءا من المذكور لا مع الاقتصار فلا. # كيف وإنا لا نسلم امتناع الجمع بين الحقيقة والمجاز كما سبق تقريره؟ # وأما الوجه الثاني فإنما استهجن من العربي أن يقول: أنتم آمنون ونساؤكم ~~آمنات؛ لأن تأمين الرجال يستلزم الأمن من جميع المخاوف المتعلقة بأنفسهم ~~وأموالهم ونسائهم، فلو لم تكن النساء آمنات لما حصل أمن الرجال مطلقا، وهو ~~تناقض. # أما أن ذلك يدل على ظهور دخول النساء في الخطاب فلا، وبه يظهر لزوم أمن ~~النساء من الاقتصار على قوله للرجال: أنتم آمنون. # وأما الوجه الثالث فغير لازم، وذلك أن النساء وإن شاركن الرجال في كثير ~~من أحكام التذكير، فيفارقن للرجال في كثير من الأحكام الثابتة بخطاب ~~التذكير، كأحكام الجهاد في قوله - تعالى -: {وجاهدوا في الله حق جهاده} ~~وأحكام الجمعة في قوله - تعالى -: # PageV02P268 # {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} إلى ~~غير ذلك من الأحكام. # ولو كان جمع التذكير مقتضيا لدخول الإناث فيه لكان خروجهن عن هذه الأوامر ~~على خلاف الدليل، وهو ممتنع فحيث وقع الاشتراك تارة والافتراق تارة علم أن ~~ذلك إنما هو مستند إلى دليل خارج، لا إلى نفس اقتضاء اللفظ لذلك. ### | [المسألة التاسعة عشرة إذا ورد لفظ عام لم تظهر فيه علامة تذكير ولا تأنيث هل يعم المذكر والمؤنث] # المسألة التاسعة عشرة # إذا ورد لفظ عام لم تظهر فيه علامة تذكير ولا ms441 تأنيث سوى لفظ الجمع مثل ~~(من) في الشرط والجزاء هل يعم المذكر والمؤنث؟ اختلفوا فيه فأثبته الأكثرون ~~ونفاه الأقلون. # والمختار تفريعا على القول بالعموم دخول المؤنث فيه. # ودليله أنه لو قال القائل لعبده: من دخل داري فأكرمه، فإن العبد يلام ~~بإخراج الداخل من المؤنثات عن الإكرام ويلام السيد بلوم العبد بإكرامهن. # وكذلك الحكم في النذر والوصية. # والأصل في كل ما فهم من اللفظ أن يكون حقيقة فيه لا مجازا. # فإن قيل: التعميم فيما ذكرتموه إنما فهم من الحال، وهي ما جرت به العادة ~~من مقابلة الداخل إلى دار الإنسان والحلول في منزله بالإكرام، فكان ذلك من ~~باب المجاز لا أنه من مقتضيات اللفظ حقيقة. # قلنا: هذا باطل بما لو قال: من دخل داري فأهنه، فإنه يفهم منه العموم، ~~وإن كان على خلاف القرينة المذكورة. # وكذا لو قال له: من قال لك: ألف فقل له: (ب) ، فإنه لا قرينة أصلا، ~~والعموم مفهوم منه فدل على كونه حقيقة فيه (1) . PageV02P269 ### | [المسألة العشرون هل يدخل العبد تحت التكاليف بالألفاظ العامة المطقلة كلفظ الناس والمؤمنين] # المسألة العشرون # اختلفوا في دخول العبد تحت التكاليف بالألفاظ العامة المطقلة كلفظ الناس ~~والمؤمنين، فأثبته الأكثرون ونفاه الأقلون إلا بقرينة ودليل يخصه. # ومنهم من قال بدخوله في العمومات المثبتة لحقوق الله دون حقوق الآدميين، ~~وهو منسوب إلى أبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة. # والمختار إنما هو الدخول، وذلك؛ لأن الخطاب إذا كان بلفظ الناس أو ~~المؤمنين فهو لكل من هو من الناس والمؤمنين، والعبد من الناس والمؤمنين ~~حقيقة فكان داخلا في عمومات الخطاب بوضعه لغة إلا أن يدل دليل على إخراجه ~~منه (1) . # فإن قيل: العبد من حيث هو عبد مال لسيده، ولذلك يتمكن من التصرف فيه حسب ~~تصرفه في سائر الأموال، وإذا كان مالا كان بمنزلة البهائم، فلا يكون داخلا ~~تحت عموم خطاب الشارع. # سلمنا أنه ليس كالبهائم إلا أن أفعاله التي يتعلق بها التكليف ويحصل بها ~~الامتثال مملوكة لسيده، ويجب صرفها إلى منافعه بخطاب الشرع، فلا يكون ~~الخطاب ms442 متعلقا بصرفها إلى غير منافع السيد لما فيه من التناقض. # سلمنا عدم التناقض غير أن الإجماع منعقد على إخراج العبد عن مطلق الخطاب ~~العام بالجهاد والحج والعمرة والجمعة والعمومات الواردة بصحة التبرع ~~والإقرار بالحقوق البدنية والمالية، ولو كان داخلا تحت عموم الخطاب بمطلقه ~~لكان خروجه عنها في هذه الصور على خلاف الدليل. PageV02P270 # سلمنا إمكان دخوله تحت مطلق الخطاب لغة إلا أن الرق مقتض لإخراجه عن ~~عمومات الخطاب بطريق التخصيص، وبيانه أنه صالح لذلك من حيث إنه مكلف بشغل ~~جميع أوقاته بخدمة سيده بخطاب الشرع، وحق السيد مقدم على حق الله - تعالى - ~~لوجهين: الأول: أن السيد متمكن من منع العبد من التطوع بالنوافل مع أنها حق ~~لله، تعالى، ولولا أن حق السيد مرجح لما كان كذلك. # الثاني: أن حق الله - تعالى - مبني على المسامحة والمساهلة؛ لأنه لا ~~يتضرر بفوات حقوقه ولا ينتفع بحصولها، وحق الآدمي مبني على الشح والمضايقة؛ ~~لأنه ينتفع بحصوله ويتضرر بفواته. # والجواب عن السؤال الأول أن كون العبد مالا مملوكا لا يخرجه عن جنس ~~المكلفين إلى جنس البهائم، وإلا لما توجه نحو التكليف بالخطاب الخاص ~~بالصلاة والصوم ونحوه، وهو خلاف الإجماع. # وعن السؤال الثاني: لا نسلم أن السيد مالك لصرف منافع العبد إليه في جميع ~~الأوقات حتى في وقت تضايق وقت العبادة المأمور بها، بل في غيره. # وعلى هذا فلا تناقض. # وعن الثالث: أن ذلك لا يدل على إخراج العبد عن كون العمومات متناولة له ~~لغة لما بيناه، بل غايته أنه خص بدليل، والتخصيص غير مانع من العموم لغة. # ولا يخفى أن القول بالتخصيص أولى من القول برفع العموم لغة مع تحققه، ~~وصار كما في تخصيص المريض والحائض والمسافر عن العمومات الواردة بالصوم ~~والصلاة والجمعة والجهاد. # وعن الرابع: بمنع تعلق حق السيد بمنافعه المصروفة إلى العبادات المأمور ~~بها عند ضيق أوقاتها كما سبق، والرق وإن اقتضى ذلك لمناسبته واعتباره، فلا ~~يقع في مقابلة الدلالة النصية على العبادة في ذلك الوقت؛ لقوة دلالة النصوص ~~على دلالة ما الحجة به ms443 مستندة إليها. # والنصوص وإن كانت متناولة للعبد بعمومها إلا أنها متناولة للعبادة في ~~وقتها المعين بخصوصها. # والرق وإن كان مقتضيا لحق السيد # PageV02P271 # بخصوصه إلا أن اقتضاءه لذلك الحق في وقت العبادة بعمومه، فيتقابلان، ~~ويسلم الترجيح بالتنصيص كما سبق. # قولهم: حق الآدمي مرجح على حق الله - تعالى - لا نسلم ذلك مطلقا. # ولهذا فإن حق الله - تعالى - مرجح على حق السيد فيما وجب على العبد ~~بالخطاب الخاص به إجماعا، وبه يندفع ما ذكروه من الترجيح الأول. # قولهم في الترجيح الثاني: إن السيد يتمكن من منع العبد من التنفل. # قلنا: وإن أوجب ذلك ترجح جانب حق السيد على حقوق الله - تعالى - في ~~النوافل فغير موجب لترجحه عليه في الفرائض (1) . ### | [المسألة الحادية والعشرون ورود الخطاب على لسان الرسول يدخل الرسول في عمومه] # المسألة الحادية والعشرون # ورود الخطاب على لسان الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (يا أيها ~~الذين آمنوا) ، (يا أيها الناس) ، (يا عبادي) يدخل الرسول في عمومه عندنا، ~~وعند أكثر العلماء خلافا لطائفة من الفقهاء والمتكلمين. # ومنهم من قال: كل خطاب ورد مطلقا ولم يكن الرسول مأمورا في أوله بأمر ~~الأمة به كهذه الآيات، وإن كان مأمورا في صدر الخطاب بالأمر كقوله - تعالى ~~-: {قل يا أيها الناس} ، فهو غير داخل فيه وإليه ذهب أبو بكر الصيرفي ~~والحليمي من أصحاب الشافعي (2) . # حجة من قال: يدخل في العموم، وهو المختار، حجتان. # الأولى: أن هذه الصيغ عامة لكل إنسان وكل مؤمن وكل عبد، والنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - سيد الناس والمؤمنين والنبوة غير مخرجة له عن إطلاق هذه ~~الأسماء عليه، فلا تكون مخرجة له عن هذه العمومات. PageV02P272 # الحجة الثانية: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أمر الصحابة بأمر ~~وتخلف عنه ولم يفعله، فإنهم كانوا يسألونه: ما بالك لم تفعله؟ ولو لم ~~يعقلوا دخوله فيما أمرهم به لما سألوه عن ذلك. # وذلك كما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - «أنه أمر أصحابه بفسخ الحج إلى ~~العمرة ولم يفسخ، فقالوا له: " أمرتنا بالفسخ ولم تفسخ» "، ولم ينكر ms444 عليهم ~~ما فهموه من دخوله في ذلك الأمر، بل عدل إلى الاعتذار، وهو قوله: " «إني ~~قلدت هديا» " وروي عنه أنه قال: " «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت ~~الهدي ولجعلتها عمرة» " (1) . # فإن قيل: يمنع أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - داخلا تحت عموم هذه ~~الأوامر ثلاثة أوجه: الأول: أنه إذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - آمرا ~~لأمته بهذه الأوامر فلو كان مأمورا بها لزم من ذلك أن يكون بخطاب واحد آمرا ~~ومأمورا، وهو ممتنع ولأنه يلزم أن يكون آمرا لنفسه، وأمر الإنسان لنفسه ~~ممتنع لوجهين: # الأول: أن الأمر طلب الأعلى من الأدنى، والواحد لا يكون أعلى من نفسه ~~وأدنى منها. # الثاني: أنه وقع الاتفاق على أن أمر الإنسان لنفسه على الخصوص ممتنع، ~~فكذلك أمره لنفسه على العموم. # الثاني من الوجوه الثلاثة: أنه يلزم من ذلك أن يكون بخطاب واحد مبلغا ~~ومبلغا إليه، وهو محال. # الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اختص بأحكام لم تشاركه فيها ~~الأمة كوجوب ركعتي الفجر والضحى والأضحى وتحريم الزكاة عليه، وأبيح له ~~النكاح بغير ولي ولا مهر ولا شهود، والصفي من المغنم، ونحوه من الخصائص، ~~وذلك يدل على مزيته، وانفراده عن الأمة في الأحكام التكليفية، فلا يكون ~~داخلا تحت الخطاب المتناول لهم. PageV02P273 # قلنا: جواب الأول أن ما ذكروه مبني على كون الرسول آمرا، وليس كذلك، بل ~~هو مبلغ لأمر الله، وفرق بين الآمر والمبلغ للأمر. # ولهذا أعاد صيغ الأوامر له بالتبليغ كقوله: {قل أوحي إلي} ، و {واتل ما ~~أوحي إليك} ونحوه. # وجواب الثاني: أنه مبلغ للأمة بما ورد على لسانه، وليس مبلغا لنفسه بذلك ~~الخطاب، بل بما سمعه من جبريل، عليه السلام. # وجواب الثالث: أن اختصاصه ببعض الأحكام غير موجب لخروجه عن عمومات ~~الخطاب. # ولهذا فإن الحائض والمريض والمسافر والمرأة كل واحد قد اختص بأحكام لا ~~يشاركه غيره فيها، ولم يخرج بذلك عن الدخول في عمومات الخطاب (1) ، والله ~~أعلم بالصواب. ### | [المسألة الثانية والعشرون الخطاب الوارد شفاها في زمن النبي هل يخص ms445 الموجودين في زمنه فقط] # المسألة الثانية والعشرون (2) # الخطاب الوارد شفاها في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - والأوامر ~~العامة كقوله - تعالى -: (يا أيها الناس) ، و (يا أيها الذين آمنوا) ونحوه ~~هل يخص الموجودين في زمنه أو هو عام لهم ولمن بعدهم؟ اختلفوا فيه، فذهب ~~أكثر أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة والمعتزلة إلى اختصاصه بالموجودين في زمن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يثبت حكمه في حق من بعدهم إلا بدليل ~~آخر. # وذهبت الحنابلة وطائفة من السالفين والفقهاء إلى تناول ذلك لمن وجد بعد ~~عصر النبي - صلى الله عليه وسلم. # حجة النافين من وجهين: الأول: أن المخاطبة شفاها بقوله تعالى: (يا أيها ~~الناس) ، و (ويا أيها الذين آمنوا) تستدعي كون المخاطب موجودا أهلا للخطاب ~~إنسانا مؤمنا، ومن لم يكن موجودا في وقت الخطاب لم يكن متصفا بشيء من هذه ~~الصفات، فلا يكون الخطاب متناولا له (3) . PageV02P274 # الثاني: أن خطاب الصبي والمجنون الذي لا يميز ممتنع حتى إن من شافهه ~~بالخطاب استهجن كلامه وسفه في رأيه، مع أن حالهما لوجودهما واتصافهما بصفة ~~الإنسانية وأصل الفهم وقبولهما للتأديب بالضرب وغيره أقرب إلى الخطاب لهما ~~ممن لا وجود له (1) . # احتج الخصوم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة والمعقول، أما الكتاب فقوله - ~~تعالى -: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} ، وأما السنة فقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " «بعثت إلى الأحمر والأسود» " (2) ، ولو لم يكن خطابه متناولا لمن ~~بعده لم يكن رسولا إليه ولا مبلغا إليه شرع الله، تعالى، وهو خلاف الإجماع. # وأيضا قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «حكمي على الواحد حكمي على ~~الجماعة» " (3) ، ولفظ (الجماعة) يستغرق كل من بعده. # فلو لم يكن حكمه على من في زمانه حكما على غيرهم كان على خلاف الظاهر. ~~PageV02P275 # وأما الإجماع فهو أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين وإلى زماننا هذا ما ~~زالوا يحتجون في المسائل الشرعية على من وجد بعد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بالآيات والأخبار الواردة على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~ولولا عموم تلك الدلائل اللفظية لمن وجد بعد ذلك ms446 لما كان التمسك بها صحيحا، ~~وكان الاسترواح إليها خطأ، وهو بعيد عن أهل الإجماع. # وأما المعقول: فهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد التخصيص ~~ببعض الأمة نص عليه كما ذكرناه في مسألة خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~للواحد هل هو خطاب للباقين؟ ولولا أن الخطاب المطلق العام يكون خطابا للكل ~~لما احتاج إلى التخصيص. # والجواب على النصوص الدالة على كون النبي - صلى الله عليه وسلم - مبعوثا ~~إلى الناس كافة أنها إنما تلزم أن لو توقف مفهوم الرسالة والبعثة إلى كل ~~الناس على المخاطبة للكل بالأحكام الشرعية شفاها، وليس كذلك، بل ذلك يتحقق ~~بتعريف البعض بالمشافهة وتعريف البعض بنصب الدلائل والأمارات، وقياس بعض ~~الوقائع على بعض (1) . # ويدل على ذلك أن أكثر الأحكام الشرعية لم يثبت بالخطاب شفاها لقلة النصوص ~~وندرتها وكثرة الوقائع (2) ، وما لزم من ذلك أن لا يكون النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - رسولا ولا مبلغا بالنسبة إلى الأحكام التي لم تثبت بالخطاب ~~شفاها. # فإن قيل: والدلائل التي يمكن الاحتجاج بها في الأحكام الشرعية على من وجد ~~بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - غير الخطاب فيما ذكرتموه، إنما يعلم ~~كونها حجة بالدلائل الخطابية، فإذا كان الخطاب الموجود في زمن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لا يتناول من بعده فقد تعذر الاحتجاج به عليه. ~~PageV02P276 # قلنا: أمكن معرفة كونها حجة بالنقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~حكم بكونها حجة على من بعده أو بالإجماع المنقول عن الصحابة على ذلك (1) . # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» ~~" فالكلام في اختصاصه بالموجودين في زمنه كالكلام في الأول. # وأما انعقاد الإجماع على صحة الاستدلال بالآيات والأخبار الواردة على ~~لسانه - صلى الله عليه وسلم - على من وجد بعده، وهو أشبه حجج الخصوم، ~~فجوابه أنا بينا امتناع المخاطبة لمن ليس بموجود بما لا مراء فيه (2) . # وعند ذلك فيجب اعتقاد استناد أهل الإجماع إلى النصوص من جهة معقولها، لا ~~من جهة ألفاظها جمعا بين الأدلة. # وأما ما ms447 ذكروه من المعنى فقد سبق جوابه في مسألة خطاب النبي للواحد من ~~الأمة (3) . PageV02P277 ### | [المسألة الثالثة والعشرون المخاطب هل يمكن دخوله في عموم خطابه لغة أو لا] # المسألة الثالثة والعشرون (1) # اختلفوا في المخاطب هل يمكن دخوله في عموم خطابه لغة أو لا؟ والمختار ~~دخوله، وعليه اعتماد الأكثرين وسواء كان خطابه العام أمرا أو نهيا أو خبرا. # أما في قوله - تعالى -: {وهو بكل شيء عليم} ، فإن اللفظ بعمومه يقتضي كون ~~كل شيء معلوما لله، تعالى، وذاته وصفاته أشياء فكانت داخلة تحت عموم ~~الخطاب. # والأمر فكما لو قال السيد لعبده: من أحسن إليك فأكرمه، فإن خطابه لغة ~~يقتضي إكرام كل من أحسن إلى العبد. # فإذا أحسن السيد إليه صدق عليه أنه من جملة المحسنين إلى العبد، فكان ~~إكرامه على العبد لازما بمقتضى عموم خطاب السيد. # وكذلك في النهي كما إذا قال له: من أحسن إليك فلا تسئ إليه، وهذا في ~~الوضوح غير محتاج إلى الإطناب فيه. # فإن قيل: ما ذكرتموه يمتنع العمل به للنص والمعنى، أما النص فقوله - ~~تعالى -: {الله خالق كل شيء} وذاته وصفاته أشياء وهو غير خالق لها، ولو كان ~~داخلا في عموم خبره لكان خالقا لها، وهو محال. # وأما المعنى فإن السيد إذا قال لعبده: من دخل داري فتصدق عليه بدرهم، ولو ~~دخل السيد، فإنه يصدق عليه أنه من الداخلين إلى الدار، ومع ذلك لا يحسن أن ~~يتصدق عليه العبد بدرهم. # ولو كان داخلا تحت عموم أمره لكان ذلك حسنا. # قلنا: أما الآية فإنها بالنظر إلى عموم اللفظ تقتضي كون الرب - تعالى - ~~خالقا لذاته وصفاته، غير أنه لما كان ممتنعا في نفس الأمر عقلا كان مخصصا ~~لعموم الآية، ولا منافاة بين دخوله في العموم بمقتضى اللفظ وخروجه عنه ~~بالتخصيص (2) . # ، وكذلك الحكم فيما ذكروه من المثال، فإنه بعمومه مقتض للتصدق على السيد ~~عند دخوله، غير أنه بالنظر إلى القرينة الحالية والدليل المخصص امتنع ثبوت ~~حكم العموم في حقه، ولا منافاة كما سبق. PageV02P278 ### | [المسألة الرابعة والعشرون قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة ms448 هل يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع مال كل مالك] # المسألة الرابعة والعشرون # اختلف العلماء في قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} هل يقتضي أخذ الصدقة ~~من كل نوع من أنواع مال كل مالك أو أخذ صدقة واحدة من نوع واحد؟ والأول ~~مذهب الأكثرين، والثاني مذهب الكرخي (1) . # احتج القائلون بتعميم كل نوع بأنه - تعالى - أضاف الصدقة إلى جميع ~~الأموال بقوله: {من أموالهم} والجمع المضاف من ألفاظ العموم على ما عرف من ~~مذهب أربابه، فنزل ذلك منزلة قوله: خذ من كل نوع من أموالهم صدقة، فكانت ~~الصدقة متعددة بتعدد أنواع الأموال. # وللنافي أن يقول: المأمور به صدقة منكرة مضافة إلى جملة الأموال، فمهما ~~أخذ من نوع واحد منها من المالك صدقة، صدق قول القائل: أخذ من أمواله صدقة؛ ~~لأن المال الواحد جزء من جملة الأموال. # فإذا أخذت الصدقة من جزء المال صدق أخذها من المال. # ولهذا وقع الإجماع على أن كل درهم ودينار من دراهم المالك ودنانيره موصوف ~~بأنه من ماله. # ومع ذلك فإنه لا يجب أخذ الصدقة من خصوص كل درهم ودينار له، والأصل أن ~~يكون ذلك لعدم دلالة اللفظ عليه لا للمعارض. # وبالجملة فالمسألة محتملة (2) # ومأخذ الكرخي دقيق. PageV02P279 ### | [المسألة الخامسة والعشرون اللفظ العام إذا قصد به المخاطب الذم أو المدح] # المسألة الخامسة والعشرون (1) # اللفظ العام إذا قصد به المخاطب الذم أو المدح كقوله - تعالى -: {إن ~~الأبرار لفي نعيم - وإن الفجار لفي جحيم} ، وكقوله: {والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} . # نقل عن الشافعي - رضي الله عنه - أنه منع من عمومه حتى أنه منع من التمسك ~~به في وجوب زكاة الحلي، مصيرا منه إلى أن العموم لم يقع مقصودا في الكلام، ~~وإنما سيق لقصد الذم والمدح مبالغة في الحث على الفعل أو الزجر عنه. # وخالفه الأكثرون، وهو الحق من حيث إن قصد الذم أو المدح، وإن كان مطلوبا ~~للمتكلم فلا يمنع ذلك من قصد العموم معه إذ لا منافاة بين الأمرين، وقد أتى ms449 ~~بالصيغة الدالة على العموم فكان الجمع بين المقصودين أولى من العمل بأحدهما ~~وتعطيل الآخر، والله أعلم. PageV02P280 ### | [الصنف الرابع في تخصيص العموم] ### | [مقدمة في بيان معنى التخصيص وما يجوز تخصيصه وما لا يجوز] # ويشتمل على مقدمة ومسألتين: # أما المقدمة ففي بيان معنى التخصيص، وما يجوز تخصيصه، وما لا يجوز. # أما التخصيص فقد قال أبو الحسين البصري: هو إخراج بعض ما تناوله الخطاب ~~عنه، وذلك مما لا يمكن حمله على ظاهره على كل مذهب. # أما على مذهب أرباب الخصوص؛ فلأن الخطاب عندهم منزل على أقل ما يحتمله ~~اللفظ، فلا يتصور إخراج شيء منه. # وأما على مذهب أرباب الاشتراك فمن جهة أن العمل باللفظ المشترك في بعض ~~محامله لا يكون إخراجا لبعض ما تناوله الخطاب عنه، بل غايته استعمال اللفظ ~~في بعض محامله دون البعض. # وأما على مذهب أرباب الوقف فظاهر، إذ اللفظ عندهم موقوف لا يعلم كونه ~~للخصوص أو للعموم، وهو صالح لاستعماله في كل واحد منهما. # فإن قام الدليل على أنه أريد به العموم وجب حمله عليه وامتنع إخراج شيء ~~منه. # وإن قام الدليل على أنه للخصوص لم يكن اللفظ إذ ذاك دليلا على العموم، ~~ولا متناولا له فلا يتحقق بالحمل على الخاص إخراج بعض ما تناوله اللفظ على ~~بعض محامله الصالح لها. # وأما على مذهب أرباب العموم فغايته أن اللفظ عندهم حقيقة في الاستغراق ~~ومجاز في الخصوص. # وعلى هذا، فإن لم يقم الدليل على مخالفة الحقيقة وجب إجراء اللفظ على ~~جميع محامله من غير إخراج شيء منها. # وإن قام الدليل على مخالفة الحقيقة وامتناع العمل باللفظ في الاستغراق، ~~وجب صرفه إلى محمله المجازي، وهو الخصوص. # وعند حمل اللفظ على المجاز لا يكون اللفظ متناولا للحقيقة، وهي ~~الاستغراق، فلا تحقق لإخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه إذ هو حالة كونه ~~مستعملا في المجاز لا يكون مستعملا في الحقيقة. # وعلى هذا فإطلاق القول بتخصيص العام، وأن هذا عام مخصص لا يكون حقيقة. # PageV02P281 # وإذا عرف ذلك، فالتخصيص على ما يناسب مذهب أرباب العموم ms450 هو تعريف أن ~~المراد باللفظ الموضوع للعموم حقيقة، إنما هو الخصوص وعلى ما يناسب مذهب ~~أرباب الاشتراك تعريف أن المراد باللفظ الصالح للعموم والخصوص إنما هو ~~الخصوص. # والمعرف لذلك بأي طريق كان يسمى مخصصا، واللفظ المصروف عن جهة العموم إلى ~~الخصوص مخصصا (1) . # وإذا عرف معنى تخصيص العموم فاعلم أن كل خطاب لا يتصور فيه معنى الشمول. ~~كقوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بردة: " «تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك» " ~~فلا يتصور تخصيصه؛ لأن التخصيص على ما عرف صرف اللفظ عن جهة العموم إلى جهة ~~الخصوص، وما لا عموم له لا يتصور فيه هذا الصرف. # وأما ما يتصور فيه الشمول والعموم فيتصور فيه التخصيص، وسواء كان خطابا ~~أو لم يكن خطابا كالعلة الشاملة لإمكان صرفه عن جهة عمومه إلى جهة خصوصه. # هذا إتمام المقدمة. ### | [المسألة الأولى اتفق القائلون بالعموم على جواز تخصيصه] # وأما المسائل فمسألتان: # المسألة الأولى # اتفق القائلون بالعموم على جواز تخصيصه على أي حال كان من الإخبار والأمر ~~وغيره خلافا لشذوذ لا يؤبه لهم في تخصيصه الخبر. # ويدل على جواز ذلك الشرع والمعقول. # أما الشرع، فوقوع ذلك في كتاب الله - تعالى - كقوله - تعالى -: {الله ~~خالق كل شيء} ، و {وهو على كل شيء قدير} ، وليس خالقا لذاته ولا قادرا ~~عليها وهي شيء. # وقوله، تعالى: {ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم} ، وقد أتت على ~~الأرض والجبال ولم تجعلها رميما. # وقوله - تعالى -: {تدمر كل شيء} ، (أوتيت من كل شيء) إلى غير ذلك من ~~الآيات الخبرية المخصصة حتى إنه قد قيل: لم يرد عام إلا وهو مخصص إلا في ~~قوله، تعالى: {وهو بكل شيء عليم} ، ولو لم يكن ذلك جائزا لما وقع في ~~الكتاب. PageV02P282 # وأما المعقول فهو أنه لا معنى لتخصص العموم سوى صرف اللفظ عن جهة العموم ~~الذي هو حقيقة فيه إلى جهة الخصوص بطريق المجاز كما سبق تقريره، والتجوز ~~غير ممتنع في ذاته. # ولهذا لو قدرنا وقوعه لم يلزم المحال عنه لذاته، ولا بالنظر إلى وضع ~~اللغة. # ولهذا يصح ms451 من اللغوي أن يقول: جاءني كل أهل البلد، وإن تخلف عنه بعضهم، ~~ولا بالنظر إلى الداعي إلى ذلك، والأصل عدم كل مانع سوى ذلك، ويدل على جواز ~~تخصيص الأوامر العامة، وإن لم نعرف فيها خلافا قوله - تعالى -: (اقتلوا ~~المشركين) مع خروج أهل الذمة عنه، وقوله - تعالى -: {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما} ، و {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} ~~مع أنه ليس كل سارق يقطع، ولا كل زان يجلد، وقوله - تعالى -: {يوصيكم الله ~~في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} مع خروج الكافر والرقيق والقاتل عنه. # فإن قيل: القول بجواز تخصيص الخبر مما يوجب الكذب في الخبر لما فيه من ~~مخالفة المخبر للخبر، وهو غير جائز على الشارع كما في نسخ الخبر. # قلنا: لا نسلم لزوم الكذب، ولا وهم الكذب، بتقدير إرادة جهة المجاز، ~~وقيام الدليل على ذلك. # وإلا كان القائل إذا قال: " رأيت أسدا " وأراد به الإنسان أن يكون كاذبا ~~إذا تبينا أنه لم يرد الأسد الحقيقي، وليس كذلك بالإجماع. # وعلى هذا فلا نسلم امتناع نسخ الخبر كما سيأتي تقريره (1) . ### | [المسألة الثانية الغاية التي يقع انتهاء التخصيص إليها] # المسألة الثانية # اختلف القائلون بالعموم وتخصيصه في الغاية التي يقع انتهاء التخصيص ~~إليها، فمنهم من قال بجواز انتهاء التخصيص في جميع ألفاظ العموم إلى ~~الواحد. # ومنهم من أجاز ذلك في (من) خاصة دون ما عداها من أسماء الجموع كالرجال ~~والمسلمين، وجعل نهاية التخصيص فيها أن يبقى تحتها ثلاثة، وهذا هو مذهب ~~القفال من أصحاب الشافعي. # ومنهم من جعل نهاية التخصيص في جميع الألفاظ العامة جمعا كثيرا يعرف ~~PageV02P283 # من مدلول اللفظ، وإن لم يكن محددا، وهو مذهب أبي الحسين البصري، وإليه ~~ميل إمام الحرمين وأكثر أصحابنا (1) . # احتج من جوز الانتهاء في التخصيص إلى الواحد بالنص، والإطلاق والمعنى. # أما النص فقوله - تعالى -: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وأراد ~~به نفسه وحده. # وأما الإطلاق فقول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لسعد بن أبي وقاص، وقد ~~أنفذ إليه القعقاع مع ألف فارس: " قد ms452 أنفذت إليك ألفي رجل "، أطلق اسم ~~الألف الأخرى وأراد بها القعقاع (2) . # وأما المعنى فمن وجهين: الأول: أنه لو امتنع الانتهاء في التخصيص إلى ~~الواحد فإما أن يكون؛ لأن الخطاب صار مجازا، أو لأنه إذا استعمل اللفظ فيه ~~لم يكن مستعملا فيما هو حقيقة فيه من الاستغراق، وكل واحد من الأمرين لو ~~قيل بكونه مانعا لزم امتناع تخصيص العام مطلقا ولا بعدد ما؛ لأنه يكون ~~مجازا في ذلك العدد، وغير مستعمل فيما هو حقيقة فيه. # وذلك خلاف الإجماع. # الثاني: أن استعمال اللفظ في الواحد من حيث إنه بعض من الكل يكون مجازا ~~كما في استعماله في الكثرة، فإذا جاز التجوز باللفظ العام عن الكثرة فكذا ~~في الواحد. # ولقائل أن يقول: أما الآية فهي محمولة على تعظيم المتكلم، وهو بمعزل عن ~~التخصيص بالواحد. # وأما الإطلاق العمري فمحمول على قصد بيان أن ذلك الواحد قائم مقام الألف، ~~وهو غير معنى التخصيص. PageV02P284 # وأما المعنى الأول فلا نسلم الحصر فيما قيل من القسمين، بل المنع من ذلك ~~إنما كان لعدم استعماله لغة. # وأما المعنى الثاني: فمبني على جواز إطلاق اللفظ العام وإرادة الواحد ~~مجازا، وهو محل النزاع. # وأما حجة أبي الحسين البصري، فإنه قال لو قال القائل: قتلت كل من في ~~البلد، وأكلت كل رمانة في الدار، وكان فيها تقديرا ألف رمانة، وكان قد قتل ~~شخصا واحدا أو ثلاثة، وأكل رمانة واحدة أو ثلاث رمانات، فإن كلامه يعد ~~مستقبحا مستهجنا عند أهل اللغة. # وكذلك إذا قال لعبده: من دخل داري فأكرمه، أو قال لغيره: من عندك؟ وقال: ~~أردت به زيدا وحده أو ثلاثة أشخاص معينة أو غير معينة كان قبيحا مستهجنا، ~~ولا كذلك فيما إذا حمل على الكثرة القريبة من مدلول اللفظ، فإنه يعد موافقا ~~مطابقا لوضع أهل اللغة. # وهذه الحجة، وإن كانت قريبة من السداد، وقد قلده فيها جماعة كثيرة إلا أن ~~لقائل أن يقول: متى يكون ذلك مستهجنا منه، إذا كان مريدا للواحد من جنس ذلك ~~العدد الذي هو مدلول اللفظ، وقد اقترن ms453 به قرينة، أو إذا لم يكن؟ الأول ~~ممنوع، والثاني مسلم. # وبيان ذلك، النص وصحة الإطلاق. # أما النص فقوله - تعالى -: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} ~~، وأراد بالناس القائلين، نعيم بن مسعود الأشجعي (1) بعينه من جملة الناس، ~~ولم يعد ذلك مستهجنا لاقترانه بالدليل. # وأما الإطلاق فصحة قول القائل: أكلت الخبز واللحم وشربت الماء، والمراد ~~به واحد من جنس مدلولات اللفظ العام، ولم يكن ذلك مستقبحا لاقترانه ~~بالدليل. # نعم إذا أطلق اللفظ العام وكان الظاهر منه إرادة الكل أو ما يقاربه في ~~الكثرة، وهو مريد للواحد البعيد من ظاهر اللفظ من غير اقتران دليل به يدل ~~عليه، فإنه يكون مستهجنا. # وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين فعليك بالاجتهاد في الترجيح (2) . ~~PageV02P285 ### | [الصنف الخامس في أدلة تخصيص العموم] ### | [القسم الأول في الأدلة المتصلة] ### | [النوع الأول الاستثناء] ### | [مقدمة في معنى الاستثناء وصيغه وأقسامه] # وهي قسمان: متصلة ومنفصلة # القسم الأول: في الأدلة المتصلة # وهي أربعة أنواع: الاستثناء، والشرط، والصفة، والغاية # النوع الأول: الاستثناء # وفيه مقدمة ومسائل: أما المقدمة ففي معنى الاستثناء وصيغه وأقسامه. # أما الاستثناء: فقال الغزالي: هو قول ذو صيغ مخصوصة محصورة دال على أن ~~المذكور به لم يرد بالقول الأول، وهو باطل من وجهين: الأول: أنه ينتقض ~~بآحاد الاستثناءات كقولنا: جاء القوم إلا زيدا، فإنه استثناء حقيقة، وليس ~~بذي صيغ، بل صيغة واحدة وهي إلا زيدا. # الثاني: أنه يبطل بالأقوال الموجبة لتخصيص العموم الخارجة عن الاستثناء، ~~فإنها صيغ مخصوصة وهي محصورة لاستحالة القول بعدم النهاية في الألفاظ ~~الدالة، وهي دالة على أن المذكور بها لم يرد بالقول الأول، وليست من ~~الاستثناء في شيء، وذلك كما لو قال القائل: رأيت أهل البلد، ولم أر زيدا، ~~واقتلوا المشركين، ولا تقتلوا أهل الذمة، ومن دخل داري فأكرمه، والفاسق ~~منهم أهنه، وأهل البلد كلهم علماء وزيد جاهل، إلى غير ذلك. # وقال بعض المتبحرين من النحاة: الاستثناء إخراج بعض الجملة عن الجملة ~~بلفظ (إلا) أو ما يقوم مقامه، وهو منتقض بقول القائل: رأيت أهل البلد ولم ms454 ~~أر زيدا، فإنه قائم مقام قوله: إلا زيدا في إخراج بعض الجملة عن الجملة، ~~وليس باستثناء. # PageV02P286 # وقيل: إنه عبارة عما لا يدخل في الكلام إلا لإخراج بعضه بلفظ (إلا) ولا ~~يستقل بنفسه، وهو أيضا مدخول من وجهين: الأول: أن الاستثناء لا لإخراج بعض ~~الكلام، وإنما يكون إخراجا لبعض ما دل عليه الكلام الأول، وفرق بين ~~الأمرين. # الثاني: أنه لو قال القائل: جاء القوم غير زيد، فإنه استثناء مع أن لفظة ~~(غير) قد وجد فيها جميع ما ذكروه من القيود سوى قوله: لا يدخل في الكلام ~~إلا لإخراج بعضه. # فإن (غير) قد يدخل في الكلام لغرض النعتية إذا لم يجز في موضعها (إلا) ~~كقولك: عندي درهم غير جيد، فإنه لا يحسن أن تقول في موضعها: عندي درهم إلا ~~جيدا فلا جرم كانت نعتا للدرهم وتابعة له في إعرابه. # وهذا بخلاف ما إذا قلت: عندي درهم غير قيراط، فإن (غير) تكون استثنائية ~~منصوبة لإمكان دخول (إلا) في موضعها. # ويمكن أن يقال هاهنا: إن النعتية ليست استثنائية فلا ترد على الحد. # والمختار في ذلك أن يقال: الاستثناء عبارة عن لفظ متصل بجملة لا يستقل ~~بنفسه دال بحرف (إلا) أو أخواتها على أن مدلوله غير مراد مما اتصل به، ليس ~~بشرط ولا صفة ولا غاية. # فقولنا: (لفظ) احتراز عن الدلالات العقلية والحسية الموجبة للتخصيص. # وقولنا: (متصل بجملة) احتراز عن الدلائل المنفصلة. # وقولنا: (ولا يستقل بنفسه) احتراز عن مثل قولنا: قام القوم وزيد لم يقم، ~~وقولنا: (دال) احتراز عن الصيغ المهملة. # وقولنا: (على أن مدلوله غير مراد مما اتصل به) احتراز عن الأسماء المؤكدة ~~والنعتية. # كقول القائل: جاءني القوم العلماء كلهم. # وقولنا: (بحرف (إلا) أو أخواتها) احتراز عن قولنا: قام القوم دون زيد، ~~وفيه احتراز عن أكثر الإلزامات السابق ذكرها. # وقولنا: (ليس بشرط) احتراز عن قول القائل لعبده: من دخل داري فأكرمه إن ~~كان مسلما، وقولنا: (ليس بصفة) احتراز من قول القائل: جاءني بنو تميم ~~الطوال. # PageV02P287 # وقولنا: (ليس بغاية) احتراز عن قول القائل لعبده: (أكرم ms455 بني تميم أبدا ~~إلى أن يدخلوا الدار) وهذا الحد مطرد منعكس لا غبار عليه. # وإذا عرف معنى الاستثناء فصيغه كثيرة، وهي إلا وغير وسوى وخلا وحاشا وعدا ~~وما عدا وما خلا، وليس ولا يكون ونحوه. # وأم الباب في هذه الصيغ (إلا) لكونها حرفا مطلقا، ولوقوعها في جميع أبواب ~~الاستثناء لا غير. # ولها أحكام مختلفة في الإعراب مستقصاة في كتب أهل الأدب، لا مناسبة ~~لذكرها فيما نحن فيه كما قد فعله من غلب عليه حب العربية. # وهو منقسم إلى الاستثناء من الجنس، ومن غير الجنس كما يأتي تحقيقه عن ~~قريب إن شاء الله - تعالى -. # ويجوز أن يكون متأخرا عن المستثنى منه كما ذكرناه من الأمثلة، وأن يكون ~~متقدما عليه مع الاتصال كقولك: خرج إلا زيدا القوم، ومنه قول الكميت: # فما لي إلا آل أحمد شيعة ... وما لي إلا مذهب الحق مذهب # . (1) ويجوز الاستثناء من الاستثناء من غير خلاف كقول القائل: له علي ~~عشرة دراهم إلا أربعة إلا اثنين، ويدل عليه قوله - تعالى -: {إنا أرسلنا ~~إلى قوم مجرمين} إلى قوله: {إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين - إلا امرأته} ~~استثنى آل لوط من أهل القرية، واستثنى المرأة من الآل المنجين من الهلاك. # وهذا ما أردنا ذكره من المقدمة. # وأما المسائل فخمس: PageV02P288 ### | [المسألة الأولى شرط صحة الاستثناء] # المسألة الأولى # شرط صحة الاستثناء عند أصحابنا وعند الأكثرين أن يكون متصلا بالمستثنى ~~منه حقيقة، من غير تخلل فاصل بينهما أو في حكم المتصل، وهو ما لا يعد ~~المتكلم به آتيا به بعد فراغه من كلامه الأول عرفا، وإن تخلل بينهما فاصل ~~بانقطاع النفس أو سعال مانع من الاتصال حقيقة. # ونقل عن ابن عباس أنه كان يقول بصحة الاستثناء المنفصل، وإن طال الزمان ~~شهرا. # وذهب بعض أصحاب مالك إلى جواز تأخير الاستثناء لفظا، لكن مع إضمار ~~الاستثناء متصلا بالمستثنى منه، ويكون المتكلم به مدينا فيما بينه وبين ~~الله - تعالى -. # ولعله مذهب ابن عباس. # وذهب بعض الفقهاء إلى صحة الاستثناء المنفصل في كتاب الله - تعالى - دون ~~غيره. # حجة ms456 القائلين بالاتصال من ثلاثة أوجه: الأول: ما روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: " «من حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه، فليأت الذي هو ~~خير وليكفر عن يمينه» " وروي: " «فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير» ". ~~(1) # ولو كان الاستثناء المنفصل صحيحا لأرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إليه لكونه طريقا مخلصا للحالف عند تأمل الخير في البر وعدم الحنث؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما يقصد التيسير والتسهيل ولا يخفى أن ~~الاستثناء أيسر وأسهل من التكفير، فحيث لم يرشد إليه دل على عدم صحته. # الثاني: أن أهل اللغة لا يعدون ذلك كلاما منتظما ولا معدودا من كلام ~~العرب، ولهذا فإنه لو قال: لفلان علي عشرة دراهم، ثم قال بعد شهر أو سنة: ~~إلا درهما، وقال: رأيت بني تميم، ثم قال بعد شهر: إلا زيدا، فإنه لا يعد ~~استثناء ولا كلاما صحيحا كما لو قال: رأيت زيدا، ثم قال بعد شهر: قائما، ~~فإنهم لا يعدونه بذلك مخبرا عن زيد بشيء، وكذلك لو قال السيد لعبده: أكرم ~~زيدا، ثم قال بعد شهر: إن دخل داري، فإنهم لا يعدون ذلك شرطا. PageV02P289 # الثالث: أنه لو قيل بصحة الاستثناء المنفصل لما علم صدق صادق، ولا كذب ~~كاذب، ولا حصل وثوق بيمين، ولا وعد ولا وعيد، ولا حصل الجزم بصحة عقد نكاح ~~وبيع وإجارة، ولا لزوم معاملة أصلا؛ لإمكان الاستثناء المنفصل ولو بعد حين، ~~ولا يخفى ما في ذلك من التلاعب وإبطال التصرفات الشرعية، وهو محال. # احتج الخصوم بأربعة أمور: الأول: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: " «والله لأغزون قريشا» " ثم سكت وقال بعده: " إن شاء الله "، ~~ولولا صحة الاستثناء بعد السكوت لما فعله لكونه مقتدى به. # وأيضا ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سألته اليهود عن عدة أهل ~~الكهف وعن مدة لبثهم فيه، فقال: غدا أجيبكم، ولم يقل: إن شاء الله فتأخر ~~عنه الوحي مدة بضعة عشر يوما، ثم نزل عليه: {ما يعلمهم إلا قليل ms457 فلا تمار ~~فيهم إلا مراء ظاهرا} إلى قوله: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا - إلا أن ~~يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت} . # فقال: إن شاء الله بطريق الإلحاق بخبره الأول (1) . # ولو لم يكن ذلك صحيحا لما فعله. # الثاني: أن ابن عباس ترجمان القرآن، ومن أفصح فصحاء العرب، وقد قال بصحة ~~الاستثناء المنفصل، وذلك يدل على صحته. # الثالث: أن الاستثناء بيان وتخصيص للكلام الأول، فجاز تأخيره كالنسخ ~~والأدلة المنفصلة المخصصة للعموم. # الرابع: أن الاستثناء رافع لحكم اليمين فجاز تأخيره كالكفارة. ~~PageV02P290 # والجواب عن الخبر الأول: أن سكوته قبل الاستثناء يحتمل أنه من السكوت ~~الذي لا يخل بالاتصال الحكمي كما أسلفناه، ويجب الحمل عليه موافقة لما ~~ذكرناه من الأدلة. # وعن الخبر الثاني: أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: " إن شاء الله " ليس ~~عائدا إلى خبر الأول، بل إلى ذكر ربه إذا نسي، تقديره: أذكر ربي إذا نسيت ~~إن شاء الله. # وذلك كما إذا قال القائل لغيره: افعل كذا فقال: إن شاء الله، أي أفعل إن ~~شاء الله. # وعن المنقول عن ابن عباس: إن صح ذلك (1) فلعله كان يعتقد صحة إضمار ~~الاستثناء، ويدين المكلف بذلك فيما بينه وبين الله - تعالى - وإن تأخر ~~الاستثناء لفظا وهو غير ما نحن فيه، وإن لم يكن كذلك فهو أيضا مخصوم بما ~~ذكرناه من الأدلة واتفاق أهل اللغة على إبطاله ممن سواه. # وعن الوجه الثالث: أنه قياس في اللغة فلا يصح لما سبق. # ثم هو منقوض بالخبر والشرط كما سبق. # كيف والفرق بين التخصيص والاستثناء واقع من جهة الجملة، من حيث إن ~~التخصيص قد يكون بدليل العقل والحس؟ ولا كذلك الاستثناء، وبينه وبين النسخ، ~~أن النسخ مما يمتنع اتصاله بالمنسوخ بخلاف الاستثناء. # وعن الوجه الرابع بالفرق: وهو أن الكفارة رافعة لإثم الحنث لا لنفس ~~الحنث، والاستثناء مانع من الحنث، فما التقيا في الحكم حتى يصح قياس أحدهما ~~على الآخر. # كيف، وإن الخلاف إنما وقع في صحة الاستثناء المنفصل من جهة اللغة لا من ~~جهة الشرع، ولا قياس في ms458 اللغة على ما سبق؟ ### | [المسألة الثانية الاستثناء من غير الجنس] # المسألة الثانية # اختلف العلماء في صحة الاستثناء من غير الجنس، فجوزه أصحاب أبي حنيفة ~~ومالك والقاضي أبو بكر وجماعة من المتكلمين والنحاة ومنع منه الأكثرون. # وأما أصحابنا فمنهم من قال بالنفي، ومنهم من قال بالإثبات. PageV02P291 # احتج من قال بالبطلان بأن الاستثناء استفعال مأخوذ من الثني، ومنه تقول: ~~ثنيت الشيء إذا عطفت بعضه على بعض، وثنيت فلانا عن رأيه، وثنيت عنان الفرس. # وحقيقته أنه استخراج بعض ما تناوله اللفظ وذلك غير متحقق في مثل قول ~~القائل: رأيت الناس إلا الحمر؛ لأن الحمر المستثناة غير داخلة في مدلول ~~المستثنى منه حتى يقال بإخراجها وثنيها عنه، بل الجملة الأولى باقية بحالها ~~لم تتغير، ولا تعلق للثاني بالأول أصلا. # ومع ذلك فلا تحقق للاستثناء من اللفظ، ولا يمكن أن يقال بصحة الاستثناء ~~بناء على ما وقع به الاشتراك من المعنى بين المستثنى والمستثنى منه، وإلا ~~لصح استثناء كل شيء من كل شيء، ضرورة أنه ما من شيئين إلا وهما مشتركان في ~~معنى عام لهما، وليس كذلك. # كيف وإنه لو قال القائل: جاء العلماء إلا الكلاب، وقدم الحجاج إلا الحمير ~~كان مستهجنا لغة وعقلا، وما هذا شأنه لا يكون وضعه مضافا إلى أهل اللغة؟ # ولقائل أن يقول: لا نسلم أن الاستثناء مأخوذ من الثني، بل من التثنية، ~~وكأن الكلام كان واحدا فثني، وليس أحد الأمرين أولى من الآخر. # فإن قيل: لو كان الاستثناء مأخوذا من التثنية؛ لكان كل ما وجد فيه معنى ~~التثنية من الكلام استثناء، وليس كذلك. # قلنا: ولو كان مأخوذا من الثني لكان كل ما وجد فيه الثني والعطف استثناء، ~~وليس كذلك. # ولهذا لا يقال لمن عطف الثوب بعضه على بعض، أو عطف عنان الفرس إنه ~~استثناء. # قولكم: إن الاستثناء استخراج بعض ما تناوله اللفظ دعوى في محل النزاع، ~~وكيف يدعى ذلك مع قول الخصم بصحة الاستثناء من غير الجنس، ولا دخول ~~للمستثنى تحت المستثنى منه؟ # وما ذكرتموه من الاستقباح لا يدل على ms459 امتناع صحته في اللغة. # ولهذا، فإنه لو قال القائل في دعائه: يا رب الكلاب والحمير وخالقهم ~~ارزقني وأعطني كان مستهجنا، وإن كان صحيحا من جهة اللغة والمعنى. # ثم وإن سلمنا امتناع صحة الاستثناء من نفس الملفوظ به مطابقة، فما المانع ~~من صحته، نظرا إلى ما وقع به الاشتراك بين المستثنى والمستثنى منه في ~~المعنى اللازم # PageV02P292 # المدلول للفظ مطابقة؟ كما قال الشافعي إنه لو قال القائل: لفلان علي مائة ~~درهم إلا ثوبا، فإنه يصح ويكون معناه إلا قيمة ثوب لاشتراكهما في ثبوت صفة ~~القيمة لهما، وكما قاله أبو حنيفة في استثناء المكيل من الموزون وبالعكس ~~لاشتراكهما في علة الربا. # قولكم: لو صح ذلك لصح استثناء كل شيء من كل شيء ليس كذلك. # وما المانع أن تكون صحة الاستثناء مشروطة بمناسبة بين المستثنى والمستثنى ~~منه؟ كما إذا قال القائل: ليس لي نخل إلا شجر ولا إبل إلا بقر ولا بنت إلا ~~ذكر، ولا كذلك فيما إذا قال: ليس لفلان بنت إلا أنه باع داره. # وأما القائلون بالصحة فقد احتجوا بالمنقول والمعقول، أما المنقول، فمن ~~جهة القرآن، والشعر، والنثر. # أما القرآن فقوله - تعالى -: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ~~إبليس لم يكن من الساجدين} ، وإبليس لم يكن من جنس الملائكة لقوله - تعالى ~~- في آية أخرى: {إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه} والجن ليسوا من ~~جنس الملائكة، ولأنه كان مخلوقا من نار على ما قال: {خلقتني من نار} ~~والملائكة من نور، ولأن إبليس له ذرية على ما قال - تعالى -: {أفتتخذونه ~~وذريته أولياء} ، ولا ذرية للملائكة فلا يكون من جنسهم، وهو مستثنى منهم. # وقوله - تعالى -: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون - أنتم وآباؤكم الأقدمون - ~~فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} استثنى الباري - تعالى - من جملة ما كانوا ~~يعبدون من الأصنام وغيرها، والباري - تعالى - ليس من جنس شيء من المخلوقات. # وقوله - تعالى -: {ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} استثنى الظن من ~~العلم، وليس من جنسه. # وقوله - تعالى -: {لا يسمعون فيها لغوا ولا ms460 تأثيما - إلا قيلا سلاما ~~سلاما} استثنى السلام من اللغو، وليس من جنسه، وقوله - تعالى -: {لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} ، والتجارة ليست من ~~جنس الباطل، وقد استثناها منه. # وقوله - تعالى -: {فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون - إلا رحمة منا} استثنى ~~الرحمة من نفي الصريخ والإنقاذ، وليست من جنسه. # وقوله - تعالى -: {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} ومن رحم ليس ~~بعاصم، بل معصوم، وليس المعصوم من جنس العاصم. # PageV02P293 # وقوله - تعالى -: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} استثنى الخطأ من ~~القتل، وليس من جنسه. # وأما الشعر: فمن ذلك قول القائل منهم: # وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس (1) والعيس ليست من جنس ~~الأنيس. # وقال النابغة الذبياني: # وقفت فيها أصيلا لا أسائلها ... عيت جوابا وما بالربع من أحد # إلا أواري لأيا ما أبينها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد # والأواري ليست من جنس الأحد. # وقال: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب (2) وليس فلول ~~السيوف عيبا لأربابها، بل فخرا لهم، وقد استثناها من العيوب، وليست من ~~جنسها. # وأما النثر فقول العرب: ما زاد إلا ما نقص، وما بالدار أحد إلا الوتد، ~~وما جاءني زيد إلا عمرو. # استثنوا النقص من الزيادة والوتد من أحد، وعمرا من زيد، وليس من جنسه. ~~PageV02P294 # وأما المعقول فهو أن الاستثناء لا يرفع جميع المستثنى منه فصح، كاستثناء ~~الدراهم من الدنانير وبالعكس. # ولقائل أن يقول: أما الآية الأولى فلا نسلم أن إبليس لم يكن من جنس ~~الملائكة. # قولكم: إنه كان من الجن، قلنا: لا منافاة بين الأمرين، فإنه قد قال ابن ~~عباس وغيره من المفسرين: إن إبليس كان من الملائكة من قبيل يقال لهم الجن؛ ~~لأنهم كانوا خزان الجنان، وكان إبليس رئيسهم، وتسميته جنيا لنسبته إلى ~~الجنة كما يقال: بغدادي ومكي. # ويحتمل أنه سمي بذلك لاجتنانه واختفائه، ويدل على كونه من الملائكة ~~أمران: الأول: أن الله - تعالى - استثناه من الملائكة، والأصل أن يكون من ~~جنسهم؛ للاتفاق ms461 على صحة الاستثناء من الجنس ووقوع الخلاف في غيره. # الثاني: أن الأمر بالسجود لآدم إنما كان للملائكة، بدليل قوله - تعالى -: ~~{وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} ، ولو لم يكن إبليس من الملائكة لما كان ~~عاصيا للأمر المتوجه إلى الملائكة لكونه، ليس منهم، إذ الأصل عدم أمر وراء ~~ذلك الأمر. # ودليل عصيانه قوله - تعالى -: {إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} ~~. # قولكم: إن إبليس له ذرية ليس في ذلك ما ينافي كونه من جنس الملائكة. # فلئن قلتم بأن التوالد لا يكون إلا من ذكر وأنثى، والملائكة لا إناث فيهم ~~بدليل قوله - تعالى -: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} ذكر ~~ذلك في معرض الإنكار والتوعد على قول ذلك. # قلنا: إنما يلزم من ذلك الإناث في الملائكة أن لو امتنع حصول الذرية إلا ~~من جنسين، وهو غير مسلم. # قولكم: إن إبليس مخلوق من نار، والملائكة من نور لا منافاة أيضا بين ذلك ~~وبين كونه من الملائكة. # وأما الآية الثانية، فاستثناء الرب - تعالى - فيها من المعبودين، وذلك ~~قوله: {ما كنتم تعبدون} ، وهم كانوا ممن يعبد الله مع الأصنام؛ لأنهم كانوا ~~مشركين لا جاحدين لله - تعالى - فلا يكون الاستثناء من غير الجنس. # PageV02P295 # وأما الآية الثالثة: فجوابها من وجهين: الأول: أن قوله - تعالى -: {ما ~~لهم به من علم إلا اتباع الظن} عام في كل ما يسمى علما، والظن يسمى علما ~~ودليله قوله - تعالى -: {فإن علمتموهن مؤمنات} وأراد إن ظننتموهن؛ لاستحالة ~~اليقين بذلك، وذلك إن كان من الأسماء المتواطئة فلا يكون الاستثناء من غير ~~الجنس، وإن كان من الأسماء المشتركة أو المجازية، فهو من جملة الأسماء ~~العامة كما سبق. # الثاني: أن (إلا) فيها ليست للاستثناء، بل هي بمعنى (لكن) ، وكذلك الحكم ~~فيما بعدها من الآيات. # وأما استثناء (اليعافير والعيس) من (الأنيس) فليس استثناء من غير الجنس؛ ~~لأنها مما يؤنس بها، فهي من جنس الأنيس، وإن لم تكن من جنس الأنس، بل وقد ~~يحصل الأنس بالآثار والأبنية والأشجار، فضلا عن الحيوان. # وأما استثناء الأواري من أحد، فإنما كان ms462 لأنه كما يطلق الأحد على الآدمي ~~فقد يطلق على غيره من الحيوانات والجمادات، ولذلك يقال: رأيت أحد الحمارين، ~~وركبت أحد الفرسين، ورميت أحد الحجرين وأحد السهمين، فلم يكن الاستثناء من ~~غير الجنس من حيث إن الأواري مما يصدق عليها لفظة (أحد) وبتقدير أن لا يكون ~~من الجنس فإلا ليست استثنائية حقيقة، بل بمعنى (لكن) كما سبق. # وأما (فلول السيوف) فهو عيب في السيوف، وإن كان يسبب فلولها فخرا ومدحة ~~لأربابها فهو في الجملة استثناء من الجنس. # وقول العرب: (ما زاد إلا ما نقص) تقديره: ما زاد شيء إلا الذي نقص أي ~~ينقص، وهو استثناء من الجنس. # وقولهم: (ما في الدار أحد إلا الوتد) فجوابه كما سبق في الأواري من أحد. # وقوله: (ما جاءني زيد إلا عمرو) فإلا بمعنى (لكن) . # وما ذكروه من المعقول، قولهم: إن الاستثناء لا يرفع جميع المستثنى منه، ~~فشيء لا إشعار له بصحة الاستثناء من غير الجنس. # PageV02P296 # وأما استثناء (الدراهم) من (الدنانير) وبالعكس، فهو أيضا محل النزاع عند ~~القائلين بعدم صحة الاستثناء من غير الجنس، وإن تكلف بيان صحة الاستثناء من ~~جهة اشتراكهما في النقدية وجوهرية الثمنية فآيل إلى الاستثناء من الجنس. ### | [المسألة الثالثة امتناع الاستثناء المستغرق] # المسألة الثالثة # اتفقوا على امتناع الاستثناء المستغرق كقوله: له علي عشرة إلا عشرة (1) ، ~~وإنما اختلفوا في استثناء النصف والأكثر، فذهب أصحابنا وأكثر الفقهاء ~~والمتكلمين إلى صحة استثناء الأكثر حتى إنه لو قال: له علي عشرة إلا تسعة ~~لم يلزمه سوى درهم واحد. # وذهب القاضي أبو بكر في آخر أقواله، والحنابلة وابن درستويه النحوي إلى ~~المنع من ذلك، وزاد القاضي أبو بكر، والحنابلة القول بالمنع من استثناء ~~المساوي. # وقد نقل عن بعض أهل اللغة استقباح استثناء عقد صحيح، فلا يقول: له علي ~~مائة إلا عشرة، بل خمسة إلى غير ذلك. # احتج من قال بصحة استثناء الأكثر والمساوي بالمنقول والمعقول والحكم. # أما المنقول فمن جهة القرآن والشعر. # أما القرآن فقوله - تعالى -: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك ~~من الغاوين} ms463 ، وقال {لأغوينهم أجمعين - إلا عبادك منهم المخلصين} ، فإن ~~استووا فقد استثنى المساوي، وإن تفاوتوا فأيهما كان أكثر فقد استثناه. # كيف وإن الغاوين أكثر بدليل قوله - تعالى -: {وقليل من عبادي الشكور} ، ~~وقوله - تعالى -: {ولا تجد أكثرهم شاكرين} ، وقوله - تعالى -: {وما أكثر ~~الناس ولو حرصت بمؤمنين} ، و (لكن أكثرهم لا يعقلون) ، و (لا يؤمنون) . # وأما الشعر فقوله: # أدوا التي نقصت تسعين من مائة ... ثم ابعثوا حكما بالحق قوالا ~~PageV02P297 # وأما المعقول فهو: أن الاستثناء لفظ يخرج من الجملة ما لولاه لدخل فيها، ~~فجاز إخراج الأكثر به كالتخصيص بالدليل المنفصل، كاستثناء الأقل. # هذا ما يخص الأكثر. # وأما المساوي فدليله قوله - تعالى -: {يا أيها المزمل - قم الليل إلا ~~قليلا - نصفه} استثنى النصف، وليس بأقل (1) . # وأما الحكم فعام للأكثر والمساوي، وهو أنه لو قال: له علي عشرة واستثنى ~~منها خمسة أو تسعة، فإنه يلزمه في الأول خمسة وفي الثاني درهم باتفاق ~~الفقهاء. # ولولا صحة الاستثناء لما كان كذلك. # وفي هذه الحجج ضعف إذ لقائل أن يقول: أما الآية فالغاوون فيها، وإن كانوا ~~أكثر من العباد المخلصين بدليل النصوص المذكورة فلا نسلم أن (إلا) في قوله: ~~{إلا من اتبعك من الغاوين} للاستثناء، بل هي بمعنى (لكن) . # وإن سلمنا أنها للاستثناء، ولكن نحن إنما نمنع من استثناء الأكثر إذا كان ~~عدد المستثنى والمستثنى منه مصرحا به كما إذا قال: له علي مائة إلا تسعة ~~وتسعين درهما، وأما إذا لم يكن العدد مصرحا به، كما إذا قال له: خذ ما في ~~الكيس من الدراهم سوى الزيوف منها، فإنه يصح، وإن كانت الزيوف في نفس الأمر ~~أكثر في العدد، وكما إذا قال: جاءني بنو تميم سوى الأوباش منهم، فإنه يصح ~~من غير استقباح، وإن كان عدد الأوباش منهم أكثر. # وأما الشعر: فلا استثناء فيه، بل معناه أدوا المائة التي سقط منها تسعون، ~~ولا يلزم أن يكون سقوطها بطريق الاستثناء. # وما ذكروه من المعقول فحاصله يرجع إلى القياس في اللغة، وهو فاسد كما ~~سبق. # كيف والفرق بين الأصل والفرع واقع من ms464 جهة الإجمال؟ PageV02P298 # وأما التخصيص فمن جهة أنه قد يكون بدليل منفصل وبغير دليل لفظي كما يأتي. # وأما استثناء الأقل فلكونه غير مستقبح، كما إذا قال: له علي عشرة إلا ~~درهما ولا كذلك قوله: له علي مائة إلا تسعة وتسعين. # وأما قوله - تعالى -: {يا أيها المزمل} ، فلا دلالة فيه على جواز استثناء ~~النصف إذ النصف غير مستثنى، وإنما هو ظرف للقيام فيه وتقديره: قم الليل ~~نصفه إلا قليلا. # وأما الحكم، فدعوى الاتفاق عليه خطأ، فإن من لا يرى صحة استثناء الأكثر ~~والمساوي فهو عنده بمنزلة الاستثناء المستغرق. # ولو قال: له علي عشرة إلا عشرة لزمه العشرة، وإنما ذهب إلى ذلك الفقهاء ~~القائلون بصحة استثناء الأكثر والمساوي. # وأما من قال بامتناع صحة استثناء الأكثر والمساوي، فقد احتج بأن ~~الاستثناء على خلاف الأصل؛ لكونه إنكارا بعد إقرار، وجحدا بعد اعتراف، غير ~~أنا خالفناه في استثناء الأقل لمعنى لم يوجد في المساوي والأكثر، فوجب أن ~~لا يقال بصحته فيه. # وبيان ذلك من وجهين: الأول: أن المقر ربما أقر بمال، وقد وفى بعضه غير ~~أنه نسيه لقلته، وعند إقراره ربما تذكره فاستثناه. # فلو لم يصح استثناؤه لتضرر، ولا كذلك في الأكثر والنصف؛ لأنه قلما يتفق ~~الذهول عنه. # والثاني: أنه إذا قال: له علي مائة إلا درهما لم يكن مستقبحا، وإذا قال: ~~له علي مائة إلا تسعة وتسعين كان مستقبحا والمستقبح في لغة العرب لا يكون ~~من لغتهم. # وهذه الحجة ضعيفة أيضا إذ لقائل أن يقول: لا نسلم أن الاستثناء على خلاف ~~الأصل، والقول بأنه إنكار بعد إقرار إنما يصح ذلك أن لو لم يكن المستثنى ~~والمستثنى منه جملة واحدة وإلا فلا. # وإن سلمنا عدم الاتحاد، ولكن لا نسلم مخالفة ذلك الأصل، بل الأصل قبوله ~~لإمكان صدق المتكلم به ودفعا للضرر عنه، ويجب اعتقاد ذلك حتى لا يكون قبول ~~ذلك في استثناء الأقل على خلاف الأصل. # والقول بأن ذلك مستقبح ركيك في لغة العرب، ليس فيه ما يمنع مع ذلك من ~~استعماله. # ولهذا، فإنه لو قال: ms465 له علي عشرة إلا درهما كان مستحسنا، ولو قال: له علي ~~عشرة إلا دانقا ودانقا. . .، إلى تمام عشرين مرة كان في غاية الاستقباح، ~~وما منع ذلك من صحته واستعماله لغة. # PageV02P299 ### | [المسألة الرابعة الجمل المتعاقبة بالواو إذا تعقبها الاستثناء] # المسألة الرابعة # الجمل المتعاقبة بالواو إذا تعقبها الاستثناء رجع إلى جميعها عند أصحاب ~~الشافعي - رضي الله عنه - وإلى الجملة الأخيرة عند أصحاب أبي حنيفة. # وقال القاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري، وجماعة من المعتزلة: إن كان ~~الشروع في الجملة الثانية إضرابا عن الأولى ولا يضمر فيها شيء مما في ~~الأولى فالاستثناء مختص بالجملة الأخيرة؛ لأن الظاهر أنه لم ينتقل عن ~~الجملة الأولى مع استقلالها بنفسها إلى غيرها إلا وقد تم مقصوده منها. # وذلك على أقسام أربعة: الأول: أن تختلف الجملتان نوعا كما لو قال: أكرم ~~بني تميم، والنحاة البصريون (1) إلا البغاددة إذ الجملة الأولى أمر ~~والثانية خبر. # القسم الثاني: أن تتحدا نوعا، وتختلفا اسما وحكما كما لو قال: أكرم بني ~~تميم واضرب ربيعة إلا الطوال إذ هما أمران. # الثالث: أن تتحدا نوعا وتشتركا حكما لا اسما كما لو قال: سلم على بني ~~تميم وسلم على بني ربيعة إلا الطوال. # الرابع: أن تتحدا نوعا وتشتركا اسما لا حكما، ولا يشترك الحكمان في غرض ~~من الأغراض كما لو قال: سلم على بني تميم، واستأجر بني تميم إلا الطوال. # وأقوى هذه الأقسام في اقتضاء اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة القسم ~~الأول ثم الثاني ثم الثالث والرابع. # وأما إن لم تكن الجملة الأخيرة مضربة عن الأولى، بل لها بها نوع تعلق ~~فالاستثناء راجع إلى الكل، وذلك أربعة أقسام: # القسم الأول: أن تتحد الجملتان نوعا واسما لا حكما، غير أن الحكمين قد ~~اشتركا في غرض واحد كما لو قال: أكرم بني تميم وسلم على بني تميم إلا ~~الطوال، لاشتراكهما في غرض الإعظام. PageV02P300 # الثاني: أن تتحد الجملتان نوعا وتختلفا حكما، واسم الأولى مضمر في ~~الثانية كما لو قال: أكرم بني تميم واستأجرهم إلا الطوال. # القسم الثالث: بالعكس من الذي ms466 قبله كما لو قال: أكرم بني تميم وربيعة إلا ~~الطوال. # القسم الرابع: أن يختلف نوع الجمل المتعاقبة، إلا أنه قد أضمر في الجملة ~~الأخيرة ما تقدم، أو كان غرض الأحكام المختلفة فيها واحدا كما في آية ~~القذف، فإن جملها مختلفة النوع من حيث إن قوله - تعالى -: {فاجلدوهم ثمانين ~~جلدة} أمر، وقوله: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} نهي، وقوله: {وأولئك هم ~~الفاسقون} خبر، غير أنها داخلة تحت القسم الأول من هذه الأقسام الأربعة ~~لاشتراك أحكام هذه الجمل في غرض الانتقام والإهانة، وداخلة تحت القسم ~~الثاني من جهة إضمار الاسم المتقدم فيها. القسم الرابع: أن يختلف نوع الجمل ~~المتعاقبة، إلا أنه قد أضمر في الجملة الأخيرة ما تقدم، أو كان غرض الأحكام ~~المختلفة فيها واحدا كما في آية القذف، فإن جملها مختلفة النوع من حيث إن ~~قوله - تعالى -: {فاجلدوهم ثمانين جلدة} أمر، وقوله: {ولا تقبلوا لهم شهادة ~~أبدا} نهي، وقوله: {وأولئك هم الفاسقون} خبر، غير أنها داخلة تحت القسم ~~الأول من هذه الأقسام الأربعة لاشتراك أحكام هذه الجمل في غرض الانتقام ~~والإهانة، وداخلة تحت القسم الثاني من جهة إضمار الاسم المتقدم فيها. # وذهب المرتضى من الشيعة إلى القول بالاشتراك، وذهب القاضي أبو بكر ~~والغزالي وجماعة من الأصحاب إلى الوقف. # والمختار أنه مهما ظهر كون (الواو) للابتداء فالاستثناء يكون مختصا ~~بالجملة الأخيرة، كما في القسم الأول من الأقسام الثانية المذكورة لعدم ~~تعلق إحدى الجملتين بالأخرى، وهو ظاهر. # وحيث أمكن أن تكون (الواو) للعطف أو الابتداء كما في باقي الأقسام السبعة ~~فالواجب إنما هو الوقف. # وتحقيق ذلك متوقف على ذكر حجج المخالفين وإبطالها، ولنبدأ من ذلك بحجج ~~القائلين بالعود إلى الجميع: الحجة الأولى: أن الجمل المعطوف بعضها على بعض ~~بمنزلة الجملة الواحدة، ولهذا فإنه لا فرق في اللغة بين قوله: اضرب الجماعة ~~التي منها قتلة وسراق وزناة إلا من تاب، وبين قوله: اضرب من قتل وسرق وزنى ~~إلا من تاب، فوجب اشتراكهما في عود الاستثناء إلى الجميع. # وهي غير صحيحة، وذلك لأنه إن قيل ms467 إنه لا فارق بين الجملة والجملتين في ~~أمر ما لزم أن يكون المتكثر واحدا والواحد متكثرا، وهو محال. # وإن قيل بالفرق فلا بد من جامع موجب للاشتراك في الحكم. # ومع ذلك فحاصله يرجع إلى القياس في اللغة، ولا سبيل إليه لما تقدم. # PageV02P301 # الحجة الثانية: أن الإجماع منعقد على أنه لو قال: والله لا أكلت الطعام، ~~ولا دخلت الدار، ولا كلمت زيدا واستثنى بقوله: إن شاء الله أنه يعود إلى ~~الجميع. # وهذه الحجة أيضا باطلة، فإن العلماء وإن أطلقوا لفظ الاستثناء على ~~التعليق على المشيئة فمجاز، وليس باستثناء حقيقة، بل ذلك شرط كما في قوله: ~~إن دخلت الدار، ويدل على كونه شرطا لا استثناء أنه يجوز دخوله على الواحد ~~مع أن الواحد لا يدخله الاستثناء، وذلك كقوله: أنت طالق إن شاء الله، ولو ~~قال: أنت طالق طلقة إلا طلقة لم يصح ووقع به طلقة. # وكذلك إذا قال: له علي درهم إلا درهما، وإذا كان شرطا فلا يلزم من عوده ~~إلى الجميع عود الاستثناء إلا بطريق القياس، ولا بد من جامع مؤثر. # ومع ذلك يكون قياسا في اللغة، وهو باطل بما سبق. # وبهذا يبطل إلحاقهم الاستثناء بالشرط، وهو قولهم: الاستثناء غير مستقل ~~بنفسه فكان عائدا إلى الكل كالشرط، وهو ما إذا قال: أكرم بني تميم وبني ~~ربيعة إن دخلوا الدار، كيف والفرق ظاهر؟ فإن الشرط وإن كان متأخرا في اللفظ ~~فهو متقدم في المعنى لوجوب تقدم الشرط على الجزاء، فقوله: أكرم بني تميم ~~وبني ربيعة إن دخلوا الدار في معنى قوله: إن دخل بنو تميم وبنو ربيعة الدار ~~فأكرمهم، ولو صرح بذلك كان صحيحا ولا كذلك في الاستثناء. # ولهذا، فإنه لو قال: إلا أن يتوبوا اضرب بني تميم وبني ربيعة لا يكون ~~صحيحا. # الحجة الثالثة: أن الحاجة قد تدعو إلى الاستثناء من جميع الجمل، وأهل ~~اللغة مطبقون على أن تكرار الاستثناء في كل جملة مستقبح ركيك مستثقل، وذلك ~~كما لو قال: إن دخل زيد الدار فاضربه إلا أن يتوب، وإن زنى فاضربه ms468 إلا أن ~~يتوب فلم يبق سوى تعقب الاستثناء للجملة الأخيرة. # ولقائل أن يقول: وإن كان ذلك مطولا غير أنه يعرف شمول الاستثناء للكل ~~بيقين فلا يكون مستقبحا، وإن كان مستقبحا، فإنما يمتنع أن لو كان وضع اللغة ~~مشروطا بالمستحسن وهو غير مسلم. # ودليله أنه لو وقع الاستثناء كذلك، فإنه يصح لغة ويثبت حكمه، ولولا أنه ~~من وضع اللغة لما كان كذلك. # PageV02P302 # الحجة الرابعة: أن الاستثناء صالح أن يعود إلى كل واحدة من الجمل، وليس ~~البعض أولى من البعض فوجب العود إلى الجميع كالعام. # ولقائل أن يقول: كونه صالحا للعود إلى الجميع غير موجب لذلك، ولهذا فإن ~~اللفظ إذا كان حقيقة في شيء ومجازا في شيء فهو صالح للحمل على المجاز، ولا ~~يجب حمله على المجاز. # وما ذكروه من الإلحاق بالعموم غير صحيح لما علم مرارا. # الحجة الخامسة: أنه لو قال: علي خمسة وخمسة إلا ستة، فإنه يصح. # ولو كان مختصا بالجملة الأخيرة لما صح؛ لكونه مستغرقا لها. # قلنا: لا نسلم صحة الاستثناء (على رأي لنا) . # وإن سلمنا، فإنما عاد إلى الجميع لقيام الدليل عليه، وذلك لأنه لا بد من ~~إعمال لفظه مع الإمكان، وقد تعذر استثناء الستة من الجملة الأخيرة؛ لكونه ~~مستغرقا لها، وهو صالح للعود إلى الجميع فحمل عليه، ومع قيام الدليل على ~~ذلك فلا نزاع، وإنما النزاع فيما إذا ورد الاستثناء مقارنا للجملة الأخيرة ~~من غير دليل يوجب عوده إلى ما تقدم. # الحجة السادسة: أنه لو قال القائل: بنو تميم وربيعة أكرموهم إلا الطوال، ~~فإن الاستثناء يعود إلى الجميع، فكذلك إذا تقدم الأمر بالإكرام ضرورة اتحاد ~~المعنى. # ولقائل أن يقول: حاصل ما ذكروه يرجع إلى القياس في اللغة، وهو باطل لما ~~علم كيف، والفرق ظاهر؟ ؛ لأنه إذا تأخر الأمر عن الجمل فقد اقترن باسم ~~الجميع، وهو قوله: أكرموهم بخلاف الأمر المتقدم، فإنه لم يتصل باسم ~~الفريقين، بل باسم الفريق الأول. # الحجة السابعة: أنه إذا قال القائل: اضربوا بني تميم وبني ربيعة إلا من ~~دخل الدار فمعناه من دخل ms469 من الفريقين. # ولقائل أن يقول: ليس تقدير هذا المعنى أولى من تقدير: إلا من دخل من ~~ربيعة. # وأما حجج القائلين بعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فمن جهة النص ~~والمعقول. # PageV02P303 # أما النص: فقوله - تعالى -: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ~~- إلا الذين تابوا} ، فإنه راجع إلى قوله: " وأولئك هم الفاسقون " ولم يرجع ~~إلى الجلد بالاتفاق. # وأيضا قوله - تعالى -: {فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} ، وقوله: ~~{إلا أن يصدقوا} راجع إلى الدية دون الإعتاق بالاتفاق. # قلنا: أما الآية الأولى، فلا نسلم اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة ~~منها، بل هو عائد إلى جميع الجمل عدا الجلد لدليل دل عليه، وهو المحافظة ~~على حق الآدمي. # أما الآية الأخرى، فإنما امتنع عود الاستثناء إلى الإعتاق؛ لأنه حق الله ~~- تعالى - وتصدق الولي لا يكون مسقطا لحق الله - تعالى -. # وأما من جهة المعقول فحجج: # الحجة الأولى: أن الاستثناء من الجملة إذا تعقبه استثناء كان الاستثناء ~~الثاني عائدا إلى الجملة الاستثنائية لا إلى الجملة الأولى، فدل على اختصاص ~~الاستثناء بالجملة المقارنة دون المتقدمة، وإلا كان عدم عوده على خلاف ~~الأصل، وذلك كما لو قال: له علي عشرة إلا أربعة إلا اثنين، فإن الاستثناء ~~الثاني يختص بالأربعة دون العشرة. # ولقائل أن يقول: الاستثناء الثاني، إما أن يكون بحرف عطف أو لا بحرف عطف. # فإن كان الأول، فهو راجع إلى الجملة المستثنى منها كقوله: له علي عشرة ~~إلا ثلاثة وإلا اثنين فيكون المقر به خمسة. # وإن كان الثاني كقوله: له علي عشرة إلا أربعة إلا اثنين، فإنما امتنع ~~عوده إلى الجملة المستثنى منها؛ لدليل لا لعدم اقتضائه لذلك لغة، وذلك أن ~~الاستثناء الثاني لو عاد إلى الجملة المستثنى منها، فإما أن يعود إليها لا ~~غير، أو إليها وإلى الاستثناء: الأول ممتنع؛ لأن الإجماع منعقد على دخول ~~الاستثناء الأول تحت الاستثناء الثاني، فقطعه عنه ورده إلى الجملة المستثنى ~~منها لا غير يكون على خلاف الإجماع، وإن كان عائدا ms470 إلى الاستثناء والمستثنى ~~منه فالمستثنى منه إثبات، فالاستثناء منه يكون نفيا؛ لأن الاستثناء من ~~الإثبات نفي، والاستثناء من الاستثناء يكون إثباتا؛ لأن الاستثناء من النفي ~~إثبات # PageV02P304 # على ما يأتي تقريره عن قريب، وذلك ممتنع لوجهين: الأول: أنه يلزم منه أن ~~يكون قد أثبت لعوده (1) إلى أحدهما مثل ما نفاه عن الآخر، ويكون جابرا ~~للنفي بالإثبات ويبقى ما كان متحققا قبل الاستثناء الثاني بحاله، وفيه ~~إلغاء الاستثناء الثاني، وخروجه عن التأثير، وهو خلاف الإجماع. # الوجه الثاني: أنه يلزم منه أن يكون بعوده إلى الجملة الأولى قد نفى عنها ~~مثل ما أثبته لها بعوده إلى الاستثناء الثاني، فيكون الاستثناء الواحد ~~مقتضيا لنفي شيء وإثباته بالنسبة إلى شيء واحد، وهو محال. # الحجة الثانية: أن الجملة الأخيرة حائلة بين الاستثناء والجملة الأولى، ~~فكان ذلك مانعا من العود إليها كالسكوت. # ولقائل أن يقول: إنما يصح ذلك أن لو لم يكن الكلام كله بمنزلة جملة ~~واحدة، وأما إذا كان كالجملة الواحدة، فلا. # الحجة الثالثة: أنه استثناء تعقب جملتين فلا يكون بظاهره عائدا إليهما، ~~كما لو قال: أنت طالق ثلاثا وثلاثا إلا أربعة، فإنه لا يعود إلى الجميع، ~~وإلا لوقع به طلقتان لا ثلاث طلقات. # قلنا: لا نسلم امتناع عوده إلى الجميع، بل هو عائد إلى الجميع، والواقع ~~طلقتان على رأي لنا. # وإن سلمنا امتناع عوده إلى الجميع؛ فلأن المعتبر من قوله: ثلاثا وثلاثا ~~إنما هو الجملة الأولى دون الثانية. # فلو عاد الاستثناء إليها لكان مستغرقا، وهو باطل. # الحجة الرابعة: أن دخول الجملة الأولى تحت لفظه معلوم، ودخولها تحت ~~الاستثناء مشكوك فيه، والشك لا يرفع اليقين. # قلنا: لا نسلم تيقن دخوله مع اتصال الاستثناء بالكلام، ثم وإن كان ذلك ~~مما يمنع من عود الاستثناء إلى الجمل المتقدمة فهو مانع من اختصاصه بالجملة ~~الأخيرة لجواز عوده بالدليل إلى الجملة المتقدمة دون المتأخرة، ثم يلزم منه ~~أن لا يعود الشرط والصفة على باقي الجمل لما ذكروه، وهو عائد عند أكثر ~~القائلين باختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة. PageV02P305 # الحجة الخامسة: أنه لما ms471 كان الاستثناء مما تدعو الحاجة إليه، ولا يستقل ~~بنفسه دعت الحاجة إلى عوده إلى غيره، وهذه الحاجة والضرورة مندفعة بعوده ~~إلى ما يليه فلا حاجة إلى عوده إلى غيره، إذ هو خارج عن محل الحاجة، وإنما ~~وجب اختصاصه بما يليه دون غيره لوجهين: # الأول: أنه إذا ثبت اختصاصه بجملة واحدة وجب عوده إلى ما يليه لامتناع ~~عوده إلى غيره بالإجماع. # الثاني: أنه قريب منه والقرب مرجح، ولهذا وجب عود الضمير في قولهم: جاء ~~زيد وعمرو أبوه منطلق إلى عمرو لكونه أقرب مذكور (1) ، فكان ما يلي الفعل ~~من الاسمين اللذين لا يظهر فيهما الإعراب بالفاعلية أولى كقولهم: ضربت سلمى ~~سعدى. # وهذه الحجة أيضا مدخولة؛ إذ لقائل أن يقول: ما ذكرتموه إنما يصح أن لو لم ~~تكن الحاجة ماسة إلى عود الاستثناء إلى كل ما تقدم، وذلك غير مسلم، وإذا ~~كانت الحاجة ماسة إلى عوده إلى كل ما تقدم فلا تكون الحاجة مندفعة بعوده ~~إلى ما يليه فقط. # ثم ما ذكرتموه منتقض بالشرط والصفة، وإن سلمنا أنه لا ضرورة، ولكن لم ~~قلتم بامتناع عوده إلى ما تقدم وإن لم تكن ثم ضرورة؟ ولهذا فإنه لو قام ~~دليل على إرادة عوده إلى الجميع، فإنه يكون عائدا إليه إجماعا، وإنما ~~الخلاف في كونه حقيقة في الكلام أم لا؟ # الحجة السادسة: ذكرها القلانسي وهي إن قال: نصب ما بعد الاستثناء في ~~الإثبات إنما كان بالفعل المتقدم بإعانة (إلا) على ما هو مذهب أكابر ~~البصريين، فلو قيل: إن الاستثناء يرجع إلى جميع الجمل لكان ما بعد (إلا) ~~منتصبا بالأفعال المقدرة في كل جملة، ويلزم منه اجتماع عاملين على معمول ~~واحد، وذلك لا يجوز؛ لأنه بتقدير مضادة أحد العاملين في عمله للعامل الآخر ~~يلزم منه أن يكون المعمول الواحد مرفوعا منصوبا معا، وذلك كما لو قلت: ما ~~زيد بذاهب ولا قام عمرو، وهو PageV02P306 # محال، ولأنه إما أن يكون كل واحد مستقلا بالأعمال، أو لا كل واحد منهما ~~مستقل أو المستقل البعض دون البعض. # فإن كان الأول، لزم ms472 من ذلك عدم استقلال كل واحد، ضرورة أنه لا معنى لكون ~~كل واحد مستقلا إلا أن الحكم ثبت به دون غيره. # وإن كان الثاني فهو خلاف الفرض، وإن كان الثالث فليس البعض أولى من ~~البعض. # ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه إذا قال: قام القوم إلا زيدا أن زيدا منصوب ~~بقام، وإن سلمنا أنه منصوب بقام، لكن بالفعل المحقق أو المقدر في كل جملة. # الأول مسلم، والثاني ممنوع. # والفعل المحقق غير زائد على واحد. # وأما حجج القائلين بالاشتراك فثلاثة: # الحجة الأولى: أنه يحسن الاستفهام من المتكلم عن إرادة عود الاستثناء إلى ~~ما يليه أو إلى الكل، ولو كان حقيقة في أحد هذه المحامل دون غيره لما حسن ~~ذلك، وذلك يدل على الاشتراك، وهذه الحجة مدخولة لجواز أن يكون الاستفهام ~~لعدم المعرفة بالمدلول الحقيقي والمجازي أصلا كما تقوله الواقفية، أو لأنه ~~حقيقة في البعض، مجاز في البعض، والاستفهام للحصول على اليقين ودفع البعيد ~~كما بيناه فيما تقدم. # الحجة الثانية: أنه يصح إطلاق الاستثناء وإرادة عوده إلى ما يليه، وإلى ~~الجمل كلها وإلى بعض الجمل المتقدمة دون البعض، بإجماع أهل اللغة، والأصل ~~في الإطلاق الحقيقة، والمعاني مختلفة فكان مشتركا. # ولقائل أن يقول: متى يكون الأصل في الإطلاق الحقيقة، إذا أفضى إلى ~~الاشتراك المخل بمقصود أهل الوضع من وضعهم أو إذا لم يفض إلى ذلك؟ الأول ~~ممنوع، والثاني مسلم. # ثم وإن كان ذلك هو الأصل مطلقا، غير أنه أمر ظني، ولم قلتم بإمكان التمسك ~~به فيما نحن فيه، على ما هو معلوم من قاعدة الواقفية؟ # الحجة الثالثة: أن الاستثناء فضلة لا تستقل بنفسها، فكان احتمال عوده إلى ~~ما يليه وإلى جميع الجمل مساويا، كالحال وظرف الزمان والمكان في قوله: ضربت ~~زيدا وعمرا قائما في الدار يوم الجمعة. # ولقائل أن يقول: لا نسلم صحة ما ذكره في الحال والظرف، بل هو عائد إلى ~~الكل أو ما يليه على اختلاف المذهبين، وإن سلم ذلك غير أنه آيل إلى القياس ~~في اللغة، وهو باطل كما سبق. ms473 # PageV02P307 ### | [المسألة الخامسة الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات] # المسألة الخامسة # مذهب أصحابنا أن الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات خلافا لأبي ~~حنيفة. # ودليلنا في ذلك أن القائل إذا قال: لا إله إلا الله كان موحدا مثبتا ~~للألوهية لله - سبحانه وتعالى - ونافيا لها عما سواه. # ولو كان نافيا للألوهية عما سوى الرب - تعالى - غير مثبت لها بالنسبة إلى ~~الرب - تعالى - لما كان ذلك توحيدا لله - تعالى - لعدم إشعار لفظه بإثبات ~~الألوهية لله - تعالى - وذلك خلاف الإجماع. # وأيضا فإنه إذا قال القائل: لا عالم في البلد إلا زيد كان ذلك من أدل ~~الألفاظ على علم زيد وفضيلته، وكان ذلك متبادرا إلى فهم كل سامع لغوي، ولو ~~كان نافيا للعلم عما سوى زيد، غير مثبت للعلم لزيد لما كان كذلك. # وعلى هذا النحو في كل ما هو من هذا القبيل. # فإن قيل: لو كان الاستثناء من النفي إثباتا لكان قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " «لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بولي ولا تبيعوا البر بالبر إلا ~~سواء بسواء» " مقتضيا تحقق الصلاة عند وجود الطهور، والنكاح عند وجود ~~الولي، والبيع عند المساواة، ولما لم يكن كذلك علم أن المراد بالاستثناء ~~إخراج المستثنى عن دخوله في المستثنى منه، وأنه غير متعرض لنفيه ولا ~~إثباته. # قلنا: الطهور والولي والمساواة لا يصدق عليه اسم ما استثني منه فكان ~~استثناء من غير الجنس، وهو باطل بما تقدم، وإنما سيق ذلك لبيان اشتراط ~~الطهور في الصلاة، والولي في النكاح، والمساواة في صحة بيع البر بالبر. # والشرط وإن لزم من فواته فوات المشروط، فلا يلزم من وجوده وجود المشروط ~~لجواز انتفاء المقتضي أو فوات شرط آخر أو وجود مانع، والله أعلم. # PageV02P308 ### | [النوع الثاني التخصيص بالشرط] # والنظر في حده وأقسامه وصيغ الشرط اللغوي وأحكامه # أما حده، قال الغزالي: هو ما لا يوجد المشروط دونه، ولا يلزم أن يوجد عند ~~وجوده، وهو فاسد من وجهين: الأول: أن فيه تعريف الشرط بالمشروط، والمشروط ~~مشتق من الشرط فكان أخفى من الشرط، ms474 وتعريف الشيء بما هو أخفى منه ممتنع. # الثاني: أنه يلزم عليه جزء السبب إذا اتحد، فإنه لا يوجد الحكم دونه ولا ~~يلزم من وجود الحكم عند وجوده، وليس بشرط (1) . # وقال بعض أصحابنا: الشرط هو الذي يتوقف عليه تأثير المؤثر في تأثيره لا ~~في ذاته (2) . # وهو فاسد أيضا، فإن الحياة القديمة شرط في وجود علم الباري - تعالى - ~~وكونه عالما ولا تأثير ولا مؤثر. # والحق في ذلك أن يقال: الشرط هو ما يلزم من نفيه نفي أمر ما على وجه لا ~~يكون سببا لوجوده ولا داخلا في السبب. # ويدخل في هذا الحد شرط الحكم، وهو ظاهر وشرط السبب من حيث إنه يلزم من ~~نفي شرط السبب انتفاء السبب، وليس هو سبب السبب ولا جزءه، وفيه احتراز عن ~~انتفاء الحكم لانتفاء مداركه، وعن انتفاء المدرك المعين وجزئه. # وهو منقسم إلى شرط عقلي كالحياة للعلم والإرادة، وإلى شرعي، كالطهارة ~~للصلاة، والإحصان للرجم. وإلى لغوي، وصيغه كثيرة وهي: إن الخفيفة وإذا ومن ~~وما ومهما وحيثما وأينما وإذما. PageV02P309 # وأم هذه الصيغ (إن) الشرطية؛ لأنها حرف، وما عداها من أدوات الشرط أسماء. # والأصل في إفادة المعاني للأسماء إنما هو الحروف (1) ولأنها تستعمل في ~~جميع صور الشرط بخلاف أخواتها، فإن كل واحدة منها تختص بمعنى لا تجري في ~~غيره، (فمن) لمن يعقل، و (ما) لما لا يعقل، و (إذا) لما لا بد من وقوعه ~~كقولك: إذا احمر البسر فأتنا ونحو ذلك. # وأما أحكامه: فمنها أنه يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه، وذلك ضربان: ~~الأول: أن يخرج منه ما علمنا خروجه بدليل آخر كقوله: أكرم بني تميم أبدا إن ~~استطعت، فإنه يخرج من الكلام حالة عدم الاستطاعة، وإن كان ذلك معلوما دون ~~قوله فيكون قوله مؤكدا. # الثاني: أنه يخرج منه ما لا يعلم خروجه دونه كقوله: أكرم بني تميم إن ~~دخلوا الدار، فإنه يخرج منه حالة عدم دخول الدار، ولولا الشرط لعم الإكرام ~~جميع الأحوال (2) ، ولم يكن العلم بعدم الإكرام حالة عدم دخول الدار حاصلا ~~لنا، فكان مخصصا ms475 للعموم. # وعلى كل تقدير، لا يخلو إما أن يتحد الشرط والمشروط، أو يتعدد المشروط أو ~~بالعكس، أو يتعددان معا (3) . # ، فإن اتحد الشرط والمشروط فمثاله ما سبق. # وأما إن اتحد الشرط وتعدد المشروط فإما أن تكون المشروطات على الجمع أو ~~على البدل، فإن كانت على الجمع كقوله: إن دخل زيد الدار فأعطه دينارا ~~ودرهما، وإن كانت على البدل كقوله: إن دخل زيد الدار فأعطه دينارا أو درهما ~~فالحكم كما لو اتحد المشروط. PageV02P310 # وأما إن تعدد الشرط واتحد المشروط فإما أن تكون الشروط على الجمع أو ~~البدل، فإن كان الأول فكقوله: أكرم بني تميم أبدا إن دخلوا الدار والسوق، ~~فمقتضى ذلك توقف الإكرام على اجتماع الشرطين، واختلاله باختلال أحدهما. # وإن كان على البدل كقوله: أكرم بني تميم إن دخلوا السوق أو الدار فمقتضى ~~ذلك توقف الإكرام على تحقق أحد الشرطين، واختلاله عند اختلالهما جميعا. # وأما إن تعدد الشرط والمشروط فإما أن يكون الشرط والمشروط على الجمع أو ~~البدل، أو الشرط على الجمع، والمشروطات على البدل أو بالعكس. # فإن كان القسم الأول، كقوله: إن دخل زيد الدار والسوق فأعطه درهما ~~ودينارا، فالإعطاء متوقف على اجتماع الشرطين ومختل باختلالهما أو باختلال ~~أحدهما. # وإن كان القسم الثاني، فكقوله: إن دخل زيد الدار أو السوق فأعطه درهما أو ~~دينارا، فإعطاء أحد الأمرين متوقف على تحقق أحد الشرطين، واختلاله باختلال ~~مجموع الأمرين. # وإن كان القسم الثالث كقوله: إن دخل زيد الدار والسوق فأعطه درهما أو ~~دينارا فإعطاء أحد الأمرين متوقف على اجتماع الشرطين، واختلاله باختلال ~~أحدهما. # وإن كان الرابع كقوله: إن دخل زيد الدار أو السوق فأعطه درهما ودينارا، ~~فإعطاء الأمرين متوقف على أحد الشرطين ومختل باختلالهما معا، وسواء كان ~~حصول الشرط دفعة أو لا دفعة، بل شيئا فشيئا. # ومن أحكامه: أنه لا بد من اتصاله بالمشروط لما تقدم في الاستثناء، وإنه ~~يجوز تقديمه على المشروط وتأخيره، وإن كان الوضع الطبيعي له إنما هو صدر ~~الكلام، والتقدم على المشروط لفظا لكونه متقدما عليه في الوجود طبعا. # ولو ms476 تعقب الشرط للجمل المتعاقبة فقد اتفق الشافعي وأبو حنيفة على عوده، ~~خلافا لبعض النحاة في اعتقاده اختصاصه بالجملة التي تليه كانت متقدمة أو ~~متأخرة. # والكلام في الطرفين فعلى ما سبق في الاستثناء. # والمختار كالمختار، ولا يخفى وجهه. # PageV02P311 ### | [النوع الثالث تخصيص العام بالصفة] # وهي لا تخلو إما أن تكون مذكورة عقب جملة واحدة أو جمل: فإن كان الأول ~~كقوله: أكرم بني تميم الطوال، فإنه يقتضي اختصاص الإكرام بالطوال منهم، ~~ولولا ذلك لعم الطوال والقصار، فكانت الصفة مخرجة لبعض ما كان داخلا تحت ~~اللفظ لولا الصفة (1) . # وإن كان الثاني كقوله: أكرم بني تميم وبني ربيعة الطوال، فالكلام في عود ~~الصفة إلى ما يليها أو إلى الجميع كالكلام في الاستثناء. PageV02P312 ### | [النوع الرابع التخصيص بالغاية] # وصيغها إلى وحتى ولا بد، وأن يكون حكم ما بعدها مخالفا لما قبلها، وإلا ~~كانت الغاية وسطا وخرجت عن كونها غاية، ولزم من ذلك إلغاء دلالة إلى وحتى، ~~وهي لا تخلو أيضا إما أن تكون مذكورة عقب جملة واحدة أو جمل متعددة. # فإن كان الأول فإما أن تكون الغاية واحدة أو متعددة. # فإن كانت واحدة كقوله: أكرم بني تميم أبدا إلى أن يدخلوا الدار، فإن دخول ~~الدار يقتضي اختصاص الإكرام بما قبل الدخول، وإخراج ما بعد الدخول عن عموم ~~اللفظ، ولولا ذلك لعم الإكرام حالة ما بعد الدخول. # وإن كانت متعددة فلا يخلو إما أن تكون على الجمع أو على البدل، فالأول ~~كقوله: أكرم بني تميم أبدا إلى أن يدخلوا الدار، ويأكلوا الطعام، فمقتضى ~~ذلك استمرار الإكرام إلى تمام الغايتين دون ما بعدهما. # والثاني كقوله: أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا الدار أو السوق، فمقتضى ذلك ~~استمرار الإكرام إلى انتهاء إحدى الغايتين، أيهما كانت، دون ما بعدها. # وأما إن كانت الغاية مذكورة عقب جمل متعددة، فالكلام في اختصاصها بما ~~يليها وفي عودها إلى جميع الجمل، كالكلام في الاستثناء، وسواء كانت الغاية ~~واحدة أو متعددة على الجمع أو البدل، ولا تخفى أمثلتها، ووجه الكلام فيها، ~~وسواء كانت الغاية معلومة الوقوع ms477 في وقتها كقوله: إلى أن تطلع الشمس، أو ~~غير معلومة الوقت كقوله: إلى دخول الدار. # PageV02P313 ### | [القسم الثاني في التخصيص بالأدلة المنفصلة] ### | [المسألة الأولى جواز تخصيص العموم بالدليل العقلي] # القسم الثاني # في التخصيص بالأدلة المنفصلة # وفيه أربع عشرة مسألة # المسألة الأولى # مذهب الجمهور من العلماء جواز تخصيص العموم بالدليل العقلي، خلافا لطائفة ~~شاذة من المتكلمين. ودليل ذلك أن قوله - تعالى -: {الله خالق كل شيء} وقوله ~~{وهو على كل شيء قدير} متناول بعموم لفظه لغة كل شيء مع أن ذاته وصفاته ~~أشياء حقيقة، وليس خالقا لها ولا هي مقدورة له لاستحالة خلق القديم (1) ~~الواجب لذاته واستحالة كونه مقدورا بضرورة العقل، فقد خرجت ذاته وصفاته ~~بدلالة ضرورة العقل عن عموم اللفظ، وذلك مما لا خلاف فيه بين العقلاء، ولا ~~نعني بالتخصيص سوى ذلك، فمن خالف في كون دليل العقل مخصصا مع ذلك فهو موافق ~~على معنى التخصيص ومخالف في التسمية. # وكذلك قوله - تعالى -: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} ، ~~فإن الصبي والمجنون من الناس حقيقة، وهما غير مرادين من العموم بدلالة نظر ~~العقل على امتناع تكليف من لا يفهم، ولا معنى للتخصيص سوى ذلك. # فإن قيل: نحن لا ننكر أن ذات الباري - تعالى - وصفاته، وأن الصبي ~~والمجنون مما لم يرد باللفظ، وإنما ننكر كون دليل العقل مخصصا لثلاثة أوجه: ~~PageV02P314 # الأول: أن التخصيص إخراج بعض ما تناوله اللفظ عنه وهو غير متصور فيما ~~ذكرتموه، وبيانه أن دلالات الألفاظ على المعاني ليست لذواتها وإلا كانت ~~دالة عليها قبل الموضعة، وإنما دلالتها تابعة لمقصد المتكلم وإرادته، ونحن ~~نعلم بالضرورة أن المتكلم لا يريد بلفظه الدلالة على ما هو مخالف لصريح ~~العقل، فلا يكون لفظه دالا عليه لغة ومع عدم الدلالة اللغوية على الصورة ~~المخرجة لا يكون تخصيصا. # الثاني أن التخصيص بيان والمخصص مبين، والبيان إنما يكون بعد سابقة ~~الإشكال فيجب أن يكون البيان متأخرا عن المبين، ودليل العقل سابق فلا يكون ~~مبينا ولا مخصصا كالاستثناء المتقدم. # الثالث: أن التخصيص بيان فلا يجوز بالعقل ms478 كالنسخ، ثم وإن سلمنا دلالة ~~اللفظ لغة على ما ذكرتموه وجواز كون المخصص متقدما، ولكن ما المانع أن تكون ~~صحة الاحتجاج بالدليل العقلي مشروطة بعدم معارضة عموم الكتاب له؟ وبتقدير ~~الاشتراط لذلك لا يكون حجة في التمسك به على الكتاب. # وإن سلمنا صحة التخصيص في الآيتين المذكورتين أولا، ولكن لا نسلم صحة ~~تخصيص الصبي والمجنون عن عموم آية الحج، فإن ما ذكرتموه مبني على امتناع ~~خطابهما وكيف يمكن دعوى ذلك مع دخولهما تحت الخطاب بأروش الجنايات وقيم ~~المتلفات، وإجماع الفقهاء على صحة صلاة الصبي واختلافهم في صحة إسلامه، ~~ولولا إمكان دخوله تحت الخطاب لما كان كذلك. # والجواب عن الأول، قولهم: إن دلالات الألفاظ ليست لذواتها مسلم، وإنه لا ~~بد (1) في دلالتها من قصد الواضع لها دالة على المعنى. # قولهم: العاقل لا يقصد بلفظه (2) الدلالة على ما هو ممتنع بصريح العقل. # قلنا: ذلك ممتنع بالنظر إلى ما وضع اللفظ عليه لغة بالنظر إلى إرادته من ~~اللفظ، الأول ممنوع، والثاني مسلم. # وعند ذلك فلا منافاة بين كون اللفظ دالا على المعنى لغة وبين كونه غير ~~مراد من اللفظ. PageV02P315 # قولهم: إن حق المخصص أن يكون متأخرا عما خصصه. # قلنا: يجب أن يكون متأخرا بالنظر إلى ذاته أو بالنظر إلى صفته، وهو كونه ~~مبينا ومخصصا، الأول ممنوع والثاني مسلم. # وذلك لأن دليل العقل وإن كان متقدما في ذاته على الخطاب المفروض، غير أنه ~~لا يوصف قبل ذلك بكونه مخصصا لما لم يوجد، وإنما يصير مخصصا ومبينا بعد ~~وجود الخطاب. # وأما الاستثناء، فإنما لم يجز تقديمه؛ لأن المتكلم به لا يعد متكلما ~~بكلام أهل اللغة كما إذا قال: إلا زيدا، ثم قال بعد ذلك: قام القوم. # وهذا بخلاف التخصيص، فإنه إذا قال: {الله خالق كل شيء} وقام الدليل ~~العقلي على أنه لم يرد بكلامه ذات (1) الباري - تعالى - فإنه لا يخرج بذلك ~~الكلام عن كونه متكلما بكلام العرب. # وأما امتناع النسخ بالعقل، فإنما كان من جهة أن الناسخ معرف لبيان مدة ~~الحكم المقصودة في نظر الشارع، ms479 وذلك ما لا سبيل إلى الاطلاع عليه بمجرد ~~العقل بخلاف معرفة استحالة كون ذات الرب - تعالى - مخلوقة مقدورة. # قولهم: ما المانع أن يكون التمسك بدليل العقل مشروطا بعدم معارضة الكتاب ~~له؟ # قلنا: إذا وقع التعارض بينهما، وأحدهما مقتض للإثبات والآخر للنفي، فلا ~~سبيل إلى الجمع بين موجبيهما؛ لما فيه من التناقض، ولا إلى نفيهما لما فيه ~~من وجود واسطة بين النفي والإثبات، فلم يبق إلا العمل بأحدهما والعمل بعموم ~~اللفظ مما يبطل دلالة صريح العقل بالكلية، وهو محال، والعمل بدليل العقل لا ~~يبطل عموم الكتاب بالكلية، بل غايته إخراج بعض ما تناوله اللفظ من جهة ~~اللغة عن كونه مرادا للمتكلم، وهو غير ممتنع فكان العمل بدليل العقل ~~متعينا. PageV02P316 # قولهم: إن الصبي والمجنون داخلان تحت الخطاب بأروش الجنايات وقيم ~~المتلفات ليس كذلك. # فإنا إن نظرنا إلى تعلق الحق بمالهما فهو ثابت بخطاب الوضع والأخبار، وهو ~~غير متعلق بالصبي والمجنون، وإن نظرنا إلى وجوب الأداء الثابت بخطاب ~~التكليف فهو متعلق بفعل وليهما لا بفعلهما. # وأما صحة صلاة الصبي، واختلاف الناس في صحة إسلامه فلا يدل ذلك على كونه ~~داخلا تحت خطاب التكليف بالصلاة والإسلام. # أما صحة الصلاة فمعناها انعقادها سببا لثوابه، وسقوط الخطاب عنه بها إذا ~~صلى في أول الوقت وبلغ في آخره، لا بمعنى أنه امتثل أمر الشارع حتى يكون ~~داخلا تحت خطاب التكليف من الشارع، بل إن كان ولا بد فهو داخل تحت الولي ~~لفهمه بخطابه دون خطاب الشرع. # وعلى هذا يكون الجواب عن صحة إسلامه عند من يقول بذلك، وبتقدير امتناع ~~تخصيص الصبي بدليل العقل مع تسليم جواز التخصيص به في الجملة كما تقدم ~~بيانه، فغير مضر ولا قادح (1) ، فإنه ليس ذلك في آحاد الصور. # وكما أن دليل العقل (قد) يكون مخصصا للعموم فكذلك دليل الحس، وذلك كما ~~تقدم في قوله - تعالى -: {تدمر كل شيء} مع خروج السماوات والأرض عن ذلك ~~حسا، وكذلك قوله - تعالى -: {ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم} ، ~~وقد أتت على الأرض والجبال ms480 ولم تجعلها رميما بدلالة الحس، فكان الحس هو ~~الدال على أن ما خرج عن عموم اللفظ لم يكن مرادا للمتكلم؛ فكان مخصصا. ~~PageV02P317 ### | [المسألة الثانية جواز تخصيص الكتاب بالكتاب] # المسألة الثانية # اتفق العلماء على جواز تخصيص الكتاب بالكتاب خلافا لبعض الطوائف، ودليله ~~المنقول والمعقول. # أما المنقول: فهو أن قوله: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} ورد ~~مخصصا لقوله - تعالى -: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن ~~أربعة أشهر وعشرا} ، وقوله - تعالى -: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم} ورد مخصصا لقوله - تعالى -: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} ، ~~والوقوع دليل الجواز. # وأما المعقول: فهو أنه إذا اجتمع نصان من الكتاب أحدهما عام والآخر خاص ~~وتعذر الجمع بين حكميهما فإما أن يعمل بالعام أو الخاص، فإن عمل بالعام لزم ~~منه إبطال الدليل الخاص مطلقا، ولو عمل بالخاص لا يلزم منه إبطال العام ~~مطلقا لإمكان العمل به فيما خرج عنه كما سبق فكان العمل بالخاص أولى، ولأن ~~الخاص أقوى في دلالته وأغلب على الظن لبعده عن احتمال التخصيص بخلاف العام، ~~فكان أولى بالعمل. # وعند ذلك، فإما أن يكون الدليل الخاص المعمول به ناسخا لحكم العام في ~~الصورة الخارجة عنه أو مخصصا له، والتخصيص أولى من النسخ لثلاثة أوجه: ~~الأول، أن النسخ يستدعي ثبوت أصل الحكم في الصورة الخاصة ورفعه بعد ثبوته، ~~والتخصيص ليس فيه سوى دلالته على عدم إرادة المتكلم للصور المفروضة بلفظ ~~العام، فكان ما يتوقف عليه النسخ أكثر مما يتوقف عليه التخصيص فكان التخصيص ~~أولى. # الثاني: أن النسخ رفع بعد الإثبات، والتخصيص منع من الإثبات، والدفع أسهل ~~من الرفع. # الثالث: أن وقوع التخصيص في الشرع أغلب من النسخ فكان الحمل على التخصيص ~~أولى إدراجا له تحت الأغلب، وسواء جهل التاريخ أو علم، وسواء كان الخاص ~~متقدما أو متأخرا. # PageV02P318 # فإن قيل: لو كان الكتاب مبينا للكتاب لخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عن كونه مبينا للكتاب، وهو خلاف قوله - تعالى -: {لتبين للناس ما نزل ~~إليهم} ، وهو ممتنع. # قلنا: إضافة البيان إلى النبي - صلى ms481 الله عليه وسلم - ليس فيه ما يمنع من ~~كونه مبينا للكتاب بالكتاب إذ الكل وارد على لسانه، فذكره الآية المخصصة ~~يكون بيانا منه ويجب حمل وصفه بكونه مبينا على أن البيان وارد على لسانه، ~~كان الوارد على لسانه الكتاب أو السنة لما فيه من موافقة عموم قوله - تعالى ~~-: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} ، فإن مقتضاه أن يكون الكتاب مبينا ~~لكل ما هو من الكتاب، لكونه شيئا، غير أنا خالفناه في البعض فيجب بالبعض ~~الآخر تقليلا لمخالفة الدليل العام. # فإن قيل: ما ذكرتموه وإن صح فيما إذا كان الخاص متأخرا فلا يصح فيما إذا ~~جهل التاريخ، وذلك؛ لأنه يحتمل أن يكون الخاص مقدما فيكون العام بعده ناسخا ~~له، ويحتمل أن يكون العام متقدما فيكون الخاص مخصصا له ولم يترجح أحدهما ~~على الآخر، فوجب التعاون (1) والتساقط والرجوع إلى دليل آخر كما ذهب إليه ~~أبو حنيفة والقاضي أبو بكر والإمام أبو المعالي. # وإن سلمنا كون الخاص مخصصا مع الجهل بالتاريخ فلا يصح فيما إذا كان العام ~~متأخرا عن الخاص، فإنه يتعين أن يكون ناسخا لمدلول الخاص، لا أن يكون الخاص ~~مخصصا للعام على ما ذهب إليه أصحاب أبي حنيفة وبعض المعتزلة. # وبيانه من أربعة أوجه: الأول أنه إذا قال: اقتلوا المشركين، فهو جار مجرى ~~قوله: اقتلوا زيدا المشرك وعمرا المشرك وخالدا، وهلم جرا. # فإذا الخاص كقوله: اقتلوا زيدا المشرك إذا ورد العام بعده بنفي القتل عن ~~الجميع فهو ناص على زيد، ولو قال: اقتلوا زيدا ولا تقتلوا زيدا كان ناسخا ~~له. # الثاني: أن الخاص المتقدم يمكن نسخه، والعام الوارد بعده مما يمكن أن ~~يكون ناسخا فكان ناسخا. PageV02P319 # الثالث: هو أن الخاص المتقدم متردد بين كونه منسوخا ومخصصا لما بعده، ~~وذلك مما يمنع من كونه مخصصا؛ لأن البيان لا يكون ملتبسا. # الرابع: قول ابن عباس: كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث، والعام المتأخر أحدث ~~فوجب الأخذ به. # قلنا: أما الجواب عن التعارض عند الجهل بالتاريخ فيما ذكرناه من الأدلة ~~السابقة على الترجيح. # وأما الجواب عن ms482 حجج أصحاب أبي حنيفة: أما عن الأول فيمتنع كون العام في ~~تناوله لما تحته من الأشخاص جار مجرى الألفاظ الخاصة، إذ الألفاظ الخاصة ~~بكل واحد غير قابلة للتخصيص بخلاف اللفظ العام. # وعن الثاني: أنه لا يلزم من إمكان نسخه للخاص الوقوع، ولو لزم من الإمكان ~~الوقوع للزم أن يكون الخاص مخصصا للعام لإمكان كونه مخصصا له ويلزم من ذلك ~~أن يكون الخاص منسوخا ومخصصا لناسخه، وهو محال. # وعن الثالث: أنهم إن أرادوا بتردد الخاص بين كونه منسوخا ومخصصا أن ~~احتمال التخصيص مساو لاحتمال النسخ فهو ممنوع لما تقدم. # وإن أرادوا بذلك تطرق الاحتمالين إليه في الجملة فذلك لا يمنع من كونه ~~مخصصا. # ولو منع ذلك من كونه مخصصا لمنع تطرق احتمال كون العام مخصصا بالخاص إليه ~~من كونه ناسخا. # وعن الرابع: أنه قول واحد من الصحابة فيجب حمله على ما إذا كان الأحدث هو ~~الخاص جمعا بين الأدلة. # PageV02P320 ### | [المسألة الثالثة تخصيص السنة بالسنة] # المسألة الثالثة # تخصيص السنة بالسنة جائز عند الأكثرين، ودليله المعقول والمنقول. # أما المعقول فما ذكرناه في تخصيص الكتاب بالكتاب، وأما المنقول فهو أن ~~قوله - صلى الله عليه وسلم: " «لا زكاة فيما دون خمسة أوسق» " ورد مخصصا ~~لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم: " فيما سقت السماء العشر "، فإنه عام في ~~النصاب وما دونه، وقوله - تعالى -: {لتبين للناس ما نزل إليهم} مما لا يمنع ~~من كونه مبينا لما ورد على لسانه من السنة بسنة أخرى كما ذكرناه في تخصيص ~~الكتاب بالكتاب. ### | [المسألة الرابعة تخصيص عموم السنة بخصوص القرآن] # المسألة الرابعة # يجوز تخصيص عموم السنة بخصوص القرآن عندنا، وعند أكثر الفقهاء ~~والمتكلمين، ومنهم من منع ذلك، ودليله العقل والنقل. # أما النقل فقوله - تعالى -: {وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} ، وسنة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأشياء فكانت داخلة تحت العموم، إلا ~~أنه قد خص في البعض فيلزم العمل به في الباقي. # وأما المعقول فما ذكرناه في تخصيص الكتاب بالكتاب. # فإن قيل: الآية معارضة بقوله - تعالى -: {لتبين للناس ما ms483 نزل إليهم} ، ~~ووجه الاحتجاج به أنه جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مبينا للكتاب ~~المنزل، وذلك إنما يكون بسنته. # فلو كان الكتاب مبينا للسنة لكان المبين بالسنة مبينا لها، وهو ممتنع. # وأيضا فإن المبين أصل، والبيان تبع له ومقصود من أجله، فلو كان القرآن ~~مبينا للسنة لكانت السنة أصلا والقرآن تبعا، وهو محال. # وجواب الآية، أنه لا يلزم من وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - بكونه ~~مبينا لما أنزل امتناع كونه مبينا للسنة بما يرد على لسانه من القرآن، إذ ~~السنة أيضا منزلة على ما قال - تعالى -: {وما ينطق عن الهوى - إن هو إلا ~~وحي يوحى} غير أن الوحي منه ما يتلى فيسمى كتابا، ومنه ما لا يتلى فيسمى ~~سنة، وبيان أحد المنزلين بالآخر غير ممتنع. # PageV02P321 # وما ذكروه من المعنى فغير صحيح، فإن القرآن لا بد وأن يكون مبينا لشيء ~~ضرورة قوله - تعالى -: {تبيانا لكل شيء} وأي شيء قدر كون القرآن مبينا له ~~فليس القرآن تبعا له، ولا ذلك الشيء متبوعا. # وأيضا فإن الدليل القطعي قد يبين به مراد الدليل الظني، وليس منحطا عن ~~رتبة الظني. ### | [المسألة الخامسة تخصيص عموم القرآن بالسنة] # المسألة الخامسة # يجوز تخصيص عموم القرآن بالسنة، أما إذا كانت السنة متواترة فلم أعرف فيه ~~خلافا، ويدل على جواز ذلك ما مر من الدليل العقلي. # وأما إذا كانت السنة من أخبار الآحاد، فمذهب الأئمة الأربعة جوازه، ومن ~~الناس من منع ذلك مطلقا، ومنهم من فصل، وهؤلاء اختلفوا فذهب عيسى بن أبان ~~إلى أنه إن كان قد خص بدليل مقطوع به جاز تخصيصه بخبر الواحد، وإلا فلا. # وذهب الكرخي إلى أنه إن كان قد خص بدليل منفصل لا متصل جاز تخصيصه بخبر ~~الواحد وإلا فلا، وذهب القاضي أبو بكر إلى الوقف. # والمختار مذهب الأئمة، ودليله العقل والنقل. # أما النقل فهو أن الصحابة خصوا قوله - تعالى -: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ~~بما رواه أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله: " «لا تنكح ~~المرأة على عمتها ولا خالتها» ms484 " (1) . # وخصوا قوله - تعالى -: {يوصيكم الله في أولادكم} الآية، بقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " «لا يرث القاتل (2) ، ولا يرث الكافر من المسلم، ولا المسلم ~~من الكافر» ". (3) PageV02P322 # وبما رواه أبو بكر من قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «نحن معاشر ~~الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» " (1) ، وخصوا قوله - تعالى -: {كن نساء ~~فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«أنه جعل للجدة السدس» (2) ، وخصوا قوله - تعالى -: {وأحل الله البيع} بما ~~روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه «نهى عن بيع الدرهم بالدرهمين» . (3) # ، وخصوا قوله - تعالى -: {والسارق والسارقة} وأخرجوا منه ما دون النصاب ~~بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا» " (4) ، ~~وخصوا قوله - تعالى -: (اقتلوا المشركين) بإخراج المجوس منه بما روي عنه - ~~عليه السلام - أنه قال: " «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» " إلى غير ذلك من ~~الصور المتعددة، ولم يوجد لما فعلوه نكير فكان ذلك إجماعا. # والوقوع دليل الجواز وزيادة. # وأما المعقول: فما ذكرناه فيما تقدم في تخصيص الكتاب بالكتاب. # فإن قيل: ما ذكرتموه من التخصيص في الصور المذكورة لا نسلم أن تخصيصها ~~كان بخبر الواحد، ويدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم: " «إذا روي عني ~~حديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فاقبلوه وما خالفه فردوه» " والخبر ~~فيما نحن فيه مخالف للكتاب فكان مردودا. (5) . PageV02P323 # قولهم: إن الصحابة أجمعوا على ذلك إن لم يصح فليس بحجة، وإن صح فالتخصيص ~~بإجماعهم عليه لا بخبر الواحد. # كيف وإنه لا إجماع على ذلك؟ # PageV02P324 # ويدل عليه ما روي «عن عمر بن الخطاب أنه كذب فاطمة بنت قيس فيما روته عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، لما كان ذلك ~~مخصصا لعموم قوله - تعالى -: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} وقال: كيف ~~نترك كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة» ؟ (1) # وإن سلمنا الإجماع على أن التخصيص كان بخبر الواحد، لكن ليس في ذلك ما ~~يدل على أن قول الواحد بمجرده مخصص، بل ربما قامت الحجة ms485 عندهم على صدقه ~~وصحة قوله بقرائن وأدلة اقترنت بقوله فلا يكون مجرد إخباره حجة. # وأما ما ذكرتموه من المعقول، فنقول: خبر الواحد، وإن كان نصا في مدلوله ~~نظرا إلى متنه غير أن سنده مظنون محتمل للكذب بخلاف القرآن المتواتر، فإنه ~~قطعي السند وقطعي في دلالته على كل واحد من الآحاد الداخلة فيه لما بيناه ~~في المسألة المتقدمة، فلا يكون خبر الواحد واقعا في معارضته كما في النسخ. # وإن سلمنا أن العموم ظني الدلالة بالنسبة إلى آحاده، لكن متى إذا خص ~~بدليل مقطوع على ما قاله عيسى بن أبان أو بدليل منفصل على ما قاله الكرخي ~~أو قبل التخصيص؟ الأول مسلم لكونه صار مجازا ظنيا، والثاني ممنوع لبقائه ~~على حقيقته، وعند ذلك فيمتنع التخصيص بخبر الواحد مطلقا لترجيح العام عليه ~~قبل التخصيص، بكونه قاطعا في متنه وسنده. PageV02P325 # وإن سلمنا أن دلالة العام بالنظر إلى متنه ظنية مطلقا غير أنه قطعي السند ~~والخبر، وإن كان قاطعا في متنه فظني في سنده فقد تقابلا وتعارضا ووجب ~~التوقف على دليل خارج لعدم أولوية أحدهما كما قاله القاضي أبو بكر. # والجواب قد بينا أن الصحابة أجمعوا على تخصيص العمومات بأخبار الآحاد حيث ~~إنهم أضافوا التخصيص إليها من غير نكير فكان إجماعا. # وما ذكروه من الخبر، فإنما يمنع من تخصيص عموم القرآن بالخبر أن لو كان ~~الخبر المخصص مخالفا للقرآن، وهو غير مسلم، بل هو مبين للمراد منه فكان ~~مقررا لا مخالفا، ويجب اعتقاد ذلك حتى لا يفضي إلى تخصيص (1) ما ذكروه من ~~الخبر بالخبر المتواتر من السنة، فإنه مخصص للقرآن من غير خلاف. # قولهم: إن صح إجماع الصحابة فالتخصيص بإجماعهم لا بالخبر ليس كذلك، فإن ~~إجماعهم لم يكن على تخصيص تلك العمومات مطلقا، بل على تخصيصها بأخبار ~~الآحاد، ومهما كان التخصيص بأخبار الآحاد مجمعا عليه فهو المطلوب. # وأما ما ذكروه من تكذيب عمر لفاطمة بنت قيس فلم يكن ذلك لأن خبر الواحد ~~في تخصيص العموم مردود عنده، بل لتردده في صدقها ولهذا قال: كيف نترك ms486 كتاب ~~ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت؟ ولو كان خبر الواحد في ~~ذلك مردودا مطلقا لما احتاج إلى هذا التعليل. # قولهم: لم يكن إجماعهم على ذلك لمجرد خبر الواحد. # قلنا: ونحن لا نقول بأن مجرد خبر الواحد يكون مقبولا، بل إنما يقبل إذا ~~كان مغلبا على الظن صدقه، ومع ذلك فالأصل عدم اعتبار ما سواه في القبول. # قولهم: إن سند الخبر ظني مسلم، ولكن لا نسلم أن دلالة العموم على الآحاد ~~الداخلة فيه قطعية، لاحتماله للتخصيص بالنسبة إلى أي واحد منها قدر، وسواء ~~كان قد خص أو لم يكن على ما سبق بيانه. PageV02P326 # وأما النسخ فلا نسلم امتناعه بخبر الواحد، وبتقدير التسليم فلأن النسخ ~~رفع للحكم بعد إثباته بخلاف التخصيص؛ لأنه بيان لا رفع فلا يلزم مع ذلك من ~~امتناع النسخ به امتناع التخصيص. # وما ذكروه من السؤال الأخير في جهة التعارض، فجوابه أن احتمال الضعف في ~~خبر الواحد من جهة كذبه، وفي العام من جهة جواز تخصيصه، ولا يخفى أن احتمال ~~الكذب في حق من ظهرت عدالته أبعد من احتمال التخصيص العام. # ولهذا كانت أكثر العمومات مخصصة، وليس أكثر أخبار العدول كاذبة فكان ~~العمل بالخبر أولى، ولأنه لو عمل بعموم العام لزم إبطال العمل بالخبر ~~مطلقا، ولو عمل بالخبر لم يلزم منه إبطال العمل بالعام مطلقا لإمكان العمل ~~به فيما سوى صورة التخصيص، والجمع بين الدليلين ولو من وجه أولى من تعطيل ~~أحدهما، ولأن العمل بالعام إبطال للخاص، والعمل بالخاص بيان للعام لا إبطال ~~له. # ولا يخفى أن البيان أولى من الإبطال. ### | [المسألة السادسة تخصيص القرآن والسنة بالإجماع] # المسألة السادسة # لا أعرف خلافا في تخصيص القرآن والسنة بالإجماع، ودليله المنقول ~~والمعقول، أما المنقول، فهو أن إجماع الأمة خصص آية القذف بتنصيف الجلد في ~~حق العبد كالأمة. # وأما المعقول، فهو أن الإجماع دليل قاطع، والعام غير قاطع في آحاد ~~مسمياته كما سبق تعريفه. # فإذا رأينا أهل الإجماع قاضين بما يخالف العموم في بعض الصور علمنا أنهم ms487 ~~ما قضوا به إلا وقد اطلعوا على دليل مخصص له نفيا للخطأ عنهم. # وعلى هذا فمعنى إطلاقنا أن الإجماع مخصص للنص أنه معرف للدليل المخصص، لا ~~أنه في نفسه هو المخصص. # وبالنظر إلى هذا المعنى أيضا نقول: إنا إذا رأينا عمل الصحابة وأهل ~~الإجماع بما يخالف النص الخاص لا يكون ذلك إلا لاطلاعهم على ناسخ للنص، ~~فيكون الإجماع معرفا للناسخ، لا أنه ناسخ. # وإنما قلنا: إن الإجماع نفسه لا يكون ناسخا؛ لأن النسخ لا يكون بغير خطاب ~~الشارع، والإجماع ليس خطابا للشرع، وإن كان دليلا على الخطاب الناسخ. # PageV02P327 ### | [المسألة السابعة تخصيص العموم بالمفهوم] # المسألة السابعة # لا نعرف خلافا بين القائلين بالعموم، والمفهوم أنه يجوز تخصيص العموم ~~بالمفهوم، وسواء كان من قبيل مفهوم الموافقة أو من قبيل مفهوم المخالفة حتى ~~إنه لو قال السيد لعبده: كل من دخل داري فاضربه، ثم قال: إن دخل زيد داري ~~فلا تقل له: أف، فإن ذلك يدل على تحريم ضرب زيد وإخراجه عن العموم، نظرا ~~إلى مفهوم الموافقة وما سيق له الكلام من كف الأذى عن زيد، وسواء قيل إن ~~تحريم الضرب مستفاد من دلالة اللفظ أو من القياس الجلي على اختلاف المذاهب ~~في ذلك كما يأتي. # وكذا لو ورد نص عام يدل على وجوب الزكاة في الأنعام كلها، ثم ورد قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " «في الغنم السائمة زكاة» "، فإنه يكون مخصصا ~~للعموم بإخراج معلوفة الغنم عن وجوب الزكاة بمفهومه. # وإنما كان كذلك؛ لأن كل واحد من المفهومين دليل شرعي، وهو خاص في مورده ~~فوجب أن يكون مخصصا للعموم، لترجح دلالة الخاص على دلالة العام كما سبق ~~تقريره. # فإن قيل: المفهوم، وإن كان خاصا وأقوى في الدلالة من العموم إلا أن العام ~~منطوق به، والمنطوق أقوى في دلالته من المفهوم لافتقار المفهوم في دلالته ~~إلى المنطوق، وعدم افتقار المنطوق في دلالته إلى المفهوم. # قلنا: إلا أن العمل بالمفهوم لا يلزم منه إبطال العمل بالعموم مطلقا، ولا ~~كذلك بالعكس. # ولا يخفى أن الجمع بين الدليلين، ms488 ولو من وجه أولى من العمل بظاهر أحدهما ~~وإبطال أصل الآخر. # PageV02P328 ### | [المسألة الثامنة تخصيص العموم بفعل الرسول] # المسألة الثامنة # في تخصيص العموم بفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم -. # وقد اختلف القائلون بكون فعل الرسول حجة على غيره، هل يجوز تخصيصه للعموم ~~أم لا؟ فأثبته الأكثرون كالشافعية والحنفية والحنابلة ونفاه الأقلون ~~كالكرخي. # وتحقيق الحق من ذلك يتوقف على التفصيل، وهو أن نقول: العام الوارد إما أن ~~يكون عاما للأمة والرسول كما لو قال - صلى الله عليه وسلم -: الوصال أو ~~استقبال القبلة في قضاء الحاجة أو كشف الفخذ حرام على كل مسلم. # وإما أن يكون عاما للأمة دون الرسول كما لو قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~نهيتكم عن الوصال أو استقبال القبلة في قضاء الحاجة أو كشف الفخذ، فإن كان ~~الأول فإذا رأيناه قد واصل أو استقبل القبلة في قضاء الحاجة أو كشف فخذه ~~فلا خلاف في أن فعله يدل على إباحة ذلك الفعل في حقه، ويكون مخرجا له عن ~~العموم ومخصصا. # وأما بالنسبة إلى غيره فإما أن نقول بأن اتباعه في فعله والتأسي به واجب ~~على كل من سواه، أو لا نقول ذلك. # فإن قيل بالأول، فيلزم منه رفع حكم العموم مطلقا في حقه بفعله وفي حق ~~غيره بوجوب التأسي به، فلا يكون ذلك تخصيصا، بل نسخا لحكم العموم مطلقا ~~بالنسبة إليه وإلى غيره. # وإن قيل بالثاني، كان ذلك تخصيصا له عن العموم دون أمته. # وأما إن كان عاما للأمة دون الرسول، ففعله لا يكون مخصصا لنفسه عن العموم ~~لعدم دخوله فيه. # وأما بالنسبة إلى الأمة، فإن قيل أيضا بوجوب اتباع الأمة له في فعله، كان ~~ذلك أيضا نسخا عنهم لا تخصيصا كما سبق. # وإن لم يكن ذلك واجبا عليهم فلا يكون فعله مخصصا للعموم أصلا، لا بالنسبة ~~إليه لعدم دخوله في العموم، ولا بالنسبة إلى الأمة. # وعلى هذا التفصيل فلا أرى للخلاف على هذا التخصيص (1) بفعل النبي وجها. ~~PageV02P329 # أما إذا كان هو المخصص عن العموم وحده فلعدم الخلاف فيه، وأما ms489 في باقي ~~الأقسام فلعدم تحقق التخصيص. # بل إن وقع الخلاف في باقي الأقسام، هل فعله يكون ناسخا لحكم العموم فيها؟ ~~فخارج عن الخوض في باب التخصيص، والأظهر في ذلك إنما هو الوقف من جهة أن ~~دليل وجوب التأسي، واتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما هو بدليل عام ~~للأمة، وهو مساو للعموم الآخر في عمومه، وليس العمل بأحدهما وإبطال الآخر ~~أولى من العكس. (1) # فإن قيل: بل العمل بالفعل أولى؛ لأنه خاص، والخاص مقدم على العام قلنا: ~~الفعل لم يكن دليلا على لزوم الحكم في حق باقي الأمة بنفسه، بل لأدلة عامة ~~موجبة على الأمة لزوم الاتباع. PageV02P330 # فإن قيل: إلا أن الفعل الخاص مع العمومات الموجبة للتأسي أخص من اللفظ ~~العام مطلقا، ولأنه متأخر عن العام، والمتأخر أولى بالعمل. # قلنا: أما الفعل فلا نسلم أن له دلالة على وجوب تأسي الأمة بالنبي بوجه ~~من الوجوه، بل الموجب شيء آخر، وهو مساو للعام الآخر في عمومه، وسواء كان ~~الفعل خاصا أو عاما. # وذلك الموجب للتأسي غير متأخر عن العام، بل محتمل للتقدم والتأخر من غير ~~ترجيح، حتى إنه لو علم التاريخ وجب العمل بالمتأخر منهما. (1) # كيف وإن القول بوجوب التأسي متوقف على وجود الفعل، وعلى الدليل الدال على ~~التأسي، ولا كذلك للعام الآخر، وما يتوقف العمل به على أمرين يكون أبعد مما ~~لا يتوقف العمل به إلا على شيء واحد؟ (2) ### | [المسألة التاسعة تقرير النبي لما يفعله الواحد من أمته بين يديه مخالفا للعموم مخصص لذلك العام] # المسألة التاسعة # تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - لما يفعله الواحد من أمته بين يديه ~~مخالفا للعموم، وعدم إنكاره عليه مع علمه به وعدم الغفلة والذهول عنه مخصص ~~لذلك العام عند الأكثرين خلافا لطائفة شاذة. # ودليل ذلك أن تقريره له عليه دليل على جواز ذلك الفعل له وإلا كان فعله ~~منكرا، ولو كان كذلك لاستحال من النبي - صلى الله عليه وسلم - السكوت عنه ~~وعدم PageV02P331 # النكير عليه. # وإذا كان التقرير دليل الجواز، وإن أمكن نسخ ذلك الحكم ms490 مطلقا أو نسخه عن ~~ذلك الواحد بعينه، لكنه بعيد، واحتمال تخصيصه من العموم أولى وأقرب لما ~~قررناه فيما تقدم. # وعند ذلك، فإن أمكن تعقل معنى أوجب جواز مخالفة ذلك الواحد للعموم فكل من ~~كان مشاركا له في ذلك المعنى فهو مشارك له في تخصيصه عن ذلك العام بالقياس ~~عليه، عند من يرى جواز تخصيص العام بالقياس على محل التخصيص، وأما إن لم ~~يظهر المعنى الجامع فلا. # فإن قيل: التقرير لا صيغة له، فلا يقع في مقابلة ما له صيغة فلا يكون ~~مخصصا للعموم، وبتقدير أن يكون مخصصا فلا بد وأن يكون غير ذلك الواحد ~~مشاركا له في حكمه، وإلا فلو لم يكن غير ذلك الواحد مشاركا له في حكمه لصرح ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بتخصيصه بذلك الحكم دون غيره، دفعا لمحذور ~~التلبيس على الأمة باعتقادهم المشاركة لذلك الواحد في حكمه لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» ". (1) # قلنا: وإن كان التقرير لا صيغة له غير أنه حجة قاطعة في جواز الفعل نفيا ~~للخطأ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلاف العام، فإنه ظني محتمل ~~للتخصيص فكان موجبا لتخصيصه. # وما ذكروه من وجوب المشاركة فبعيد؛ وذلك لأن حكم ذلك الواحد لا يخلو إما ~~أن يكون له أو عليه، فإن كان له فقوله: " «حكمي على الواحد حكمي على ~~الجماعة» " لا يكون مرتبطا به، وإن كان عليه فقوله: " «حكمي على الواحد ~~حكمي على الجماعة» " إنما يكون حجة موهمة لمشاركة الجماعة لذلك الواحد، أن ~~لو كان قوله: (حكمي) عاما في كل حكم، وهو غير مسلم. # وإذا لم يكن ذلك حجة عامة فلا تدليس ولا تلبيس، وبتقدير مشاركة الأمة ~~لذلك الواحد في ذلك الحكم يكون نسخا، ولا يكون تخصيصا كما ظن بعضهم. ~~PageV02P332 ### | [المسألة العاشرة مذهب الصحابي إذا كان على خلاف ظاهر العموم لا يكون مخصصا للعموم] # المسألة العاشرة # مذهب الشافعي في القول الجديد، ومذهب أكثر الفقهاء والأصوليين أن مذهب ~~الصحابي إذا كان على خلاف ظاهر العموم، وسواء كان هو الراوي ms491 أو لم يكن لا ~~يكون مخصصا للعموم، خلافا لأصحاب أبي حنيفة والحنابلة وعيسى بن أبان وجماعة ~~من الفقهاء. # ودليله أن ظاهر العموم حجة شرعية يجب العمل بها باتفاق القائلين بالعموم، ~~ومذهب الصحابي ليس بحجة على ما سنبينه (1) ، فلا يجوز ترك العموم به، فإن ~~قيل: إذا خالف مذهب الصحابي العموم فلا يخلو، إما أن يكون ذلك لدليل، لا ~~جائز أن يكون لا لدليل، وإلا وجب تفسيقه والحكم بخروجه عن العدالة، وهو ~~خلاف الإجماع. # وإن كان ذلك لدليل وجب تخصيص العموم به جمعا بين الدليلين، إذ هو أولى من ~~تعطيل أحدهما كما علم غير مرة. # قلنا: مخالفة الصحابي للعموم إنما كانت لدليل عن له في نظره، وسواء كان ~~في نفس الأمر مخطئا فيه أو مصيبا. # فلذلك لم نقض بتفسيقه لكونه مأخوذا باتباع اجتهاده وما أوجبه ظنه، ومع ~~ذلك فلا يكون ما عن له في نظره حجة متبعة بالنسبة إلى غيره، بدليل جواز ~~مخالفة صحابي آخر له من غير تفسيق ولا تبديع. # وإذا لم يكن ما صار إليه حجة واجبة الاتباع بالنسبة إلى الغير فلا يكون ~~العموم المتفق على صحة الاحتجاج به مطلقا. PageV02P333 ### | [المسألة الحادية عشرة إذا كان من عادة المخاطبين تناول طعام خاص فورد خطاب عام بتحريم الطعام] # المسألة الحادية عشرة # إذا كان من عادة المخاطبين تناول طعام خاص فورد خطاب عام بتحريم الطعام ~~كقوله: حرمت عليكم الطعام فقد اتفق الجمهور من العلماء على عمومه في تحريم ~~كل طعام على وجه يدخل فيه المعتاد وغيره، وإن العادة لا تكون منزلة للعموم ~~على تحريم المعتاد دون غيره، خلافا لأبي حنيفة، وذلك لأن الحجة إنما هي في ~~اللفظ الوارد، وهو مستغرق لكل مطعوم بلفظه ولا ارتباط له بالعوائد، وهو ~~حاكم على العوائد فلا تكون العوائد حاكمة عليه. # فإن قيل: إذا منعتم من تجويز تخصيص العموم بالعادة وتنزيل لفظ الطعام على ~~ما هو المعتاد المتعارف عند المخاطبين فما الفرق بينه وبين تخصيص اللفظ ~~ببعض مسمياته في اللغة بالعادة؟ وذلك كتخصيص اسم الدابة بذوات الأربع، وإن ms492 ~~كان لفظ الدابة عاما في كل ما يدب، وكتخصيص اسم الثمن في البيع بالنقد ~~الغالب في البلد حتى إنه لا يفهم من إطلاق لفظ الدابة والثمن غير ذوات ~~الأربع، والنقد الغالب في البلد. # قلنا: الفرق بين الأمرين أن العادة في محل النزاع إنما هي مطردة في ~~اعتياد أكل ذلك الطعام المخصوص لا في تخصيص اسم الطعام بذلك الطعام الخاص، ~~فلا يكون ذلك قاضيا على ما اقتضاه عموم لفظ الطعام مع بقائه على الوضع ~~الأصلي، وهذا بخلاف لفظ الدابة، فإنه صار بعرف الاستعمال ظاهرا في ذوات ~~الأربع وضعا، حتى إنه لا يفهم من إطلاق الدابة غير ذوات الأربع، فكان قاضيا ~~على الاستعمال الأصلي حتى إنه لو كانت العادة في الطعام المعتاد أكله قد ~~خصصت بعرف الاستعمال اسم الطعام بذلك الطعام، لكان لفظ الطعام منزلا عليه ~~دون غيره ضرورة تنزيل مخاطبة الشارع للعرب، على ما هو المفهوم لهم من ~~لغتهم، وفيه دقة مع وضوحه. # PageV02P334 ### | [المسألة الثانية عشرة إذا ورد لفظ عام ولفظ خاص يدل على بعض ما يدل عليه العام لا يكون الخاص مخصصا للعام] # المسألة الثانية عشرة # اتفق الجمهور على أنه إذا ورد لفظ عام، ولفظ خاص يدل على بعض ما يدل عليه ~~العام، لا يكون الخاص مخصصا للعام بجنس مدلول الخاص ومخرجا عنه ما سواه ~~خلافا لأبي ثور من أصحاب الشافعي. # وذلك كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «أيما إهاب دبغ فقد طهر» " فإنه ~~عام في كل إهاب، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في شاة ميمونة: " «دباغها ~~طهورها» "، وإنما لم يكن مخصصا له؛ لأنه لا تنافي بين العمل بالخاص وإجراء ~~العام على عمومه، ومع إمكان إجراء كل واحد على ظاهره لا حاجة إلى العمل ~~بأحدهما ومخالفة الآخر. # فإن قيل: فقد اخترتم أن المفهوم يكون مخصصا للعموم عند القائل به، وتخصيص ~~(جلد الشاة بالذكر) يدل بمفهومه على نفي الحكم عما سوى الشاة من جلود باقي ~~الحيوانات، فكان مخصصا للعموم الوارد بتطهيرها. # قلنا: أما من نفى كون المفهوم حجة وأبطل دلالته كما يأتي ms493 تحقيقه فلا أثر ~~لإلزامه به هاهنا. # ومن قال بالمفهوم المخصص للعموم، إنما قال به في مفهوم الموافقة ومفهوم ~~الصفة المشتقة كما سبق في المسألة المتقدمة لا في مفهوم اللقب، وتخصيص جلد ~~الشاة بالذكر لا يدل على نفي الطهارة بالدباغ عن باقي جلود الحيوانات ~~كالإبل والبقرة وغيرها إلا بطريق مفهوم اللقب، وليس بحجة على ما يأتي ~~تحقيقه. # ولهذا، فإنه لو قال: عيسى رسول الله، فإنه لا يدل على أن محمدا ليس برسول ~~الله. # وكذلك إذا قال: الحادث موجود لا يدل على أن القديم ليس بموجود وإلا كان ~~ذلك كفرا. # PageV02P335 ### | [المسألة الثالثة عشرة اللفظ العام إذا عقب بما فيه ضمير عائد إلى بعض العام المتقدم هل يكون خصوص المتأخر مخصصا للعام المتقدم] # المسألة الثالثة عشرة # اللفظ العام إذا عقب بما فيه ضمير عائد إلى بعض العام المتقدم لا إلى ~~كله، هل يكون خصوص المتأخر مخصصا للعام المتقدم بما الضمير عائد إليه أو ~~لا؟ اختلفوا فيه، فذهب بعض أصحابنا وبعض المعتزلة كالقاضي عبد الجبار وغيره ~~إلى امتناع التخصيص بذلك، ومنهم من جوزه، ومنهم من توقف كإمام الحرمين وأبي ~~الحسين البصري. # وذلك كما في قوله - تعالى -: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} فإنه ~~عام في كل الحرائر المطلقات بوائن كن أو رجعيات. # ثم قال: {وبعولتهن أحق بردهن} ، فإن الضمير فيه إنما يرجع إلى الرجعيات ~~دون البوائن، وعلى هذا النحو. # والمختار بقاء اللفظ الأول على عمومه، وامتناع تخصيصه بما تعقبه. # وذلك لأن مقتضى اللفظ إجراؤه على ظاهره من العموم ومقتضى اللفظ الثاني ~~عود الضمير إلى جميع ما دل عليه اللفظ المتقدم، إذ لا أولوية لاختصاص بعض ~~المذكور السابق به دون البعض فإذا قام الدليل على تخصيص الضمير ببعض ~~المذكور السابق وخولف ظاهره لم يلزم منه مخالفة الظاهر الأخير، بل يجب ~~إجراؤه على ظاهره إلى أن يقوم الدليل على تخصيصه. (1) # فإن قيل: إنما يلزم مخالفة ظاهر ما اقتضاه الضمير من العود إلى كل ~~المذكور السابق إذا أجرينا اللفظ السابق على عمومه، وليس القول بإجرائه على ~~عمومه، ومخالفة ms494 ظاهر الضمير أولى من إجراء ظاهر الضمير على مقتضاه، وتخصيص ~~المذكور السابق، وإذا لم يترجح أحدهما وجب الوقف. # قلنا: بل إجراء اللفظ المتقدم على عمومه وتخصيص المتأخر أولى من العكس؛ ~~لأن دلالة الأول ظاهرة، ودلالة الثاني غير ظاهرة، ولا يخفى أن دلالة المظهر ~~أقوى من دلالة المضمر، فكان راجحا. PageV02P336 ### | [المسألة الرابعة عشرة تخصيص العموم بالقياس] # المسألة الرابعة عشرة # القائلون بكون العموم والقياس حجة اختلفوا في جواز تخصيص العموم بالقياس، ~~فذهب الأئمة الأربعة والأشعري وجماعة من المعتزلة كأبي هاشم وأبي الحسين ~~البصري إلى جوازه مطلقا، وذهب الجبائي وجماعة من المعتزلة إلى تقديم العام ~~على القياس، وذهب ابن سريج وغيره من أصحاب الشافعي إلى جواز التخصيص بجلي ~~القياس دون خفيه، وذهب عيسى بن أبان والكرخي إلى جواز التخصيص بالقياس ~~للعام المخصص دون غيره، غير أن الكرخي اشترط أن يكون العام مخصصا بدليل ~~منفصل، وأطلق عيسى بن أبان. # ومنهم من جوز التخصيص بالقياس إذا كان أصل القياس من الصور التي خصت عن ~~العموم دون غيره، وذهب القاضي أبو بكر وإمام الحرمين إلى الوقف. # والمختار أنه إذا كانت العلة الجامعة في القياس ثابتة بالتأثير أي بنص أو ~~إجماع جاز تخصيص العموم به وإلا فلا. # أما إذا كانت العلة مؤثرة فلأنها نازلة منزلة النص الخاص، فكانت مخصصة ~~للعموم كتخصيصه بالنص كما سبق تعريفه، وأما إذا كانت العلة مستنبطة غير ~~مؤثرة، فإنما قلنا بامتناع التخصيص بها للإجمال والتفصيل: أما الإجمال فهو ~~أن العام في محل التخصيص إما أن يكون راجحا على القياس المخالف له أو ~~مرجوحا أو مساويا، فإن كان راجحا امتنع تخصيصه بالمرجوح، وإن كان مساويا ~~فليس العمل بأحدهما أولى من الآخر، وإنما يمكن التخصيص بتقدير أن يكون ~~القياس في محل المعارضة راجحا، ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب ~~من وقوع احتمال واحد بعينه. # PageV02P337 # وأما التفصيل فهو أن العموم ظاهر في كل صورة من آحاد الصور الداخلة تحته، ~~وجهة ضعفه غير خارجة عن احتمال تخصيصه أو كذب الراوي إن كان العام من أخبار ms495 ~~الآحاد. # وأما احتمالات ضعف القياس فكثيرة جدا، وذلك؛ لأنه وإن كان متناولا لمحل ~~المعارضة بخصوصه إلا أنه يحتمل أن يكون دليل حكم الأصل من أخبار الآحاد ~~التي يتطرق إليها الكذب. # وبتقدير أن يكون طريق إثباته قطعيا فيحتمل أن يكون المستنبط القياس ليس ~~أهلا له. # وبتقدير أن يكون أهلا فيحتمل أن لا يكون الحكم في نفس الأمر معللا بعلة ~~ظاهرة. # وبتقدير أن يكون معللا بعلة ظاهرة فلعلها غير ما ظنه القائس علة ولم يظهر ~~عليها، أو أنه أخطأ في طريق إثبات العلة فأثبتها بما لا يصلح للإثبات، ~~وبتقدير أن تكون موجودة فيه، يحتمل أن يكون قد وجد في الفرع مانع السبب أو ~~مانع الحكم، أو فات شرط السبب فيه أو شرط الحكم، فكان العموم لذلك راجحا. # كيف وإن العموم من جنس النصوص، والنص غير مفتقر في العمل به في جنسه إلى ~~القياس، والقياس متوقف في العمل به على النص؛ لأنه إن ثبت كونه حجة بالنص ~~فظاهر، وإن كان بالإجماع فالإجماع متوقف على النص، فكان القياس متوقفا على ~~النص لذلك راجحا. # ولذلك وقع القياس مؤخرا في حديث معاذ في العمل به عن العمل بالكتاب ~~والسنة حيث «قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - حين بعثه إلى اليمن ~~قاضيا: " بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، ~~قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي، فقال - صلى الله عليه وسلم -: الحمد لله ~~الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله» ، ومقتضى ذلك أن لا تتقدم ~~السنة على الكتاب، غير أنا خالفناه في تقديم خاص السنة على عام الكتاب، ~~فوجب العمل به فيما عداه. # PageV02P338 # وهذه الاحتمالات كلها إن لم توجب الترجيح فلا أقل من المساواة. # وعلى كلا التقديرين فيمتنع تخصيص العام بالقياس. (1) # فإن قيل: القول بالوقف خلاف الإجماع قبل وجود الواقفية، إذ الأمة مجمعة ~~على تقديم أحدهما، وإن اختلفوا في التعيين، ولأن القول بالوقف مما يفضي إلى ~~تعطيل الدليلين عن العمل بهما، والمحذور فيه فوق المحذور في العمل بأحدهما، ms496 ~~فالعمل بالقياس أولى؛ لأنا لو عملنا بالعموم لزم منه إبطال العمل بالقياس ~~مطلقا. # ولو عملنا بالقياس لم يلزم منه إبطال العموم مطلقا لإمكان العمل به فيما ~~عدا صورة التخصيص. # ولا يخفى أن الجمع بين الدليلين ولو من وجه أولى من العمل بأحدهما وتعطيل ~~الآخر. # قلنا: نحن لا نقول بالوقف لما بيناه من ترجيح العمل بالعموم على العمل ~~بالقياس، وبتقدير القول بالوقف لا نسلم إجماعهم على إبطال الوقف، إلا أن ~~يوجد منهم التصريح بذلك، وهو غير مسلم. # ولهذا فإن كل واحد من المجتهدين لا يقطع بإبطال مذهب مخالفه مع مصيره إلى ~~نفي ما أثبته أو إثبات ما نفاه فلأن لا يكون قاطعا بإبطاله عند توقفه في ~~نفي ما أثبته أو إثبات ما نفاه أولى. # قولهم: إن العمل بالقياس غير مبطل للعمل بالعموم، قلنا في محل المعارضة ~~أو في غيرها: الأول ممنوع، والثاني مسلم، والنزاع إنما وقع في الترجيح في ~~محل المعارضة دون غيره. # وبالجملة، فلا يمتنع على المجتهد في هذه المسألة الحكم بالوقف أو الترجيح ~~على حسب ما يظهر في نظره في آحاد الوقائع من القرائن والترجيحات الموجبة ~~للتفاوت أو التساوي من غير تخطئة، إذ الأدلة فيها نفيا وإثباتا ظنية، غير ~~قطعية، فكانت ملحقة بالمسائل الاجتهادية دون القطعية خلافا للقاضي أبي بكر. ~~(2) PageV02P339 # ويجب أن نختم الكلام في أدلة التخصيص بالفرق بين التخصيص والاستثناء، أما ~~على رأي من يزعم أن الاستثناء والمستثنى منه كالكلمة الواحدة كما سبق فلا ~~خفاء بأن الاستثناء لا يكون تخصيصا، بل هو مباين له. # وأما من يرى أن الاستثناء تخصيص فهو نوع من التخصيص عنده فكل استثناء ~~تخصيص، وليس كل تخصيص استثناء؛ وذلك لأن الاستثناء لا بد وأن يكون متصلا ~~بالمستثنى منه على ما تقدم تقريره، وإنه لا يثبت بقرائن الأحوال بخلاف غيره ~~من أنواع التخصيص. # وعلى هذا يكون الحكم في التخصيص بذكر الشرط والغاية أيضا. # PageV02P340 ### | [الصنف السادس في المطلق والمقيد] # الصنف السادس في المطلق (1) والمقيد. # أما المطلق فعبارة عن النكرة في سياق الإثبات. # فقولنا: (نكرة) احتراز عن ms497 أسماء المعارف وما مدلوله واحد معين أو عام ~~مستغرق. # وقولنا: (في سياق الإثبات) احتراز عن النكرة في سياق النفي، فإنها تعم ~~جميع ما هو من جنسها، وتخرج بذلك عن التنكير لدلالة اللفظ على الاستغراق، ~~وذلك كقولك في معرض الأمر " أعتق رقبة " أو مصدر الأمر كقوله (فتحرير رقبة) ~~أو الإخبار عن المستقبل كقوله: " سأعتق رقبة " ولا يتصور الإطلاق في معرض ~~الخبر المتعلق بالماضي، كقوله: " رأيت رجلا " ضرورة تعينه من إسناد الرؤية ~~إليه. (2) وإن شئت قلت: هو اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه. (3) ~~فقولنا: (لفظ) كالجنس للمطلق وغيره. # وقولنا: (دال) احتراز عن الألفاظ المهملة. # وقولنا: (على مدلول) ليعم الوجود والعدم. PageV03P003 # وقولنا: (شائع في جنسه) احتراز عن أسماء الأعلام، وما مدلوله معين أو ~~مستغرق. # وأما المقيد فإنه يطلق باعتبارين. # الأول: ما كان من الألفاظ الدالة على مدلول معين، كزيد وعمرو، وهذا الرجل ~~ونحوه. # الثاني: ما كان من الألفاظ دالا على وصف مدلوله المطلق بصفة زائدة عليه ~~كقولك: " دينار مصري، ودرهم مكي ". # وهذا النوع من المقيد، وإن كان مطلقا في جنسه من حيث هو دينار مصري ودرهم ~~مكي، غير أنه مقيد بالنسبة إلى مطلق الدينار والدرهم، فهو مطلق من وجه، ~~ومقيد من وجه. # وإذا عرف معنى المطلق والمقيد، فكل ما ذكرناه في مخصصات العموم من المتفق ~~عليه، والمختلف فيه، والمزيف، والمختار ; فهو بعينه جار في تقييد المطلق، ~~فعليك باعتباره ونقله إلى هاهنا. # ونزيد مسألة أخرى، وهي أنه إذا ورد مطلق ومقيد، فلا يخلو. # إما أن يختلف حكمهما، أو لا يختلف: فإن اختلف حكمهما. فلا خلاف في امتناع ~~حمل أحدهما على الآخر، وسواء كانا مأمورين أو منهيين، أو أحدهما مأمورا ~~والآخر منهيا، وسواء اتحد سببهما أو اختلف؛ لعدم المنافاة في الجمع بينهما ~~إلا في صورة واحدة، وهي ما إذا قال مثلا في كفارة الظهار " أعتقوا رقبة " ~~ثم قال " لا تعتقوا رقبة كافرة " فإنه لا خلاف في مثل هذه الصورة أن المقيد ~~يوجب تقييد الرقبة المطلقة بالرقبة المسلمة. # وعليك باعتبار أمثلة هذه الأقسام، فإنها سهلة. ms498 # وأما إن لم يختلف حكمهما، فلا يخلو إما أن يتحد سببهما، أو لا يتحد: فإن ~~اتحد سببهما، فإما أن يكون اللفظ دالا على إثباتهما أو نفيهما، فإن كان ~~الأول كما لو قال في الظهار: " أعتقوا رقبة "، ثم قال: " أعتقوا رقبة مسلمة ~~" فلا نعرف خلافا في حمل المطلق على المقيد هاهنا، وإنما كان كذلك؛ لأن من ~~عمل بالمقيد فقد وفى بالعمل بدلالة المطلق، ومن عمل بالمطلق لم يف بالعمل ~~بدلالة المقيد، فكان الجمع هو الواجب والأولى. # PageV03P004 # فإن قيل بطريق الشبهة إذا كان حكم المطلق إمكان الخروج عن عهدته، بما شاء ~~المكلف من ذلك الجنس فالعمل بالمقيد مما ينافي مقتضى المطلق، وليس مخالفة ~~المطلق، وإجراء المقيد على ظاهره أولى من تأويل المقيد بحمله على الندب ~~وإجراء المطلق على إطلاقه. # قلنا: بل التقييد أولى من التأويل لثلاثة أوجه. # الأول: أنه يلزم منه الخروج عن العهدة بيقين، ولا كذلك في التأويل. # الثاني: أن المطلق إذا حمل على المقيد، فالعمل به فيه لا يخرج عن كونه ~~موفيا للعمل باللفظ المطلق في حقيقته، ولهذا لو أداه قبل ورود التقييد، كان ~~قد عمل باللفظ في حقيقته، ولا كذلك في تأويل المقيد وصرفه عن جهة حقيقته ~~إلى مجازه. # الثالث: أن الخروج عن العهدة بفعل أي واحد كان من الآحاد الداخلة تحت ~~اللفظ المطلق لم يكن اللفظ دلالة عليه بوضعه لغة، بخلاف عما دل عليه المقيد ~~من صفة التقييد. # ولا يخفى أن المحذور في صرف اللفظ عما دل عليه اللفظ لغة أعظم من صرفه ~~عما لم يدل عليه بلفظه لغة. # وأما إن كان دالا على نفيهما أو نهي عنهما، كما لو قال مثلا في كفارة ~~الظهار: " لا تعتق مكاتبا كافرا " فهذا أيضا مما لا خلاف في العمل ~~بمدلولهما، والجمع بينهما في النفي؛ إذ لا تعذر فيه. # وأما إن كان سببهما مختلفا كقوله تعالى في كفارة الظهار {والذين يظاهرون ~~من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة} وقوله تعالى في القتل الخطأ ~~{ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} فهذا ms499 مما اختلف فيه. # فنقل عن الشافعي - رضي الله عنه - تنزيل المطلق على المقيد في هذه ~~الصورة، لكن اختلف الأصحاب في تأويله. # فمنهم من حمله على التقييد مطلقا من غير حاجة إلى دليل آخر. # ومنهم من حمله على ما إذا وجد بينهما علة جامعة مقتضية للإلحاق، وهو ~~الأظهر من مذهبه. # وأما أصحاب أبي حنيفة فإنهم منعوا من ذلك مطلقا. # PageV03P005 # ولنذكر حجة كل فريق، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. # أما حجة من قال بالتقييد من غير دليل، فهي أن كلام الله تعالى متحد في ~~ذاته لا تعدد فيه فإذا نص على اشتراط الإيمان في كفارة القتل، كان ذلك ~~تنصيصا على اشتراطه في كفارة الظهار، ولهذا حمل قوله تعالى {والذاكرات} على ~~قوله في أول الآية {والذاكرين الله كثيرا} من غير دليل خارج. # وهذا مما لا اتجاه له، فإن كلام الله تعالى إما أن يراد به المعنى ~~بالنفس، أو العبارات الدالة عليه. # والأول، وإن كان واحدا لا تعدد فيه، غير أن تعلقه بالمتعلقات مختلف ~~باختلاف المتعلق، ولا يلزم من تعلقه بأحد المختلفين بالإطلاق والتقييد، أو ~~العموم والخصوص، أو غير ذلك، أن يكون متعلقا بالآخر وإلا كان أمره ونهيه ~~ببعض المختلفات أمرا ونهيا بباقي المختلفات، وهو محال متناقض، بل وكان يلزم ~~من تعلقه بالصوم المقيد في الحج بالتفريق، حيث قال تعالى {فصيام ثلاثة أيام ~~في الحج وسبعة إذا رجعتم} وبالتتابع في الظهار حيث قال {فصيام شهرين ~~متتابعين} أن يتقيد الصوم المطلق في اليمين، إما بالتتابع أو التفريق، وهو ~~محال، أو بأحدهما دون الآخر ولا أولوية. # كيف وإنه يلزم من تقييده بأحدهما دون الآخر، إبطال ما ذكروه من أن ~~التنصيص على أحد المختلفين يكون تنصيصا على الآخر. # وإن أريد به العبارة الدالة، فهي متعددة غير متحدة، ولا يلزم من دلالة ~~بعضها على بعض الأشياء المختلفة، دلالته على غيره، وإلا لزم من ذلك المحال ~~الذي قدمنا لزومه في الكلام النفساني. (1) وأما ما ذكروه من حمل الذاكرات ~~على الذاكرين الله كثيرا، فلا نسلم أن ذلك من ms500 غير دليل. # ودليله أن قوله تعالى {والذاكرات} معطوف على قوله {والذاكرين الله كثيرا} ~~PageV03P006 # ) ولا استقلال له بنفسه، فوجب رده إلى ما هو معطوف عليه ومشارك له في ~~حكمه. # وأما حجة أصحاب أبي حنيفة، فإنهم قالوا: إذا امتنع التقييد من غير دليل ~~لما سبق. فلا بد من دليل ولا نص من كتاب أو سنة يدل على ذلك، والقياس يلزم ~~منه رفع ما اقتضاه المطلق من الخروج عن العهدة بأي شيء كان، مما هو داخل ~~تحت اللفظ المطلق، كما سبق تقريره، فيكون نسخا، ونسخ النص لا يكون بالقياس. # ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه يلزم من القياس نسخ النص المطلق، بل تقييده ~~ببعض مسمياته، وذلك لا يزيد على تخصيص العام بالقياس عندكم، فكذلك التقييد. # كيف وإن لفظ (الرقبة) مطلق بالنسبة إلى السليمة والمعيبة، وقد كان مقتضى ~~ذلك أيضا الخروج عن العهدة بالمعيبة، وقد شرطتم صفة السلامة، ولم يدل عليه ~~نص من كتاب أو سنة. # وإن كان بالقياس، فإما أن يكون نسخا، أو لا يكون نسخا، فإن كان الأول فقد ~~بطل قولكم: إن النسخ لا يكون بالقياس، وإن لم يكن نسخا، فقد بطل قولكم: إن ~~رفع حكم المطلق بالقياس يكون نسخا. # وأما حجة من قال بالتقييد، بناء على القياس فالوجه في ضعفه ما سبق في ~~تخصيص العام بالقياس فعليك بنقله إلى هاهنا. # والمختار أنه إن كان الوصف الجامع بين المطلق والمقيد مؤثرا أي بنص أو ~~إجماع، وجب القضاء بالتقييد، بناء عليه، وإن كان مستنبطا من الحكم المقيد ~~فلا، كما ذكرناه في تخصيص العموم. # PageV03P007 ### | [الصنف السابع في المجمل] ### | [مقدمة في معنى المجمل] # ويشتمل على مقدمة ومسائل، أما المقدمة ففي معنى المجمل. # وهو في اللغة مأخوذ من الجمع، ومنه يقال " أجمل الحساب " إذا جمعه ورفع ~~تفاصيله. # وقيل: هو المحصل، ومنه يقال: " جملت الشيء إذا حصلته " هكذا ذكره صاحب ~~المجمل في اللغة. # وأما في اصطلاح الأصوليين، فقال بعض أصحابنا: هو اللفظ الذي لا يفهم منه ~~عند الإطلاق شيء، وهو فاسد، فإنه ليس بمانع ولا جامع. # أما ms501 أنه ليس بمانع، فلأنه يدخل فيه اللفظ المهمل، فإنه لا يفهم منه شيء ~~عند إطلاقه، وليس بمجمل، لأن الإجمال والبيان من صفات الألفاظ الدالة، ~~والمهمل لا دلالة له، ويدخل فيه قولنا مستحيل فإنه ليس بمجمل مع أنه لا ~~يفهم منه شيء عند إطلاقه، لأن مدلوله ليس بشيء بالاتفاق. # وأما أنه ليس بجامع، فلأن اللفظ المجمل المتردد بين محامل، قد يفهم منه ~~شيء وهو انحصار المراد منه في بعضها، وإن لم يكن معينا. # وكذلك ما هو مجمل من وجه، ومبين من وجه، كقوله تعالى: {وآتوا حقه يوم ~~حصاده} ، فإنه مجمل، وإن كان يفهم منه شيء. # فإن قيل: المراد منه أنه الذي لا يفهم منه شيء عند إطلاقه من جهة ما هو ~~مجمل، ففيه تعريف المجمل بالمجمل، وتعريف الشيء بنفسه ممتنع. # كيف وإن الإجمال كما أنه قد يكون في دلالة الألفاظ، فقد يكون في دلالة ~~الأفعال، وذلك كما لو قام النبي - صلى الله عليه وسلم - من الركعة الثانية، ~~ولم يجلس جلسة التشهد الوسط، فإنه متردد بين السهو الذي لا دلالة له على ~~جواز ترك الجلسة، وبين التعمد الدال على جواز تركها. # وإذا كان الإجمال قد يعم الأقوال والأفعال، # PageV03P008 # فتقييد حد المجمل باللفظ يخرجه عن كونه جامعا، وبهذا يبطل ما ذكره ~~الغزالي في حد المجمل من أنه اللفظ الصالح لأحد معنيين الذي لا يتعين معناه ~~لا بوضع اللغة ولا بعرف الاستعمال. # وذكر أبو الحسين البصري فيه حدين آخرين. # الأول: أنه (الذي لا يمكن معرفة المراد منه) ويبطل بالألفاظ المهملة، ~~وباللفظ الذي هو حقيقة في شيء، فإنه إذا أريد به جهة مجازه، فإنه لا يفهم ~~المراد منه، وليس بمجمل. # الثاني: قال: (المجمل هو ما أفاد شيئا من جملة أشياء هو متعين في نفسه، ~~واللفظ لا بعينه) ، قال وهذا بخلاف قولك: " اضرب رجلا " فإن مدلوله واحد ~~غير معين في نفسه، وأي رجل ضربته جاز، ولا كذلك لفظ القرء فإن مدلوله واحد ~~في نفسه من الطهر أو الحيض، وفيه إشعار بتقييد الحد باللفظ حيث قال: ~~(واللفظ ms502 لا بعينه) فلا يكون جامعا بخروج الإجمال في دلالة الفعل عنه، كما ~~حققناه، وإنما يصح التقييد باللفظ، لو أريد تحديد المجمل اللفظي خاصة. # والحق في ذلك أن يقال: (المجمل هو ما له دلالة على أحد أمرين لا مزية ~~لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه) . # فقولنا: (ما له دلالة) ليعم الأقوال والأفعال وغير ذلك من الأدلة ~~المجملة. # وقولنا: (على أحد أمرين) احتراز عما لا دلالة له إلا على معنى واحد. # وقولنا: (لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه) احتراز عن اللفظ الذي ~~هو ظاهر في معنى وبعيد في غيره، كاللفظ الذي هو حقيقة في شيء ومجاز في شيء ~~على ما عرف فيما تقدم. # وقد يكون ذلك في لفظ مفرد مشترك عند القائلين بامتناع تعميمه، وذلك إما ~~بين مختلفين، كالعين، للذهب والشمس، والمختار للفاعل والمفعول، أو ضدين ~~كالقرء، للطهر والحيض. (1) PageV03P009 # وقد يكون في لفظ مركب، كقوله تعالى: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} فإن ~~هذه مترددة بين الزوج والولي. # وقد يكون ذلك بسبب التردد في عود الضمير إلى ما تقدمه كقولك: " كل ما ~~علمه الفقيه فهو كما علمه " فإن الضمير في (هو) متردد بين العود إلى الفقيه ~~وإلى معلوم الفقيه، والمعنى يكون مختلفا، حتى أنه إذا قيل: بعوده إلى ~~الفقيه، كان معناه في الفقيه لمعلومه، وإن عاد إلى معلومه كان معناه. ~~فمعلومه على الوجه الذي علم. # وقد يكون ذلك بسبب تردد اللفظ بين جمع الأجزاء وجمع الصفات، كقولك: " ~~الخمسة زوج وفرد " والمعنى مختلف، حتى أنه إن أريد به جمع الأجزاء، كان ~~صادقا، وإن أريد به جمع الصفات، كان كاذبا. # وقد يكون ذلك بسبب الوقف والابتداء، كما في قوله تعالى: {وما يعلم تأويله ~~إلا الله والراسخون في العلم} فالواو في قوله {والراسخون} متردد بين العطف ~~والابتداء، والمعنى يكون مختلفا. (1) وقد يكون ذلك بسبب تردد الصفة (2) ~~وذلك كما لو كان زيد طبيبا غير ماهر PageV03P010 # في الطب وهو ماهر في غيره، فقلت: " زيد طبيب ماهر " فإن قولك: (ماهر) ~~متردد بين أن يراد به كونه ماهرا في ms503 الطب فيكون كاذبا، وبين أن يراد به ~~غيره فيكون صادقا. # وقد يكون ذلك بسبب تردد اللفظ بين مجازاته المتعددة عند تعذر حمله على ~~حقيقته، وقد يكون بسبب تخصيص العموم بصور مجهولة، كما لو قال: " اقتلوا ~~المشركين " ثم قال بعد ذلك: " بعضهم غير مراد لي من لفظي " (1) فإن قوله: ~~{فاقتلوا المشركين} بعد ذلك يكون مجملا غير معلوم، أو بصفة مجهولة كقوله ~~تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين} فإن تقييد الحل ~~بالإحصان مع الجهل بما هو الإحصان، موجب للإجمال فيما أحل (2) أو باستثناء ~~مجهول كقوله: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} (3) فإنه مهما ~~كان المستثنى مجملا، فالمستثنى منه كذلك، وكذلك الكلام في تقييد المطلق. # وقد يكون ذلك بسبب إخراج اللفظ في عرف الشرع عما وضع له في اللغة عند ~~القائلين بذلك، قبل بيانه لنا، كقوله: {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} و ~~{ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} فإنه يكون مجملا لعدم ~~إشعار اللفظ بما هو المراد منه بعينه من الأفعال المخصوصة؛ لأنه (4) مجمل ~~بالنسبة إلى الوجوب. PageV03P011 # هذا كله في الأقوال وقد يكون ذلك في الأفعال، كما ذكرناه أولا. # وتمام كشف الغطاء عن ذلك بمسائل وهي ثمان. ### | [المسألة الأولى التحليل والتحريم المضافين إلى الأعيان] # المسألة الأولى. # الذي صار إليه أصحابنا وجماعة من المعتزلة كالقاضي عبد الجبار والجبائي ~~وأبي هاشم وأبي الحسين البصري، أن التحليل والتحريم المضافين إلى الأعيان، ~~كقوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} ، {حرمت عليكم الميتة} لا إجمال فيه، ~~خلافا للكرخي وأبي عبد الله البصري. # احتج القائلون بالإجمال بأن التحليل والتحريم إنما يتعلق بالأفعال ~~المقدورة، والأعيان التي أضيف إليها التحليل والتحريم غير مقدورة لنا، فلا ~~تكون هي متعلق التحليل والتحريم، فلا بد من إضمار فعل يكون هو متعلق ذلك، ~~حذرا من إهمال الخطاب بالكلية، ويجب أن يكون ذلك بقدر ما تندفع به الضرورة ~~تقليلا للإضمار المخالف للأصل. # وعلى هذا، فيمتنع إضمار كل ما يمكن تعلقه بالعين، من الأفعال وليس إضمار ~~البعض أولى من البعض، لعدم ms504 دلالة الدليل على تعيينه، ولأنه لو دل على تعيين ~~بعض الأفعال، لكان ذلك متعينا من تعلق التحريم بأي عين كانت وهو محال. # قال النافون: وإن سلمنا امتناع تعلق التحليل والتحريم بنفس العين، ولكن ~~متى يحتاج إلى الإضمار إذا كان اللفظ ظاهرا بعرف الاستعمال في الفعل ~~المقصود من تلك العين، أو إذا لم يكن؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم. # وبيانه: أن كل من اطلع على عرف أهل اللغة، ومارس ألفاظ العرب لا يتبادر ~~إلى فهمه عند قول القائل لغيره " حرمت عليك الطعام والشراب، وحرمت عليك ~~النساء " سوى تحريم الأكل والشرب من الطعام والشراب، وتحريم وطء النساء. # والأصل في كل ما يتبادر إلى الفهم أن يكون حقيقة، إما بالوضع الأصلي، أو ~~بعرف الاستعمال: والإجمال منتف بكل واحد منهما، ولهذا كان الإجمال منتفيا ~~عند قول القائل: " رأيت دابة " لما كان المتبادر إلى الفهم ذوات الأربع ~~بعرف الاستعمال، وإن كان على خلاف الوضع الأصلي. # وعلى هذا فقد خرج الجواب عما ذكروه من الوجه الثاني أيضا. # PageV03P012 # سلمنا: أنه لا بد من الإضمار، ولكن ما المانع من إضمار جميع التصرفات ~~المتعلقة بالعين المضاف إليها التحليل والتحريم. # قولهم: إن زيادة الإضمار على خلاف الأصل. # قلنا: فإضمار البعض إما إلى الإجمال أو لا يفضي إليه، فإن كان الثاني، ~~فقد بطل مذهبكم وإن كان يفضي إلى الإجمال، فلا بد من إضمار الكل، حذرا من ~~تعطيل دلالة اللفظ. # فلئن قالوا: إضمار البعض، وإن أفضى إلى الإجمال، فليس في ذلك إلى تعطيل ~~دلالة اللفظ مطلقا، لإمكان معرفة تعيين مدلوله بدليل آخر. # وأما محذور إضمار كل التصرفات فلازم مطلقا. # ولا يخفى أن التزام المحذور الدائم أعظم من التزام المحذور الذي لا يدوم. # قلنا: بل التزام محذوره إضمار جميع الأفعال أولى من التزام محذور الإجمال ~~في اللفظ لثلاثة أوجه: # الأول: أن الإضمار في اللغة أكثر استعمالا من استعمال الألفاظ المجملة، ~~ولولا أن المحذور في الإضمار أقل، لما كان استعماله أكثر. # الثاني: أنه انعقد الإجماع على وجود الإضمار في اللغة والقرآن واختلف في ~~وجود الإجمال ms505 فيهما، وذلك يدل على أن محذور الإضمار أقل. # الثالث: أنه قال - صلى الله عليه وسلم - " «لعن الله اليهود، حرمت عليهم ~~الشحوم فجملوها، وباعوها وأكلوا أثمانها» ) (1) وذلك يدل على إضمار جميع ~~التصرفات المتعلقة بالشحوم وإلا لما لحقهم اللعن ببيعها. # ولو كان الإجمال أولى من إضمار الكل، لكان ذلك على خلاف الأولى. ~~PageV03P013 ### | [المسألة الثانية قوله تعالى وامسحوا برءوسكم] # المسألة الثانية. # ذهب بعض الحنفية إلى أن قوله تعالى {وامسحوا برءوسكم} ) مجمل؛ لأنه يحتمل ~~مسح جميع الرأس ويحتمل مسح بعضه، وليس أحدهما أولى من الآخر، فكان مجملا. # قالوا: وما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - «أنه مسح بناصيته» ، فهو بيان ~~لمجمل الآية. # واتفق النافون على نفي الإجمال، لكن منهم من قال إنه بحكم وضع اللغة ظاهر ~~في مسح جميع الرأس، وهو مذهب مالك والقاضي عبد الجبار وابن جني مصيرا منهم ~~إلى أن (الباء) في اللغة أصل في الإلصاق، كما سبق تعريفه، وقد دخلت على ~~المسح وقرنته بالرأس، واسم الرأس حقيقة في كله لا بعضه، ولهذا، ولا يقال ~~لبعض الرأس رأس، فكان ذلك مقتضيا لمسح جميعه لغة. # وهذا وإن كان هو الحق بالنظر إلى أصل وضع اللغة، غير أن عرف استعمال أهل ~~اللغة الطارئ على الوضع الأصلي حاكم عليه، والعرف من أهل اللغة في اطراد ~~الاعتياد جابر باقتضاء إلصاق المسح باللمس فقط مع قطع النظر عن الكل ~~والبعض؛ ولهذا فإنه إذا قال القائل لغيره امسح يدك بالمنديل لا يفهم من أحد ~~من أهل اللغة أنه أوجب عليه إلصاق يده بجميع المنديل بل إن شاء بكله، وإن ~~شاء ببعضه. # ولهذا فإنه يخرج عن العهدة بكل واحد منهما. # وكذلك إذا قال: " مسحت يدي بالمنديل " فالسامعون يجوزون أنه مسح بكله ~~وببعضه، غير فاهمين لزوم وقوع المسح بالكل أو البعض، بل بالقدر المشترك " ~~بين الكل والبعض. وهو مطلق مسح (1) ويجب أن يكون كذلك نفيا للتجوز ~~والاشتراك في العرف. # وهذا هو مذهب الشافعي - رضي الله عنه - واختيار القاضي عبد الجبار وأبي ~~الحسين البصري. # وعلى كل تقدير فلا وجه للقول بالإجمال. ms506 لا بالنظر إلى الوضع اللغوي ~~الأصلي. ولا بالنظر إلى عرف الاستعمال. PageV03P014 ### | [المسألة الثالثة قوله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان] # المسألة الثالثة # مذهب الجمهور أنه لا إجمال في قوله - صلى الله عليه وسلم - «رفع عن أمتي ~~الخطأ والنسيان» . (1) وقال أبو الحسين البصري وأبو عبد الله البصري ~~وغيرهما: إنه مجمل، مصيرا منهم إلى أن اللفظ بوضعه لغة يقتضي رفع الخطإ ~~والنسيان في نفسه، وهو محال مع فرض وقوعه فيجل منصب النبي عن نفيه. # وعند ذلك، فإما أن يضمر نفي جميع أحكامه أو بعضها، لا سبيل إلى الأول، ~~لأن الإضمار على خلاف الأصل، وإنما يصار إليه لدفع الضرورة اللازمة من ~~تعطيل العمل باللفظ، فيجب الاقتصار فيه على أقل ما تندفع به الضرورة وهو ~~بعض الأحكام. # كيف وأنه يمتنع إضمار نفي جميع الأحكام، لأن من جملتها لزوم الضمان وقضاء ~~العبادة، وهو غير منفي بالإجماع. # ثم ذلك الحكم المضمر لا يمكن القول بتعيينه لعدم دلالة اللفظ عليه، فلم ~~يبق إلا أن يكون غير معين ويلزم منه الإجمال. # قال النافون للإجمال: وإن تعذر حمل اللفظ على رفع عين الخطأ والنسيان، ~~فإنما يلزم الإضمار إن لو لم يكن اللفظ ظاهرا بعرف استعمال أهل اللغة في ~~نفي المؤاخذة والعقاب قبل ورود الشرع، وليس كذلك. # ولهذا فإن كل من عرف عرف أهل اللغة لا يتشكك ولا يتردد عند سماعه قول ~~السيد لعبده " رفعت عنك الخطأ والنسيان " في أن مراده من ذلك رفع المؤاخذة ~~والعقاب. # والأصل أن كل ما يتبادر إلى الفهم من اللفظ أن يكون حقيقة فيه، إما ~~بالوضع الأصلي، أو العرف الاستعمالي. # وذلك لا إجمال فيه ولا تردد. PageV03P015 # فإن قيل: لو كان كما ذكرتموه لارتفع عنه الضمان لكونه من جملة المؤاخذات ~~والعقوبات. # قلنا: عنه جوابان: الأول: أنا لا نسلم أن الضمان من حيث هو ضمان عقوبة، ~~ولهذا يجب في مال الصبي والمجنون، وليسا أهلا للعقوبة، وكذلك يجب على ~~المضطر في المخمصة إذا أكل مال غيره، مع أن الأكل واجب عليه حفظا لنفسه، ~~والواجب لا ms507 عقوبة على فعله، وكذلك يجب الضمان على من رمى إلى صف الكفار ~~فأصاب مسلما، مع أنه مأمور بالرمي، وهو مثاب عليه. # الثاني: وإن سلمنا أنه عقاب، لكن غايته لزوم تخصيص عموم اللفظ الدال على ~~نفي كل عقاب، وذلك أسهل من القول بالإجمال. ### | [المسألة الرابعة قوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة إلا بطهور] # المسألة الرابعة # اختلفوا في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «لا صلاة إلا بطهور» " (1) ، ~~" «ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» " (2) ، " «ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من ~~الليل» " (3) ، " «ولا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» " (4) ونحوه. PageV03P016 # فمذهب الكل أنه لا إجمال فيه، خلافا للقاضي أبي بكر وأبي عبد الله البصري ~~فإنهما قالا بإجماله لأن حرف النفي دخل على هذه المسميات مع تحققها، فلا بد ~~من إضمار حكم يلحق، وتمام تقريره كما مر في المسألة المتقدمة. # والمختار: أنه لا إجمال في هذه الصور، لأنه لا يخلو إما أن يقال بأن ~~الشارع له في هذه الأسماء عرف أو لا عرف له فيها، بل هي منزلة على الوضع ~~اللغوي. # فإن قيل بالأول، فيجب تنزيل كلام الشارع على عرفه، إذ الغالب منه أنه ~~إنما يناطقنا فيما له فيه عرف بعرفه، فيكون لفظه منزلا على نفي الحقيقة ~~الشرعية من هذه الأمور ونفي الحقيقة الشرعية ممكن. # والأصل حمل الكلام على ما هو حقيقة فيه. # وعلى هذا، فلا إجمال، وإن كان مسمى هذه الأمور بالوضع اللغوي غير منفي. # وإن قيل بالثاني فالإجمال أيضا إنما يتحقق إن لو لم يكن اللفظ ظاهرا بعرف ~~استعمال أهل اللغة قبل ورود الشرع في مثل هذه الألفاظ في نفي الفائدة ~~والجدوى وليس كذلك. # وبيانه أن المتبادر إلى الفهم من نفي كل فعل كان متحقق الوجود إنما هو ~~نفي فائدته وجدواه. # ومنه قولهم: " لا علم إلا ما نفع، ولا كلام إلا ما أفاد، ولا حكم إلا ~~لله، ولا طاعة إلا له، ولا بلد إلا بسلطان، " إلى غير ذلك. # وإذا كان النفي محمولا على نفي الفائدة والجدوى فلا إجمال فيه. # وإن سلمنا أنه لا ms508 عرف للشارع، ولا لأهل اللغة في ذلك، وأنه لا بد من ~~الإضمار غير أن الاتفاق واقع على أنه لا خروج للمضمر هاهنا عن الصحة ~~والكمال، وعند ذلك فيجب اعتقاد ظهوره في نفي الصحة والكمال لوجهين: # الأول: أنه أقرب إلى موافقة دلالة اللفظ على النفي لأنه إذا قال: " لا ~~صلاة، لا صوم إلا بكذا " فقد دل على نفي أصل الفعل بدلالة المطابقة، وعلى ~~صفاته بدلالة الالتزام، فإذا تعذر العمل بدلالة المطابقة تعين العمل بدلالة ~~الالتزام تقليلا لمخالفة الدليل. # PageV03P017 # الثاني: أنه إذا كان اللفظ قد دل على نفي العمل وعدمه، فيجب عند تعذر حمل ~~اللفظ على حقيقته حمله على أقرب المجازات الشبيهة به، ولا يخفى أن مشابهة ~~الفعل الذي ليس بصحيح ولا كامل للفعل المعدوم أكثر من مشابهة الفعل الذي ~~نفي عنه أحد الأمرين دون الآخر، فكان الحمل عليه أولى. # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض من وجهين: # الأول: أنه يلزم منه الزيادة في الإضمار والتجوز المخالف للأصل. # الثاني: أن حمله على نفي الكمال دون الصحة مستيقن، من حيث إنه يلزم من ~~نفي الصحة نفي الكمال، ولا عكس، وإذا تقابلت الاحتمالات لزم الإجمال. # قلنا: بل الترجيح لما ذكرناه؛ لأنه لا يلزم منه تعطيل دلالة اللفظ، بخلاف ~~ما ذكرتموه، ولأنه على وفق النفي الأصلي، وما ذكرتموه على خلافه، فكان ما ~~ذكرناه أولى. # وعلى هذا، فقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «لا عمل إلا بنية، وإنما ~~الأعمال بالنيات» ". # وإن لم يكن للشارع فيه عرف، كما في الصلاة والصوم ونحوهما، فعرف أهل ~~اللغة في نفيه نفي الفائدة والجدوى، كما قررناه فيما تقدم، فلا إجمال فيه ~~أيضا، خلافا لأبي الحسين البصري وأبي عبد الله البصري وغيرهما من المعتزلة. # PageV03P018 ### | [المسألة الخامسة قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما] # المسألة الخامسة # اختلفوا في قوله تعالى {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} ) فقال بعض ~~الأصوليين إن لفظ القطع واليد مجمل. # أما الإجمال في القطع فلأنه يصدق إطلاقه على بينونة العضو من العضو، وعلى ~~شق الجلد الظاهر من العضو بالجرح من غير إبانة للعضو. # ولذلك ms509 يقال عندما إذا جرح يده في بعض الأعمال، كبري القلم وغيره " قطع ~~يده " # وأما الإجمال في اليد، فلأن لفظ اليد يطلق على جملتها إلى المنكب، وعليها ~~إلى المرفق، وعليها إلى الكوع، وليس أحد هذه الاحتمالات أظهر من الآخر، ~~فكان لفظ اليد والقطع مجملا. # وذهب الباقون إلى خلافه متمسكين في ذلك بالإجمال والتفصيل: # أما الإجمال: فهو أن إطلاق لفظ اليد على ما ذكر من المحامل، وكذلك إطلاق ~~لفظ القطع: # إما أن يكون حقيقة في الكل أو هو حقيقة في البعض مجاز في البعض، فإن كان ~~حقيقة في الكل، فإما أن يكون مشتركا، أو متواطئا: القول بالاشتراك يلزم منه ~~الإجمال في الكلام، وهو على خلاف الأصل. # وإن كان الثاني والثالث، فليس بمجمل. # كيف وإنه وإن كان الاشتراك الأصل، إلا أن الاحتمالات ثلاثة كما ذكرناه، ~~ولا إجمال فيه على تقديرين منها. وهما حالة التواطؤ والتجوز في أحدهما، ~~وإنما يتحقق الإجمال على تقدير الاشتراك، وهو متحد، ووقوع احتمال من ~~احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه. # وإذا كان حقيقة في أحدهما دون الآخر، فيجب اعتقاد كونه ظاهرا في كل العضو ~~ضرورة الاتفاق على عدم ظهوره فيما سواه، أما عند الخصم، فلدعواه الإجمال، ~~وأما عندنا فلمصيرنا إلى نفي الظهور عنه وانحصاره في جملة مسمى العضو. # PageV03P019 # وأما التفصيل: فهو أن لفظ اليد، وإن أطلق على ما ذكروه من الاحتمالات إلا ~~أنه حقيقة في جملة العضو إلى المنكب، ومجاز فيما عداه. # ودليله أنه يصح أن يقال، إذا أبينت اليد من المرفق أو من الكوع: هذا بعض ~~اليد لا كلها. # وذلك يدل على أنه ليس حقيقة من وجهين: # الأول: أن مسمى اليد حقيقة لا يصدق عليه أنه بعض اليد. # والثاني: صحة القول بأنه ليس كل اليد ولو كان مسمى اليد حقيقة، لما صح ~~نفيه. # وأما لفظ القطع فحقيقة في إبانة الشيء عما كان متصلا به. # فإذا أضيف القطع إلى اليد، وكان مسمى اليد حقيقة في جملتها إلى الكوع، ~~وجب حمله على إبانة مسمى اليد، وهو جملتها، وحيث أطلق ms510 قطع اليد عند إبانة ~~بعض أجزائها عن بعض لا يكون حقيقة، بل تجوزا. # فإن قيل: لو كان الأمر على ما ذكرتموه لما وجب الاقتصار في قطع يد السارق ~~على قطعه من الكوع، لما فيه من مخالفة الظاهر. # قلنا: وإن لزم منه مخالفة الظاهر إلا أنه أولى من القول بالإجمال في كلام ~~الشارع، فكان إدراج ما نحن فيه تحت الأغلب أغلب. # الثاني: أن القول بالإجمال مما يفضي إلى تعطيل اللفظ عن العمل في الحال، ~~إلى حين قيام الدليل المرجح، ولا كذلك في الحمل على المجاز: فإنه إن لم ~~يظهر دليل التجوز عمل باللفظ في حقيقته، وإن ظهر عمل به في مجازه، من غير ~~تعطيل اللفظ في الحال ولا في ثاني الحال. # PageV03P020 ### | [المسألة السادسة اللفظ الوارد إذا أمكن حمله على ما يفيد معنى واحدا ومعنيين] # المسألة السادسة # اللفظ الوارد إذا أمكن حمله على ما يفيد معنى واحدا، وعلى ما يفيد ~~معنيين. قال الغزالي وجماعة من الأصوليين: هو مجمل لتردده بين هذين ~~الاحتمالين # والذي عليه الأكثر أنه ليس بمجمل، بل هو ظاهر فيما يفيد معنيين. # وهذا هو المختار. # وقبل الخوض في الحجاج لا بد من تلخيص محل النزاع. # فنقول: اللفظ الوارد، إما أن يظهر كونه حقيقة فيما قيل من المحملين مع ~~اختلافهما أو كونه حقيقة في أحدهما، مجازا في الآخر، أو لم يظهر أحد ~~الأمرين: فإن كان من القسم الأول أو الثاني، فلا معنى للخلاف فيه. # أما الأول: فلتحقق إجماله. # وأما الثاني: فلتحقق الظهور في أحد المحملين: وإنما النزاع في القسم ~~الثالث، ويجب اعتقاد نفي الإجمال فيه للإجمال والتفصيل: أما الإجمال فما ~~تقدم في المسألة المتقدمة. # وأما التفصيل فهو أن الكلام إنما وضع للإفادة، ولا سيما كلام الشارع. # ولا يخفى أن ما يفيد معنيين أكثر في الفائدة فيجب اعتقاد كون اللفظ ظاهرا ~~فيه. # فإن قيل: هذا الترجيح معارض بترجيح آخر، وهو أن الغالب من الألفاظ ~~الواردة هي المفيدة لمعنى واحد بخلاف المفيد لمعنيين. # وعند ذلك فاعتقاد إدراج ما نحن فيه تحت الأعم الأغلب ms511 أغلب. # قلنا: يجب اعتقاد الترجيح فيما ذكرناه، وذلك لأنه لا يخلو، إما أن يقال ~~بالتساوي بين الاحتمالين أو التفاوت. # القول بالتساوي يلزم منه تعطيل دلالة اللفظ وامتناع العمل به مطلقا، إلى ~~حين قيام الدليل، وذلك على خلاف الأصل. # وإن قيل بالتفاوت والترجيح، فإما أن يكون فيما يفيد معنى واحدا، أو فيما ~~يفيد معنيين: لا سبيل إلى الأول، إذ القائل قائلان: قائل يقول بالإجمال، ~~ففيه نفي الترجيح عن المعنيين، وقائل يقول بأنه ظاهر راجح فيما يفيد معنيين ~~دون ما يفيد معنى واحدا، فقد وقع الاتفاق على نفي الترجيح فيما يفيد معنى ~~واحدا، فتعين الترجيح لما يفيد معنيين. # PageV03P021 ### | [المسألة السابعة اللفظ الوارد من جهة الشارع إذا أمكن حمله على حكم شرعي مجدد وعلى الموضوع اللغوي] # المسألة السابعة # اللفظ الوارد من جهة الشارع إذا أمكن حمله على حكم شرعي مجدد، وأمكن حمله ~~على الموضوع اللغوي اختلفوا فيه. # فذهب الغزالي: إلى أنه مجمل لتردده بين الاحتمالين من غير مزية، وذهب ~~غيره: إلى أنه ظاهر في الحكم الشرعي، وهو المختار. # وذلك مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «الطواف بالبيت صلاة» " (1) ~~فإنه يحتمل أنه أراد به أنه كالصلاة حكما في الافتقار إلى الطهارة، ويحتمل ~~أنه أراد به أنه مشتمل على الدعاء الذي هو صلاة لغة، وكقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " «الاثنان فما فوقهما جماعة» " (2) فإنه يحتمل أنه أراد به ~~أنهما جماعة حقيقة، ويحتمل أنه أراد به انعقاد الجماعة بهما وحصول فضيلتها، ~~وإنما قلنا بكونه ظاهرا في الحكم الشرعي للإجمال والتفصيل: أما الإجمال فما ~~ذكرناه فيما تقدم. # وأما التفصيل فهو أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما بعث لتعريف الأحكام ~~الشرعية، التي لا تعرف إلا من جهته لا لتعريف ما هو معروف لأهل اللغة: فوجب ~~حمل اللفظ عليه لما فيه من موافقة مقصود البعثة. PageV03P022 # فإن قيل: ما ذكرتموه من الترجيح مقابل بمثله، وبيانه أن حمل اللفظ على ~~الحكم الشرعي المجدد مخالف للنفي الأصلي، بخلاف الحمل على الموضوع الأصلي. # قلنا: إلا أنا لو حملناه على تعريف الموضوع اللغوي كانت ms512 فائدة لفظ الشارع ~~التأكيد بتعريف ما هو معروف لنا، ولو حملناه على تعريف الحكم الشرعي كانت ~~فائدته التأسيس وتعريف ما ليس معروفا لنا، وفائدة التأسيس أصل، وفائدة ~~التأكيد تبع، فكان حمله على التأسيس أولى. ### | [المسألة الثامنة لفظ الشارع له مسمى لغوي ومسمى شرعي عند المعترف بالأسماء الشرعية] # المسألة الثامنة # إذا ورد لفظ الشارع وله مسمى لغوي، ومسمى شرعي عند المعترف بالأسماء ~~الشرعية قال القاضي أبو بكر تفريعا على القول بالأسماء الشرعية: إنه مجمل. # وقال بعض أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة: إنه محمول على المسمى الشرعي. # وفصل الغزالي وقال: ما ورد في الإثبات، فهو للحكم الشرعي، وما ورد في ~~النهي فهو مجمل، ومثال ذلك في طرف الإثبات قوله - صلى الله عليه وسلم - حين ~~دخل على عائشة فقال لها: " «أعندك شيء؟ فقالت: لا، قال: إني إذا أصوم» " ~~(1) فهو إن حمل على الصوم الشرعي دل على صحة الصوم بنية من النهار بخلاف ~~حمله على الصوم اللغوي، ومثاله في طرف النهي نهيه - عليه السلام - عن صوم ~~يوم النحر، (2) فإنه إن حمل على الصوم الشرعي دل على تصور وقوعه لاستحالة ~~النهي عما لا تصور لوقوعه، بخلاف ما إذا حمل على الصوم اللغوي. # والمختار ظهوره في المسمى الشرعي في طرف الإثبات، وظهوره في المسمى ~~اللغوي في طرف الترك. (3) PageV03P023 # أما الأول: فبيانه بما تقدم في المسألة التي قبلها، ويزيد هاهنا وجه آخر ~~في الترجيح، وهو أن الشارع مهما ثبت له عرف وإن كانت مناطقته لنا بالأمور ~~اللغوية غالبا، غير أن مناطقته لنا بعرفه في موضع له فيه عرف أغلب. # وأما إذا ورد في طرف الترك، كقوله - صلى الله عليه وسلم - «دعي الصلاة ~~أيام أقرائك» " (1) وكنهيه عن بيع الحر والخمر وحبل الحبلة والملاقيح ~~والمضامين، فإنه لو كان اللفظ ظاهرا في الصلاة الشرعية والبيع الشرعي، لزم ~~أن يكون ذلك متصورا لاستحالة النهي عما لا تصور له، وهو خلاف الإجماع، وأن ~~يكون الشارع (2) قد نهى عن التصرف الشرعي، وذلك ممتنع لما فيه من إهمال ~~المصلحة المعتبرة المرعية في التصرف الشرعي (3) أو ms513 أن يقال مع ظهوره في ~~المسمى الشرعي بتأويله وصرفه إلى المسمى اللغوي، وهو على خلاف الأصل، ولا ~~يلزم من اطراد عرف الشرع في هذه المسميات في طرف الإثبات، مثله في طرف ~~النهي أو النفي. # وعلى ما حققناه من تقديم عرف الشرع في خطابه، على وضع اللغة، فيقدم ما ~~اشتهر من المجاز الذي صار لا يفهم من اللفظ غيره على الوضع الأصلي الحقيقي، ~~وسواء كان ذلك التجوز بطريق نفي الكلام من محل الحقيقة إلى ما هو خارج عنه ~~كلفظ الغائط، أو بطريق تخصيصه ببعض مسمياته في الحقيقة، كلفظ الدابة لأن ~~العرف الطارئ غالب للوضع الأصلي ولا إجمال فيه. PageV03P024 ### | [الصنف الثامن في البيان والمبين] ### | [مقدمة في تحقيق معنى البيان والمبين واختلاف الناس في العبارات الدالة عليهما] # ويشتمل على مقدمة ومسائل، أما المقدمة، ففي تحقيق معنى البيان والمبين، ~~واختلاف الناس في العبارات الدالة عليهما، وما هو المختار في ذلك. # أما البيان: فاعلم أنه لما كان متعلقا بالتعريف والإعلام بما ليس بمعروف ~~ولا معلوم، وكان ذلك مما يتوقف على الدليل، والدليل مرشد إلى المطلوب، وهو ~~العلم أو الظن الحاصل عن الدليل، ولم يخرج البيان عن التعريف والدليل ~~والمطلوب الحاصل من الدليل لعدم معنى رابع يفسر به البيان، فلا جرم اختلف ~~الناس. # فقال أبو بكر الصيرفي - من أصحاب الشافعي - وغيره: إن البيان هو التعريف، ~~وعبر عنه بأنه إخراج الشيء عن حيز الإشكال إلى حيز الوضوح والتجلي. # وذهب أبو عبد الله البصري وغيره، إلى أن البيان هو العلم من الدليل. # وذهب القاضي أبو بكر والغزالي وأكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة: كالجبائي ~~وأبي هاشم وأبي الحسين البصري وغيرهم، إلى أن البيان هو الدليل، وهو ~~المختار. # ويدل على صحة تفسيره بذلك أن من ذكر دليلا لغيره وأوضحه غاية الإيضاح يصح ~~لغة وعرفا أن يقال: تم بيانه، وهو بيان حسن إشارة إلى الدليل المذكور. # وإن لم يحصل منه المعرفة بالمطلوب للسامع، ولا حصل به تعريفه، ولا إخراج ~~المطلوب من حيز الإشكال إلى حيز الوضوح والتجلي، والأصل في الإطلاق ~~الحقيقة، والذي ms514 يخص كل واحد من التعريفين الآخرين. # أما الأول: فلأنه غير جامع؛ لأن ما يدل على الحكم بديا من غير سابقة ~~إجمال بيان، وهو غير داخل في الحد، وشرط الحد أن يكون جامعا مانعا، كيف ~~وفيه تجوز وزيادة؟ # أما التجوز ففي لفظ الحيز، فإنه حقيقة في الجوهر دون غيره. # وأما الزيادة فما فيه من الجمع بين الوضوح والتجلي، وأحدهما كاف عن ~~الآخر، والحد مما يجب صيانته عن التجوز والزيادة. # PageV03P025 # وأما التعريف الثاني فلأن حصول العلم عن الدليل يسمى تبينا، والأصل في ~~الإطلاق الحقيقة، فلو كان هو البيان أيضا حقيقة لزم منه الترادف. # والأصل عند تعدد الأسماء تعدد المسميات، تكثيرا للفائدة، ولأن الحاصل عن ~~الدليل قد يكون علما، وقد يكون ظنا. # وعند ذلك فتخصيص اسم البيان بالعلم دون الظن لا معنى له، مع أن اسم ~~البيان يعم الحالتين، وإذا كان النزاع إنما هو في إطلاق أمر لفظي، فأولى ما ~~اتبع ما كان موافقا للإطلاق اللغوي، وأبعد عن الاضطراب ومخالفة الأصول. # وإذا عرف أن البيان هو الدليل المذكور فحد البيان ما هو حد الدليل، على ~~ما سبق في تحريره. (1) ويعم ذلك كل ما يقال له دليل، كان مفيدا للقطع أو ~~الظن، وسواء كان عقليا أو حسيا، أو شرعيا أو عرفيا، أو قولا أو سكوتا، أو ~~فعلا أو ترك فعل، إلى غير ذلك. # وأما المبين فقد يطلق، ويراد به ما كان من الخطاب المبتدأ المستغني بنفسه ~~عن بيان، وقد يراد به ما كان محتاجا إلى البيان، وقد ورد عليه بيانه، وذلك ~~كاللفظ المجمل إذا بين المراد منه، والعام بعد التخصيص، والمطلق بعد ~~التقييد، والفعل إذا اقترن به ما يدل على الوجه الذي قصد منه ذلك. ### | [المسألة الأولى الفعل يكون بيانا] # وأما المسائل فثمان: PageV03P026 # المسألة الأولى # مذهب الأكثرين أن الفعل يكون بيانا، خلافا لطائفة شاذة. # ويدل على ذلك النقل والعقل، أما النقل: فما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه عرف الصلاة والحج بفعله حيث قال: " «صلوا كما رأيتموني أصلي» "، ~~" «وخذوا عني مناسككم» ". # وأما ms515 العقل: فهو أن الإجماع منعقد على كون القول بيانا، والإتيان بأفعال ~~الصلاة والحج؛ لكونها مشاهدة أدل على معرفة تفصيلها من الإخبار عنها ~~بالقول، فإنه (ليس الخبر كالمعاينة) (1) ولهذا كانت مشاهدة زيد في الدار ~~أدل على معرفة كونه فيها من الإخبار عنه بذلك. # وإذا كان القول بيانا، مع قصوره في الدلالة عن الفعل المشاهد، فكون الفعل ~~بيانا أولى. # فإن قيل: أما النقل فالبيان فيه إنما وقع بالقول لا بالفعل، وهو قوله: " ~~«صلوا كما رأيتموني أصلي» ، «وخذوا عني مناسككم» "، وأما المعقول: فهو أن ~~الفعل وإن كان مشاهدا غير أن زمان البيان به مما يطول، ويلزم من ذلك تأخير ~~البيان مع إمكانه بما هو أفضى إليه، وهو القول، وذلك ممتنع. # قلنا: أما القول بأن البيان إنما حصل بالقول ليس كذلك، فإنه لم يتضمن ~~تعريف شيء من أفعال الصلاة والحج، بل غايته تعريف أن الفعل هو البيان لذلك. # وأما القول بأن البيان بالفعل مما يفضي إلى تأخير البيان مع إمكان تقدمه ~~فهو غير مسلم، بل التعريف بالقول. وذكر كل فعل بصفته وهيئته، وما يتعلق به ~~أبعد عن التشبث بالذهن من الفعل المشاهد، وربما احتيج في ذلك إلى تكرير في ~~أزمنة تزيد على زمان وقوع (الفعل) بأزمنة كثيرة، على ما يشهد به العرف ~~والعادة. # وإن سلمنا أن زمان التعريف بالفعل يكون أطول، فليس في ذلك ما يدل على ~~كونه غير صالح للبيان والتعريف، والخلاف إنما هو في ذلك، وقد بينا أنه مع ~~صلاحيته للتعريف أدل من القول. PageV03P027 # قولهم: إنه يفضي إلى تأخير البيان، مع إمكان تقديمه بالقول. # قلنا: لا يخلو إما أن لا تكون الحاجة قد دعت إلى البيان في الحال، أو دعت ~~إليه: فإن كان الأول، فلا محذور في التأخير مع حصول البيان بما هو أدل من ~~القول، وإن كان الثاني، فلا نسلم امتناع التأخير على قولنا بجواز التكليف ~~بما لا يطاق على ما قررناه. # وبتقدير امتناعه فإنما نسلم ذلك فيما إذا كان التأخير لا لفائدة، وأما ~~إذا كان لفائدة فلا. # وقد بينا الفائدة ms516 في البيان بالفعل من جهة كونه أدل على المقصود. ### | [المسألة الثانية ورد بعد اللفظ المجمل قول وفعل وكل واحد منهما صالح للبيان] # المسألة الثانية # إذا ورد بعد اللفظ المجمل قول وفعل، وكل واحد منهما صالح للبيان، فالبيان ~~بماذا منهما؟ والحق في ذلك أنه لا يخلو إما أن يتوافقا في البيان أو ~~يختلفا، فإن توافقا، فإن علم تقدم أحدهما فهو البيان لحصول المقصود به، ~~والثاني يكون تأكيدا إلا إذا كان دون الأول في الدلالة، لاستحالة تأكيد ~~الشيء بما هو دونه في الدلالة. # وإن جهل ذلك، فلا يخلو إما أن يكونا متساويين في الدلالة، أو أحدهما أرجح ~~من الآخر على حسب اختلاف الوقائع والأقوال والأفعال، فإن كان الأول: ~~فأحدهما هو البيان، والآخر مؤكد من غير تعيين، وإن كان الثاني فالأشبه أن ~~المرجوح هو المتقدم لأنا فرضنا تأخر المرجوح، امتنع أن يكون مؤكدا للراجح، ~~إذ الشيء لا يؤكد بما هو دونه في الدلالة، والبيان حاصل دونه، فكان الإتيان ~~به غير مفيد، ومنصب الشارع منزه عن الإتيان بما لا يفيد، ولا كذلك فيما إذا ~~جعلنا المرجوح مقدما، فإن الإتيان بالراجح بعده يكون مفيدا للتأكيد، ولا ~~يكون معطلا. # وأما إن لم يتوافقا في البيان، كما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~بعد آية الحج قال: " «من قرن حجا إلى عمرة فليطف طوافا واحدا، ويسعى سعيا ~~واحدا» ". (1) PageV03P028 # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - «أنه قرن فطاف طوافين، وسعى سعيين» (1) ~~فلا يخلو: إما أن يعرف تقدم أحدهما أو يجهل، فإن علم التقدم قال أبو ~~الحسين: المتقدم هو البيان. # فإن تقدم الفعل كان الطواف الثاني واجبا. # وإن تقدم القول كان الطواف الثاني غير واجب، وليس بحق، بل الحق أن يقال: ~~إن كان القول متقدما فالطواف الثاني غير واجب، وفعل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - له يجب أن يحمل على كونه مندوبا، وإلا فلو كان فعله له دليل الوجوب، ~~كان ناسخا لما دل عليه القول. # ولا يخفى أن الجمع أولى من التعطيل، وفعله للطواف الأول يكون تأكيدا ~~للقول، ms517 وإن كان الفعل متقدما، فهو وإن دل على وجوب الطواف الثاني إلا أن ~~القول بعده يدل على عدم وجوبه، والقول بإهمال دلالة القول ممتنع، فلم يبق ~~إلا أن يكون ناسخا لوجوب الطواف الثاني الذي دل عليه الفعل، أو أن يحمل ~~فعله على بيان وجوب الطواف الثاني في حقه دون أمته، وأن يحمل قوله على بيان ~~وجوب الأول دون الثاني في حق أمته دونه، والأشبه إنما هو الثاني دون الأول، ~~لما فيه من الجمع بين البيانين من غير نسخ ولا تعطيل. (2) وأما إن جهل ~~المتقدم منهما، فالأولى إنما هو تقدير تقدم القول وجعله بيانا لوجهين ~~PageV03P029 # الأول: أنه مستقل بنفسه في الدلالة بخلاف الفعل، فإنه لا يتم كونه بيانا ~~دون اقتران العلم الضروري بقصد النبي - صلى الله عليه وسلم - البيان به أو ~~قول منه يدل على ذلك، وذلك مما لا ضرورة تدعو إليه. (1) الثاني: أنا إذا ~~قدرنا تقدم القول أمكن حمل الفعل بعده على ندبية الطواف الثاني كما تقدم ~~تعريفه. # ولو قدرنا تقدم الفعل يلزم منه إما إهمال دلالة القول، أو كونه ناسخا ~~لحكم الفعل، أو أن يكون الفعل بيانا لوجوب الطواف الثاني في حق النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - دون أمته، والقول دليل عدم وجوبه في حق أمته دونه، ~~والإهمال والنسخ على خلاف الأصل، والافتراق بين النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- والأمة في وجوب الطواف الثاني مرجوح بالنظر إلى ما ذكرناه من التشريك، ~~لكون التشريك هو الغالب دون الافتراق. (2) PageV03P030 ### | [المسألة الثالثة هل يكون البيان مساويا للمبين في القوة أو يجوز أن يكون أدنى منه] # المسألة الثالثة # هل يجب أن يكون البيان مساويا للمبين في القوة، أو يجوز أن يكون أدنى ~~منه، قال الكرخي: لا بد من المساواة، وقال أبو الحسين البصري: يجوز أن يكون ~~أدنى منه. # وهل يجب أن يكون مساويا للمبين في الحكم؟ فمنهم من قال به، ومنهم من ~~نفاه. # والمختار في ذلك أن يقال: أما المساواة في القوة، فالواجب أن يقال: إن ~~كان المبين مجملا، كفى في تعيين أحد ms518 احتماليه أدنى ما يفيد الترجيح، وإن ~~كان عاما أو مطلقا، فلا بد وأن يكون المخصص والمقيد في دلالته أقوى من ~~دلالة العام على صورة التخصيص، ودلالة المطلق على صورة التقييد، وإلا فلو ~~كان مساويا لزم الوقف (1) ولو كان مرجوحا لزم منه إلغاء الراجح بالمرجوح، ~~وهو ممتنع. # وأما المساواة بينهما في الحكم فغير واجب، وذلك لأنه لو كان ما دل عليه ~~البيان من الحكم هو ما دل عليه المبين، لم يكن أحدهما بيانا للآخر. # وإنما يكون أحد الأمرين بيانا للآخر، إذا كان دالا على صفة مدلول الآخر، ~~لا على مدلوله، ومع ذلك فلا اتحاد في الحكم. # فإن قيل: المراد من الاتحاد في الحكم أنه إن كان حكم المبين واجبا كان ~~بيانه واجبا، وإن لم يكن واجبا لم يكن البيان واجبا. # قلنا: لا يخلو إما أن لا تكون الحاجة داعية إلى البيان في الحال، أو هي ~~داعية فإن كان الأول: فالبيان غير واجب على ما سيأتي، وسواء كان حكم المبين ~~واجبا أو لم يكن. # وإن كان الثاني فعلى قولنا بجواز التكليف بما لا يطاق على ما تقرر. (2) ~~فالبيان أيضا لا يكون واجبا، وإن كان الحكم المبين واجبا. PageV03P031 # وأما إذا قلنا بامتناع التكليف بما لا يطاق فالحق ما قالوه، وذلك لأنه ~~إذا كان المبين واجبا، فلو لم يكن البيان واجبا لجاز تركه، ويلزم من ذلك ~~التكليف بما لا يطاق، وهو خلاف الفرض. # وإذا كان المبين غير واجب، فالقول بعدم إيجاب البيان لا يفضي إلى التكليف ~~بما لا يطاق إذ لا تكليف فيما ليس بواجب، لأن ما لا يكون واجب الفعل، ولا ~~واجب الترك، فهو إما مندوب، أو مباح، أو مكروه. # وكل واحد من هذه الأقسام الثلاثة لا تكليف فيه على ما تقدم. (1) ولا يلزم ~~من القول بالوجوب حذرا من تكليف ما لا يطاق الوجوب مع عدم التكليف أصلا، ~~اللهم إلا أن ينظر إلى التكليف بوجوب اعتقاده على ما هو عليه من إباحة أو ~~ندب أو كراهة، فيكون من القسم الأول. ### | [المسألة الرابعة تأخير ms519 البيان] # المسألة الرابعة # في جواز تأخير البيان: إما عن وقت الحاجة، فقد اتفق الكل على امتناعه سوى ~~القائلين بجواز التكليف بما لا يطاق، ومدار الكلام من الجانبين فقد عرف ~~فيما تقدم. # وأما تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة ففيه مذاهب. # فذهب أكثر أصحابنا وجماعة من أصحاب أبي حنيفة إلى جوازه، وذهب بعض ~~أصحابنا: كأبي إسحاق المروزي، وأبي بكر الصيرفي، وبعض أصحاب أبي حنيفة ~~والظاهرية إلى امتناعه، وذهب الكرخي وجماعة من الفقهاء إلى جواز تأخير بيان ~~المجمل دون غيره، وذهب بعضهم إلى جواز تأخير بيان الأمر دون الخبر (2) وذهب ~~الجبائي وابنه والقاضي عبد الجبار إلى جواز تأخير بيان النسخ دون غيره، ~~وذهب أبو الحسين البصري إلى جواز تأخير بيان ما ليس له ظاهر كالمجمل، وإما ~~له ظاهر وقد استعمل في غير ظاهره، كالعام والمطلق والمنسوخ ونحوه، فقال ~~يجوز تأخير بيانه التفصيلي لا يجوز تأخير بيانه الإجمالي، وهو أن يقول وقت ~~الخطاب: هذا العموم مخصوص، وهذا المطلق مقيد، وهذا الحكم سينسخ. ~~PageV03P032 # (1) وإذا عرف تفصيل المذاهب فقد احتج أصحابنا القائلون بجواز التأخير ~~مطلقا بحجج نقلية، وعقلية. # أما النقلية، فالحجة الأولى منها قوله تعالى {إن علينا جمعه وقرآنه} . ~~{فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} . {ثم إن علينا بيانه} ووجه الاحتجاج به أنه قال ~~{فإذا قرأناه} معناه أنزلناه، ويدل على ذلك قوله تعالى {فاتبع قرآنه} أمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاتباع بفاء التعقيب، لقوله {فإذا قرأناه} ~~ولا يتصور ذلك قبل الإنزال لعدم معرفته به، وإنما يكون بعد الإنزال. # وإذا كان المراد بقوله {قرأناه} الإنزال، فقوله {ثم إن علينا بيانه} يدل ~~على تأخير البيان عن وقت الإنزال، لأن (ثم) للمهلة والتراخي على ما سبق ~~تقريره. (2) ولقائل أن يقول: وإن كان المراد من قوله تعالى: {فإذا قرأناه} ~~الإنزال، ولكن لا نسلم أن المراد من قوله {ثم إن علينا بيانه} بيان مجمله ~~وخصوصه وتقييده ومنسوخه، بل المراد منه إظهاره وإشهاره، وهو على وفق ~~الظاهر؛ لأن البيان هو الإظهار في اللغة، ومنه يقال " بان لنا الكوكب ~~الفلاني، وبان لنا ms520 سور المدينة " إذا ظهر، ويقال " بين فلان الأمر الفلاني ~~" إذا أظهره وعند ذلك، فليس حمله على ما ذكر من بيان المراد من المجمل ~~والعام والمطلق أولى مما ذكرناه. (3) كيف وإن الترجيح لهذا المعنى من جهة ~~أن المراد من قوله تعالى {إن علينا جمعه وقرآنه} إنما هو جميع القرآن فإنه ~~ليس اختصاص بعضه بذلك أولى من بعض. PageV03P033 # وأيضا فإنه أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاتباع بقوله {فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه} والأمر بذلك غير خاص ببعض القرآن دون البعض إجماعا، ~~ولأنه لا أولوية للبعض دون البعض؛ ولأنه لو حمل ذلك على البعض دون البعض مع ~~كونه غير معين في اللفظ، كان مجملا وتكليفا له بما ليس بمعلوم له، وهو خلاف ~~الأصل. # وإذا ثبت أن المراد من قوله من أول الآية إنما هو جميع القرآن فالظاهر أن ~~يكون الضمير في قوله تعالى {ثم إن علينا بيانه} عائدا إلى جميع المذكور ~~السابق، وهو جملة القرآن لا إلى بعضه، لعدم الأولوية. # وإنما يمكن ذلك بحمل البيان على ما ذكرناه لا على ما ذكروه لاستحالة ~~افتقار كل القرآن إلى البيان بالمعنى الذي ذكروه، فإنه ليس كل القرآن مجملا ~~ولا ظاهرا في معنى، وقد استعمل في غيره، فكان ما ذكرناه أولى. # وهذا إشكال مشكل، وفي تحريره وتقريره على هذا الوجه يتبين للناظر المتبحر ~~فيه إبطال كل ما يخبط به بعض المخبطين. (1) وإن سلمنا أن المراد به إنما هو ~~بيان المراد من الظاهر الذي استعمل في غير ما هو الظاهر منه، لكن ما المانع ~~أن يكون المراد به البيان التفصيلي، كما قاله أبو الحسين البصري؟ ~~PageV03P034 # فإن قيل: لا يمكن ذلك لأن لفظ البيان مطلق (1) فحمله على البيان التفصيلي ~~يكون تقييدا له، وتقييد المطلق من غير دليل ممتنع. # قلنا: وإذا كان مطلقا، فالمطلق لا يمكن حمله على جميع صوره، وإلا كان ~~عاما لا مطلقا، بل غايته أنه إذا عمل به في صورة، فقد وفى بالعمل بدلالته. # وعند ذلك، فلا يخفى أن تنزيل البيان في الآية على الإجمالي دون ms521 التفصيلي ~~يكون تقييدا للمطلق، وهو ممتنع من غير دليل. # وإن لم يقل بتنزيله عليه، فلا حجة فيه. # وإن سلمنا أن المراد به البيان الإجمالي والتفصيلي، غير أنه قد تعذر ~~العمل بظاهر (ثم) من حيث إنها تدل على وجوب تأخير بيان كل القرآن ضرورة عود ~~الضمير إلى الكل (2) على ما سبق. # وذلك خلاف الإجماع. # وإذا تعذر العمل بظاهرها وجب العمل بها في مجازها وهو حملها على معنى ~~(الواو) كما في قوله تعالى: {فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون} ~~فإن (ثم) هاهنا بمعنى (الواو) ولاستحالة كون الرب شاهدا، بعد أن لم يكن ~~شاهدا. # الحجة الثانية: قوله تعالى {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت} و (ثم) ~~للتأخير. # ولقائل أن يقول: لا نسلم أن المراد من التفصيل بيان المراد من المجمل ~~والظاهر والمستعمل في غير ما هو ظاهر فيه، بل المراد من قوله " أحكمت " أي ~~في اللوح المحفوظ وفصلت في الإنزال. # الحجة الثالثة: قوله تعالى {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} ~~وأراد به: بيانه للناس. PageV03P035 # ولقائل أن يقول: ظاهر ذلك للمنع من تعجيل نفس القرآن، لا بيان ما هو ~~المراد منه، لما فيه من الإضمار المخالف للأصل، وإنما منعه من تعجيل القرآن ~~أي من تعجيل أدائه عقيب سماعه، حتى لا يختلط عليه السماع بالأداء، وإلا فلو ~~أراد به البيان لما منعه عنه بالنهي للاتفاق على أن تعجيل البيان بعد ~~الأداء غير منهي عنه. # الحجة الرابعة: أنه تعالى أمر بني إسرائيل بذبح بقرة معينة غير منكرة ~~بقوله تعالى {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} ولم يعينها إلا بعد سؤالهم. # ودليل كون المأمور به معينا أمران: الأول: أنهم سألوا تعيينها بقولهم له: ~~" {ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} و {ما لونها} ولو كانت منكرة لما احتيج إلى ~~ذلك للخروج عن العهدة بأي بقرة كانت. # الثاني: أن قوله تعالى {إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر} و {إنها ~~بقرة صفراء} و {إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث} ms522 والضمير في ~~هذه جميع الكنايات (1) يجب صرفه إلى ما أمروا به أولا. # وبيانه من وجهين: الأول: أنه لو لم يكن كذلك لكان تكليفا بأمور مجددة غير ~~ما أمروا به أولا، ولو كان كذلك لكان الواجب من تلك الصفات المذكورة آخرا ~~دون ما ذكر أولا، وهو خلاف الإجماع على أن المأمور به كان متصفا بجميع ~~الصفات المذكورة. # الثاني: أنه لو لم يكن كذلك للزم منه أن لا يكون الجواب مطابقا للسؤال، ~~وهو خلاف الأصل. # ولقائل أن يقول: لا نسلم أن البقرة المأمور بها كانت معينة في نفس الأمر ~~بل منكرة مطلقا، فلا تكون محتاجة إلى البيان لإمكان الخروج عن العهدة بذبح ~~أي بقرة اتفقت، ولا يكون ذلك من صور النزاع. # قولهم إنهم سألوا عن تعيينها، ولو أمروا بمنكر لما سألوا عن تعيينه. ~~PageV03P036 # قلنا ظاهر الأمر يدل على التنكير حيث قال {إن الله يأمركم أن تذبحوا ~~بقرة} . # والقول بالتعيين مخالف للتنكير المفهوم من اللفظ، وليس الحمل على التعيين ~~ضرورة تصحيح سؤالهم ومخالفة ظاهر النص أولى من العكس، بل موافقة ظاهر النص ~~أولى. # قولكم في الوجه الثاني: إن الضمير في جميع الكنايات عائد إلى المأمور به ~~أولا، لا نسلم ذلك. # قولهم: لو لم يكن كذلك لكان ذلك تكليفا بأمور مجددة مسلم، وما المانع ~~منه؟ قولكم: لو كان كذلك، لكان الواجب من المذكورة آخرا دون ما ذكر أولا، ~~لا نسلم ذلك. # وما المانع أن يكون قد أوجب عليهم بعد السؤال الأول ذبح بقرة متصفة ~~بالصفات المذكورة أولا، ثم أوجب بعد ذلك المذكورة ثانيا، ولا منافاة بين ~~الحالتين. # قولكم: لو كان كذلك، لما كان الجواب مطابقا للسؤال، وهو خلاف الأصل فهو ~~معارض بما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، أنه قال لو ذبحوا أية بقرة ~~أرادوا لأجزأتهم، لكنهم شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم. (1) وهذا يدل ~~على أن ذلك كان ابتداء إيجاب لا بيانا، لأن البيان ليس بتشديد بل تعيين ما ~~هو الواجب. # ولا يخفى أن موافقة ظاهر النص الدال على تنكير البقرة وظاهر ms523 قول ابن عباس ~~أولى من موافقة ما ذكروه من لزوم مطابقة الجواب للسؤال، لما فيه من موافقة ~~الأصلين، ومخالفة أصل واحد، وما ذكروه بالعكس. # ثم وإن سلمنا أن المأمور به كان بقرة معينة في نفس الأمر، غير أنهم سألوا ~~البيان الإجمالي أو التفصيلي؟ # الأول: ممنوع والثاني مسلم، ولا يلزم من جواز تأخير البيان التفصيلي، ~~تأخير البيان الإجمالي، كما هو مذهب أبي الحسين البصري. # وليس تقييد سؤالهم بطلب البيان مع إطلاقه بالإجمالي أولى من التفصيلي، ~~ولا محيص عنه. # وربما أورد على هذا الاحتجاج ما لا اتجاه له، كقولهم: ما المانع أن يكون ~~البيان مقارنا للمبين؟ غير أنهم لم يتبينوا أن الأمر بالذبح كان ناجزا، ~~وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع. PageV03P037 # أما أولا: فلأنه لو كان البيان حاصلا، لفهموه ظاهرا، ولما سألوا عنه، ~~وأما ثانيا: فلأن الأمر بالذبح كان مطلقا، والأمر المطلق على التراخي عند ~~صاحب هذه الحجة على ما سبق تقريره. # ولو كان على الفور فتأخير بيانه عنه أيضا غير ممتنع على أصله، لكونه ~~قائلا بجواز التكليف بما لا يطاق، كما سبق تحقيقه. # الحجة الخامسة: أنه لما نزل قوله تعالى {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم أنتم لها واردون} قال عبد الله بن الزبعرى " فقد عبدت الملائكة ~~والمسيح أفتراهم يعذبون " والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر عليه، بل ~~سكت إلى حين ما نزل عليه ذلك بعد حين، وهو قوله {إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون} وذلك يدل على جواز التأخير. # ولقائل أن يقول: لا نسلم أن الآية لم تكن بينة حتى أنها تحتاج إلى بيان، ~~فإن الملائكة والمسيح إنما يمكن القول بدخولهم في عموم الآية إذ لو كانت ~~(ما) تتناول من يعلم ويعقل وهو غير مسلم، وإذا لم تكن متناولة لهم، فلا ~~حاجة إلى إخراج ما لا دخول له في الآية عنها. # فإن قيل: دليل تناول (ما) لمن يعلم ويعقل النص والإطلاق والمعنى. # أما النص: فقوله تعالى {وما خلق الذكر والأنثى} وقوله تعالى: {والسماء ~~وما ms524 بناها} وقوله تعالى: {ولا أنتم عابدون ما أعبد} . # وأما الإطلاق فمن وجهين: الأول: أن (ما) قد تطلق بمعنى (الذي) باتفاق أهل ~~اللغة، و (الذي) يصح إطلاقها على من يعقل بدليل قولهم: الذي جاء زيد، فما ~~كذلك. # الثاني: أنه يصح أن يقال - ما في داري من العبيد أحرار. # وأما المعنى فمن وجهين: الأول: هو أن ابن الزبعرى كان من فصحاء العرب، ~~وقد فهم تناول (ما) لمن يعقل، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر عليه ~~ذلك. # PageV03P038 # الثاني: أن (ما) لو كانت مختصة بمن لا يعلم، لما احتيج إلى قوله (من دون ~~الله) وحيث كانت بعمومها متناولة لله تعالى احتاج إلى التقييد بقوله: " من ~~دون الله ". # قلنا: أما ما ذكروه من النصوص والإطلاقات فغايتها جواز إطلاق (ما) على من ~~يعقل ويعلم، ولا يلزم من ذلك أن تكون ظاهرة فيه، بل هي ظاهرة فيمن لا يعقل. # ودليل ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن الزبعرى لما ذكر ما ذكر ~~(1) رادا عليه بقوله: " «ما أجهلك بلغة قومك أما علمت أن (ما) لما لا يعقل ~~و (من) لمن يعقل» . # ولا يخفى أن الجمع بين الأمرين والتوفيق بين الأدلة أولى من تعطيل قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - والعمل بما ذكروه. # وإذا كانت (ما) ظاهرة في من لا يعقل دون من يعقل، وجب تنزيلها على ما هي ~~ظاهرة فيه. # وما ذكروه من الوجه الأول في المعنى فهو باطل بما ذكرناه من إنكار النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ولا يخفى أن اتباع قول النبي أولى من اتباع ما ظنه ~~ابن الزبعرى. # وما ذكروه في الوجه الثاني من عدم الاحتياج إلى قوله {من دون الله} إنما ~~يصح أن لو لم يكن فيه فائدة، وفائدته التأكيد، وحمل الكلام على فائدة ~~التأسيس، وإن كان هو الأصل، غير أنه يلزم من حمله على فائدة التأسيس مخالفة ~~ظاهر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - والجمع أولى من التعطيل. # وإن سلمنا أن (ما) حقيقة فيمن يعقل، غير أنا لا نسلم أن بيان ms525 التخصيص لم ~~يكن مقارنا للآية. # وبيان المقارنة أن دليل العقل صالح للتخصيص على ما سبق. # والعقل قد دل على امتناع تعذيب أحد بجرم صادر من غيره، اللهم إلا أن يكون ~~راضيا بجرم ذلك الغير، واحد من العقلاء لم يخطر بباله رضا الملائكة والمسيح ~~بعبادة من عبدهم و (ما) مثل هذا الدليل العقلي، فلا نسلم عدم مقارنته ~~للآية. # وأما نزول قوله تعالى {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} الآية، فإنما ورد ~~تأكيدا بضم الدليل الشرعي إلى الدليل العقلي، مع الاستغناء عن أصله، أما أن ~~يكون هو المستقل بالبيان فلا. # الحجة السادسة: قول الملائكة لإبراهيم {إنا مهلكو أهل هذه القرية إن ~~أهلها كانوا ظالمين} ولم يبينوا إخراج لوط ومن معه من المؤمنين عن الهلاك ~~بقولهم {نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله} إلا بعد سؤال إبراهيم وقوله {إن ~~فيها لوطا} . PageV03P039 # ولقائل أن يقول: لا نسلم تأخر البيان عن هذه الآية، بل هو مقترن بها. # ودليله قول الملائكة في تعليل الهلاك: " {إن أهلها كانوا ظالمين} " وذلك ~~لا يدخل فيها إلا من كان ظالما. # كيف وإنه لم يتخلل بين قول الملائكة غير سؤال إبراهيم وهو قوله {إن فيها ~~لوطا} وما مثل هذا لا يعد تأخيرا للبيان، فإن مثل ذلك قد يجري إما بسبب ~~انقطاع نفسه أو سعال فيما بين البيان والمبين، ولا يعد ذلك من المبين ~~تأخيرا. # ومبادرة إبراهيم إلى السؤال ومنعهم (1) من اقتران البيان بالمبين نازل ~~منزلة انقطاع النفس والسعال، حتى إنه لو لم يبادر بالسؤال لبادروا بالبيان. # الحجة السابعة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنفذ معاذا إلى اليمن ~~ليعلمهم الزكاة وغيرها، فسألوه عن الوقص، فقال: " ما سمعت فيه شيئا من رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى أرجع إليه فأسأله» " (2) وذلك دليل على ~~أن بيانه لم يتقدم. # ولقائل أن يقول كون معاذ لم يسمع البيان ولم يعرفه لا يدل على عدم مقارنة ~~البيان للمبين. # كيف ويمكن أن يقال الأصل عدم وجوب الزكاة في الأوقاص وغيرها، غير أن ~~الشارع أوجب فيما أوجب، وبقي ms526 الباقي على حكم العقل، وذلك صالح للبيان ~~والتخصيص، هذا ما يتعلق بالمنقول، وأما الحجج العقلية: # فأولها: أنه لو كان تأخير البيان ممتنعا، فإما أن يكون امتناعه لذاته أو ~~لغيره، وذلك إما أن يعرف بضرورة العقل أو نظره، وكل واحد من الأمرين منتف، ~~فلا امتناع. # ولقائل أن يقول: ولو كان جائزا، فإما أن يعرف بضرورة العقل أو نظره، وكل ~~واحد من الأمرين منتف فلا جواز، وليس أحد الأمرين أولى من الآخر وكل ما هو ~~جواب له هاهنا فهو جوابه فيما ذكر. # الحجة الثانية: أنه لو امتنع تأخير البيان لامتنع تأخيره في الزمن القصير ~~وامتنع عطف الجمل المتعددة إذا كان بيان الأولى متأخرا عن الجمل المعطوف ~~عليها، ولما جاز البيان بالكلام الطويل، واللازم ممتنع. PageV03P040 # ولقائل أن يقول: إنما يجوز تأخير البيان في الزمان القصير إذا كان مع ~~قصره لا يعد المتكلم معرضا عن كلامه الأول، فإن كلامه الثاني مع الأول ~~معدود كالجملة الواحدة، وذلك لا يعد تأخيرا للبيان. # وهذا بخلاف ما إذا تطاول الزمان تطاولا يعد به المتكلم بالكلام الأول ~~معرضا عن كلامه، ولهذا فإنه يجوز لغة وعرفا أن يتكلم الإنسان بكلام يقصر ~~فهم السامع عنه، ويبينه بعد الزمان القصير من غير استهجان بخلاف ما إذا ~~بينه بعد الزمان المتطاول، فلا يلزم من التأخير ثم التأخير هاهنا. # وأما الجمل المعطوفة فنازلة منزلة الجملة الواحدة، فالبيان المتعقب للجمل ~~المعطوفة ينزله منزلة تعقبه للجملة الواحدة. # وأما البيان بالكلام الطويل فإنما يجوزه الخصم إذا لم يكن (1) حصول ~~البيان إلا به، أو كانت المصلحة فيه أتم من الكلام القصير وإلا فلا. # الحجة الثالثة: أنه لو قبح تأخير البيان، لكان ذلك لعدم تبين المكلف، ~~وذلك مقتضى قبح الخطاب إذا بين له، ولم يتبين، فإنه لا فرق في ذلك بين ما ~~امتنع بأمر يرجع إلى نفسه أو إلى غيره. # ولهذا يسقط تكليف الإنسان إذا مات، سواء قتل هو نفسه، أو قتله غيره ~~واللازم ممتنع. # ولقائل أن يقول: نسلم أن قبح تأخير البيان لما فيه من فقد التبين المنسوب ms527 ~~إلى المخاطب، ولا يلزم من ذلك قبحه عند عدم تبين المكلف إذا بين له؛ لكونه ~~منسوبا إلى تقصير المكلف، لا إلى المخاطب، وسقوط التكليف عن الميت إنما كان ~~لعدم تمكنه المشروط في التكليف، وذلك لا يفترق بأن يكون قد فات بفعله أو ~~بفعل غيره. # والمختار في ذلك: أما من جهة النقل فقوله تعالى {واعلموا أنما غنمتم من ~~شيء فأن لله خمسه} إلى قوله {ولذي القربى} ثم بين بعد ذلك أن السلب للقاتل، ~~وأن المراد بذوي القربى بنو هاشم وبنو المطلب دون بني أمية وبني نوفل بمنعه ~~لهم من ذلك حتى أنه لما سئل عن ذلك قال: «إنا وبنو هاشم والمطلب لم نفترق ~~في PageV03P041 # جاهلية ولا إسلام، ولم نزل هكذا، وشبك بين أصابعه» . (1) فإن قيل: ~~المتأخر إنما هو البيان المفصل، ونحن لا نمنع من ذلك، وإنما نمنع من تأخير ~~البيان المجمل (2) ، ولا دلالة لما ذكرتموه على تأخيره. # قلنا: إذا سلم عدم اقتران البيان التفصيلي بهذه الآية، فهو حجة على من ~~نازع فيه، وهي حجة على من نازع في تأخير البيان الإجمالي، حيث إنها ظاهرة ~~في العموم لكل ذوي القربى ولم ينقل أحد من أهل النقل وأرباب الأخبار ما ~~يشير إلى البيان الإجمالي أيضا، مع أن الأصل عدمه، ولو كان لما أهمل نقله ~~غالبا. # وأيضا، ما روي «أن جبريل - عليه السلام - قال للنبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: " اقرأ، قال: وما أقرأ؟ كرر عليه ذلك ثلاث مرات " ثم قال له {اقرأ باسم ~~ربك الذي خلق} » (3) أخر بيان ما أمره به أولا من إجماله إلى ما بعد ثلاث ~~مرات من أمر جبريل، وسؤال النبي، مع إمكان بيانه أولا. # وذلك دليل جواز التأخير. # فإن قيل: أمره له بالقراءة مطلق، وذلك إما أن يكون مقتضاه الوجوب على ~~الفور، أو التراخي، فإن كان الأول، فقد أخر البيان عن وقت الحاجة، وإن كان ~~الثاني، فلا شك في إفادته جواز الفعل في الزمن الثاني من وقت الأمر، وتأخير ~~البيان عنه تأخير له عن وقت الحاجة، وذلك ممتنع بالإجماع. # فترك ms528 الظاهر لازم لنا ولكم، والخلاف إنما وقع في تأخير البيان إلى وقت ~~الحاجة، وليس فيما ذكرتموه دلالة عليه. # قلنا: أما إن الأمر ليس مقتضاه الوجوب على الفور فقد تقدم، وإذا كان على ~~التراخي، فلا نسلم لزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة. # قولكم إنه يفيد جواز الفعل في الزمان الثاني من وقت الأمر. PageV03P042 # قلنا متى، إذا كان الفعل المأمور به مبينا، أو إذا لم يكن مبينا؟ الأول ~~مسلم، والثاني ممنوع. # وإن سلمنا ذلك، لكن لا نسلم أن الحاجة داعية إلى معرفته مع قطع النظر عن ~~وجوبه وعدم المؤاخذة بتركه، بدليل ما قبل الأمر. # وأيضا فإنه لما نزل قوله تعالى {أقيموا الصلاة} مع أنه لم يرد بها مطلق ~~الدعاء إجماعا لم يقترن بها البيان، بل أخر بيان أفعال الصلاة وأوقاتها إلى ~~أن بين ذلك جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك، وبين النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ذلك لغيره بعد بيان جبريل له. # وكذلك نزل قوله تعالى {وآتوا الزكاة} مطلقا، ثم بين النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بعد ذلك مقدار الواجب وصفته في النقود والمواشي وغيرها من ~~أموال الزكاة شيئا فشيئا. # وكذلك نزل قوله تعالى {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} ثم بين بعد ذلك ~~ما يجب القطع بسرقته في مقداره وصفته على التدريج. # وكذلك نزل قوله تعالى {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم} ثم نزل تخصيصه بقوله ~~تعالى {ليس على الضعفاء ولا على المرضى} إلى غير ذلك من الأوامر العامة ~~التي لم تبين تفاصيلها إلا بعد مدد. # فإن قيل: المؤخر في جميع هذه الأوامر إنما هو البيان التفصيلي، وليس فيها ~~ما يدل على تأخير البيان الإجمالي. # كيف وإن الأمر إما أن يكون على الفور، أو التراخي، وتمام الإشكال ما سبق. # قلنا: وجواب الإشكالين أيضا ما سبق. # وأيضا، فإن العمومات الواردة في البيع والنكاح والإرث وردت مطلقة، والنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بين بعد ذلك على التدريج ما يصح بيعه وما لا يصح، ~~ومن يحل نكاحها ومن لا يحل، وصفات العقود وشروطها، ومن يرث ومن لا ms529 يرث، ~~ومقادير المواريث شيئا فشيئا. # ومن نظر في جميع عمومات القرآن والسنة وجدها كذلك. # وأيضا، فإنه لما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المزابنة، وشكى ~~الأنصار إليه بعد ذلك رخص لهم في العرايا، وهي نوع من المزابنة، مع أنه لم ~~ينقل أنه اقترن بنهيه عن ذلك بيان مجمل ولا مفصل، وهو لا يخلو إما أن يكون ~~ذلك نسخا أو تخصيصا وعلى كلا التقديرين فهو حجة على المخالف فيه. # PageV03P043 # وأما من جهة المعقول: فهو أنه لو امتنع تأخير البيان لم يخل، إما أن يكون ~~ذلك ممتنعا لذاته أو لأمر من خارج. # لا جائز أن يكون لذاته، فإنا لو فرضناه واقعا لا يلزم عنه المحال لذاته، ~~وإن كان لأمر خارج، فلا يخفى أنه لا فارق بين حالة وجود البيان وعدمه سوى ~~علم المكلف بالمراد من الكلام، حالة وجود البيان، وجهله به حالة عدمه. # فلو امتنع تأخير البيان، لكان لما قارنه من جهل المكلف بالمراد ولو كان ~~كذلك لامتنع تأخير بيان النسخ، لما فيه من الجهل بمراد الكلام الدال بوضعه ~~على تكرر الفعل على الدوام، واللازم ممتنع فالملزوم ممتنع. # وهذه الطريقة لازمة على كل من منع من تأخير بيان المجمل والعام والمقيد ~~وكل ما أريد به غير ما هو ظاهر فيه. # وجوزه في النسخ، كالجبائي وأبي هاشم والقاضي عبد الجبار وغيرهم. # اعترض القاضي عبد الجبار، وقال الفرق بين تأخير بيان النسخ وتأخير بيان ~~المجمل هو أن تأخير بيان النسخ مما لا يخل بالتمكن من الفعل في وقته، بخلاف ~~بيان صفة العبادة، فإنه لا يتأتى معه فعل العبادة في وقتها للجهل بصفتها. # والفرق بين تأخير تخصيص بيان العموم وتأخير بيان النسخ من وجهين. # الأول: أن الخطاب المطلق الذي أريد نسخه معلوم أن حكمه مرتفع لعلمه ~~بانقطاع التكليف، ولا كذلك المخصوص. # الثاني: أن تأخير بيان تخصيص العموم، مع تجويز إخراج بعض الأشخاص منه من ~~غير تعيين مما يوجب الشك في كل واحد من أشخاص المكلفين، هل هو مراد بالخطاب ~~أم لا، ولا كذلك في ms530 تأخير بيان النسخ. # وجواب الفرق بين الإجمال والنسخ أن وقت العبادة إنما هو وقت دعو الحاجة ~~إليها، لا قبل ذلك، ووقت الحاجة إليها فالبيان لا يكون متأخرا عنه، فلا ~~يلزم من تأخير بيان صفة العبادة عنها في غير وقتها ووجوده في وقتها تعذر ~~الإتيان بالعبادة في وقتها. # وجواب الفرق الأول بين العموم والنسخ هو أن حكم الخطاب المطلق، وإن علم ~~ارتفاعه بانقطاع التكليف، فذلك مما يعم التخصيص والنسخ، لعلمنا بانقطاع # PageV03P044 # التكليف بالموت في الحالتين. # وإنما الخلاف فيما قبل حالة الموت مع وجود الدليل الظاهر المتناول لكل ~~الأشخاص واللفظ الظاهر المتناول لجميع أوقات الحياة. # وعند ذلك، إذا جاز رفع حكم الخطاب الظاهر المتناول لجميع الأوقات، مع فرض ~~الحياة والتمكن منه غير دليل مبين في الحال جاز تخصيص بعض من تناوله اللفظ ~~بظهوره مع التمكن من غير دليل مبين في الحال أيضا؛ لتعذر الفرق بين ~~الحالتين. # وجواب الفرق الثاني أن تأخير بيان التخصيص، وإن أوجب التردد في كل واحد ~~من أشخاص المكلفين أنه داخل تحت الخطاب أم لا، فتأخير بيان النسخ عندما إذا ~~أمر بعبادة متكررة في كل يوم مما يوجب التردد في أن العبادة في كل يوم عدا ~~اليوم الأول. هل هي داخلة تحت الخطاب العام لجميع الأيام أم لا. # وإذا جاز ذلك في أحد الطرفين، جاز في الطرف الآخر ضرورة تعذر الفرق، ~~وكذلك أيضا فإنه إذا أمر بعبادة في وقت مستقبل أمرا عاما فإن ما من شخص إلا ~~ويحتمل اخترامه قبل دخول ذلك الوقت، ويخرج بذلك عن دخوله تحت الخطاب العام. # وذلك مما يوجب التردد في كل واحد واحد من الأشخاص هل هو داخل تحت ذلك ~~الخطاب إذا لم يرد البيان به، ومع ذلك فإنه غير ممتنع إجماعا. # شبه المخالفين منها ما يختص بتأخير بيان المجمل، ومنها ما يختص بتأخير ~~بيان ما له ظاهر أريد به غير ما هو ظاهر فيه. # أما الشبه الخاصة بالمجمل فشبهتان: الأولى: أنه لا فرق بين الخطاب باللفظ ~~المجمل الذي لا يعرف له مدلول من ms531 غير بيان، وبين الخطاب بلغة يضعها المخاطب ~~مع نفسه من غير بيان. # وعند ذلك، فإما أن يقال بحسن المخاطبة بهما، أو بأحدهما دون الآخر أو لا ~~بواحد منهما: الأول: يلزم منه حسن المخاطبة بما وضعه مع نفسه من غير بيان، ~~وهو في غاية الجهالة، والثاني أيضا ممتنع لعدم الأولوية، والثالث: هو ~~المطلوب. # الشبهة الثانية: أن المقصود من الخطاب إنما هو التفاهم، والمجمل الذي لا ~~يعرف مدلوله من غير بيان له في الحال لا يحصل منه التفاهم، فلا يكون مفيدا، ~~وما لا فائدة فيه لا تحسن المخاطبة به؛ لكونه لغوا، وهو قبيح من الشارع كما ~~لو خاطب بكلمات مهملة لم توضع في لغة من اللغات لمعنى على أن يبين المراد ~~منها بعد ذلك. # PageV03P045 # وأما الشبهة الخاصة بما استعمل من الظواهر في غير ما هو ظاهر فيه فثلاث ~~شبه، الأولى: إنه إن جاز الخطاب بمثل ذلك من غير بيان له في الحال، فإما أن ~~يقال: بجواز تأخير بيانه إلى مدة معينة، فهو تحكم لم يقل به قائل. # وإن كان ذلك إلى غير نهاية فيلزم منه بقاء المكلف عاملا أبدا بعموم قد ~~أريد به الخصوص، وهو في غاية التجهيل. # الثانية: أنه إذا خاطب الشارع بما يريد به غير ظاهره، فإما أن لا يكون ~~مخاطبا لنا في الحال أو يكون مخاطبا لنا به حالا: الأول خلاف الإجماع، وإن ~~كان الثاني، فلا بد وأن يكون قاصدا لتفهيمنا بخطابه حالا، وإلا خرج عن كونه ~~مخاطبا لنا حالا، وهو خلاف الفرض. وبيان لزوم ذلك أن المعقول من قول القائل ~~" خاطب فلان فلانا " أنه قصد تفهيم كلامه له. # وإذا كان قاصدا للتفهيم في الحال، فإن قصد تفهيم ما هو الظاهر من كلامه ~~فقد قصد تجهيلنا، وهو قبيح، وإن قصد تفهيم ما هو المراد منه فقد قصد ما لا ~~سبيل لنا إليه دون البيان، وهو أيضا قبيح. # الثالثة: أنه لو جاز أن يخاطبنا بالعموم ويريد به الخصوص من غير بيان له ~~في الحال لتعذر معرفة المراد من كلامه مطلقا، ms532 وذلك لأن ما من لفظ يبين به ~~المراد إلا ويجوز أن يكون قد أراد به غير (ما هو) الظاهر منه ولم يبينه ~~لنا، وذلك مما يخل بمقصود الخطاب مطلقا، وهو ممتنع. # والجواب عن الشبهة الأولى بالفرق وهو أن اللفظ المجمل، وإن لم يعلم منه ~~المراد بعينه، فقد علم المكلف أنه مخاطب بأحد مدلولاته المعينة المفهومة ~~له، وبذلك يتحقق اعتقاده للوجوب والعزم على الفعل بتقدير البيان والتعيين، ~~فكان مفيدا بخلاف الخطاب، بما لا يفهم منه شيء أصلا، كما فرضوه. # وبهذا يكون جواب الشبهة الثانية. # وعن الشبهة الثالثة: أن تأخير البيان إنما يجوز إلى الوقت الذي تدعو ~~الحاجة فيه إلى البيان، وذلك لا يكون إلا معينا في علم الله تعالى، ويجوز ~~أن يكون معلوما للرسول بإعلام الله تعالى (له) . # وعند ذلك فأي وقت وجب على المكلف العمل # PageV03P046 # بمدلول اللفظ فيه، فذلك هو وقت الحاجة إلى البيان، والبيان لا يكون إذ ~~ذاك متأخرا لما فيه من تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقبل وقت الوجوب، فلا ~~عمل للمكلف، حتى يقال بأنه عامل بعموم أريد به الخصوص، بل غايته أنه يعتقد ~~ذلك ولا امتناع فيه كما لو أمر بعبادة متكررة كل يوم، فإنه لا يمتنع ~~اعتقاده لعموم ذلك في جميع الأيام، مع جواز نسخها في المستقبل وإن لم يرد ~~بذلك بيان، وكل ما يعتذر به في النسخ فهو عذر لنا هاهنا. # وعن الشبهة الرابعة من وجهين: الأول: أنه وإن لزم من كونه مخاطبا لنا أن ~~يكون قاصدا لتفهيمنا في الحال، لكن لا لنفس ما هو الظاهر من كلامه فقط، بل ~~يفهم ما هو الظاهر من كلامه مع تجويز تخصيصه، وليس في ذلك تجهيل ولا إحالة، ~~وذلك مما لا يمنع ورود المخصص بعد ذلك، وإلا لما كان مجوز التخصيص، وهو ~~خلاف الفرض. # الثاني: أنه يلزم على ما ذكروه الخطاب بما علم الله أنه سينسخه، فإن جميع ~~ما ذكر من الأقسام بعينها متحققة فيه، ومع ذلك جاز الخطاب به مع تأخير ~~بيانه. # وعن الخامسة من وجهين: # الأول: ms533 أنه لا يمتنع أن يكون البيان، إما بدليل قاطع لا يسوغ فيه احتمال ~~التأويل، أو ظني اقترن به من القرائن ما أوجب العلم بمدلول كلامه. # الثاني: أنه يلزم على ما ذكروه الخطاب الوارد الذي علم الله نسخ حكمه مع ~~تأخير البيان عنه، والجواب يكون متحدا. # PageV03P047 ### | [المسألة الخامسة تأخير تبليغ ما أوحي به إلى النبي من الأحكام والعبادات إلى وقت الحاجة إليه] # المسألة الخامسة # الذين منعوا من تأخير بيان المراد من الخطاب عن وقت الخطاب. اختلفوا في ~~جواز تأخير تبليغ ما أوحي به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأحكام ~~والعبادات إلى وقت الحاجة إليه، وأكثر المحققين على جوازه، وهو الحق لأنه ~~لو امتنع، لم يخل: إما أن يمتنع لذاته، أو لمعنى من خارج، الأول محال فإنه ~~لا يلزمه من فرض وقوعه لذاته محال، وإن كان ذلك لأمر من خارج فالأصل عدمه، ~~كيف وإن تأخيره يحتمل أن يكون فيه مصلحة في علم الله تقتضي التأخير. # ولهذا لو صرح الشارع بذلك، لما كان ممتنعا، ويحتمل أن يكون فيه مفسدة ~~مانعة من التأخير وليس أحد الأمرين أولى من الآخر. # فإن قيل: الامتناع من التأخير إنما هو لمعنى خارج عن ذاته، وهو قوله ~~تعالى: {ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك} وظاهر الأمر للوجوب. # قولكم: يحتمل وجود مفسدة في التقديم، ومصلحة في التأخير، وليس أحد ~~الأمرين أولى من الآخر. # قلنا: فهذا كما لا يمكن معه الجزم بامتناع التأخير، فلا يمكن معه الجزم ~~بجواز التأخير الذي هو مذهبكم. # وجواب الأول: أنا وإن سلمنا أن قوله تعالى: (بلغ) أمر، ولكن لا نسلم أنه ~~للوجوب (1) وإن سلمنا أنه للوجوب، ولكن لا نسلم أن مطلق الأمر يقتضي الفور، ~~على ما تقدم تقريره. # وإن سلمنا أنه على الفور، غير أنا لا نسلم أنه يتناول تبليغ الأحكام التي ~~وقع الخلاف فيها، وإنما هو دال على تبليغ ما أنزل من لفظ القرآن؛ إذ هو ~~المفهوم من لفظ المنزل. # وجواب الثاني أنه إذا وقع التردد بين المصلحة والمفسدة، تساقطا، وبقينا ~~على أصل ms534 الجواز العقلي. PageV03P048 ### | [المسألة السادسة إسماع الله تعالى للمكلف العام دون إسماعه للدليل المخصص له] # المسألة السادسة # الذين اتفقوا على امتناع تأخير البيان إلى وقت الحاجة، اختلفوا في جواز ~~إسماع الله تعالى للمكلف العام دون إسماعه للدليل المخصص له. (1) فذهب ~~الجبائي وأبو الهذيل (2) إلى امتناع ذلك في الدليل المخصص السمعي، وأجاز أن ~~يسمعه العام المخصص بدليل العقل، وإن لم يعلم السامع دلالته على التخصيص. # وذهب أبو هاشم والنظام وأبو الحسين البصري إلى جواز إسماع العام من لم ~~يعرف الدليل المخصص له، سواء كان المخصص سمعيا أو عقليا. # وهو الحق لوجهين: # الأول: أنا قد بينا جواز تأخير المخصص عن الخطاب إذا كان سمعيا، مع أن ~~عدم سماعه لعدمه في نفسه أتم من عدم سماعه مع وجوده في نفسه. # فإذا جاز تأخير المخصص، فجواز تأخير إسماعه مع وجوده أولى. # الثاني: هو أن وقوع ذلك يدل على جوازه، ودليله إسماع فاطمة قوله تعالى ~~{يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} مع أنها لم تسمع بقوله: " ~~«نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» " إلا بعد حين. # وكذلك أسمعت الصحابة قوله تعالى {فاقتلوا المشركين} ولم يسمع أكثرهم ~~الدليل المخصص للمجوس وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - ( «سنوا بهم سنة أهل ~~الكتاب» ) إلا بعد حين، إلى وقائع كثيرة غير محصورة. # وكل ما يتشبث به الخصوم في المنع من ذلك فغير خارج عما ذكرناه لهم من ~~الشبه المتقدمة، وجوابها ما سبق مع أنه منتقض بجواز إسماعه العام مع عدم ~~معرفته بالدليل المخصص، إذا كان عقليا. ### | [المسألة السابعة التدريج في البيان] # المسألة السابعة # اختلف المجوزون لتأخير البيان عن وقت الخطاب العام في جواز التدريج في ~~البيان فمنع منه قوم مصيرا منهم إلى أن تخصيص البعض بالتنصيص على إخراجه ~~دون غيره يوهم وجوب استعمال اللفظ في الباقي، وامتناع التنصيص بشيء آخر وهو ~~PageV03P049 # تجهيل للمكلف، وإنما ينتفي هذا التجهيل بالتخصيص على كل ما هو خارج عن ~~العموم. # ومذهب المحققين منهم خلاف ذلك. # ودليل جوازه وقوعه. # وبيان وقوعه قوله تعالى: ms535 {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} فإنه عام في ~~كل سارق. # ومع ذلك فإن تخصيصه بما خصص به من ذكر نصاب السرقة أولا، وعدم الشبهة ~~ثانيا وقع على التدريج. # وكذلك قوله تعالى {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} خصص ~~أولا بتفسير الاستطاعة بذكر الزاد والراحلة، ثم بذكر الأمن في الطريق ~~والسلامة من طلب الخفارة ثانيا. # وكذلك قوله تعالى {فاقتلوا المشركين} أخرج منه أهل الذمة أولا، ثم العسيف ~~والمرأة ثانيا. # وكذلك آية الميراث أخرج منها ميراث النبي - صلى الله عليه وسلم - والقاتل ~~والكافر، وكل ذلك على التدريج، إلى غير ذلك من العمومات المخصصة. # ولولا جوازه لما وقع. # والقول بأن تخصيص البعض بالذكر يوهم نفي تخصيصه بشيء آخر ليس كذلك، فإن ~~الاقتصار على الخطاب العام دون ذكر المخصص مع كونه ظاهرا في التعميم بلفظه، ~~إذا لم يوهم المنع من التخصيص، فإخراج بعض ما تناوله اللفظ عنه مع أنه لا ~~دلالة له على إثبات غير ذلك البعض بلفظه أولى أن لا يكون موهما لمنع ~~التخصيص. ### | [المسألة الثامنة إذا ورد لفظ عام بعبادة أو غيرها قبل دخول وقت العمل به] # المسألة الثامنة # إذا ورد لفظ عام بعبادة أو غيرها، قبل دخول وقت العمل به. قال أبو بكر ~~الصيرفي: يجب اعتقاد عمومه جزما قبل ظهور المخصص، وإذا ظهر المخصص تغير ذلك ~~الاعتقاد، وهو خطأ: فإن احتمال إرادة الخصوص به قائم، ولهذا، لو ظهر المخصص ~~لما كان ذلك ممتنعا، ووجب اعتقاد الخصوص. # وما هذا شأنه فاعتقاد عمومه جزما قبل الاستقصاء في البحث عن مخصصه وعدم ~~الظفر به على وجه تركن النفس إلى عدمه، يكون ممتنعا، فإذا لا بد في الجزم ~~باعتقاد عمومه من اعتقاد انتفاء مخصصه بطريقه، ومع ذلك لا نعرف خلافا بين ~~الأصوليين في امتناع العمل بموجب اللفظ العام قبل البحث عن المخصص، وعدم ~~الظفر به، لكن اختلفوا: # فذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الأصوليين إلى امتناع العمل به واعتقاد # PageV03P050 # عمومه إلا بعد القطع بانتفاء المخصص، وإلا فالجزم بعمومه والعمل به مع ~~احتمال وجود ms536 المعارض ممتنع. # قال: ومعرفة انتفاء المخصص بطريق القطع ممكن، وذلك بأن تكون المسألة ~~المتمسك بالعموم فيها مما كثر الخلاف فيها بين العلماء، وطال النزاع فيما ~~بينهم فيها، ولم يطلع أحد منهم على موجب للتخصيص، مع كثرة بحثهم ~~واستقصائهم. # ولو كان ثم شيء لاستحال أن لا يعرف عادة، ولأنه لو كان المراد بالعموم ~~الخصوص لاستحال أن لا ينصب الله تعالى عليه دليلا، ويبلغه للمكلفين. # وذهب ابن سريج وإمام الحرمين والغزالي وأكثر الأصوليين إلى امتناع اشتراط ~~القطع في ذلك وهو المختار. # وذلك لأنه لا طريق إلى معرفة ذلك بغير البحث والسبر، وهو غير يقيني، ~~والقول بأنه لو كان ثم مخصص لاطلع عليه العلماء غير يقيني لجواز وجوده مع ~~عدم اطلاع أحد من العلماء عليه، (1) وبتقدير اطلاع بعضهم عليه، فنقله له ~~أيضا غير قاطع، بل غايته أن يكون ظنيا. # كيف وإنه ليس كل ما ورد فيه العام مما كثر خوض العلماء فيه وبحثهم عنه ~~ليصح ما قيل. # والقول بأنه لو كان المراد بالعام الخصوص لنصب الله تعالى عليه دليلا، ~~غير مسلم. (2) وبتقدير نصبه للدليل، لا نسلم لزوم اطلاع المكلفين عليه. # وبتقدير ذلك لا نسلم لزوم نقلهم له (3) وإذا لم يكن إلى القطع بذلك طريق ~~فلو شرط ذلك في العمل بالعموم لتعطلت العمومات بأسرها، وإذا عرف أنه لا بد ~~من الظن بانتفاء المخصص، فالحد الذي يجب العمل بالعموم عنده أن يبحث عن ~~المخصص بحثا غلب على ظنه عدمه وأنه لو بحث عنه ثانيا وثالثا كان بحثه غير ~~مفيد. # وعلى هذا يكون الكلام في العمل بكل دليل مع معارضه. PageV03P051 ### | [الصنف التاسع في الظاهر وتأويله] ### | [مقدمة في تحقيق معنى الظاهر والتأويل] # ويشتمل على مقدمة ومسائل. # أما المقدمة: ففي تحقيق معنى الظاهر والتأويل. # أما الظاهر فهو في اللغة عبارة عن الواضح المنكشف ومنه يقال: ظهر الأمر ~~الفلاني، إذا اتضح وانكشف، وفي لسان المتشرعة قال الغزالي: اللفظ الظاهر هو ~~الذي يغلب على الظن فهم معنى منه من غير قطع، وهو غير جامع مع اشتماله على ~~زيادة مستغنى عنها. ms537 # أما أنه غير جامع، فلأنه يخرج منه ما فيه أصل الظن دون غلبة الظن مع كونه ~~ظاهرا. # ولهذا يفرق بين قول القائل: ظن، وغلبة ظن، ولأن غلبة الظن ما فيه أصل ~~الظن وزيادة. # وأما اشتماله على الزيادة المستغنى عنها فهي قوله: (من غير قطع) فإن من ~~ضرورة كونه مفيدا للظن أن لا يكون قطعيا. # والحق في ذلك أن يقال: اللفظ الظاهر ما دل على معنى بالوضع الأصلي، أو ~~العرفي، ويحتمل غيره احتمالا مرجوحا. # وإنما قلنا (ما دل على معنى بالوضع الأصلي أو العرفي) احترازا عن دلالته ~~على المعنى الثاني، إذا لم يصر عرفيا، كلفظ الأسد في الإنسان وغيره. # وقولنا (ويحتمل غيره) احتراز عن القاطع الذي لا يحتمل التأويل. # وقولنا (احتمالا مرجوحا) احتراز عن الألفاظ المشتركة. # وهو منقسم إلى ما هو ظاهر بحكم الوضع الأصلي، كإطلاق لفظ الأسد بإزاء ~~الحيوان المخصوص، وإلى ما هو ظاهر بحكم عرف الاستعمال، كإطلاق لفظ الغائط ~~بإزاء الخارج المخصوص من الإنسان. # وأما التأويل ففي اللغة مأخوذ من آل يئول، أي رجع، ومنه قوله تعالى ~~{وابتغاء تأويله} أي ما يئول إليه، ومنه يقال: تأول فلان الآية الفلانية، ~~أي نظر إلى ما يئول إليه معناها. # وأما في اصطلاح المتشرعة قال الغزالي: التأويل عبارة عن احتمال يعضده ~~دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر، وهو غير صحيح # PageV03P052 # أما أولا، فلأن التأويل ليس هو نفس الاحتمال الذي حمل اللفظ عليه، بل هو ~~نفس حمل اللفظ عليه، وفرق بين الأمرين، وأما ثانيا: فلأنه غير جامع فإنه ~~يخرج منه التأويل بصرف اللفظ عما هو ظاهر فيه إلى غيره بدليل قاطع غير ظني، ~~حيث قال: يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر، ~~وأما ثالثا: فلأنه أخذ في حد التأويل من حيث هو تأويل، وهو أعم من التأويل ~~بدليل، ولهذا يقال تأويل بدليل وتأويل من غير دليل. # فتعريف التأويل على وجه يوجد معه الاعتضاد بالدليل لا يكون تعريفا ~~للتأويل المطلق، اللهم إلا أن ms538 يقال: إنما أراد تعريف التأويل الصحيح دون ~~غيره. # والحق في ذلك أن يقال: أما التأويل من حيث هو تأويل مع قطع النظر عن ~~الصحة والبطلان، هو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه، مع احتماله له. # وأما التأويل المقبول الصحيح فهو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع ~~احتماله له بدليل يعضده. # وإنما قلنا (حمل اللفظ على غير مدلوله) احترازا، عن حمله على نفس مدلوله. # وقولنا (الظاهر منه) احتراز عن صرف اللفظ المشترك من أحد مدلوليه إلى ~~الآخر فإنه لا يسمى تأويلا. # وقولنا (مع احتماله له) احتراز عما إذا صرف اللفظ عن مدلوله الظاهر إلى ~~ما لا يحتمله أصلا، فإنه لا يكون تأويلا صحيحا. # وقولنا: (بدليل يعضده) احتراز عن التأويل من غير دليل، فإنه لا يكون ~~تأويلا صحيحا أيضا. # وقولنا: (بدليل يعم القاطع والظني) وعلى هذا فالتأويل لا يتطرق إلى النص ~~ولا إلى المجمل، وإنما يتطرق إلى ما كان ظاهرا. (1) وإذا عرف معنى التأويل ~~فهو مقبول معمول به إذا تحقق مع شروطه، ولم يزل علماء الأمصار في كل عصر من ~~عهد الصحابة إلى زمننا عاملين به من غير نكير. PageV03P053 # وشروطه أن يكون الناظر المتأول أهلا لذلك، وأن يكون اللفظ قابلا لتأويل ~~بأن يكون اللفظ ظاهرا فيما صرف عنه محتملا لما صرف إليه، وأن يكون الدليل ~~الصارف للفظ عن مدلوله الظاهر راجحا على ظهور اللفظ في مدلوله ليتحقق صرفه ~~عنه إلى غيره، وإلا فبتقدير أن يكون مرجوحا لا يكون صارفا ولا معمولا به ~~اتفاقا، وإن كان مساويا لظهور اللفظ في الدلالة من غير ترجيح، فغايته إيجاب ~~التردد بين الاحتمالين على السوية، ولا يكون ذلك تأويلا غير أنه يكتفى بذلك ~~من المعترض إذا كان قصده إيقاف دلالة المستدل، ولا يكتفى به من المستدل دون ~~ظهوره، وعلى حسب قوة الظهور وضعفه وتوسطه يجب أن يكون التأويل. # وتمام كشف ذلك بمسائل ثمان: ### | [المسألة الأولى قوله عليه السلام لغيلان وقد أسلم على عشر نسوة أمسك أربعا وفارق سائرهن] # المسألة الأولى # «قوله - صلى الله عليه ms539 وسلم - لغيلان وقد أسلم على عشر نسوة: " أمسك ~~أربعا وفارق سائرهن» " (1) «وقوله لفيروز الديلمي، وقد أسلم على أختين: " ~~أمسك أيتهما شئت، وفارق الأخرى» " (2) أمر بالإمساك وهو ظاهر في استصحاب ~~النكاح، وقد تأوله أصحاب أبي حنيفة بثلاث تأويلات، الأول: أنهم قالوا يحتمل ~~أنه أراد بالإمساك ابتداء النكاح، ويكون معنى قوله " أمسك أربعا " أي انكح ~~منهن أربعا، وأراد بقوله " وفارق سائرهن " لا تنكحهن. PageV03P054 # الثاني: أنهم قالوا يحتمل أن النكاح في الصورتين كان واقعا في ابتداء ~~الإسلام قبل حصر عدد النساء في أربع وتحريم نكاح الأختين، فكان ذلك واقعا ~~على وجه الصحة، والباطل من أنكحة الكفار ليس إلا ما كان مخالفا لما ورد به ~~الشرع حال وقوعها. # الثالث: أنهم قالوا: يحتمل أنه أمر الزوج باختيار أوائل النساء، وهذه ~~التأويلات وإن كانت منقدحة عقلا غير أن ما اقترن بلفظ الإمساك من القرائن ~~دارئة لها. # أما التأويل الأول فمن وجوه، الأول: أن المتبادر إلى الفهم من لفظ ~~(الإمساك) إنما هو الاستدامة دون التجديد. # الثاني: أنه فوض الإمساك والفراق إلى خيرة الزوج، وهما غير واقعين بخيرته ~~عندهم؛ لوقوع الفراق بنفس الإسلام وتوقف النكاح على رضا الزوجة. # الثالث: أنه لم يذكر شروط النكاح مع دعو الحاجة إلى معرفة ذلك لقرب عهدهم ~~بالإسلام. # الرابع: أنه أمر الزوج بإمساك أربع من العشر، وواحدة من الأختين، ~~وبمفارقة الباقي، والأمر إما للوجوب أو الندب ظاهرا على ما تقدم، وحصر ~~التزويج في العشرة وفي الأختين ليس واجبا ولا مندوبا، والمفارقة ليست من ~~فعل الزوج، حتى يكون الأمر متعلقا بها. # الخامس: هو أن الظاهر من الزوج المأمور إنما هو امتثال أمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بالإمساك، ولم ينقل أحد من الرواة تجديد النكاح في الصور ~~المذكورة. # السادس: هو أن الزوج إنما سأل عن الإمساك بمعنى الاستدامة لا بمعنى تجديد ~~النكاح، وعن الفراق بمعنى انقطاع النكاح. # والأصل في جواب الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يكون مطابقا للسؤال. # وأما التأويل الثاني فبعيد أيضا، لأنه لو لم يكن الحصر في ابتداء الإسلام ~~لما خلا ms540 ابتداء الإسلام عن الزيادة على الأربع عادة، وعن الجمع بين الأختين ~~ولم ينقل عن أحد من الصحابة ذلك في ابتداء الإسلام، ولو وقع لنقل. # وقوله تعالى {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} قال أهل التفسير: ~~المراد به ما سلف في الجاهلية قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ولهذا قال: {إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا} . # PageV03P055 # وأما التأويل الثالث فيدرؤه «قوله - صلى الله عليه وسلم - لزوج الأختين " ~~أمسك أيتهما شئت وفارق الأخرى» " «وقوله لواحد كان قد أسلم على خمس نسوة " ~~اختر منهن أربعا، وفارق واحدة» " (1) قال المأمور بذلك فعمدت إلى أقدمهن ~~عندي، ففارقتها. ### | [المسألة الثانية تأويلات بعيدة في قوله عليه السلام في أربعين شاة شاة] # المسألة الثانية # ومن جملة التأويلات البعيدة ما يقوله أصحاب أبي حنيفة في قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - ( «في أربعين شاة شاة» ) (2) من أن المراد به مقدار قيمة ~~الشاة، وذلك لأن قوله ( «في أربعين شاة شاة» ) قوي الظهور في وجوب الشاة ~~عينا، حيث إنه خصصها بالذكر، ولا بد في ذلك من إضمار حكم، وهو إما الندب أو ~~الوجوب، وإضمار الندب ممتنع لعدم اختصاص الشاة الواحدة من النصاب به فلم ~~يبق غير الواجب. # ولا يخفى أنه يلزم من تأويل ذلك بالحمل على وجوب مقدار قيمة الشاة بناء ~~على أن المقصود إنما هو دفع حاجات الفقراء وسد خلاتهم جواز دفع القيمة، ~~وفيه رفع الحكم، وهو وجوب الشاة بما استنبط منه من العلة، وهي دفع حاجات ~~الفقراء واستنباط العلة من الحكم (3) إذا كانت موجبة لرفعه كانت باطلة. # ومما يلتحق من التأويلات بهذا التأويل (4) ما يقوله بعض الناس في قوله ~~تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} الآية، من جواز الاقتصار على ~~البعض نظرا إلى أن المقصود من الآية إنما هو دفع الحاجة في جهة من الجهات ~~المذكورة، لا دفع PageV03P056 # الحاجة عن الكل لأن الآية (1) ظاهرة في استحقاق جميع الأصناف المذكورة ~~للصدقة، حيث إنه أضافها إليهم بلام التمليك في عطف البعض على البعض بواو ~~التشريك، وما استنبط من هذا الحكم ms541 من العلة يكون رافعا لحكم المستنبط منه ~~فلا يكون صحيحا. # وما يقال من أن مقصود الآية إنما هو بيان مصارف الزكاة وشروط الاستحقاق، ~~فنحن وإن سلمنا كون ذلك مقصودا من الآية، فلا نسلم أنه لا مقصود منها سواه، ~~ولا منافاة بين كون ذلك مقصودا، وكون الاستحقاق بصفة التشريك مقصودا، وهو ~~الأولى موافقة لظاهر الإضافة بلام التمليك، والعطف بواو التشريك. # ويقرب من هذا التأويل أيضا ما يقوله أصحاب أبي حنيفة في قوله تعالى: ~~{فإطعام ستين مسكينا} من أن المراد به إطعام طعام ستين مسكينا، مصيرا منهم ~~إلى أن المقصود إنما هو دفع الحاجة، ولا فرق في ذلك بين دفع حاجة ستين ~~مسكينا، ودفع حاجة مسكين واحد في ستين يوما، وهو بعيد أيضا وذلك لأن قوله ~~تعالى {فإطعام} فعل لا بد له من مفعول يتعدى إليه. # وقوله {ستين مسكينا} صالح أن يكون مفعول الإطعام، وهو مما يمكن الاستغناء ~~به مع ظهوره، والطعام وإن كان صالحا أن يكون هو مفعول الإطعام إلا أنه غير ~~ظاهر ومسكوت عنه فتقدير حذف المظهر وإظهار المفعول المسكوت عنه بعيد في ~~اللغة والواجب عكسه. # وإذا كان ذلك ظاهرا في وجوب رعاية العدد فيما استنبط منه يكون موجبا ~~لرفعه فكان ممتنعا، كيف وإنه لا يبعد أن يقصد الشارع مع ذلك رعاية العدد ~~دفعا لحاجة ستين مسكينا، نظرا للمكفر بما يناله من دعائهم له واغتنامه ~~لبركتهم (2) وقلما يخلو جمع من المسلمين عن ولي من أولياء الله تعالى يكون ~~مستجاب الدعوة مغتنم الهمة، وذلك في الواحد المعين مما يندر. PageV03P057 ### | [المسألة الثالثة قوله عليه السلام أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل] # المسألة الثالثة # قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها ~~فنكاحها باطل باطل باطل» " (1) صدر الكلام (بأي وما) في معرض الشرط ~~والجزاء، وذلك من أبلغ أدوات العموم عند القائلين به وأكده بالبطلان مرة ~~بعد مرة ثلاث مرات، وهو من أبلغ ما يدل به الفصيح المصقع على التعميم ~~والبطلان. # وقد طرق إليه أصحاب ms542 أبي حنيفة ثلاث تأويلات: الأول: أنه يحتمل أنه أراد ~~بالمرأة الصغيرة. # الثاني: أنه وإن أراد بها الكبيرة فيحتمل أنه أراد بها الأمة والمكاتبة. # الثالث: أنه يحتمل أنه أراد ببطلان النكاح مصيره إلى البطلان غالبا، ~~بتقدير اعتراض الأولياء عليها، إذا زوجت نفسها من غير كفء. # وهذه التأويلات مما لا يمكن المصير إليها في صرف هذا العموم القوي ~~المقارب للقطع عن ظاهره. # أما الحمل على الصغيرة فمن جهة أنها لا تسمى امرأة في وضع اللسان، ولأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم بالبطلان، ونكاح الصغيرة لنفسها دون إذن ~~وليها صحيح عندهم، موقوف على إجازة الولي. # وأما الحمل على الأمة فيدرؤه قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «فإن مسها ~~فلها المهر بما استحل من فرجها» " ومهر الأمة ليس لها بل لسيدها. # وأما الحمل على المكاتبة فبعيد أيضا من جهة أنها بالنسبة إلى جنس النساء ~~نادرة، واللفظ المذكور من أقوى مراتب العموم، وليس من الكلام العربي إطلاق ~~ما هذا شأنه، وإرادة ما هو في غاية الندرة والشذوذ، ولهذا فإنه لو قال ~~السيد لعبده: " أيما امرأة لقيتها اليوم فأعطها درهما " وقال: " إنما أردت ~~به المكاتبة " كان منسوبا إلى الإلغاز في القول وهجر الكلام. # وعلى هذا فلا نسلم صحة الاستثناء بحيث لا يبقى غير الأقل النادر من ~~المستثنى منه كما سبق تقريره، ولا فرق بين البابين. PageV03P058 # وأما حمل بطلان النكاح على مصيره إلى البطلان فبعيد من وجهين: الأول: أن ~~مصير العقد إلى البطلان من أندر ما يقع: والتعبير باسم الشيء عما يئول إليه ~~إنما يصح فيما إذا كان المآل إليه قطعا: كما في قوله تعالى {إنك ميت وإنهم ~~ميتون} أو غالبا كما في تسمية العصير خمرا في قوله تعالى {أراني أعصر خمرا} ~~الثاني: قوله: " «فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها» " ولو كان ~~العقد واقعا صحيحا لكان المهر لها بالعقد لا بالاستحلال. ### | [المسألة الرابعة تأويل بعيد لقوله عليه السلام لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل] # المسألة الرابعة # ومن التأويلات البعيدة قول أصحاب أبي حنيفة ms543 في قوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: " «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» " إن المراد به صوم القضاء ~~والنذر من حيث (1) إن الصوم نكرة وقد دخل عليه حرف النفي فكان ظاهره العموم ~~في كل صوم. # والمتبادر إلى الفهم من لفظ الصوم إنما هو الصوم الأصلي المتخاطب به في ~~اللغات وهو الفرض والتطوع (2) دون ما وجوبه بعارض، ووقوعه نادر: وهو القضاء ~~والنذر. # ولا يخفى أن إطلاق ما هو قوي في العموم وإرادة ما هو العارض البعيد ~~النادر، وإخراج الأصل الغالب منه إلغاز في القول. # ولهذا فإنه لو قال السيد لعبده: " من دخل داري من أقاربي أكرمه " وقال: " ~~إنما أردت قرابة السبب دون النسب أو ذوات الأرحام البعيدة دون العصبات ~~القريبة " كان قوله منكرا مستبعدا، لكنه مع ذلك لا ينتهض في البعد إلى بعد ~~التأويل في حمل الخبر السابق على الأمة والمكاتبة. PageV03P059 ### | [المسألة الخامسة تأويل بعيد لقوله عليه السلام من ملك ذا رحم محرم عتق عليه] # المسألة الخامسة # ومن التأويلات البعيدة أيضا تأويل قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «من ~~ملك ذا رحم محرم عتق عليه» (1) فإن ظهور وروده لتأسيس قاعدة، وتمهيد أصل، ~~في سياق الشرط والجزاء، والتنبيه على حرمة الرحم المحرم، وصلته قوي الظهور ~~في قصد التعميم لكل ذي رحم محرم، وذلك مما يمتنع معه التأويل بالحمل على ~~الأصول والفصول، دون غيرهم لأنهم قد امتازوا بكونهم على عمود النسب عن ~~غيرهم ممن هو على حواشيه من الأرحام، وذلك موجب لاختصاصهم بالتنصيص عليهم، ~~إظهارا لشرف قربهم ونسابتهم، فلو كان القصد متعلقا بهم دون غيرهم بالذكر ~~لما عدل عن التنصيص عليهم إلى ما يعم، لما فيه من إسقاط حرمتهم وإهمال ~~خاصيتهم، ولذلك فإنه لو قال السيد لعبده: " أكرم الناس " قاصدا لإكرام ~~أبويه لا غير كان ذلك من الأقوال المهجورة المستبعدة. ### | [المسألة السادسة تأويل بعيد لقوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه] # المسألة السادسة # ومن التأويلات البعيدة تأويل أبي حنيفة في قوله تعالى {واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء فأن لله خمسه ms544 وللرسول ولذي القربى} حيث إنه قال باعتبار ~~الحاجة مع القرابة وحرمان من ليس بمحتاج من ذوي القربى، وهو بعيد جدا، لأن ~~الآية ظاهرة في إضافة الخمس إلى كل ذوي القربى، بلام التمليك والاستحقاق ~~مومئة إلى أن مناط الاستحقاق هو القرابة فإنها مناسبة للاستحقاق إظهارا ~~لشرفها وإبانة لخطرها، وحيث رتب الاستحقاق على ذكرها في الآية، كان ذلك ~~إيماء إلى التعليل بها، فالمصير بعد ذلك إلى اعتبار الحاجة يكون تخصيصا ~~للعموم، وتركا لما ظهر كونه علة مومأ إليها في الآية، وهو صفة القرابة، ~~وتعليلا بالحاجة المسكوت عنها، وهو في غاية البعد. PageV03P060 # فإن قيل: ما ذكرتموه بعينه لازم على قول الشافعي باعتبار الحاجة مع اليتم ~~في سياق الآية. # قلنا: المختار من قول الشافعي إنما هو عدم اعتبار الحاجة مع اليتم، ~~وبتقدير القول بذلك فاعتبار الحاجة إنما كان لأن لفظ اليتم مع قرينة إعطاء ~~المال مشعر بها، فاعتبارها يكون اعتبارا لما دل عليه لفظ الآية؛ لأنه إلغاء ~~له واليتم بمجرده عن اقتران الحاجة به غير صالح للتعليل، بخلاف القرابة فإن ~~القرابة بمجردها مناسبة للإكرام باستحقاق خمس الخمس (1) كما ذكرناه فاعتبار ~~الحاجة معها يكون تركا للعمل بما ظهر كونه علة وعمل بغيره وهو مناقضة لا ~~تأويل. ### | [المسألة السابعة تأويل بعيد لقوله عليه السلام فيما سقت السماء العشر] # المسألة السابعة # ومن التأويلات البعيدة أيضا مصير قوم إلى أن قوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: " «فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بنضح أو دالية نصف العشر» (2) ليس ~~بحجة في إيجاب العشر ونصف العشر في الخضروات، لأن المقصود الذي سيق الكلام ~~لأجله إنما هو الفرق بين العشر ونصف العشر، لا بيان ما يجب فيه العشر ونصف ~~العشر، وهو بعيد أيضا لأن اللفظ عام في كل ما سقت السماء وسقي بنضح أو ~~دالية بوضع اللغة عند القائلين به، وكون ذلك مما يقصد به العشر ونصف العشر ~~غير مانع من قصد التعميم؛ إذ لا منافاة بينهما اللهم إلا أن يبين أن الخبر ~~لم يرد إلا لقصد الفرق وذلك مما لا سبيل ms545 إليه. PageV03P061 ### | [المسألة الثامنة تأويل بعيد لقوله وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين] # المسألة الثامنة # ومن أبعد التأويلات ما يقوله القائلون بوجوب غسل الرجلين في الوضوء في ~~قوله تعالى: {وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} من أن المراد به الغسل، ~~وهو في غاية البعد (1) لما فيه من ترك العمل بما اقتضاه ظاهر العطف من ~~التشريك بين الرءوس والأرجل في المسح من غير ضرورة. # فإن قيل: العطف إنما هو على الوجوه واليدين في أول الآية، وذلك موجب ~~للتشريك في الغسل، وبيان ذلك من وجهين: الأول: قوله تعالى {إلى الكعبين} ~~قدر المأمور به من الكعبين كما قدر غسل اليدين إلى المرفقين، ولو كان ~~الواجب هو المسح لما كان مقدرا كمسح الرأس. # الثاني: ما ورد من القراءة بالنصب من قوله تعالى {وأرجلكم} وذلك يدل على ~~العطف على الأيدي دون الرءوس. # وأما الكسر فإنما كان بسبب المجاورة، فإنها موجبة لاستتباع المجاور، ومنه ~~قول امرئ القيس: # كأن ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل # كسر (مزمل) استتباعا لما قبله، وإلا فحقه أن يكون مرفوعا لكونه وصف ~~(كبير) وإن سلمنا أن الأرجل معطوفة على الرءوس غير أنه ليس من شرط العطف ~~الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في تفاصيل حكم المعطوف عليه، بل في ~~أصله كما سبق تقريره، وذلك مما قد وقع الاشتراك فيه، فإن الغسل والمسح قد ~~اشتركا في أن كل واحد منهما فيه إمساس العضو بالماء، وإن افترقا في خصوص ~~المسح والغسل، وذلك كاف في صحة العطف، ودليله قول الشاعر: # ولقد رأيتك في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا # عطف الرمح على التقلد بالسيف، وإن كان الرمح لا يتقلد، وإنما يعتقل به، ~~لاشتراكهما في أصل الحمل PageV03P062 # وكذلك عطف الشاعر الماء على التبن في قوله (علفتها تبنا وماء باردا) (1) ~~والماء لا يعلف لاشتراكهما في أصل التناول. # والجواب، قولهم: إن العطف إنما هو على الأيدي، فأبعد من كل بعيد لما فيه ~~من ترك العطف على ما يلي المعطوف إلى ما لا يليه. # وأما التقدير بالكعبين فمما لا يمنع من العطف ms546 على الرءوس الممسوحة، وإن ~~لم يكن مسح الرءوس مقدرا في الآية كما عطف الأيدي على الوجوه في حكم الغسل، ~~وإن كان غسل اليدين مقدرا وغسل الوجوه غير مقدر. # وأما القراءة بالنصب، فإنما كان ذلك عطفا على الموضع، وذلك لأن الرءوس في ~~موضع النصب بوقوع الفعل عليها، غير أنه لما دخل الخافض على الرءوس، أوجب ~~الكسر، ومنه قول الشاعر: # معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا # عطف (الحديد) على موضع (الجبال) إذ هي في موضع نصب، غير أنها خفضت بدخول ~~الجار عليها. # قولهم: إن الكسر بسبب المجاورة إنما يصح إذا لم يكن بين المتجاورين فاصل ~~كما ذكروه من الشعر، وأما إذا فصل بينهما حرف العطف فلا. # وإن سلمنا جوازه، غير أنه مما لا يتحمل إلا لضرورة الشعر فلا ينتهض موجبا ~~لاتباعه، وترك ما أوجبه العطف. # ومثل ذلك، وإن ورد في النثر كما في قولهم (جحر ضب خرب وماء شن بارد) فمن ~~النوادر الشاذة التي لا يقاس عليها. # قولهم: إن العطف وإن وقع على الرءوس، فذلك غير موجب للاشتراك في تفاصيل ~~حكم المعطوف عليه. # قلنا: هذا هو الأصل، وإنما يصار إلى خلافه لدليل، ولا دليل، وإنما ذكرنا ~~هذه النبذة من مسائل التأويلات لتدرب المبتدئين بالنظر في أمثالها. # وبالجملة، فالمتبع في ذلك إنما هو نظر المجتهد في كل مسألة فعليه اتباع ~~ما أوجبه ظنه. PageV03P063 ### | [دلالة غير المنظوم] ### | ما يتعلق بالنظر فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والإجماع ### | [النوع الأول دلالة الاقتضاء] # القسم الثاني في دلالة غير المنظوم # وهو ما دلالته لا بصريح صيغته ووضعه، وذلك لا يخلو: إما أن يكون مدلوله ~~مقصودا للمتكلم، أو غير مقصود: فإن كان مقصودا، فلا يخلو، إما أن يتوقف صدق ~~المتكلم أو صحة الملفوظ به عليه، أو لا يتوقف، فإن توقف فدلالة اللفظ عليه ~~تسمى دلالة الاقتضاء، وإن لم يتوقف فلا يخلو، إما أن يكون مفهوما في محل ~~تناوله اللفظ نطقا أولا فيه، فإن كان الأول: فتسمى دلالته دلالة التنبيه ~~والإيماء، وإن كان الثاني فتسمى دلالته دلالة المفهوم. ms547 # وأما إن كان مدلوله غير مقصود للمتكلم، فدلالة اللفظ عليه تسمى دلالة ~~الإشارة. # فهذه أربعة أنواع: # النوع الأول: دلالة الاقتضاء # وهي ما كان المدلول فيه مضمرا، إما لضرورة صدق المتكلم، وإما لصحة وقوع ~~الملفوظ به. # فإن كان الأول: فهو كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان وما استكرهوا عليه» " وقوله - عليه السلام -: " «لا صيام لمن لم ~~يبيت الصيام من الليل» "، وقوله - عليه السلام -: " «لا عمل إلا بنية» " ~~(1) فإن رفع الصوم والخطأ والعمل مع تحققه ممتنع، فلا بد من إضمار نفي حكم ~~يمكن نفيه، كنفي المؤاخذة والعقاب في الخبر الأول، ونفي الصحة أو الكمال في ~~الخبر الثاني، ونفي الفائدة والجدوى في الخبر الثالث ضرورة صدق الخبر. ~~PageV03P064 # وأما إن كان لصحة الملفوظ به، فإما أن تتوقف صحته عليه عقلا أو شرعا. # فإن كان الأول: فكقوله تعالى: {واسأل القرية} فإنه لا بد من إضمار أهل ~~القرية لصحة الملفوظ به عقلا. (1) وإن كان الثاني فكقول القائل لغيره: ~~(أعتق عبدك عني على ألف) فإنه يستدعي تقدير سابقة انتقال الملك إليه ضرورة ~~توقف العتق الشرعي عليه. ### | [النوع الثاني دلالة التنبيه والإيماء] # وهي خمسة أصناف، وسيأتي ذكرها في القياس. ### | [النوع الثالث دلالة الإشارة] # وذلك كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - في حق النساء: ( «النساء ناقصات ~~عقل ودين) فقيل له: (يا رسول الله، ما نقصان دينهن؟ قال: تمكث إحداهن في ~~قعر بيتها شطر دهرها لا تصلي، ولا تصوم» ) (2) فهذا الخبر إنما سيق لبيان ~~نقصان دينهن، لا لبيان أكثر الحيض وأقل الطهر، ومع ذلك لزم منه أن يكون ~~أكثر الحيض خمسة عشر يوما، وأقل الطهر كذلك، لأنه ذكر شطر الدهر مبالغة في ~~بيان نقصان دينهن، ولو كان الحيض يزيد على خمسة عشر يوما لذكره، وكذلك ~~دلالة مجموع قوله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} وقوله تعالى: {وفصاله ~~في عامين} على أن أقل مدة ستة أشهر وإن لم يكن ذلك مقصودا من اللفظ. # وكذلك قوله تعالى: {فالآن باشروهن} أباح المباشرة ممتدة إلى طلوع الفجر ~~بقوله: {حتى يتبين ms548 لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} وكان بيان ذلك هو ~~المقصود، ومع ذلك لزم منه أن من جامع في ليل رمضان، وأصبح جنبا لم يفسد ~~صومه، لأن من جامع في آخر الليل، لا بد من تأخر غسله إلى النهار، فلو كان ~~ذلك مما يفسد الصوم لما أبيح الجماع في آخر جزء من الليل. # ومع ذلك فإنه لم يقع مقصودا من الكلام إلى نظائره. PageV03P065 ### | [النوع الرابع المفهوم] ### | النظر في معنى المفهوم # ولا بد من النظر في معناه وأصنافه قبل الحجاج في نفيه وإثباته، أما ~~معناه، فاعلم أن المفهوم مقابل للمنطوق، والمنطوق أصل للمفهوم، فلا بد من ~~تحقيقه أولا، ثم العود إلى تحقيق معنى المفهوم ثانيا. # فنقول أما المنطوق، فقد قال بعضهم: " هو ما فهم من اللفظ في محل النطق "، ~~وليس بصحيح، فإن الأحكام المضمرة في دلالة الاقتضاء مفهومة من اللفظ في محل ~~النطق، ولا يقال لشيء من ذلك منطوق اللفظ، فالواجب أن يقال: " المنطوق ما ~~فهم من دلالة اللفظ قطعا في محل النطق " # وذلك كما في وجوب الزكاة المفهوم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «في ~~الغنم السائمة زكاة» " وكتحريم التأفيف للوالدين من قوله تعالى: {فلا تقل ~~لهما أف} إلى نظائره. # وأما المفهوم " فهو ما فهم من اللفظ في غير محل النطق "، والمنطوق وإن ~~كان مفهوما من اللفظ، غير أنه لما كان مفهوما من دلالة اللفظ نطقا خص باسم ~~المنطوق، وبقي ما عداه معرفا بالمعنى العام المشترك، تمييزا بين الأمرين. ### | مفهوم الموافقة # وإذا عرف معنى المفهوم، فهو ينقسم إلى ما يسمى مفهوم الموافقة، وإلى ما ~~يسمى ### | مفهوم المخالفة. # أما مفهوم الموافقة فما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت موافقا لمدلوله ~~في محل النطق، ويسمى أيضا فحوى الخطاب، ولحن الخطاب، والمراد به معنى ~~الخطاب، ومنه قوله تعالى: {ولتعرفنهم في لحن القول} أي في معناه. # وقد يطلق اللحن ويراد به اللغة، ومنه يقال " لحن فلان بلحنه " إذا تكلم ~~بلغته، وقد يطلق ويراد به الفطنة، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - " ولعل ~~بعضكم ألحن ms549 بحجته من بعض " (أي: أفطن) ، وقد يطلق ويراد به الخروج عن ناحية ~~الصواب، ويدخل فيه إزالة الإعراب عن جهة الصواب. # PageV03P066 # ومثاله تحريم شتم الوالدين وضربهما من دلالة قوله تعالى: {فلا تقل لهما ~~أف} فإن الحكم المفهوم من اللفظ في محل السكوت موافق للحكم المفهوم في محل ~~النطق، وكذلك دلالة قوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} على ~~تحريم إتلاف أموالهم، وكدلالة قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره - ~~ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} على المقابلة فيما زاد على ذلك. # وكدلالة قوله تعالى {الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن ~~تأمنه بدينار لا يؤده إليك} على تأدية ما دون القنطار، وعدم تأدية ما فوق ~~الدينار، إلى غير ذلك من النظائر. # والدلالة في جميع هذه الأقسام لا تخرج من قبيل التنبيه بالأدنى على ~~الأعلى، وبالأعلى على الأدنى، ويكون الحكم في محل السكوت أولى منه في محل ~~النطق، وإنما يكون كذلك أن لو عرف المقصود من الحكم في محل النطق من سياق ~~الكلام، وعرف أنه أشد مناسبة واقتضاء للحكم في محل السكوت من اقتضائه له في ~~محل النطق، وذلك كما عرفنا من سياق الآية المحرمة للتأفيف أن المقصود إنما ~~هو كف الأذى عن الوالدين، وأن الأذى في الشتم والضرب أشد من التأفيف، فكان ~~بالتحريم أولى. # وإلا فلو قطعنا النظر عن ذلك، لما لزم من تحريم التأفيف تحريم الضرب ~~العنيف، ولهذا فإنه ينتظم من الملك أن يأمر الجلاد بقتل والده إذا استيقن ~~منازعته له في ملكه، وينهاه عن التأفيف، حيث كان المقصود من الأمر بالقتل ~~إنما هو دفع محذور المنازعة في الملك، وإن كان القتل أشد في دفعه من ~~التأفيف، ولذلك لم يلزم من إباحة أعلى المحذورين إباحة أدناهما، ولا من ~~تحريم أدناهما تحريم أعلاهما. # وهذا مما اتفق أهل العلم على صحة الاحتجاج به إلا ما نقل عن داود الظاهري ~~أنه قال إنه ليس بحجة، ودليل كونه حجة أنه إذا قال السيد لعبده " لا تعط ~~زيدا حبة، ولا ms550 تقل له أف، ولا تظلمه بذرة، ولا تعبس في وجهه " فإنه يتبادر ~~إلى الفهم من ذلك امتناع إعطاء ما فوق الحبة، وامتناع الشتم والضرب، ~~وامتناع الظلم بالدينار # PageV03P067 # وما زاد، وامتناع أذيته بما فوق التعبيس من هجر الكلام وغيره، ولذلك كان ~~المفهوم من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «احفظ عفاصها ووكاءها» " ~~حفظ ما التقط من الدنانير، ومن قوله - صلى الله عليه وسلم -، في الغنيمة " ~~«أدوا الخيط والمخيط» " أداء الرحال والنقود وغيرها، ومن قوله " «من سرق ~~عصا مسلم فعليه ردها» " رد ما زاد على ذلك. # وكذلك لو حلف أنه لا يأكل لفلان لقمة، ولا يشرب من مائه جرعة، كان ذلك ~~موجبا لامتناعه من أكل ما زاد على اللقمة كالرغيف وشرب ما زاد على الجرعة ~~إلى نظائره غير أن الخلاف واقع في أن مستند الحكم في محل السكوت، هل هو ~~فحوى الدلالة اللفظية، أو الدلالة القياسية. # وقد احتج القائلون بالفحوى بأن العرب إنما وضعت هذه الألفاظ للمبالغة في ~~التأكيد للحكم في محل السكوت. # وأنها أفصح من التصريح بالحكم في محل السكوت. # ولهذا فإنهم إذا قصدوا المبالغة في كون أحد الفرسين سابقا للآخر، قالوا ~~(هذا الفرس لا يلحق غبار هذا الفرس) وكان ذلك عندهم أبلغ من قولهم (هذا ~~الفرس سابق لهذا الفرس) وكذلك إذا قالوا: " فلان يأسف بشم رائحة مطبخه " ~~فإنه أفصح عندهم وأبلغ من قولهم " فلان لا يطعم ولا يسقي ". # واحتج القائلون بكونه قياسا أنا لو قطعنا النظر عن المعنى الذي سيق له ~~الكلام من كف الأذى عن الوالدين، وعن كونه في الشتم والضرب أشد منه في ~~التأفيف لما قضي بتحريم الشتم والضرب إجماعا، ولما سبق من جواز أمر الملك ~~للجلاد بقتل والده والنهي عن التأفيف له، فالتأفيف أصل، والشتم والضرب فرع، ~~ودفع الأذى علة، والتحريم حكم ولا معنى للقياس إلا هذا. # وسموا ذلك قياسا جليا نظرا إلى أن الوصف الجامع بين الأصل والفرع ثابت ~~بالتأثير. # والأشبه إنما هو المذهب الأول، وهو الإسناد إلى فحوى الدلالة اللفظية. # وما قيل من أنه لا ms551 بد من فهم المعنى، وكونه في محل السكوت أولى بالحكم في ~~محل النطق، فهو شرط تحقق الفحوى، ولا مناقضة بينه وبين الفحوى، ويدل على ~~أنه ثابت بالفحوى لا بالقياس أمران: # PageV03P068 # الأول: أن القياس لا يشترط فيه أن يكون المعنى المناسب للحكم في الفرع ~~أشد مناسبة له من حكم الأصل إجماعا، وهذا النوع من الاستدلال لا يتم دونه، ~~فلا يكون قياسا. # الثاني: أن الأصل في القياس لا يكون مندرجا في الفرع وجزءا منه إجماعا. # وهذا النوع من الاستدلال قد يكون ما تخيل أصلا فيه جزء مما تخيل فرعا، ~~وذلك كما لو قال السيد لعبده: " لا تعط لفلان حبة " فإنه يدل على امتناع ~~إعطاء الدينار، وما زاد عليه، والحبة المنصوصة تكون داخلة فيه. # وكذلك قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره - ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره} فإنه يدل على رؤية ما زاد على الذرة، والذرة تكون داخلة فيه، إلى ~~نظائره. # ولهذا، فإن كل من خالف في القياس مطلقا وافق على هذا النوع من الدلالة ~~سوى أهل الظاهر، ولو كان قياسا لما كان كذلك. # وعلى كل تقدير، فهو منقسم إلى قطعي وظني. # أما القطعي: فكما ذكرنا من آية التأفيف حيث إنا علمنا من سياق الآية أن ~~حكمة تحريم التأفيف إنما هو دفع الأذى عن الوالدين، وأن الأذى في الشتم ~~والضرب أشد. # وأما في قوله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} فإنه وإن دل ~~على وجوب الكفارة في القتل العمد، لكونه أولى بالمؤاخذة كما يقوله الشافعي، ~~غير أنه ليس بقطعي لإمكان أن لا تكون الكفارة في القتل الخطأ موجبة بطريق ~~المؤاخذة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» " ~~والمراد به رفع المؤاخذة، بل نظرا للخاطئ بإيجاب ما يكفر ذنبه في تقصيره، ~~ومن ذلك سميت كفارة، وجناية المتعمد فوق جناية الخاطئ. # وعند ذلك فلا يلزم من كون الكفارة رافعة لإثم أدنى الجنايتين أن تكون ~~رافعة لإثم أعلاهما. ### | مفهوم المخالفة ### | تعريفه وبيان أصنافه # وأما مفهوم المخالفة فهو ما يكون ms552 مدلول اللفظ في محل السكوت مخالفا ~~لمدلوله في محل النطق، ويسمى دليل الخطاب أيضا، وهو عند القائلين به منقسم ~~إلى عشرة أصناف متفاوتة في القوة والضعف. # PageV03P069 # الصنف الأول: منها ذكر الاسم العام مقترنا بصفة خاصة كقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " «في الغنم السائمة زكاة» ". # الصنف الثاني: مفهوم الشرط والجزاء كقوله تعالى: {وإن كن أولات حمل ~~فأنفقوا عليهن} وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «إذا أتاكم كريم قوم ~~فأكرموه» ". (1) الصنف الثالث: مفهوم الغاية كقوله تعالى: {فلا تحل له من ~~بعد حتى تنكح زوجا غيره} وقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} ، و {حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} . # الصنف الرابع: مفهوم إنما كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «إنما الأعمال ~~بالنيات» ". # " «وإنما الربا في النسيئة» ". # " «وإنما الولاء لمن أعتق» ". # " «وإنما الشفعة فيما لم يقسم» إلى نظائره ". # الصنف الخامس: التخصيص بالأوصاف التي تطرأ وتزول بالذكر كقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " «الثيب أحق بنفسها من وليها» ". # وقوله - عليه الصلاة والسلام - ( «في السائمة زكاة» ) . # الصنف السادس: مفهوم اللقب، وذلك كتخصيص الأشياء الستة في الذكر بتحريم ~~الربا. (2) الصنف السابع: مفهوم الاسم المشتق الدال على الجنس، كقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " «لا تبيعوا الطعام بالطعام» " وهو قريب من مفهوم اللقب ~~لكون الطعام لقبا لجنس. # الصنف الثامن: مفهوم الاستثناء، كقوله تعالى: {لا إله إلا الله} وقول ~~القائل: (لا عالم في البلد إلا زيد) . # الصنف التاسع: تعليق الحكم بعدد خاص، كتخصيص حد القذف بثمانين. # الصنف العاشر: مفهوم حصر المبتدأ في الخبر كقوله: (العالم زيد وصديقي ~~عمرو) . (3) PageV03P070 # وإذا عرف المفهوم بحده وأصنافه، فيجب أن تعلم قبل الخوض في الحجاج في هذه ~~الأصناف أن مستند فهم الحكم في محل السكوت عند القائلين به إنما هو النظر ~~إلى فائدة تخصيص محل النطق بالذكر دون غيره، وسواء كان ذلك من قبيل مفهوم ~~الموافقة أو المخالفة، وإن افترقا من جهة أن فائدة التخصيص بالذكر في مفهوم ~~الموافقة إنما هو تأكيد مثل حكم المنطوق في محل المسكوت عنه، وفائدة ~~التخصيص بالذكر في مفهوم المخالفة إنما هو ms553 نفي مثل حكم المنطوق في محل ~~السكوت، وذلك مما لا يعلم من مجرد تخصيص محل النطق بالذكر دون نظر عقلي ~~يتحقق به أن التخصيص للتأكيد أو النفي، وذلك بأن ينظر إلى حكمة الحكم ~~المنطوق به. # فإن عرفت وعرف تحققها في المحل المسكوت عنه، وأنها أولى باقتضائها الحكم ~~فيه من الحكم في محل النطق، علم أن فائدة التخصيص التأكيد، وأن المفهوم ~~مفهوم الموافقة (1) وإن لم يعلم حكمة الحكم المنطوق به، أو علمت غير أنها ~~لم تكن متحققة في محل السكوت، أو كانت متحققة فيه لكنها ليست أولى باقتضاء ~~الحكم فيه (2) علم أن فائدة التخصيص إنما هي النفي (3) وأن المفهوم مفهوم ~~المخالفة. # وإذا أتينا على تحقيق المفهوم وأصنافه، فلنرجع إلى المقصود من الحجاج في ~~نفيه وإثباته، وما هو المختار في كل واحد من أصنافه، فنقول: أما مفهوم ~~الموافقة فقد اتفق الكل على صحة الاحتجاج به سوى الظاهرية، وإن اختلفوا في ~~دلالته، هل هي لفظية أو قياسية، على ما سبق. # والمتفقون على صحة مفهوم الموافقة اختلفوا في صحة الاحتجاج بمفهوم ~~المخالفة، فيجب الخوض فيما يتعلق به من المسائل، وهي تسع مسائل. ~~PageV03P071 ### | [المسألة الأولى الخطاب الدال على حكم مرتبط باسم عام مقيد بصفة خاصة] # المسألة الأولى # اختلفوا في الخطاب الدال على حكم مرتبط باسم عام مقيد بصفة خاصة كقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " في الغنم السائمة زكاة " (1) هل يدل على نفي ~~الزكاة السائمة أو لا؟ فأثبته الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل والأشعري وجماعة ~~من الفقهاء والمتكلمين وأبو عبيد (2) وجماعة من أهل العربية، ونفاه أبو ~~حنيفة وأصحابه والقاضي أبو بكر وابن سريج والقفال والشاشي وجماهير ~~المعتزلة. # وفرق أبو عبد الله البصري من المعتزلة، وقال: الخطاب المتعلق بالصفة دال ~~على النفي عما عداها في أحد أحوال ثلاث: وهي أن يكون الخطاب قد ورد للبيان، ~~كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «في الغنم السائمة زكاة» ". # أو التعليم كما في خبر " التحالف عند التخالف والسلعة قائمة " (3) أو ~~يكون ما عدا الصفة داخلا تحتها، كالحكم بالشاهدين، فإنه يدل ms554 على نفيه عن ~~الشاهد الواحد لدخوله في الشاهدين، ولا يدل على النفي فيما سوى ذلك. ~~PageV03P072 # وإذ أتينا على تفصيل المذاهب من الجانبين، فلا بد من ذكر حجج الفريقين ~~والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. # أما القائلون بالإثبات فقد احتجوا بحجج نقلية وعقلية أما الحجج النقلية ~~فست حجج: # الحجة الأولى: أنهم قالوا إن أبا عبيد القاسم بن سلام من أهل اللغة وقد ~~قال بدليل الخطاب في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «لي الواجد يحل عرضه ~~وعقوبته» " (1) حيث قال إنه أراد به أن من ليس بواجد لا يحل عرضه وعقوبته، ~~والواجد هو الغني، وليه مطله، ومعنى إحلال عرضه مطالبته وعقوبته حبسه. # وقال في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير ~~له من أن يمتلئ شعرا» " (2) وقد قيل له إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إنما أراد الهجاء من الشعراء أو هجاء الرسول، فقال لو كان ذلك هو المراد، ~~لم يكن لتعليق ذلك بالكثرة وامتلاء الجوف منه معنى، لأن ما دون ملء الجوف ~~من ذلك ككثيره. # ووجه الاحتجاج به أنه فهم أن تعليق الذم على امتلاء الجوف من ذلك مخالف ~~لما دونه. # ولقائل أن يقول: حكم أبي عبيد بذلك إن ادعيتم أنه كان نقلا عن العرب، فهو ~~غير مسلم، وليس في لفظه ما يدل على النقل. # وإن قلتم إن ذلك كان بناء على مذهبه واجتهاده فغايته أنه مجتهد فيه، فلا ~~يكون ذلك حجة على غيره من المجتهدين المخالفين له في ذلك، كيف وإنه لو ذكر ~~ذلك نقلا فلا نسلم كونه حجة في مثل هذه القاعدة اللغوية لكونه من أخبار ~~الآحاد، ثم هو معارض بمذهب الأخفش (3) PageV03P073 # فإنه من أهل اللغة، ولم يقل بدليل الخطاب على ما نقل عنه، على أنه يمكن ~~أن يكون حكمه بذلك مستندا إلى النفي الأصلي وعدم دلالة الدليل على مخالفته، ~~وهو أولى جمعا بين المذاهب. # الحجة الثانية: ما روى قتادة أنه قال: لما نزل قوله تعالى: {استغفر لهم ~~أو لا تستغفر ms555 لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: " «قد خيرني ربي فوالله لأزيدن على السبعين» " فعقل ~~أن ما زاد على السبعين بخلافه، ولقائل أن يقول: ما ذكرتموه من أخبار ~~الآحاد، لا نسلم كونه حجة في مثل هذه القاعدة. # وإن سلمنا أنه حجة، ولكن يمتنع التمسك به لوجهين: الأول: أن زيادة النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - على السبعين في الاستغفار ليس فيه ما يدل على فهمه ~~وقوع المغفرة لهم باستغفاره زيادة على السبعين، وليس في لفظه ما يدل عليه، ~~فيحتمل أنه قصد بذلك استمالة قلوب الأحياء منهم ترغيبا لهم في الدين، لا ~~لوقوع المغفرة، وليس أحد الأمرين أولى من الآخر، بل ربما كان احتمال ~~الاستمالة أولى من فهمه وقوع المغفرة بالزيادة على السبعين في الاستغفار من ~~الآية، لما فيه من دفع التعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى: {سواء عليهم ~~أأستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم} . # الوجه الثاني: أن تخصيص نفي المغفرة بالسبعين يدل على انتفاء المغفرة ~~بالسبعين قطعا ضرورة صدق الله تعالى في خبره. # ومن قال بدليل الخطاب فهو قائل بأنه يدل على نقيض حكم المنطوق في محل ~~السكوت، وعند ذلك فلو دل اختصاص السبعين بنفي المغفرة قطعا على نقيضه في ~~محل السكوت لكان دالا على وقوع المغفرة بعد السبعين، وذلك إما أن يكون قطعا ~~أو ظنا: # الأول: خلاف الإجماع وخلاف ما ذكرناه من الآية الدالة على امتناع المغفرة ~~بعد السبعين. # والثاني: فليس نقيضا لنفي المغفرة قطعا، بل هو مقابل، والمقابل أعم من ~~النقيض، فلا يكون ذلك من باب دليل الخطاب، وفيه دقة فليتأمل. # PageV03P074 # الحجة الثالثة: مصير ابن عباس - رضي الله عنهما - إلى منع توريث الأخت مع ~~البنت، استدلالا بقوله تعالى: {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ~~ترك} حيث إنه فهم من توريث الأخت مع عدم الولد امتناع توريثها مع البنت ~~لأنها ولد، وهو من فصحاء العرب، وترجمان القرآن. # وجواب هذه الحجة ما ms556 سبق في دفع الحجة التي قبلها، كيف وإنه يحتمل أنه ورث ~~الأخت عند عدم الولد بالآية، وعند وجود البنت لم يورثها بناء على استصحاب ~~النفي الأصلي، لا بناء على دليل الخطاب، وليس أحد الأمرين أولى من الآخر. # الحجة الرابعة: أن الصحابة اتفقوا على أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~إذا التقى الختانان، فقد وجب الغسل (1) ناسخ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~" «الماء من الماء» " (2) ولولا أن قوله: " «الماء من الماء» " يدل على نفي ~~الغسل من غير إنزال لما كان نسخا له. # ولقائل أن يقول: لا نسلم صحة الاحتجاج بخبر الواحد في اللغات، وإن سلمنا، ~~ولكن لا نسلم أن جلة الصحابة اتفقوا على ذلك، وقول البعض لا يكون حجة على ~~غيره، وإن سلمنا اتفاق الصحابة على ذلك، ولكن إنما حكموا بكونه ناسخا لا ~~لمدلول دليل الخطاب، بل يحتمل أنهم فهموا من قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~" «الماء من الماء» " كل غسل من إنزال الماء، ويدل على تأكد هذا قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " «لا ماء إلا من الماء» " فكان قوله: " «إذا التقى ~~الختانان وجب الغسل» " ناسخا لمدلول عموم الأول، لا لمدلول دليل الخطاب، ~~وليس أحد الأمرين أولى من الآخر، بل حمله على ما ذكرناه أولى لكونه متفقا ~~عليه، ومختلفا فيما ذكروه. PageV03P075 # الحجة الخامسة: ما روي «أن يعلى بن أمية قال لعمر: " ما بالنا نقصر، وقد ~~أمنا، وقد قال الله تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم} ~~» ووجه الاحتجاج به أنه فهم من تخصيص القصر بحالة الخوف عدم القصر عند عدم ~~الخوف ولم ينكر عليه عمر، بل قال «لقد: " عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال لي: هي صدقة تصدق الله بها عليكم ~~فاقبلوا صدقته» " ويعلى بن أمية وعمر من فصحاء العرب، وقد فهما ذلك، والنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أقرهما عليه. # ولقائل أن يقول: لا نسلم صحة الاحتجاج بخبر الواحد هاهنا، وإن سلمنا لكن ~~يحتمل أن يعلى وعمر بنيا عدم القصر على ms557 استصحاب الحال في حالة الأمن، لا ~~على دليل الخطاب، وليس أحد الأمرين أولى من الآخر، بل البناء على الاستصحاب ~~أولى دفعا للتعارض بين الدليل المجوز للقصر حالة الأمن والدليل النافي له. # الحجة السادسة: أنه إذا قال العربي لوكيله: " اشتر لي عبدا أسود " فهم ~~منه عدم الشراء للأبيض، حتى إنه لو اشترى أبيض لم يكن ممتثلا، وكذلك إذا ~~قال الرجل لزوجته: " أنت طالق إن دخلت الدار " فهم منه انتفاء الطلاق عند ~~عدم الدخول. # ولقائل أن يقول: ليس ذلك مفهوما من دليل الخطاب، بل عدم شراء الأبيض وعدم ~~وقوع الطلاق قبل دخول الدار إنما كان مستندا إلى النفي الأصلي، ولهذا فإنه ~~لو قال له: " لا تشتر لي عبدا أسود "، وقال لزوجته: " إن دخلت الدار فلست ~~طالقا " فإنه لا يصح شراؤه لعبد غير أسود، ولا يقع بالزوجة الطلاق بتقدير ~~عدم دخول الدار لبقاء ذلك على النفي الأصلي، ولو كان نفي الحكم في محل ~~السكوت مما يدل عليه ذكر الحكم في محل النطق لصح شراء عبد ليس بأسود، وطلقت ~~الزوجة بتقدير عدم دخول الدار. # وعلى هذا فكل خطاب ورد في الشرع أو اللغة بحكم مخصص بصفة، وهو منفي عما ~~عدا تلك الصفة، فهو مبني على استصحاب الحال، لا على دليل الخطاب. # وأما الحجج العقلية فخمس حجج. # PageV03P076 # الحجة الأولى: أنه لو كان حكم السائمة والمعلوفة سواء في وجوب الزكاة لما ~~كان لتخصيص السائمة بالذكر فائدة، بل كان ملغزا بذكر ما يوهم نفي الزكاة في ~~المعلوفة، ومقصرا في البيان مع دعو الحاجة إليه. # وذلك على خلاف الأصل وحيث امتنع ذلك دل على أن فائدة التخصيص بذكر ~~السائمة نفي الزكاة عن المعلوفة. # ولقائل أن يقول: ما ذكرتموه في إثبات دليل الخطاب يرجع إلى إثبات الوضع ~~بما فيه من الفائدة، ولا نسلم إمكان إثبات الوضع بذلك (1) سلمنا إمكان ذلك ~~ولكن لا نسلم أنه لا فائدة في تخصيص الصفة بالذكر سوى نفي الحكم المعلق بها ~~عند عدمها. # وبيانه من وجهين: الأول: أنه لو لم يكن له فائدة سوى نفي ms558 الحكم في محل ~~السكوت لامتنع ورود نص خاص يدل على إثبات الحكم في محل السكوت لما فيه من ~~إبطال فائدة التخصيص بالذكر لمحل النطق لما يلزم من اللغو في كلام الحكيم، ~~وهو ممتنع. # فإن قيل: فإذا ثبت مثل ذلك الحكم في محل السكوت لم يكن مخصصا للصفة ~~بالحكم، حتى يقال بأن التخصيص يكون لغوا. # قلنا: فإذا مجرد تخصيص الصفة بالذكر لا يكون دليلا على نفي الحكم عند ~~عدمها دون البحث عما يدل على إثبات الحكم في محل السكوت مع عدم الظفر به، ~~وليس كذلك عندكم، لكن نفس التخصيص دليل، ووجود ما يدل على إثبات الحكم في ~~صورة السكوت يكون معارضا له، بل أمكن (2) وجود فائدة أخرى دعت إلى التخصيص ~~بالذكر، وهي إما عموم وقوع المذكور كما في قوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في ~~حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} وإما لسؤال سائل سأل عن ذلك، أو لحدوث ~~واقعة وقعت كذلك. # وإن لم يكن شيء من ذلك فأمكن أن يكون ذلك لرفع وهم من توهم أن حكم الصفة ~~بتقدير تعميم اللفظ يكون مخالفا لحكم العموم PageV03P077 # ويكون بذلك منبها على إثبات الحكم فيما عدا الصفة بطريق الأولى، وذلك كما ~~لو قال: " ضحوا بشاة " فإنه قد يتوهم متوهم أنه لا يجوز التضحية بشاة ~~عوراء، فإذا قال: " ضحوا بشاة عوراء " كان ذلك أدل على التضحية بما ليست ~~عوراء، وكذلك لو قال: {ولا تقتلوا أولادكم} على العموم فقد يتوهم أنه لم ~~يرد النهي عن قتلهم عند خشية الإملاق، فإذا قال: {ولا تقتلوا أولادكم خشية ~~إملاق} كان أدل على النهي حالة الخشية، وإن لم يكن كذلك أمكن أن يكون ~~لفائدة تعريف حكم المنطوق والمسكوت بنصين مختلفين، إذ هو أدل على المقصود ~~من التعميم لوقوع الخلاف فيه، وإمكان تطرق التخصيص بالاجتهاد إلى محل الصفة ~~وغيرها، وليس مرادا للتخصيص، وإن لم يكن كذلك، أمكن أن يكون ذلك لفائدة ~~التوصل إلى معرفة الحكم في المسكوت عنه بطريق الاجتهاد لينال المكلف ثواب ~~الاجتهاد، وحين توفر دواعي المجتهدين على النظر والاستدلال والبحث ms559 عن ~~الأحكام الشرعية، فتبقى غضة طرية، كما هي في سائر الأصول المنصوص عليها مع ~~وقوعها في الأقيسة، وإن لم يكن كذلك أمكن أن يكون حكم الصفة جاريا على حكم ~~العقل الأصلي، وتكون المصلحة في نظر الشارع تعريف ذلك الحكم عند وجود الصفة ~~بالنص، وعند عدمها بالبقاء على الحكم الأصلي، كما لو قال: " «لا زكاة في ~~الغنم السائمة» " وإن لم يكن كذلك، وكان الحكم في محل السكوت مخالفا للحكم ~~في محل النطق، فأمكن أن يكون ثبوت الحكم على خلاف حكم العقل، كما في إيجاب ~~الزكاة، وتكون فائدة التنصيص على محل الصفة اختصاصه بالحكم، فإنه لولا النص ~~لما ثبت، ويكون الحكم في محل السكوت، منتفيا بناء على حكم العقل الأصلي. # فإن قيل: فإذا سلمتم انتفاء الحكم في محل السكوت فقد وافقتم على المطلوب. # قلنا: ليس كذلك، فإن النزاع إنما وقع في إسناد النفي في محل السكوت إلى ~~دليل الخطاب لا إلى النفي الأصلي. # PageV03P078 # وإن سلمنا أنه لا فائدة في التخصيص سوى ما ذكرتموه، لكن يلزم على ما ~~ذكرتموه مفهوم اللقب الذي لم يقل به محصل على ما يأتي تقريره، فكل ما هو ~~جواب لكم ثم فهو جواب لنا هاهنا. # الحجة الثانية: إن أهل اللغة فرقوا بين الخطاب المطلق والمقيد بالصفة، ~~كما فرقوا بين الخطاب المرسل وبين المقيد بالاستثناء، والاستثناء يدل على ~~أن حكم المستثنى على خلاف حكم المستثنى منه فكذلك الصفة. # ولقائل أن يقول: نحن لا ننكر الفرق بين حكم الخطاب المطلق وبين حكم ~~الخطاب المقيد بالصفة، فإن حكم المطلق العلم أو الظن بثبوت حكمه مطلقا، ~~وحكم الخطاب المقيد بالصفة ثبوته في محل التنصيص قطعا أو ظنا، وفي غير محل ~~الصفة مشكوك في إثباته ونفيه فقد افترقا كما وقع الافتراق بين الخطاب ~~المطلق والخطاب المستثنى منه غير أن المطلق يقتضي إثبات الحكم أو نفيه ~~مطلقا، والخطاب المستثنى منه يقتضي نفي الحكم في صورة الاستثناء جزما. # وعلى هذا، فإن قيل بأن العرب سوت من كل وجه فهو ممتنع. # وإن قيل بوجوب التسوية بينهما ms560 من جهة أنه لا بد من الافتراق بين المطلق ~~والمقيد بالصفة في الجملة كما وقع الافتراق بين المطلق والمستثنى منه في ~~الجملة فهو واقع لا محالة. # الحجة الثالثة: أنه إذا كان التخصيص بذكر الصفة يدل على الحكم في محل ~~التنصيص، وعلى نفيه في محل السكوت، كانت الفائدة فيه أكثر مما إذا لم يدل، ~~فوجب جعله دليلا عليه. # ولقائل أن يقول: ما ذكرتموه وإن كان من جملة الفوائد، غير أن إثبات الحكم ~~أو نفيه مأخوذ من دليله، فرع دلالة ذلك الدليل عليه. # فلو قيل بكونه دليلا عليه لكون الحكم يكون داخلا فيه كان دورا. # كيف وإنه ليس القول بكون التخصيص دالا على نفي الحكم في محل السكوت ~~تكثيرا للفائدة، وإبطال ما ذكرناه من الفوائد التي سبقت أولى من العكس. # PageV03P079 # الحجة الرابعة: أن التعليق بالصفة كالتعليق بالعلة، والتعليق بالعلة يوجب ~~نفي الحكم لانتفاء العلة، فكذلك الصفة. # ولقائل أن يقول: لا نسلم لزوم انتفاء الحكم مع انتفاء العلة، حتى يقال ~~مثله في الصفة، اللهم إلا أن يقال باتحاد العلة فإنه يلزم من نفيها نفي ~~الحكم، ولكن لا نسلم أنه يلزم مثله في الصفة ضرورة أنه يلزم من تعدد أصناف ~~النوع وأشخاصه تعدد صفاته وإلا لما تعدد، بل كان متحدا من كل وجه. # الحجة الخامسة: أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: " «طهور إناء أحدكم إذا ~~ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعا» " فلو لم يدل على عدم الطهارة فيما دون ~~السبع، وإلا لما طهر بالسبع، لأن السابعة تكون واردة على محل طاهر، فلا ~~يكون طهوره بالسبع، ويلزم من ذلك إبطال دلالة المنطوق. # وكذلك إذا قال: " «يحرم من الرضاع خمس رضعات» " لو لم يدل على أن ما دون ~~ذلك لا يحرم لما كانت الخمس لما عرف في الغسلات. # ولقائل أن يقول: لا يلزم من كون الغسلات السبع غير دالة على نفي الطهارة ~~فيما دون السبع، ومن كون الرضعات الخمس غير دالة على نفي الحرمة فيما دونها ~~أن يكون المحل قبل السابعة طاهرا ولا أن يكون ما ms561 دون الخمس من الرضعات ~~محرما لجواز ثبوت النجاسة قبل السبع بدليل آخر غير دليل الخطاب. # وكذلك جاز أن يكون ما دون الرضعات الخمس غير محرمة بدليل غير دليل ~~الخطاب. # وإذ أتينا على حجج القائلين بدليل الخطاب وتتبع ما فيها فلا بد من ذكر ~~حجج عول عليها القائلون بإبطال دليل الخطاب والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر ~~بعد ذلك ما هو المختار. # الحجة الأولى: أن تقييد الحكم بالصفة لو دل على نفيه عند نفيها، إما أن ~~يعرف ذلك بالعقل أو النقل، والعقل لا مجال له في اللغات، والنقل إما متواتر ~~وآحاد ولا سبيل إلى التواتر، والآحاد لا تفيد غير الظن، وهو غير معتبر في ~~إثبات اللغات لأن الحكم على لغة ينزل عليها كلام الله تعالى ورسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - بقول الآحاد مع جواز الخطأ والغلط عليه يكون ممتنعا. # PageV03P080 # ولقائل أن يقول: إن سلمنا أن ذلك لا يعرف إلا بالنقل، ولكن لا نسلم ~~امتناع إثبات ذلك بالآحاد، إذ المسألة عندنا غير قطعية، بل ظنية مجتهد فيها ~~بنفي أو إثبات، بل غلبة ظن تجري فيها التخطئة الظنية، دون القطعية كما في ~~سائر مسائل الفروع الاجتهادية كيف وإن اشتراط التواتر في إثبات اللغات إما ~~أن يكون في كل كلمة ترد عن أهل اللغة، أو في البعض دون البعض، القول ~~بالتفصيل تحكم غير معقول، كيف وإنه لا قائل به؟ # وإن كان ذلك شرطا في الكل فذلك مما يفضي إلى تعطيل التمسك بأكثر اللغة ~~لتعذر التواتر فيها، ويلزم من ذلك تعطيل العمل بأكثر ألفاظ الكتاب والسنة ~~والأحكام الشرعية، والمحذور في ذلك فوق المحذور في قبول خبر الواحد المعروف ~~بالعدالة والضبط والمعرفة، وهو تطرق الكذب أو الخطأ عليه، مع أن الغالب ~~صدقه وصحة نقله. # ولهذا كان العلماء في كل عصر وإلى زمننا هذا يكتفون في إثبات الأحكام ~~الشرعية المستندة إلى الألفاظ اللغوية بنقل الآحاد المعروفين بالثقة ~~والمعرفة كالأصمعي والخليل وأبي عبيدة وأمثالهم. (1) الحجة الثانية: أنه لو ~~كان تقييد الحكم بالصفة يدل على نفيه عند عدمها لما ms562 حسن الاستفهام عن الحكم ~~في حال نفيها لا عن نفيه ولا عن إثباته، لكونه استفهاما عما دل عليه اللفظ، ~~كما لو قال له: " لا تقل لزيد أف " فإنه دل على امتناع ضربه فإنه لا يحسن ~~أن يقال: " فهل أضربه " ولا شك في حسنه، لو قال: " أد الزكاة عن غنمك ~~السائمة " فإنه يحسن أن يقال وهل أؤديها عن المعلوفة؟ # ولقائل أن يقول: حسن الاستفهام إنما كان لطلب الأجلى والأوضح لكون دلالة ~~الخطاب ظاهرة ظنية غير قطعية، ولهذا فإنهم لم يستقبحوا الاستفهام ممن ~~PageV03P081 # قال: " رأيت أسدا أو بحرا، أو دخل السلطان البلد " بأن يقال: " هل رأيت ~~الحيوان المخصوص أو إنسانا شجاعا؟ وهل رأيت البحر الذي هو الماء المخصوص أو ~~إنسانا كريما؟ وهل رأيت السلطان نفسه أو عسكره؟ " مع أن لفظه ظاهر في أحد ~~المعنيين دون الآخر. # الحجة الثالثة: لو كان تعليق الحكم على الصفة يدل على نفيه عن غير المتصف ~~بها لكان في الخبر كذلك، ضرورة اشتراك الأمر والخبر في التخصيص بالصفة، ~~واللازم ممتنع. # ولهذا فإنه لو قال: " رأيت الغنم السائمة ترعى " فإنه لا يدل على عدم ~~رؤية المعلوفة منها. # ولقائل أن يقول: الاستشهاد بالخبر، وإن كان كثيرا ما يستروح إليه ~~المنكرون لدليل الخطاب، إلا أنه ممنوع عند القائلين بدليل الخطاب، ولا فرق ~~عندهم في تعليق الحكم بالصفة بين الأمر والخبر. # ولهذا فإنه لو قال القائل: " الفقهاء الشافعية فضلاء أئمة " فإن سامعه من ~~فقهاء الحنفية وغيرهم تشمئز نفسه من ذلك، وتكبر عن سماعه، لا لوصفه لهم ~~بذلك، بل لما فيه من الإشعار بسلب ذلك عمن ليس بشافعي. # وهذا الشعور مما لا يختلف فيه الأمر والخبر عندهم، وإن سلم امتناع ذلك في ~~الخبر، فحاصل ما ذكروه يرجع إلى القياس في اللغة، وهو ممتنع لما سبق. # وبتقدير صحة القياس في اللغة فالفرق بين الخبر والأمر ظاهر، وذلك أنه إذا ~~أخبر وقال: " رأيت خبزا سميدا، ولحما طريا، ورطبا جنيا " إنما يخبر عما ~~شاهده وعلمه، ولا يلزم من مشاهدته لذلك أن لا يكون قد شاهد ما ms563 ليس على هذه ~~الصفة. # وإذا قال لعبده: " اشتر خبزا سميدا، ولحما طريا، ورطبا جنيا " مع علمه ~~بأن الخبز الخشكار، واللحم والرطب البايت، مما يباع في السوق، فقوله ذلك ~~إنما يقصد به البيان وتمييز ما يشترى عما لا يشترى، فكان النفي ملازما ~~للإثبات. # الحجة الرابعة: أن أهل اللغة فرقوا بين العطف والنقض فقالوا: قول القائل: ~~" اضرب الرجال الطوال والقصار " فالقصار عطف وليس بنقض للأول، ولو كان ~~قوله: " اضرب الرجال الطوال " مقتضيا لنفي الضرب عن القصار لكان نقضا لا ~~عطفا. # PageV03P082 # وهي بعيدة عن التحقيق، وذلك أن قول القائل: " اضرب الرجال الطوال " إنما ~~يدل على امتناع ضرب القصار بتقدير اختصاص الطوال بالذكر، وإذا عطف عليه ~~القصار، فلا يكون مخصصا للطوال بالذكر، فلا يدل على نفي الضرب عن القصار، ~~ثم هو منتقض بالتخصيص بالغاية كما لو قال القائل لغيره: " صم إلى غروب ~~الشمس " فإنه يدل على أن حكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، ومع ذلك فإنه ~~لو قال له: " صم إلى غروب الشمس وإلى نصف الليل " فإنه لا يكون نقضا. # الحجة الخامسة: أنه لو كان تعليق الحكم بالصفة دالا على نفيه عن الغير ~~الموصوف بها لما حسن الجمع بين قوله: " أد زكاة السائمة " وبين قوله " ~~والمعلوفة " لما بينهما من التناقض، كما لا يحسن أن يقول له: " لا تقل لزيد ~~أف، واضربه ". # ولقائل أن يقول: إنما لا يحسن ذلك أن لو قيل بالمناقضة، وليس كذلك على ما ~~سبق في الحجة التي قبلها. # هذا إذا كان بطريق العطف، وأما إن قال بعد ذلك: " أد زكاة المعلوفة " ~~فإنما لم يمتنع، لأن غايته أن صريح قوله: " أد زكاة الغنم المعلوفة " وقع ~~معارضا لدليل الخطاب، والمعارضة غير ممتنعة. # ولا يلزم من عدم جواز مثل ذلك في فحوى الخطاب امتناعه في دليل الخطاب، إذ ~~هو قياس في اللغة وهو ممتنع لما سبق. # وبتقدير صحة القياس في اللغة، فالفرق ظاهر، وذلك لأن امتناع ذلك في فحوى ~~الخطاب إنما كان فيما علم، لا فيما ظن على ما سبق. # ودليل الخطاب مظنون، ms564 ولا يلزم من امتناع معارضة المقطوع امتناع معارضة ~~المظنون، ثم يلزم عليه التخصيص بالغاية كما سبق. # الحجة السادسة: ذكرها أبو عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار، وهي أن ~~المقصود من الصفة إنما هو تمييز الموصوف بها عما سواه. # وكذلك المقصود من الاسم إنما هو تمييز المسمى عن غيره، وتعليق الحكم ~~بالاسم، كما لو قال: " زيد عالم " لا يدل على نفي العلم عمن لم يسم باسم ~~زيد، فكذلك تعليق الحكم بالصفة. # ولقائل أن يقول: قياس التخصيص بالصفة على التخصيص بالاسم قياس في اللغة، ~~فلا يصح، وإن صح، فلا نسلم أن تعليق الحكم بالاسم لا يدل على نفي الحكم عما ~~سواه كما يأتي، وإن سلم عدم دلالته على ذلك، فإنما يلزم مشاركة التعليق # PageV03P083 # بالصفة له في ذلك، أن لو بين أن مناط عدم دلالة التعليق بالاسم كونه ~~موضوعا للتمييز وهو غير مسلم. # ثم الفرق بينهما أن شعور المتكلم بالاسم العام المقيد بالصفة الخاصة بما ~~ليس له تلك الصفة (1) أتم من شعور المتكلم باسم أحد الجنسين بالجنس الآخر، ~~وعند ذلك فلا يلزم من عدم دلالة التخصيص بالاسم مثله في الصفة، كيف وهو ~~منقوض بالتخصيص بالغاية فإنها مقصودة للتمييز، ومع ذلك فهو دال على أن حكم ~~ما بعد الغاية مخالف لما قبلها. # الحجة السابعة: أن تعليق الحكم بالصفة لا يدل على نفيه عن غير الموصوف ~~بها، لأنه يصح أن يقال: في الغنم السائمة زكاة، ولا زكاة في المعلوفة منها، ~~ولو كان قوله: " «في الغنم السائمة زكاة» " يدل على نفيها عن المعلوفة لما ~~احتيج إلى العبارة الأخرى لعدم فائدتها. # ولقائل أن يقول: كون الحكم في محل السكوت مستفادا من دليل الخطاب لا يمنع ~~من وضع عبارة خاصة إذ هو أبلغ في الدلالة وأقرب إلى حصول المقصود كما لا ~~يمتنع ذلك في التقييد " بالغاية " كما تقدم ذكره. # الحجة الثامنة: أن القول " «في الغنم السائمة زكاة» ، له دلالة بمنطوقه ~~على وجوب زكاة السائمة، فلو كان له دلالة مفهوم لجاز أن يبطل حكم المنطوق، ~~ويبقى حكم دلالة المفهوم، ms565 كما يجوز أن يبطل حكم دليل الخطاب، ويبقى حكم ~~صريح الخطاب وهو ممتنع. # ولقائل أن يقول: دليل الخطاب إنما هو متفرع من تخصيص الحكم بالصفة فإذا ~~بطل حكم الصفة، فلا تخصيص، ومع عدم التخصيص، فلا دلالة لدليل الخطاب، ثم هو ~~منقوض بالتخصيص بالغاية. # الحجة التاسعة: أنه ليس في لغة العرب كلمة تدل على المتضادين معا، فلو ~~كان قوله: " في الغنم السائمة زكاة " دالا على نفي الزكاة عن المعلوفة: ~~لكان اللفظ الواحد دالا على الضدين معا: وهو ممتنع. PageV03P084 # ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه ليس في اللغة لفظ يدل على المتضادين معا ~~بدليل ما ذكرناه من دلالة الأسماء المشتركة على المسميات المتعددة معا، ~~كانت أضدادا أو لم تكن. # سلمنا امتناع ذلك، ولكن إنما يمتنع إلى جهة واحدة من دلالة اللفظ. # وأما من جهتين فلا نسلم ذلك، وهاهنا الدال على وجوب الزكاة في السائمة ~~صريح الخطاب، والدال على نفي الزكاة عن المعلوفة دليل الخطاب، وهما غيران، ~~ثم ما ذكرتموه منتقض بالتخصيص بالغاية. # الحجة العاشرة: أن صورة الغنم السائمة مخالفة لصورة الغنم التي ليست ~~بسائمة، وعند اختلاف الصورتين، لا يلزم من ثبوت الحكم في أحدهما ثبوته في ~~الأخرى ولا عدمه، لجواز اشتراك الصور المختلفة في أحكام وافتراقها في ~~أحكام. # وإذا لم يكن ذلك لازما، لم يلزم من الإخبار عن حكم في إحدى الصورتين ~~الإخبار عنه في الصورة الأخرى، لا وجودا ولا عدما. # ولقائل أن يقول: متى لا يلزم من ثبوت الحكم في إحدى الصورتين نفيه في ~~الصورة الأخرى إذا كان ذلك الحكم قد علق ثبوته بالاسم العام الموصوف بصفة ~~خاصة، أو إذا لم يكن؟ الأول ممنوع، ودعواه دعوى محل النزاع، والثاني مسلم. # وعلى هذا، فالقول بأنه لا يلزم من الإخبار عن حكم إحدى الصورتين ~~المختلفتين الإخبار عن الصورة الأخرى مطلقا لا يكون صحيحا، ثم إنه منتقض ~~بفحوى الخطاب، فإن صورة المنطوق بالحكم فيها مخالفة للصورة المسكوت عنها، ~~ومع ذلك فإن الحكم الثابت في صورة النطق لازم ثبوته في صورة السكوت، ~~والإخبار عنه في ms566 إحداهما إخبار عنه في الصورة الأخرى. # وإذ أتينا على ما أردناه من التنبيه على إبطال الحجج الواهية، فلا بد من ~~الإشارة إلى ما هو المختار في ذلك، وأقرب ما يقال فيه مسلكان: المسلك ~~الأول: إنه لو كان تعليق الحكم على الصفة موجبا لنفيه عند عدمها لما كان ~~عند عدمها لما يلزمه من مخالفة الدليل. # وهو على خلاف الأصل، لكنه ثابت مع عدمها. # ودليله قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} فإن النهي عن قتل ~~الأولاد وقع معلقا بخشية الإملاق، وهو منهي عنه أيضا في حالة عدم خشية ~~الإملاق. # PageV03P085 # فإن قيل: تعليق الحكم بالصفة عندنا إنما يكون دليلا على نفيه حالة عدم ~~الصفة إذا لم يكن حالة عدم الصفة أولى بإثبات حكم الصفة، كما ذكرناه من حكم ~~زكاة السائمة والمعلوفة. # وأما إذا كان الحكم في حالة عدم الصفة أولى بالإثبات من حالة وجود الصفة ~~فلا، وهاهنا تحريم القتل حالة عدم خشية الإملاق أولى من التحريم حالة خشية ~~الإملاق. # فكان التنصيص على تحريم القتل حالة خشية الإملاق محرما له حالة عدم ~~الخشية بطريق الأولى، وكان ذلك من باب فحوى الخطاب، لا من باب دليل الخطاب. # قلنا: هذا وإن استمر لكم في هذه الصورة، فلا يستمر في قوله تعالى: {لا ~~تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} وفي قوله: {ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن ~~يكبروا} وفي قوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا} ~~فإن النهي في جميع هذه الصور ليس هو أولى من صور السكوت (1) فإن النهي، عن ~~أكل قليل الربا ليس أولى من كثيره، ولا النهي عن أكل مال اليتيم من غير ~~إسراف أولى من الإسراف، ولا النهي عن الإكراه على الزنا حالة إرادة التحصن ~~أولى من حالة إرادة الزنا. (2) ومع ذلك، فالحكم في الكل مشترك. # فإن قيل: مخالفة دليل الخطاب في هذه الصور إنما كانت لمعارض، ولا يلزم ~~مخالفته عند عدم المعارض. # قلنا: وإن كان ثبوت الحكم في صورة السكوت على نحو ثبوته في صورة النطق ~~لدليل، ولكن يجب أن يعتقد ms567 أنه من غير مخالفة دليل لما فيه من دفع محذور ~~المعارضة. # ولو كان دليل الخطاب دليلا، لزم من ذلك التعارض، وهو خلاف الأصل. # المسلك الثاني: أن تعليق الحكم بالصفة لو كان مما يستفاد منه نفي الحكم ~~عند عدم الصفة، لم يخل. PageV03P086 # إما أن يكون ذلك مستفادا من صريح الخطاب، أو من جهة أن تعليق الحكم ~~بالصفة يستدعي فائدة، ولا فائدة سوى نفي الحكم عند عدم الصفة، أو من جهة ~~أخرى: الأول محال، فإن صريح الخطاب بوجوب الزكاة في السائمة غير صريح ~~بوجوبها في المعلوفة كيف وإن ذلك مما لا قائل به. # والثاني أيضا ممتنع لما ذكرناه من الوجوه الكثيرة في إبطال الحجة الأولى ~~من المعقول للقائلين بدليل الخطاب. # والثالث: فالأصل عدمه، وعلى مدعيه بيانه، ويلتحق بهذه المسألة تخصيص ~~الأوصاف التي تطرأ وتزول كقوله: " السائمة تجب فيها الزكاة " والحكم كالحكم ~~نفيا وإثباتا، والمأخذ من الطرفين، فعلى ما عرف والمختار فيها كالمختار ثم. # PageV03P087 ### | [المسألة الثانية الحكم المعلق على شيء بكلمة إن هل الحكم على العدم عند عدم ذلك الشيء] # المسألة الثانية # اختلفوا في الحكم المعلق على شيء بكلمة (إن) هل الحكم على العدم عند عدم ~~ذلك الشيء أولا؟ . فذهب ابن سريج والهراسي (1) من أصحاب الشافعي والكرخي ~~وأبو الحسين البصري إلى أن الحكم على العدم مع عدم ذلك الشرط، وذهب القاضي ~~عبد الجبار وأبو عبد الله البصري إلى أن الحكم لا يكون على العدم عند عدم ~~الشرط، وهو المختار. # وبيانه أن ما علق عليه الحكم بكلمة (إن) ، إما أن لا يكون شرطا للحكم أو ~~يكون شرطا: فإن كان الأول، فلا يلزم من نفيه نفي الحكم، وإن كان شرطا فلا ~~يخلو، إما أن يكون من لوازم الشرط انتفاء الحكم المعلق عليه مطلقا عند ~~انتفائه، ولا يكون لازما له، الأول محال، وإلا لامتنع وجود القصر المعلق ~~على الخوف بكلمة (إن) في قوله تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ~~إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} وهو خلاف الإجماع، وإن كان الثاني فهو ~~المطلوب. # فإن ms568 قيل: هو من لوازمه بتقدير عدم المعارض، وليس من لوازمه بتقدير ~~المعارض، ثم ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه أن كلمة (إن) ~~مسماة في اصطلاح أهل اللغة بالشرط، والأصل في الإطلاق الحقيقة، ولأن قول ~~القائل لغيره: " إن دخل زيد الدار فأكرمه " في معنى قوله دخول زيد الدار ~~شرط في إكرامه، فكان ما دخلت عليه كلمة (إن) شرطا في الحكم، وإذا كان شرطا ~~لزم من عدمه عدم المشروط، ويدل عليه ثلاثة أمور: # الأول: أن يعلى بن أمية فهم من تعليق القصر على الخوف بكلمة (إن) عدم ~~القصر عند عدم الخوف حيث «سأل عمر قال: " ما بالنا نقصر وقد أمنا " وقد قال ~~تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم} » تركها عمر على ~~ذلك، وقال له: «لقد عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عن ذلك، فقال: " صدقة PageV03P088 # تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» ". (1) وفهم عمر ويعلى ذلك مع تقرير ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لهما على ما فهماه دليل ظاهر على العدم عند ~~العدم. # الثاني: أن الأمة متفقة على أن الحياة شرط لوجود العلم والقدرة والإرادة ~~ونحو ذلك، وإن الحول شرط لوجوب الزكاة، وحكموا بانتفاء العلم والقدرة عند ~~عدم الحياة وبانتفاء وجوب الزكاة عند عدم الحول، ولولا أن ذلك مقتضى الشرط ~~لما كان كذلك. # الثالث: أنه إذا كان الشرط مما لا يثبت الحكم مع عدمه على كل حال، وهو لا ~~يلزم من وجوده وجود الحكم، فيلزم أن يكون كل أمرين مختلفين لا يلزم من وجود ~~أحدهما وجود الآخر، ولا من عدمه عدمه شرطا، وهو محال، متفق عليه. # والجواب: قولهم إنه من لوازمه بتقدير عدم المعارض. # قلنا يجب أن لا يكون مقتضيا لذلك، حذرا من التعارض بتقدير وجود المعارض. # وما ذكروه ثانيا: إنا وإن سلمنا أن ما دخلت عليه كلمة (إن) شرط، ولكن لا ~~نسلم أنه يلزم من عدمه عدم المشروط. # وأما الاستدلال بقضية يعلى بن أمية فليس فيه ما يدل على أن عدم الخوف ms569 ~~مانع من ثبوت القصر دونه، بل لعله فهم أن الأصل عدم القصر، وحيث ورد القصر ~~حالة الخوف بقوله: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم} ولم يوجد ~~ما يدل على القصر حالة عدم الخوف، فيبقى على حكم الأصل. # فإن قيل: ما ذكرتموه من إنما يصح أن لو كان الأصل في الصلاة الإتمام، ~~وليس كذلك، بل الأصل في الصلاة عدم الإتمام، ودليله ما روي عن عائشة - رضي ~~الله عنها - أنها قالت: «كانت الصلاة في السفر والحضر ركعتين، فأقرت في ~~السفر وزيدت في الحضر» (2) فلم يبق للتعجب وجه سوى دلالة اشتراط الخوف وعدم ~~القصر عند عدمه. # قلنا الصلاة المشروعة بديا ركعتين لا تسمى مقصورة، كصلاة الصبح، ولا ~~فعلها قصرا، وإنما المقصورة اسم لما جوز الاقتصار عليه من ركعتين في ~~الرباعية PageV03P089 # ولفظ القصر لنفس الاقتصار على الركعتين من الرباعية، فإطلاق لفظ القصر في ~~الآية مشعر بسابقة وجوب الإتمام لا محالة. # وإذا كان الإتمام هو الأصل السابق على القصر فقد بطل ما ذكروه. # كيف وإن ما ذكرناه من الاحتمال هو الأولى، وإلا فلو كان اشتراط الخوف في ~~القصر مانعا من القصر مع عدمه، لما جاز القصر مع عدم الخوف أو كان القصر ~~على خلاف الدليل، وهو ممتنع من غير ضرورة. # وأما (1) عدم العلم والقدرة، وعدم وجوب الزكاة عند عدم الحياة وعدم ~~الحول، فليس في ذلك ما يدل على أن عدم الشرط مانع من وجود الحكم مع عدمه ~~ولا بد، بل غايته أن الحكم قد ينتفي في بعض صور نفي الشرط، ولا نزاع فيه، ~~وإنما النزاع في لزوم انتفائه من انتفاء شرطه ولا بد. # وأما الوجه الثالث: فالوجه في جوابه أن يقال: لا يلزم من كون الشرط لا ~~يلزم من ثبوته ثبوت الحكم، ولا من نفيه نفيه، إذا كان غير الشرط مشاركا له ~~في هذه الصفة، أن يكون شرطا لأنه لا يمتنع اشتراك المختلفات في عارض عام ~~لها. # كيف وإن معنى كون الشيء شرطا لغيره أنه مؤكد لحال المشروط، بمعنى أنه إذا ~~تحقق ms570 الشرط لا يجوز نفي المشروط عند تحقق مقتضيه دفعا لوهم من توهم أن ~~الخطاب لو ورد مطلقا لجاز أن لا يكون المشروط بذلك الشرط مرادا. # وذلك كما لو قال القائل: " ضح بالشاة وإن كانت عوراء " فإنه لو قال: " ~~ضحوا بالشاة مطلقا " لجاز أن يتوهم متوهم أنه لا يجوز التضحية بالعوراء ~~فكان ذكر هذا الوهم. # وعلى هذا فلا يلزم أن يكون كل شيء شرطا لكل شيء كما قالوه، إلا أن يكون ~~الشرط على هذا النحو الذي ذكرناه، وليس كذلك. # وإن سلمنا أن الشرط يمنع من وجود المشروط دونه، ولكن متى إذا أمكن قيام ~~شرط مقام ذلك الشرط، أو إذا لم يقم مقامه شرط آخر؟ الأول ممنوع، والثاني ~~مسلم. # وهذا هو مذهب القاضي عبد الجبار وأبي عبد الله البصري. # وعلى PageV03P090 # هذا فكونه شرطا يتحقق بانتفاء الحكم عند انتفائه، إذا لم يقم غيره مقامه ~~وإن لم يثبت إذا قام غيره مقامه، فلم قلتم إن غيره لم يقم مقامه في الشرطية ~~مع أن لفظ الاشتراط لا يدل على وجود شرط آخر، ولا على عدمه. # فإن قيل: إذا قال القائل لغيره: " إن دخل زيد الدار فأعطه درهما "، معناه ~~أن الشرط هو دخول الدار في عطيتك له، وذلك يقتضي أن يكون كمال الشرط هو ~~دخول الدار، لأن لام الجنس تقتضي العموم، ولأن قوله: " إن دخل الدار فأعطه ~~درهما "، يقتضي عدم الإعطاء عند عدم الدخول، فلو قام شرط آخر مقامه لزم منه ~~جواز الإعطاء مع عدم الدخول، فيقتضي الشرط الأول امتناع وجود شرط آخر يقوم ~~مقامه، لما فيه من إخراج الشرط الأول عن كونه شرطا. # قلنا: جواب الأول أنا لا نسلم أن معنى قوله: (إن دخل الدار) هو الشرط، بل ~~هو شرط، وذلك لا يمنع من شرط آخر، وتقدير لام الجنس هاهنا زيادة لم يدل ~~عليها دليل، فلا يصار إليها. # وجواب الثاني: أنا لا نسلم أن قوله: (إن دخل الدار) يقتضي عدم الإعطاء ~~عند عدم الدخول مطلقا، بل إذا لم يقم غيره مقامه. (لكن قد يمكن أن ms571 يقال ~~هاهنا إذا سلم أنه إذا لم يقم غيره مقامه أن عدمه يقتضي العدم، فالأصل عدم ~~قيام غيره مقامه، فاقتضى عدمه العدم.) # وربما احتج القاضي عبد الجبار وأبو عبد الله البصري بأنه لو منع الشرط من ~~ثبوت الحكم عند عدمه لكان قوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن ~~أردن تحصنا} يمنع من تحريم الإكراه على الزنا عند عدم إرادة التحصن، وهو ~~محال مخالف للإجماع. # ولقائل أن يقول: ذكر إرادة التحصن إنما كان لكونه شرطا في الإكراه ~~لاستحالة تحقق الإكراه على الزنا في حق من هو مريد له غير مريد للتحصن، لا ~~لأنه شرط في تحريم الإكراه على الزنا، والله أعلم. # PageV03P091 ### | [المسألة الثالثة الخطاب إذا قيد الحكم بغاية] # المسألة الثالثة # اختلفوا في الخطاب إذا قيد الحكم بغاية كما في قوله تعالى: {ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل} ، وقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} ، وقوله: {فلا ~~تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} ، وقوله: {حتى يعطوا الجزية} فذهب أكثر ~~الفقهاء وجماعة من المتكلمين، كالقاضي أبي بكر، والقاضي عبد الجبار، وأبي ~~الحسين البصري، وغيرهم (إلى) أن ذلك يدل على نفي الحكم فيما بعد الغاية. # وخالف في ذلك أصحاب أبي حنيفة وجماعة من الفقهاء والمتكلمين وهو المختار، ~~وذلك لأنه لو دل تقييد الحكم بالغاية المحدودة على نفي الحكم فيما بعد ~~الغاية لم يخل: إما أن يدل عليه بصريح لفظه أو بأنه لو لم يكن دالا على نفي ~~الحكم فيما بعد الغاية لما كان التقييد بالغاية مفيدا، أو من جهة أخرى، ~~الأول محال لأن اللفظ بصريحه لم يدل على نفي الحكم بعد الغاية، والثاني ~~إنما يلزم أن لو لم يكن للتقييد فائدة سوى ما ذكروه، وليس كذلك بل جاز أن ~~تكون فائدة التقييد تعريف بقاء ما بعد الغاية على ما كان قبل الخطاب أي ~~متعرض فيه لإثبات الحكم ولا نفيه. # وإن كان الثالث فالأصل عدمه وعلى مدعيه بيانه. # وأيضا فإنه لا مانع من ورود الخطاب فيما بعد الغاية بمثل الحكم السابق ~~قبل الغاية بالإجماع. ms572 # وعند ذلك إما أن يكون تقييد الحكم بالغاية نافيا للحكم فيما بعدها، أو لا ~~يكون، والأول يلزم منه إثبات الحكم مع تحقق ما ينفيه، وهو خلاف الأصل. # وإن كان الثاني فهو المطلوب. # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه أن كلمة (حتى) و ~~(إلى) لانتهاء الغاية، وهي جارية مجرى قوله: " «صوموا صوما آخره الليل» " ~~ولو قال ذلك لمنع من وجوب الصوم بعد مجيء # PageV03P092 # الليل لأنه لو وجب الصوم بعد ذلك لصارت الغاية وسطا وهو محال. # ولهذا فإنه لو قال القائل لعبده: " لا تعط زيدا درهما حتى يقوم، واضرب ~~عمرا حتى يتوب " فإنه لا يحسن الاستفهام بعد ذلك، وأن يقال: " فهل أعطيه ~~إذا قام؟ ، وهل أضربه إذا تاب؟ " ولولا أن التقييد بالغاية يدل على عدم ~~الحكم بعدها لما كان كذلك. # قلنا لا ننكر أن (حتى) و (إلى) لانتهاء الغاية وأنها جارية مجرى قوله: " ~~«صوموا صياما آخره الليل» " غير أن الخلاف إنما هو في أن تقييد الحكم ~~بالغاية هل يدل على نفي الحكم فيما بعد الغاية، وذلك غير لازم من التقييد ~~بالغاية، بل غايته أن دلالة التقييد بالغاية على أن ما بعدها غير متعرض فيه ~~بالخطاب الأول لا بنفي ولا إثبات، ولا يلزم من وجود صوم بعد الغاية أن تصير ~~الغاية وسطا، بل هي غاية للصوم المأمور به أولا، وإنما تصير وسطا أن لو كان ~~الصوم فيما بعد الغاية مستندا إلى الخطاب الذي قبل الغاية وليس كذلك. # وأما أنه لا يحسن الاستفهام عند قوله: " لا تعط زيدا درهما حتى يقوم، ~~واضرب عمرا حتى يتوب " لأن ما بعد الغاية مسكوت عنه غير متعرض له بنفي ولا ~~إثبات فلا يحسن الاستفهام فيما لا دلالة للفظ عليه كما قبل الأمر بالإعطاء ~~والضرب. # PageV03P093 ### | [المسألة الرابعة تقييد الحكم بعدد مخصوص هل يدل على أن ما عدا ذلك العدد بخلافه أو لا] # المسألة الرابعة # اختلفوا في تقييد الحكم بعدد مخصوص هل يدل على أن ما عدا ذلك العدد ~~بخلافه أو لا والحق في ذلك إنما ms573 هو التفصيل، وهو أن الحكم إذا قيد بعدد ~~مخصوص فمنه ما يدل على ثبوت ذلك الحكم فيما زاد على ذلك العدد بطريق ~~الأولى، وذلك كما لو حرم الله جلد الزاني مائة، وقال إذا بلغ الماء قلتين ~~لم يحمل خبثا، فإنه يدل على تحريم ما زاد على القلتين لا يحمل خبثا بطريق ~~الأولى ولأن ما زاد على المائة وعلى القلتين ففيه المائة والقلتان وزيادة. # وهل يدل ذلك على أن الحكم فيما دون المائة ودون القلتين على خلاف الحكم ~~في المائة والقلتين؟ هذا موضع الخلاف. # ومنه ما لا يدل على ثبوت الحكم فيما زاد على العدد المخصوص بطريق الأولى، ~~وذلك كما إذا أوجب جلد الزاني مائة أو أباحه، فإنه لا يدل على الوجوب ~~والإباحة فيما زاد على ذلك بطريق الأولى، بل هو مسكوت عنه ومختلف في دلالته ~~على نفي الوجوب والإباحة فيما زاد، ومتفق على أن حكم ما نقص كحكم المائة ~~لدخوله تحتها، لكن لا يمنع من الاقتصار عليه. (1) والمختار فيما كان مسكوتا ~~عنه، ولم يكن الحكم فيه ثابتا بطريق الأولى من هذه الصور أن تخصيص الحكم ~~بالعدد لا يدل على انتفاء الحكم فيه لما ذكرناه في المسائل المتقدمة، ومن ~~نازع في ذلك فلا يخرج في احتجاجه على مذهبه عما ذكرناه فيما تقدم، وقد عرف ~~ما فيه. PageV03P094 ### | [المسألة الخامسة مفهوم اللقب ليس بحجة] # المسألة الخامسة # اتفق الكل على أن مفهوم اللقب ليس بحجة خلافا للدقاق وأصحاب الإمام أحمد ~~بن حنبل، _رحمه الله_. # وصورته أن يعلن الحكم إما باسم جنس، كالتخصيص على الأشياء الستة بتحريم ~~الربا أو باسم علم، كقول القائل: زيد قائم أو قام. # والمختار إنما هو مذهب الجمهور، لكن قد احتج بعض القائلين بإبطاله بحجج ~~لا بد من الإشارة إليها والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو ~~المختار. # الحجة الأولى: لو كان مفهوم اللقب حجة، لبطل القياس وذلك ممتنع، وبيان ~~لزوم ذلك أن القياس لا بد فيه من أصل، وحكم الأصل إما أن يكون منصوصا أو ~~مجمعا عليه: ms574 فلو كان النص على الحكم في الأصل أو الإجماع عليه يدل على نفي ~~الحكم عن الفرع فالحكم في الفرع إن ثبت بالنص أو الإجماع، فلا قياس، وإن ~~ثبت بالقياس على الأصل، فهو ممتنع لما فيه من مخالفة النص أو الإجماع الدال ~~على نفي الحكم في الفرع. # ولقائل أن يقول: النص الوارد في الأصل، وإن دل على نفي الحكم في الفرع ~~فليس بصريحه، بل بمفهومه، وذلك مما لا يمنع عند القائلين به من إثبات الحكم ~~بمعقول النهي وهو القياس فلا يفضي إلى إبطال القياس، وغايته التعارض لا ~~الإبطال. # الحجة الثانية: أنه لو كان مفهوم اللقب حجة ودليلا، لكان القائل إذا قال: ~~" عيسى رسول الله " فكأنه قال: " محمد ليس برسول الله " وكذلك إذا قال: " ~~زيد موجود " فكأنه قال: " الإله ليس بموجود " وهو كفر صراح، ولم يقل بذلك ~~قائل. # ولقائل أن يقول: من الخصوم إنما لا يكون المتكلم بذلك كافرا إذا لم يكن ~~متنبها لدلالة اللفظ، أو كان متنبها لها، غير أنه لم يرد بلفظه ما دل عليه ~~مفهومه، وأما إذا كان متنبها لدلالة لفظه وهو مريد لمدلولها فإنه يكون ~~كافرا. # PageV03P095 # الحجة الثالثة: أنهم قالوا: إذا قال القائل: " زيد يأكل " لا يفهم منه أن ~~عمرا لا يأكل. # ولقائل أن يقول: لا يفهم منه ذلك من يعتقد دلالة مفهوم اللقب، أو من لا ~~يعتقده، الأول ممنوع، والثاني مسلم. # وعدم فهم ذلك بالنسبة إلى من لا يعتقد دلالته لا يدل على عدم دلالته في ~~نفسه. # الحجة الرابعة: أنه لو كان مفهوم اللقب دليلا لما حسن من الإنسان أن يخبر ~~أن زيدا يأكل، إلا بعد علمه أن غيره لم يأكل وإلا كان مخبرا بما يعلم أنه ~~كاذب فيه، أو بما لا يأمن فيه من الكذب، وحيث استحسن العقلاء ذلك مع عدم ~~علمه بذلك دل على عدم دلالته على نفي الأكل عن غير زيد. # ولقائل أن يقول: إذا أخبر بذلك، فلا يخلو إما أن يكون عالما بأن غير زيد ~~يأكل، أو غير عالم بذلك، وعلى كلا التقديرين ms575 إنما لم يستقبح منه ذلك لظهور ~~القرينة الدالة على أنه لم يرد سوى مدلول صريح لفظه دون مفهومه لعدم علمه ~~بذلك في إحدى الحالتين وعلمه بوقوع الأكل من غير زيد في الحالة الأخرى، فإن ~~الظاهر من حال العاقل أنه لا يخبر عن نفي ما لم يعلمه ولا نفي ما علم وقوعه ~~حتى إنه لو ظهر منه ما يدل على إرادته لنفي ما دل عليه لفظه عند القائلين ~~به لكان مستقبحا. # والمختار في إبطال ما سبق في المسائل المتقدمة. # وأما حجج الخصوم وجوابها فعلى ما سبق في مفهوم التقييد بالصفة. # وربما احتجوا في خصوص هذه المسألة بحجج أخرى، وهو أنه لو تخاصم شخصان ~~فقال أحدهما للآخر: " أما أنا فليس لي أم ولا أخت ولا امرأة زانية " فإنه ~~يتبادر إلى الفهم نسبة الزنا منه إلى زوجة خصمه وأمه وأخته، ولهذا قال ~~أصحاب أحمد بن حنبل ومالك بوجوب حد القذف عليه. # وجوابه أن ذلك إن فهم منه فإنما يفهم من حاله لا من دلالة مقاله بدليل ما ~~أسلفناه، ولذلك لم يكن حد القذف عندنا واجبا بذلك، وعلى هذا يكون الحكم في ~~مفهوم الاسم العام المشتق كقوله: " «لا تبيعوا الطعام بالطعام» ". # PageV03P096 ### | [المسألة السادسة تقييد الحكم بإنما هل يدل على الحصر] # المسألة السادسة # اختلفوا في تقييد الحكم بإنما كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «إنما ~~الشفعة فيما لم يقسم» "، " «وإنما الأعمال بالنيات» "، " «وإنما الولاء لمن ~~أعتق» "، " «وإنما الربا في النسيئة» " هل يدل على الحصر أو لا؟ فذهب ~~القاضي أبو بكر والغزالي والهراسي وجماعة من الفقهاء إلى أنه ظاهر في الحصر ~~محتمل للتأكيد. # وذهب أصحاب أبي حنيفة وجماعة ممن أنكر دليل الخطاب إلى أنه لتأكيد ~~الإثبات، ولا دلالة له على الحصر، وهو المختار. # وذلك لأن كلمة (إنما) قد ترد ولا حصر، كقوله: " «إنما الربا في النسيئة» ~~" وهو غير منحصر في النسيئة لانعقاد الإجماع على تحريم ربا الفضل فإنه لم ~~يخالف فيه سوى ابن عباس، ثم رجع عنه. # وقد ترد والمراد بها الحصر كقوله تعالى: {إنما أنا بشر ms576 مثلكم} (1) وعند ~~ذلك فيجب اعتقاد كونها حقيقة في القدر المشترك بين الصورتين، وهو تأكيد ~~إثبات الخبر للمبتدأ، نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ لكونه (2) على خلاف ~~الأصل، ولأن كلمة (إنما) لو كانت للحصر لكان ورودها في غير الحصر على خلاف ~~الأصل. # فإن قيل: ولو لم تكن للحصر، لكان فهم الحصر في صورة الحصر من غير دليل، ~~وهو خلاف الأصل. # قلنا: إنما يكون فهم ذلك من غير دليل أن لو كان دليل الحصر منحصرا في ~~كلمة (إنما) وليس كذلك. PageV03P097 ### | [المسألة السابعة قوله صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات] # المسألة السابعة # اختلفوا في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «الأعمال بالنيات» " وفي قول ~~القائل: العالم زيد وصديقي زيد، هل يدل على حصر الأعمال فيما كان منويا، ~~وعلى حصر العالم والصديق في زيد. # فذهبت الحنفية والقاضي أبو بكر وجماعة من المتكلمين إلى أنه لا يدل على ~~الحصر، وذهب الغزالي والهراسي وجماعة من الفقهاء إلى أنه يدل على الحصر. # والمختار أنه لا يدل لما سبق في المسائل المتقدمة. # فإن قيل: لو لم يكن ذلك دالا على حصر الأعمال في المنوي، والعالم والصديق ~~في زيد، لكان المبتدأ أعم من خبره، وكان ذلك كذبا كما لو قال: " الحيوان ~~إنسان والإنسان زيد ". # قلنا: إنما يلزم الكذب أن لو كانت (الألف واللام) في الأعمال للعموم ~~فإنها تنزل منزلة قوله: " كل عمل منوي " وهو كاذب كما في قوله: " كل حيوان ~~إنسان " وليس كذلك! بل هي ظاهرة في البعض فكأنه قال: " بعض الأعمال بالنيات ~~" وذلك صادق غير كاذب. # وكذلك الحكم في قوله: " العالم زيد " وكذلك قوله: " صديقي زيد " ليس عاما ~~في كل صديق بل كأنه قال: " بعض أصدقائي زيد " حتى إنه لو ثبت أن (الألف ~~واللام) إذا دخلت على اسم الجنس تكون عامة، وكان المتكلم مريدا للتعميم ~~فإنه يكون كاذبا بتقدير ظهور عالم آخر وصديق آخر له، وكان قوله دالا على ~~الحصر لا محالة. (1) وربما قيل في إبطال القول بالحصر: إنه لو كان قوله: " ~~العالم زيد وصديقي زيد " يدل على حصر العالم ms577 والصديق في زيد لكان إذا قال: ~~" العالم زيد وعمرو، وصديقي زيد وعمرو " متناقضا، وليس كذلك باتفاق أهل ~~اللغة، وليس بحق فإن للخصم أن يقول إنما يكون ذلك مناقضا بشرط أن يتجرد ~~قوله الأول عما يغيره. PageV03P098 # وأما إذ عطف عليه قوله " وعمرو " صار الكل كالجملة الواحدة، وكان قوله ~~العالم زيد مع الانفراد مغايرا في دلالته لقوله " العالم زيد وعمرو " وهذا ~~كما لو قال له: " علي عشرة " ثم بعد حين قال " إلا خمسة " فإنه لا يقبل لما ~~فيه من مناقضة لفظه الأول ولو قال " له علي عشرة إلا خمسة " على الاتصال ~~كان مقبولا لعدم تناقضه، ولولا اختلاف الدلالة لما اختلف الحال بل كان ~~الواجب أن لا يقبل استثناؤه في الصورتين أو يقبل فيهما، وهو محال. ### | [المسألة الثامنة الاستثناء من النفي إثبات] # المسألة الثامنة # اختلفوا في قوله " لا عالم في البلد إلا زيد " فالذي عليه الجمهور وأكثر ~~منكري المفهوم أنه يدل على نفي كل عالم سوى زيد، وإثبات كون زيد عالما، ~~وذهب بعض منكري المفهوم إلى أن ذلك لا يدل على كون زيد عالما، بل هو نطق ~~بالمستثنى منه وسكوت عن المستثنى. # ومعنى خروج المستثنى عن المستثنى منه أنه لم يدخل في عموم المستثنى منه ~~وأنه لم يتعرض فيه لكون زيد عالما لا نفيا ولا إثباتا. # والحق إنما هو المذهب الجمهوري، ودليله ما بيناه فيما تقدم من أن ~~الاستثناء من النفي إثبات، وأن قول القائل: " لا إله إلا الله " ناف ~~للألوهية عن غير الله تعالى، ومثبت لصفة الألوهية لله تعالى، وقررناه أحسن ~~تقرير، وحققنا وجه الانفصال عن كل ما ورد عليه من الإشكالات فعليك ~~بالالتفات إليه ونقله إلى هاهنا. # PageV03P099 ### | [المسألة التاسعة كل خطاب خصص محل النطق بالذكر لخروجه مخرج الأعم بالأغلب لا مفهوم له] # المسألة التاسعة # اتفق القائلون بالمفهوم على أن كل خطاب خصص محل النطق بالذكر لخروجه مخرج ~~الأعم بالأغلب لا مفهوم له وذلك كقوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم ~~من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} ، وقوله: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما ms578 ~~من أهله وحكما من أهلها} (1) .، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «أيما ~~امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل» "، وقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " «فليستنج بثلاثة أحجار» " فإن تخصيصه بالذكر لمحل النطق في جميع ~~هذه الصور إنما كان لأنه الغالب، إذ الغالب أن الربيبة إنما تكون في الحجر، ~~وأن الخلع لا يكون إلا مع الشقاق، وأن المرأة لا تزوج نفسها إلا عند عدم ~~إذن الولي لها وإبائه من تزويجها، وأن الاستنجاء لا يكون إلا بالحجارة. # وكذلك الحكم في كل ما ظهر سبب تخصيصه بالذكر كسؤال سائل أو حدوث حادثة أو ~~غير ذلك مما سبق ذكره من أسباب التخصيص. # وعلى هذا فلو لم يظهر سبب يوجب تخصيص محل النطق بالذكر دون محل السكوت بل ~~كانت الحاجة إليهما وإلى ذكرهما مع العلم بهما مستوية، ولم يكن الحكم في ~~محل السكوت أولى بالثبوت. # وبالجملة، لو لم يظهر سبب من الأسباب الموجبة للتخصيص سوى نفي الحكم في ~~محل السكوت فهل يجب القول بنفي الحكم في محل السكوت تحقيقا لفائدة التخصيص، ~~أو لا يجب؟ # إن قلنا إنه لا يجب كان التخصيص بالذكر عبثا خليا عن الفائدة، وذلك مما ~~ينزه عنه منصب آحاد البلغاء فضلا عن كلام الله تعالى ورسوله. # وإن قلنا بوجوب نفي الحكم لزم القول بدلالة المفهوم في هذه الصورة. ~~PageV03P100 # والوجه في حله أن يقال: إذا لم يظهر السبب المخصص، فلا يخلو: إما أن يكون ~~مع عدم ظهوره محتمل الوجود والعدم على السواء، أو أن عدمه أظهر من وجوده. # فإن كان الأول فليس القول بالنفي أولى من القول بالإثبات، وعلى هذا فلا ~~مفهوم، وإن كان الثاني فإنما يلزم من ذلك نفي الحكم في محل السكوت أن لو ~~كان نفي الحكم فيه من جملة الفوائد الموجبة لتخصيص محل النطق بالذكر وليس ~~كذلك. # وذلك لأن نفي الحكم في محل السكوت عند القائلين بمفهوم المخالفة إنما هو ~~فرع دلالة اللفظ في محل النطق عليه فلو كانت دلالة اللفظ في محل النطق على ~~نفي الحكم في محل السكوت ms579 متوقفة عليه بوجه من الوجوه كان دورا ممتنعا. (1) ~~وإلى هاهنا تم الكلام في أصناف دلالة غير المنظوم. # هذا ما يتعلق بالنظر فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والإجماع. ### | [ما يتعلق بالنظر فيما يشترك فيه الكتاب والسنة دون غيرهما من الأدلة] ### | النظر في النسخ ### | [الفصل الأول في تعريف النسخ والناسخ والمنسوخ] # وأما ما يتعلق بالنظر فيما يشترك فيه الكتاب والسنة دون غيرهما من الأدلة ~~فهو النظر في النسخ ويشتمل على مقدمة ومسائل. # أما المقدمة فتشتمل على أربعة فصول: PageV03P101 # الفصل الأول في تعريف النسخ والناسخ والمنسوخ # أما النسخ: فهو في اللغة قد يطلق بمعنى الإزالة، ومنه يقال نسخت الشمس ~~الظل أي: أزالته، ونسخت الريح أثر المشي أي: أزالته، ونسخ الشيب الشباب إذا ~~أزاله، ومنه تناسخ القرون والأزمنة، والإزالة هي الإعدام، ولهذا يقال: زال ~~عنه المرض والألم وزالت النعمة عن فلان، ويراد به الانعدام في هذه الأشياء ~~كلها. # وقد يطلق بمعنى نقل الشيء وتحويله من حالة إلى حالة مع بقائه في نفسه. # قال السجستاني من أهل اللغة: والنسخ أن تحول ما في الخلية من النحل ~~والعسل إلى أخرى، ومنه تناسخ المواريث بانتقالها من قوم إلى قوم، وتناسخ ~~الأنفس بانتقالها من بدن إلى غيره عند القائلين بذلك. # ومنه نسخ الكتاب بما فيه من مشابهة النقل، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ~~{إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} والمراد به نقل الأعمال إلى الصحف أو من ~~الصحف إلى غيرها. # اختلف الأصوليون: فذهب القاضي أبو بكر ومن تابعه كالغزالي وغيره إلى أن ~~اسم النسخ مشترك بين هذين المعنيين، وذهب أبو الحسين البصري وغيره إلى أنه ~~حقيقة في الإزالة مجاز في النقل، وذهب القفال من أصحاب الشافعي إلى أنه ~~حقيقة في النقل والتحويل. # وقد احتج أبو الحسين البصري بأن إطلاق اسم النسخ على النقل في قولهم: " ~~نسخت الكتاب " مجاز لأن ما في الكتاب لم ينقل حقيقة. # وإذا كان اسم النسخ مجاز في النقل لزم أن يكون حقيقة في الإزالة لأنه غير ~~مستعمل فيما سواهما. # وإذا بطل كونه حقيقة في أحدهما ms580 تعين أن يكون حقيقة في الآخر. # وقد قرر ذلك بعضهم من وجه آخر فقال: إطلاق اسم النسخ بمعنى الإزالة ~~والإعدام واقع كما سبق، والأصل في الإطلاق الحقيقة، ويلزم أن لا يكون حقيقة ~~في النقل دفعا للاشتراك عن اللفظ. # PageV03P102 # ولقائل أن يقول على الوجه الأول: إن إطلاق اسم النسخ على الكتاب إما أن ~~يكون حقيقة أو تجوزا، فإن كان حقيقة فهو المطلوب، وبطل ما ذكروه، وإن كان ~~مجازا ضرورة أن ما في الكتاب لم ينقل على الحقيقة فيمتنع أن يكون التجوز به ~~مستعارا من الإزالة، فإنه غير مزال، ولا يشبه الإزالة فلا بد من استعارته ~~من معنى آخر، والإجماع منعقد على امتناع إطلاق اسم النسخ حقيقة في الإزالة ~~والنقل فإذا تعذرت استعارته من الإزالة تعين أن يكون مستعارا من النقل. # ووجه استعارته منه أن تحصيل مثل ما في أحد الكتابين في الآخر تجري مجرى ~~نقله وتحويله إليه فكان منه بسبب من أسباب التجوز. # وإذا كان مستعارا من النقل وجب أن يكون اسم النسخ حقيقة في النقل إذ ~~المجاز لا يتجوز به في غيره بإجماع أهل اللغة. # ثم وإن كان ذلك مجازا في نسخ الكتاب فما الاعتذار عن إطلاق اسم التناسخ ~~في المواريث مع كونها منتقلة حقيقة، وإطلاق اسم النسخ على تحويل النحل ~~والعسل من خلية إلى أخرى، فإن ما ذكروه في تقرير التجوز في نسخ الكتاب غير ~~متصور هاهنا. # وأما الوجه الثاني فمقابل بمثله، وهو أن يقال: اسم النسخ قد أطلق بمعنى ~~النقل على ما سبق، والأصل في الإطلاق الحقيقة، ويلزم من كونه حقيقة فيه أن ~~لا يكون حقيقة في الإزالة دفعا للاشتراك عن اللفظ وليس أحد الأمرين أولى من ~~الآخر. # فإن قيل: الترجيح لكونه حقيقة في الإزالة، وذلك لأن الإزالة مطلق إعدام، ~~والنقل أخص من الإزالة لأنه يستلزم إعدام الصفة وحدوث أخرى، والإعدام ~~المستلزم حدوث شيء آخر أخص من الإعدام الذي لا يستلزم ذلك، وإذا كانت ~~الإزالة أعم فجعل النسخ حقيقة فيها أولى نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ. # قلنا: لا ms581 نسلم أن الإزالة أعم من النقل والتحويل وإن كان يستلزم إعدام ~~صفة وتجدد أخرى فكل إزالة هكذا لأن الإزالة على ما قيل هي الإعدام، ~~والإعدام يستلزم زوال الصفة، وهي الوجود وتجدد أخرى، وهي صفة العدم، وهما ~~صفتان متقابلتان مهما انتفت إحداهما تحققت الأخرى، وإذا تساويا عموما ~~وخصوصا # PageV03P103 # فليس جعل اسم النسخ حقيقة في أحدهما أولى من الآخر. # وإذا تعذر ترجيح أحد الأمرين مع صحة الإطلاق فيهما كان القول بالاشتراك ~~أشبه، اللهم إلا أن يوجد في حقيقة النقل خصوص تبدل الصفة الوجودية بصفة ~~وجودية فيكون النقل أخص. # ومع هذا كله فالنزاع في هذا لفظي لا معنوي. # وأما معناه في اصطلاح الأصوليين فقد اختلف فيه، فقال أبو الحسين البصري: ~~هو إزالة مثل الحكم الثابت بقول منقول عن الله تعالى أو عن رسوله مع تراخيه ~~عنه على وجه لولاه لكان ثابتا، وهو فاسد من وجهين: # الأول: هو أن إزالة المثل إما أن تكون قبل وجود ذلك المثل أو بعد عدمه، ~~أو في حالة وجوده: # الأول: محال، فإن ما لم يوجد لا يقال إنه أزيل، والثاني أيضا محال، فإن ~~إزالة ما عدم بعد وجوده ممتنع، والثالث: أيضا محال، لأن الإزالة هي ~~الإعدام، وإعدام الشيء حال وجوده محال. (1) الوجه الثاني: أنه غير مانع إذ ~~يدخل فيه إزالة مثل ما كان ثابتا من الأحكام العقلية قبل ورود الشرع بخطاب ~~الشارع المتراخي على وجه لولا خطاب الشارع المغير لكان ذلك الحكم مستمرا ~~وليس بنسخ في مصطلح المتشرعين إجماعا. # ومنهم من قال: هو إزالة الحكم بعد استقراره، ويبطل بالوجهين السابقين، ~~وبما لو زال الحكم بعد استقراره بمرض أو جنون أو موت فإنه داخل فيما قيل ~~وليس بنسخ إجماعا. # ومنهم من قال: هو نقل الحكم إلى خلافه، ويبطل بما بطل به الحد الذي قبله، ~~وبما لو نقل الحكم إلى خلافه بالغاية كما في قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام ~~إلى الليل} فإن الحكم فيما قبل الغاية قد قلب إلى خلافه فيما بعد الغاية، ~~وليس بنسخ، وبه يبطل قول من قال ms582 في حده إنه بيان مدة الحكم. PageV03P104 # وقال القاضي أبو بكر: إنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب ~~المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه، وهو اختيار الغزالي أيضا. # وقصد بالقيد الأول تعميم كل خطاب كان من باب المنظوم أو غيره، والاحتراز ~~عن الموت والمرض والجنون وجميع الأعذار الدالة على ارتفاع الأحكام الزائلة ~~بها مع تراخيها، ولولاها لكانت الأحكام الزائلة بها مستمرة. # وبالقيد الثاني: وهو الخطاب المتقدم الاحتراز عن الخطاب الدال على ارتفاع ~~الأحكام العقلية قبل ورود الشرع. # وبالقيد الثالث: وهو على وجه لولاه لكان مستمرا الاحتراز عما إذا ورد ~~الخطاب بحكم مؤقت، ثم ورد الخطاب عند تصرم ذلك الوقت بحكم مناقض للأول، كما ~~لو ورد قوله عند غروب الشمس (كلوا) بعد قوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} ~~فإنه لا يكون نسخا لحكم الخطاب الأول حيث إنه لو قدرنا عدم الخطاب الثاني ~~لم يكن حكم الخطاب الأول مستمرا بل منتهيا بالغروب. # وبالقيد الرابع الاحتراز عن الخطاب المتصل، كالاستثناء والتقييد بالشرط ~~والغاية، فإنه يكون بيانا لا نسخا. # ويرد عليه إشكالات: # الإشكال الأول: أن الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت هو الناسخ، ~~والنسخ هو نفس الارتفاع فلا يكون الناسخ هو النسخ. # الثاني: وهو ما أورده أبو الحسين البصري أنه قال: إنه ليس بجامع ولا ~~مانع. # أما إنه ليس بجامع فلأنه يخرج منه النسخ بفعل الرسول مع أنه ليس بخطاب، ~~ويخرج منه نسخ ما ثبت بفعل الرسول، وليس فيه ارتفاع حكم ثبت بالخطاب. # وأما أنه ليس بمانع فلأنه لو اختلفت الأمة في الواقعة على قولين، وأجمعوا ~~بخطابهم على تسويغ الأخذ بكل واحد من القولين للمقلد، ثم أجمعوا بأقوالهم ~~على أحد القولين فإن حكم خطاب الإجماع الثاني دل على ارتفاع حكم خطاب ~~الإجماع الأول وليس بنسخ إذ الإجماع لا ينسخ به. # PageV03P105 # الثالث: هو أن تحديد النسخ بارتفاع الحكم الثابت تحديد له بما ليس بمتصور ~~لوجوه يأتي ذكرها في مسألة إثبات النسخ. # الرابع: أن فيه زيادة لا حاجة إليها، وهي قوله (متراخ عنه) ms583 وقوله (على ~~وجه لولاه لكان مستمرا ثابتا) فإن ذكر التراخي إنما وقع احترازا عن الخطاب ~~المتصل كالاستثناء والتقييد بالشرط والغاية، وفي الحد ما يدرأ النقض بذلك، ~~وهو ارتفاع الحكم والخطاب المتصل بالخطاب الأول في هذه الصور ليس رافعا ~~لحكم الخطاب المتقدم في الذكر بل هو مبين أن الخطاب المتقدم لم يرد الحكم ~~فيما استثني، وفيما خرج عن الشرط والغاية، وبالتقيد بالرفع يدرأ النقض ~~بالخطاب الوارد بما يخالف حكم الخطاب المتقدم إذا كان حكمه مؤقتا من حيث إن ~~الخطاب الثاني لا يدل على ارتفاع حكم الخطاب الأول لانتهائه بانتهاء وقته. # والجواب عن الإشكال الأول لا نسلم أن النسخ هو ارتفاع الحكم، بل النسخ ~~نفس الرفع المستلزم للارتفاع، والرفع هو الخطاب الدال على الارتفاع، وذلك ~~لأن النسخ يستدعي ناسخا ومنسوخا، والناسخ هو الرافع أي الفاعل، والمنسوخ هو ~~المرفوع أي المفعول، والرافع والمرفوع، أي الفاعل والمفعول يستدعي رفعا ~~وارتفاعا، أي فعلا وانفعالا، والرافع هو الله تعالى على الحقيقة. # وإن سمي الخطاب ناسخا فإنما هو بطريق التجوز كما يأتي تحقيقه، والمرفوع ~~هو الحكم، والرفع الذي هو الفعل صفة الرافع، وذلك هو الخطاب، والارتفاع ~~الذي هو نفس الانفعال صفة المرفوع المفعول، وذلك على نحو فسخ العقد فإن ~~الفاسخ هو العاقد، والمفسوخ هو العقد والفسخ صفة العاقد، وهو قوله (فسخت) ~~والانفساخ صفة العقد، وهو انحلاله بعد انبرامه. # وأما النسخ بفعل الرسول فلا نسلم أن فعل الرسول ناسخ حقيقة إذ ليس للرسول ~~ولاية إثبات الأحكام الشرعية ورفعها من تلقاء نفسه، وإنما هو رسول ومبلغ عن ~~الله تعالى ما يشرعه من الأحكام ويرفعه، ففعله إن كان ولا بد فإنما هو # PageV03P106 # دليل على الخطاب الدال على ارتفاع الحكم لا أن نفس الفعل هو الدال على ~~الارتفاع. # وأما الإشكال بالإجماع ففيه جوابان: # الأول: أنه مهما اجتمعت الأمة على تسويغ الخلاف في حكم مسألة معينة، وكان ~~إجماعهم قاطعا فلا نسلم تصور إجماعهم على مناقضة ما أجمعوا عليه أولا ليصح ~~ما قيل. # الثاني: أنه وإن صح ذلك فلا نسلم أن الحكم نفيا ms584 وإثباتا مستند إلى قول ~~أهل الإجماع، وإنما هو مستند إلى الدليل السمعي الموجب لإجماعهم على ذلك ~~الحكم. # وعلى هذا، فيكون إجماعهم دليلا على وجود الخطاب الذي هو النسخ لا أن ~~خطابهم نسخ. # وما وعدوا به في الوجه الثالث فسيأتي الجواب عنه أيضا. # وأما ما ذكروه من الزيادات فهي غير مخلة بصحة الحد، وفائدتها الميز بين ~~النسخ والصور المذكورة مبالغة في تحصيل الفائدة. # ومع ذلك فالمختار في تحديده أن يقال: النسخ عبارة عن خطاب الشارع المانع ~~من استمرار ما ثبت من حكم خطاب شرعي سابق. # ولا يخفى ما فيه من الاحتراز من غير حاجة إلى التقييد بالتراخي، ولا ~~بقولنا (لولاه لكان مستمرا ثابتا) لما سبق تقريره. (1) PageV03P107 # وأما الناسخ فإنه قد يطلق على الله تعالى، فيقال: نسخ فهو ناسخ، ومنه ~~قوله تعالى {ما ننسخ من آية} ، وقوله تعالى: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان} ~~، وقد يطلق على الآية أنها ناسخة فيقال آية السيف نسخت كذا فهي ناسخة. # وكذلك على طريق يعرف به نسخ الحكم من خبر الرسول وفعله وتقريره وإجماع ~~الأمة. # وعلى الحكم فيقال وجوب صوم رمضان نسخ وجوب صوم عاشوراء فهو ناسخ، وعلى ~~المعتقد لنسخ الحكم، فيقال: فلان ينسخ القرآن بالسنة، أي يعتقد ذلك فهو ~~ناسخ. # غير أن الإجماع منعقد على أن إطلاق اسم ناسخ على الحكم وعلى المعتقد ~~للنسخ مجاز، وإنما الخلاف بيننا وبين المعتزلة في أنه حقيقة في الله تعالى ~~أو في الطريق المعرف لارتفاع الحكم. # فعندهم الناسخ في الحقيقة هو الطريق حتى قالوا في حده: إن الناسخ هو قول ~~صادر عن الله تعالى أو عن رسوله أو فعل منقول عن رسوله يفيد إزالة مثل ~~الحكم الثابت بنص صادر عن الله تعالى أو بنص أو فعل منقول عن رسوله مع ~~تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتا. # وأما نحن: فمعتقدنا أن الناسخ في الحقيقة إنما هو الله تعالى، وأن خطابه ~~الدال على ارتفاع الحكم هو النسخ وإن سمي ناسخا فمجاز. # وحاصل النزاع في ذلك آيل إلى اللفظ. # وأما المنسوخ فهو ms585 الحكم المرتفع كالمرتفع من وجوب تقديم الصدقة بين يدي ~~مناجاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحكم الوصية للوالدين والأقربين، ~~وحكم التربص حولا كاملا عن المتوفى عنها زوجها، إلى غير ذلك. # PageV03P108 ### | [الفصل الثاني الفرق بين النسخ والبداء] # واعلم أن البداء عبارة عن الظهور بعد الخفاء. # ومنه يقال: بدا لنا سور المدينة بعد خفائه، وبدا لنا الأمر الفلاني، أي ~~ظهر بعد خفائه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون} ، {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} ، {وبدا لهم سيئات ما ~~عملوا} . # وحيث كان فإن النسخ يتضمن الأمر بما نهي عنه والنهي عما أمر به على حده ~~وظن أن الفعل لا يخرج عن كونه مستلزما لمصلحة أو مفسدة. # فإن كان مستلزما لمصلحة فالأمر به بعد النهي عنه على الحد الذي نهى عنه ~~إنما يكون لظهور ما كان قد خفي من المصلحة. # وإن كان مستلزما لمفسدة فالنهي عنه بعد الأمر به على الحد الذي أمر به ~~إنما يكون لظهور ما كان قد خفي من المفسدة، وذلك عين البداء. # ولما خفي الفرق بين البداء والنسخ على اليهود والرافضة، منعت اليهود من ~~النسخ في حق الله تعالى، وجوزت الروافض البداء عليه لاعتقادهم جواز النسخ ~~على الله تعالى مع تعذر الفرق عليهم بين النسخ والبداء (1) واعتضدوا في ذلك ~~بما نقلوه PageV03P109 # عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: " لولا البداء لحدثتكم بما هو كائن إلى ~~يوم القيامة. # ونقلوا عن جعفر الصادق - رضي الله عنه - أنه قال: " ما بدا لله تعالى في ~~شيء كما بدا له في إسماعيل " أي في أمره بذبحه. # ونقلوا عن موسى (1) بن جعفر أنه قال البداء ديننا ودين آبائنا في ~~الجاهلية، وتمسكوا أيضا بقوله تعالى: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} ، وفي ذلك ~~قال شاعرهم: # ولولا البداء سميته غير هائب ... وذكر البدا نعت لمن يتقلب # ولولا البدا ما كان فيه تصرف ... وكان كنار دهره يتلهب # وكان كضوء مشرق بطبيعة ... وبالله عن ذكر الطبائع يرغب # فلزم اليهود على ذلك إنكار تبدل ms586 الشرائع، ولزم الروافض على ذلك وصف ~~الباري تعالى بالجهل مع النصوص القطعية والأدلة العقلية الدالة على استحالة ~~ذلك في حقه، وأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. # أما النصوص الكتابية فكقوله تعالى: {وهو بكل شيء عليم} ، وقوله تعالى: ~~{عالم الغيب والشهادة} ، وقوله: {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ~~ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} ، وقوله {ما أصاب من مصيبة ~~في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} إلى غير ذلك من ~~الآيات. # وأما الأدلة العقلية فما استقصيناه في كتبنا الكلامية. # وما نقلوه عن علي وعن أهل بيته فمن الأحاديث التي انتحلها الكذاب الثقفي ~~(2) PageV03P110 # على أهل البيت، فإنه كان يدعي العصمة لنفسه، ويخبر بأشياء فإذا ظهر كذبه ~~فيها، قال: إن الله وعدني بذلك، غير أنه بدا له فيه، وأسند ذلك إلى أهل ~~البيت مبالغة في ترويج أكاذيبه. # وأما الآية فالمراد بها إنما هو محو المنسوخ وإثبات الناسخ ومحو السيئات ~~بالحسنات كما قال تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} ومحو الحسنات بالردة ~~على ما قال تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت ~~أعمالهم} أو محو المباحات، وإثبات الطاعات على ما قاله أهل التفسير، أو محو ~~ما يشاء من الآجال أو الأرزاق وإثبات غيرها. # ويجب الحمل على ذلك جمعا بينه وبين الأدلة القاطعة الدالة على امتناع ~~الجهل في حق الله تعالى. (1) وكشف الغطاء عن ذلك يتحقق بالفرق بين النسخ ~~والبداء فنقول: إذا عرف معنى البداء وأنه مستلزم للعلم بعد الجهل والظهور ~~بعد الخفاء وأن ذلك مستحيل في حق الله تعالى على ما بيناه في كتبنا ~~الكلامية فالنسخ ليس كذلك فإنه لا يبعد أن يعلم الله تعالى في الأزل ~~استلزام الأمر بفعل من الأفعال للمصلحة في وقت معين واستلزام نسخه للمصلحة ~~في وقت آخر، فإذا نسخه في الوقت الذي علم نسخه فيه فلا يلزم من ذلك أن يكون ~~قد ظهر له ما كان خفيا عنه، ولا أن ms587 يكون قد أمر بما فيه مفسدة، ولا نهى عما ~~فيه مصلحة، وذلك كإباحته الأكل في الليل من رمضان وتحريمه في نهاره. ~~PageV03P111 # فإن قيل: لا يخلو إما أن يكون الباري تعالى قد علم استمرار أمره بالفعل ~~المعين أبدا، أو إلى وقت معين، وعلم أنه لا يكون مأمورا بعد ذلك الوقت. # فإن كان الأول استحال نسخه لما فيه من انقلاب علمه جهلا، وإن كان الثاني، ~~فالحكم يكون منتهيا بنفسه في ذلك الوقت فلا يتصور بقاؤه بعد، وإلا لانقلب ~~علم الباري جهلا، وإذا كان منتهيا بنفسه فالنسخ لا يكون مؤثرا فيه لا في ~~حالة علم الله تعالى أنه يكون الفعل مأمورا فيها، ولا في حالة علم الله أنه ~~لا يكون مأمورا فيها لما فيه من انقلاب علمه إلى الجهل، وإذا لم يكن الناسخ ~~مؤثرا فيه فلا يتصور نسخه. # قلنا: الأمر مطلق، والباري علم أن الأمر بالفعل ينتهي بالناسخ في الوقت ~~الذي علم أن النسخ يقع فيه لا أنه علم انتهاءه إلى ذلك الوقت مطلقا بل علم ~~انتهاءه بالنسخ فلو لم يكن منتهيا بالنسخ لانقلب علمه جهلا، وعلى هذا فلا ~~يلزم من انتهاء الأمر في ذلك الوقت بالنسخ أن لا يكون الأمر منسوخا. # PageV03P112 ### | [الفصل الثالث في الفرق بين التخصيص والنسخ] # نقول إن التخصيص والنسخ وإن اشتركا من جهة أن كل واحد منهما قد يوجب ~~تخصيص الحكم ببعض ما تناوله اللفظ لغة غير أنهما يفترقان من عشرة أوجه: # الأول: أن التخصيص يبين أن ما خرج عن العموم لم يكن المتكلم قد أراد ~~بلفظه الدلالة عليه، والنسخ يبين أن ما خرج لم يرد التكليف به، وإن كان قد ~~أراد بلفظه الدلالة عليه. # الثاني: أن التخصيص لا يرد على الأمر بمأمور واحد، والنسخ قد يرد على ~~الأمر بمأمور واحد. # الثالث: أن النسخ لا يكون في نفس الأمر إلا بخطاب من الشارع، بخلاف ~~التخصيص فإنه يجوز بالقياس وبغيره من الأدلة العقلية والسمعية. # الرابع: أن الناسخ لا بد وأن يكون متراخيا عن المنسوخ، بخلاف المخصص فإنه ~~يجوز أن يكون ms588 متقدما على المخصص ومتأخرا عنه كما سبق تحقيقه. # الخامس: أن التخصيص لا يخرج العام عن الاحتجاج به مطلقا في مستقبل الزمان ~~فإنه يبقى معمولا به فيما عدا صورة التخصيص، بخلاف النسخ فإنه قد يخرج ~~الدليل المنسوخ حكمه عن العمل به في مستقبل الزمان بالكلية، وذلك عند ما ~~إذا ورد النسخ على الأمر بمأمور واحد. # السادس: أنه يجوز التخصيص بالقياس، ولا يجوز به النسخ. # السابع: أن النسخ رفع الحكم بعد أن ثبت بخلاف التخصيص. # الثامن: أنه يجوز نسخ شريعة بشريعة، ولا يجوز تخصيص شريعة بأخرى. # التاسع: أن العام يجوز نسخ حكمه حتى لا يبقى منه شيء، بخلاف التخصيص. # العاشر: وهو ما ذكره بعض المعتزلة، أن التخصيص أعم من النسخ، وأن كل نسخ ~~تخصيص، وليس كل تخصيص نسخا، إذ النسخ لا يكون إلا بتخصيص الحكم ببعض ~~الأزمان، والتخصيص يعم تخصيص الحكم ببعض الأشخاص وبعض الأحوال وبعض ~~الأزمان، وفيه نظر. # PageV03P113 # وذلك أنه إن ثبت أن ما ذكر من صفات التخصيص الفارقة بينه وبين النسخ ~~داخلة في مفهوم التخصيص، أو ملازمة خارجة فلا وجود لها في النسخ، فلا يكون ~~التخصيص أعم من النسخ، لأن الأعم لا بد وأن يصدق الحكم به مع جميع صفاته ~~اللازمة لذاته على الأخص، وذلك مما لا يصدق على النسخ فلا يكون النسخ ~~تخصيصا. # وإلا فلقائل (1) أن يقول: ما ذكر من الصفات الفارقة بين التخصيص والنسخ ~~إنما هي فروق بين أنواع التخصيص، وليست من لوازم مفهوم التخصيص، بل التخصيص ~~أعم من النسخ ومن جميع الصور المذكورة، وهو قادح لا غبار عليه، اللهم إلا ~~أن يرجع إلى الاصطلاح، وإطلاق اسم التخصيص على بعض هذه الأنواع، والنسخ على ~~البعض الآخر. # فحاصل النزاع يرجع إلى الإطلاق اللفظي، ولا منازعة فيه بعد فهم غور ~~المعنى. ### | [الفصل الرابع في شروط النسخ الشرعي] # وهي منقسمة إلى متفق عليه ومختلف فيه: # أما المتفق عليه: فأن يكون الحكم المنسوخ شرعيا، أو أن يكون الدليل الدال ~~على ارتفاع الحكم شرعيا متراخيا عن الخطاب المنسوخ حكمه، وأن لا يكون ~~الخطاب ms589 المنسوخ حكمه مقيدا بوقت معين. # وأما الشروط المختلف فيها: فأن يكون قد ورد الخطاب الدال على ارتفاع ~~الحكم بعد دخول وقت التمكن من الامتثال، وأن يكون الخطاب المنسوخ حكمه مما ~~لا يدخله الاستثناء والتخصيص، وأن يكون نسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة، ~~وأن يكون الناسخ والمنسوخ نصين قاطعين، وأن يكون الناسخ مقابلا للمنسوخ ~~مقابلة الأمر بالنهي، والمضيق بالموسع، وأن يكون النسخ ببدل. # فإن ذلك كله مختلف فيه، والحق أن هذه الأمور غير معتبرة كما يأتي، وإذ ~~أتينا على ما أردناه من المقدمة فلا بد من العود إلى المسائل المتشعبة عن ~~النسخ، وهي عشرون مسألة. PageV03P114 ### | [مسائل متشعبة عن النسخ] ### | [المسألة الأولى في إثبات النسخ على منكريه] # المسألة الأولى في إثبات النسخ على منكريه # وقد اتفق أهل الشرائع على جواز النسخ عقلا، وعلى وقوعه شرعا، ولم يخالف ~~في ذلك من المسلمين سوى أبي مسلم الأصفهاني (1) فإنه منع من ذلك شرعا، ~~وجوزه عقلا، ومن أرباب الشرائع سوى اليهود، فإنهم انقسموا ثلاث فرق: # فذهبت الشمعنية إلى امتناعه عقلا وسمعا. # وذهبت العنانية منهم إلى امتناعه سمعا لا عقلا. # وذهبت العيسوية إلى جوازه عقلا، ووقوعه سمعا، واعترفوا بنبوة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - لكن إلى العرب خاصة لا إلى الأمم كافة. # والدليل على الجواز العقلي العقل والسمع. (2) أما العقل: فهو أن المخالف ~~لا يخلو إما أن يكون ممن يوافق على أن الله تعالى له أن يفعل ما يشاء كما ~~يشاء من غير نظر إلى حكمة وغرض، وإما أن يكون ممن يعتبر الحكمة والغرض في ~~أفعاله تعالى، فإن كان الأول، فلا يمتنع عليه تعالى أن يأمر بالفعل في وقت، ~~وينهى عنه في وقت، كما أمر بالصيام في نهار رمضان، ونهى عنه في يوم العيد، ~~وإن كان الثاني، فمع بطلانه (3) على ما عرفناه في كتب الكلام، فلا يمتنع أن ~~يعلم الله استلزام الأمر بالفعل في وقت معين للمصلحة، واستلزام PageV03P115 # النهي عنه للمصلحة في وقت آخر، فإن المصالح مما يختلف باختلاف الأشخاص ~~والأحوال حتى إن مصلحة بعض الأشخاص في الغنى ms590 أو الصحة أو التكليف، ومصلحة ~~الآخر في نقيضه، فكذلك جاز أن تختلف المصلحة باختلاف الأزمان حتى إن مصلحة ~~بعض أهل الأزمان في المداراة والمساهلة، ومصلحة أهل زمان آخر في الشدة ~~والغلظة عليهم، إلى غير ذلك من الأحوال. # وإذا عرف جواز اختلاف المصلحة باختلاف الأزمان، فلا يمتنع أن يأمر الله ~~تعالى المكلف بالفعل في زمان لعلمه بمصلحته فيه، وينهاه عنه في زمن آخر ~~لعلمه بمصلحته فيه، كما يفعل الطبيب بالمريض، حيث يأمره باستعمال دواء خاص ~~في بعض الأزمنة، وينهاه عنه في زمن آخر بسبب اختلاف مصلحته عند اختلاف ~~مزاجه، وكما يفعل الوالد بولده من التأديب له وضربه في زمان، واللين له ~~والرفق به في زمان آخر على حسب ما يتراءى له من المصلحة. # ولهذا خص الشارع كل زمان بعبادة غير عبادة الزمن الآخر، كأوقات الصلوات ~~والحج والصيام، ولولا اختلاف المصالح باختلاف الأزمنة لما كان كذلك. # ومع جواز اختلاف المصالح باختلاف الأزمنة لا يكون النسخ ممتنعا. # هذا ما يدل على الجواز العقلي من جهة العقل. # وأما من جهة السمع فقوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها ~~أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} فهذه الآية تدل على جواز النسخ ~~على الله تعالى شرعا. # أما بالنسبة إلى من خالف في ذلك من المسلمين فظاهر لموافقته على أن الآية ~~من كلام الله تعالى، وأن كلامه صدق. # وأما بالنسبة إلى اليهود فلأنه إذا ثبت أن محمدا رسول الله بما أثبتناه ~~من الأدلة القاطعة في علم الكلام، وأنه صادق فيما يدعيه من الوحي إليه من ~~الله تعالى، فقد ادعى كون هذه الآية من كلام الله، فكان صادقا في ذلك، ~~وكانت الآية حجة على جواز النسخ. # PageV03P116 # وأما ما يدل على وقوع النسخ في الشرع. # أما بالنسبة إلى من خالف من المسلمين في ذلك فهو أن الصحابة والسلف ~~أجمعوا على أن شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ناسخة لجميع الشرائع ~~السالفة، وأجمعوا على نسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس باستقبال الكعبة، ms591 ~~وعلى نسخ الوصية للوالدين والأقربين بآية المواريث، ونسخ صوم عاشوراء بصوم ~~رمضان، ونسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، ووجوب التربص حولا كاملا عن المتوفى عنها زوجها، ووجوب ثبات الواحد ~~للعشرة المستفاد من قوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون} الآية، بقوله ~~{الآن خفف الله عنكم} الآية، إلى غير ذلك من الأحكام المتعددة. (1) وأما ~~بالنسبة إلى منكر ذلك من اليهود فيدل عليه أنه ورد في التورية أن الله ~~تعالى أمر آدم أن يزوج بناته من بنيه، وقد حرم ذلك في شريعة من بعده. # وأيضا، فإن الله تعالى قال لنوح عند خروجه من الفلك إني جعلت لك كل دابة ~~مأكلا لك ولذريتك، وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب، ما خلا الدم فلا تأكلوه، ~~وقد حرم كثيرا من الدواب على من بعده من أرباب الشرائع وهو عين النسخ. (2) ~~فإن قيل: يحتمل أن أمر آدم، والإباحة لنوح وذريته كان مقيدا بظهور شريعة من ~~بعده، فتحريم ذلك على من بعده لا يكون نسخا لانتهاء مدة الحكم الأول لكونه ~~كان مقيدا بظهور شريعة من بعده. # قلنا: الأمر لآدم، والإباحة لنوح كان مطلقا، والأصل عدم التقييد. # وإن قيل: إنه كان ذلك مقيدا في علم الله تعالى بظهور شريعة أخرى. # قلنا: فهذا هو عين النسخ، فإن الله تعالى إذا أمر بالفعل مطلقا فهو عالم ~~بأنه سينسخه ويعلم وقت نسخه، فتقييده في علمه لا يخرجه عن حقيقة النسخ. ~~PageV03P117 # وقد احتج عليهم بإلزامات أخر، منها: أن العمل كان مباحا في يوم السبت، ثم ~~حرم على موسى وقومه. # ومنها: أن الختان كان في شرع إبراهيم جائزا بعد الكبر، وقد أوجبه موسى ~~يوم ولادة الطفل. # ومنها: أن الجمع بين الأختين كان مباحا في شريعة يعقوب، وقد حرم ذلك في ~~شريعة من بعده. # ولقائل أن يقول: العمل في يوم السبت، وكذلك الختان في حالة الكبر، وكذلك ~~الجمع بين الأختين كان مباحا بحكم الأصل، ورفع ما كان بحكم الأصل العقلي لا ~~يكون نسخا كما علم فيما تقدم. # فإن قيل: ms592 لو كان النسخ جائزا عقلا، لم يخل نسخ ما أمر به إما أن يكون ~~لحكمة ظهرت لم تكن ظاهرة حالة الأمر، أو لا يكون كذلك، فإن لم يكن لحكمة ~~ظهرت له كان عابثا، والعبث على الحكيم محال، وإن كان الأول: فقد بدا له ما ~~لم يكن والبداء على الله تعالى محال. # وأيضا، فإنه لو جاز نسخ الأحكام الشرعية لكون التكليف بها مصلحة في وقت ~~ومفسدة في وقت لجاز نسخ ما وجب من الاعتقادات في التوحيد وما يجوز على الله ~~تعالى وما لا يجوز وهو محال. # وأيضا: فإن الخطاب المنسوخ حكمه، إما أن يكون مؤقتا بوقت، أو هو دال على ~~التأبيد، فإن كان الأول فهو غير قابل للنسخ لانتهائه بانتهاء ذلك الوقت، ~~وإن كان الثاني فهو محال من أربعة أوجه. # الأول أنه من ذلك اعتقاد المكلف دوام الحكم وتأبيده، وهو جهل قبيح، وما ~~لزم منه القبيح فهو قبيح. # الثاني: أنه يلزم منه أن لا يبقى لنا طريق إلى معرفة التأبيد بتقدير ~~إرادة التأبيد، وذلك مما يوجب إعجاز الرب تعالى عن إعلامنا بالتأبيد، وهو ~~محال. # PageV03P118 # الثالث: أنه لو جاز النسخ مع أن اللفظ للتأبيد لما بقي لنا وثوق بوعد ~~الله تعالى ووعيده، ولا بشيء من الظواهر اللفظية، ولا يخفى ما في ذلك من ~~اختلاف الشرائع واتجاه قول الباطنية. # الرابع: أنه يلزمكم على هذا جواز نسخ شريعتكم، ولم تقولوا به، وأيضا، ~~فإنه لو جاز رفع الحكم بعد وقوعه، فإما أن يكون رفعه قبل وجوده أو بعد ~~عدمه، أو في حال وجوده: # الأول: محال لأن رفع ما لم يوجد غير متصور. # والثاني محال لأن رفع المعدوم ممتنع. # والثالث: يلزم منه أن يكون الشيء حالة وجوده مرتفعا، وذلك أيضا ممتنع. # وأيضا، فإن الفعل المأمور به إما أن يكون حسنا أو قبيحا، فإن كان الأول ~~فقد نهى عن الحسن، وإن كان الثاني فقد أمر بالقبيح. # وأيضا، فإنه إما أن يكون طاعة أو معصية، فإن كان طاعة فقد نهى عن الطاعة، ~~وإن كان معصية فقد أمر بالمعصية. ms593 # وأيضا، فإما أن يكون مرادا أو مكروها، فإن كان مرادا فقد صار بالنهي ~~مكروها، وإن كان مكروها فقد صار بالأمر مرادا. # وأما ما ذكرتموه من الدليل السمعي على الجواز العقلي، فلا وجه له. # أما قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها} فالمراد بالنسخ ~~الإزالة، ونسخ الآية بإزالتها عن اللوح المحفوظ. # وأما ما ذكرتموه على الوقوع الشرعي فلا نسلم أن شريعة محمد ناسخة لشرائع ~~من تقدم على ما يأتي تقريره. # وأما وجوب استقبال بيت المقدس فإنه لم يزل بالكلية لجواز التوجه إليه عند ~~الإشكال ومع العذر، فكان ذلك تخصيصا لا نسخا. # وأما تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنما ~~زالت لزوال سببها، وهو امتياز المنافقين من حيث إنهم لا يتصدقون على ~~المؤمنين. # PageV03P119 # ووجوب التربص حولا كاملا لم يزل بالكلية لبقائه عندما إذا كانت مدة حملها ~~سنة فكان ذلك أيضا من باب التخصيص لا من باب النسخ. # سلمنا الجواز العقلي، ولكن لا نسلم الجواز الشرعي، وبيانه من وجهين. # الأول: قوله تعالى في صفة القرآن: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه} فلو نسخ لكان قد أتاه الباطل، وهذه حجة من منع جواز نسخ القرآن ~~مطلقا. # الثاني: أن موسى الكليم كان نبيا حقا بالإجماع منا ومنكم وبالدلائل ~~الدالة على صدقه في رسالته، وقد نقل عنه نقلا متواترا أنه قال: (هذه ~~الشريعة مؤبدة عليكم ما دامت السماوات والأرض) . # وروي عنه أنه قال: (الزموا يوم السبت أبدا) فقد كذب بذلك من ادعى نسخ ~~شريعته، فلو قيل بجواز نسخ شريعته لزم منه أن يكون كاذبا، وهو محال. # والجواب عن الإشكال الأول أن النسخ لم يكن لحكمة ظهرت له بعد أن لم تكن ~~ظاهرة بل (إن قلنا برعاية الحكمة) لحكمة، كان عالما بها على ما سبق في ~~الفرق بين النسخ والبداء. # وعن الإشكال الثاني أن اعتقاد التوحيد وكل ما مستند معرفته دليل العقل، ~~لا يخلو: إما أن يقال بأن وجوبه (1) ثابت بالعقل، كما قاله المعتزلة، أو ~~بالشرع ms594 كما نقوله نحن: # فإن كان الأول: فلا يخفى إحالة نسخ ما ثبت وجوبه عقلا، لأن الشارع لا ~~يأتي بما يخالف العقل. # وإن كان الثاني فالعقل يجوز أن لا يرد الشرع بوجوبه ابتداء فضلا عن نسخه ~~بعد وجوبه. # وعن الثالث: قولهم إن الخطاب إن كان مؤقتا، فلا يكون قابلا للنسخ، لا ~~نسلم ذلك، فإنه لو قال في رمضان حجوا في هذه السنة، ثم قال قبل يوم عرفة لا ~~تحجوا، فإنه يكون جائزا عندنا، على ما يأتي في جواز نسخ الأمر قبل التمكن ~~من الامتثال. # قولهم: وإن كان دالا على التأبيد فهو محال، لا نسلم ذلك. PageV03P120 # قولهم في الوجه الأول: إنه يلزم منه جهل المكلف باعتقاد التأبيد فقد أجاب ~~عنه أبو الحسين البصري بأنه إلى ذلك أن لو لم يكن قد اقترن بالخطاب المنسوخ ~~ما يشعر بنسخه، وليس كذلك، وقد بينا إبطال ما ذهب إليه في تأخير البيان إلى ~~وقت الحاجة. (1) والوجه في الجواب أن نقول: دلالة الخطاب على التأبيد لا ~~يلزمها التأبيد مع القول بجواز النسخ، فإذا اعتقد المكلف التأبيد فالجهل ~~إنما جاءه من قبل نفسه لا من قبل ما اقتضاه الخطاب، بل الواجب أن يعتقد ~~التأبيد بشرط عدم الناسخ ثم وإن أفضى ذلك إلى الجهل في حق العبد، فالقول ~~بقبح ذلك من الله تعالى مبني على التحسين والتقبيح العقلي، وقد أبطلناه ~~فيما تقدم. (2) ثم متى يكون ذلك قبيحا إذا استلزم مصلحة تربو على مفسدة ~~جهله، أو إذا لم يكن كذلك، الأول ممنوع، والثاني مسلم. # وبيان لزوم المصلحة الزائدة هنا ما فيه من زيادة الثواب باعتقاده دوام ما ~~أمر به، والعزم على فعله، والانقياد لقضاء الله وحكمه في الأمر والنهي: # كيف وإن ما ذكروه منتقض بما يحدثه الله تعالى للعبد من الغنى والصحة، فإن ~~ذلك مما يوجب اعتقاد دوامه له مع جواز إزالته بالفقر والمرض. # قولهم في الوجه الثاني: إلى تعجيز الرب تعالى عن إعلامنا بالتأبيد، ليس ~~كذلك، لجواز أن يخلق لنا العلم الضروري بذلك. # وما ذكروه في الوجه الثالث فمندفع، ms595 فإنه إن كان اللفظ الوارد في الخطاب ~~مما لا يحتمل التأويل، فالوثوق به حاصل لا محالة، وإن كان مما يحتمل ~~التأويل فيجب أن يكون الوثوق به على حسب ما اقتضاه الظاهر لا قطعا، وذلك ~~غير مستحيل. # وما ذكروه في الوجه الرابع فغير صحيح، فإنا لا نمنع من جواز نسخ شرعنا ~~PageV03P121 # عقلا، وإنما نمنع منه شرعا لورود خبر الصادق بذلك عندنا، وهو قوله تعالى: ~~{وخاتم النبيين} ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «إلا أنه لا نبي بعدي» ~~" (1) والخلف في خبر الصادق محال. # ومع ذلك فإنا لا نحيل عقلا أن يكون ذلك الخبر مشروطا بقيد. # قولهم: لو جاز رفع الحكم، ينظر الأصل أن يكون قبل وقوعه، فمندفع. # فإنا وإن أطلقنا لفظة الرفع في النسخ إنما نريد به امتناع استمرار ~~المنسوخ، وأنه لولا الخطاب الدال على الانقطاع لاستمر، وذلك لا يلزم عليه ~~شيء مما قيل. (2) قولهم: الفعل المأمور به إما أن يكون حسنا أو قبيحا فهو ~~مبني على التحسين والتقبيح العقلي، وقد أبطلناه. # قولهم: إما أن يكون طاعة أو معصية، قلنا: هو طاعة حالة كونه مأمورا، ~~ومعصية حالة كونه منهيا، فالطاعة والمعصية ليست من صفات الأفعال، بل تابعة ~~للأمر والنهي. # قولهم: إما أن يكون مرادا أو مكروها، لا نسلم الحصر لجواز أن لا يكون ~~مرادا ولا مكروها إذ الإرادة والكراهة عندنا غير لازمة للأمر والنهي. (3) ~~PageV03P122 # وبتقدير أن يكون ما أمر به مرادا، جاز أن يكون مرادا حالة الأمر دون حالة ~~النهي. # قولهم: المراد من نسخ الآية إزالتها عن اللوح المحفوظ ليس كذلك، فإنه قال ~~تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} والقرآن خير كله ~~من غير تفاوت فيه، فلو كان المراد من نسخ الآية إزالتها عن اللوح المحفوظ ~~وكتابة أخرى بدلها، لما تحقق هذا الوصف، وإنما يتحقق الخيرية بالنسبة إلينا ~~فيما يرجع إلى أحكام الآيات المرفوعة عنا والموضوعة علينا، من حيث إن البعض ~~قد يكون أخف من البعض فيما يرجع إلى تحمل المشقة، أو أن ثواب البعض أجزل من ms596 ~~ثواب البعض على اختلاف المذاهب، فوجب حمل النسخ على نسخ أحكام الآيات لا ~~على ما ذكروه. (1) وأما منع كون شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ناسخة ~~لشرع من تقدم فمخالف لإجماع السلف قاطبة. # والكلام في هذا المقام إنما هو مع منكر النسخ من الإسلاميين، وما يذكرونه ~~في تقدير ذلك فسيأتي الجواب عنه أيضا، وأما ما ذكروه على باقي صور النسخ ~~فهو أيضا خلاف إجماع السلف. # كيف وإن ما ذكروه من التخريج لا وجه له. # قولهم: إن التوجه إلى بيت المقدس لم يزل بالكلية. # قلنا: لا خلاف أنه كان يجب التوجه إليه حالة عدم الإشكال والعذر، وقد زال ~~ذلك بالكلية فكان نسخا. # قولهم: إن وجوب تقديم الصدقة إنما زال لزوال سببه. # قلنا: الأصل بقاء السبب، وما ذكروه من السبب يلزم منه أن كل من لم يتصدق ~~من الصحابة أن يكون منافقا، ولم يتصدق أحد منهم سوى علي - عليه السلام - ~~على ما نقله الرواة، وذلك ممتنع. PageV03P123 # قولهم: إن وجوب التربص لم يزل بالكلية. # قلنا: لا خلاف بين أهل الملة في أنه كان التربص حولا كاملا واجبا، سواء ~~كانت مدة الحمل سنة أو لم تكن، وذلك مما رفع بالكلية. # وما ذكروه من امتناع نسخ القرآن بقوله: {لا يأتيه الباطل} الآية، فليس ~~فيه ما يدل على امتناع النسخ إلا أن يكون النسخ إبطالا له، وليس كذلك. # وبيانه أن النسخ لا معنى له سوى قطع الحكم الذي دل عليه اللفظ مع كون ~~المخاطب مريدا لقطعه على ما سبق، وذلك لا يكون إبطالا له بل تحقيقا ~~لمقصوده. # وما ذكروه من قول موسى فمختلق لم تثبت صحته عن موسى - عليه السلام. # وقد قيل: إن أول من وضع ذلك لهم ابن الراوندي (1) ليعارض به دعوى الرسالة ~~من محمد - صلى الله عليه وسلم - لما ظهر من تسمحه في الدين. # ويدل على ذلك أن أحبارهم ككعب الأحبار وابن سلام ووهب بن منبه (2) وغيرهم ~~كانوا أعرف من غيرهم بما في التورية، وقد أسلموا ولم يذكروا شيئا من ذلك: ~~ولو كان ذلك ms597 صحيحا لكان من أقوى ما يتمسك به اليهود في زمن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في معارضته، ولم ينقل عنهم شيء من ذلك، ثم إنهم مختلفون ~~في نفس متن الحديث، فإن منهم من قال الحديث: " «إن أطعتموني لما أمرتكم به ~~ونهيتكم عنه ثبت ملككم كما ثبتت السماوات والأرض» " وليس في ذلك ما يدل على ~~إحالة النسخ. # وإن سلمنا صحة ما نقلوه، فيحتمل أنه أراد بالشريعة التوحيد، ويحتمل أنه ~~أراد بقوله: " مؤبدة " ما لم تنسخ بشريعة نبي آخر. PageV03P124 # ومع احتمال هذه التأويلات فلا يعارض قوله ما ظهر على يد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من المعجزات القاطعة الدالة على صدقه في دعواه ونسخ شريعة من ~~تقدم. # كيف وإن لفظ التأبيد قد ورد في التورية، ولم يرد به الدوام كقوله: " إن ~~العبد يستخدم ست سنين، ثم يعتق في السابعة، فإن أبى العتق فلتثقب أذنه ~~ويستخدم أبدا "، وكقوله في البقرة التي أمروا بذبحها: " هذه سنة لكم أبدا ~~"، وكقوله: " قربوا كل يوم خروفين قربانا دائما ". # وأما العيسوية، فيمتنع عليهم بعد التسليم بصحة رسالته وصدقه في دعواه بما ~~اقترن بها من المعجزة القاطعة تكذيبه فيما ورد به التواتر القاطع عنه بدعوى ~~البعثة إلى الأمم كافة ونزول القرآن بذلك، وهو قوله تعالى: {يا أيها الناس ~~إني رسول الله إليكم جميعا} ، وقوله تعالى {وما أرسلناك إلا كافة للناس} ، ~~وقال في وصف ما أنزل عليه: (هذا هدى للناس) ، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " «بعثت إلى الأحمر والأسود» "، وقوله: " «بعثت إلى الناس كافة» " ~~(1) ، وقوله: " «لو كان أخي موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي» ". # ويدل على ذلك ما اشتهر عنه، وتواتر من دعائه لطوائف الجبابرة والأكاسرة، ~~وتنفيذه إلى أقاصي البلاد، وطلب الدخول في ملته، والقتال لمن جاحده من ~~العرب، وغيرهم في نبوته، والله أعلم. PageV03P125 ### | [المسألة الثانية نسخ حكم الفعل قبل دخول الوقت] # المسألة الثانية # اتفق القائلون بجواز النسخ على جواز نسخ حكم الفعل بعد خروج وقته، ~~واختلفوا في جواز ذلك قبل دخول الوقت. # وذلك كما لو قال الشارع ms598 في رمضان حجوا في هذه السنة، ثم قال قبل يوم عرفة ~~لا تحجوا. # فذهبت الأشاعرة، وأكثر أصحاب الشافعي، وأكثر الفقهاء إلى جوازه، ومنع من ~~ذلك جماهير المعتزلة وأبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي، وبعض أصحاب الإمام ~~أحمد بن حنبل. # والمختار جوازه، وقد احتج الأصحاب بحجج ضعيفة. # الحجة الأولى: قوله تعالى {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} دل على أنه يمحو كل ~~ما يشاء محوه على كل وجه، فيدخل فيه محو العبادة قبل دخول وقتها، ولا دلالة ~~فيه، لأن الآية إنما تدل على محو كل ما يشاء محوه، وليس فيها ما يدل على ~~أنه يشاء محو العبادة قبل دخول وقتها، مع كون ذلك ممتنعا عند الخصم، وإن ~~بين إمكان مشيئة ذلك بغير الآية، ففيه ترك الاستدلال بالآية. # كيف وإنه قد أمكن حمل المحو على ما هو حقيقة فيه، وهو محو الكتابة مما ~~يكتبه الملكان من المباحات، وتبقية المعاصي والطاعات. # ومنهم من احتج بقصة إبراهيم - عليه السلام - وأمر الله له بذبح ولده ~~ونسخه عنه بذبح الفداء، ودليل أمره بذلك أنه قد روي أنه تعالى قال ~~لإبراهيم: (اذبح ولدك) وروي (واحدك) والقرآن دل عليه بقوله {يا بني إني أرى ~~في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر} وأنه نسخ ~~بذبح الفداء بقوله: {وفديناه بذبح عظيم} ، وهذا أيضا مما يضعف الاحتجاج به ~~جدا. # غير أنه قد وجه الخصوم على هذه الحجة اعتراضات واهية لا بد من ذكرها ~~والإشارة إلى الانفصال عنها تكثيرا للفائدة # PageV03P126 # ثم نذكر بعد ذلك وجه الضعيف في الآية المذكورة. (1) أما الأسئلة فأولها: ~~أنهم قالوا: إن ذلك إنما كان مناما لا أصل له، فلا يثبت به الأمر، ولهذا ~~قال إني أرى في المنام. # سلمنا أن منامه أصل يعتمد عليه، ولكن لا نسلم أنه كان قد أمر. # وقول ولده افعل ما تؤمر، ليس فيه دلالة على أنه كان قد أمر، ولهذا علقه ~~على المستقبل. # ومعناه افعل ما يتحقق من الأمر في المستقبل. # سلمنا أنه كان مأمورا. # لكن لا نسلم ms599 أنه كان مأمورا بالذبح حقيقة بل بالعزم على الذبح امتحانا له ~~بالصبر على العزم، وذلك بلاء عظيم، والفداء إنما كان عما يتوقعه من الأمر ~~بالذبح لا عن نفس وقوع الأمر بالذبح، أو بمقدمات الذبح من إخراجه إلى ~~الصحراء وأخذ المدية والحبل وتله للجبين، فاستشعر إبراهيم أنه مأمور بالذبح ~~ولذلك قال تعالى: {قد صدقت الرؤيا} سلمنا أنه كان مأمورا بالذبح حقيقة إلا ~~أنه قد وجد منه، فإنه قد روي أنه كان كلما قطع جزءا عاد ملتحما إلى آخر ~~الذبح، ولهذا قال الله تعالى: {قد صدقت الرؤيا} وإذا كان ما أمر به من ~~الذبح قد وقع، فالفداء لا يكون نسخا. # سلمنا أن الذبح حقيقة لم يوجد، لكن قد روي أن الله تعالى منعه من الذبح ~~بأن جعل على عنق ولده صفيحة من نحاس أو حديد مانعة من الذبح لا أن ذلك كان ~~بطريق النسخ. # والجواب عن الأول: أن منام الأنبياء فيما يتعلق بالأوامر والنواهي وحي ~~معمول به، وأكثر وحي الأنبياء كان بطريق المنام، وقد روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «أن وحيه كان ستة أشهر بالمنام» ، ولهذا قال - عليه ~~السلام -: " «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» " (2) ~~فكانت نسبة الستة أشهر من ثلاثة وعشرين سنة من نبوته، PageV03P127 # كذلك، ويدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «ما احتلم نبي قط» ~~(1) يعني ما تشكل له الشيطان في المنام على الوجه الذي يتشكل لأهل ~~الاحتلام. # كيف وإنه لو كان ذلك خيالا لا وحيا لما جاز لإبراهيم العزم على الذبح ~~المحرم بمنام لا أصل له، ولما سماه بلاء مبينا، ولما احتاج إلى الفداء. # وعن الثاني أن قوله {افعل ما تؤمر} وإن لم يكن ظاهرا في الماضي، لكنه قد ~~يرد ويراد به الماضي. # ولهذا فإنه لو قال القائل: " قد أمرني السلطان بكذا " فإنه يصح أن يقال ~~له: " افعل ما تؤمر " أي ما أمرت به، وأنت مأمور. # ويجب الحمل عليه ضرورة حمل الولد إلى الصحراء وأخذ آلات الذبح وترويع ~~الولد، فإن ذلك كله مما ms600 يحرم من غير أمر ولا إذن في ذلك. # وعن الثالث: أن حمل الأمر على العزم أو على مقدمات الذبح على خلاف قوله: ~~{إني أرى في المنام أني أذبحك} ثم لو كان مأمورا بالعزم على الذبح ومقدمات ~~الذبح لا غير، لما سماه بلاء مبينا، ولما احتاج إلى الفداء لكون المأمور به ~~مما وقع، ولما قال الذبيح: {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} فإن ذلك مما ~~لا ضرر عليه فيه، وقوله: {قد صدقت الرؤيا} معناه أنك عملت في المقدمات عمل ~~مصدق للرؤيا بقلبه. # لكن لقائل أن يقول: إذا كان قد أمر بإخراج الولد إلى الصحراء وأخذ المدية ~~والحبل وتله للجبين مع إبهام عاقبة الأمر عليه وعلى ولده، فإنه يظهر من ذلك ~~لهما أن عاقبة الأمر إنما هي الذبح، وذلك عين البلاء، وبه يتحقق قول ~~الذبيح: {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} وأما تسمية الكبش فداء فإنما كان ~~عن الأمر المتوقع لا عن الأمر الواقع غير أن هذا مما لا يستقيم على أصل أبي ~~الحسين البصري (2) لما فيه من توريط المكلف في الجهل، حيث أوجب عليه ما ~~يظهر منه الأمر بالذبح ولا أمر. PageV03P128 # وعن الرابع: أنه لو كان قد أتى بما أمر به من الذبح لما احتاج إلى الفداء ~~ولا اشتهر ذلك وظهر، لأنه من أكبر الآيات الباهرات، وحيث لم ينقله سوى بعض ~~الخصوم دل على ضعفه. # وعن الخامس: أن ذلك من المعتزلة لا يصح لأنهم لا يرون التكليف بما لا ~~يطاق. # وهذا تكليف بما لا يطاق، كيف وإنه لو كان كما ذكروه لنقل أيضا واشتهر ~~لكونه من المعجزات العظيمة. # هذا ما في هذه الأسئلة والأجوبة. # وأما وجه الضعف في الاحتجاج بقصة إبراهيم فمن جهة أن لقائل أن يقول: وإن ~~سلمنا أنه نسخ عنه الأمر بالذبح لكن لا نسلم أنه نسخ قبل التمكن من ~~الامتثال. # بل إنما كان ذلك بعد التمكن من الامتثال، والخلاف إنما هو فيما قبل ~~التمكن لا بعده. # ولا سبيل إلى بيان أنه نسخ قبل التمكن من الامتثال إلا بعد ms601 بيان أن مطلق ~~الأمر يقتضي الوجوب على الفور، أو أن وقت الأمر كان مضيقا لا يجوز التأخير ~~عنه للنبي - عليه السلام - وأن النبي - عليه السلام - لا يجوز عليه صغائر ~~المعاصي، والكل ممنوع على ما عرف. # الحجة الثانية: أن الله تعالى نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قبل فعلها. # وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - صالح قريشا يوم الحديبية على رد ~~من هاجر إليه، ثم نسخ ذلك قبل الرد بقوله تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ~~ترجعوهن إلى الكفار} . # وأيضا، فإن الإجماع من الخصوم واقع على أن الله تعالى لو أمرنا بالمواصلة ~~في الصوم سنة، جاز أن ينسخه عنا بعد شهر منها، وذلك نسخ للصوم فيما بقي من ~~السنة قبل حضور وقته. # وأيضا، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " «أحلت لي مكة ساعة من ~~نهار» " ومع ذلك منع من القتال فيها، وهو نسخ قبل وقت الفعل، وهذه الحجج ~~أيضا ضعيفة. # أما الأولى: فلأن لقائل أن يقول: لا نسلم أن نسخ تقديم الصدقة كان قبل ~~التمكن من الوقت، ويدل عليه أمران: # الأول: عتاب الله لهم بقوله: {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقة فإن ~~لم تفعلوا وتاب الله عليكم} الآية، ولو لم يكن وقت الفعل قد حضر لما حسن ~~ذلك. # PageV03P129 # الثاني: أن عليا - رضي الله عنه - ناجى بعد تقديم الصدقة (1) وذلك يدل ~~على حضور وقت الفعل. # وأما الثانية: فلأنه لا يمتنع أن يكون ذلك بعد مضي وقت تمكن المهاجرة فيه ~~إليه مع ردهن، ولا دليل على وقوع نسخ ذلك قبل دخول وقت الفعل فلا يكون حجة. # وأما الثالثة: فلأن النسخ ورد على بعض ما تناوله اللفظ، فكان بيانا أن ~~مراده من اللفظ إنما هو بعض السنة، ويكون النهي متناولا لغير ما تناوله ~~الأمر، وذلك غير ممتنع، وهذا بخلاف ما إذا نسخ قبل دخول شيء من الوقت، لأن ~~النهي يكون متناولا لغير ما تناوله الأمر، ولا يلزم من جواز ذلك ثم جوازه ~~هاهنا. # وأما الرابعة: فلأن إباحة ms602 القتال في تلك الساعة لا يقتضي وقوع القتال ولا ~~بد، وعلى هذا فلا يمتنع أن يكون النهي عن القتال بعد مضي تلك الساعة، ولا ~~دليل يدل على وقوع النسخ قبل دخول الوقت. # كيف وأنه لا دلالة في قوله: " «أحلت لي مكة ساعة» " على إباحة القتال بل ~~لعله أراد بذلك إباحة قتل أناس معينين كابن خطل وغيره، فالنهي عن القتال لا ~~يكون نسخا لإباحة القتال. # والأقرب في ذلك حجتان: # الحجة الأولى: التمسك بقصة الإسراء، وهو ما صح بالرواية أن الله تعالى ~~فرض ليلة الإسراء على نبيه وعلى أمته خمسين صلاة، فأشار عليه موسى بالرجوع، ~~وقال له: " «أمتك ضعفاء لا يطيقون ذلك فاستنقص الله ينقصك» " وأنه قبل ما ~~أشار عليه، وسأل الله في ذلك فنسخ الخمسين إلى أن بقي خمس صلوات، وذلك نسخ ~~لحكم الفعل قبل دخول وقته. # الحجة الثانية: أنه يجوز أن يأمر الله تعالى زيدا بفعل في الغد، ويمنعه ~~منه بمانع عائق له عنه قبل الغد، فيكون مأمورا بالفعل في الغد بشرط انتفاء ~~المانع. # وإذا جاز الأمر بشرط انتفاء الناسخ مع تعقيبه بالنسخ إذ الفعل لا يفرق ~~بين الحالتين، وهو إلزام ملزم. PageV03P130 # فإن قيل: أما قصة الإسراء فهي خبر واحد فلا يمكن إثبات مثل هذه المسألة ~~به، وإن كان حجة إلا أنه يقتضي نسخ حكم الفعل قبل التمكن، وقبل تمكن المكلف ~~من العلم به لنسخه قبل الإنزال، وذلك مما لا يحصل معه الثواب بالعزم على ~~الأدواء والاعتقاد لوجوبه ولم يقولوا به. # وأما الحجة الثانية: فلا نسلم أنه يجوز أن يأمر زيدا في الغد، ويمنعه منه ~~قبل الغد لأنه لا يخلو. # إما أن يأمره مطلقا ويريد منه الفعل أو بشرط زوال المنع. # فإن كان الأول: فمنعه منه بعد ذلك يكون تكليفا بما لا يطاق، وهو محال. # وإن كان الثاني فالأمر بالشرط مما لا يجوز وقوعه من العالم بعواقب الأمور ~~على ما سبق تقريره في الأوامر، وهذا بخلاف ما إذا أمر جماعة بفعل في الغد، ~~فإنه يجوز أن يمنع بعضهم من الفعل، ms603 لأن ذلك يدل على أنه لم يرد بخطابه من ~~علم منعه وإذا لم يجز في المنع، فكذلك في النسخ. # ثم ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه من وجوه: # الأول: أنه إذا نهى المكلف عن الفعل الذي أمر به قبل دخول وقته، فالأمر ~~والنهي قد تواردا على شيء واحد من جهة واحدة في وقت واحد، وهو محال. # وذلك لأن الفعل في نفسه في ذلك الوقت، إما أن يكون حسنا أو قبيحا. # وعند ذلك، فلا يخلو الباري تعالى عند الأمر بالفعل، إما أن يكون عالما ~~بما هو عليه الفعل من الحسن والقبح، وكذلك في حالة النهي أو لا يكون عالما ~~به أصلا أو هو عالم به في حالة النهي دون حالة الأمر أو في حالة الأمر دون ~~حالة النهي: # فإن كان الأول: فإن كان الفعل حسنا فقد نهى عن الحسن مع علمه به، وإن كان ~~قبيحا فقد أمر بالقبيح مع علمه به، وهو قبيح، وإن كان الثاني فهو محال لما ~~يلزمه من الجهل في حق الله تعالى، وكذلك إن كان الثالث أو الرابع. # كيف وإنه إذا ظهر له في حالة النهي ما لم يكن قد ظهر له في حالة الأمر ~~فهو عين البداء، والبداء على الله محال. # PageV03P131 # الوجه الثاني: أنه إذا أمر بالفعل في وقت معين، ثم نهى عنه فقد بان أنه ~~لم يرد إيقاعه، ويكون قد أمر بما لم يرده، ولو جاز ذلك لما بقي لنا وثوق ~~بقول من أقوال الشارع لجواز أن يكون المراد بذلك القول ضد ما هو دال على ~~إرادته وذلك محال. # الثالث: أن ذلك مما يفضي إلى أن يكون الفعل الواحد مأمورا منهيا، والأمر ~~والنهي عندكم كلام الله وكلامه صفة واحدة، فيكون الكلام الواحد أمرا نهيا ~~بشيء واحد في وقت واحد، وذلك محال. # والجواب قولهم في قصة الإسراء إنها خبر واحد. # قلنا: والمسألة عندنا من مسائل الاجتهاد، ولذلك لا يكفر المخالف فيها ولا ~~يبدع. # قولهم: إنه نسخ عن المكلفين قبل علمهم به. # قلنا: فقد نسخ ms604 عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد علمه، وإن سلمنا أنه ~~نسخ عن المكلفين قبل علمهم به، ولكن لم قالوا بامتناعه. # قولهم: إنه لا يتعلق به فائدة الثواب باعتقاد الوجوب والعزم على الفعل، ~~فهو مبني على رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، وهو ممنوع على ما عرف من ~~أصلنا. # قولهم على الحجة الثانية: إنا لا نسلم الأمر مع المنع. # قلنا: قد سبق تقريره في الأوامر. # قولهم إن أراد منه الفعل فهو تكليف بما لا يطاق. # قلنا: وإن كان كذلك، فهو جائز عندنا على ما تقرر قبل. # قولهم: وإن لم يكن مريدا له، فهو أمر بشرط عدم المنع من العالم بعواقب ~~الأمور، وذلك محال لما سبق. # قلنا: وقد سبق أيضا في الأوامر جواز ذلك، وإبطال كل ما تخيلوه مانعا. # قولهم في المعارضة الأولى: إنه يلزم من ذلك أن يكون الرب تعالى آمرا ~~وناهيا عن فعل واحد في وقت واحد، وهو محال لا نسلم إحالته. # قولهم: إما أن يكون حسنا أو قبيحا، فهو مبني على الحسن والقبح العقلي، ~~وهو باطل لما سبق. # فلئن قالوا: وإن لم يكن حسنا ولا قبيحا، فلا يخلو: إما أن يكون مشتملا ~~على مصلحة أو مفسدة. # فإن كان الأول: فقد نهى عما فيه مصلحة، وإن كان الثاني فقد أمر بما فيه ~~مفسدة. # PageV03P132 # قلنا: وهذا أيضا مبني على رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، وهو باطل ~~لما عرف من أصلنا، بل جاز أن يكون الأمر والنهي لا لمصلحة ولا لمفسدة. # وإن سلم عدم خلوه عن المصلحة والمفسدة، ولكن لا نسلم أنه يلزم من ذلك ~~الأمر بالمفسدة والنهي عن المصلحة، بل جاز أن يقال: إنه مشتمل على المصلحة ~~حالة الأمر، ومشتمل على المفسدة حالة النهي، ولا مفسدة حالة الأمر، ولا ~~مصلحة حالة النهي على ما تقرر قبل. # ولا يلزم من ذلك الجهل في حق الله تعالى، ولا البداء لعلمه حالة الأمر ~~بما الفعل مشتمل عليه من المصلحة، وأنه سينسخه في ثاني الحال لما يلازمه من ~~المفسدة المقتضية للنسخ حالة النسخ ms605 كما علم. # قولهم في المعارضة الثانية: إذا أمر بالفعل، ثم نهى عنه فتبين أنه أمر ~~بما لم يرد مسلم. # وعندنا ليس من شرط الأمر إرادة المأمور به كما سبق تعريفه. # قولهم: يلزم من ذلك عدم الوثوق بجميع أقوال الشارع إن أرادوا بذلك أنه ~~إذا خاطب بما يحتمل التأويل، أنا لا نقطع بإرادته لما هو الظاهر من كلامه، ~~فمسلم ولكن لا نسلم امتناع ذلك، وهذا هو أول المسألة، وإن أرادوا به أنه لا ~~يمكن الاعتماد على ظاهره مع احتمال إرادة غيره من الاحتمالات البعيدة، فغير ~~مسلم، وإن أرادوا غير ذلك فلا نسلم تصوره. # قولهم: في المعارضة الثالثة إنه يلزم منه أن يكون الفعل الواحد في وقت ~~واحد مأمورا منهيا. # قلنا: مأمور منهي معا، أو لا معا؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم. # قولهم إن كلام الله عندكم صفة واحدة لا نسلم ذلك، إن سلكنا مذهب عبد الله ~~بن سعد من أصحابنا، وإن سلكنا مذهب الشيخ أبي الحسن فلم قالوا بالإحالة. # قولهم يلزم منه أن تكون الصفة الواحدة أمرا نهيا. # قلنا: إنما تسمى الصفة الواحدة بهذه الأسماء بسبب اختلاف تعلقاتها ~~ومتعلقاتها، فإن تعلقت بالفعل سميت أمرا، وإن تعلقت بالترك سميت نهيا، وذلك ~~إنما يمتنع أن لو اتحد زمان التعلق بالفعل والترك. # وأما إذا كان زمان التعلق مختلفا فلا، والمأمور والمنهي وإن كان زمانه ~~متحدا لكن تعلق الأمر به غير زمان تعلق النهي به، ومع التغاير فلا امتناع. # PageV03P133 ### | [المسألة الثالثة نسخ حكم الخطاب إذا كان بلفظ التأبيد] # المسألة الثالثة # اتفق الجمهور على جواز نسخ حكم الخطاب إذا كان بلفظ التأبيد كقوله: " ~~صوموا أبدا " خلافا لشذوذ من الأصوليين. # ودليل جوازه أن الخطاب إذا كان بلفظ التأبيد غايته أن يكون دالا على ثبوت ~~الحكم في جميع الأزمان بعمومه، ولا يمتنع مع ذلك أن يكون المخاطب مريدا ~~لثبوت الحكم في بعض الأزمان دون البعض، كما في الألفاظ العامة لجميع ~~الأشخاص. # وإذا لم يكن ذلك ممتنعا فلا يمتنع ورود الناسخ المعرف لإرادة المخاطب ~~لذلك. # ولو فرضنا ذلك لما لزم ms606 عنه المحال وكان جائزا. # فإن قيل: لفظ التأبيد جار مجرى التنصيص على كل وقت من أوقات الزمان ~~بخصوصه، والتنصيص على وجوب الفعل في الوقت المعين بخصوص لا يجوز نسخه فكذلك ~~هذا. # وأيضا، لو أمرنا بالعبادة بلفظ يقتضي الاستمرار، جاز النسخ، فلو جاز ذلك ~~مع التقييد بلفظ التأبيد لم يكن للتقييد معنى. # وأيضا، فإنه لو جاز نسخ ما ورد بلفظ التأبيد لما بقي لنا طريق إلى العلم ~~بدوام العبادة في زمان إرادة التكليف. # وأيضا، فإن المخاطب إذا أخبر بلفظ التأبيد لم يجز نسخه، فكذلك في غير ~~الخبر. # والجواب عن الأول: لا نسلم أن لفظ التأبيد ينزل منزلة التنصيص على كل وقت ~~بعينه، بل هو في العرف قد يطلق للمبالغة، كما في قول القائل: لازم فلانا ~~أبدا، وفلان أبدا يكرم الضيف، وأدام الله ملك الأمير أبدا. # وإن سلمنا أنه ينزل منزلة التنصيص على الأوقات المعينة، فعندنا لا يمتنع ~~نسخ حكم الخطاب، إذا كان مقيدا بوقت معين، كما إذا قال: " صل وقت زوال ~~الشمس ركعتين " فإنه يجوز نسخه بعد دخول الوقت وقبله على ما عرف من أصلنا. # وعن الثاني أن فائدة التأبيد تأكيد الاستمرار، فإذا ورد النسخ، كانت ~~فائدته تأكيد المبالغة في الاستمرار لا نفس الاستمرار. # ثم يلزمهم على ما ذكروه # PageV03P134 # ما إذا أتى بلفظ عام، كما لو قال: " كل من دخل داري فأكرمه " فإنه يجوز ~~تخصيصه مع تأكيده بكل وجميع، فما هو جوابهم في التخصيص فهو جواب لنا في ~~النسخ. # عن الثالث: أن ما ذكروه إنما يصح أن لو كان لفظ التأبيد يفيد العلم، ولا ~~طريق يفيد سواه، والأمران ممنوعان: # أما الأول: فلما سبق، وأما الثاني فلجواز أن يخلق الله تعالى العلم ~~الضروري بذلك، أو بما يقترن باللفظ من القرائن المفيدة لليقين، كما في ~~القرائن المقترنة بخبر التواتر، ثم ما ذكروه لازم عليهم في تخصيص العام ~~المؤكد، فإنه جائز مع توجه ما ذكروه في النسخ بعينه عليه. # والجواب أن ذلك يكون متحدا. # وعن الرابع: بمنع ذلك في الخبر أيضا. ### | [المسألة الرابعة نسخ ms607 حكم الخطاب لا إلى بدل] # المسألة الرابعة # مذهب الجميع جواز نسخ حكم الخطاب لا إلى بدل خلافا لبعض الشذوذ، ودليله ~~أمران: # الأول: ما يدل على الجواز العقلي، وهو أنا لو فرضنا وقوع ذلك لم يلزم عنه ~~لذاته محال في العقل، ولا معنى للجائز عقلا سوى هذا، ولأنه لا يخلو إما أن ~~لا يقال برعاية الحكمة في أفعال الله تعالى (1) أو يقال بذلك: # فإن كان الأول: فرفع حكم الخطاب بعد ثبوته لا يكون ممتنعا، لأن الله ~~تعالى له أن يفعل ما يشاء. # وإن كان الثاني فلا يمتنع في العقل أن تكون المصلحة في نسخ الحكم دون ~~بدله. # الثاني: ما يدل على الجواز الشرعي، وهو أن ذلك مما وقع في الشرع كنسخ ~~تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي - صلى الله عليه وسلم - (2) ونسخ ~~الاعتداد بحول كامل في حق المتوفى عنها زوجها، ونسخ وجوب ثبات الرجل لعشرة، ~~ونسخ وجوب الإمساك بعد PageV03P135 # الفطر في الليل (1) ونسخ تحريم ادخار لحوم الأضاحي (2) وكل ذلك بدل من ~~غير بدل إلى غير ذلك من الأحكام التي نسخت لا إلى بدل. # والوقوع في الشرع أدل الدلائل على الجواز الشرعي. # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه، وهو قوله تعالى: {ما ننسخ ~~من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} أخبر أنه لا ينسخ إلا ببدل، ~~والخلف في خبر الصادق محال. # قلنا: ما ذكروه إنما هو دليل لزوم البدل في نسخ لفظ الآية، وليس فيه ~~دلالة على نسخ حكمها، وذلك هو موضع الخلاف. # سلمنا دلالة ما ذكروه على نسخ الحكم، لكن لا نسلم العموم في كل حكم وإن ~~سلمنا، ولكنه مخصص بما ذكرناه من الصور. # سلمنا أنه غير مخصص، لكن ما المانع أن يكون رفع الحكم بدل إثباته، وهو ~~خير منه في الوقت الذي نسخ فيه، لكون المصلحة في الرفع دون الإثبات، وإن ~~سلم امتناع وقوع ذلك شرعا، لكنه لا يدل على عدم الجواز العقلي. PageV03P136 ### | [المسألة الخامسة نسخ حكم الخطاب إلى بدل أخف منه] # المسألة الخامسة # وكما ms608 يجوز نسخ حكم الخطاب من غير بدل كما بيناه، يجوز نسخه إلى بدل أخف ~~منه كنسخ تحريم الأكل بعد النوم في ليل رمضان إلى حله، وإلى بدل مماثل، ~~كنسخ وجوب التوجه إلى القدس بالتوجه إلى الكعبة، وهذان مما لا خلاف فيهما ~~عند القائلين بالنسخ. # وإنما الخلاف في نسخ الحكم إلى بدل أثقل منه. # ومذهب أكثر أصحابنا وجمهور المتكلمين والفقهاء جوازه، خلافا لبعض أصحاب ~~الشافعي وبعض أهل الظاهر، ومنهم من أجازه عقلا، ومنع منه سمعا. # ودليل جوازه عقلا ما سبق في المسألة المتقدمة، ودليل الجواز الشرعي وقوع ~~ذلك في الشرع. # فمن ذلك أن الله تعالى أوجب صيام رمضان في ابتداء الإسلام مخيرا بينه ~~وبين الفداء بالمال، ونسخه بتحتم الصوم، وهو أثقل من الأول. (1) ومن ذلك أن ~~الله تعالى أوجب في ابتداء الإسلام الحبس في البيوت والتعنيف حدا على ~~الزنا، ونسخه بالضرب بالسياط والتغريب عن الوطن في حق البكر وبالرجم ~~بالحجارة في حق الثيب، (2) ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان. (3) وكل ذلك أثقل ~~من الأول. PageV03P137 # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه من جهة العقل ~~والسمع. # أما من جهة العقل: فهو أن النسخ إما أن يكون لا لمصلحة أو لمصلحة، فإن ~~كان الأول: فهو عبث وقبيح، فلا يكون جائزا على الشارع، وإن كان لمصلحة: ~~فإما أن تكون أدنى من مصلحة المنسوخ، أو مساوية لها، أو راجحة عليها، فإن ~~كان الأول: فهو أيضا ممتنع لما فيه من إهمال أرجح المصلحتين واعتبار ~~أدناهما، وإن كان الثاني فليس الناسخ أولى من المنسوخ، فلم يبق غير الثالث. # وإذا كان النسخ إنما يكون للأصلح والأنفع والأقرب إلى حصول الطاعة، وذلك ~~(1) إنما يكون بنقل المكلفين من الأشد إلى الأخف، ومن الأصعب إلى الأسهل ~~لكونه أقرب إلى حصول الطاعة، وأسهل في الانقياد، وإذا كان بالعكس كان ~~إضرارا بالمكلفين، لأنهم إن فعلوا التزموا المشقة الزائدة، وإن تركوا ~~استضروا بالعقوبة والمؤاخذة، وذلك غير لائق بحكمة الشارع. # وأما من جهة السمع فنصوص: # أولها: قوله تعالى: {يريد الله أن يخفف عنكم ms609 وخلق الإنسان ضعيفا} ولا ~~تخفيف في نسخ الأخف إلى الأثقل. # وثانيها: قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وفي نسخ ~~الأخف إلى الأثقل إرادة العسر، وفيه تكذيب خبر الصادق. # وثالثها: قوله تعالى: {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} والإصر ~~هو الثقل، أخبر أنه يضع عنهم الثقل الذي حمله للأمم قبلهم، فلو نسخ ذلك بما ~~هو أثقل منه كان تكذيبا لخبره تعالى، وهو محال. # ورابعها: قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} ~~PageV03P138 # وليس المراد منه أنه يأتي بخير من الآية في نفسها إذ القرآن كله خير لا ~~تفاضل فيه، وإنما المراد به ما هو خير بالنسبة إلينا، وذلك هو الأخف ~~والأسهل في الأحكام. (1) والجواب عن المعقول أن ما ذكروه لازم عليهم في ~~ابتداء التكليف، ونقل الخلق من الإباحة والإطلاق إلى مشقة التكليف، وكذلك ~~في نقلهم من الصحة إلى السقم، ومن الشبيبة إلى الهرم، ومن الجدة إلى العدم، ~~وإعدام القوي والحواس بعد وجودها، فإن ما نقلهم إليه أشق عليهم مما نقلهم ~~عنه. # وكل ما ذكروه فهو بعينه لازم هاهنا، وما هو الجواب في صورة الإلزام فهو ~~جوابنا في محل النزاع. # وعن الآية الأولى: أنه لا عموم فيها حتى يلزم من ذلك إرادة التخفيف في كل ~~شيء. # وبتقدير العموم فليس فيه ما يدل على إرادة التخفيف على الفور بل جاز أن ~~يكون المراد من ذلك التخفيف في المآل برفع أثقال الآخرة والعقاب على ~~المعاصي بما يحصل لنا من الثواب الجزيل على الأعمال الشاقة علينا في الدنيا ~~وعلى طباعنا تسمية للشيء بعاقبته. (2) ومنه قوله تعالى: {فما أصبرهم على ~~النار} ، وقوله تعالى: {إنما يأكلون في} ، ومنه يقال: ( «لدوا للموت وابنوا ~~للخراب» ) (3) وبتقدير إرادة الفور فلا يمتنع التخصيص كما خص بأثقال ~~تكاليفه المبتدأة وابتلائه في الأبدان والأموال، كما سبق تقريره. # وما ذكرناه من الأدلة الدالة على وقوع ذلك صالح لتخصيص هذه الآية. # وعن الآية الثانية: أنه يجب حملها على ما فيه اليسر والعسر بالنظر إلى ~~المآل ms610 حتى لا يلزم منه كثرة التخصيص بابتداء التكاليف، وما وقع به الابتلاء ~~في الدنيا في الأبدان والأموال. PageV03P139 # ولا يخفى أن التكليف بما هو أشق في الدنيا إذا كان ثوابه المآل أكثر ~~وأدفع للعقاب المجتلب بالمعاصي أنه يسر لا عسر. # وإن سلمنا أن المراد به إرادة اليسر وعدم إرادة العسر العاجل، لكنه يجب ~~تخصيصه بما ذكرناه جمعا بين الأدلة. # وعن الآية الثالثة: أنه لا يلزم من وضع الإصر والثقل الذي كان على من ~~قبلنا عنا، امتناع ورود نسخ الأخف بالأثقل في شرعنا. # وعن الآية الرابعة: أنه لو كان ذلك عائدا إلى نسخ التلاوة فلا حجة فيه، ~~إذ النزاع إنما هو في نسخ الحكم الأخف بالأثقل، وإن كان عائدا إلى نسخ حكم ~~الآية فالخير في الأمور الدينية يرجع إلى ما هو أكثر في الثواب. # ومنه يقال: الفرض خير من النفل، بمعنى أنه أكثر في الثواب، وإن كان أشق ~~من النفل على النفس، وفي الأمور الدنيوية يرجع إلى ما هو خير في العاجل ~~وأصلح، ولا يختص ذلك بالأسهل، ولهذا يحسن أن يقول الطبيب للمريض: " الجوع ~~والعطش أصلح لك وخير من الشبع والري ". # وعلى هذا فلا يمتنع أن يكون التكليف بالأشق أكثر ثوابا وأصلح في المآل، ~~على ما قال تعالى: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل ~~الله} إلى قوله: {إلا كتب لهم به عمل صالح} ، وقال تعالى: {فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره - ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} ، وقال تعالى: {جزاء بما كانوا ~~يعملون} ، وقال - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها -: " «ثوابك ~~على قدر نصبك» " (1) فكان التكليف بالأشق خيرا من الأخف. PageV03P140 ### | [المسألة السادسة نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس ونسخهما معا] # المسألة السادسة # اتفق العلماء على جواز نسخ التلاوة دون الحكم، وبالعكس، ونسخهما معا ~~خلافا لطائفة شاذة من المعتزلة، ويدل على ذلك العقل والنقل. # أما العقل: فهو أن جواز تلاوة الآية حكم، ولهذا يثاب عليها بالإجماع. # وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: " «من قرأ القرآن فأعربه، فله ms611 بكل حرف ~~منه عشر حسنات» " (1) وما يترتب عليها من الوجوب والتحريم وغير ذلك حكم، ~~وإذا كانا حكمين جاز أن يكون إثباتهما مصلحة في وقت، ومفسدة في وقت وأن لا ~~يكون إثبات أحدهما مصلحة مطلقا، وإثبات أحدهما مصلحة في وقت دون وقت، وإذا ~~كان كذلك جاز رفعهما معا، ورفع أحدهما دون الآخر كما سبق تقريره. # وأما النقل، إما نسخ التلاوة والحكم فيدل عليه ما روت عائشة أنها قالت: " ~~«كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات، فنسخت بخمس» (2) وليس في المصحف عشر ~~رضعات محرمات، ولا حكمها، فهما منسوخان. # وأما نسخ الحكم دون التلاوة، فكنسخ حكم آية الاعتداد بالحول (3) ونسخ حكم ~~آية الوصية للوالدين. PageV03P141 # وأما نسخ التلاوة دون الحكم: فما روي «عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~أنه قال كان فيما أنزل: " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من ~~الله ورسوله» " فإنه منسوخ التلاوة دون الحكم. # وهل يجوز بعد نسخ تلاوة الآية أن يمسها المحدث ويتلوها الجنب. # فذلك مما تردد الأصوليون فيه، والأشبه المنع من ذلك. # فإن قيل: الحكم مع التلاوة ينزل منزلة العلم مع العالمية، والحركة مع ~~المتحركية، والمنطوق مع المفهوم، وكما لا يمكن الانفكاك بين العلم ~~والعالمية والمنطوق مع المفهوم، فكذلك التلاوة مع حكمها. # وأما ما يخص نسخ الحكم دون التلاوة، فهو أن الحكم إذا نسخ وبقيت التلاوة ~~كانت موهمة بقاء الحكم، وذلك مما يعرض المكلف إلى اعتقاد الجهل، والحكيم ~~يقبح منه ذلك. # وأيضا إذا بقيت التلاوة دون حكمها، تبقى عرية عن الفائدة، ويمتنع خلو ~~القرآن عن الفائدة. # وأما ما يخص نسخ التلاوة دون الحكم، فوجهان: # الأول: أن الآية ذريعة إلى معرفة الحكم، فإذا نسخت الآية دون الحكم أشعر ~~ذلك بارتفاع الحكم، وفيه تعريض المكلف لاعتقاد الجهل، وهو قبيح من الشارع. # الثاني: أن نسخ التلاوة دون حكمها يكون عريا عن الفائدة، حيث إنه لم يلزم ~~من ذلك إثبات حكم ولا رفعه، وما عري من التصرفات كان عبثا، والعبث على الله ~~محال. # والجواب عن الأول: لا نسلم أولا أن العالمية مغايرة ms612 لقيام العلم بالذات ~~ولا المتحركية مغايرة لقيام الحركة بالذات، ولا الملازمة بين المنطوق ~~والمفهوم ليصح التمثيل. # وإن سلمنا جميع ذلك، ولكن لا نسلم أن التلاوة مع الحكم نازلة منزلة ما ~~ذكروه بل هي نازلة منزلة الأمارة والعلامة على الحكم في ابتداء ثبوته دون ~~حالة دوامه. # PageV03P142 # وعلى هذا فلا يلزم من انتفاء الأمارة في طرف الدوام انتفاء ما دلت عليه. # وكذلك لا يلزم من انتفاء الحكم لدليل انتفاء الأمارة الدالة عليه. # وعن قولهم: إن التلاوة إذا ثبتت بعد نسخ الحكم عرضت المكلف لاعتقاد الجهل ~~متى إذا نصب الله تعالى دليلا على نسخ الحكم، أو إذا لم ينصب؟ الأول ممنوع، ~~والثاني مسلم. # وذلك لأن الناظر إذا كان مجتهدا عرف دليل النسخ، وإن كان مقلدا فغرضه ~~تقليد المجتهد العارف بدليل النسخ. # ثم وإن كان كما ذكروه فلا نسلم أن ذلك ممتنع في حق الله تعالى إلا على ~~فاسد أصل من يقول بالتحسين والتقبيح العقلي وقد أبطلناه. (1) وعن قولهم: ~~إنه ليس في بقاء التلاوة فائدة بعد نسخ الحكم أن ذلك مبني على رعاية الحكمة ~~في أفعال الله تعالى، وهو غير مسلم. (2) . وإن سلمنا ذلك، فلا يمتنع أن ~~يكون الباري تعالى قد علم في ذلك حكمة استأثر بها، ونحن لا نشعر بذلك. # وعن قولهم: إن الآية إذا نسخت عرضت المكلف لاعتقاد الجهل، إنما يلزم ذلك ~~أن لو كان يلزم من انتفاء الدلالة على الحكم في الدوام انتفاء الحكم، وهو ~~غير مسلم، ولا يلزم من الدليل الدال على نسخ التلاوة أن يكون دالا على نسخ ~~الحكم. # وعن قولهم: إنه لا فائدة في نسخ التلاوة مع بقاء الحكم ما سبق في قولهم ~~إن بقاء التلاوة غير مفيد مع نسخ الحكم. PageV03P143 ### | [المسألة السابعة ما يتعلق بنسخ الأخبار] # المسألة السابعة # فيما يتعلق بنسخ الأخبار # والنسخ: إما أن يكون لنسخ الخبر أو لمدلوله وثمرته: # فإن كان الأول: فإما أن تنسخ تلاوته أو تكليفنا به بأن نكون قد كلفنا أن ~~نخبر بشيء فينسخ عنا التكليف بذلك الإخبار، وكل واحد من الأمرين ms613 جائز من ~~غير خلاف بين القائلين بجواز النسخ، وسواء كان ما نسخت تلاوته ماضيا أو ~~مستقبلا، وسواء كان ما نسخ تكليف الإخبار به مما لا يتغير مدلوله، كالإخبار ~~بوجود الله تعالى وحدوث العالم. # أو يتغير كالإخبار بكفر زيد وإيمانه، لأن كل ذلك حكم من الأحكام الشرعية ~~فجاز أن يكون مصلحة في وقت، ومفسدة في وقت آخر. # لكن هل يجوز أن ينسخ تكلفنا بالإخبار عما لا يتغير، بتكليفنا بالإخبار ~~بنقيضه. # قالت المعتزلة: لا يجوز لأنه كذب، والتكليف بالكذب قبيح، وهو غير متصور ~~من الشارع، وهو مبني على أصولهم في التحسين والتقبيح العقلي ووجوب رعاية ~~المصلحة في أفعال الله تعالى، وقد أبطلناه. # وعلى هذا، فلا مانع من نسخ التكليف بالخبر بنقيض الخبر. # وأما إن كان النسخ لمدلول الخبر وفائدته، فذلك المدلول إما أن يكون مما ~~لا يتغير كمدلول الخبر بوجود الإله سبحانه وحدوث العالم، أو مما يتغير: # فإن كان الأول فنسخه محال بالإجماع. # وأما إن كان مدلوله مما يتغير، وسواء كان ماضيا كالإخبار بما وجد من ~~إيمان زيد وكفره، أو مستقبلا وسواء كان وعدا أو وعيدا، أو حكما شرعيا فقد ~~اختلف في رفعه ونسخه. # فذهب القاضي أبو بكر والجبائي وأبو هاشم وجماعة من المتكلمين والفقهاء ~~إلى امتناع رفعه. # وذهب أبو عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري إلى ~~جوازه، ومنهم من فصل بين الخبر الماضي والمستقبل فمنعه في الماضي وجوزه في ~~المستقبل. # PageV03P144 # والمختار جوازه ماضيا كان أو مستقبلا، وذلك لأنه إذا ما دل عليه كان ~~الإخبار متكررا والخبر عام فيه، فأمكن أن يكون الناسخ مبينا لإخراج بعض ما ~~تناوله اللفظ، وأن المراد بعض ذلك المذكور، كما في الأوامر والنواهي. # فإن قيل: الفرق بين الخبر وبين الأمر والنهي أن نسخ الخبر يؤذن بكونه ~~كذبا، ولهذا فإنه لو قال: " أهلك الله زيدا " ثم قال: " ما أهلك الله زيدا ~~" كان كذبا بخلاف الأمر والنهي، وإن سلمنا إمكان نسخ مدلول الخبر، لكن إذا ~~كان مدلوله حكما شرعيا تكليفا، أما إذا لم يكن كذلك فلا؛ ms614 وذلك لأنه إذا كان ~~حكمه تكليفا كان الخبر في معنى الأمر والنهي. والأمر يجوز نسخ حكمه كما لو ~~قال: " أمرتكم ونهيتكم وأوجبت عليكم " بخلاف ما إذا لم يكن كذلك. # والجواب عن الأول: أن ذلك إنما يفضي إلى الكذب إن لو لم يمكن حمل الناسخ ~~على غير ما أريد من الخبر، وليس الأمر كذلك على ما حققناه، وأما إذا قال: ~~(أهلك الله زيدا) فإهلاكه إنما لم يدخله النسخ ; لأنه لا يتكرر حتى يمكن ~~رفع بعضه وتبقية البعض، بل إنما يقع دفعة واحدة، فلو أخبر عن عدمه مع ~~اتحاده كان كذبا لاتحاد المثبت والمنفي. # وعن الثاني: أنهم إن أرادوا بقولهم إن الخبر بالحكم الشرعي في معنى ~~الأمر، أن صيغته كصيغته فهو خلاف الحسن (1) وإن أرادوا به أنه يفيد إيجاب ~~الفعل كما في الأمر، فمسلم ولكن لا يلزم أن يكون هو هو، فإنه لا يلزم من ~~اشتراك شيئين مختلفين في لازم واحد عام لهما - اتحادهما. # وغايته تسليم نسخ مدلول بعض الأخبار، وليس فيه ما يدل على امتناع نسخ ~~غيره مع ما قد بينا. PageV03P145 ### | [المسألة الثامنة نسخ المتواتر من السنة بالآحاد] # المسألة الثامنة # اتفق القائلون بالنسخ على جواز نسخ القرآن بالقرآن ; لتساويه في العلم به ~~ووجوب العمل، وذلك كما بيناه من نسخ الاعتداد بالحول بأربعة أشهر وعشر، ~~ونسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول بقوله: {أأشفقتم} الآية. # ونسخ وجوب ثبوت الواحد للعشرة بقوله تعالى: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن ~~فيكم ضعفا} واتفقوا أيضا على جواز نسخ السنة المتواترة بالمتواترة منها، ~~ونسخ الآحاد منها بالمتواتر، ونسخ الآحاد بالآحاد كما روي أنه صلى الله ~~عليه وسلم حرم زيارة القبور بنهيه عنها ثم نسخ ذلك بقوله: " «كنت نهيتكم عن ~~زيارة القبور، ألا فزوروها» " (1) وكما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~في شارب الخمر: " «فإن شربها الرابعة فاقتلوه» " (2) فنسخ ذلك بما روي عنه ~~أنه حمل إليه من شربها الرابعة فلم يقتله. # وأما نسخ المتواتر منها بالآحاد، فقد اتفقوا على جوازه عقلا واختلفوا في ~~وقوعه سمعا، ms615 فأثبته داود وأهل الظاهر ونفاه الباقون. # وقد احتج النافون لذلك بالإجماع والمعنى. PageV03P146 # أما الإجماع، فما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: " لا ندع ~~كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت " (1) وأيضا ما روي ~~عن علي رضي الله عنه أنه قال: " لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول أعرابي ~~بوال على عقبيه ". (2) ووجه الاحتجاج به أنهما لم يعملا بخبر الواحد ولم ~~يحكما به على القرآن، وما ثبت من السنة تواترا، وكان ذلك مشتهرا فيما بين ~~الصحابة ولم ينكر عليهما منكر، فكان ذلك إجماعا. # وأما المعنى فهو أن الآحاد ضعيف والمتواتر أقوى منه، فلا يقع الأضعف في ~~مقابلة الأقوى. (3) ولقائل أن يقول: عدم قبول خبر الواحد فيما ذكر لا يمنع ~~من قبول خبر الواحد مطلقا، وذلك لأنه لا مانع أن يكون امتناع قبوله لعدم ~~حصول الظن بصدقه. # ولهذا قال عمر: " لا ندري أصدقت أم كذبت " وقال علي في الأعرابي ما قال، ~~وإلا فكيف يمكن القول بعدم قبول خبر الواحد مع ما بينا من كون خبر الواحد ~~حجة، ومع ما بيناه من جواز تخصيص التواتر بالآحاد. (4) وما ذكروه من المعنى ~~فهو باطل بالتخصيص على ما سبق. PageV03P147 # كيف وإنه وإن كان أضعف من المتواتر من جهة كونه آحادا إلا أنه أقوى من ~~المتواتر من جهة كونه خاصا والمتواتر عاما. والظن الحاصل من الخاص إذا كان ~~آحادا أقوى من الظن الحاصل من العام المتواتر ; لأن تطرق الضعف إلى الواحد ~~من جهة كذبه واحتمال غلطه، وتطرق الضعف إلى العام من جهة تخصيصه واحتمال ~~إرادة بعض ما دل عليه دون البعض واحتمال تطرق التخصيص إلى العام - أكثر من ~~تطرق الخطأ والكذب إلى العدل، فكان الظن المستفاد من خبر الواحد أقوى. # وأما المثبتون فقد احتجوا بالنقل والمعنى. # أما النقل فمن وجهين: # الأول: أن وجوب التوجه إلى بيت المقدس كان بالسنة المتواترة ; لأنه لم ~~يوجد في الكتاب ما يدل عليه، وإن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس بناء ~~على السنة ms616 المتواترة، فلما نسخ «جاءهم منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال لهم: (إن القبلة قد حولت» ) (1) فاستداروا بخبره، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم لم ينكر عليهم، فدل على الجواز. # الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفذ الآحاد إلى أطراف البلاد ~~لتبليغ الناسخ والمنسوخ، ولولا قبول خبر الواحد في ذلك لما كان قبوله ~~واجبا. وأما المعنى فمن وجهين: # الأول: أن النسخ أحد البيانين فكان جائزا بخبر الواحد كالتخصيص. # الثاني: أن نسخ القرآن بخبر الواحد جائز على ما سيأتي بيانه، فنسخ السنة ~~المتواترة به أولى. (2) PageV03P148 # ولقائل أن يقول: أما قصة أهل قباء فمن أخبار الآحاد، ولا نسلم ثبوت مثل ~~هذه القاعدة به، كيف وإنه يحتمل أن يكون قد اقترن بقوله قرائن أوجبت العلم ~~بصدقه من قربهم من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماعهم لضجة الخلق ~~في ذلك فكان نازلا منزلة الخبر المتواتر. (1) وأما تنفيذ الآحاد للتبليغ ~~فإنما يجوز فيما يقبل فيه خبر الواحد وما لا فلا. (2) وما ذكروه من المعنى ~~الأول فحاصله يرجع إلى قياس النسخ على التخصيص، وهو إنما يفيد في الأمور ~~الظنية فلم قالوا: إن ما نحن فيه من هذا القبيل. (3) كيف والفرق حاصل، وذلك ~~أن النسخ رفع لما ثبت بخلاف التخصيص على ما سبق معرفته (4) فلم قالوا: بأنه ~~إذا قبل خبر الواحد فيما لا يقتضي الرفع لما ثبت؛ يقبل في رفع ما ثبت. # وأما المعنى الثاني: فلا نسلم صحة نسخ القرآن بخبر الواحد على ما يأتي. ~~PageV03P149 ### | [المسألة الثاسعة نسخ السنة بالقرآن] # المسألة التاسعة # المنقول عن الشافعي رضي الله عنه في أحد قوليه: أنه لا يجوز نسخ السنة ~~بالقرآن، ومذهب الجمهور من الأشاعرة والمعتزلة والفقهاء جوازه عقلا ووقوعه ~~شرعا. # احتج المثبتون على الجواز العقلي والوقوع الشرعي. # أما الجواز العقلي: فهو أن الكتاب والسنة وحي من الله تعالى على ما قال ~~تعالى: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} غير أن الكتاب متلو، والسنة ~~غير متلوة، ونسخ حكم أحد الوحيين غير ممتنع عقلا، ولهذا ms617 فإنا لو فرضنا خطاب ~~الشارع بجعل القرآن ناسخا للسنة لما لزم عنه لذاته محال عقلا. # وأما الوقوع الشرعي فيدل عليه أمور: # الأول: «أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة عام الحديبية على أن ~~من جاءه مسلما رده حتى إنه رد أبا جندل وجماعة من الرجال فجاءت امرأة فأنزل ~~الله تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} » ) وهذا قرآن ~~نسخ ما صالح عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من السنة. # الثاني: أن التوجه إلى بيت المقدس لم يعرف إلا من السنة (1) وقد نسخ ~~بقوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} ولا يمكن أن يقال بأن التوجه ~~إلى بيت المقدس كان معلوما بالقرآن، وهو قوله: {فثم وجه الله} ; لأن قوله ~~{فثم وجه الله} تخيير بين القدس وغيره من الجهات، والمنسوخ إنما هو وجوب ~~التوجه إليه عينا، وذلك غير معلوم من القرآن. # الثالث: أن المباشرة في الليل كانت محرمة على الصائم بالسنة، وقد نسخ ذلك ~~بقوله تعالى: {فالآن باشروهن} . # الرابع: أن صوم عاشوراء كان واجبا بالسنة، ونسخ بصوم رمضان في قوله ~~تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} . # الخامس: أن تأخير الصلاة إلى انجلاء القتال كان جائزا بالسنة، ولهذا «قال ~~PageV03P150 # يوم الخندق وقد أخر الصلاة: " حشا الله قبورهم نارا» " ; لحبسهم له عن ~~الصلاة (1) ، وقد نسخ ذلك الجواز بصلاة الخوف الواردة في القرآن. # فإن قيل: ما ذكرتموه من صور نسخ السنة بالقرآن، ما المانع أن يكون الحكم ~~في جميع ما ذكرتموه ثابتا بقرآن نسخ رسمه وبقي حكمه؟ وإن سلمنا أنه ثابت ~~بالسنة، ولكن ما المانع أن يكون النسخ وقع بالسنة، ودلالة ما ذكرتموه من ~~الآيات على أحكامها ليس فيه ما يدل على عدم ارتفاع الأحكام السابقة بالسنة. # ويدل على أن الأمر على ما ذكرناه أن الشافعي كان من أعلم الناس بالناسخ ~~والمنسوخ وأحكام التنزيل، وقد أنكر نسخ السنة بالقرآن، ولولا أن الأمر على ~~ما ذكرناه لما كان إنكاره صحيحا، ثم وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على نسخ ~~السنة غير أنه ms618 معارض بالنص والمعقول. # أما النص فقوله تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} جعل السنة بيانا فلو ~~نسخت لخرجت عن كونها بيانا، وذلك غير جائز. # وأما المعقول فمن وجهين: الأول: أنه لو نسخت السنة بالقرآن لزم تنفير ~~الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن طاعته ; لإيهامهم أن الله تعالى لم ~~يرض ما سنه الرسول، وذلك مناقض لمقصود البعثة ولقوله تعالى: {وما أرسلنا من ~~رسول إلا ليطاع بإذن الله} . # الثاني: أن السنة ليست من جنس القرآن ; لأن القرآن معجزة ومتلو ومحرم ~~تلاوته على الجنب ولا كذلك السنة، وإذا لم يكن القرآن من جنس السنة امتنع ~~نسخه لها كما يمتنع نسخ القرآن بحكم دليل العقل وبالعكس. PageV03P151 # والجواب عن السؤال الأول: أن إسناد إثبات ما ذكرناه من الأحكام المنسوخة ~~إلى ما وجد من السنة من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وتقريراته ~~صالح لإثباتها، وقد اقترن بها الإثبات فكان الإثبات مستندا إليها، وكذلك ~~الكلام في إسناد نسخها إلى ما وجد من الآيات الصالحة للنسخ من ترتب النسخ ~~عليها، فبتقدير (1) وجود خطاب آخر يكون إسناد الأحكام المذكورة إليه بتقدير ~~نسخه. # وكذلك تقدير وجود سنة ناسخة لها مع عدم الاطلاع عليها، وإمكان إسناد ~~نسخها إلى ما وجد من الآيات الصالحة لنسخها من غير ضرورة يكون ممتنعا. # ولو فتح هذا الباب لما استقر لأحد قدم في إثبات ناسخ ولا منسوخ ; لأن ما ~~من ناسخ يقدر إلا ويحتمل أن يكون الناسخ غيره، وما من منسوخ حكمه يقدر إلا ~~ويحتمل أن يكون إسناد ذلك الحكم إلى غيره، وهو خلاف إجماع الأمة في ~~الاكتفاء بالحكم على كون ما وجد من الخطاب الصالح لنسخ الحكم هو الناسخ، ~~وأن ما وجد من الدليل الصالح لإثبات الحكم هو المثبت، وإن احتمل إضافة ~~الحكم والنسخ إلى غير ما ظهر مع عدم الظفر به بعد البحث التام عنه، وعن ~~المعارضة بالنص من وجهين: # الأول: أن المراد بقوله: {لتبين للناس} إنما هو التبليغ، وذلك يعم تبليغ ~~الناس من القرآن وغيره، وليس فيه ما يدل ms619 على امتناع كون القرآن ناسخا ~~للسنة. # الثاني: وإن سلمنا أن المراد بقوله " {لتبين للناس} " إنما هو بيان ~~المجمل والعام والمطلق والمنسوخ، لكن لا نسلم دلالة ذلك على انحصار ما ينطق ~~به في البيان، بل جاز مع كونه مبينا أن ينطق بغير البيان، ويكون محتاجا إلى ~~بيان. # وعن المعارضة الأولى من جهة المعقول من ثلاثة أوجه: # الأول: أن ذلك إنما يصح أن لو كانت السنة من عند الرسول من تلقاء نفسه، ~~وليس كذلك بل إنما هي من الوحي على ما قال تعالى: {وما ينطق عن الهوى إن هو ~~إلا وحي يوحى} . # الثاني: أنه لو امتنع نسخ السنة بالقرآن لدلالته على أن ما شرعه أولا غير ~~مرضي لامتنع نسخ القرآن بالقرآن والسنة بالسنة، وهو خلاف إجماع القائلين ~~بالنسخ. PageV03P152 # الثالث: أن ما ذكروه إنما يدل على أن المشروع أولا غير مرضي أن لو كان ~~النسخ رفع ما ثبت أولا، وليس كذلك بل هو عبارة عن دلالة الخطاب على أن ~~الشارع لم يرد بخطابه الأول ثبوت الحكم في وقت النسخ دون ما قبله. # وعن المعارضة الثانية: أنه لا يلزم من اختلاف جنس السنة والقرآن بعد ~~اشتراكهما في الوحي بما اختص بكل واحد منهما - امتناع نسخ أحدهما بالآخر. # وعلى هذا فنقول: القرآن يكون رافعا لحكم الدليل العقلي وإن لم يسم ناسخا. ### | [المسألة العاشرة نسخ الكتاب بالسنة المتواترة] # المسألة العاشرة # قطع الشافعي وأكثر أصحابه وأكثر أهل الظاهر بامتناع نسخ الكتاب بالسنة ~~المتواترة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه. # وأجاز ذلك جمهور المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة، ومن الفقهاء مالك ~~وأصحاب أبي حنيفة وابن سريج، واختلف هؤلاء في الوقوع. # والمختار جوازه عقلا ; لما ذكرناه في المسألة المتقدمة. # وأما الوقوع فقد احتج القائلون به بأن الوصية للوالدين والأقربين - نسخت ~~بقوله صلى الله عليه وسلم: " «ألا لا وصية لوارث» ". (1) قالوا: ولا يمكن ~~أن يقال بأن الناسخ للوصية آية الميراث ; لأن الجمع ممكن من حيث إن الميراث ~~لا يمنع من الوصية للأجانب، وهو ضعيف لما فيه من نسخ ms620 حكم القرآن المتواتر ~~بخبر الآحاد، وهو ممتنع على ما يأتي (2) ، ولأنه لا يلزم من كون الميراث ~~مانعا من الوصية للوارث أن يكون مانعا من الوصية لغير الوارث. # واحتجوا أيضا بأن جلد الزاني الثابت بقوله تعالى: {الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} نسخ بالرجم الثابت بالسنة، وهو ضعيف لما ~~فيه من نسخ القرآن بآحاد السنة، وهو ممتنع على ما يأتي (3) ، وفي حق الشيخ ~~والشيخة من جهة أنه أمكن PageV03P153 # أن يقال: إن نسخ الجلد بالرجم إنما كان بقرآن نسخ رسمه، وهو ما روي «عن ~~عمر أنه قال: (كان فيما أنزل الله: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ~~نكالا من الله ورسوله» ) (1) ولا يمكن أن يقال: إن ذلك لم يكن قرآنا بما ~~روي عن عمر أنه قال: (لولا أنني أخشى أن يقال زاد عمر في القرآن ما ليس منه ~~لكتبت: " الشيخ والشيخة إذا زنيا " على حاشية المصحف) وذلك يدل على أنه لم ~~يكن قرآنا ; لأنا نقول: غاية قول عمر الدلالة على إخراج ذلك عن المصحف ~~والقرآن لنسخ تلاوته، وليس فيه دلالة على أنه لم يكن قرآنا، فإن قيل: ~~(الشيخ والشيخة) لم يثبت بالتواتر، بل بقول عمر ونسخ المتواتر بالآحاد ~~ممتنع على ما يأتي، وسواء كان ذلك قرآنا أو سنة. PageV03P154 # قلنا: والسنة، وهو رجم النبي صلى الله عليه وسلم للزاني لم يثبت بالتواتر ~~بل بطريق الآحاد، وغايته أن الأمة مجمعة على الرجم والإجماع ليس بناسخ، بل ~~هو دليل وجود الناسخ المتواتر، وليس إحالته على سنة متواترة لم تظهر لنا ~~أولى من إحالته على قرآن متواتر لم يظهر لنا تواتره بسبب نسخ تلاوته. (1) ~~وأما النافون لذلك فقد احتجوا بحجج نقلية وعقلية: # أما النقلية فمن خمسة أوجه: # الأول: قوله تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} وصف نبيه بكونه مبينا ~~والناسخ رافع، والرافع غير البيان. # الثاني: قوله تعالى: {وإذا بدلنا آية مكان آية} أخبر أنه إنما يبدل الآية ~~بالآية لا بالسنة. PageV03P155 # الثالث: أن المشركين عند تبديل الآية مكان آية قالوا: {إنما أنت مفتر} ~~فأزال الله ms621 تعالى وهمهم بقوله: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} وذلك يدل ~~على أن التبديل لا يكون إلا بما نزله روح القدس. # الرابع: قوله تعالى: {قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو ~~بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي} وهو ~~دليل على أن القرآن لا ينسخ بغير القرآن. # الخامس: قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ~~ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} وذلك يدل على أن الآية لا تنسخ إلا ~~بآية. # وبيانه من وجوه: # الأول: أنه قال: {نأت بخير منها أو مثلها} والسنة ليست خيرا من القرآن ~~ولا مثله. # الثاني: أن الله تعالى وصف نفسه بأنه الذي يأتي بخير منها، وذلك لا يكون ~~إلا والناسخ قرآن لا سنة. # الثالث: وصف البدل بأنه خير أو مثل وكل واحد من الوصفين يدل على أن البدل ~~من جنس المبدل، أما المثل فظاهر، وأما ما هو خير ; فلأنه لو قال القائل ~~لغيره: (لا آخذ منك درهما إلا وآتيك بخير منه) فإنه يفيد أنه يأتيه بدرهم ~~خير من الأول. # الرابع: قوله تعالى: {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} دل على أن الذي ~~يأتي به هو المختص بالقدرة عليه، وذلك هو القرآن دون غيره. # وأما من جهة المعقول فمن وجهين: # الأول: أن السنة إنما وجب اتباعها بالقرآن في قوله تعالى: {وما آتاكم ~~الرسول فخذوه} ، وقوله (فاتبعوه) وذلك يدل على أن السنة فرع القرآن، والفرع ~~لا يرجع على أصله بالإبطال والإسقاط، كما لا ينسخ القرآن والسنة بالفرع ~~المستنبط منهما وهو القياس. # الثاني: أن القرآن أقوى من السنة، ودليله من ثلاثة أوجه: # الأول: «قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. ~~قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله» ، قدمه في العمل به على السنة، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك، وذلك دليل قوته. # الثاني: أنه أقوى من جهة لفظه ms622 ; لأنه معجز والسنة ليست معجزة. # PageV03P156 # الثالث: أنه أقوى من حكمه حيث اعتبرت الطهارة في تلاوته عن الجنابة ~~والحيض، وفى مس مسطوره مطلقا، والأقوى لا يجوز رفعه بالأضعف. # والجواب عن الآية الأولى من ثلاثة أوجه: # الأول: أنه يجب حمل قوله {لتبين للناس} على معنى لتظهر للناس ; لكونه أعم ~~من بيان المجمل والعموم لأنه يتناول إظهار كل شيء حتى المنسوخ، وإظهار ~~المنسوخ أعم من إظهاره بالقرآن. # الثاني: أن نسخ حكم الآية بيان لها فيدخل في قوله: {لتبين للناس} وتبين ~~القرآن أعم من تبيينه بالقرآن. # الثالث: أنه وإن لم يكن النسخ بيانا؛ غير أن وصف النبي صلى الله عليه ~~وسلم بكونه مبينا لا يخرجه عن اتصافه بكونه ناسخا. # وعن الآية الثانية من وجهين: # الأول: أنها ظاهرة في تبديل رسم آية بآية، النزاع إنما هو في تبديل حكم ~~الآية، وليس فيه ما يدل على تبديل حكمها بآية أخرى. # الثاني: أن الله تعالى أخبر أنه إذا بدل آية مكان آية قالوا: {إنما أنت ~~مفتر} ، وليس في ذلك ما يدل على أن تبديل الآية لا يكون إلا بآية، وذلك كما ~~لو قال القائل لغيره: (إذا أكلت في السوق سقطت عدالتك) فإن ذلك لا يدل على ~~أنه لا يأكل إلا في السوق. # وعن قوله: {قل نزله روح القدس} أن ذلك لا يدل على امتناع نسخ القرآن ~~بالسنة إلا أن تكون السنة لم ينزل بها روح القدس، وليس كذلك ; إذ السنة من ~~الوحي وإن كانت لا تتلى على ما سبق تقريره. # وعن الآية الرابعة من وجهين: # الأول أن قوله: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} أي في تبديل آية مكان آية، ~~وليس فيه ما يدل على امتناع تبديل حكم الآية بغير الآية. # الثاني: أن النسخ وإن كان بالسنة فهي من الوحي على ما تقدم فلم يكن متبعا ~~إلا ما يوحى إليه به. # وعن الآية الأخيرة من ثلاثة أوجه: # الأول: لا نسلم دلالتها على امتناع نسخ حكم الآية بغير الآية. # قولهم في الوجه الأول: إن السنة ليست خيرا من ms623 القرآن ولا مثله. # PageV03P157 # قلنا قوله: {ما ننسخ من آية} إما أن يراد به نسخ رسمها أو نسخ حكمها، فإن ~~كان الأول فهو ممتنع فإنه وصف البدل بكونه خيرا منها، والقرآن خير كله ولا ~~يفضل بعضه على بعض (1) ، وإن كان الثاني فذلك يدل على أن الحكم الناسخ يكون ~~خيرا من الحكم المنسوخ أو مثله. # ونحن نقول به فإنه لا يمتنع أن يكون الحكم الناسخ أصلح في التكليف وأنفع ~~للمكلف. # وأما الوجه الثاني: فلا دلالة فيه لأن السنة إذا كانت ناسخة فالآتي بما ~~هو خير، إنما هو الله تعالى والرسول مبلغ، ولا يدل ذلك على أن الناسخ لا ~~يكون إلا قرآنا بل الإتيان بما هو خير أعم من ذلك. # وأما الوجه الثالث: فلا دلالة فيه على لزوم المجانسة بين الآية المنسوخ ~~حكمها وبين ناسخه ; لأنه وصفه بكونه خيرا، والقرآن لا تفاوت فيه على ما ~~سبق، فعلم أن المفاضلة والمماثلة إنما هي راجعة إلى الحكم المنسوخ والحكم ~~الناسخ على ما سبق. # وعلى هذا فلا نسلم أنه إذا قال له: " ما آخذ منك درهما إلا وآتيك بخير ~~منه " أنه يدل على المجانسة فإن ما هو خير أعم من الجنس، فكأنه قال: " آتيك ~~بشيء هو خير مما أخذت منك " والمذكور أولا، وإن كان هو الآية والضمير في ~~قوله " بخير منها " وإن كان عائدا إليها فلا يلزم منه المجانسة بين المضمر ~~والمظهر. # وأما الوجه الرابع: فنحن قائلون بموجبه، فإن المتمكن من إزالة الحكم بما ~~هو خير منه إنما هو الله عز وجل. # الوجه الثاني: أن الآية تدل على أنه لا بد في نسخ كل آية من الإتيان بآية ~~هي خير منها أو مثلها ضرورة الإخبار، ولكن ليس في ذلك دلالة على أن الآية ~~المأتي بها هي الناسخة لإمكان أن يكون بدلا عن الآية الأولى، وإن كان ~~الناسخ غيرها. PageV03P158 # الثالث: أن ظاهر الآية يتناول نسخ رسم الآية، والأصل تنزيل اللفظ على ~~حقيقته، وفي حمله على نسخ الحكم صرفه إلى جهة المجاز، وهو خلاف الأصل، ~~والنزاع إنما وقع ms624 في نسخ الحكم لا في نسخ الرسم. # وعن المعارضة الأولى من جهة المعقول من ثلاثة أوجه: # الأول: أن ذلك إنما يمتنع أن لو كانت السنة رافعة لما هي فرع عليه من ~~القرآن، وليس كذلك بل ما هي فرع عليه غير مرفوع بها وما هو مرفوع بها ليست ~~فرعا عليه. # الثاني: أن ما ذكروه حجة عليهم، فإن القرآن قد دل على وجوب الأخذ بما ~~يأتي به الرسول ووجوب اتباعه، فإذا أتى بنسخ حكم الآية ولم يتبع كان على ~~خلاف ما ذكروه. # الثالث: أن السنة ليست رافعة للقرآن وإنما هي رافعة لحكمه، وحكمه ليس ~~أصلا لها، فإذا المرتفع ليس هو الأصل وما هو الأصل غير مرتفع. # وعن المعارضة الثانية أن القرآن وإن كان معجزا في نظمه وبلاغته ومتلوا ~~ومحترما فليس فيه ما يدل على أن دلالة كل آية منه أقوى من دلالة غيره من ~~الأدلة، ولهذا فإنه لو تعارض عام من الكتاب وخاص من السنة المتواترة كانت ~~السنة مقدمة عليه. # وكذلك أيضا لو تعارضت آية ودليل عقلي، فإن الدليل العقلي يكون حاكما ~~عليها، وكذلك الإجماع وكثير من الأدلة على ما يأتي في الترجيحات. # وعلى هذا فلا يمتنع رفع حكم الآية بدليل السنة. # كيف وإن السنة الناسخة ليست معارضة ولا نافية لمقتضى الآية، بل مبينة ~~ومخصصة على ما سبق. (1) PageV03P159 ### | [المسألة الحادية عشرة نسخ الحكم الثابت بالإجماع] # المسألة الحادية عشرة # اختلفوا في جواز نسخ الحكم الثابت بالإجماع، فنفاه الأكثرون وأثبته ~~الأقلون. # والمختار مذهب الجمهور، ودليله أن ما وجد من الإجماع بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وانقراض زمن الوحي لو نسخ حكمه: فإما أن يكون بنص من كتاب ~~أو سنة أو بإجماع آخر أو قياس، لا جائز أن يكون بنص ; لأن ذلك النص لا بد ~~وأن يكون موجودا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم سابقا على هذا الإجماع ~~لاستحالة حدوث نص بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان ذلك النص ~~متقدما على الإجماع لكان إجماعهم على خلاف مقتضاه خطأ، ms625 وهو غير متصور من ~~الأمة. # ولا جائز أن يكون بإجماع آخر ; لأن الإجماع الثاني إما أن يكون بناء على ~~دليل رافع لحكم الإجماع أو لا بناء على دليل، فإن لم يكن مبنيا على دليل ~~كان خطأ والأمة مصونة عنه، وإن كان ذلك بدليل، فذلك الدليل إما أن يكون نصا ~~أو قياسا. # لا جائز أن يكون نصا ; لأنه لا بد وأن يكون متقدما على الإجماعين متحققا ~~في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ويلزم من ذلك - الخطأ في الإجماع الأول ~~وهو محال. # ولا جائز أن يكون قياسا ; لأنه لا بد له من أصل، والحكم في ذلك الأصل إما ~~أن يكون بدليل متجدد بعد الإجماع الأول أو سابق عليه، فإن كان بدليل متجدد ~~فهو إما إجماع أو قياس لاستحالة تجدد النص، فإن كان إجماعا فلا بد له من ~~دليل وذلك الدليل لا بد وأن يكون نصا أو قياسا على أصل آخر، فإن كان قياسا ~~على أصل آخر فالكلام في ذلك الأصل كالكلام في الأول، فإما أن يتسلسل أو ~~ينتهي إلى أصل ثابت بالنص، والتسلسل محال، والثاني يلزم منه أن يكون النص ~~على أصل القياس سابقا على الإجماع الأول، وعند ذلك فصحة القياس عليه مشروطة ~~بعدم الإجماع الأول على مناقضته، ونسخ الإجماع الأول به متوقف على صحته، ~~وهو دور ممتنع. # هذا كله إن كان دليل أصل القياس الذي هو مستند الإجماع متجددا، وإن كان ~~سابقا على الإجماع الأول فعدول أهل الإجماع عنه دليل على عدم صحة القياس ~~عليه، وإلا كان إجماعهم خطأ وهو محال. # PageV03P160 # وأما إن كان الناسخ لحكم الإجماع الأول هو القياس فلا بد وأن يكون مستندا ~~إلى أصل ثابت بالنص، والكلام في نسخ النص به مما يفضي إلى الدور كما قررناه ~~قبل. # فإن قيل: فلو اختلفت الأمة في المسألة على قولين فقد أجمعت على أن المقلد ~~له الأخذ بأي القولين شاء، ولو أجمعت بعد ذلك على أحد القولين فقد أجمعت ~~على حصر (1) ما أجمعت أولا على تجويزه، وهو نسخ حكم الإجماع ms626 بالإجماع. # قلنا: نحن لا نسلم تصور انعقاد الإجماع الثاني على ما سبق في مسائل ~~الإجماع. ### | [المسألة الثانية عشرة الإجماع لا ينسخ به] # المسألة الثانية عشرة # مذهب الجمهور أن الإجماع لا ينسخ به خلافا لبعض المعتزلة وعيسى بن أبان. ~~(2) ودليل الامتناع أن المنسوخ به إما أن يكون حكم نص أو إجماع أو قياس. # الأول: محال لأن الإجماع إما أن يكون مستندا إلى دليل أو ليس مستندا إلى ~~دليل، فإن لم يكن مستندا إلى دليل فهو خطأ. # وإن كان مستندا إلى دليل فذلك الدليل إما أن يكون نصا أو قياسا، لا جائز ~~أن يكون قياسا لما سنبينه بعد، وإن كان نصا فالناسخ ذلك النص لا الإجماع. # وإن قيل: إن الإجماع ناسخ فليس إلا بمعنى أنه يدل على الناسخ وإن كان ~~ناسخا لحكم إجماع سابق، فهو باطل بما سبق في المسألة التي قبلها، وإن كان ~~ناسخا لحكم قياس فالقياس إما أن يكون صحيحا أو لا يكون صحيحا، فإن كان ~~صحيحا فإجماع الأمة على خلاف مقتضاه، إن كان لا لدليل فهو خطأ، وإن كان ~~لدليل فذلك الدليل إما أن يكون نصا أو قياسا، فإن كان نصا فالرافع لحكم ذلك ~~القياس هو النص، وإن كان قياسا، فإما أن يكون راجحا على القياس الأول أو ~~مرجوحا أو مساويا، فإن كان راجحا فالأول لا يكون مقتضاه ثابتا ; لأن شرط ~~ثبوت الحكم رجحان مقتضيه، وكذلك إن كان مساويا، وإن كان القياس الأول راجحا ~~فالإجماع على القياس الثاني خطأ وهو ممتنع. PageV03P161 # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالنقل والمعنى. # أما النقل: فهو أن ابن عباس حين قال لعثمان: كيف تحجب الأم عن الثلث ~~بالأخوين والله تعالى يقول: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} والأخوان ليسا ~~بإخوة؟ قال عثمان: حجبها قومك يا غلام. (1) وذلك دليل النسخ بالإجماع. # وأما المعنى فهو أن الإجماع دليل من أدلة الشرع القطعية فجاز النسخ به ~~كالقرآن والسنة المتواترة. # قلنا: أما قصة ابن عباس مع عثمان إنما يصح الاستدلال بها أن لو كان حكم ~~الأم مع الأخوين ms627 منسوخا وليس كذلك، إلا أن يكون الأخوان ليسا بإخوة وليس ~~كذلك على ما سبق بيانه في مسائل العموم. # وما ذكروه من المعنى فحاصله يرجع إلى إثبات كونه ناسخا بالقياس على النص، ~~وهو غير مسلم الصحة في مثل هذه المسائل وإن كان صحيحا غير أنه مما يمتنع ~~التمسك به لما بيناه. PageV03P162 ### | [المسألة الثالثة عشرة نسخ حكم القياس] # المسألة الثالثة عشرة # اختلفوا في نسخ حكم القياس: # فمنهم من منع من ذلك مطلقا كالحنابلة والقاضي عبد الجبار في بعض أقواله ~~مصيرا منهم إلى أن القياس إذا كان مستنبطا من أصل، فالقياس باق ببقاء الأصل ~~فلا يتصور رفع حكمه مع بقاء أصله. # ومنهم من جوز ذلك مطلقا كأبي الحسين البصري، لكنه فصل بين القياس الموجود ~~في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والقياس الموجود بعده فقال: إن كان القياس ~~موجودا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بأن يكون قد نص على أصل كتنصيصه ~~على تحريم بيع البر بالبر متفاضلا، وتعبد الناس بقياس غير البر على البر ~~بواسطة الكيل مثلا بأمارة تدل عليه، فإذا قضى بتحريم بيع الأرز بناء على ~~القياس على البر فلا يمتنع نسخه بالنص وبالقياس. # أما النص: فبأن ينص بعد ذلك على إباحة بيع الأرز وبنسخ تحريمه. # وأما القياس فبأن ينص على إباحة بيع بعض المأكولات ويتعبد بالقياس عليه ~~بواسطة كونه مأكولا بأمارة هي أقوى من الأمارة الدالة على أن علة تحريم ~~البر هي الكيل. # وإن كان القياس موجودا بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأن يكون قد اجتهد ~~بعض المجتهدين فأداه القياس إلى تحريم شيء بعد البحث عن الأدلة المعارضة ~~وعدم الظفر بها ثم اطلع بعد ذلك على نص أو إجماع متقدم أو قياس أرجح من ~~قياسه، فإنه يلزم من ذلك رفع حكم قياسه الأول، وإن كان ذلك لا يسمى نسخا. # قال: وهذا كله إنما يتم على القول بأن كل مجتهد مصيب حيث إنه تعبد ~~بالقياس الأول ثم رفع. # وأما من لا يقول بأن كل مجتهد مصيب، فإنه لا يقول ms628 بتعبده بالقياس الأول، ~~فرفعه لا يكون متحققا، هذا جملة ما ذكره أبو الحسين. # وأما نحن فنقول: العلة الجامعة في القياس إما أن تكون منصوصة أو مستنبطة ~~بنظر المجتهد. # PageV03P163 # فإن كانت منصوصة فهي في معنى النص، وما مثل هذا القياس فليكن نسخ حكمه ~~بنص أو بقياس في معناه، ولو ذهب إليه ذاهب بعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~لعدم اطلاعه على ناسخه بعد البحث عنه، فإنه وإن كان متعبدا باتباع ما أوجبه ~~ظنه، فرفع حكمه في حقه بعد اطلاعه على الناسخ لا يكون نسخا متحددا بل تبين ~~أنه كان منسوخا، وفرق بين الأمرين. # وأما إن كانت العلة الجامعة مستنبطة بنظر المجتهد فحكمها في حقه غير ثابت ~~بالخطاب، فرفعه في حقه عند الظفر بدليل يعارضه ويترجح عليه لا يكون نسخا ~~على قولنا: إن النسخ رفع حكم خطاب على ما قررناه، وإن كان مشاركا للنسخ في ~~رفع الحكم وقطع استمراره، وسواء قلنا إن كل مجتهد مصيب أو لم نقل بذلك. ### | [المسألة الرابعة عشرة النسخ بالقياس] # المسألة الرابعة عشرة # اختلفوا في النسخ بالقياس على ثلاثة أقوال: # ثالثها: الفرق بين القياس الجلي والخفي، وهو قول أبي القاسم الأنماطي (1) ~~من أصحاب الشافعي. # والمختار: أنه إن كانت العلة الجامعة في القياس منصوصة فهي في معنى النص، ~~فيصح النسخ به. # وإن كانت غير منصوصة، فإما أن يكون القياس قطعيا أو ظنيا بأن تكون العلة ~~فيه مستنبطة بنظر المجتهد. # فإن كان قطعيا كقياس الأمة على العبد في تقويم النصيب على السيد المعتق، ~~فإنه وإن كان مانعا من إثبات حكم دليل آخر كان نصا أو قياسا فلا يكون ذلك ~~نسخا، وإن كان في معنى النسخ لكونه ليس بخطاب على ما بيناه من أن النسخ ~~إنما هو الخطاب الدال على ارتفاع حكم خطاب آخر. # وإن كان القياس ظنيا فيمتنع أن يكون ناسخا ; لأن المنسوخ حكمه: # إما أن يكون نصا أو إجماعا أو قياسا، الأول والثاني محال إن كان النص ~~والإجماع PageV03P164 # خاصا لكون النص الخاص والإجماع مقدما على القياس الظني بالاتفاق، وإن ms629 كان ~~عاما فلا نسخ لأن القياس ليس بخطاب على ما سبق، وإن كان قياسا فلا بد وأن ~~يكون القياس الثاني راجحا على الأول. # وعند ذلك، فتارة نقول: إن القياس الأول لا يكون قياسا لعدم ترجحه وأن ~~الترجح شرط في الاقتضاء، وتارة نقول: إنه وإن لزم منه رفع حكمه فهو في معنى ~~النسخ، ولكنه ليس بنسخ لما بيناه من أن النسخ هو الخطاب الدال على ارتفاع ~~حكم خطاب، وهو غير متحقق فيما نحن فيه، وللمخالف شبهتان: # الأولى: قوله تعالى: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم ~~مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله} أوجب ~~نسخ ثبات الواحد للعشرة، وليس مصرحا به وإنما هو منبه عليه، وذلك هو نفس ~~نسخ حكم النص بالقياس. # الثاني: أنهم قالوا: النسخ أحد البيانين فجاز بالقياس كالتخصيص. # والجواب عن الأولى: أنها إنما تصح أن لو كان ثبوت الواحد للاثنين الرافع ~~ثبوت الواحد للعشرة مستفادا من القياس، وليس كذلك بل استفادته إنما هي من ~~نفس مفهوم اللفظ. # وعن الثانية: أنها منقوضة بالإجماع، وبدليل العقل وبخبر الواحد فإنه يخصص ~~به ولا ينسخ به. ### | [المسألة الخامسة عشرة النسخ بفحوى الخطاب] # المسألة الخامسة عشرة # اتفق الكل على جواز النسخ بفحوى الخطاب كدلالة قوله تعالى: {فلا تقل لهما ~~أف} على تحريم الضرب وغيره من أنواع الأذى، وعلى جواز نسخ حكمه، وإنما ~~اختلفوا في جواز نسخ الأصل دون الفحوى والفحوى دون الأصل. # غير أن الأكثر على أن نسخ الأصل يفيد نسخ الفحوى ; لأن الفحوى تابع للأصل ~~ولا يتصور بقاء التابع مع ارتفاع المتبوع. # وأما نسخ الفحوى دون الأصل، فقد تردد فيه قول القاضي عبد الجبار فجوزه ~~تارة ; نظرا إلى أن ذلك جار مجرى التنصيص على تحريم التأفيف، وتحريم # PageV03P165 # الضرب العنيف، فكأنه قال: لا تقل لهما أف ولا تضربهما. فرفع حكم أحدهما ~~يفيد رفع حكم الآخر، ومنع منه تارة، ووافقه على المنع أبو الحسين البصري ~~مصيرا منهما إلى أن تحريم التأفيف إنما كان إعظاما للوالدين، ms630 فإذا أبيح ~~ضربهما كان ذلك نقضا للغرض من تحريم التأفيف. # والمختار في ذلك أن يقال: إثبات تحريم الضرب في محل السكوت، إما أن يقال: ~~إنه ثابت بالقياس على تحريم التأفيف في محل النطق، أو أنه ثابت بدلالة ~~اللفظ لغة على اختلاف المذاهب فيه. # فإن كان الأول: فيجب أن يقال بأن نسخ حكم الأصل يوجب رفع حكم الفرع ; ~~لاستحالة بقاء الفرع دون أصله، وإن لم يسم ذلك نسخا لما سبق، وأن رفع حكم ~~الفرع لا يوجب رفع حكم الأصل ; إذ لا يلزم من رفع التابع رفع المتبوع. # وإن كان الثاني: فلا يخفى أن دلالة اللفظ على تحريم التأفيف بجهة صريح ~~اللفظ، وعلى تحريم الضرب بجهة الفحوى، وهما دلالتان مختلفتان، غير أن دلالة ~~الفحوى تابعة لدلالة المنطوق، وعند ذلك أمكن أن يقال بأن رفع حكم إحدى ~~الدلالتين لا يلزم منه رفع حكم الدلالة الأخرى. # فإن قيل: فإذا كانت دلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق فرفع الأصل مما ~~يمتنع معه بقاء التابع. # وأيضا فإن الغرض من دلالة المنطوق إعظام الوالدين، فرفع حكم الفحوى مما ~~يخل بالغرض من دلالة المنطوق فيمتنع معه بقاء حكم المنطوق. # قلنا: أما الأول فمندفع، وذلك لأن دلالة الفحوى وإن كانت تابعة لدلالة ~~المنطوق فنسخ حكم المنطوق ليس نسخا لدلالته بل نسخا لحكمه، ودلالة الفحوى ~~تابعة لدلالة المنطوق على حكمه لا أنها تابعة لحكمه، ودلالته باقية بعد نسخ ~~حكمه كما كانت قبل نسخه، فما هو أصل لدلالة الفحوى غير مرتفع، وما هو ~~المرتفع ليس أصلا للفحوى. # وأما الثاني: فغاية ما يلزم من نسخ حكم الفحوى إبطال الغرض من أصل إثبات ~~الحكم فيه، ولا يخفى أن غرض إثبات التحريم للتأفيف مغاير لغرض تخصيصه ~~بالذكر تنبيها بالأدنى على الأعلى، ولا يلزم من إبطال أحد الغرضين إبطال ~~الغرض الآخر. # PageV03P166 ### | [المسألة السادسة عشرة نسخ حكم أصل القياس] # المسألة السادسة عشرة # اختلفوا في نسخ حكم أصل القياس: هل يبقى معه حكم الفرع أو لا؟ # فذهب بعض أصحاب أبي حنيفة إلى بقائه والباقون إلى امتناعه وهو المختار ms631 ; ~~لأن ثبوت الحكم في الفرع تابع لاعتبار علته بحكم الأصل، فإذا نسخ حكم الأصل ~~خرجت العلة المستنبطة منه عن أن تكون معتبرة في نظر الشارع، فبطل ما كان ~~تابعا لاعتبارها. # فإن قيل: يلزم مما ذكرتموه نسخ حكم الفرع بالقياس على حكم الأصل حيث ~~جعلتم رفع حكم الفرع تابعا لرفع حكم الأصل، والنسخ بالقياس غير جائز على ما ~~قررتموه ثم ما ذكرتموه من انتفاء التابع لانتفاء المتبوع متى يلزم ذلك، إذا ~~كان الحكم يفتقر في دوامه إلى دوام سببه أو إذا لم يفتقر. # الأول مسلم والثاني ممنوع فلم قلتم بافتقاره إليه؟ وإن سلمنا ذلك ولكن ما ~~ذكرتموه منتقض بالأب فإنه يتبعه ولده الطفل في الإسلام والكفر، ولو زال ~~إسلام الأب بالردة لم يلزم منه زوال ما كان ثابتا للولد من الإسلام تبعا ~~له. # قلنا: جواب الأول أنا لا نسلم أن رفع الحكم في الفرع كان بالقياس على رفع ~~حكم الأصل وإلا لافتقر إلى علة جامعة نافية لهما وليس كذلك، وإنما قيل ~~برفعه لانتفاء علته، وفرق بين انتفاء الحكم لانتفاء موجبه وبين انتفائه ~~بالقياس. # وجواب الثاني: أنه إن قيل بافتقار الحكم في دوامه إلى دوام علته فهو ~~المطلوب، وإن لم يقل بذلك فلا خلاف بين أئمة الفقه أنه وإن لم يفتقر الحكم ~~في دوامه إلى دوام ضابط حكمة الحكم المعرف للحكم في الفرع في ابتدائه أنه ~~لا بد من دوام احتمال الحكمة، حتى إنه لو انتهت حكمة الحكم قطعا امتنع ~~بقاؤه بعدها، وإذا لم يكن بد من دوام احتمال الحكمة فلا بد من أن تكون ~~معتبرة لاستحالة بقاء الحكم لحكمة غير معتبرة، وبنسخ حكم الأصل زال ~~اعتبارها وانتفاء ما لا بد منه في دوام الحكم يوجب رفع الحكم. # وعلى هذا فقد اندفع النقض، فإنا لا نسلم أن إسلام الأب علة موجبة لإسلام ~~الابن، حتى يلزم من انتفاء إسلامه انتفاء إسلام الابن، ولا أن دوام إسلام ~~الأب معتبر في دوام إسلام الابن ليلزم من انتفائه انتفاؤه. # PageV03P167 ### | [المسألة السابعة عشرة ورد النسخ إلى النبي ms632 عليه السلام ولم يبلغ الأمة هل يتحقق بذلك النسخ في حقهم] # المسألة السابعة عشرة # لا نعرف خلافا بين الأمة في أن الناسخ إذا كان مع جبريل عليه السلام لم ~~ينزل به إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت له حكم في حق المكلفين، بل ~~هم في التكليف بالحكم الأول على ما كانوا عليه قبل إلقاء الناسخ إلى جبريل، ~~وإنما الخلاف فيما إذا ورد النسخ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبلغ ~~الأمة، هل يتحقق بذلك النسخ في حقهم أو لا؟ # فذهب بعض أصحاب الشافعي إلى الإثبات، وبعضهم إلى النفي وبه قال أصحاب أبي ~~حنيفة والإمام أحمد بن حنبل، وهو المختار. # وبيانه أن النسخ له لازم، وهو ارتفاع حكم الخطاب السابق وامتناع الخروج ~~بالفعل الواجب أولا عن العهدة، ولزوم الإتيان بالفعل الواجب الناسخ والإثم ~~بتركه والثواب على فعله، وهذه اللوازم منتفية، ويلزم من انتفاء اللازم ~~انتفاء الملزوم، أما أن الحكم السابق لم يرتفع فهو أن المكلف يثاب على فعله ~~(1) ويخرج به عن العهدة، ويأثم بتركه له قبل بلوغ النسخ إليه (2) بالإجماع. # ولهذا فإن أهل قباء لما بلغهم نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى ~~الكعبة استداروا والنبي صلى الله عليه وسلم اعتد لهم بالركعات التي أتوا ~~بها بعد نزول النسخ قبل علمهم بالنسخ ولم ينكر عليهم. # وأما أن الخطاب بالنسخ غير لازم للمكلف قبل البلوغ فبيانه بالنص والحكم. # أما النص فقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ، وقوله تعالى: ~~{لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} ، وقوله تعالى: {وما كان ربك ~~مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا} . # وأما الحكم فهو أن المكلف لو فعل العبادة التي ورد بها الناسخ على وجهها ~~كان آثما عاصيا غير خارج به عن العهدة، كما لو صلى إلى الكعبة قبل بلوغ ~~النسخ إليه، ولو كان مخاطبا بذلك لخرج به عن العهدة، ولما كان عاصيا بفعل ~~ما خوطب به. PageV03P168 # وللمخالفين خمس شبه: # الشبهة الأولى: أن المكلف متصرف بالإذن من الشارع، فلزم رفعه ms633 برفع الشرع ~~له وإن لم يعلم المكلف بالرفع، كما لو عزل الموكل الوكيل عن التصرف فإنه لا ~~ينعقد تصرفه بعد ذلك وإن لم يعلم بعزله. # الثانية: أن النسخ إسقاط حتى لا يعتبر فيه رضا من يسقط عنه فلا يعتبر فيه ~~علمه، كالطلاق والعتق والإبراء. # الثالثة: أن النسخ إباحة ترك الفعل بعد إيجابه أو إباحة فعله بعد حظره، ~~فلا يتوقف ذلك على علم من أبيح له كما لو قال لزوجته: " إن خرجت بغير إذني ~~فأنت طالق " ثم أذن لها من حيث لا تعلم، فإنه يثبت حكم الإباحة في حق ~~الزوجة ولا يقع الطلاق بخروجها. # الرابعة: أن نسخ الحكم إباحة ترك المنسوخ الذي هو حق الشارع فوجب أن يثبت ~~قبل علم المباح له كما لو قال القائل: " أبحت ثمرة بستاني لكل من دخله " ~~فإنه يباح لكل داخل وإن لم يعلم بذلك. # الخامسة: أن رفع الحكم يتحقق بعد علم المكلف بالنسخ، فرفعه إما أن يكون ~~بعلمه أو بالنسخ، والعلم غير مؤثر في الرفع فكان الرفع بالنسخ، ولزم رفعه ~~عند تحقق النسخ. # والجواب عن الأولى: بمنع عزل الوكيل قبل علمه بالعزل. # وعن الثانية: لم قالوا بأن النسخ إذا لم يتوقف على رضا المنسوخ عنه لا ~~يتوقف على علمه، ولا يلزم من عدم اعتبار العلم في صورة الاستشهاد عدم ~~اعتباره في النسخ، فإنه لا مانع أن يكون عدم اعتبار العلم ثم لعدم تضمنه ~~رفع حكم خطاب سابق، بخلاف ما نحن فيه فكان العلم مشترطا فيه لما ذكرناه. # وعن الثالثة والرابعة: بمنع الحكم فيما ذكروه من صور الاستشهاد. # وعن الخامسة: أن رفع الحكم بالنسخ مشروط بالعلم، ولا تحقق للمشروط دون ~~شرطه. # PageV03P169 ### | [المسألة الثامنة عشرة الزيادة على النص هل تكون نسخا] # المسألة الثامنة عشرة # الزيادة على النص هل تكون نسخا؟ وقد اتفق العلماء على أن الزيادة إذا ~~كانت عبادة منفردة بنفسها عن المزيد عليها أنها لا تكون نسخا لحكم المزيد ~~عليه. # وذلك كزيادة صلاة على صلوات أو صوم أو حجة أو زكاة إلا ما نقل عن بعض ms634 ~~العراقيين أنهم قالوا: إن زيادة صلاة سادسة على الصلوات الخمس يكون نسخا من ~~جهة أن الصلاة الوسطى المأمور بالمحافظة عليها في قوله تعالى: {حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى} تخرج عن كونها وسطى، وهو غير صحيح لوجهين: # الأول: أن النسخ إنما يكون لحكم شرعي على ما تقدم، وكون العبادة وسطى أمر ~~حقيقي ليس بحكم شرعي. # الثاني: أنه يلزم عليه أن لو أوجب الشارع أربع صلوات ثم أوجب صلاة خامسة ~~أو زكاة أو صوما؛ أن يكون ذلك نسخا لإخراج العبادة الأخيرة عن كونها أخيرة، ~~وإخراج العبادات السابقة عن كونها أربعا وهو خلاف الإجماع. # وإنما اختلفوا في غير هذه الزيادة: كزيادة ركعة على ركعات صلاة واحدة، ~~وزيادة جلدات على جلدات حد واحد، وزيادة صفة في رقبة الكفارة كالأيمان، إلى ~~غير ذلك من الزيادات. # فذهبت الشافعية والحنابلة وجماعة من المعتزلة كالجبائي وأبي هاشم إلى ~~أنها لا تكون نسخا. # وقالت الحنفية: تكون نسخا، ومنهم من فصل. # ثم القائلون بالتفصيل منهم من قال: إن كانت الزيادة قد أفادت خلاف ما ~~أفاده مفهوم المخالفة والشرط كانت الزيادة نسخا، كإيجاب الزكاة في معلوفة ~~الغنم، فإنه خلاف ما أفاده قوله صلى الله عليه وسلم: " «في الغنم السائمة ~~زكاة» "؛ من نفي الزكاة عن المعلوفة وإلا فلا. # ومنهم من قال: إن كانت الزيادة مغيرة لحكم المزيد عليه في المستقبل، ~~كزيادة التغريب في المستقبل على الحد، وزيادة عشرين جلدة على حد القذف كانت ~~نسخا # PageV03P170 # وإن لم تغير حكمه في المستقبل فإنها لا تكون نسخا، وسواء كانت الزيادة لا ~~تنفك عن المزيد عليه، كما لو أوجب علينا ستر الفخذ فإنه يجب ستر بعض ~~الركبة، ضرورة أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أو كانت الزيادة عند ~~تعذر المزيد عليه، وذلك كإيجاب قطع رجل السارق بعد قطع يده، وهذا هو مذهب ~~الكرخي وأبي عبد الله البصري من المعتزلة. # ومنهم من قال: إن كانت الزيادة قد غيرت المزيد عليه تغيرا شرعيا، بحيث ~~صار المزيد عليه لو فعل بعد الزيادة على حسب ما كان ms635 يفعل قبلها كان وجوده ~~كعدمه ووجب استئنافه، كزيادة ركعة على ركعتي الفجر، كان ذلك نسخا، أو كان ~~قد خير بين فعلين فزيد فعل ثالث، فإنه يكون نسخا لتحريم ترك الفعلين ~~السابقين، وإلا فلا، وذلك كزيادة التغريب على الحد، وزيادة عشرين جلدة على ~~حد القذف، وزيادة شرط منفصل في شرائط الصلاة كزيادة الوضوء. وهذا هو مذهب ~~القاضي عبد الجبار. # ومنهم من قال: إن كانت الزيادة متصلة بالمزيد عليه اتصال اتحاد رافع ~~للتعدد، والانفصال كزيادة ركعتين على ركعتي الصبح، فهو نسخ وإن لم تكن ~~الزيادة كذلك كزيادة عشرين جلدة على حد القذف، فلا تكون نسخا، وهذا هو الذي ~~اختاره الغزالي. # والمختار أنه إن كانت الزيادة متأخرة عن المزيد عليه، وكانت رافعة لحكم ~~شرعي كان ذلك نسخا ووجب النظر في دليل الزيادة، فإن كان مما يجوز بمثله نسخ ~~حكم النص فهو نسخ وإلا فلا. وإن لم تكن الزيادة متأخرة عن المزيد عليه، أو ~~كانت رافعة لحكم العقل الأصلي لا غير، لم يكن ذلك نسخا شرعيا وإن كان نسخا ~~لغويا، وجاز بكل ما يصلح أن يكون دليلا في موضعه، وإن لم يجز به النسخ، ~~كالقياس وخبر الواحد ونحوه، وهذا هو اختيار أبي الحسين البصري. # وإذ أتينا على شرح المذاهب بالتفصيل فلا بد من النظر فيما يتفرع على هذه ~~المذاهب من المسائل الفرعية، والكشف عن وجه الحق في كل واحدة منها تتمة ~~للمقصود، وهي عشرة فروع: # PageV03P171 # الفرع الأول: إذا وجبت الزكاة في معلوفة الغنم لا يكون ذلك نسخا لحكم ~~قوله صلى الله عليه وسلم: " «في الغنم السائمة زكاة» " ; لأنه لا يقتضي نفي ~~الزكاة عن المعلوفة كما سبق في إبطال دليل الخطاب، وإنما يقتضي نفي الزكاة ~~عن المعلوفة بناء على حكم العقل الأصلي، فرفعه لا يكون نسخا لما تقدم. # وإن سلمنا أن دليل الخطاب حجة، وأنه يدل على نفي الزكاة عن المعلوفة، فلا ~~يخفى أن وجوب الزكاة فيها يكون رافعا لما اقتضاه دليل الخطاب فيكون نسخا. # الفرع الثاني: إذا زيدت ركعة على ركعتي الصبح بحيث صارت ms636 صلاة الصبح ثلاث ~~ركعات. # قال أبو الحسين البصري: هذا ليس بنسخ لحكم الدليل الدال على وجوب صلاة ~~الصبح ; لأن زيادة الركعة إما أن تكون نسخا للركعتين، أو نسخا لأجزائها ~~ووجوبها، أو نسخا لوجوب التشهد عقيب الركعتين. # لا جائز أن يكون نسخا للركعتين ; لأن النسخ لا يتعلق بالأفعال، كيف وإن ~~الركعتين قارتان لم يرتفعا. # ولا جائز أن يكون نسخا لأجزائها، وإلا كان زيادة غسل عضو آخر في طهارة ~~الصلاة ناسخا لأجزائها ووجوبها الذي كان قبل إيجاب غسل العضو الزائد، ولم ~~يقل به من قال بهذا المذهب كالقاضي عبد الجبار كما عرف من مذهبه. # ولا جائز أن يكون نسخا لوجوب التشهد عقيب الركعتين ; لأنه إنما كان واجبا ~~آخر الصلاة، وذلك غير مرتفع ولا متغير، وإنما المتغير آخر الصلاة، فإن ~~آخرها كان بآخر الركعتين، والآن صار آخر الثلاث. # وقد قيل في إبطاله: لا نسلم الحصر، فإنه كان يحرم الزيادة على الركعتين ~~والتحريم حكم شرعي، وقد ارتفع بالزيادة وليس بحق ; إذ لقائل أن يقول: إنما ~~يصح ذلك أن لو كان الأمر بالركعتين مقتضيا للنهي عن الزيادة عليهما، وليس ~~كذلك بل أمكن أن يكون ذلك مستفادا من دليل آخر، فزيادة الركعة على الركعتين ~~لا يكون نسخا لحكم الدليل الدال على وجوب الركعتين. # PageV03P172 # وقد قيل في إبطاله أيضا: إن النسخ إنما هو لأجزاء الركعتين بتقدير ~~انفرادها، وهو حكم شرعي، وقد ارتفع بالزيادة وفيه نظر ; إذ يمكن أن يقال ~~معنى كون الركعتين مجزية أنه يخرج بها عن عهدة الأمر. # ومعنى الخروج بها عن العهدة أنه لا يجب مع فعلها شيء آخر، وليس ذلك حكما ~~شرعيا ليكون رفعه نسخا شرعيا، بل هو من مقتضيات النفي الأصلي، وإنما طريق ~~الرد عليه أن يقال: ما ذكروه من الإلزام باشتراط غسل العضو الزائد، وإن كان ~~لازما على القاضي عبد الجبار، فغير لازم لغيره كالغزالي ونحوه من القائلين ~~بكون ذلك نسخا فلا بد من الدلالة عليه، ولم يتعرض لذلك وإن قدر لزوم ذلك ~~فلا يخفى أن وجوب التشهد بعد الركعتين حكم شرعي، ms637 وقد ارتفع بزيادة الركعة، ~~والقول بأن المغير إنما هو آخر الصلاة ليس كذلك، فإن التشهد كان واجبا عقيب ~~الركعتين وبالزيادة صار غير واجب. # الفرع الثالث: زيادة التغريب على الحد، وزيادة عشرين جلدة على الثمانين ~~ليس بنسخ ; لأن النسخ يستدعي رفع ما ثبت للثمانين من الحكم الشرعي، ولا ~~تحقيق له إذ الأصل بقاء ما كان لها من الحكم قبل الزيادة بعدها. # فإن قيل: بيان ارتفاع حكم الثمانين من خمسة أوجه: # الأول: أن الثمانين قبل الزيادة كانت كل الحد الواجب، وقد صارت بعد ~~الزيادة بعض الحد. # الثاني: أن الثمانين كانت مجزئة قبل الزيادة وقد ارتفع إجزاؤها بالزيادة. # الثالث: الثمانون وحدها كان يتعلق بها التفسيق ورد الشهادة، وبعد الزيادة ~~زال تعلق ذلك بالثمانين. # الرابع: أن الثمانين قبل الزيادة كان يجب الاقتصار عليها، وبعد الزيادة ~~زال هذا الوجوب. # الخامس: أن قبل الزيادة كانت الزيادة غير واجبة (1) وقد زال هذا الحكم ~~بإيجاب الزيادة. # والجواب عن الأول: أنه لا معنى لكون الثمانين قبل الزيادة كل الواجب إلا ~~PageV03P173 # أنها واجبة وغيرها ليس بواجب، ووجوبها لم يرتفع وإنما المرتفع بالزيادة ~~عدم وجوب الزيادة، وذلك معلوم بالبراءة الأصلية فلا يكون رفعه نسخا شرعيا. # وعن الثاني: ما سبق في الفرع الذي قبله. # وعن الثالث: لا نسلم أن التفسيق ورد الشهادة متعلق بالثمانين بل بالقذف، ~~وإن سلمنا تعلق ذلك بالثمانين، إلا أن معنى التفسيق يرجع إلى عدم موافقة ~~أمر الشارع ورد الشهادة إلى عدم قبولها، وذلك معلوم بالنفي الأصلي ورد ~~الشهادة، وإن كان معلوما من قوله تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة} فليس من ~~مقتضيات دليل إيجاب الثمانين، فرفعه لا يكون نسخا شرعيا. # وعن الرابع: أن معنى وجوب الاقتصار على الثمانين قبل الزيادة أنها واجبة ~~ولا تجوز الزيادة عليها، ووجوبها لم يرتفع وإنما المرتفع عدم الجواز ~~المستند إلى البراءة الأصلية، وذلك ليس بنسخ على ما تقدم. # وعلى هذا، فقد خرج الجواب عن الإلزام الخامس أيضا. # الفرع الرابع: إذا أوجب الله تعالى غسل الرجلين على التعيين، ثم خيرنا ~~بين ذلك وبين المسح على ms638 الخفين أو خيرنا في الكفارة بين الإطعام والصيام، ~~ثم زاد ثالثا وهو الإعتاق، هل يكون ذلك نسخا لوجوب غسل الرجلين على التعيين ~~ووجوب التخير بين الإطعام والصيام على التعيين؟ الحق أنه ليس بنسخ (1) ; ~~لأن معنى كون العمل واجبا على التعيين أنه واجب وأن غيره يقوم مقامه، وكونه ~~PageV03P174 # واجبا لم يرتفع، وإنما المرتفع كون غيره يقوم مقامه وذلك حكم ثابت بمقتضى ~~النفي الأصلي فرفعه لا يكون نسخا شرعيا، وكذلك التخيير بين الإطعام والصيام ~~على التعيين معناه أن الواجب واحد منهما، وأن غيرهما لا يقوم مقامهما، ~~ووجوب أحدهما لا بعينه غير مرتفع، وإنما المرتفع كون غيرهما لا يقوم ~~مقامهما، وذلك ثابت بمقتضى النفي الأصلي فرفعه لا يكون نسخا شرعيا. # الفرع الخامس: إذا أوقف الله تعالى الحكم على شاهدين بقوله: {واستشهدوا ~~شهيدين} فإذا جوز الحكم بشاهد ويمين بخبر الواحد، فهل يكون ذلك نسخا للحكم ~~بالشاهدين على التعيين؟ الحق أنه ليس بنسخ وذلك لأن مقتضى الآية جواز الحكم ~~بالشاهدين وأن شهادتهما حجة، وليس فيه ما يدل على امتناع الحكم بحجة أخرى ~~إلا بالنظر إلى المفهوم، ولا حجة فيه على ما تقدم، وإن كان حجة فرفعه يكون ~~نسخا ولا يجوز بخبر الواحد. (1) الفرع السادس: إذا أوجب الله تعالى عتق ~~رقبة مطلقة في كفارة الظهار، فتقييدها بعد ذلك بالإيمان إن ثبت أن الله ~~تعالى أراد بكلامه الدلالة على أجزاء الرقبة الكافرة وغيرها، كان التقييد ~~بالإيمان نسخا ولا يجوز بدليل العقل والقياس وخبر الواحد، وإلا كان تقييدا ~~للمطلق لا نسخا. (2) الفرع السابع: إذا أوجب الله تعالى قطع يد السارق ~~ورجله على التعيين، فإباحة قطع رجله الأخرى بعد ذلك إن كان رافعا لعدم ~~الإباحة الثابتة بحكم العقل الأصلي، فلا يكون نسخا شرعيا وإن كان رافعا ~~للتحريم، وإن جاز أن PageV03P175 # يكون نسخا، فليس نسخا لمقتضى النص الأول (لعدم دلالته عليه) . # الفرع الثامن: إذا زيد في الطهارة اشتراط غسل عضو زائد على الأعضاء ~~الستة، فلا يكون ذلك نسخا لوجوب غسل الأعضاء الستة ; إذ هي واجبة مع وجوب ~~غسل العضو الزائد، ms639 ولا لأجزائها عند الاقتصار عليها ; لأن معنى كونها مجزئة ~~أن امتثال الأمر بفعلها غير متوقف على أمر آخر، وامتثال الأمر غير مرتفع ~~وإنما المرتفع عدم التوقف على شرط آخر، وذلك المرتفع وهو عدم اشتراط أمر ~~آخر إنما كان مستندا إلى حكم العقل الأصلي، فلا يكون رفعه نسخا شرعيا. # وعلى هذا يكون الحكم فيما إذا زيد في الصلاة شرط آخر. # الفرع التاسع: قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] ~~دال على جعل أول الليل غاية للصوم، فإيجاب صوم أول الليل بعد ذلك هل يكون ~~نسخا لما دلت عليه الآية من كون أول الليل غاية للصوم وظرفا له؟ # والحق في ذلك أن يقال: إن قلنا: إن مفهوم الغاية ليس بحجة وأنه لا يدل ~~على مد الحكم إلى غاية أن يكون الحكم فيما بعد الغاية على خلاف ما قبلها، ~~فإيجاب صوم أول الليل لا يكون نسخا لمدلول الآية، وإلا كان نسخا وامتنع ذلك ~~بدليل العقل وخبر الواحد. (1) الفرع العاشر: إذا قال الله تعالى: " صلوا إن ~~كنتم متطهرين " فاشتراط شرط آخر لا يكون نسخا لأنه إما أن يكون نسخا لوجوب ~~الصلاة مع الطهارة، أو لأجزائها، أو لما فيه من رفع عدم اشتراط شرط آخر، أو ~~لشيء آخر. # لا سبيل إلى الأول لأن الوجوب مع الطهارة لم يرتفع. # والثاني لا سبيل إليه لما سبق في الفرع الثامن. # ولا سبيل إلى الثالث لأنه رفع حكم العقل الأصل، فلا يكون نسخا شرعيا. # والرابع لا بد من تصويره لأن الأصل عدمه. # وعلى هذا أيضا قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} موجب للطواف مطلقا ~~مع الطهارة ومن غير طهارة، فاشتراط الطهارة بقوله صلى الله عليه وسلم: " ~~«الطواف بالبيت PageV03P176 # صلاة» ". لا يكون نسخا لوجوب الطواف لبقاء وجوبه، ولا لإجزائه ولا لعدم ~~اشتراط الطهارة لما بيناه. # ولذلك منع الشافعي من الإجزاء بقوله: " «الطواف بالبيت صلاة» ". (1) وأبو ~~حنيفة لما لم يسعه مخالفة الخبر قال بوجوب الطهارة مع بقاء الطواف مجزئا من ~~غير طهارة، حيث اعتقد أن رفع الإجزاء يكون نسخا لحكم الكتاب ms640 بخبر الواحد. ~~PageV03P177 ### | [المسألة التاسعة عشرة نسخ ما تتوقف عليه صحة العبادة هل يكون نسخا لتلك العبادة] # المسألة التاسعة عشرة # اتفقوا على أن نسخ سنة من سنن العبادة لا يكون نسخا لتلك العبادة، كنسخ ~~ستر الرأس والوقوف على يمين الإمام في الصلاة. # واختلفوا في أن نسخ ما تتوقف عليه صحة العبادة هل يكون نسخا لتلك ~~العبادة؟ فذهب الكرخي وأبو الحسين البصري إلى أن ذلك لا يكون نسخا للعبادة. # وسواء كان المنسوخ جزءا من مفهوم العبادة كالركعة من صلاة الظهر مثلا، أو ~~شرطا خارجا عن مفهوم الصلاة كالوضوء. # ومن المتكلمين من قال: إنه نسخ للعبادة مطلقا، وإليه ميل الغزالي. # ومنهم من فصل بين الجزء والشرط، وأوجب نسخ العبادة بنسخ جزئها دون شرطها ~~كالقاضي عبد الجبار. # والمختار أنه لا يكون ذلك نسخا للعبادة مطلقا، أما إذا كانت الصلاة أربع ~~ركعات فكل ركعتين منها واجبة، فنسخ أحد الواجبين لا يوجب نسخ الواجب الآخر، ~~وكذلك إذا كانت الصلاة واجبة، والطهارة شرط فيها، فنسخ اشتراط الطهارة لا ~~يكون موجبا لنسخ وجوب الصلاة، بل الوجوب باق بحاله فلا نسخ. # فإن قيل: إذا أوجب الشارع أربع ركعات ثم نسخ منها وجوب ركعتين، فقد نسخ ~~وجوب أصل العبادة لا أنه نسخ للبعض وتبقية للبعض، فإن الركعتين الباقيتين ~~ليست بعض الأربع بل هي عبادة أخرى، وإلا فلو كانت بعضا منها لكان من صلى ~~الصبح أربع ركعات آتيا بالواجب وزيادة كما لو أوجب عليه التصدق بدرهم فتصدق ~~بدرهمين. # وإن سلمنا أن وجوب الركعتين باق بحاله غير أنها كانت قبل نسخ الركعتين لا ~~تجزي، وقد ارتفع ذلك بنسخ الركعتين الزائدتين حيث صارت تجزئ، وكان يجب ~~تأخير التشهد إلى ما بعد الأربع، وقد ارتفع ذلك وهو عين النسخ. # وعلى هذا يكون الحكم فيما إذا نسخ - شرط العبادة، فإنها كانت قبل النسخ ~~لا تجزئ، وقد ارتفع ذلك بنسخ الشرط. # والجواب قولهم: إن نسخ الركعتين نسخ لوجوب أصل العبادة - ليس كذلك بدليل ~~بقاء وجوب الركعتين. # PageV03P178 # قولهم: الركعتان عبادة أخرى غير العبادة الأولى، إن أرادوا بالغيرية ms641 أنها ~~بعض منها والبعض غير الكل فمسلم، ولكن لا يكون نسخا للركعتين وإن كان نسخا ~~لوجوب الكل، وإن أرادوا به أنها ليست بعضا من الأربع فهو غير مسلم. # قولهم: لو كانت بعضا من الأربع لكان من صلى الصبح أربعا قد أتى بالواجب ~~وزيادة. قلنا: ولو لم تكن بعضا من الواجب الأول بل عبادة أخرى لافتقرت في ~~وجوبها إلى ورود أمر يدل على وجوبها، وهو خلاف الإجماع، وحيث لم تصح صلاة ~~الصبح عند الإتيان بأربع ركعات فإنما كان لإدخال ما ليس من الصلاة فيها. # قولهم: إنها كانت قبل نسخ الركعتين لا تجزئ. قلنا: إن أريد به عدم امتثال ~~الأمر والثواب عليها فذلك مستند إلى النفي الأصلي، فرفعه لا يكون نسخا، وإن ~~أريد به وجوب القضاء فهو نسخ لكن لا لنفس العبادة. # قولهم: إنه كان يجب تأخير التشهد إلى ما بعد الأربع - ليس كذلك، فإن ~~التشهد بعد الركعتين جائز. # نعم غايته أنه لم يكن واجبا وعدم وجوبه فلبقائه على النفي الأصلي، فرفعه ~~لا يكون نسخا شرعيا على ما عرف. # نعم لو قيل برفع جوازه بحكم الشرع كان ذلك نسخا. # وعلى هذا عرف الجواب عن قولهم إن العبادة كانت لا تجزئ دون الطهارة ثم ~~صارت مجزئة. # PageV03P179 ### | [المسألة العشرون نسخ جميع التكاليف بإعدام العقل] # المسألة العشرون # اتفق العلماء على جواز نسخ جميع التكاليف بإعدام العقل الذي هو شرط في ~~التكليف، وأنه يستحيل أن يكلف الله أحدا بالنهي عن معرفته إلا على رأي من ~~يجوز التكليف بما لا يطاق، وذلك لأن تكليفه بالنهي عن معرفته يستدعي العلم ~~بنهيه، والعلم بنهيه يستدعي العلم بذاته، فإن من لا يعرف الباري تعالى ~~يمتنع عليه أن يكون عالما بنهيه، فإذا تحريم معرفته متوقف على معرفته وهو ~~دور ممتنع، وإنما الخلاف في أمرين: # الأول: أنه هل يتصور نسخ وجوب معرفة الله تعالى وشكر المنعم، ونسخ تحريم ~~الكفر والظلم والكذب، وكذلك كل ما قيل بوجوبه لحسنه وتحريمه لقبحه في ذاته؟ ~~فذهبت المعتزلة بناء على فاسد أصولهم في اعتقاد الحسن والقبح الذاتي ms642 ورعاية ~~الحكمة في أفعال الله تعالى إلى امتناع نسخ هذه الأحكام لاعتقادهم أن ~~المقتضى لوجوبها وتحريمها إنما هو صفات ذاتية لا يجوز تبديلها ولا تغييرها، ~~ونحن قد أبطلنا هذه الأصول ونبهنا على فسادها فيما تقدم. # الثاني: أنه وإن جاز نسخ هذه الأحكام فبعد أن كلف الله العبد هل يجوز أن ~~ينسخ عنه جميع التكاليف أو لا؟ # اختلفوا فيه نفيا وإثباتا، واختار الغزالي المنع من ذلك مصيرا منه إلى أن ~~المنسوخ عنه يجب عليه معرفة النسخ والناسخ والدليل المنصوب عليه. فهذا ~~النوع من التكليف لا يمكن نسخه بل هو باق بالضرورة وليس بحق، فإنا وإن قلنا ~~بأن النسخ لا يحصل في حق المكلف دون علمه بنزول النسخ فلا يمتنع تحقق النسخ ~~لجميع التكاليف في حقه عند علمه بالنسخ، وإن لم يكن مكلفا بمعرفة النسخ. # PageV03P180 ### | [خاتمة في طريق معرفة الناسخ والمنسوخ] # فنقول: النصان إذا تعارضا إما أن يتعارضا من كل وجه أو من وجه دون وجه، ~~فإن تنافيا من كل وجه فإما أن يكونا معلومين أو مظنونين أو أحدهما معلوما ~~والآخر مظنونا، فإن كانا معلومين أو مظنونين فإما أن يعلم تأخر أحدهما عن ~~الآخر أو اقترانهما أو لا يعلم شيء من ذلك، فإن علم تأخر أحدهما عن الآخر ~~فهو ناسخ والمتقدم منسوخ. # وذلك قد يعرف إما بلفظ النسخ والمنسوخ كما لو قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " هذا ناسخ وهذا منسوخ " (1) أو أجمعت الأمة على ذلك. # وإما بالتاريخ، وذلك قد يعلم إما بأن يكون في اللفظ ما يدل على التقدم ~~والتأخر كقوله صلى الله عليه وسلم: " «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» ~~". # وإما بإسناد الراوي أحدهما إلى شيء متقدم كقوله: كان هذا في السنة ~~الفلانية وهذا في السنة الفلانية. وإحداهما معلومة التقدم على الأخرى، هذا ~~كله إذا كان سند الناسخ والمنسوخ مستويا. # وليس من الطرق الصحيحة في معرفة النسخ أن يقول الصحابي: " كان الحكم كذا ~~ثم نسخ " فإنه ربما قال ذلك عن اجتهاد، ولا أن يقول في أحد المتواترين إنه ~~كان قبل ms643 الآخر ; لأنه يتضمن نسخ المتواتر بقول الواحد ولا يلزم ثبوت نسب ~~الولد من صاحب الفراش ضمنا من قبول قول القابلة في الولد إنه من إحدى ~~المرأتين، وأن النسب لا يثبت بقولها ابتداء مثل ذلك هاهنا كما قاله القاضي ~~عبد الجبار، فإن غاية ذلك الجواز ولا يلزم منه الوقوع. # ولا أن يكون أحدهما مثبتا في المصحف بعد الآخر لأنه ليس ترتيب الآيات في ~~المصحف على ترتيبها في النزول، ولا أن يكون راوي أحدهما من أحداث ~~PageV03P181 # الصحابة لأنه قد ينقل عمن تقدمت صحبته، وإن روى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من غير واسطة، فلجواز أن تكون رواية متقدم الصحبة متأخرة. # ولا أن يكون إسلام أحد الراويين بعد إسلام الآخر ; لما ذكرناه في رواية ~~الحدث، ولا أن يكون أحد الراويين متجدد الصحبة بعد انقطاع صحبة الراوي ~~الآخر ; لجواز سماعه عمن تقدمت صحبته. # ولا أن يكون أحد النصين على وفق قضية العقل والبراءة الأصلية والآخر على ~~خلافه، فإنه ليس تقدم الموافق لذلك أولى من المخالف. # وأما إن علم اقترانهما مع تعذر الجمع بينهما فعندي أن ذلك غير متصور ~~الوقوع وإن جوزه قوم، وبتقدير وقوعه فالواجب إما الوقف عن العمل بأحدهما ~~(1) أو التخيير بينهما إن أمكن، وكذلك الحكم فيما إذا لم يعلم شيء من ذلك. # وأما إن كان أحدهما معلوما والآخر مظنونا، فالعمل بالمعلوم واجب سواء ~~تقدم أو تأخر (2) ، أو جهل الحال في ذلك لكنه إن كان متأخرا عن المظنون كان ~~ناسخا وإلا كان مع وجوبه العمل غير ناسخ. هذا كله فيما إذا تنافيا من كل ~~وجه. # وأما إن تنافيا من وجه دون وجه بأن يكون كل واحد منهما أعم من الآخر من ~~وجه دون وجه كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ( «من بدل دينه فاقتلوه» ) ~~(3) فإنه خاص بالمبدل وعام في النساء والرجال، وقوله: " «نهيت عن قتل ~~النسوان» " (4) فإنه خاص في النساء وعام بالنسبة إلى المبدل، فالحكم فيهما ~~كما لو تنافيا من كل وجه فعليك بالاعتبار، والله أعلم PageV03P182 ### | [الأصل الخامس في القياس] ### | [مقدمة ms644 في تحقيق معنى القياس وبيان أركانه] # ويشتمل على مقدمة وخمسة أبواب. # أما المقدمة ففي تحقيق معنى القياس وبيان أركانه. # أما القياس فهو في اللغة عبارة عن التقدير، ومنه يقال: قست الأرض بالقصبة ~~وقست الثوب بالذراع أي قدرته بذلك. # وهو يستدعي أمرين يضاف أحدهما إلى الآخر بالمساواة، فهو نسبة وإضافة بين ~~شيئين، ولهذا يقال: فلان يقاس بفلان ولا يقاس بفلان أي يساويه ولا يساويه. # وأما في اصطلاح الأصوليين فهو منقسم إلى قياس العكس وقياس الطرد. # أما قياس العكس فعبارة عن تحصيل نقيض حكم معلوم ما في غيره ; لافتراقهما ~~(1) في علة الحكم، وذلك كما لو قيل: لو لم يكن الصوم شرطا في الاعتكاف لما ~~كان شرطا له عند نذره أن يعتكف صائما، كالصلاة فإن الصلاة لما لم تكن شرطا ~~في الاعتكاف لم تكن من شرطه إذا نذر أن يعتكف مصليا، فالأصل هو الصلاة ~~والفرع هو الصوم، وحكم الصلاة أنها ليست شرطا في الاعتكاف، والثابت في ~~الصوم نقيضه، وهو أنه شرط في الاعتكاف وقد افترقا في العلة (2) لأن العلة ~~التي لأجلها لم تكن الصلاة شرطا في الاعتكاف أنها لم تكن شرطا فيه حالة ~~النذر، وهذه العلة غير موجودة في الصوم ; لأنه شرط في الاعتكاف حالة النذر ~~إجماعا. (3) PageV03P183 # وأما قياس الطرد فقد قيل فيه عبارات غير مرضية لا بد من الإشارة إليها ~~وإلى إبطالها ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار فيه. # فمنها قول بعضهم: إنه عبارة عن إصابة الحق وهو منتقض بإصابة الحق بالنص ~~والإجماع، فإنه على ما قيل وليس بقياس، كيف وإن إصابة الحق فرع للقياس وحكم ~~له، وحكم القياس لا يكون هو القياس. # ومنها قول بعضهم: إنه بذل الجهد في استخراج الحق، وهو أيضا باطل بما ~~أبطلنا به الحد الذي قبله. # كيف وإن بذل الجهد إنما هو منبئ عن حال القائس لا عن نفس القياس. # وقد قيل في إبطاله أنه غير منعكس لوجود المحدود دون الحد، وذلك أن من رأى ~~حكما منصوصا عليه وعلى علته وكانت علته مما يشهد الحس بها ms645 في الفرع فإن ذلك ~~مقتضى تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع بطريق القياس، وإن لم يوجد فيه بذل ~~جهد في استخراج الحق فقد وجد المحدود دون حده وليس بحق، فإنه وإن لم يلحق ~~المكلف بذل جهد في معرفة الحكم وعلته لكونهما منصوصين ولا في معرفة وجود ~~العلة في الفرع لكونها محسة فيه، فلا بد من الاجتهاد في معرفة صحة النص إن ~~كان آحادا وإن كان متواترا، ولا بد من البحث عن كونه منسوخا أم لا، وإن لم ~~يكن منسوخا فلا بد من النظر في الأصل هل للعلة فيه معارض أو لا؟ وإن لم يكن ~~لها معارض في الأصل فلا بد من النظر في الفرع هل وجد فيه مانع أو فات شرط ~~أو لا؟ ثم وإن قدر انتفاء الاجتهاد مطلقا في الصورة المفروضة فلا نسلم تحقق ~~القياس فيها بل الحكم إنما يثبت في الفرع على هذا التقدير بالاستدلال لا ~~بالقياس على ما يأتي تحقيقه. # ومنها قول بعضهم: إن القياس هو التشبيه، ويلزم عليه أن يكون تشبيه أحد ~~الشيئين بالآخر في المقدار، وفي بعض صفات الكيفيات كالألوان والطعوم ونحوها # PageV03P184 # قياسا شرعيا ; إذ الكلام إنما هو في حد القياس في اصطلاح المتشرعين وليس ~~كذلك. # ومنها قول بعضهم: القياس هو الدليل الموصل إلى الحق، وهو باطل بالنص ~~والإجماع. # ومنهم من قال: هو العلم الواقع بالمعلوم عن نظر، وهو أيضا باطل بالعلم ~~الحاصل بالنظر في دلالة النص والإجماع. # كيف وإن العلم غير حاصل من القياس، فإنه لا يفيد غير الظن، وإن كان حاصلا ~~منه فهو ثمرة القياس فلا يكون هو القياس. # وقال أبو هاشم: إنه عبارة عن حمل الشيء على غيره وإجراء حكمه عليه، وهو ~~باطل من وجهين: # الأول: أنه غير جامع ; لأنه يخرج منه القياس الذي فرعه معدوم ممتنع لذاته ~~فإنه ليس بشيء. # الثاني: أن حمل الشيء على غيره وإجراء حكمه عليه قد يكون من غير جامع فلا ~~يكون قياسا، وإن كان بجامع فيكون قياسا وليس في لفظه ما يدل على الجامع، ~~فكان لفظه ms646 عاما للقياس ولما ليس بقياس. # وقال القاضي عبد الجبار: إنه حمل الشيء على الشيء في بعض أحكامه بضرب من ~~الشبه، وهو باطل بما أبطلنا به حد أبي هاشم في الوجه الأول. # وقال أبو الحسين البصري: القياس تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في ~~علة الحكم عند المجتهد. # وقد أورد على نفسه في ذلك إشكالا وأجاب عنه، أما الإشكال فهو أن الفقهاء ~~يسمون قياس العكس قياسا، وليس هو تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في ~~علة الحكم، بل هو تحصيل نقيض حكم الشيء في غيره لافتراقهما في علة الحكم ~~كما سبق تحقيقه. # وأما الجواب فحاصله أن تسمية قياس العكس قياسا إنما كان بطريق المجاز ~~لفوات خاصية القياس فيه، وهو إلحاق الفرع بالأصل في حكمه لما بينهما من ~~المشابهة. # ويمكن أن يقال في جوابه أيضا: إنه وإن كان قياسا حقيقة غير أن اسم القياس ~~مشترك بين قياس الطرد وقياس العكس، فتحديد أحدهما # PageV03P185 # بخاصيته لا ينتقض بالمسمى الآخر المخالف له في خاصيته وإن كان مسمى ~~باسمه. # ولهذا فإنه لو حدت العين بحد يخصها لا ينتقض بالعين الجارية المخالفة لها ~~في حدها وإن اشتركا في الاسم، والمحدود هاهنا إنما هو قياس الطرد المخالف ~~في حقيقته لقياس العكس، غير أن ما ذكروه من الحد مدخول من وجهين: # الأول: أن قوله: تحصيل حكم الأصل في الفرع مشعر بتحصيل عين حكم الأصل في ~~الفرع، وهو ممتنع فكان من حقه أن يقول: مثل حكم الأصل في الفرع. # الثاني: أن تحصيل حكم الأصل في الفرع هو حكم الفرع ونتيجة القياس، ونتيجة ~~الشيء لا تكون هي نفس ذلك الشيء، فكان الأولى أن يقول: القياس هو اشتباه ~~الفرع والأصل في علة حكم الأصل في نظر المجتهد على وجه يستلزم تحصيل الحكم ~~في الفرع. # وقال القاضي أبو بكر: (1) القياس حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما ~~أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من إثبات حكم أو صفة لهما أو نفيهما عنهما، ~~وقد وافقه عليه أكثر أصحابنا، وهو مشتمل على خمسة قيود: ms647 # الأول: قوله: حمل معلوم على معلوم. # الثاني: قوله: في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما. # الثالث: قوله: بناء على جامع بينهما. # الرابع: قوله: من إثبات حكم أو صفة لهما. # الخامس: قوله: أو نفيه عنهما. # أما القيد الأول فيستدعي بيان معنى الحمل، وبيان فائدة إطلاق لفظ المعلوم ~~وفائدة حمل المعلوم على المعلوم. # أما الحمل فمعناه مشاركة أحد المعلومين للآخر في حكمه، وإنما أطلق لفظ ~~المعلوم لأنه ربما كانت صورة المحمول والمحمول عليه عدمية، وربما كانت ~~وجودية، فلفظ المعلوم يكون شاملا لهما، فإنه لو أطلق لفظ الموجود لخرج منه ~~المعدوم، ولو أطلق لفظ الشيء لاختص أيضا بالموجود على رأي أهل الحق. ~~PageV03P186 # ولو قال: حمل فرع على أصل، ربما أوهم اختصاصه بالموجود من جهة أن وصف ~~أحدهما بكونه فرعا والآخر بكونه أصلا قد يظن أنه صفة وجودية، والصفات ~~الوجودية لا تكون صفة للمعدوم وإن لم يكن حقا، فكان استعمال لفظ المعلوم ~~أجمع وأمنع وأبعد عن الوهم الفاسد، وإنما قال: حمل معلوم على معلوم لأن ~~القياس يستدعي المقايسة، وذلك لا يكون إلا بين شيئين، ولأنه لولاه لكان ~~إثبات الحكم أو نفيه في الفرع غير مستفاد من القياس، أو كان معللا بعلة غير ~~معتبرة فيكون بمجرد الرأي والتحكم، وهو ممتنع. # وأما القيد الثاني فإنما ذكره لأن حمل الفرع على الأصل قد بان أن معناه ~~التشريك في الحكم، وحكم الأصل وهو المحمول عليه قد يكون إثباتا وقد يكون ~~نفيا، وكانت عبارته بذلك أجمع للنفي والإثبات. # وأما القيد الثالث: فإنما ذكره لأن القياس لا يتم إلا بالجامع بين الأصل ~~والفرع، وإلا كان حمل الفرع على الأصل في حكمه من غير دليل وهو ممتنع. # وأما القيد الرابع: فإنما ذكره لأن الجامع بين الأصل والفرع قد يكون تارة ~~حكما شرعيا، كما لو قال في تحريم بيع الكلب: نجس فلا يجوز بيعه كالخنزير، ~~وقد يكون وصفا حقيقيا كما لو قال في النبيذ: مسكر، فكان حراما كالخمر. # وأما القيد الخامس فإنما ذكره لأن الجامع من الحكم أو الصفة قد يكون ~~إثباتا ms648 كما ذكرناه من المثالين، وقد يكون نفيا: # إما في الحكم لو قال في الثوب النجس إذا غسل بالخل: غير طاهر فلا تصح ~~الصلاة فيه كما لو غسله باللبن والمرق. # وإما في الصفة فكما لو قال في الصبي: غير عاقل فلا يكلف كالمجنون. # وقد أورد عليه تشكيكات لا بد في ذكرها والإشارة إلى دفعها: # الإشكال الأول أن القول بحمل المعلوم على المعلوم إما أن يراد به إثبات ~~مثل حكم أحدهما للآخر أو شيء آخر، فإن كان الأول فالقول ثانيا في إثبات حكم ~~لهما أو نفيه عنهما يكون تكرارا من غير فائدة. # PageV03P187 # وإن كان الثاني فلا بد من بيانه، كيف وإنه بتقدير أن يراد به شيء آخر فلا ~~يجوز ذكره في تعريف القياس ; لأن ماهية القياس تتم بإثبات مثل حكم أحد ~~المعلومين للآخر بأمر جامع، فكان ذكر ذلك الشيء زائدا عما يحتاج إليه. # الثاني: أن قوله في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما مشعر بأن الحكم في ~~الأصل والفرع مثبت بالقياس، وهو محال من جهة أن القياس فرع على ثبوت الحكم ~~في الأصل، فلو كان ثبوت الحكم في الأصل فرعا على القياس كان دورا. # الثالث: أنه كما يثبت الحكم بالقياس فقد ثبتت الصفة أيضا بالقياس، كقولنا ~~في الباري تعالى: (عالم) فكان له علم كالشاهد، فالقياس أعم من القياس ~~الشرعي والعقلي، وعند ذلك إما أن تكون الصفة مندرجة في الحكم أو لا تكون، ~~فإن كان الأول كان القول بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة أو نفيهما تكرارا ~~لكون الصفة أحد أقسام الحكم، وإن كان الثاني كان التعريف ناقصا. # الرابع: أن المعتبر في ماهية القياس الجامع من حيث هو جامع لأقسام ~~الجامع، وذلك أن ماهية القياس قد تنفك عن كل واحد من أقسامه بعينه، وما ~~تنفك عنه الماهية لا يكون داخلا في حدها، وأيضا فإنه لو وجب في ذكر ماهية ~~القياس ذكر أقسام الجامع فالحكم والصفة الجامعة أيضا كل واحد منهما منقسم ~~إلى أقسام كثيرة لا تحصى، فكان يجب استقصاؤها في الذكر وإلا ms649 كان الحد ناقصا ~~وهو محال. # الخامس: أن كلمة (أو) للترديد والشك، والتحديد إنما هو للتعيين، والترديد ~~ينافي التعيين. # السادس: أن القياس الفاسد قياس، وهو غير داخل في هذا الحد، وذلك لأن هذا ~~القائل قد اعتبر في حده حصول الجامع، ومهما حصل الجامع كان صحيحا، فالفاسد ~~الذي لم يحصل الجامع فيه في نفس الأمر لا يكون داخلا فيه، فكان يجب أن يقال ~~بأمر جامع في ظن المجتهد، فإنه يعم القياس الفاسد الذي لم يحصل الجامع فيه ~~في نفس الأمر. # والجواب عن الإشكال الأول أن المراد بحمل المعلوم على المعلوم إنما هو ~~التشريك بينهما في حكم أحدهما مطلقا. # وقوله بعد ذلك (في إثبات حكم أو نفيه) إشارة إلى ذكر تفاصيل ذلك الحكم ~~وأقسامه، # PageV03P188 # وهي زائدة على نفس التسوية في مفهوم الحكم، فذكرها ثانيا لا يكون تكرارا. # وعن الثاني، وإن كان هو أقوى الإشكالات الواردة هاهنا - أن يقال: لا نسلم ~~أن قول القائل: (حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما) ~~مشعر بإثبات حكم الأصل بالقياس حتى يلزم منه الدور ; لأن القياس على ما علم ~~مركب من الأصل، والفرع، وحكم الأصل، والوصف الجامع بين الأصل والفرع، ~~والحكم في الأصل غير مستند في ثبوته ولا نفيه إلى مجموع هذه الأمور ; إذ هو ~~غير متوقف على الفرع ولا على نفيه، وإنما هو متوقف في ثبوته على الوصف ~~الجامع، وهو العلة حيث إن الشرع لم يثبت الحكم في الأصل إلا بناء عليه، ~~ولهذا قال الحاد في هذه: (في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع ~~بينهما) والوصف الجامع ركن القياس، وليس هو نفس القياس، فلا يكون ثبوت ~~الحكم في الأصل ولا نفيه بالقياس بل بالعلة، وليست هي نفس القياس وإنما ~~الثابت والمنفي بالقياس إنما هو حكم الفرع لا غير. (1) وعن الثالث من ~~وجهين: الأول أنه مبني على تصور القياس في غير الشرعيات، وهو غير مسلم على ~~ما يأتي بيانه (2) وما ذكروه من المثال فقد أبطلنا صحة القياس فيه في " ~~أبكار الأفكار ". الثاني ms650 وإن سلمنا تصور القياس في غير الشرعيات، غير أن ~~الكلام إنما وقع في تحديد القياس الشرعي في مصطلح أهل الشرع، وذلك لا يكون ~~إلا فيما كان حكم الأصل فيه شرعيا والصفة ليست حكما شرعيا، فلا PageV03P189 # تكون مندرجة فيه، وعلى هذا فخروج القياس العقلي عن الحد المذكور للقياس ~~الشرعي لا يكون موجبا لنقصانه وقصوره. # وعن الرابع: أنه وإن كان ذكر أقسام الجامع من الحكم والصفة وتعيين كل ~~داخل في مفهوم القياس فذكره لم يكن لتوقف مفهوم القياس عليه حتى يقال بقصور ~~التعريف، بل للمبالغة في الكشف والإيضاح بذكر الأقسام، وذلك مما لا يخل ~~بالحد ولا يلزم من ذلك الاستقصاء بذكر باقي أقسام الحكم والصفة لعدم وجوبه. # وعن الخامس: أن التحديد والتعريف قد تم بقولنا: (حمل معلوم على معلوم ~~بأمر جامع بينهما) وما وقع فيه الترديد بحرف (أو) فقد بان التحديد (1) ~~والتعريف غير متوقف عليه، وإنما ذكر لزيادة البيان والإيضاح فلا يكون ذلك ~~مانعا من تعريف المحدود، كيف وإنه لا معنى للترديد سوى بيان صحة انقسام ~~الحكم والجامع إلى ما قيل، وصحة الانقسام من الصفات اللازمة التي لا ترديد ~~فيها. # وعن السادس: أن المطلوب إنما هو تحديد القياس الصحيح الشرعي، والفاسد ليس ~~من هذا القبيل فخروجه عن الحد لا يكون مبطلا له لكنه يرد عليه إشكال مشكل ~~لا محيص عنه وهو أن الحكم في الفرع نفيا وإثباتا متفرع على القياس إجماعا ~~وليس هو ركنا في القياس ; لأن نتيجة الدليل لا تكون ركنا في الدليل لما فيه ~~من الدور الممتنع، وعند ذلك فيلزم من أخذ إثبات الحكم ونفيه في الفرع في حد ~~القياس أن يكون ركنا في القياس وهو دور ممتنع، وقد أخذه في حد القياس حيث ~~قال: (في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما) إشارة إلى الفرع والأصل. # والمختار في حد القياس أن يقال: إنه عبارة عن الاستواء بين الفرع والأصل ~~في العلة المستنبطة من حكم الأصل، وهذه العبارة جامعة مانعة وافية بالغرض ~~عرية عما يعترضها من التشكيكات العارضة لغيرها على ما ms651 تقدم. (2) ~~PageV03P190 # وإذا عرف معنى القياس فهو يشتمل على أربعة أركان: الأصل، والفرع، وحكم ~~الأصل، والوصف الجامع. # أما الأصل، فقد يطلق على أمرين: الأول ما بني عليه غيره كقولنا: إن معرفة ~~الله أصل في معرفة رسالة الرسول، من حيث إن معرفة الرسول تنبني على معرفة ~~المرسل. الثاني: ما عرف بنفسه من غير افتقار إلى غيره وإن لم يبن عليه ~~غيره، وذلك كما تقوله في تحريم الربا في النقدين فإنه أصل وإن لم يبن عليه ~~غيره. # وعلى هذا اختلف العلماء في الأصل في القياس، وذلك كما إذا قسنا النبيذ ~~على الخمر المنصوص عليه بقوله عليه السلام: " «حرمت الخمرة لعينها» " (1) ~~في تحريم الشراب هل الأصل هو النص أو الخمر أو الحكم الثابت في الخمر؟ وهو ~~التحريم مع اتفاق الكل على أن العلة في الخمر وهي الشدة المطربة ليست هي ~~الأصل. # فقال بعض المتكلمين: الأصل هو النص الدال على تحريم الخمر لأنه الذي بني ~~عليه التحريم، والأصل ما بني عليه. PageV03P191 # وقالت الفقهاء: الأصل إنما هو الخمر الثابتة حرمته ; لأن الأصل ما كان ~~حكم الفرع مقتبسا منه ومردودا إليه، وهذا إنما يتحقق في نفس الخمر. # وقال بعضهم: الأصل إنما هو الحكم الثابت في الخمر ; لأن الأصل ما انبنى ~~عليه غيره وكان العلم به موصلا إلى العلم بغيره أو الظن، وهذه الخاصية ~~موجودة في حكم الخمر فكان هو الأصل. # قالوا: وليس الأصل هو النص ; لأن النص هو الطريق إلى العلم بالحكم، ولو ~~تصور العلم بالحكم في الخمر دون النص كان القياس ممكنا، ولأنه لو كان النص ~~هو الأصل لكونه طريقا إلى معرفة الحكم باتفاق لكان قول الراوي هو أصل ~~القياس بطريق الأولى لكونه طريقا إلى معرفة النص وليس كذلك بالاتفاق. # وليس الأصل أيضا هو الخمر ; لأنه قد يعلم الخمر ولا يعلم أن الحرمة جارية ~~فيه ولا في الفرع، بخلاف ما إذا علم الحكم فكان هو الأصل. # واعلم أن النزاع في هذه المسألة لفظي، وذلك لأنه إذا كان معنى الأصل: ما ~~يبنى عليه غيره فالحكم أمكن أن ms652 يكون أصلا لبناء الحكم في الفرع عليه على ما ~~تقرر، وإذا كان الحكم في الخمر أصلا فالنص الذي به معرفة الحكم يكون أصلا ~~للأصل، وعلى هذا: أي طريق عرف به حكم الخمر من إجماع أو غيره أمكن أن يكون ~~أصلا، وكذلك الخمر فإنه إذا كان محلا للفعل الموصوف بالحرمة فهو أيضا أصل ~~للأصل فكان أصلا. # والأشبه أن يكون الأصل هو المحل على ما قاله الفقهاء لافتقار الحكم والنص ~~إليه ضرورة من غير عكس فإن المحل غير مفتقر إلى النص ولا إلى الحكم. # وأما الفرع فهل هو نفس الحكم المتنازع فيه أو محله؟ اختلفوا فيه: # فمن قال بأن الأصل هو الحكم في الخمر قال: الفرع هو الحكم في النبيذ. # ومن قال بأن الأصل هو المحل قال: الفرع هو المحل وهو النبيذ، وإن كان ~~الأولى أن يكون الفرع هو الحكم المتفرع على القياس، والمحل أصل الحكم ~~المفرع على القياس، فتسمية الخمر أصل أولى من تسمية النبيذ فرعا من حيث إن ~~الخمر أصل للتحريم الذي هو الأصل بخلاف النبيذ فإنه أصل للفرع لا أنه فرع ~~له. # PageV03P192 # وأما الوصف الجامع فهو فرع في الحكم لكونه مستنبطا من محل حكم المنصوص ~~عليه، فهو تبع للنص والحكم ومحله، وهو أصل في الفرع لكون الحكم المتنازع ~~فيه في النبيذ مبنيا عليه، وتسمية الوصف الجامع في الفرع أصلا أولى من ~~تسمية النص في الخمر والتحريم ومحله أصلا للاختلاف في ذلك والاتفاق على كون ~~الوصف في ذلك أصلا. ### | [الباب الأول في شرائط القياس] ### | مقدمة أن للقياس أركانا لا يتم دونها # وإذا عرف معنى القياس وأركانه فلنشرع في بيان أبوابه: # الباب الأول: في شرائط القياس # ويشتمل على مقدمة وأقسام: # أما المقدمة فاعلم أن القياس على ما سبق تعريفه يستدعي أركانا لا يتم ~~دونها، وثمرة، هي نتيجته: # فأما الأركان فهي أربعة: # الفرع المسمى بصورة محل النزاع، وهي الواقعة المتنازع في حكمها نفيا ~~وإثباتا. # والأصل: وهو الواقعة التي يقصد تعدية حكمها إلى الفرع. # والحكم: الشرعي الخاص بالأصل. # والعلة: الجامعة بين الأصل والفرع. ms653 # وأما ثمرته: فحكم الفرع فإنه إذا تم القياس أنتج حكم الفرع، وليس حكم ~~الفرع من أركان القياس ; إذ الحكم في الفرع متوقف على صحة القياس، فلو كان ~~ركنا منه لتوقف على نفسه وهو محال. # وعلى هذا فشروط القياس لا تخرج عن شروط هذه الأركان، فمنها ما يعود إلى ~~الأصل، ومنها ما يعود إلى الفرع. وما يعود إلى الأصل: فمنها ما يعود إلى ~~حكمه، ومنها ما يعود إلى علته. فلنرسم في كل واحد منهما قسما (1) ~~PageV03P193 ### | [القسم الأول في شرائط حكم الأصل] # وهي ثمانية. # الشرط الأول: أن يكون حكما شرعيا ; لأن الغرض من القياس الشرعي إنما هو ~~تعريف الحكم الشرعي في الفرع نفيا وإثباتا، فإذا لم يكن الحكم في الأصل ~~شرعيا بأن كان قضية لغوية أو عقلية، فالحكم المتعدي إلى الفرع لا يكون ~~شرعيا فلا يكون الغرض من القياس الشرعي حاصلا، كيف وإنه إذا كان قضية لغوية ~~فقد بينا امتناع جريان القياس فيه في اللغات. # الشرط الثاني: يكون ثابتا غير منسوخ، حتى يمكن بناء الفرع عليه، وإلا ~~فبتقدير أن لا يكون فلا ينتفع به ناظر ولا مناظر ; لأنه إنما تعدى الحكم من ~~الأصل إلى الفرع بناء على الوصف الجامع، وذلك متوقف على اعتبار الشارع له، ~~فإذا لم يكن الحكم المرتب على وصفه في الشرع فلا يكون معتبرا. # الشرط الثالث: أن يكون دليل ثبوته شرعيا ; لأن ما لا يكون دليله شرعيا لا ~~يكون حكما شرعيا. # الشرط الرابع: ألا يكون حكم الأصل متفرعا عن أصل آخر، وهذا ما ذهب إليه ~~أكثر أصحابنا والكرخي خلافا للحنابلة (1) وأبي عبد الله البصري، وذلك لأن ~~العلة الجامعة بينه وبين أصله إما أن تكون هي العلة الجامعة بينه وبين ~~فرعه، أو هي غيرها. # فإن كان الأول: فالأصل الذي به الشهادة بالاعتبار إنما هو الأصل الأخير ~~لا الأصل الأول، فليقع الرد إليه وإلا فهو تطويل من غير فائدة ; وذلك كما ~~لو قال PageV03P194 # الشافعي مثلا في السفرجل مطعوم، فجرى فيه الربا قياسا على التفاح، ثم قاس ~~التفاح في تحريم الربا على ms654 البر بواسطة الطعم أيضا. # وإن كان الثاني: وهو أن تكون العلة في القياسين مختلفة، فلا تخلو إما أن ~~تكون العلة التي عدي بها الحكم من الأصل الممنوع حكمه إلى فرعه - مؤثرة، ~~أي: ثابتة بنص أو إجماع، أو مستنبطة منه، فإن كان الأول فقد أمكن إثبات ~~الحكم في الفرع الأول بالعلة المؤثرة، ولم يبق للقياس على الأصل الممنوع ~~حكمه، وقياسه على الأصل الأخير - حاجة، بل هو تطويل غير مفيد. وإن كان ~~الثاني: وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة فسخ النكاح بالجذام: عيب يثبت به ~~الفسخ في البيع فيثبت به الفسخ في النكاح، قياسا على الرتق والقرن ثم قاس ~~الرتق والقرن عند توجه منعه على الجب والعنة بواسطة فوات غرض الاستمتاع به، ~~فلا يصح القياس فيه، وذلك لأن الحكم في الفرع المتنازع فيه أولا إنما يثبت ~~بما ثبت به حكم أصله، فإذا كان حكم أصله ثابتا بعلة أخرى وهي ما استنبطت من ~~الأصل الآخر، فيمتنع تعدية الحكم بغيرها ; لأن غيرها لم يثبت اعتبار الشارع ~~له ضرورة أن الحكم الثابت معه ثابت بغيره بالاتفاق، فلو ثبت الحكم به في ~~الفرع الأول مع عدم اعتباره كان ذلك إثباتا للحكم بالمعنى المرسل الخلي عن ~~الاعتبار وذلك ممتنع. # وعلى هذا فإن قلنا بجواز تعليل الحكم الواحد بعلتين مع كونه ممتنعا كما ~~يأتي تقريره (1) ، فهو ممتنع هاهنا حيث إنا قطعنا بأن العلة المستنبطة من ~~الأصل الممنوع مما لم يلتفت إليها الشارع في إثبات الحكم في أصلها للاتفاق ~~على ثبوته بغيرها، والجمع بين العلل إنما يكون حيث يمكن الظن باعتبار ~~الشارع لها من إثبات الحكم على وفقها. # هذا كله إن كان حكم الأصل مقولا به من جهة المستدل ممنوعا من جهة ~~المعترض، وأما إن كان مقولا به من جهة المعترض ممنوعا من جهة المستدل، وذلك ~~كما لو قال الحنفي في مسألة تعيين النية عندما إذا نوى النفل أتى بما أمر ~~به، فوجب أن يصح كما إذا كان عليه فريضة الحج ونوى النفل، فإن الحكم ~~PageV03P195 # في الأصل مما ms655 لا يقول به الحنفي بل الشافعي، فلا يصح من المستدل بناء ~~الفرع عليه ; لأنه إما أن يذكر ذلك في معرض التقرير لمأخذ من هو منتم إليه ~~أو في معرض الإلزام للخصم. # فإن كان الأول فهو ممتنع لأنه إنما يعرف كون الوصف الجامع مأخذا لإمامه؛ ~~بإثباته للحكم على وفقه، وبالقياس على الأصل الذي لا يقول به إمامه لا يعرف ~~ذلك. # وإن كان الثاني: وذلك بأن يقول: هذا هو عندك علة الحكم في الأصل المقيس ~~عليه، وهو موجود في محل النزاع، فيلزمك الاعتراف بحكمه وإلا فيلزم منه ~~إبطال المعنى وانتقاضه لتخلف الحكم عنه من غير معارض، ويلزم من إبطال ~~التعليل به امتناع إثبات الحكم به في الأصل، فهو أيضا ممتنع لوجهين: # الأول: أن للمعترض أن يقول: الحكم في الأصل لم يكن عندي ثابتا بناء على ~~هذا الوصف بل بناء على غيره، ويجب تصديقه فيه لكونه عدلا، والظاهر من حاله ~~الصدق وهو أعرف بمأخذ مذهبه. الثاني: أنه وإن كان الحكم في الأصل معللا ~~بالوصف المذكور غير أن حاصل الإلزام يرجع إلى إلزام المعترض بالتخطئة في ~~الفرع بإثبات خلاف حكمه، ضرورة تصويبه في اعتقاد كون الوصف الجامع علة ~~للحكم في الأصل المقيس عليه، وهو غير لازم ; إذ ليس تخطئته في الفرع ضرورة ~~تصويبه في حكم الأصل بالوصف المذكور - أولى من تخطئته في تعليل حكم الأصل ~~بالوصف المذكور، وتصويبه في حكم الفرع. # الشرط الخامس: ألا يكون حكم الأصل معدولا به عن سنن القياس، والمعدول به ~~عن سنن القياس على قسمين: # الأول: ما لا يعقل معناه، وهو على ضربين: إما مستثنى من قاعدة عامة أو ~~مبتدأ به، فالأول كقبول شهادة خزيمة وحده، فإنه مع كونه غير معقول المعنى - ~~مستثنى من قاعدة الشهادة. # والثاني: كأعداد الركعات وتقدير نصب الزكوات ومقادير الحدود # PageV03P196 # والكفارات، فإنه مع كونه غير معقول المعنى غير مستثنى من قاعدة سابقة ~~عامة، وعلى كلا التقديرين يمتنع فيه القياس. # القسم الثاني: ما شرع ابتداء ولا نظير له، ولا يجري فيه القياس لعدم ~~النظير، وسواء كان معقول ms656 المعنى كرخص السفر والمسح على الخفين لعلة دفع ~~المشقة، أو هو غير معقول المعنى، كاليمين في الدية على العاقلة ونحوه. # الشرط السادس: إذا كان حكم الأصل متفقا عليه، فقد اختلفوا في كيفية ~~الإنفاق: # فمنهم من قال بأنه يكفي أن يكون ذلك متفقا عليه بين الفريقين لا غير. # ومنهم من قال: لا يكفي ذلك، بل لا بد وأن يكون متفقا عليه بين الأمة، ~~وإلا فإن كان متفقا عليه بين الفريقين فقط، فلا يصح القياس عليه وسموه ~~قياسا مركبا. # وقبل النظر في مأخذ الحجاج فلا بد من النظر في معنى القياس المركب ~~وأقسامه. # أما القياس المركب فهو أن يكون الحكم في الأصل غير منصوص عليه ولا مجمع ~~عليه من الأمة (1) وهو قسمان: # الأول مركب الأصل، والثاني مركب الوصف. # أما التركيب في الأصل: فهو أن يعين المستدل علة في الأصل المذكور، ويجمع ~~بها بينه وبين فرعه فيعين المعترض فيه علة أخرى ويقول: الحكم عندي ثابت ~~بهذه العلة، وذلك كما إذا قال في مسألة الحر بالعبد مثلا: عبد فلا يقتل به ~~الحر كالمكاتب، فإن المكاتب غير منصوص عليه ولا مجمع عليه بين الأمة ; ~~لاختلاف الناس في وجوب القصاص على قاتله، وإنما هو متفق عليه بين الشافعي ~~وأبي حنيفة. # وعند ذلك فللحنفي أن يقول: العلة في المكاتب (2) المتفق عليه المانعة من ~~جريان القصاص فيه عندي إنما هو جهالة (3) المستحق من السيد أو الورثة، فإن ~~سلم ذلك امتنعت التعدية إلى الفرع لخلو الفرع عن العلة، وإن أبطل التعليل ~~بها فأنا أمنع الحكم في الأصل ; لأنه إنما ثبت عندي بهذه العلة، وهي مدرك ~~إثباته ولا محذور في نفي الحكم PageV03P197 # لانتفاء مدركه ; إذ لم يلزم منه مخالفة نص ولا إجماع، وعلى كلا التقديرين ~~فالقياس يكون ممتنعا إما لمنع حكم الأصل وإما لعدم علة الأصل في الفرع. # قال بعض الأصوليين: وإنما سمي هذا النوع قياسا مركبا ; لاختلاف الخصمين ~~في علة الأصل وليس بحق، وإلا كان كل قياس اختلف في علة أصله وإن كان منصوصا ~~أو متفقا عليه بين الأمة ms657 مركبا وليس كذلك. # والأشبه أنه إنما سمي بذلك لاختلاف الخصمين في تركيب الحكم على العلة في ~~الأصل، فإن المستدل يزعم أن العلة الجامعة مستنبطة من حكم الأصل وهي فرع ~~له، والمعترض يزعم أن الحكم في الأصل فرع على العلة وهي المثبتة له، وأنه ~~لا طريق إلى إثباته سواها، وأنها غير مستنبطة منه ولا هي فرع عليه، ولذلك ~~منع ثبوت الحكم عند إبطالها، وإنما سمي مركب الأصل لأنه نظير في علة حكم ~~الأصل. (1) وأما مركب الوصف فهو ما وقع الاختلاف فيه في وصف المستدل، هل له ~~وجود في الأصل أو لا؟ # وذلك كما لو قال المستدل في مسألة تعليق الطلاق بالنكاح: تعليق، فلا يصح ~~قبل النكاح كما لو قال: زينب التي أتزوجها طالق، فللخصم أن يقول: لا نسلم ~~وجود التعليق في الأصل بل هو تنجيز، فإن ثبت أنه تعليق فأنا أمنع الحكم ~~وأقول بصحته كما في الفرع، ولا يلزمني من المنع محذور لعدم النص عليه ~~وإجماع الأمة، وإنما سمي مركب الوصف لأنه خلاف في تعيين الوصف الجامع. # وإذ أتينا على بيان معنى القياس المركب وأقسامه. # فنقول: لا يخلو إما أن ينظر في ذلك إلى الناظر المجتهد أو المناظر، فإن ~~كان الأول، فإن كان له مدرك في ثبوت حكم الأصل سوى النص والإجماع فالقياس ~~صحيح ; لأنه إذا غلب على ظنه صحة القياس فلا يكابر نفسه فيما أوجبه ظنه، ~~وإن PageV03P198 # لم يكن له مدرك سوى النص والإجماع، فالقياس متعذر لتعذر إثبات حكم الأصل. # وإن كان الثاني، فالمختار بعد إبطال ما يعارض به الخصم في القسم الأول من ~~التركيب، وتحقيق وجود ما يدعيه في الأصل في القسم الثاني منه - إنما هو ~~التفصيل، وهو أن الخصم إما أن يكون مجتهدا أو مقلدا. # فإن كان مجتهدا وظهر في نظره إبطال المدرك الذي بنى عليه حكم الأصل، فله ~~منع حكم الأصل، وعند ذلك فالقياس لا يكون منتفعا به بالنسبة إلى الخصم. # وإن كان مقلدا فليس له منع الحكم في الأصل وتخطئة إمامه فيه بناء على ~~عجزه هو ms658 عن تمشية الكلام مع المستدل، وذلك لاحتمال أن لا يكون ما عينه ~~المعترض هو المأخذ في نظر إمامه، وبتقدير أن يكون هو المأخذ في نظر إمامه ~~فلا يلزم من عجز المقلد عن تقريره عجز إمامه عنه لكونه أكمل حالا منه وأعرف ~~بوجه ما ذهب إليه وتقريره. # وقد قيل: إنه وإن كان لا بد من تخطئة إمام المعترض إما في حكم الأصل أو ~~الفرع، فليس للخصم تخطئة إمامه في حكم الأصل دون الفرع، وليس بحق فإنه كما ~~أنه ليس للخصم تخطئة إمامه في حكم الأصل دون الفرع فليس للمستدل تخطئة إمام ~~المعترض في الفرع دون الأصل، ولا أولوية. # فإن قيل: بل تخطئته في الفرع أولى لوقوع الخلاف فيه بين إمام المستدل ~~وإمام المعترض بخلاف حكم الأصل فيقال: كما أن الخلاف واقع في الفرع بين ~~الإمامين فالخلاف في الأصل أيضا واقع بين الأئمة ; إذ هو مجمع عليه، وليس ~~موافقة إمام المستدل في الفرع أولى من موافقة المخالف في الأصل. # الشرط السابع: أن لا يكون الدليل الدال على إثبات حكم الأصل دالا على ~~إثبات حكم الفرع، وإلا فليس جعل أحدهما أصلا للآخر أولى من العكس. # الشرط الثامن: اختلف الأصوليون في اشتراط قيام الدليل على تعليل حكم ~~الأصل وجواز القياس عليه نفيا وإثباتا. # والمختار أنه إن أريد بالدليل الدال على ذلك - أن يكون دليلا خاصا بذلك ~~الأصل من كتاب أو سنة أو إجماع فهو باطل. # PageV03P199 # وإن أريد به أنه لا بد من قيام دليل على ذلك بجهة العموم والشمول فهو حق، ~~وذلك لأنا سنبين أن كل أصل أمكن تعليل حكمه فإنه يجب تعليله، وأنه يجوز ~~القياس عليه، وذلك لأن مدرك كون القياس حجة إنما هو إجماع الصحابة على ما ~~يأتي. (1) وقد علمنا من تتبع أحوالهم في مجاري اجتهاداتهم أنهم كانوا ~~يقيسون الفرع على الأصل عند وجود ما يظن كونه علة لحكم الأصل في الأصل، فظن ~~وجوده في الفرع، وإن لم يقم دليل خاص على وجوب تعليل حكم ذلك الأصل وجواز ~~القياس عليه حتى قال ms659 عمر لأبي موسى الأشعري: (اعرف الأشباه والأمثال ثم قس ~~الأمور برأيك) (2) ولم يفصل. # وكذلك اختلفوا في قوله: (أنت علي حرام) حتى قاسه بعضهم على الطلاق، ~~وبعضهم على الظهار، وبعضهم على اليمين، ولم ينقل نص خاص ولا إجماع على ~~القياس على تلك الأصول ولا على جواز تعليلها. PageV03P200 ### | [القسم الثاني في شروط علة الأصل] # وقد اتفق الكل على جواز حكم الأصل بالأوصاف الظاهرة الجلية العرية عن ~~الاضطراب، وسواء أكان الوصف معقولا كالرضا والسخط، أم محسا كالقتل والسرقة، ~~أم عرفيا كالحسن والقبح، وسواء أكان موجودا في محل الحكم كما ذكر من ~~الأمثلة، أم ملازما له غير موجود فيه كتحريم نكاح الأمة لعلة رق الولد، لكن ~~اختلفوا في شروط، فلنفرض في كل واحد منها مسألة. ### | [المسألة الأولى شرط علة الأصل] # المسألة الأولى # ذهب الأكثرون إلى أن شرط علة الأصل (1) ألا يكون محل حكم الأصل ولا جزء ~~من محله، وذهب آخرون إلى جوازه، والمختار إنما هو التفصيل وهو امتناع ذلك ~~في المحل دون الجزء، وذلك لأن الكلام إنما هو واقع في علة أصل القياس، فلو ~~كانت العلة فيه هي محل حكم الأصل بخصوصه لكانت العلة قاصرة لاستحالة كون ~~محل حكم الأصل بخصوصه متحققا في الفرع، وإلا كان الأصل والفرع متحدا وهو ~~محال. # نعم، إنما يمكن ذلك فيما إذا لم تكن علة حكم الأصل متعدية ; لأنه لا يعد ~~في استلزام محل الحكم لحكمة داعية إلى ذلك الحكم كاستلزام الأوصاف العامة ~~لمحل الأصل والفرع. # وأما الجزء فلا يمتنع التعليل به لاحتمال عموم الأصل والفرع. PageV03P201 ### | [المسألة الثانية كون العلة في الأصل بمعنى الأمارة المجردة] # المسألة الثانية # اختلفوا في جواز كون العلة في الأصل بمعنى الأمارة المجردة، والمختار أنه ~~لا بد وأن تكون العلة في الأصل بمعنى الباعث (1) ، أي مشتملة على حكمة ~~صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم، وإلا فلو كانت وصفا طرديا لا ~~حكمة فيه بل أمارة مجردة فالتعليل بها في الأصل ممتنع لوجهين: # الأول: أنه لا فائدة في الأمارة سوى تعريف الحكم، والحكم في الأصل ms660 معروف ~~بالخطاب لا بالعلة المستنبطة منه. # الثاني: أن علة الأصل مستنبطة من حكم الأصل ومتفرعة عنه، فلو كانت معرفة ~~لحكم الأصل لكان متوقفا عليها ومتفرعا عنها، وهو دور ممتنع. ### | [المسألة الثالثة الحكم بالحكمة المجردة عن الضابط] # المسألة الثالثة # ذهب الأكثرون إلى امتناع الحكم بالحكمة المجردة عن الضابط (2) وجوزه ~~الأقلون، ومنهم من فصل بين الحكمة الظاهرة المنضبة بنفسها والحكمة الخفية ~~المضطربة، فجوز التعليل بالأولى دون الثانية وهذا هو المختار. PageV03P202 # أما إذا كانت الحكمة ظاهرة منضبطة غير مضطربة فلأنا أجمعنا على أن الحكم ~~إذا اقترن بوصف ظاهر منضبط مشتمل على حكمة غير منضبطة بنفسها أنه يصح ~~التعليل به وإن لم يكن هو المقصود من شرع الحكم، بل ما اشتمل عليه من ~~الحكمة الخفية، فإذا كانت الحكمة وهي المقصود من شرع الحكم مساوية للوصف في ~~الظهور والانضباط كانت أولى بالتعليل بها. # وأما إذا كانت الحكمة خفية مضطربة غير منضبطة فيمتنع التعليل بها لثلاثة ~~أوجه: # الأول: أنها إذا كانت خفية مضطربة مختلفة باختلاف الصور والأشخاص ~~والأزمان والأحوال فلا يمكن معرفة ما هو مناط الحكم منها والوقوف عليه إلا ~~بعسر وحرج، ودأب الشارع فيما هذا شأنه على ما ألفناه منه إنما هو رد الناس ~~فيه إلى المظان الظاهرة الجلية دفعا للعسر عن الناس والتخبط في الأحكام، ~~ولهذا فإنا نعلم أن الشارع إنما قضى بالترخص في السفر دفعا للمشقة المضبوطة ~~بالسفر الطويل إلى مقصد معين، ولم يعلقها بنفس المشقة لما كانت مما يضطرب ~~ويختلف، ولهذا فإنه لم يرخص للحمال المشقوق عليه في الحضر وإن ظن أن مشقته ~~تزيد على مشقة المسافر في كل يوم فرسخا، وإن كان في غاية الرفاهية والدعة؛ ~~لما كان ذلك مما يختلف ويضطرب. # الثاني: أن الإجماع منعقد على صحة تعليل الأحكام بالأوصاف الظاهرة ~~المنضبطة المشتملة على احتمال الحكم، كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد ~~العدوان لحكمة الزجر أو الجبر، وتعليل صحة البيع بالتصرف الصادر من الأهل ~~في المحل لحكمة الانتفاع، وتعليل تحريم شرب الخمر وإيجاب الحد به لحكمة دفع ~~المفسدة الناشئة منه ونحوه، ms661 ولو كان التعليل بالحكمة الخفية مما يصح لم ~~احتيج إلى التعليل بضوابط هذه الحكم والنظر إليها لعدم الحاجة إليها، ولما ~~فيه من زيادة الحرج بالبحث عن الحكمة وعن ضابطها مع الاستغناء بأحدهما. # الثالث: أن التعليل بالحكمة المجردة إذا كانت خفية مضطربة مما يفضي إلى ~~العسر والحرج في حق المكلف بالبحث عنها والاطلاع عليها، والحرج منفي بقوله ~~تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} غير أنا خالفناه في التعليل بالوصف # PageV03P203 # الظاهر المنضبط؛ لكون المشقة فيه أدنى، فبقينا عاملين بعموم النص فيما ~~عداه. # فإن قيل: ما ذكرتموه في جواز التعليل بالحكمة الظاهرة المنضبطة فهو فرع ~~إمكان ذلك، وهو غير مسلم في الحكمة فإنها راجعة إلى الحاجات إلى المصالح ~~ودفع المفاسد، والحاجات مما تخفى وتزيد وتنقص فلا تكون ظاهرة ولا منضبطة، ~~وإن سلمنا إمكان ذلك نادرا. # غير أنه يلزم من التوسل إلى معرفتها في آحاد الصور لتعيين القليل منها ~~نوع عسر وحرج لا يلزم مثله في التوسل إلى معرفة الضوابط الجلية والمظان ~~الظاهرة المنضبطة المشتملة على احتمال الحكم في الغالب، وذلك مدفوع بقوله ~~تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ، وما ذكرتموه في امتناع التعليل ~~بالحكمة الخفية. # أما الوجه الأول: فالبحث عن الحكمة الخفية وإن كان فيه نوع حرج ومشقة غير ~~أنه لا بد منه عند التعليل بالوصف الظاهر المشتمل عليها ضرورة أنها علة ~~لكون الوصف علة، ولولا اشتمال الوصف عليها لما كان علة للحكم، وإذا لم يكن ~~بد من معرفتها في جعل الوصف علة للحكم وقد جعلت علة للعلة أمكن أن تجعل علة ~~للحكم من غير حاجة إلى ضابطها، وحيث لم نقض بالترخص في حق الحمال في الحضر ~~دفعا للمشقة عنه، فغايته امتناع تعليل الرخصة بمطلق المشقة بل بالمشقة ~~الخاصة بالسفر، ولا يلزم من ذلك امتناع التعليل بالحكمة مطلقا. # وأما الوجه الثاني: فغاية ما فيه جواز التعليل بالضابط المشتمل على ~~الحكمة، وليس فيه ما يدل على امتناع التعليل بالحكمة، قولكم: إنه لا حاجة ~~إليه، لا نسلم ذلك، فإن الاطلاع عليه ms662 أسهل من الاطلاع على الحكمة. # وأما الوجه الثالث: فهو أن الحرج اللازم عن البحث عن الحكمة الخفية، وإن ~~كان شاقا غير أنه لا يزيد على البحث عنها عند التعليل بضابطها، بل المشقة ~~في تعرفها مع تعرف ضابطها أشق من تعرفها دون ضابطها، وقد أجمعنا على مخالفة ~~النص المذكور عند التعليل بالضابط، وكانت مخالفته عند التعليل بالحكمة لا ~~غير - أقل مشقة وحرجا، فكان أولى بالمخالفة. # PageV03P204 # والجواب عن الاعتراض الأول: أن الكلام إنما هو مفروض فيما إذا كانت ~~الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها في بعض الصور لا فيما لم يكن. # قولهم: " إن الاطلاع عليها والبحث عنها أشق من البحث عن الضابط " ليس ~~كذلك، فإنها إذا كانت ظاهرة منضبطة كالوصف فلا تفاوت. # وعن الاعتراض الأول على الوجه الثاني (1) : أن البحث عن الحكمة عند ~~تجردها عن الضابط لا بد فيه من معرفة كميتها وخصوصيتها حتى نأمن من ~~الاختلاف بين الأصل والفرع فيها، وذلك غير ممكن في الحكمة الخفية المضطربة، ~~ولا يكفي فيه مجرد معرفة احتمالها بخلاف ما إذا كانت مضبوطة بضابط نكتفي ~~بمعرفة الضابط، ومعرفة أصل احتمال الحكمة لا غير، ويدل على ذلك ما ذكرناه ~~من الاستشهاد، وما ذكروه عليه فهو اعتراف بامتناع التعليل بمجرد الحكمة، ~~وهو المطلوب. # وعن الاعتراض على الوجه الثاني: أنه لو أمكن التعليل بالحكمة لما احتيج ~~إلى التعليل بالضابط. # قولهم: إن الوقف عليه أسهل من الوقوف على الحكمة بمجردها. # قلنا: فيلزم من ذلك امتناع التعليل بالحكمة لما فيه من تأخير إثبات الحكم ~~الشرعي إلى زمان إمكان الاطلاع على الحكمة مع إمكان إثباته بالضابط في أقرب ~~زمان، وذلك ممتنع. # وعن الاعتراض على الوجه الثالث: أنا لا نسلم التساوي في الحرج والمشقة في ~~البحث عن الحكمة مع ضابطها ومع خلوها عن الضابط، وذلك لأنا نفتقر في البحث ~~عنها عند خلوها عن الضابط إلى معرفة خصوصيتها وكميتها حتى نأمن من التفاوت ~~فيها بين الأصل والفرع كما سبق، ولا كذلك في البحث عنها مع ضابطها، فإنا لا ~~نفتقر في البحث عنها إلى أكثر من معرفة ms663 أصل احتمالها، ولا يخفى أن الحرج في ~~تعرفها على جهة التفصيل أتم من تعرفها لا بجهة التفصيل. PageV03P205 ### | [المسألة الرابعة تعليل الحكم الثبوتي بالعدم] # المسألة الرابعة # اختلفوا في جواز تعليل الحكم الثبوتي بالعدم، فجوزه قوم ومنع منه آخرون، ~~وشرطوا أن تكون العلة للحكم الثبوتي أمرا وجوديا وهو المختار. # وبيانه من ثلاثة أوجه: # الأول: أن الحكم بكون الوصف علة - صفة وجودية ; لأن نقيض العلة (لا علة) ~~، و (لا علة) أمكن أن يكون صفة لبعض الأعدام، ولو كان المفهوم من (لا علة) ~~وجوديا لكان الوجود صفة للعدم، وهو محال، وإذا كان (لا علة) عدما فالمفهوم ~~من نقيضها وجودي. # الوجه الثاني: أنه يصح قول القائل: " أي شيء وجد حتى حدث هذا الأمر؟ " ~~ولو لم يكن الحدوث متوقفا على وجود شيء لما صح هذا الكلام، كما لو قال: أي ~~رجل مات حتى حدث لفلان هذا المال؟ حيث لم يكن حدوث المال لفلان متوقفا على ~~ما قيل. # الثالث: وهو خاص بما إذا كان الحكم بخطاب التكليف كالوجوب والحظر ونحوه، ~~وهو أن يقال: " قد ثبت أن العلة المستنبطة من الحكم لا بد وأن تكون بمعنى ~~الباعث لا بمعنى الأمارة، والباعث ما اشتمل على تحصيل مصلحة أو تكميلها أو ~~دفع مفسدة أو تعليلها كما يأتي بيانه، فإذا كان الحكم ثابتا بخطاب التكليف ~~لمثل هذا الغرض، فلا بد وأن يكون ضابط ذلك الغرض مقدورا للمكلف في إيجاده ~~وإعدامه، وإلا لما كان شرع ذلك الحكم مفيدا لمثل ذلك الغرض، لعدم إفضائه ~~إلى الغرض المطلوب، والعدم المحض لا انتساب له إلى قدرة المكلف لا بإيجاد ~~ولا إعدام، فجعل ضابطا لغرض الحكم ومقصوده لا يكون مفضيا إلى مقصود شرع ~~الحكم فيمتنع التعليل به. # فإن قيل: ما ذكرتموه من الوجه الأول معارض بما يدل على أن المفهوم من صفة ~~العلة عدم، وبيانه من وجهين: # PageV03P206 # الأول: أنه لو كانت صفة العلة أمرا وجوديا لم يخل: إما أن تكون واجبة ~~لذاتها، أو ممكنة، الأول محال، وإلا لما افتقرت إلى الموصوف بها. # والثاني يوجب افتقارها إلى ms664 علة مرجحة لها، في صفة تلك العلة كالكلام في ~~الأولى وهو تسلسل ممتنع. # الوجه الثاني: أنه يصح وصف الأمر العدمي بكونه علة للأمر العدمي، ولهذا ~~يصح أن يقال: إنما لم أسلم على فلان لأني لم أره، وإنما لم أفعل كذا لعدم ~~الداعي إليه. # وأما الوجه الثاني: فليس فيه دلالة على توقف حدوث ذلك الأمر على تجدد ~~وجود أمر آخر، ولهذا فإنه يصح أن يقال: أي شيء صنع هذا حتى حدث له هذا ~~المال؟ وإن لم يكن حصول المال له موقوفا على صنع من جهته ; لجواز حدوثه له ~~عن إرث أو وصية. # وإن سلمنا دلالته على التوقف على الأمر الوجودي غير أنه معارض بما يدل ~~على صحة الأمر الوجودي بالأمر العدمي. # وبيانه أنه يصح أن يقال: ضرب فلان عبده لأنه لم يمتثل أمره، وشتم فلان ~~فلانا لأنه لم يسلم عليه، وهو تعليل للأمر الوجودي بالأمر العدمي. # وأما الوجه الثالث: فهو وإن سلمنا أن العلة لا بد وأن تكون بمعنى الباعث، ~~وأن الباعث عبارة عما ذكرتموه ولكن لا نسلم امتناع كون الوصف العدمي باعثا، ~~وذلك لأنا أجمعنا على جواز التعليل بالوصف الوجودي الظاهر المنضبط إذا كان ~~يلزم من ترتيب الحكم على وفقه تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة ظاهرا، فالعدم ~~المقابل له يكون أيضا ظاهرا منضبطا، ويكون مشتملا على نقيض ما اشتمل عليه ~~الوصف الوجودي، وهو لا يخرج عن المصلحة أو المفسدة ; لأنه إن كان ما اشتمل ~~عليه الوصف الوجودي مصلحة فعدمه يلزمه عدم تلك المصلحة، وعدم المصلحة ~~مفسدة، وإن كان ما اشتمل عليه الوصف الوجودي مفسدة، فعدمه يلزمه عدم تلك ~~المفسدة، وعدم المفسدة مصلحة وهو مقدور للمكلف لأنه إذا كان مقابله وهو ~~الوصف الوجودي مقدورا، فلا معنى لكونه مقدورا إلا أنه مقدور على إيجاده ~~وإعدامه، فإذا العدم المقابل للوجود مقدور وإذا كان مقدورا وهو ظاهر # PageV03P207 # منضبط مشتمل على مصلحة أو مفسدة، فقد أمكن التعليل به كما أمكن التعليل ~~بالوصف الوجودي. # والجواب عن الأول: أن ما ذكروه من لزوم التسلسل بتقدير كون العلية ms665 صفة ~~وجودية - لازم بتقدير كونها عدمية، وذلك لأن المفهوم من صفة العلية إذا كان ~~أمرا عدميا فإما أن يكون واجبا لنفسه ومفهومه أو ممكنا. # لا جائز أن يكون واجبا لذاته وإلا لما افتقر في تحقيقه إلى نسبته إلى ذات ~~العلة، وكونه وصفا لها، وإن كان ممكنا فلا بد له من علة مرجحة، والتسلسل ~~لازم له، وعند ذلك فالجواب يكون متحدا. # وما ذكروه من الاحتجاج ثانيا فلا يصح، وذلك لأن وجود الداعي إلى الفعل ~~شرط لوجود الفعل، وكذلك الرؤية لزيد شرط في السلام عليه لا أن ذلك علة له، ~~وإنما أضيف عدم الأثر إليه بلام التعليل بجهة التجوز لمشابهته للعلة في ~~افتقار الأثر إلى كل واحد منهما، ولذلك يقال في صورة تعليق الطلاق والعتق ~~بدخول الدار: (إنما طلقت الزوجة وعتق العبد لدخول الدار) ويجب حمل ذلك على ~~جهة التجوز جمعا بينه وبين ما ذكرناه من الدليل. # قولهم على الوجه الثاني: ليس فيه دلالة على توقف الحدوث على تجدد الوجود. # قلنا: دليله ما ذكرناه وما ذكروه من الاستشهاد، فإنما صح بناء على الظاهر ~~من جهة أن الغالب في حدوث المال لبعض الأشخاص أن يكون مستندا إلى صنعة لا ~~إلى ما ذكروه، ونحن إنما نتمسك في هذا الوجه بالظاهر لا بالقطع. # وما ذكروه من المعارضة الدالة على الأمر الوجودي بالأمر العدمي غير صحيح، ~~فإن المعلل به ليس هو العدم المحض، فإنه غير منتسب إلى فعل الشخص فلا يحسن ~~جعله علة للعقاب لا عقلا ولا شرعا، وإنما التعليل بالامتناع عن ذلك وكف ~~النفس عنه، وهو أمر وجودي لا عدمي. # وما ذكروه على الوجه الثالث فحاصله راجع إلى التعليل بالإعدام المقدور، ~~وهو أمر وجودي لا بالعدم المحض الذي لا قدرة للمكلف عليه، وذلك غير ما وقع ~~فيه النزاع. # PageV03P208 # وإذا عرف امتناع الوجود بالعدم المحض مما ذكرناه فبمثله يعلم أن العدم لا ~~يكون جزءا من العلة المقتضية للأمر الوجودي ولا داخلا فيها، والوجه في ~~الاعتراض على ذلك والانفصال فعلى ما تقدم. # ويخصه اعتراض آخر، وهو أن ms666 انتفاء معارضة المعجزة بمثلها جزء من المعرف ~~لكونها معجزة، وكذلك الدوران فإنه معرف لعلية المدار، وأحد أجزاء الدوران ~~العدم مع العدم. # وجوابه: أنا لا نسلم أن العدم فيما ذكروه من صور الاستشهاد جزء من المعرف ~~بل شرط، والشرط غير الجزء. # وإذا عرف امتناع الحكم الثبوتي بالعدم المحض وامتناع جعله جزءا من العلة ~~لزم امتناع التعليل بالصفات الإضافية (1) ، وذلك لأن المفهوم من الصفة ~~الإضافية إما أن يكون وجودا أو عدما، لا جائز أن يكون وجودا ; لأن الصفة ~~الإضافية لا بد وأن تكون صفة للمضاف، ويلزم من ذلك قيام الصفة الوجودية ~~بالمعدوم المحض وهو محال. # وبيان لزوم ذلك أن الإضافة الواقعة بين المتناقضين وبين المتقدم والمتأخر ~~قائمة لكل واحد من الأمرين، وأحد المتقابلين مما ذكرناه لا بد وأن يكون ~~معدوما، وإذا بطل أن يكون المفهوم من الإضافة وجودا تعين أن يكون عدما. ~~PageV03P209 ### | [المسألة الخامسة الحكم الشرعي بالحكم الشرعي] # المسألة الخامسة # اختلفوا في جواز الحكم الشرعي بالحكم الشرعي فجوزه قوم ومنع منه آخرون، ~~وشرطوا في العلة ألا تكون حكما شرعيا. # ونحن نشير إلى مأخذ الفريقين وننبه على ما فيه، ثم نذكر بعد ذلك ما هو ~~المختار. # فأما من قال بأن الحكم يجوز أن يكون علة للحكم فقد احتجوا عليه بأن أحد ~~الحكمين قد يكون دائرا مع الحكم الآخر وجودا وعدما، والدوران دليل كون ~~المدار عليه الدائر (1) وسنبين أن الدوران لا يدل على التعليل فيما بعد. # وأما القائلون بامتناع التعليل بالحكم فقد احتجوا بأن الحكم إذا كان علة ~~لحكم آخر، فإما أن يكون متقدما عليه أو متأخرا عنه أو مقارنا له. # لا جائز أن يقال بالأول وإلا لزم منه وجود العلة مع تخلف حكمها عنها، وهو ~~نقض للعلة. # ولا جائز أن يقال بالثاني ; لأن المتأخر لا يكون علة للمتقدم. # وإن كان الثالث، فليس جعل أحدهما علة للآخر أولى من العكس. # وأيضا فإنه يحتمل أن لا يكون لحكم الأصل علة ويحتمل أن يكون، وإذا كان ~~معللا احتمل ألا يكون الحكم به هو العلة واحتمل أن ms667 يكون، وعلى هذا فلا يكون ~~علة على تقديرين وإنما يكون علة على تقدير واحد، ولا يخفى أن وقوع احتمال ~~من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد. # وأيضا فإنه لو كان الحكم علة للحكم فإما أن يكون علة بمعنى الأمارة ~~المعرفة أو بمعنى الباعث. # لا جائز أن يقال بالأول لما سبق (2) ، ولا جائز أن يقال بالثاني، لأن ~~القول بكون الحكم داعيا وباعثا على الحكم محال خارق للإجماع. PageV03P210 # ولقائل أن يقول: أما الحجة الأولى فلا نسلم امتناع التقدم. # قولهم: يلزم منه نقض العلة ليس كذلك، فإن الحكم لم يكن علة لنفسه وذاته ~~بل إنما يصير علة باعتبار الشرع له بقران الحكم الآخر به، وذلك كما في ~~تعليل تحريم شرب الخمر بالشدة المطربة فإن الشدة المطربة وإن كانت متقدمة ~~على التحريم فلا يقال إنها علة قبل اعتبارها من الشرع بقران التحريم بها، ~~فلا تكون منتقضة بتخلف التحريم عنها قبل ورود الشرع، وإن سلمنا امتناع ~~التقدم فما المانع أن يكون مقارنا؟ # قولهم: ليس جعل أحد المقترنين علة للآخر أولى ليس كذلك، فإن الكلام إنما ~~هو مفروض فيما إذا كان أحد الحكمين مناسبا للحكم الآخر من غير عكس، وإلا ~~فمع قطع النظر عن جهة البعث في أحد الحكمين فلا يكون علة. # وما ذكروه من الترجيح فهو لازم عليهم في التعليل بالأوصاف الحقيقية، وما ~~هو جواب ثم فهو الجواب فيما نحن فيه. # وأما الحجة الثانية، فالمختار من قسميها أنه علة بمعنى الباعث. # قولهم: إنه ممتنع خارق للإجماع - دعوى مجردة لا دليل عليها. # وعند هذا فنقول: المختار أنه يجوز أن يكون الحكم علة للحكم بمعنى الأمارة ~~المعرفة، لكن لا في أصل القياس بل في غيره، فقد حرمت، كذا فإنه لا يمتنع أن ~~يقول الشارع: مهما رأيتم أنني حرمت كذا فقد حرمت كذا، ومهما أبحت كذا، كما ~~لو قال: مهما زالت الشمس فصلوا، ومهما طلع هلال رمضان فصوموا. # وأما في أصل القياس فقد بينا أنه لا يجوز أن تكون العلة فيه بمعنى ~~الأمارة المعرفة بل بمعنى الباعث، فإذا ms668 كان الحكم علة لحكم أصل القياس فلا ~~بد وأن يكون باعثا عليه. # وعلى هذا فحكم الأصل إما أن يكون حكما تكليفيا أو بخطاب الوضع والأخبار. # PageV03P211 # فإن كان ثابتا بخطاب التكليف امتنع أن يكون الحكم الشرعي علة له ; لأنه ~~غير مقدور للمكلف لا في إيجاده ولا في إعدامه، فلا يصلح أن يكون علة لما ~~ذكرناه في امتناع التعليل بالوصف العدمي، وبما ذكرناه أيضا يمتنع تعليله ~~بالوصف العرفي والتقديري، والوصف الوجودي الذي لا قدرة للمكلف على تحصله، ~~كالشدة المطربة والطعم والنقدية والصغر ونحوه. # وأما إن كان حكم الأصل ثابتا بخطاب الوضع والإخبار فلا بد وأن يكون الحكم ~~المعلل به باعثا على حكم الأصل، إما لدفع مفسدة لزمت من شرع الحكم المعلل ~~به، وإما لتحصيل مصلحة تلزم منه، فإن كان الأول فيمتنع أن يكون الحكم علة ; ~~لأن المفسدة اللازمة من الحكم المعلل به كانت مطلوبة الانتفاء بشرع حكم ~~الأصل ; لما شرع الحكم المعلل به لما يلزم من شرعه من وجوه مفسدة مطلوبة ~~الانتفاء للشارع، وإن كان الثاني فلا يمتنع الحكم بالحكم فإنه لا يمتنع أن ~~يكون ترتيب أحد الحكمين على الآخر يستلزم حصول مصلحة لا يستقل بها أحدهما، ~~فقد ينحل من هذه الجملة أن إطلاق القول بامتناع التعليل بالحكم الشرعي ~~وجوازه ممتنع، بل لا بد من النظر إلى ما ذكرناه لما ذكرناه من التفصيل. ### | [المسألة السادسة اشترط قوم أن تكون العلة ذات وصف واحد لا تركيب فيه] # المسألة السادسة # اشترط قوم أن تكون العلة ذات وصف واحد لا تركيب فيه كتعليل تحريم الخمر ~~بالإسكار ونحوه، ومنع من ذلك الأكثرون وهو المختار. # وذلك كتعليل وجوب القصاص بالمحدد بالقتل العمد العدوان. # ودليله أنه لا يمتنع أن تكون الهيئة الاجتماعية من الأوصاف المتعددة مما ~~يقوم الدليل على ظن التعليل بها إما بمناسبة أو شبه أو سبر وتقسم أو غير ~~ذلك من طرق الاستنباط والتخريج مع اقتران الحكم بها حسب دلالته على علية ~~الوصف الواحد، فكانت علة. # فإن قيل: ما ذكرتموه وإن دل على جواز التعليل بعلة ms669 ذات أوصاف، غير أنه ~~معارض بما يدل على امتناعه. # PageV03P212 # وبيانه من أربعة أوجه: # المعارضة الأولى: أن مجموع الأوصاف إذا كان علة للحكم فالعلية صفة زائدة ~~على مجموع تلك الأوصاف، ودليله أمران: # الأول: أنا نعقل الهيئة الاجتماعية من الأوصاف ونجهل كونها علة والمعلوم ~~غير المجهول. # الثاني: أنه يحسن أن يقال: الهيئة الاجتماعية من الأوصاف علة فنصفها بها، ~~والصفة يجب أن تكون غير الموصوف، وعند ذلك فإما أن تكون صفة العلية بتمامها ~~قائمة بكل واحد من الأوصاف أو بواحد منها أو أنها مع اتحادها قائمة ~~بالمجموع، كل بعض منها قائم بوصف. # لا جائز أن يقال بالأول وإلا كان كل وصف علة مستقلة ; لأن العلة مجموع ~~الأوصاف وهو خلاف الفرض، كيف وإن ذلك محال كما يأتي. # وإن قيل بالثاني: فالعلة ذلك الوصف الذي قامت به صفة العلية لا مجموع ~~الأوصاف، وهو أيضا خلاف الفرض. # ولا جائز أن يقال بالثالث ; لأن صفة العلية متحدة فيلزم من ذلك تعدد ~~المتحد لقيامه بالمتعدد أو اتحاد المتعدد وهو محال. # المعارضة الثانية: أنه لو كانت العلية صفة لأوصاف متعددة فهي متوقفة على ~~كل واحد من تلك الأوصاف، ويلزم من ذلك أن يكون عدم كل وصف منها علة مستقلة ~~لعدم صفة العلية ضرورة انتفائها عند عدمه، وذلك محال لوجهين: # الأول: أنه إذا انتفت جميع الأوصاف فإما أن يكون عدم كل وصف علة مستقلة ~~لعدم العلية أو البعض دون البعض، أو أنه لا واحد منها مستقل بل المستقل ~~الجميع. # لا جائز أن يقال بالأول ; لأن معنى استقلال عدم كل واحد من الأوصاف بعدم ~~العلية لا معنى له سوى أنه المفيد لذلك دون غيره، ويلزم من ذلك امتناع ~~استقلال كل واحد منها. # ولا جائز أن يقال بالثاني، لأنه لا أولوية لاختصاص البعض بذلك دون البعض. # PageV03P213 # ولا جائز أن يقال بالثالث لما فيه من إخراج كل واحد من تلك الأوصاف عن ~~الاستقلال بالعلية، وقد قيل إنه مستقل. # الوجه الثاني: أنه إذا كان عدم كل وصف منها يستقل عند انفراده بعدم ~~العلية فبتقدير ms670 انتفاء العلية عند انتفاء بعض الأوصاف، يلزم منه أنه إذا ~~انتفى بعد ذلك وصف آخر من تلك الأوصاف أن لا يكون موجبا لعدم العلية لكونها ~~معدومة، ويلزم من ذلك نقض العلة العقلية وهو محال. # المعارضة الثالثة: أنه لا يخلو إما أن يكون كل واحد من تلك الأوصاف ~~مناسبا للحكم، أو لا واحد منها مناسب له، أو المناسب البعض دون البعض. # فإن كان الأول، فيلزم من مناسبة كل واحد للحكم مع اقتران الحكم به أن ~~يكون مستقلا بالتعليل، وعند ذلك فالحكم إما أن يضاف إلى كل واحد على سبيل ~~الاستقلال، أو إلى البعض دون البعض، أو إلى الجملة، والكل محال لما تقدم في ~~المعارضة السابقة. # وإن كان الثاني: فضم ما لا يصلح للتعليل إلى ما يصلح له لا يكون مفيدا ~~للتعليل. # وإن كان الثالث: فذلك هو العلة المستقلة لمناسبته وقران الحكم به ولا ~~مدخل لغيره في التعليل. # المعارضة الرابعة: أن كل واحد من الأوصاف إذا لم يكن علة عند انفراده ~~فعند انضمامه إن تجددت صفة العلية له فلا بد من تجدد أمر يقتضي العلية. # وذلك الأمر المتجدد لا بد له من علة متجددة توجبه، والكلام في ذلك ~~المتجدد كالكلام في الأول، وهو تسلسل ممتنع. # الجواب عن المعارضة الأولى من ثلاثة أوجه: # الأول: أنه لا معنى لكون مجموع الأوصاف علة سوى أن الشارع قضى بالحكم ~~رعاية لما اشتملت عليه الأوصاف من الحكمة، وليس ذلك صفة لها فلا يلزم ما ~~ذكروه، إلا أن هذا يناقض ما ذكر من الوجه الأول في امتناع التعليل بالعدم ~~الثاني. # الثاني: أنه إن كانت العلية صفة للأوصاف غير أنه يمتنع أن تكون صفة ~~وجودية، وبيانه من وجهين: # PageV03P214 # الأول: أنها لو كانت صفة وجودية لكانت عرضا، والصفات المعلل بها أعراض، ~~والعرض لا يقوم بالعرض كما بيناه في (أبكار الأفكار) وغيره. # الثاني: أنها صفة إضافية، وقد بينا فيما تقدم أن المفهوم من الصفة ~~الإضافية غير وجودي، وما ذكروه من المحال إنما يلزم بتقدير كونها صفة ~~وجودية وليس كذلك. # غير أن ms671 هذين الجوابين يناقضان ما ذكر من الوجه الأول في امتناع التعليل ~~بالعدم. # الثالث: أن ما ذكروه منتقض بكون القول المخصوص خبرا أو استخبارا أو وعدا ~~أو وعيدا أو غير ذلك، مع تعدد ألفاظه وحروفه فإن كل ما ذكروه من الأقسام ~~بعينه متحقق فيه، ومع ذلك لم يمتنع وصفه بما وصف به، فما هو الجواب هاهنا ~~يكون جوابا في محل النزاع. # وعن الثانية: أنها مبنية على كون عدم الأوصاف علة لعدم العلية، وليس كذلك ~~لوجهين: # الأول: أن العدم لا يصلح أن يكون علة لما تقدم. # الثاني: أن وجود كل واحد من الأوصاف شرط في تحقق العلية، فانتفاء العلية ~~عند انتفاء بعض الأوصاف أو كلها إنما هو لانتفاء الشرط لا لعلة عدم العلية. # وعن الثالثة: أنه وإن لم يكن كل واحد من الأوصاف مناسبا للحكم مناسبة ~~استقلال، فلا يمتنع أن تكون مناسبة الاستقلال ناشئة أو ملازمة للهيئة ~~الاجتماعية من الأوصاف، كما في القتل العمد العدوان بالنسبة إلى وجوب ~~القصاص ونحوه. # وعن الرابعة: أن المتجدد والمستلزم للعلية إنما هو الانضمام الحادث ~~بالفاعل المختار، فلا تسلسل ثم يلزم على ما ذكروه تجدد الهيئة الاجتماعية ~~من الأوصاف المتعددة، فإنها غير متحققة في كل واحد واحد من الأوصاف مع لزوم ~~ما ذكروه، فما هو الجواب عن تجدد الهيئة الاجتماعية يكون جوابا عن تجدد صفة ~~العلية. # PageV03P215 ### | [المسألة السابعة العلة القاصرة إذا لم تكن منصوصة ولا مجمعا عليها] # المسألة السابعة # اتفق الكل على أن تعدية العلة شرط في صحة القياس، وعلى صحة العلة القاصرة ~~كانت منصوصة أو مجمعا عليها. # وإنما اختلفوا في صحة العلة القاصرة إذا لم تكن منصوصة ولا مجمعا عليها. # وذلك كتعليل أصحاب الشافعي حرمة الربا في النقدين بجوهرية الثمينة. # فذهب الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل والقاضي أبو بكر والقاضي عبد الجبار ~~وأبو الحسين البصري وأكثر الفقهاء والمتكلمين إلى صحتها. # وذهب أبو حنيفة وأصحابه وأبو عبد الله البصري والكرخي إلى إبطالها. # والمختار صحتها، وقد احتج القائلون بذلك بمسالك: # المسلك الأول: أنهم قالوا: تعدية العلة إلى الفرع ms672 موقوف على صحتها في ~~نفسها، فلو كانت صحتها متوقفة على تعديتها كان دورا ممتنعا. # ولقائل أن يقول: إن أردتم بالتعدية الموقوفة على صحة العلة ثبوت الحكم ~~بها في الفرع فهو مسلم، وإن أردتم بالتعدية الموقوفة على صحة العلة وجودها ~~في الفرع لا غير، فهو غير مسلم. # وعلى هذا فنحن لا نقول بأن التعدية بالاعتبار الأول شرط في صحة العلة ~~ليكون دورا، وإنما نقول بأن شرط صحة العلة التعدية بالاعتبار الثاني، وهو ~~غير مفض إلى الدور، فإن صحة العلة وإن كانت مشروطة بوجودها في غير محل ~~النص، فوجودها غير متوقف على صحتها في نفسها فلا دور، وإن سلمنا توقف ~~التعدية على الصحة وتوقف الصحة على التعدية، فإنما يلزم الدور أن لو كان ~~ذلك التوقف مشروطا بتقدم كل واحد من الأمرين على الآخر، وأما إذا كان ذلك ~~بجهة المعية كما في توقف كل واحد من المضافين على الآخر فلا دور. # المسلك الثاني: أنهم قالوا: إذا دار الحكم مع الوصف القاصر وجودا وعدما ~~دل على كونه علة كالمتعدي، وهو غير صحيح لما سنبينه من إبطال التمسك ~~بالدوران. # PageV03P216 # المسلك الثالث: أنهم قالوا: إذا جاز أن تكون علة عند دلالة النص عليها ~~جاز أن تكون علة بالاستنباط، وهو غير صحيح أيضا، وذلك لأن عليتها عند دلالة ~~النص عليها مستفادة من النص، ودلالة النص عليها غير متحققة حالة استنباطها، ~~فلا يلزم أن تكون علة. # فإن قيل: إذا دل النص على علية الوصف القاصر وجب الحكم بعلية المستنبط ~~لما بينهما من الاشتراك في الحكمة، قلنا: هذا قياس في الأسباب وسيأتي ~~إبطاله. # والمعتمد في ذلك أن يقال: إذا كان الوصف القاصر مناسبا للحكم والحكم ثابت ~~على وفقه غلب على الظن كونه علة للحكم، بمعنى كونه باعثا عليه، ولا معنى ~~لصحة العلة سوى ذلك. # فإن قيل: القضاء بصحة العلة يستدعي فائدة، فإن ما لا فائدة فيه لا يمكن ~~القضاء بصحته، وفائدة العلة إنما هي في إثبات الحكم بها، والعلة القاصرة ~~غير مثبتة للحكم في الأصل ; لكونه بالنص أو الإجماع، ms673 ولأنها مستنبطة منه ~~فتكون فرعا عليه، فلو كانت مثبتة له لكان فرعا عليها وهو دور، ولا هي مثبتة ~~للحكم في الفرع لعدم تعديتها، فقد تعرت عن الفائدة بالكلية فلا تكون صحيحة. # قلنا: وإن سلمنا امتناع إثبات الحكم بالعلية القاصرة، وأن إثبات الحكم ~~بها فائدة لها، ولكن لا نسلم انحصار فائدتها في ذلك بل لها ثلاث فوائد أخر: # الأولى: معرفة كونها باعثة على الحكم بما اشتملت عليه من المناسبة أو ~~الشبه، وإذا كانت باعثة على الحكم كان الحكم معقول المعنى، وكان أدعى إلى ~~الانقياد وأسرع في القبول له مما لم يظهر فيه الباعث، وكان تعبدا، وإذا كان ~~كذلك كان أفضى إلى تحصيل مقصود الشرع من شرع الحكم فكان التعليل بها مفيدا. # الثانية: أن العلة إذا كانت قاصرة فبتقدير ظهور وصف آخر متعد في محلها ~~يمتنع تعدية الحكم به دون ترجيحه على العلة القاصرة، وذلك من أجل الفوائد. # الثالثة: أنه إذا كانت القاصرة علة وعرفناها، فقد امتنع بسببها تعدية ~~الحكم إلى الفرع وذلك أيضا من أتم الفوائد. # PageV03P217 # فإن قيل: وإن كان ما ذكرتموه من جملة الفوائد، وأن ذلك مما يغلب على الظن ~~الصحة، غير أن العمل بالظن على خلاف قوله تعالى: {وإن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا} وحيث خالفناه في العلة المتعدية لاشتمالها على ما ذكرتموه من الفوائد ~~وزيادة فائدة التعدية فلا يلزم منه المخالفة فيها (1) دون ذلك. # قلنا: يجب حمل الآية على ما المطلوب فيه القطع جمعا بينه وبين ما ذكرناه ~~من الدليل. # سلمنا أنه لا فائدة في العلة القاصرة، ولكن لا يلزم من ذلك امتناع القضاء ~~بصحتها بدليل ما لو كانت منصوصة. ### | [المسألة الثامنة تخصيص العلة المستنبطة] # المسألة الثامنة # اختلفوا في جواز تخصيص العلة المستنبطة (2) ، جوزه أكثر أصحاب أبي حنيفة ~~ومالك وأحمد بن حنبل، ومنع من ذلك أكثر أصحاب الشافعي، وقد قيل: إنه منقول ~~عن الشافعي. PageV03P218 # ثم القائلون بجواز تخصيصها اتفقوا على جواز تخصيص العلة المنصوصة، ~~واختلفوا في جواز تخصيص المستنبطة إذا لم يوجد في محل التخلف مانع ولا ms674 فوات ~~شرط، فمنع منه الأكثرون وجوزه الأقلون. # والقائلون بالمنع في تخصيص العلة المستنبطة اختلفوا في جواز تخصيص العلة ~~المنصوصة. # والمختار إنما هو التفصيل، وهو أن يقال: العلة الشرعية لا تخلو إما أن ~~تكون قطعية أو ظنية، فإن كانت قطعية، فتخلف الحكم عنها لا يخلو: إما أن ~~يكون لا بدليل أو بدليل، لا جائز أن يقال بالأول لأنه محال، وإن كان الثاني ~~فالدليل إما ظني أو قطعي، والظني لا يعارض القطعي، وتعارض قاطعين أيضا ~~محال، إلا أن يكون أحدهما ناسخا للآخر. # وإن كانت ظنية فتخلف الحكم عنها إما في معرض الاستثناء أو لا في معرض ~~الاستثناء، فإن كان الأول: كتخلف إيجاب المثل في لبن المصراة عن العلة ~~الموجبة له، وهي تماثل الأجزاء بالعدول إلى إيجاب صاع من التمر، وتخلف وجوب ~~الغرامة عمن صدرت عنه الجناية في باب ضرب الدية على العاقلة. # وتخلف حكم الربا مع وجود الطعم في العرايا ونحوه، فذلك مما لا يدل على ~~بطلان العلة، بل تبقى حجة فيما وراء صورة الاستثناء، وسواء كانت العلة ~~المخصوصة منصوصة أو مستنبطة، وذلك لأن الدليل من النص، أو الاستنباط قد دل ~~على كونها علة، وتخلف الحكم عنها حيث ورد بطريق الاستثناء عن قاعدة القياس ~~كان مقررا لصحة العلة لا ملغيا لها. # وأما إن كان تخلف الحكم عنها لا بطريق الاستثناء فلا يخلو إما أن تكون ~~العلة منصوصة أو مستنبطة، فإن كانت منصوصة فلا يخلو إما أن يمكن حمل النص ~~على أن الوصف المنصوص عليه بعض العلة، وذلك # PageV03P219 # كتعليل انتقاض الوضوء بالخارج من غير السبيلين مأخوذا (1) من قوله عليه ~~السلام: " «الوضوء مما خرج» " (2) ، فإنه إذا تخلف عنه الوضوء في الحجامة ~~أمكن أخذ قيد الخارج من السبيلين في العلة، وتأويل النص بصرفه عن عموم ~~الخارج النجس إلى الخارج من المخرج المعتاد أو حمله على حكم آخر غير الحكم ~~المصرح به في النص، وذلك قوله (3) تعالى: {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين} معللا بقوله تعالى: {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} فإن الحكم ~~المعلل المصرح به إنما ms675 هو خراب البيت، وليس كل من شاق الله ورسوله يخرب ~~بيته فأمكن حمل الخراب على استحقاق الخراب وجد الخراب أو لم يوجد، أو أنه ~~لا يمكن ذلك فإن أمكن تأويل النص بالحمل على معنى خاص أو حكم آخر خاص وجب ~~التأويل لما فيه من الجمع بين دليل التعليل بتأويله ودليل إبطال العلة ~~المذكورة، وإن لم يمكن تأويله بغير الوصف المذكور والحكم المرتب عليه ~~فغايته امتناع إثبات حكم العلية لما عارضها من النص النافي لحكمها. والعلة ~~المنصوصة في معنى النص وتخلف حكم النص عنه في صوره (4) لما عارضه - لا يوجب ~~إبطال العمل به في غير صورة المعارضة، فكذلك العلة المنصوصة. # وأما إن كانت العلة مستنبطة فتخلف الحكم عنها إما أن يكون لمانع أو فوات ~~شرط أو لا يكون. # فإن كان الأول: وذلك كما في إيجاب القصاص على القاتل بالقتل العمد ~~العدوان، وتخلف الحكم عنه في الأب والسيد بمانع الأبوة والسيادة، فلا يكون ~~PageV03P220 # ذلك مبطلا للعلية فيما وراء صورة المخالفة ; لأن دليل الاستنباط قد دل ~~على العلية بالمناسبة والاعتبار، وقد أمكن إحالة نفي الحكم على ما ظهر من ~~المانع لا على إلغاء العلة، فيجب الحمل عليه جمعا بين الدليل الدال على ~~العلة والدليل الدال على مانعية الوصف النافي للحكم، فإن الجمع بين الأدلة ~~أولى من إبطالها. # ولا يخفى أن القول بإبطال العلة بتخلف الحكم عنها مما يلزم منه إبطال ~~الدليل الدال على العلة، والدليل الدال على مانعية المانع، فكان القول ~~بإحالة نفي الحكم على المانع أولى. # فإن قيل: لا نسلم أن المناسبة وقران الحكم بها فقط دليل العلية، بل مع ~~الاطراد وإن سلمنا ذلك لكن لا نسلم إمكان تعليل انتفاء الحكم بالمانع ~~لوجهين: # الأول: أن تعليل انتفاء الحكم بالمانع أو فوات الشرط في صورة التخلف ~~يتوقف على وجود المقتضي للحكم فيها، فإنه لو لم يكن المقتضي للحكم موجودا ~~فيها لكان الحكم منتفيا لانتفاء المقتضي لا للمانع ولا لفوات الشرط، والقول ~~بكون الوصف المذكور علة يتوقف في صورة التخلف على وجود المانع أو ms676 فوات ~~الشرط، فإنا إذا لم نتبين وجود المانع ولا فوات الشرط فالحكم يجب أن يكون ~~منتفيا لانتفاء ما يقتضيه، وعند ذلك نتبين أن الوصف المذكور ليس بعلة، وإذا ~~توقف كل واحد من المقتضي والمانع على الآخر كان دورا ممتنعا، وهذا الامتناع ~~إنما لزم من التعليل بالمانع أو فوات الشرط في صورة التخلف فكان ممتنعا. # الوجه الثاني: أن انتفاء الحكم في صورة التخلف كان متحققا قبل وجود ~~المانع، وفي تعليله بالمانع - تعليل المتقدم بالمتأخر وهو محال، وسواء كان ~~المانع بمعنى الأمارة أو الباعث. # قلنا: جواب الأول: أنا إذا رأينا الوصف مناسبا والحكم مقترنا به، غلب على ~~الظن تأول النظر (1) إليه أنه علة مع قطع النظر عن البحث في جميع مجاري ~~العلة، هل الحكم مقارن لها أو لا؟ PageV03P221 # وأما الاطراد فحاصله يرجع إلى السلامة عن النقض المعارض لدليل العلية، ~~وعدم المعارض غير داخل في دليل العلية، وعن الدور من ثلاثة أوجه: # الأول: لا نسلم أن تعليل انتفاء الحكم بالمانع يستدعي وجود المقتضي. # ودليله: أنه يصح انتفاؤه بالمانع مع وجود المقتضي ومع كون المقتضي معارضا ~~للمانع، فلأن يصح النفي به مع عدم المقتضي كان أولى. (1) الثاني: وإن سلمنا ~~توقف التعليل بالمانع على وجود المقتضي، ولكن لا نسلم توقف وجود المقتضي ~~على وجود المانع، فإن كون المقتضي مقتضيا إنما يعرف بدليله من المناسبة ~~والاعتبار أو غير ذلك من الطرق، وذلك متحقق فيما نحن فيه فيجب القضاء بكونه ~~مقتضيا، والمانع إنما هو من قبيل المعارض فإن وجد انتفى الحكم المقتضى مع ~~بقاء المقتضي بحاله مقتضيا، وإن لم يوجد؛ عمل المقتضي عمله. # الثالث: سلمنا توقف كل واحد منهما على الآخر، لكن توقف معية أو توقف ~~تقدم، الأول مسلم والثاني ممنوع، وعلى هذا فلا دور. # وعن قولهم: فيه تعليل المتقدم بالمتأخر، أن المعلل نفيه بالمانع إنما هو ~~انتفاء الحكم الذي صار بسبب وجود المقتضى بعرضية الثبوت عرضية لازمة لا ~~مطلق حكم، وذلك مما لا يسلم تقدمه على المانع المفروض. # وأما إن لم يظهر في صورة التخلف مانع ms677 ولا فوات شرط، فالحق بطلان العلة ~~وذلك لأن العلة المستنبطة إنما عرف كونها علة باعتبار الشارع لها بثبوت ~~الحكم على وفقها، وذلك إن دل على اعتبارها، فتخلف الحكم عنها مع ظهور ما ~~يكون مستندا لنفيه يدل على إلغائها وليس أحد الدليلين أولى من الآخر ~~فيتقاومان، ويبقى الوصف على ما كان قبل الاعتبار ولم يكن قبل ذلك علة فكذلك ~~بعده. # فإن قيل: مناسبة الوصف وقران الحكم به دليل ظاهر على كونه علة وكذلك سائر ~~طرق الاستنباط، وهذا الدليل قائم وإن وجد النقص، وتخلف الحكم PageV03P222 # عن الوصف غايته أنه يوجب الشك في فساد العلة وتقاوم احتمال انتفاء الحكم ~~لانتفاء العلة أو وجود المعارض على السواء، وإذا كان دليل العلة ظاهرا ~~ودليل الفساد مشكوكا فيه فالمشكوك فيه لا يقع في مقابلة الظاهر. ودليل وقوع ~~الشك في فساد العلة في صورة النقض وتقاوم الاحتمال فيها - أنه يحتمل أن ~~يكون انتفاء الحكم في صورة النقض لمعارض من وجود مانع أو فوات شرط، ويحتمل ~~أنه لفساد العلة وهما متقاومان. وبيان التقاوم أن احتمال الانتفاء لانتفاء ~~العلة وإن كان الأصل بالنسبة إلى احتمال انتفائه للمعارض ; دفعا لمحذور ~~المعارضة غير أنه على خلاف الأصل بالنظر إلى إبطال العلة مع قيام الدليل ~~الدال على كون الوصف علة. واحتمال انتفاء الحكم للمعارض وإن كان على خلاف ~~الأصل لما فيه من نفي الحكم مع قيام دليله؛ غير أنه على وفق الأصل من جهة ~~موافقة الدليل الدال على كون الوصف علة. فإذا احتمال انتفاء الحكم لانتفاء ~~العلة موافق للأصل من وجه ومخالف له من وجه فيتقاوم الاحتمالان على السواء، ~~وذلك مما يوجب الشك في فساد العلة، والشك لا يعارض الظاهر بوجه. # قلنا: إذا اعترف بالشك في دليل فساد العلة فيلزم منه الشك في فساد العلة، ~~ويلزم من الشك في فساد العلة انتفاء الظن بكونها علة ; لأن الصحة والفساد ~~متقابلان فمهما وقع الشك في أحد المتقابلين وقع الشك في الآخر، وإن كان ~~أحدهما ظاهرا والآخر بعيدا فالقول بوقوع الشك في أحد المتقابلين مع ms678 ظهور ~~الآخر ممتنع كما يمتنع الشك في الغيم مع ظن الصحو، والشك في موت زيد مع ظن ~~حياته، وهذا بخلاف ما إذا شككنا في الطهارة وحكمنا بالنجاسة نظرا إلى ~~النجاسة السابقة، فإن الشك في هذه الصورة لا يجامع النظر إلى الأصل بل عند ~~النظر إلى الأصل يترجح أحد احتمالي الشك على الآخر فلا يبقى الشك متحققا، ~~حتى إنه لو وقع الشك في النجاسة أو الطهارة مع النظر إلى الأصل لبقي الشك ~~معمولا به، وهذا بخلاف ما نحن فيه فإن الشك إنما وقع في فساد العلة في صورة ~~النقض مع النظر إلى دليل العلة، ولولا النظر إلى دليل العلة لكان الظاهر ~~انتفاء الحكم لا انتفاء العلة، ومهما كان كذلك فلا يمكن القضاء بظهور العلة ~~مع أن تقاوم الاحتمال إنما كان بالنظر إلى دليل العلة. # PageV03P223 # كيف وإنه قد يمكن أن يقال: انتفاء الحكم مع وجود الوصف دليل ظاهر على أنه ~~ليس بعلة، وثبوت الحكم على وفقه مع مناسبته مما يوجب الشك في صحة التعليل ~~به في محل الاعتبار، والمشكوك فيه لا يعارض الظاهر، وبيان وقوع الشك في صحة ~~التعليل في الأصل المستروح إليه أنه وإن كان ثبوت الحكم به على وفق الأصل، ~~غير أنه على خلاف الأصل بالنظر إلى دليل الفساد، وثبوت الحكم لغيره وإن كان ~~على خلاف الأصل مع عدم الظفر به إلا أنه على وفق الأصل بالنظر إلى دليل ~~الفساد، ويلزم من ذلك تقاوم الاحتمالات في صحة العلة، وإن كان الظاهر قد دل ~~على فسادها فلا يترك بالمشكوك فيه. # فإن قيل: ما ذكرتموه من دلائل عدم الانتقاض في الصور المذكورة معارض من ~~ثمانية أوجه: (1) الأول: وهو اختيار أبي الحسين البصري أن تخصيص العلة مما ~~يمنع من كونها أمارة على الحكم في شيء من الفروع، سواء ظن بها أنها جهة ~~للمصلحة أو لم يكن ظن بها ذلك. # وبيان ذلك أنا إذا علمنا أن علة تحريم بيع الذهب بالذهب متفاضلا هي كونه ~~موزونا، ثم علمنا إباحة بيع الرصاص بالرصاص متفاضلا مع أنه ms679 موزون، لم يخل ~~إما أن يعلم ذلك بعلة أخرى تقتضي إباحته أو بنص، فإن علمنا إباحته بعلة ~~أخرى يقايس بها الرصاص على أصل مباح لكونه أبيض مثلا، فإنا عند ذلك لا نعلم ~~تحريم بيع الحديد بالحديد متفاضلا إلا بكونه موزونا غير أبيض، فإنا لو ~~شككنا في كونه أبيض لم نعلم قبح بيعه متفاضلا كما لو شككنا في كونه موزونا، ~~فبان أنا لا نعلم بعد التخصيص تحريم شيء لكونه موزونا فقط، فبطل أن يكون ~~الموزون PageV03P224 # مع كونه غير أبيض، وعلى هذا يكون الكلام فيما إذا دل على إباحة بيع ~~الرصاص نص، وسواء علمت علة الإباحة أو لم تعلم. # الثاني: قال بعض أصحابنا: اقتضاء العلة للحكم إما أن يعتبر فيه انتفاء ~~المعارض أو لا يعتبر، فإن اعتبر لم تكن العلة علة إلا عند انتفاء المعارض، ~~وذلك يقتضي أن الحاصل قبل انتفاء المعارض ليس هو تمام العلة بل بعضها، وإن ~~لم يعتبر فسواء حصل المعارض أو لم يحصل يكون الحكم حاصلا، وذلك يقدح في كون ~~المعارض معارضا. # الثالث: أنه لا بد وأن يكون بين كون المقتضي مقتضيا اقتضاء حقيقيا بالفعل ~~وبين كون المانع مانعا حقيقيا بالفعل ; منافاة بالذات، وشرط طريان أحد ~~المتنافيين بالذات انتفاء الأول وليس انتفاء الأول لطريان اللاحق، وإلا لزم ~~الدور وحيث كان شرط كون المانع مانعا خروج المقتضي عن كونه مقتضيا بالفعل ~~لم يجز أن يكون خروجه عن كونه مقتضيا بالفعل لأجل تحقق، وإلا لزم الدور، ~~فإذا المقتضي إنما خرج عن كونه مقتضيا لا بالمانع بل بذاته، وقد انعقد ~~الإجماع على أن ما يكون كذلك لا يصلح للعلية. # الرابع: أن الوصف وإن وجد مع الحكم في الأصل فقد وجد مع الحكم في صورة ~~النقض مع عدم الحكم، ووجوده مع الحكم لا يقتضي القطع بكونه علة لذلك الحكم، ~~ووجوده مع عدم الحكم في صورة النقض يقتضي القطع بأنه ليس بعلة لذلك الحكم ~~في تلك الصورة، والوصف الحاصل في الفرع كما إنه مثل الوصف الحاصل في الأصل ~~فهو مثل الوصف الحاصل في ms680 صورة النقض، وليس إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر، ~~فلم يجز الحكم عليه بكونه علة. # الخامس: قالوا: لا طريق إلى صحة العلة الشرعية سوى جريانها مع معلولها، ~~فإذا لم تجر معه لم يكن إلى صحتها طريق. # السادس: قالوا: العلة الشرعية إذا دل الدليل على تعلق الحكم بها، امتنع ~~تخصيصها كالعلة العقلية. # PageV03P225 # السابع: قالوا: العلة في القياس طريق إلى إثبات الحكم في الفرع، فإذا ~~وجدت العلة في نوعين امتنع أن تكون طريقا إلى العلم بحكم أحدهما دون الآخر ~~كما في الإدراكات والأدلة العقلية. # الثامن: قالوا: لو جاز وجود العلة الشرعية في فروع يثبت الحكم معها في ~~البعض دون البعض لم يكن البعض بالإثبات أولى من البعض الآخر. # وما ذكرتموه من دليل الانتقاض في الصورة الأخيرة معارض من أربعة أوجه: ~~(1) الأول: إجماع الصحابة على ذلك، ودليله ما روي عن ابن مسعود أنه كان ~~يقول: هذا حكم معدول به عن سنن القياس (2) واشتهر ذلك فيما بين الصحابة من ~~غير نكير فصار إجماعا. # الثاني: أن العلة الشرعية أمارة على الحكم في الفرع ووجودها في موضع من ~~غير حكم لا يخرجها عن كونها أمارة، فإنه ليس من شرط كون الأمارة أمارة على ~~شيء أن يكون ذلك الشيء ملازما لها دائما، بدليل وجود جميع الأمارات الشرعية ~~على إثبات الأحكام وإن لم تكن الأحكام ملازمة لها قبل ورود الشرع، وبدليل ~~الغيم الرطب فإنه أمارة على وجود المطر وإن لم يكن المطر ملازما له، ولذلك ~~فإن وقوف مركوب القاضي على باب الملك أمارة على كونه في دار الملك، ولا ~~يخرج في ذلك عن كونه أمارة لوجوده (3) في بعض الأوقات، والقاضي غير موجود ~~PageV03P226 # في دار الملك بأن يكون مركوبه مستعارا، وكذلك خبر الواحد فإنه أمارة على ~~وجود الحكم وتخلف حكمه عند وجود النص الراجح المخالف له لا يخرجه عن كونه ~~أمارة عليه عند عدم ذلك النص. (1) الثالث: أن العلة المستنبطة أمارة فجاز ~~تخصيصها كالمنصوصة. # الرابع: أن كون الوصف أمارة على الحكم في محل، إما أن يتوقف على كونه ~~أمارة على ms681 ذلك الحكم في محل آخر أو لا يتوقف، فإن توقف فإما أن لا يتعاكس ~~الحال في ذلك أو يتعاكس (2) ، الأول محال لما فيه من الدور. # والثاني أيضا محال لعدم الأولوية، وإن لم يتوقف فهو المطلوب. # والجواب عن المعارضة الأولى من المعارضات الدالة على امتناع التخصيص: أنا ~~وإن سلمنا أن علة القياس أمارة على حكم الفرع معرفة له، وأنه إذا تخلف ~~الحكم عنها في صورة أخرى للمعارض لا يمكن إثبات الحكم بها في فرع من الفروع ~~دون العلم بانتفاء ذلك المعارض لها المتفق عليه، ولكن لا يلزم أن يكون ~~انتفاء ذلك المعارض من جملة المعرف للحكم، بل المعرف للحكم إنما هو ما كان ~~باعثا عليه في الأصل، وانتفاء المعارض إنما توقف إثبات حكم الأمارة عليه ~~ضرورة أن الحكم لا يثبت مع تحقق المعارض النافي له، فكان نفيه شرطا في ~~إثبات حكم الأمارة لا أنه داخل في مفهوم الأمارة. # وعن الثانية: أنه وإن سلم أن اقتضاء العلة للحكم لا يتوقف على عدم ~~المعارض فما المانع منه قولهم إنه يكون الحكم حاصلا، وإن حصل المعارض لا ~~نسلم ذلك فإن العلة وإن كانت مقتضية للحكم فإنما يلزم وجود الحكم أن لو ~~انتفى المعارض الراجح أو المساوي. PageV03P227 # وعلى هذا فلا يلزم من النفي القدح في المعارض ولا في العلة. # وعن الثالثة: لا نسلم المنافاة بين اقتضاء المقتضي واقتضاء المانع، ولا ~~استحالة الجمع بينهما وإن استحال الجمع بين حكمهما. # وعلى هذا فلا يلزم من تحقق المانع خروج المقتضي عن جهة اقتضائه لا بذاته ~~ولا بغيره بخلاف المتنافيات بالذات. # وعن الرابعة: أنه وإن كان وجود الوصف مع الحكم في الأصل لا يوجب القطع ~~بكونه علة لكنه يغلب على الظن كونه علة، ووجوده مع عدم الحكم في صورة النقص ~~لا نسلم أنه يقتضي القطع بأنه ليس بعلة لذلك الحكم، بل الظن بالعلية باق ~~بحاله وانتفاء الحكم إنما كان لوجود المعارض النافي للحكم على ما هو معلوم ~~من قاعدة القائلين بتخصيص العلة. # وعن الخامسة: لا نسلم أن اطراد العلة ms682 طريق إلى صحتها كما يأتي مفصلا من ~~كونه (1) لا طريق سواه. # وعن السادسة: لا نسلم أن العلة العقلية يمتنع تخلف الحكم عنها، بل ذلك ~~جائز عند فوات القابل لحكمها كما بيناه في الكلاميات. وإن سلمنا امتناع ~~تخلف حكمها عنها فليس ذلك لدلالة الدليل على تعلق الحكم بها ولا لكونها ~~علة، بل إنما كان ذلك بكونها مقتضية للحكم لذاتها، وذلك غير متحقق في العلة ~~الشرعية فإنها ليست مقتضية للحكم لذاتها وإنما هي علة بوضع الشارع لها ~~أمارة على الحكم في الفرع. # وعن السابعة: أنه ليست العلة في امتناع الافتراق في الدليل العقلي ~~المتعلق بمدلولين، وامتناع الافتراق في الإدراك المتعلق بمدركين كونه طريقا ~~لا دليلا، بل لكون الدليل العقلي موجبا لذاته ولكون الإدراك مما يجب العلم ~~بالمدرك عنده عادة (2) بخلاف العلل الشرعية على ما سبق. PageV03P228 # وعن الثامنة: أنه إنما اختص البعض بتخلف الحكم دون البعض لاختصاصه بمعارض ~~لا تحقق له فيما كان الحكم ثابتا فيه. # وعن المعارضة الأولى من المعارضات الدالة على التخصيص: أنه لا دلالة لقول ~~ابن مسعود على أن القياس الذي كان الحكم ثابتا على خلافه أنه حجة، فالإجماع ~~على ذلك لا يكون مفيدا. # وإن كان حجة لكن يمكن حمله على ما إذا كان تخلف الحكم عنه بطريق ~~الاستثناء، ويجب الحمل عليه جمعا بين الأدلة. # وعن الثانية: لا نسلم أن تخلف الحكم عن الأمارة من غير معارض لا يخرجها ~~عن كونها أمارة، وذلك لأنه إما أن يكون كل ما توقف عليه التعريف في صورة ~~كانت الأمارة أمارة فيه قد تحقق في صورة تخلف الحكم أو لم يتحقق. # فإن كان الأول فتخلف الحكم عنه ممتنع. # وإن كان الثاني فالموجود في صورة التخلف ليس هو الأمارة التي توقف عليها ~~التعريف بل البعض منها. # وعلى هذا يكون تخريج كل ما ذكروه من الصور. (1) وعن الثالثة: بمنع كون ~~المستنبطة مع تخلف الحكم عنها من غير معارض أمارة، وعلى هذا فلم يوجد ~~الجامع بين الأصل والفرع، وإن دلوا على كونها أمارة مع التخصيص بطريق آخر ms683 ~~فهو كاف في المطلوب، وخروج عن خصوص هذه الدلالة. # وعن الرابعة: أن المختار مما ذكروه من الأقسام قسم التوقف من الطرفين. # قولهم: إن ذلك يفضي إلى الدور، إنما يلزم إن لو توقف كون الأمارة في كل ~~واحدة من الصورتين على كونها أمارة في الصورة الأخرى توقف تقدم، أما إذا ~~كان ذلك بطريق المعية فلا كما عرف ذلك فيما تقدم، والله أعلم. PageV03P229 ### | [المسألة التاسعة الحكمة المقصودة من الحكم هل هو مبطل للعلة] # المسألة التاسعة # اختلفوا في الكسر، وهو تخلف الحكم المعلل عن معنى العلة وهو الحكمة ~~المقصودة من الحكم، هل هو مبطل للعلة أو لا؟ . # وصورته ما لو قال الحنفي في مسألة العاصي بسفر مسافر، فوجب أن يترخص في ~~سفره كغير العاصي في سفره، وبين مناسبة السفر بما فيه من المشقة. # فقال المعترض: ما ذكرته من الحكمة وهي المشقة منتقضة، فإنها موجودة في حق ~~الحمال وأرباب الصنائع الشاقة في الحضر، ومع ذلك فإنه لا رخصة، والأكثرون ~~على أن ذلك غير مبطل للعلة. # والوجه فيه أن الكلام إنما هو مفروض في الحكمة التي ليست منضبطة بنفسها ~~بل بضابطها، وعند ذلك فلا يخفى أن مقدارها مما لا ينضبط، بل هو مختلف ~~باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال، وما هذا شأنه فدأب الشارع فيه رد الناس ~~إلى المظان الظاهرة الجلية دفعا للعسر عن الناس والتخبط في الأحكام على ما ~~قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} وعلى هذا فيمتنع التعليل بها ~~دون ضابطها، وإذا لم تكن علة فلا معنى لإيراد النقض عليها. # فإن قيل: المقصود من شرع الحكم إنما هو الحكمة دون ضابطها، وعند ذلك ~~فيحتمل أن يكون مقدار الحكمة في صورة النقض مساويا لمقدارها في صورة ~~التعليل، ويحتمل أن يكون أزيد، ويحتمل أن يكون أنقص، وعلى تقدير المساواة ~~والزيادة فقد وجد في صورة النقص ما كان موجودا في صورة التعليل، وإنما لا ~~يكون موجودا بتقدير أن يكون أنقص. # ولا يخفى أن ما يتم على تقديرين أغلب على الظن مما لا يتم إلا على ms684 تقدير ~~واحد، ومع ذلك فيظهر إلغاء ما ظن أن الحكم معلل به. # قلنا: الحكمة وإن كانت هي المقصودة من شرع الحكم لكن على وجه تكون مضبوطة ~~إما بنفسها أو بضابطها لما ذكرناه، وما فرض من الحكمة في صورة النقض مجردة ~~عن ضابطها فامتنع كونها مقصودة، وبتقدير كونها # PageV03P230 # مقصودة فالنقض إنما هو من قبيل المعارض لدليل كونها معللا بها، وعلى هذا ~~فانتفاء الحكم مع وجود الحكمة في دلالته على إبطال التعليل بالحكمة مرجوح ~~بالنظر إلى دليل التعليل بها، وذلك لأنه من المحتمل أن يكون انتفاء الحكم ~~في صورة النقض لمعارض، ومع هذا الاحتمال فتخلف الحكم عنها لا يدل على ~~إبطالها. # فإن قيل: بحثنا وسبرنا فلم نطلع على ما يصلح معارضا في صورة النقص (1) ~~فيظهر أن انتفاءه لانتفاء العلة، فهو معارض بقول المستدل: بحثت في محل ~~التعليل فلم أطلع على ما يصلح للتعليل سوى ما ذكرته، فدل على التعليل به. # فإن قيل: بحثنا راجح ; لما فيه من موافقة انتفاء الحكم لانتفاء علته إذ ~~هو الأصل نفيا للتعارض، فهو معارض بما بحث المستدل من موافقة ما ظهر من ~~دليل العلة من المناسبة والاعتبار فيتقاومان، ويترجح كلام المستدل بأن ~~مقدار الحكمة في صورة التعليل وإن كان مظنون الوجود في صورة النقض فيحتمل ~~أن لا يكون موجودا فيها، وإلا كان مقطوعا لا مظنونا، وهو موجود في صورة ~~التعليل قطعا مع قران الحكم به قطعا، وهو دليل العلية، وما هو دليل البطلان ~~فوجودها (2) في صورة النقض ظنا مع انتفاء الحكم قطعا، والمقطوع به من وجهين ~~راجح على ما هو مقطوع من وجه ومظنون من وجه. # ولا يخفى أن مثل هذا الترجيح مما لا يتجه على النقض على المظنة، فلذلك ~~كان لازما على المظنة دون الحكمة. # فإن قيل: فلو فرض وجود الحكمة في صورة النقض قطعا فما المختار فيه؟ قلنا: ~~ذلك مما يمتنع وقوعه، وبتقدير وقوعه فقد قال بعض أصحابنا: إنه لا التفات ~~إليه مصيرا منه إلى أن التوسل إلى معرفة ذلك في آحاد الصور بخفائه وندرته ms685 ~~مما يلزم منه نوع عسر وحرج، ولا يلزم مثله في التوسل إلى معرفة الضوابط ~~الجلية، فكان من المناسب حط هذه الكلفة عن ورد الناس إلى الضوابط الجلية ~~المشتملة على احتمال الحكم في الغالب. PageV03P231 # ولقائل أن يقول: البحث عن الحكمة في آحاد الصور هل هي موجودة قطعا، وإن ~~كان يفضي إلى العسر والحرج؟ إلا أنا نعلم أن المقصود الأصلي من إثبات ~~الأحكام ونفيها إنما هو الحكم والمقاصد، فعلى تقدير وجود الحكمة في بعض ~~الصور مماثلة لها في محل التعليل قطعا لو لم نقل بوجوب التعليل بها في غير ~~محل التعليل لزم منه انتفاء الحكم مع وجود حكمته قطعا، وذلك ممتنع كما ~~يمتنع إثبات الحكم مع انتفاء حكمته قطعا فيما عدا الصورة النادرة، وكذلك لو ~~لم نقل بإلغائها عند تخلف الحكم عنها، فيصح مع تيقنها فيلزم منه (1) إثبات ~~الحكم بها مع الضابط مع كونها ملغاة قطعا. # ولا يخفى أن محذور إثبات الحكم لحكمة ألغاها الشارع، أو نفي الحكم مع ~~وجود حكمته يقينا أعظم من المحذور اللازم للمجتهد من البحث عن الحكمة في ~~آحاد الصور على ما لا يخفى. # وعلى هذا يكون الكلام فيما إذا فرض وجود الحكمة في صورة النقض أزيد منها ~~في محل التعليل يقينا، لكن إن كان قد ثبت معها في صورة النقض حكم هو أليق ~~بها بأن يكون وافيا بتحصيل أصل الحكمة وزيادة، ولو رتب عليها في تلك الصورة ~~الحكم المعلل كان فيه الإخلال بتلك الزيادة في صورة النقض، فلا يكون ذلك ~~نقضا للحكمة ولا إلغاء لها، بل الواجب تخلف الحكم المعلل عنها وإثبات الحكم ~~اللائق بها الوافي بتحصيل الزيادة لما فيه من رعاية أصل المصلحة وزيادتها، ~~فإنه أولى من رعاية أصل المصلحة وإلغاء الزيادة، فإذا انتفاء الحكم في هذه ~~الصورة لا يدل على إلغاء الحكمة بل على اعتبارها بأصلها وصفتها. # ومثال ذلك ما إذا علل المستدل وجوب القطع قصاصا بحكمة الزجر. # فقال المعترض: مقصود الزجر في القتل العمد العدوان أعظم، ومع ذلك فإنه لا ~~يجب به القطع، فللمستدل ms686 أن يقول: الحكمة في صورة النقض وإن كانت أزيد منها ~~في محل التعليل، غير أنه قد ثبت معها في حكم هو أليق بها وهو وجوب القتل. ~~PageV03P232 ### | [المسألة العاشرة النقض المكسور] # المسألة العاشرة # اختلفوا في النقض المكسور، وهو النقض على بعض أوصاف العلة. (1) وذلك كما ~~لو قال الشافعي في مسألة بيع الغائب: مبيع مجهول الصفة عند العاقد حال ~~العقد، فلا يصح بيعه كما لو قال: " بعتك عبدا ". # فقال المعترض: هذا ينتقض بما لو تزوج امرأة لم يرها فإنها مجهولة الصفة ~~عند العاقد لدى العقد، ومع ذلك فإن النكاح يصح والأكثرون على رده وإبطاله. # وذلك لأن التعليل إنما وقع بكونه مبيعا مجهول الصفة لا بكونه مجهول الصفة ~~فقط، والمنكوحة ليست مبيعة وإن كانت مجهولة الصفة، وإبطال التعليل ببعض ~~أوصاف العلة لا يكون إبطالا بجملة العلة. # نعم، إن بين المعترض أنه لا تأثير للوصف الذي وقع به الاحتراز عن النقص ~~في الحكم لا بانفراده ولا مع ضميمة إلى الوصف الآخر، فالمستدل بين أمرين: ~~بين أن يبقى مصرا على التعليل بمجموع الوصفين، وبين أن يترك الكلام على ~~التعليل بالوصف المنقوض. # فإن كان الأول، فقد بطل التعليل بما علل به لعدم التأثير لا بالنقض. # وإن كان الثاني، فقد بطل التعليل بالنقض لكونه واردا على كل العلة. # فإن قيل: الوصف المحذوف وإن لم يكن مناسبا ولا له تأثير في إثبات الحكم ~~المعلل لا بانفراده ولا مع ضميمة إلى غيره، فلا يمتنع أخذه في التعليل ~~لفائدة الاحتراز عن النقض، وإنما يخرج عن التعليل أن لو تعرى عن الفائدة ~~بالكلية وليست الفائدة منحصرة في المناسبة على ما تقدم. # قلنا: فائدة الاحتراز به متوقفة على كونه من أجزاء العلة، حتى إنه لو لم ~~يكن من أجزاء العلة لكانت العلة ما وراءه، والنقض إذ ذاك يكون واردا عليها، ~~وكونه من أجزاء العلة يتوقف على إمكان الاحتراز به وهو دور ممتنع. ~~PageV03P233 ### | [المسألة الحادية عشرة اشتراط العكس في العلل الشرعية] # المسألة الحادية عشرة (1) اختلفوا في اشتراط العكس في العلل الشرعية ~~فأثبته قوم ms687 ونفاه أصحابنا والمعتزلة. # وقبل الخوض في الحجاج لا بد من بيان أقسام العكس، واختلاف الاصطلاحات فيه ~~وتعيين محل النزاع منها. # فنقول: أما العكس في اللغة فمأخوذ من رد أول الأمر إلى آخره، وآخره إلى ~~أوله، وأصله شد رأس البعير بخطامه إلى ذراعه. # وأما في اصطلاح الحكماء فهو عبارة عن جعل اللازم ملزوما والملزوم لازما ~~مع بقاء كيفية القضية بحالها من السلب والإيجاب (2) وذلك كقول القائل في ~~عكس القضية الحملية إذا كانت موجبة كلية كقولنا: (كل إنسان حيوان) ، أو ~~جزئية كقولنا: (بعض الإنسان حيوان) ، (بعض الحيوان إنسان) ، أو كلية سالبة ~~كقولنا: (لا شيء من الإنسان بحجر) ، (لا شيء من الحجر بإنسان) ، وعلى قياسه ~~عكس القضية الشرطية. # وأما في اصطلاح الفقهاء والأصوليين فقد يتعلق العكس باعتبارين: # الأول منهما مثل قول الحنفي: لما لم يجب القتل بصغير المثقل لم يجب ~~بكبيره، بدليل عكسه في المحدد، وهو أنه لما وجب بكبير الجارح وجب بصغيره، ~~وهو باطل PageV03P234 # فإنه لا مانع من ورود الشارع بوجوب القصاص بكل جارح وإن تخصص وجوبه في ~~المثقل بالكبير منه. # وأما الثاني: فهو انتفاء الحكم عند انتفاء العلة (1) والعكس بهذا ~~الاعتبار هو المقصود بالخلاف هاهنا. # والمختار فيه إنما هو التفصيل، وهو أن جنس الحكم المعلل إما أن لا يكون ~~له سوى علة واحدة أو أنه معلل بعلل في كل صورة بعلة. # فإن كان الأول، وذلك كتعليل جنس وجوب القصاص في النفس بالقتل العمد ~~العدوان فإنه لا علة له سواه، فلا شك في لزوم انتفائه عند انتفاء علته، لا ~~لأنه يلزم من نفي العلة الواحدة نفي الحكم، بل لأن الحكم لا بد له من دليل ~~ولا دليل. # وإن كان الثاني، كما في إباحة الدم بالقتل العمد العدوان. والردة عن ~~الإسلام والزنى في الإحصان وقطع الطريق، وتعليل نقض الوضوء بالمس واللمس ~~والبول والغائط، فلا شك أنه لا يلزم من انتفاء بعض هذه العلل نفي جنس الحكم ~~لجواز وجود علة أخرى، وإنما يلزم نفيه بتقدير انتفاء جميع العلل. # هذا في جنس الحكم المعلل، وأما ms688 آحاد أشخاص الحكم في آحاد الصور، فإنه ~~يمتنع تعليله بعلتين على ما يأتي تقريره، وإنما يكون معللا بعلة واحدة على ~~طريق البدل فلا يلزم من نفي العلة المعينة نفيه لجواز وجود بدلها لما سبق. # فإن قيل: وإن كان الحكم معللا بعلة واحدة ولا علة له سواها في دليل عليه ~~فكانت مشابهة للدليل العقلي في العقليات، ولا يلزم من نفي الدليل في ~~العقليات نفي المدلول، ولهذا فإن الصنعة دليل وجود الرب تعالى، ولو قدر ~~انتفاؤها لم يلزم منه انتفاء وجود الرب تعالى فكذلك العلة الشرعية. # قلنا: العلة وإن كانت دليل الحكم فلا نعني بانتفاء الحكم عند انتفائها ~~انتفاءه في نفسه، بل انتفاء العلم أو الظن به ضرورة توقف ذلك على النظر ~~الصحيح في الدليل ولا دليل، وكذلك الحكم في الصنعة مع الصانع. PageV03P235 ### | [المسألة الثانية عشرة تعليل الحكم الواحد في صورة واحدة بعلتين معا] # المسألة الثانية عشرة (1) اتفقوا على جواز تعليل الحكم بعلل في كل صورة ~~بعلة، واختلفوا في جواز تعليل الحكم الواحد (2) في صورة واحدة بعلتين معا. # فمنهم من منع ذلك مطلقا كالقاضي أبي بكر وإمام الحرمين ومن تابعهما، ~~ومنهم من جوز ذلك مطلقا، ومنهم من فصل بين العلل المنصوصة والمستنبطة، ~~فجوزه في المنصوصة ومنع منه في المستنبطة كالغزالي ومن تابعه. # والمختار إنما هو المذهب الأول، وذلك لأنه لو كان معللا بعلتين لم يخل ~~إما أن تستقل كل واحدة بالتعليل، أو أن المستقل بالتعليل إحداهما دون ~~الأخرى، أو أنه لا استقلال لواحدة منهما بل التعليل لا يتم إلا باجتماعهما. # لا جائز أن يقال بالأول ; لأن معنى كون الوصف مستقلا بالتعليل أنه علة ~~الحكم دون غيره، ويلزم من استقلال كل واحدة منهما بهذا التفسير امتناع ~~استقلال كل واحدة منهما وهو محال. # وإن كان الثاني أو الثالث فالعلة ليست إلا واحدة، وعلى هذا فلا فرق بين ~~أن تكون العلة في التعليل بمعنى الباعث أو بمعنى الأمارة. # فإن قيل: نحن لا نفسر استقلال العلة بأن الحكم ثبت بها لا غير ليلزمنا ما ~~قيل، بل ms689 معنى استقلالها أنها لو انفردت لكان الحكم لها ولا أثر لانتفاء ~~غيرها. # ولا يخفى وجه الفرق بينه وبين القسمين الآخرين. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على امتناع تعليل الحكم بعلتين على وجه تكون كل ~~واحدة مستقلة بالحكم، لكنه معارض بما يدل على جوازه بالنظر إلى ما هو ~~الواقع من أحكام الشرع. # وذلك أنا قد اتفقنا على ثبوت الحكم الواحد عقيب علل مختلفة، كل واحدة قد ~~ثبت استقلالها بالتعليل في صورة. PageV03P236 # وعند ذلك فإما أن يقال: العلة منها واحدة أو الكل (علة) واحدة ذات أوصاف، ~~أو أن كل واحدة علة مستقلة. # لا جائز أن يقال بالأول وإلا فهي معينة أو مبهمة: القول بالتعيين ممتنع ~~لعدم الأولوية، ولما فيه من خروج الباقي عن التعليل مع استقلال كل واحدة ~~به، وبهذا يبطل الإبهام. # والقسم الثاني: أيضا، فلم يبق سوى القسم الثالث وهو الاستقلال. # ودليل ثبوت مثل هذه الأحكام: الإجماع على إباحة قتل من قتل مسلما قتلا ~~عمدا عدوانا، وارتد عن الإسلام، وزنا محصنا وقطع الطريق معا، وعلى ثبوت ~~الولاية على الصغير المجنون، وعلى امتناع نكاح من أولدته وأرضعته، وعلى ~~تحريم وطء الحائض المعتدة المحرمة، وعلى انتقاض الوضوء بالمس واللمس والبول ~~والغائط معا. # والجواب عن الإشكال الأول: أن الكلام إنما هو مفروض في حالة الاجتماع لا ~~في حالة الانفراد، والتقسيم في حالة الاجتماع، فعلى ما سبق. # وأما الأحكام فالوجه في دفعها أن تقول: أما إباحة قتل من قتل وارتد وزنى ~~محصنا وقطع الطريق، فالعلل وإن كانت فيه متعددة فالحكم أيضا متعدد شخصا وإن ~~اتحد نوعا، ولذلك فإنه لا يلزم من انتفاء إباحة القتل بعد العودة عن الردة ~~إلى الإسلام انتفاؤها بباقي الأسباب الأخر، ولا من انتفاء الإباحة بسبب ~~إسقاط القصاص انتفاؤها بباقي الأسباب. # ويدل على تعدد الحكم أيضا أن الإباحة بجهة القتل العمد العدوان حق للآدمي ~~بجهة الخلوص، ولذلك يتمكن من إسقاطه مطلقا، والإباحة بجهة الزنا والردة حق ~~لله تعالى بجهة الخلوص دون الآدمي، وذلك غير متصور في شيء واحد، وعلى تقدير ~~الاستيفاء فالمقدم حق ms690 الآدمي وهو الإباحة بجهة القصاص ; لأن حقه مبني على ~~الشح والمضايقة، وحق الله تعالى مبني على المسامحة والمساهلة من حيث إن ~~الآدمي يتضرر بفوات حقه دون الباري تعالى. # وأما ثبوت الولاية على الصغير المجنون فمستندة إلى الصغر لسبقه على ~~الجنون لكون الجنون لا يعرف إلا بعد حين، وكذلك امتناع نكاح الوالدة ~~المرضعة فإنه مستند إلى الولادة دون الرضاع لسبقها عليه. # PageV03P237 # وأما الوطء في حق الحائض المعتدة المحرمة فغير محرم على التحقيق، وإنما ~~المحرم في حق الحائض ملابسة الأذى، وفي حق المعتدة تطويل العدة، وفي حق ~~المحرمة إفساد العبادة، وهي أحكام متعددة لا أنها حكم واحد. # وأما المس واللمس وباقي الأسباب فالأحداث المرتبة عليها متعددة على رأي ~~لنا. # وعلى هذا فلو نوى رفع حدث واحد منها لارتفع الباقي، فأحكامها أيضا متعددة ~~لا أنها حكم واحد، والنزاع إنما هو في الحكم الواحد بالشخص بعلتين لا في ~~تعليل حكمين. # وعلى هذا فلا يخفى وجه التخريج لكل ما يرد من هذا القبيل. ### | [المسألة الثالثة عشرة العلة الواحدة الشرعية هل تكون علة لحكمين شرعيين] # المسألة الثالثة عشرة # اختلفوا في العلة الواحدة الشرعية هل تكون علة لحكمين شرعيين أو لا؟ ~~والمختار جوازه، وذلك لأن العلة إما بمعنى الأمارة أو الباعث. # فإن كانت بمعنى الأمارة فغير ممتنع لا عقلا ولا شرعا، نصب أمارة واحدة ~~على حكمين مختلفين، وذلك مما لا نعرف فيه خلافا كما لو قال الشارع: جعلت ~~طلوع الهلال أمارة على وجوب الصوم والصلاة ونحوه. (1) وأما إن كانت بمعنى ~~الباعث فلا يمتنع أيضا أن يكون الوصف الواحد باعثا للشرع على حكمين مختلفين ~~أي مناسبا لهما، وذلك كمناسبة شرب الخمر للتحريم ووجوب الحد، وكذلك التصرف ~~بالبيع من الأهل في المحل المرئي فإنه مناسب لصحة البيع ولزومه. # فإن قيل: إذا كان الوصف مناسبا لأحد الحكمين فمعنى كونه مناسبا له أنه لو ~~رتب ذلك الحكم عليه لحصل مقصوده. # وعلى هذا فيمتنع أن يكون مناسبا للحكم الآخر لأنه لو ناسبه لكان بمعنى أن ~~ترتيبه عليه محصل للمقصود منه، وفي ذلك ms691 تحصيل الحاصل لكونه حاصلا به لحكم ~~الآخر. PageV03P238 # وأيضا فإنه إذا كان الوصف الواحد مناسبا لحكمين مختلفين فإما أن يناسبهما ~~من جهة واحدة، أو من جهتين مختلفتين، فإن كان الأول فهو ممتنع ; إذ الشيء ~~الواحد لا يكون مناسبا لشيء من جهة ما يناسب مخالفه. # وإن كان الثاني فعلة الحكمين مختلفة لا أنها متحدة. # والجواب عن الأول: أن معنى المناسب للحكم أعم مما ذكروه. # وذلك لأن المناسب ينقسم إلى ما ترتيب الحكم الواحد عليه، يستقل بتحصيل ~~مقصوده، وذلك مما يمنع كونه مناسبا لحكمين بهذا التفسير، وإلى ما يتوقف ~~حصول مقصوده على ترتيب الحكم عليه، وإن لم يكن ذلك الحكم وافيا بتحصيل ~~المقصود دون الحكم الآخر. # وعلى هذا فامتناع مناسبة الوصف الواحد للحكمين بالتفسير الأول وإن كان ~~لازما فلا يمتنع أن يكون مناسبا للحكمين بالتفسير الثاني. # وعن الإشكال الثاني: أنه إذا عرف أن معنى مناسبة الوصف للحكمين توقف حصول ~~المقصود منه على شرع الحكمين فلا يمتنع أن يكون الوصف مناسبا لهما من جهة ~~واحدة. ### | [المسألة الرابعة عشرة شرط العلة إذا كانت في أصل القياس بمعنى الباعث] # المسألة الرابعة عشرة # إذا كانت العلة في أصل القياس بمعنى الباعث، كما قررناه، فشرطها أن يكون ~~ضابط الحكمة المقصودة للشرع من إثبات الحكم أو نفيه بحيث لا يلزم منه (1) ~~إثبات الحكم مع تيقن انتفاء الحكمة في صورة، وإلا كان فيه إثبات الحكم مع ~~انتفاء الحكمة المطلوبة منه يقينا، وهو ممتنع، ومثاله ما لو قيل بأن حكمة ~~القصاص إنما هي صيانة النفس المعصومة عن الفوات، فمن ضبط صيانة النفس عن ~~الفوات بالجرح لا غير، كما يقوله أبو حنيفة، فيلزمه شرع القصاص في حق من ~~جرح ميتا ضرورة وجود الضابط مع تيقن انتفاء الحكمة أو نفي الحكم مع وجود ~~علته وهو ممتنع. # فإن قيل: وإن لزم من ذلك إثبات الحكم في صورة بدون حكمة واحدة. ~~PageV03P239 # وذلك الضابط (1) في الأصل المذكور، وإنما يمتنع الضبط به إن لو لم يكن له ~~سوى حكمة واحدة. # وأما إذا جاز أن يكون الوصف الواحد ms692 ضابطا في كل صورة لحكمة، فانتفاء حكمة ~~إحدى الصورتين عن الأخرى لا يوجب أن يكون ثبوت الحكم في الصورة التي انتفت ~~عنها تلك الحكمة عريا عن الفائدة، بل يكون ثبوته بالحكمة الخاصة بتلك ~~الصورة، والضابط لها ولحكمة الحكم في الصورة الأخرى شيء واحد. # قلنا: إذا اتحد الضابط فاختصاصه في كل صورة بحكمة مخالفة للحكمة المختصة ~~به في الصورة الأخرى، إما أن يكون ذلك لذاته أو لمخصص مختص بتلك الصورة دون ~~الصورة الأخرى. # لا جائز أن يقال بالأول، وإلا لزم الاشتراك بين الصورتين في الحكمتين ~~ضرورة اتحاد المستلزم لها. # وإن قيل بالثاني، فما به التخصيص في كل واحدة من الصورتين ولا وجود له في ~~الصورة الأخرى يكون من جملة الضابط، فالضابط للحكمتين يكون مختلفا، وإن كان ~~مركبا من الوصف المشترك وما به تخصصت كل صورة من المخصص الزائد. (2) ### | [المسألة الخامسة عشرة شرط ضابط الحكمة] # المسألة الخامسة عشرة # ذهب جماعة إلى أن شرط ضابط الحكمة أن يكون جامعا بحيث لا توجد الحكمة ~~يقينا في صورة دونه، مصيرا منهم إلى أنه لو كان كذلك فلا يخلو: إما أن يثبت ~~الحكم في الصورة التي وجدت فيها الحكمة دون ذلك الضابط أو لا يثبت، فإن كان ~~الأول فيلزم منه إدارة الحكم على الحكمة دون ضابطها، وهو ممتنع لما فيه من ~~الاستغناء عن الضابط لإمكان إثبات الحكم بالحكمة دونه. # وإن كان الثاني فيلزم منه إهمال الحكمة مع العلم بأن الحكم لم يثبت إلا ~~بها وهو ممتنع. # وصورة ذلك ضبط الحنفي العمدية باستعمال الجارح، حيث إنه يلزم منه إهمال ~~العمدية مع تيقن وجودها فيما إذا أدار حجر البزارة على رأسه أو ألقاه في ~~بحر مغرق أو نار محرقة. PageV03P240 # ولقائل أن يقول: ما ذكر من المحذور إنما يلزم إن لو امتنع الحكم في ~~صورتين بعلتين وهو باطل لما سبق. # ومع جواز الحكم في صورتين بعلتين لا يمتنع أن تكون حكمة الحكم في ~~الصورتين واحدة، ولها في كل صورة ضابط بحسب تلك الصورة، وذلك لا يجر إلى ~~إهمال الحكمة ms693 ولا إلى إلغاء الضابط. ### | [المسألة السادسة عشرة تعليل حكم الأصل بعلة متأخرة عن ذلك الحكم في الوجود] # المسألة السادسة عشرة # اختلفوا في جواز تعليل حكم الأصل بعلة متأخرة عن ذلك الحكم في الوجود، ~~وذلك كتعليل إثبات الولاية للأب على الصغير الذي عرض له الجنون بالجنون، ~~فإن الولاية ثابتة قبل عروض الجنون. # والمختار امتناعه، وذلك لأن علة حكم الأصل إما أن تكون بمعنى الباعث أو ~~بمعنى الأمارة المعرفة له. # فإن كان الأول فيلزم من تأخر العلة عن الحكم في الوجود أن يكون الحكم قبل ~~ذلك إما لا بباعث أو بباعث غير العلة المتأخرة عنه ; لاستحالة ثبوت الحكم ~~بباعث لا تحقق له مع الحكم. # وإن كان الثاني فهو ممتنع لوجهين: # الأول: ما بيناه من امتناع كون العلة في الأصل بمعنى الأمارة. # الثاني: أنها وإن كانت بمعنى الأمارة فإنما هو في تعريف الحكم، وقد عرف ~~قبلها ضرورة سبقه في الوجود عليها، وتعريف المعروف محال. # فإن قيل: ما ذكرتموه إنما يستقيم بتقدير امتناع الحكم الواحد بعلتين وإلا ~~فبتقدير تعليله بعلتين، فلا يمتنع تعليله بعلة موجودة معه وعلة متأخرة عنه. # قلنا: أما أولا فقد بينا امتناع تعليل الحكم بعلتين في صورة واحدة، ~~وبتقدير جواز ذلك، فإنما يجوز لتقدير أن لا تكون إحدى العلتين متقدمة على ~~الأخرى لما بيناه فيما تقدم. # PageV03P241 ### | [المسألة السابعة عشرة كان الحكم في الأصل نفيا والعلة له وجود مانع اختلفوا في اشتراط وجود المقتضي لإثباته] # المسألة السابعة عشرة # إذا كان الحكم في الأصل نفيا والعلة له وجود مانع أو فوات شرط فقد ~~اختلفوا في اشتراط وجود المقتضي لإثباته. # والمختار اشتراطه، وذلك لأن الأحكام إنما شرعت لمصالح الخلق، فما لا ~~فائدة في إثباته فلا يشرع، فانتفاؤه يكون لانتفاء فائدته، وسواء وجدت ثم ~~حكمة تقتضي نفيه أو لم توجد، وفرق بين انتفاء الحكم لانتفاء فائدته وبين ~~انتفائه لوجود فائدة نافية له، وإذا كان كذلك فما لم يوجد المقتضي للإثبات ~~كان نفي الحكم للمانع أو لفوات الشرط ممتنعا. # فإن قيل: لا خفاء بأن وجود المقتضي ms694 من قبيل المعارض لوجود المانع وفوات ~~الشرط، فإذا استقل المانع وفوات الشرط بنفي الحكم مع وجود ما يعارضه ويكسر ~~سورته، فلأن يستقل بالنفي مع انتفاء المعارض كان أولى. (1) وأيضا لو ~~اشترطنا وجود المقتضي فيلزم منه التعارض بينه وبين المانع، أو فوات الشرط، ~~والتعارض على خلاف الأصل لما فيه من إهمال أحد الدليلين، وعند انتفاء ~~المقتضي لو أحلنا نفي الحكم على نفي المقتضى مع تحقق ما يناسب نفي الحكم من ~~المانع أو فوات الشرط، لزم منه إهمال مناسبة المانع وفوات الشرط مع اقتران ~~نفي الحكم به، وهو خلاف الأصل. # قلنا: جواب الإشكال الأول أنه لا يلزم من انتفاء الحكم بالمانع وفوات ~~الشرط مع وجود المقتضي المشترط في إعماله ; لما بيناه انتفاؤه له مع فوات ~~شرط إعماله. # وجواب الثاني: أنه وإن لزم من وجود المقتضي التعارض بينه وبين المانع أو ~~فوات الشرط، فهو أهون من نفيه لوجود المانع مع فوات شرط إعماله على ما ~~حققناه. PageV03P242 # ولهذا كان نفي الحكم بالمانع وفوات الشرط مع وجود المقتضي متفقا عليه بين ~~القائلين بتخصيص العلة، ومختلفا فيه مع انتفاء المقتضي. # وبتقدير انتفاء المقتضي فنفي الحكم له دون ما ظهر من المانع، وفوات الشرط ~~وإن أفضى إلى إلغاء مناسبة المانع وفوات الشرط مع اعتباره إلا أنه أولى من ~~انتفائه للمانع أو فوات الشرط. # ولهذا وقع الاتفاق من الكل على استقلاله بالنفي عند عدم المعارض، ووقع ~~الخلاف في استقلال المانع وفوات الشرط بالنفي مع القائلين بامتناع تخصيص ~~العلة، فكان النفي له أولى. (1) ولا يمكن أن يقال بإحالة النفي على نفي ~~المقتضي والمانع معا ; لأنه لا يخلو إما أن يكون كل واحد مستقلا بالنفي، أو ~~أن المقتضي للنفي الهيئة الاجتماعية منهما، وهما بمنزلة أجزاء العلة ~~النافية. لا سبيل إلى الأول لما بيناه من امتناع الحكم الواحد في صورة ~~واحدة بعلتين مستقلتين، ولا سبيل إلى الثاني لأن نفي المقتضي بتقدير انتفاء ~~معارضه مستقل بالنفي إجماعا، وفيه إخراج المستقل عن الاستقلال وهو ممتنع، ~~وإذا ثبت أنه لا بد في التعليل بالمانع ms695 وفوات الشرط من وجود المقتضي فلا بد ~~من بيانه بطريق تفصيلي يدل على وجوده وعليته بما يساعد من الأدلة. وإن اتفق ~~إن كان الشارع قد نص على نفي الحكم فهو دليل ظاهر على وجود المقتضي ; لأنه ~~لو لم يكن المقتضي موجودا كانت فائدة التنصيص على النفي التأكيد لاستقلال ~~نفي المقتضي بالنفي. # والأصل أن يحمل كلام الشارع على فائدة التأسيس لكونها أصلا، وإنما يتم ~~ذلك بالنظر إلى وجود المقتضي. # فإن قيل: اعتقاد وجود المقتضي حملا للكلام على فائدة التأسيس يلزم منه ~~نفي الحكم مع وجود ما يقتضيه، وهو خلاف الأصل، وليس مخالفة محذور مخالفة ~~المقتضي مع كونه خلاف الأصل دفعا لمحذور حمل الكلام على فائدة التأكيد أولى ~~من العكس. PageV03P243 # قلنا: بل المحذور اللازم من نفي الحكم مع وجود ما يقتضيه مخالفة المقتضي ~~لا غير، وهو غالب في الشرع ومحذور التأكيد مع كونه نادرا، فيه مخالفة ما ~~ظهر من مناسبة المانع واعتباره، مع أن الغالب من حال الشارع اعتبار ~~المناسبات لا إلغاؤها. # ولا يخفى أن التزام محذور عهد التزامه في الشرع غالبا، وليس فيه التزام ~~محذور آخر، أولى من التزام محذور لم يعهد التزامه في الشرع غالبا وفيه ~~التزام محذور آخر. ### | [المسألة الثامنة عشرة العلة المستنبطة من الحكم المعلل بها] # المسألة الثامنة عشرة # يجب أن لا تكون العلة المستنبطة من الحكم المعلل بها مما ترجع على الحكم ~~الذي استنبطت منه بالإبطال. # وذلك كتعليل وجوب الشاة في باب الزكاة بدفع حاجة الفقراء ; لما فيه من ~~رفع وجوب الشاة (1) وإن ارتفاع الأصل المستنبط منه يوجب إبطال العلة ~~المستنبطة منه ضرورة توقف عليتها على اعتبارها به، وأن لا تكون طردية محضة ~~كالطول والقصر والسواد والبياض ونحوه ; لما بيناه من أن العلة في الأصل لا ~~تكون إلا بمعنى الباعث، والوصف الطردي (2) لا يكون باعثا، ولأن الحكم في ~~الفرع إنما يثبت بما غلب على الظن أن الحكم في الأصل ثابت له، وذلك غير ~~متصور في الوصف الطردي، وأن لا يكون لها في الأصل معارض لا تحقق له ms696 في ~~الفرع لما يأتي تقريره، وأن لا تكون مخالفة للنص الخاص أو للإجماع، وهذا ~~كله من الشروط المتفق عليها. # وقد اشترط فيها أن لا تكون مخصصة لعموم القرآن، وقد أبطلناه فيما تقدم ~~(3) وأن لا تعارضها علة أخرى تقتضي نقيض حكمها. PageV03P244 # وإنما يصح ذلك أن لو كانت العلة المعارضة لها راجحة عليها وممتنعة ~~التخصيص، وقد عرف ما في ذلك. (1) وأن لا تتضمن زيادة على النص، وإنما يصح ~~ذلك أن لو كانت الزيادة منافية لمقتضى النص. (2) وأن تكون منتزعة من أصل ~~مقطوع بحكمه، وليس كذلك لما بيناه من جواز القياس على أصل حكمه ثابت بدليل ~~مظنون. # وأن لا تكون مخالفة لمذهب الصحابي، وليس كذلك لجواز أن يكون مذهب الصحابي ~~مستندا إلى علة مستنبطة من أصل آخر، إلا أن تكون علته مع ظهورها راجحة. وأن ~~يكون وجودها في الفرع مقطوعا به، وليس كذلك ; لأن وجودها أحد ما يتوقف عليه ~~الحكم في الفرع، فكان الظن كافيا فيه، كما في وجودها في الأصل، وفي كونها ~~علة، وفي نفي المعارض عنها في الأصل والفرع. # وبالجملة فهذه الشروط في محل الاجتهاد. ### | [المسألة التاسعة عشرة الدليل الدال على العلة الجامعة في القياس] # المسألة التاسعة عشرة # اتفقوا على أن نصب الوصف سببا وعلة من الشارع، وأن دليله لا بد وأن يكون ~~شرعيا. # وسواء كان كونه سببا وعلة وحكما شرعيا أو لم يكن، كما سبق وجه الكلام ~~فيه، وإنما اختلفوا في الدليل الدال على العلة الجامعة في القياس. # فذهب بعض أصحابنا إلى أن شرطه أن لا يكون متناولا لإثبات الحكم في الفرع، ~~وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة الفواكه: (مطعوم) فجرى فيه الربا قياسا ~~على البر، ثم دل على كون الطعم علة بقوله - عليه السلام -: ( «لا تبيعوا ~~الطعام بالطعام PageV03P245 # إلا مثلا بمثل» ) (1) فإنه وإن كان دليلا على كون الطعم علة بالإيماء، ~~فهو دليل على تحريم الربا في الفواكه بعمومه. # وربما كان الدليل الدال على العلة متناولا لحكم الفرع بخصوصه دون حكم ~~الأصل، وذلك كما لو قال الحنفي في مسألة ms697 الخارج من غير السبيلين (خارج نجس) ~~فينقض الوضوء كالخارج من السبيلين، ثم دل على كون الخارج النجس علة للنقض ~~بقوله - عليه السلام -: ( «من قاء أو رعف أو أمذى فليتوضأ وضوءه للصلاة» ) ~~(2) فإن القيء والرعاف والمذي من حيث هو خارج نجس مناسب لنقض الوضوء، ~~فترتيب الحكم عليه في كلام الشارع يدل على التعليل به، كما يأتي في طرق ~~إثبات العلة، ولكنه مع ذلك متناول لإثبات حكم الفرع بخصوصه دون حكم الأصل. # وإنما شرطوا امتناع ذلك مصيرا منهم إلى أنه إذا كان دليل العلة يستقل ~~بالدلالة على الحكم المتنازع فيه فالاستدلال بالعلة على الحكم على وجه لا ~~بد من إثباتها بدليل يستقل بإثبات الحكم المتنازع فيه يكون تطويلا بلا ~~فائدة فليعدل إليه أولا. # ولقائل أن يقول: الاستدلال بالعلة المثبتة بالنص المتناول لحكم الفرع، ~~وإن أفضى إلى التطويل فحاصله يرجع إلى مناقشة جدلية، وليس ذلك مما يقدح في ~~صحة القياس المذكور، ولا يكون قادحا في المقصود، وقد ينقدح عنه جواب آخر في ~~بعض الصور، وهو عندما إذا كان العام الدال على حكم الفرع قد خص في صورة، ~~وكان المستدل ممن يرى أن العام بعد التخصيص لا يبقى حجة إلا في أقل الجمع ~~فله أن يقول: إنما لم أتمسك بعموم النص في إثبات حكم الفرع ; لعدم مساعدة ~~الدليل على إدراج الفرع فيه، وذلك لا يمنع من التمسك به في إثبات العلة ولو ~~في صورة واحدة، ومهما كان كذلك، لزم إثبات الحكم بتلك العلة في أي صورة ~~وجدت، ولذلك وقع التمسك به في إثبات العلة دون الحكم. PageV03P246 ### | [المسألة العشرون حكم أصل القياس المنصوص عليه هل هو ثابت بالعلة أو النص] # المسألة العشرون # اختلف الشافعية والحنفية في حكم أصل القياس المنصوص عليه هل هو ثابت ~~بالعلة أو النص؟ # فقالت الشافعية: إنه ثابت بالعلة، وقالت الحنفية: إنه ثابت بالنص، محتجين ~~على ذلك بأمور ثلاثة: # الأول: أن الحكم في الأصل مقطوع به، والعلة المستنبطة منه مظنونة، ~~والمقطوع به لا يكون ثابتا بالمظنون. # الثاني: أن العلة مستنبطة من حكم ms698 الأصل ومتفرعة عليه وتابعة له في ~~الوجود، فلو كان الحكم ثابتا بها لكان الأصل بما لا ثبوت له دون ثبوته وهو ~~دور. # الثالث: أنه قد يثبت الحكم تعبدا من غير علة، فلو كان ثابتا بالعلة لما ~~ثبت مع عدمها. # واعلم أن الخلاف في هذه المسألة آيل إلى اختلاف في اللفظ. # وذلك أن قول أصحابنا بأن الحكم ثابت بالعلة، لا يريدون به أن العلة معرفة ~~له بالنسبة إلينا ضرورة أنها مستنبطة منه وأنها لا تعرف دون معرفته، وإنما ~~يريدون به أنها الباعثة للشارع على إثبات الحكم في الأصل، وأنها التي ~~لأجلها أثبت الشارع الحكم، وأصحاب أبي حنيفة غير منكرين لذلك. # وحيث قالت الحنفية: إن العلة غير مثبتة للحكم، لم يريدوا بذلك أنها ليست ~~باعثة، وإنما أرادوا بذلك أنها غير معرفة لحكم الأصل بالنسبة إلينا. # وأصحابنا غير منكرين، لذلك فلا خلاف في المعنى بل في اللفظ. # PageV03P247 ### | [القسم الثالث في شروط الفرع] # وهي خمسة: # الشرط الأول: أن يكون خاليا عن معارض راجح يقتضي نقيض ما اقتضته علة ~~القياس، على رأي القائلين بجواز تخصيص العلة ليكون القياس مفيدا. # الشرط الثاني: أن تكون العلة الموجودة فيه مشاركة لعلة الأصل: إما في ~~عينها كتعليل تحريم شرب النبيذ بالشدة المطربة المشتركة بينه وبين الخمر، ~~أو في جنسها كتعليل وجوب القصاص في الأطراف بجامع الجناية المشتركة بين ~~القطع والقتل ; لأن القياس على ما تقدم إنما هو تعدية حكم الأصل إلى الفرع ~~بواسطة علة الأصل، فإذا لم تكن علة الفرع مشاركة لها في صفة عمومها ولا ~~خصوصها فلم تكن (1) علة الأصل في الفرع، فلا يمكن تعدية حكم الأصل إلى ~~الفرع. # الشرط الثالث: أن يكون الحكم في الفرع مماثلا لحكم الأصل في عينه، كوجوب ~~القصاص في النفس المشترك بين المثقل والمحدد، أو جنسه كإثبات الولاية على ~~الصغيرة في نكاحها قياسا على إثبات الولاية في مالها، فإن المشترك بينهما ~~إنما هو جنس الولاية لا عينها، ولو لم يكن كذلك لكان القياس باطلا ; وذلك ~~لأن شرع الأحكام لم يكن مطلوبا لذاته بل ms699 إليه من مقاصد العبد، وسواء ظهر ~~المقصود أم لم يظهر فإن كان حكم الفرع مماثلا لحكم الأصل علمنا أن ما يحصل ~~به من المقصود مثل ما يحصل من حكم الأصل ضرورة اتحاد الوسيلة فيجب إثباته. # وأما إذا كان حكم الفرع مخالفا لحكم الأصل مع أنه الوسيلة إلى تحصيل ~~المقصود، فإفضاؤه إلى الحكمة المطلوبة يجب أن يكون مخالفا لإفضاء حكم الأصل ~~إليها، والمخالفة بينهما من الإفضاء إما أن تكون بزيادة في إفضاء حكم الأصل ~~إليها أو في إفضاء حكم الفرع. # فإن كان الأول، فلا يلزم من شرع الحكم في الأصل رعاية الأصل المقصود ~~وزيادة الإفضاء إليه شرع حكم الفرع تحصيلا لأصل المقصود دون زيادة الإفضاء ~~إليه ; لأن زيادة الإفضاء إلى المقصود مقصودة في نظر العقلاء وأهل العرف. ~~PageV03P248 # وإن كان الثاني، فهو ممتنع لأنا أجمعنا على امتناع ثبوت مثل حكم الفرع في ~~الأصل. # وعند ذلك فتنصيص الشارع على حكم الأصل دون حكم الفرع يدل على أن حكم ~~الأصل أفضى إلى المقصود من حكم الفرع، وإلا فلو كان حكم الفرع أفضى إلى ~~المقصود من حكم الأصل لكان أولى بالتنصيص عليه. # فإن قيل: ما ذكرتموه فرع تصور الاختلاف في الأحكام الشرعية وليس كذلك، ~~وذلك لأن حكم الله هو كلامه وخطابه، وذلك مما لا اختلاف فيه وإنما الاختلاف ~~في تعلقاته ومتعلقاته، وحكم الشارع بالوجوب لا يخالف حكمه بالتحريم من حيث ~~هو حكم الله وكلامه، وإن وقع الاختلاف في أمر خارج كالذم على الفعل، والذم ~~على الترك بسبب اختلاف محل الخطاب. # ولا يخفى أن اختلاف محل الخطاب غير موجود لاختلاف الحكم في نفسه، بدليل ~~اشتراك الصوم والصلاة في حكم الوجوب، والقتل والزنى في التحريم. (1) ~~PageV03P249 # وإن سلمنا تصور الاختلاف في نفس الحكم الشرعي، ولكن ما المانع أن يكون ~~إفضاء حكم الفرع إلى المقصود أتم من إفضاء حكم الأصل إليه. # قولكم: لو كان كذلك لكان التنصيص عليه في الأصل أولى، إنما يلزم أن لو لم ~~تكن فائدة التنصيص على حكم الأصل لقصد التنبيه بالأدنى على الأعلى. # وبتقدير أن ms700 لا يكون ذلك مقصودا للشارع، فإنما لم ينص عليه لاحتمال أن ~~يكون ذلك لمانع مختص به لا وجود له في حكم الأصل. # والجواب عن السؤال الأول: أنه ليس حكم الشارع عبارة عن مطلق كلامه وخطابه ~~ليصح ما قيل، بل الخطاب المقيد بتعلق خاص كما بيناه في حد الحكم. # وإذا كان التعلق داخلا في مفهوم الحكم فالمتعلقات مختلفة ويلزم من ~~اختلافها اختلاف الأحكام. # وعن الثاني: أنه لو كانت فائدة تخصيص حكم الأصل بالتنصيص عليه التنبيه به ~~على حكم الفرع لكان حكم الفرع ثابتا بمفهوم الموافقة لا بالقياس، ولجاز ~~إثباته في الأصل وهو ممتنع. # قولهم: إنما لم ينص عليه لاحتمال اختصاصه بمانع. # قلنا: المانع إما أن يكون من لوازم صورة الأصل أو من لوازم مثل حكم ~~الفرع، أو من لوازم اجتماع الأمرين. # فإن كان الأول، فيلزم منه امتناع إثبات حكم الأصل في الأصل بطريق الأولى ~~ضرورة كون مقصوده أدنى من مقصود حكم الفرع على ما وقع به الفرض. # وإن كان الثاني، فيلزم منه امتناع ثبوته في الفرع أيضا ضرورة أن ما هو ~~المانع من إثباته في الأصل من لوازم نفس ذلك الحكم. # وإن كان الثالث، فالأصل عدمه. # الشرط الرابع: أن لا يكون حكم الفرع منصوصا عليه وإلا ففيه قياس # PageV03P250 # المنصوص على المنصوص، وليس أحدهما بالقياس على الآخر أولى من العكس. # وهذا مما لا نعرف خلافا بين الأصوليين في اشتراطه. # الشرط الخامس: أن لا يكون حكم الفرع متقدما على حكم الأصل، وذلك كما لو ~~قاس الشافعي الوضوء على التيمم في الافتقار إلى النية ; لأنه يلزم منه أن ~~يكون الحكم في الفرع ثابتا قبل كون العلة الجامعة في قياسه علة، ضرورة ~~كونها مستنبطة من حكم متأخر عنه، اللهم إلا أن يذكر ذلك بطريق الإلزام ~~للخصم لا بطريق مأخذ القياس. # وقد شرط قوم أن يكون الحكم في الفرع ثابتا بالنص جملة لا تفصيلا، وهو ~~باطل فإن الصحابة قاسوا قوله: (أنت علي حرام) على الطلاق واليمين والظهار، ~~ولم يوجد في الفرع نص لا جملة ولا تفصيلا. ms701 ### | [الباب الثاني في مسالك إثبات العلة الجامعة في القياس] ### | [المسلك الأول الإجماع] # الباب الثاني # في مسالك إثبات العلة الجامعة في القياس # المسلك الأول: الإجماع # وهو أن يذكر ما يدل على إجماع الأمة في عصر من الأعصار على كون الوصف ~~الجامع علة لحكم الأصل، إما قطعا أو ظنا، فإنه كاف في المقصود. # وذلك كإجماعهم على كون الصغر علة لثبوت الولاية على الصغير في قياس ولاية ~~النكاح على ولاية المال. # فإن قيل: فإذا كانت العلة مجمعا عليها قطعا فكيف يسوغ الخلاف معها في ~~مسائل الاجتهاد؟ # قلنا بأن يكون وجودها ظنيا في الأصل أو الفرع، وأما إن كان وجودها فيهما ~~مع كونها مقطوعا بعليتهما فلا. # PageV03P251 ### | [المسلك الثاني النص الصريح] # وهو أن يذكر دليل من الكتاب أو السنة على التعليل بالوصف بلفظ موضوع له ~~في اللغة من غير احتياج فيه إلى نظر واستدلال، وهو قسمان: # الأول: ما صرح فيه بكون الوصف علة أو سببا للحكم الفلاني، وذلك كما لو ~~قال: العلة كذا أو السبب كذا. (1) القسم الثاني: ما ورد فيه حرف من حروف ~~التعليل كاللام، وكي، ومن، وإن، والباء. # أما (اللام) فكقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} أي: زوال الشمس، ~~وكقوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ، وكقوله - عليه السلام ~~-: ( «كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة» ) (2) أي القوافل ~~السيارة. # وذلك يدل على التعليل بالوصف الذي دخلت عليه (اللام) لتصريح أهل اللغة ~~بأنها للتعليل. # وأما (كي) فكقوله تعالى: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} أي: كي لا ~~تبقى الدولة بين الأغنياء، بل تنتقل إلى غيرهم. # وأما (من) فكقوله تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل} . # وأما (إن) فكقوله - عليه السلام - في قتلى أحد: ( «زملوهم بكلومهم فإنهم ~~يحشرون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما، اللون لون الدم والريح ريح المسك» ) ~~(3) ، وكقوله - عليه السلام - في حق محرم وقصت به ناقته: " «لا تخمروا ~~PageV03P252 # رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» ". (1) وأما (الباء) ~~فكقوله تعالى: {جزاء بما كانوا يعملون} . # فهذه هي الصيغ الصريحة ms702 في التعليل وعند ورودها يجب اعتقاد التعليل، إلا ~~أن يدل الدليل على أنها لم يقصد بها التعليل فتكون مجازا فيما قصد بها، ~~وذلك في (اللام) كما لو قيل: (لم فعلت كذا؟) فقال: (لأني قصدت أن أفعل) ~~وكما في قول القائل: (أصلي لله) وقول الشاعر: ( # لدوا للموت وابنوا للخراب # ) (2) فقصد الفعل لا يصلح أن تكون علة للفعل وغرضا له، وكذلك ذات الله ~~تعالى لا تصلح أن تكون علة للصلاة ولا الموت علة للولادة ولا الخراب علة ~~للبناء، بل علة الفعل ما يكون باعثا على الفعل، وهي الأشياء التي تصلح أن ~~تكون بواعث، وكما في قوله تعالى: {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} ، ~~{ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} ، وليس كل من شاق الله ورسوله يخرب بيته، ~~فليست المشاقة علة لخراب البيت اللهم إلا أن يحمل لفظ الخراب على استحقاق ~~الخراب، أو على استحقاق العذاب فإنه يكون معللا بالمشاقة. PageV03P253 ### | [المسلك الثالث ما يدل على العلية بالتنبيه والإيماء ويشتمل على أقسام] ### | [القسم الأول ترتيب الحكم على الوصف بفاء التعقيب والتسبيب في كلام الله أو رسوله] # المسلك الثالث: ما يدل على العلية بالتنبيه والإيماء. # وذلك بأن يكون التعليل لازما من مدلول اللفظ وضعا لا أن يكون اللفظ دالا ~~بوضعه على التعليل، وهو ستة أقسام: # القسم الأول: ترتيب الحكم على الوصف بفاء التعقيب والتسبيب في كلام الله ~~أو رسوله أو الراوي عن الرسول. # أما في كلام الله فكما في قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما} ، {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} . # وأما في كلام رسوله فكقوله - عليه السلام -: " «من أحيا أرضا ميتة فهي ~~له» " (1) ، وقوله: " # ملكت نفسك فاختاري # ". (2) وأما في كلام الراوي فكما في قوله: ( «سها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في الصلاة فسجد» ) ، ( «وزنا ماعز فرجمه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم» -) . # وذلك في جميع هذه الصور يدل على أن ما رتب عليه الحكم (بالفاء) يكون علة ~~للحكم لكون (الفاء) في اللغة ظاهرة في التعقيب، ولهذا فإنه لو قيل: " جاء ~~زيد فعمرو " فإن ذلك يدل ms703 على مجيء عمرو عقيب مجيء زيد من غير مهلة، ويلزم ~~من ذلك السببية لأنه لا معنى لكون الوصف سببا إلا ما ثبت الحكم عقيبه، وليس ~~ذلك قطعا بل ظاهرا PageV03P254 # لأن (الفاء) في اللغة قد ترد بمعنى (الواو) في إرادة الجمع المطلق، وقد ~~ترد بمعنى (ثم) في إرادة التأخير مع المهلة، كما سبق تعريفه غير أنها ظاهرة ~~في التعقيب بعيدة فيما سواه. # وهذه الرتب متفاوتة، فأعلاها ما ورد في كلام الله تعالى، ثم ما ورد في ~~كلام رسوله، ثم ما ورد في كلام الراوي. # وسواء كان فقيها أو لم يكن، لكنه إن كان فقيها كان الظن بقوله أظهر، وإذا ~~لم يكن فقيها وإن كان في أدنى الرتب غير أنه مغلب على الظن ; لأنه إذا قال: ~~سها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسجد، فالظاهر من حاله مع كونه ~~متدينا عالما بكون (الفاء) موضوعة للتعقيب، أنه لو لم يفهم أن السهو سبب ~~للسجود، وإلا لما رتب السجود على السهو بالفاء لما فيه من التلبيس بنقل ما ~~يفهم منه السببية، ولا يكون سببا بل ولما كان تعليقه للسجود بالسهو أولى من ~~غيره. ### | [القسم الثاني حدثت واقعة فرفعت إلى النبي عليه السلام فحكم عقيبها بحكم فإنه يدل على كون ما حدث علة لذلك الحكم] # القسم الثاني: ما لو حدثت واقعة فرفعت إلى النبي - عليه السلام - فحكم ~~عقيبها بحكم فإنه يدل على كون ما حدث علة لذلك الحكم. # وذلك كما روي أن «أعرابيا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: ~~هلكت وأهلكت، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ماذا صنعت؟ فقال: ~~واقعت أهلي في نهار رمضان عامدا، فقال له - عليه السلام -: اعتق رقبة» (1) ~~فإنه يدل على كون الوقاع علة للعتق. # وذلك لأنا نعلم أن الأعرابي إنما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~واقعته لبيان حكمها شرعا، وأن النبي - عليه السلام - إنما ذكر ذلك الحكم في ~~معرض الجواب له، PageV03P255 # لا أنه ذكره ابتداء منه لما فيه من إخلاء السؤال عن الجواب وتأخير ms704 البيان ~~عن وقت الحاجة، وكل ذلك وإن كان ممكنا إلا أنه على خلاف الظاهر، وإذا كان ~~ذلك جوابا عن سؤاله فالسؤال الذي عنه الجواب يكون ذكره مقدرا في الجواب في ~~كلام المجيب فيصير كأنه قال: واقعت فكفر. # وقد عرف أن الوصف إذا رتب الحكم عليه في كلام الشارع بفاء التعقيب ~~تحقيقا، فإنه يكون علة فكذلك إذا كان الحكم مرتبا عليه بفاء التعقيب ~~تقديرا. # ولهذا كان هذا القسم ملحقا بالقسم الذي قبله، وإن كان دونه في الظهور ~~والدلالة لكون (الفاء) فيه مقدرة، وفي الأول محققة، والاحتمال أن يكون قد ~~بدأ به لا عن قصد الجواب، وذلك كما لو قال العبد لسيده: قد طلعت الشمس أو ~~غربت، فقال له: اسقني ماء فإنه لا يفهم منه الجواب لسؤاله ولا التعليل، بل ~~هو أمر له ابتداء بسقي الماء وعدول عن السؤال بالكلية، إما لذهوله عن ~~السؤال أو لعدم الالتفات إليه لعدم تعلق الغرض به، غير أن هذا الاحتمال وإن ~~كان منقدحا هاهنا فهو بعيد في حق النبي - عليه السلام - فيما فرض السؤال ~~عنه ; إذ الغالب عدم الذهول، وأنه إنما قصد الجواب حتى لا يكون مؤخرا ~~للبيان عن وقت الحاجة مع كونه خلاف الظاهر. ### | [القسم الثالث أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا لو لم يقدر التعليل به لما كان لذكره فائدة] # ، ومنصب الشارع مما ينزه عنه، وذلك لأن الوصف المذكور إما أن يكون مذكورا ~~مع الحكم في كلام الله تعالى أو كلام رسوله. # فإن كان في كلام الله تعالى وقدرنا أنه لو لم يقدر التعليل به فذكره لا ~~يكون مفيدا، ولا يخفى أن ذلك غير جائز في كلام الله تعالى إجماعا نفيا لما ~~لا يليق بكلامه عنه. # وإن كان ذلك في كلام رسوله فلا يخفى أن الأصل إنما هو انتفاء العبث عن ~~العاقل في فعله وكلامه ونسبة ما لا فائدة فيه إليه ; لكونه عارفا بوجوه ~~المصالح والمفاسد، فلا يقدم في الغالب على ما لا فائدة فيه، وإذا كان ذلك ~~هو الظاهر # PageV03P256 # من آحاد العقلاء فمن ms705 هو أهل للرسالة عن الله تعالى ونزول الوحي عليه ~~وتشريع الأحكام أولى. # وإذا عرف ذلك فيجب اعتقاد كون الوصف المذكور في كلامه مع الحكم علة له. # وهذا القسم على أصناف، وذلك لأن الشارع إما أن يذكر ذلك ابتداء من غير ~~سؤال أو بعد السؤال، فإن كان من غير سؤال فهو (الصنف الأول) وذلك كما في ~~حديث ابن مسعود ليلة الجن، حيث توضأ - عليه السلام - بماء كان قد نبذ فيه ~~تميرات لاجتناب ملوحته فقال: ( «ثمرة طيبة وماء طهور» ) (1) فإنه يدل على ~~جواز الوضوء به، وإلا كان ذكره ضائعا ; لكون ما ذكر ظاهر غير محتاج إلى ~~بيان. # وإن كان مع السؤال فلا يخلو إما أن يذكر ذلك الوصف في محل السؤال أو في ~~غيره، فإن كان في محل السؤال فهو (الصنف الثاني) وذلك كما روي عنه - عليه ~~السلام - أنه «سئل عن جواز بيع الرطب بالتمر فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: " أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم، فقال: فلا إذا» " (2) فهذا ~~وإن فهم منه أن النقصان علة امتناع بيع الرطب بالتمر من ترتيبه الحكم على ~~الوصف بالفاء واقترانه بحرف (إذا) وهي من صيغ التعليل غير أنا لو قدرنا ~~انتفاء هذين لبقي فهم التعليل بالنقصان بحاله نظرا إلى أنه لو لم يقدر ~~التعليل به لكان ذكره والاستفسار عنه غير مفيد. # وإن كان في غير محل السؤال، وهو أن يعدل في بيان الحكم إلى ذكر نظير لمحل ~~السؤال، فهو (الصنف الثالث) ، وذلك كما روي عنه - عليه السلام - أنه لما ~~PageV03P257 # سألته الجارية الخثعمية وقالت: «يا رسول الله إن أبي أدركته الوفاة وعليه ~~فريضة الحج فإن حججت عنه أينفعه ذلك؟ فقال - عليه السلام -: أرأيت لو كان ~~على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه ذلك؟ فقالت: نعم، قال: فدين الله أحق ~~بالقضاء» . (1) فالخثعمية إنما سألت عن الحج والنبي - عليه السلام - ذكر ~~دين الآدمي والحج من حيث هو دين نظير لدين الآدمي، فذكره لنظير المسئول عنه ~~مع ترتيب الحكم عليه يدل على التعليل به وإلا كان ذكره عبثا. # ويلزم ms706 من كون نظير الواقعة علة للحكم المرتب عليها أن يكون المسئول عنه ~~أيضا علة لمثل ذلك الحكم ضرورة المماثلة. # وما مثل هذا يسميه الأصوليون التنبيه على أصل القياس، فكأنه نبه على ~~الأصل وعلى علة حكمه وعلى صحة إلحاق المسئول عنه بواسطة العلة المومي ~~إليها. # وليس من هذا القبيل ما مثل به بعض الأصوليين، وذلك كما روي عن «عمر أنه ~~سأل النبي - عليه السلام - عن قبلة الصائم هل تفسد الصوم؟ فقال - عليه ~~السلام -: أرأيت لو تمضمضت أكان ذلك يفسد الصوم؟ فقال: لا» . وذلك لأن ~~النبي - عليه السلام - إنما ذكر ذلك بطريق النقض لما توهمه عمر من كون ~~القبلة مفسدة للصوم لكونها مقدمة للوقاع المفسد للصوم، فنقض النبي - عليه ~~السلام - ذلك بالمضمضة فإنها مقدمة للشرب المفسد للصوم وليست مفسدة للصوم. # أما أن يكون ذلك تنبيها على عدم الإفساد بكون المضمضة مقدمة للفساد فلا. # وذلك لأن كون القبلة والمضمضة مقدمة لإفساد الصوم ليس فيه ما يتخيل أن ~~يكون مانعا من الإفطار، بل غايته أن لا يكون مفطرا، فكان الأشبه بما ذكره ~~النبي - عليه السلام - أن يكون نقضا لا تعليلا. # وأيضا فإن الأصل أن يكون الجواب مطابقا للسؤال لا زائدا عليه ولا ناقصا ~~عنه PageV03P258 # أما الزيادة فلعدم الغرض بها. # وأما النقصان فلما فيه من الإخلال بمقصود السائل. # وعمر إنما سأل عن كون القبلة مفسدة للصوم أم لا؟ فالجواب المطابق إنما ~~يكون بما يدل على الإفساد أو عدمه، وكون القبلة علة لنفي الفساد غير مسئول ~~عنه، فلا يكون اللفظ الدال على ذلك جوابا مطابقا للسؤال، بخلاف النقض فإنه ~~يتحقق به أن القبلة غير مفسدة، فكان جوابا مطابقا للسؤال. ### | [القسم الرابع أن يفرق الشارع بين أمرين في الحكم بذكر صفة] # ، فإن ذلك يشعر بأن تلك الصفة هي علة التفرقة في الحكم، حيث خصصها بالذكر ~~دون غيرها، فلو لم تكن علة لكان ذلك على خلاف ما أشعر به اللفظ، وهو تلبيس ~~يصان بنصب الشارع عنه. # وذلك منقسم إلى ما يكون أحد الأمرين مذكورا في ذلك الخطاب دون ms707 ذكر الآخر، ~~وإلى ما لا يكون مذكورا فيه (1) الأول: كما في قوله - عليه السلام -: " ~~«القاتل لا يرث» " فإنه خصص القاتل بعدم الميراث بعد سابقة إرث من يرث. # والثاني: فمنه ما تكون التفرقة فيه بلفظ الشرط والجزاء كقوله: " «لا ~~تبيعوا البر بالبر» " إلى قوله: " فإذا «اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدا ~~بيد» " # ومنه ما يكون بالغاية كقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} . # ومنه ما يكون بالاستثناء كقوله تعالى: {فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون} . # ومنه ما يكون بلفظ الاستدراك كقوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} . # ومنه أن يستأنف أحد الشيئين بذكر صفة من صفاته بعد ذكر الآخر كقوله - ~~عليه السلام -: " «للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم» ". PageV03P259 ### | [القسم الخامس يكون الشارع قد أنشأ الكلام لبيان مقصود وتحقيق مطلوب ثم يذكر في أثنائه شيئا آخر] # القسم الخامس: أن يكون الشارع قد أنشأ الكلام لبيان مقصود وتحقيق مطلوب ~~ثم يذكر في أثنائه شيئا آخر لو لم يقدر كونه علة لذلك الحكم المطلوب لم يكن ~~له تعلق بالكلام لا بأوله ولا بآخره، فإنه يعد خبطا في اللغة واضطرابا في ~~الكلام، وذلك مما تبعد نسبته إلى الشارع، وذلك كقوله تعالى: {ياأيها الذين ~~آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} . # فالآية إنما سيقت لبيان أحكام الجمعة لا لبيان أحكام البيع، فلو لم يعتقد ~~كون النهي عن البيع علة للمنع عن السعي الواجب إلى الجمعة لما كان مرتبطا ~~بأحكام الجمعة، وما سيق له الكلام ولا تعلق به، وذلك ممتنع لما سبق. # وقوله تعالى: {وذروا البيع} وإن كانت صيغته صيغة أمر إلا أنه في معنى ~~النهي إذ النهي طلب ترك الفعل، وقوله تعالى: {وذروا البيع} طلب لترك البيع ~~فكان نهيا. ### | [القسم السادس أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا مناسبا] # كقوله - عليه السلام -: " «لا يقضي القاضي وهو غضبان» " فإنه يشعر بكون ~~الغضب علة مانعة من القضاء لما فيه من تشويش الفكر واضطراب الحال، وكذلك ~~إذا قال: أكرم العالم ms708 وأهن الجاهل، فإنه يسبق إلى الفهم منه أن العلم علة ~~للإكرام والجهل علة للإهانة، وذلك لوجهين: # الأول: ما ألف من عادة الشارع من اعتبار المناسبات دون إلغائها، فإذا قرن ~~بالحكم في لفظه وصفا مناسبا غلب على الظن اعتباره له. # الثاني: ما علمنا من حال الشارع أنه لا يرد بالحكم خليا عن الحكمة ; إذ ~~الأحكام إنما شرعت لمصالح العبيد وليس ذلك بطريق الوجوب إلى جري العادة ~~المألوفة من شرع الأحكام (1) فإذا ذكر مع الحكم وصفا مناسبا غلب ~~PageV03P260 # على الظن أنه علة له إلا أن يدل الدليل على أنه لم يرد به ما هو الظاهر ~~منه فيجوز تركه. # وذلك كما في قوله: ( «لا يقضي القاضي وهو غضبان» ) فإنه وإن دل بظاهره ~~على أن مطلق الغضب علة فجواز القضاء مع الغضب اليسير يدل على أن مطلق الغضب ~~ليس بعلة، بل الغضب المانع من استيفاء النظر. # وإذا عرفت أقسام الوصف المومأ إليه ترتب عليه النظر في مسألتين. # المسألة الأولى # اختلف الأصوليون في اشتراط مناسبة الوصف المومأ إليه، فأثبته قوم ونفاه ~~آخرون كالغزالي وأتباعه. # حجة من قال باشتراط المناسبة أن الغالب من تصرفات الشارع أن تكون على وفق ~~تصرفات العقلاء وأهل العرف (1) ، ولو قال الواحد من أهل العرف لغيره: (أكرم ~~الجاهل وأهن العالم) قضى كل عاقل أنه لم يأمر بإكرام الجاهل لجهله، ولا أن ~~أمره بإهانة العالم لعلمه، وأن ذلك لا يصلح للتعليل نظرا إلى أن تصرفات ~~العقلاء لا تتعدى مسالك الحكمة وقضايا العقل. # وأيضا فإن الاتفاق من الفقهاء واقع على امتناع خلو الأحكام الشرعية عن ~~الحكم إما بطريق الوجوب على رأي المعتزلة، وإما بحكم الاتفاق على رأي ~~أصحابنا (2) وسواء ظهرت الحكمة أم لم تظهر. # وما يعلم قطعا أنه لا مناسبة فيه ولا وهم المناسبة يعلم امتناع التعليل ~~به. # والمختار أن تقول: أما ما كان من القسم السادس الذي فهم التعليل فيه ~~مستندا إلى ذكر الحكم مع الوصف المناسب، فلا يتصور فهم التعليل فيه دون فهم ~~المناسبة ; لأن عدم المناسبة فيما المناسبة شرط فيه يكون ms709 تناقضا، وأما ما ~~سواه من PageV03P261 # الأقسام فلا يمتنع التعليل فيها بما لا مناسبة فيه، إلا أن تكون العلة ~~بمعنى الباعث، وأما بمعنى الأمارة والعلامة فلا. # وعلى هذا فما ذكروه من الحجة على امتناع التعليل بالوصف الطردي إنما يصح ~~أن لو قيل: إن التعليل بالوصف الطردي بمعنى الباعث، ولا اتجاه لها في ~~التعليل بمعنى الأمارة والعلامة. # وعلى هذا فلا امتناع في جعل الجهل علامة على الإكرام والعلم علامة على ~~الإهانة، إذا لم يكن هو الباعث بل الباعث غيره. # المسألة الثانية # اتفقوا على صحة الإيماء فيما إذا كان حكم الوصف المومأ إليه مدلولا عليه ~~بصريح اللفظ كالأمثلة السابق ذكرها. # وأما إذا كان اللفظ يدل على الوصف بصريحه والحكم مستنبط غير مصرح به كما ~~في قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} فإن اللفظ بصريحه يدل على ~~الحل والصحة مستنبطة منه. # ووجه استنباط الصحة منه أنه لو لم يكن البيع صحيحا لم يكن مثمرا ; إذ هو ~~معنى نفي الصحة، وإذا لم يكن مثمرا مفيدا كان تعاطيه عبثا، والعبث مكروه ~~والمكروه لا يحل، وعند ذلك فيلزم من الحل الصحة لتعذر الحل مع انتفاء ~~الصحة. # وهذا (1) مما اختلف في كونه مومأ إليه، فذهب قوم إلى امتناع الإيماء ~~تمسكا منهم بأن الإيماء إنما يتحقق إذا دل اللفظ بوضعه على الوصف والحكم ~~كما سبق من الأمثلة. # وأما إذا دل على الوصف بالوضع وكان الحكم مستنبطا منه، فلا يدل ذلك على ~~كونه مومأ إليه، كما إذا دل اللفظ على الحكم بوضعه وكان الوصف مستنبطا منه، ~~فإنه لا يدل على الإيماء إلى الوصف، وذلك كما في قوله - عليه السلام -: " ~~«حرمت الخمرة لعينها» " (2) فإنه يدل على الحكم وهو التحريم وضعا، والشدة ~~المطربة علة مستنبطة منه وليست مومأ إليها. PageV03P262 # وذهب المحققون إلى كونه مومأ إليه وهو الحق. # وذلك لأنه إذا كان اللفظ بصريحه يدل على الوصف وهو الحل، والصحة لازمة له ~~لما تقرر، فإثبات الحل وضعا يدل على إرادة ثبوت الصحة ضرورة كونها لازمة ~~للحل فيكون ثابتا بإثبات الشارع له مع ms710 وصف الحل، وإثبات الشارع للحكم ~~مقترنا بذكر وصف مناسب دليل الإيماء إلى الوصف، كما لو ذكر معه الحكم بلفظ ~~يدل عليه وضعا ضرورة تساويهما في الثبوت، وإن اختلفا في طريق الثبوت بأن ~~كان أحدهما ثابتا بدلالة اللفظ وضعا، والآخر مستنبطا من مدلول اللفظ وضعا ; ~~لأن الإيماء إنما كان مستفادا عند ذكر الحكم والوصف بطريق الوضع من جهة ~~اقتران الحكم بالوصف لا من جهة كون الحكم ثابتا بطريق الوضع، وهذا بخلاف ما ~~إذا كان الحكم مدلولا عليه وضعا والوصف مستنبط منه، وذلك لأن الوصف ~~المستنبط من الحكم المصرح به كما في المثال المذكور لم يكن وجوده لازما من ~~الحكم المصرح به، ولا مناسبته لتحققه قبل شرع الحكم بخلاف الصحة مع الحل ~~كما تقدم تحقيقه. # والمعتبر في الإيماء أن يكون الوصف المومأ إليه مذكورا في كلام الشارع مع ~~الحكم أو لازما من مدلول كلامه (1) ، والأمران مفقودان في الوصف المستنبط ~~بخلاف الحل مع الصحة. (2) PageV03P263 ### | [المسلك الرابع في إثبات العلة بالسبر والتقسيم] # (1) وذلك أن يقال: الحكم الثابت في الأصل إما أن يكون لعلة أو لا لعلة. # لا جائز أن يقال بالثاني ; إذ هو خلاف إجماع الفقهاء على أن الحكم لا ~~يخلو عن علة إما بجهة الوجوب كما قالت المعتزلة، أو لا بجهة الوجوب كقول ~~أصحابنا (2) ، وبتقدير جواز خلوه عن العلة، فالخلو عنها على خلاف الغالب ~~المألوف من شرع الأحكام، وذلك يدل ظاهرا على استلزام الحكم فيما نحن فيه ~~للعلة. # وإذا كان لا بد له من علة فإما بأن تكون ظاهرة أو غير ظاهرة. # لا جائز أن تكون غير ظاهرة، وإلا كان الحكم تعبدا، وهو خلاف الأصل لوجوه ~~ثلاثة: # الأول: أن إثبات الحكم بجهة التعقل أغلب من إثباته بجهة التعبد، وإدراج ~~ما نحن فيه تحت الغالب أغلب على الظن. # الثاني: أنه إذا كان الحكم معقول المعنى كان على وفق المألوف من تصرفات ~~العقلاء وأهل العرف، والأصل تنزيل التصرفات الشرعية على وزان التصرفات ~~العرفية. PageV03P264 # الثالث: أنه إذا كان معقول المعنى وكان أقرب إلى الانقياد وأسرع في ms711 ~~القبول، فكان أفضى إلى تحصيل مقصود الشارع من شرع الحكم فكان أولى. # وإذا كان لا بد من علة ظاهرة، فإذا قال المناظر: الموجود في محل الحكم لا ~~يخرج عن وصفين أو ثلاثة مثلا ; لأني بحثت وسبرت فلم أطلع على ما سواه، وكان ~~أهلا للنظر بأن كانت مدارك المعرفة بذلك لديه متحققة من الحس والعقل وكان ~~عدلا ثقة فيما يقول والغالب من حاله الصدق، غلب على الظن انتفاء ما سوى ~~المذكور من الأوصاف، أو قال (1) : الأصل عدم كل موجود سوى ما وجد من ~~الأوصاف المذكورة، إلا أن يدل الدليل عليه، والأصل عدم ذلك الدليل فإنه ~~يغلب على الظن الحصر فيما عينه. # وإذا ثبت حصر الأوصاف فيما عينه فإذا بين بعد ذلك حذف البعض عن درجة ~~الاعتبار في التعليل بدليل صالح مساعد له عليه، بحيث يغلب على الظن ذلك، ~~فيلزم من مجموع الأمرين (2) انحصار التعليل فيما استبقاه ضرورة امتناع خلو ~~محل الحكم عن علة ظاهرة، وامتناع وجود ما وراء الأوصاف المذكورة وامتناع ~~إدراج المحذوف في التعليل لما دل عليه الدليل. # فإن قيل: لعله لم يبحث ولم يسبر، وإن بحث وسبر، فلعله وجد وصفا وراء ما ~~ادعى الحصر فيه، ولم يذكره ترويجا لكلامه، وإن لم يجد شيئا وراء المذكور ~~فلا يدل ذلك على عدمه، فإن عدم العلم بالوصف جهل به، والجهل بوجود الوصف لا ~~يدل على عدمه، وإن دل على عدمه بالنسبة إلى الباحث فلا يدل على عدمه ~~بالنسبة إلى الخصم، فإنه ربما كان عالما بوجود وصف آخر وراء المذكور، وعند ~~ذلك فلا ينتهض بحث المستدل دليلا في نظر خصمه على العدم لعلمه بمناقضته، ثم ~~وإن دل ذلك على حصر الأوصاف فيما ذكره فحذف بعض الأوصاف عن درجة الاعتبار ~~في التعليل إنما يلزم منه انحصار التعليل في المستبقي أن لو كان الحكم في ~~PageV03P265 # التعليل معقول المعنى، وأما على تقدير كونه غير معقول المعنى فلا ; لأنه ~~جاز أن يشترك المحذوف والمستبقي في انتفاء الاعتبار، وإن كان الحكم معقول ~~المعنى فغاية ما في حذف الوصف ms712 المحذوف إبطال معارض العلة، ولا يلزم من ذلك ~~صحة كون المستبقي علة ; لأن صحة العلة إنما إلى وجود مصححها لا بالنظر إلى ~~انتفاء معارضها. (1) قلنا: إذا كان الباحث مسلما عدلا فالظاهر أنه صادق ~~فيما أخبر به من البحث وعدم الاطلاع على وصف آخر، وعند ذلك فالقضاء بنفي ~~الوصف لا يكون مستندا إلى عدم العلم به، بل بناء على الظن بعدمه، فإن الظن ~~بعدم الشيء ملازم للبحث عن ذلك الشيء ممن هو أهله مع عدم الاطلاع عليه، ~~وعند ذلك فالظاهر أنه لو كان الخصم يعلم وجود وصف آخر لأبرزه وأظهره ; ~~إفحاما لخصمه وإظهارا لعلم مست الحاجة إلى إظهاره، فدعوى العلم منه بوجود ~~وصف آخر من غير بيان مع إمكان البيان لا يكون مقبولا لظهور العناد فيه، ولو ~~بين الخصم وجود وصف آخر، فإنا وإن تبينا انخرام حصر المستدل به، غير أنه ~~إذا أدرجه في الإبطال مع ما أبطل فإنه لا يعد منقطعا فيما يقصده من التعليل ~~بالوصف المستبقي، وإذا ثبت انحصار الأوصاف في القدر المذكور فلا يخفى أنه ~~إذا أخرج البعض عن درجة الاعتبار تعين انحصار التعليل في المستبقي، فإنه ~~وإن جاز أن يكون الحكم تعبدا غير أنه بعيد لما سبق تقريره، وليس القضاء ~~بكون المستبقي علة بناء على إبطال المعارض، بل على أن الحكم في محل التعليل ~~لا بد له من علة ظاهرا، وعند ذلك يغلب على الظن انحصارها في الأوصاف ~~المذكورة، فإذا قام الدليل على إبطال البعض غلب على الظن التعليل ~~بالمستبقي، ويكون ذلك الظن مستفادا من جملة القواعد الممهدة لا من نفس ~~إبطال المعارض. # هذا كله في حق المناظر. (2) PageV03P266 # وأما الناظر المجتهد فإنه مهما غلب على ظنه شيء من ذلك فلا يكابر نفسه، ~~وكان مؤاخذا بما أوجبه ظنه. # وعند ذلك فلا بد من بيان طرق الحذف: # الأول منها: أن يبين المستدل أن الوصف الذي استبقاه قد ثبت به الحكم في ~~صورة بدون الوصف المحذوف، وهو ملقب بالإلغاء وهو شديد الشبه بنفي العكس ~~الذي ليس بمقبول، وسيأتي الفرق بينهما، ms713 ولا بد من بيان ثبوت الحكم مع الوصف ~~المستبقي فإنه لو ثبت دونه كما ثبت دون المحذوف (1) كان ذلك إلغاء للمستبقي ~~أيضا، وعند ذلك (2) فيتبين استقلال المستبقي بالتعليل، ومع ظهور ذلك فيمتنع ~~إدخال الوصف المحذوف في التعليل في محل التعليل ; لأنه يلزم منه إلغاء وصف ~~المستدل في الفرع مع استقلاله ضرورة تخلف ما لم يثبت كونه مستقلا وهو ~~ممتنع. # ويمتنع أيضا إضافة الحكم في محل التعليل إلى الوصف المحذوف لا غير، لما ~~فيه من إثبات الحكم بما لم يثبت استقلاله وإلغاء ما ثبت استقلاله وهو ~~ممتنع. # لكن لقائل أن يقول: دعوى استقلال الوصف المستبقي في صورة الإلغاء ~~بالتعليل من مجرد إثبات الحكم مع وجوده وانتفاء الوصف المحذوف، غير صحيحة، ~~فإنه لو كان مجرد ثبوت الحكم مع الوصف في صورة الإلغاء كافيا في التعليل ~~بدون ضميمة ما يدل على استقلاله بطريق من طرق إثبات العلة لكان ذلك كافيا ~~في أصل القياس، ولم يكن إلى البحث والسبر حاجة، وكذا غيره من الطرق، فإذا ~~لا بد من بيان الاستقلال بالاستدلال ببعض طرق إثبات العلة، وعند ذلك إن شرع ~~المستدل في بيان الاستقلال ببعض طرق إثبات العلة، فإن بين الاستقلال في ~~صورة الإلغاء PageV03P267 # بالبحث والسبر، كما أثبت ذلك في الأصل الأول، فقد استقلت صورة الإلغاء ~~بالاعتبار، وأمكن أن تكون أصلا لعلته، وتبينا أن الأصل الأول لا حاجة إليه، ~~فإن المصير إلى أصل لا يمكن التمسك به في الاعتبار إلا بذكر صورة أخرى ~~مستقلة بالاعتبار يكون تطويلا بلا فائدة. # وإن بين الاستقلال بطريق آخر فيلزمه مع هذا المحذور محذور آخر وهو ~~الانتقال في إثبات كون الوصف علة من طريق إلى طريق آخر، وهو شنيع في مقام ~~النظر. # الطريق الثاني: أن يكون ما يحذفه من جنس ما ألفنا من الشارع عدم الالتفات ~~إليه في إثبات الأحكام كالطول والقصر والسواد والبياض ونحوه. # الطريق الثالث: أن يكون ما يحذفه من جنس ما ألفنا من الشارع إلغاءه في ~~جنس ذلك الحكم المعلل، فيجب إلغاؤه وإن كان مناسبا، وذلك كما ms714 في قوله - ~~عليه السلام -: ( «من أعتق شركا له من عبد قوم عليه نصيب شريكه» ) (1) فإنه ~~وإن أمكن تقرير مناسبة بين صفة الذكورة وسراية العتق غير أنا لما عهدنا من ~~الشارع التسوية بين الذكر والأنثى في أحكام العتق ألغينا صفة الذكورة في ~~السراية بخلاف ما عداه من الأحكام. # الطريق الرابع: إذا قال: بحثت في الوصف المحذوف فلم أجد فيه مناسبة، ولا ~~ما يوهم المناسبة، وكان أهلا للنظر والبحث عدلا، فالظاهر صدقه وأن الوصف ~~غير مناسب، ويلزم من ذلك حذفه ضرورة كون العلة في الأصل بمعنى الباعث على ~~ما تقرر قبل، وامتناع اعتبار ما لا يكون مناسبا. PageV03P268 # فإن قيل: البحث والسبر وإن دل على عدم المناسبة في الوصف المحذوف ~~فللمعترض أن يقول: بحثت في الوصف المستبقي فلم أجد فيه مناسبة. # وعند ذلك، فإن بين المستدل المناسبة فيه فقد انتقل في إثبات العلة من ~~طريق السبر إلى المناسبة. وإن لم يبين ذلك لم يكن وصف المعترض بالحذف أولى ~~من وصف المستدل. # قلنا: إن كان قد سبق من المعترض تسليم مناسبة كل واحد من الوصفين، فلا ~~يسمع منه بعد بيان المستدل نفي المناسبة في الوصف المحذوف، منع المناسبة في ~~المستبقي، لكونه مانعا لما سلمه، ولا يجب على المستدل بيان المناسبة في ~~الوصف المستبقي، وإن لم يسبق من المعترض تسليم ذلك، فللمستدل طريق صالح في ~~دفع السؤال من غير حاجة إلى بيان المناسبة في الوصف المستبقي، وهو ترجيح ~~سبره على سبر المعترض بموافقته للتعدية، وموافقة سبر المعترض للقصور، ~~والتعدية أولى من القصور على ما يأتي تقريره في الترجيحات. # PageV03P269 ### | [المسلك الخامس في إثبات العلة المناسبة والإحالة] # [الفصل الأول في تحقيق معنى المناسب] (1) ويشتمل على ثمانية فصول: ### | الفصل الأول # في تحقيق معنى المناسب # قال أبو زيد: (2) (المناسب عبارة عما لو عرض على العقول تلقته بالقبول) . # وما ذكره، وإن كان موافقا للوضع اللغوي حيث يقال: هذا الشيء مناسب لهذا ~~الشيء، أي: ملائم، غير أن تفسير المناسب بهذا المعنى، وإن أمكن أن يتحققه ~~الناظر مع نفسه، فلا طريق للمناظر ms715 إلى إثباته على خصمه في مقام النظر ; ~~لإمكان أن يقول الخصم: هذا مما لم يتلقه عقلي بالقبول، فلا يكون مناسبا ~~بالنسبة إلي وإن تلقاه عقل غيري بالقبول، فإنه ليس الاحتجاج علي بتلقي عقل ~~غيري له بالقبول أولى من الاحتجاج على غيري بعدم تلقي عقلي له بالقبول. # وعلى هذا بنى أبو زيد امتناع التمسك في إثبات العلة في مقام النظر ~~بالمناسبة وقران الحكم بها، وإن لم يمتنع التمسك بذلك في حق الناظر ; لأنه ~~لا يكابر نفسه فيما يقضي به عقله. # والحق في ذلك أن يقال: المناسب عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب ~~الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودا من شرع ذلك الحكم. # وسواء كان ذلك الحكم نفيا أو إثباتا، وسواء كان ذلك المقصود جلب مصلحة أو ~~دفع مفسدة، وهو أيضا غير خارج عن وضع اللغة لما بينه وبين الحكم من التعلق ~~والارتباط، وكل ما له تعلق بغيره وارتباط فإنه يصح لغة أن يقال: إنه مناسب ~~له، ولا يخفى إمكان إثبات مثل ذلك في مقام النظر على الخصم بما لو أعرض عنه ~~الخصم وأصر معه على المنع كان معاندا. PageV03P270 ### | [الفصل الثاني في تحقيق معنى المقصود المطلوب من شرع الحكم] # الفصل الثاني # في تحقيق معنى المقصود المطلوب من شرع الحكم. # المقصود من شرع الحكم إما جلب مصلحة أو دفع مضرة أو مجموع الأمرين ~~بالنسبة إلى العبد ; لتعالي الرب تعالى عن الضرر والانتفاع، وربما كان ذلك ~~مقصودا للعبد لأنه ملائم له وموافق لنفسه. # ولذلك إذا خير العاقل بين وجود ذلك وعدمه اختار وجوده على عدمه. # وإذا عرف أن المقصود من شرع الحكم إنما هو تحصيل المصلحة أو دفع المضرة، ~~فذلك إما أن يكون في الدنيا أو في الآخرة، فإن كان في الدنيا فشرع الحكم ~~إما أن يكون مفضيا إلى تحصيل أصل المقصود ابتداء أو دواما أو تكميلا. # فالأول: مثل القضاء بصحة التصرف الصادر من الأهل في المحل تحصيلا لأصل ~~المقصود المتعلق به من الملك أو المنفعة، كما في البيع ms716 والإجارة ونحوهما. # وأما الثاني: فكالقضاء بتحريم القتل وإيجاب القصاص على من قتل عمدا ~~عدوانا لإفضائه إلى دوام المصلحة المتعلقة بالنفس الإنسانية المعصومة. # وأما الثالث: فكالحكم باشتراط الشهادة ومهر المثل في النكاح، فإنه مكمل ~~لمصلحة النكاح لا أنه محصل لأصلها لحصولها بنفس اعتبار التصرف وصحته. # وأما في الأخرى فالمقصود العائد إليها من شرع الحكم لا يخرج عن جلب ~~الثواب ودفع العقاب. # فالأول: كالحكم بإيجاب الطاعات وأفعال العبادات لإفضائه إلى نيل الثواب ~~ورفع الدرجات. # والثاني: فكالحكم بتحريم أفعال المعاصي وشرع الزواجر عليها دفعا لمحذور ~~العقاب المرتب عليها. # PageV03P271 ### | [الفصل الثالث في بيان مراتب إفضاء الحكم إلى المقصود من شرع الحكم واختلافها] # الفصل الثالث # في بيان مراتب إفضاء الحكم إلى المقصود من شرع الحكم واختلافها # المقصود: إما أن يكون حاصلا من شرع الحكم يقينا أو ظنا، أو أن الحصول ~~وعدمه متساويان، أو أن عدم الحصول راجح على الحصول. # أما الأول: فمثاله إفضاء الحكم بصحة التصرف بالبيع إلى إثبات الملك. # وأما الثاني: فكشرع القصاص المرتب على القتل العمد العدوان صيانة للنفس ~~المعصومة عن الفوات، فإنه مظنون الحصول راجح الوقوع ; إذ الغالب من حال ~~العاقل أنه إذا علم أنه إذا قتل قتل أنه لا يقدم على القتل، فتبقى نفس ~~المجني عليه إلى نظائره من الزواجر، وليس ذلك مقطوعا به لتحقق الإقدام على ~~القتل، مع شرع القصاص كثيرا. # وأما القسم الثالث: فقلما يتفق له في الشرع مثال على التحقيق، بل على ~~طريق التقريب، وذلك كشرع الحد على شرب الخمر لحفظ العقل، فإن إفضاءه إلى ~~ذلك متردد حيث إنا نجد كثرة الممتنعين عنه مقاومة لكثرة المقدمين عليه لا ~~على وجه الترجيح والغلبة لأحد الفريقين على الآخر في العادة. # ومثال القسم الرابع: إفضاء الحكم بصحة نكاح الآيسة إلى مقصود التوالد ~~والتناسل، فإنه وإن كان ممكنا عقلا غير أنه بعيد عادة، فكان الإفضاء إليه ~~مرجوحا. # فهذه الأقسام الأربعة وإن كانت مناسبة نظرا إلى أنها موافقة للنفس غير أن ~~أعلاها القسم الأول لتيقنه، ويليه الثاني لكونه مظنونا راجحا، ويليه الثالث ~~لتردده، ms717 ويليه الرابع لكونه مرجوحا. والقسمان الأولان متفق على صحة التعليل ~~بهما عند القائلين بالمناسبة. # وأما القسم الثالث والرابع فلكون المقصود فيهما غير ظاهر للمساواة في ~~الثالث والمرجوحية في الرابع، فالاتفاق واقع على صحة التعليل بهما إذا كان ~~ذلك في آحاد الصور الشاذة، وكان المقصود ظاهرا من الوصف في غالب صور الجنس ~~وإلا فلا، وذلك كما ذكرناه من مثال صحة نكاح الآيسة لمقصود التوالد فإنه ~~وإن # PageV03P272 # كان غير ظاهر بالنسبة إلى الآيسة إلا أنه ظاهر فيما عداها. (1) وعلى هذا ~~فلو خلا الوصف الذي رتب عليه الحكم عن المقصود الموافق للنفس قطعا، وإن كان ~~ظاهرا في غالب صور الجنس كما في: لحوق النسب في نكاح المشرقي للمغربية، ~~وشرع الاستبراء في شراء الجارية لمعرفة فراغ الرحم فيما إذا اشترى الجارية ~~ممن باعها منه في مجلس البيع الأول لعلمنا بفراغ رحمها من غيره قطعا، وإن ~~كان ذلك ظاهرا في غالب صور الجنس فيما عدا هذه الصور فلا يكون مناسبا ولا ~~يصح التعليل به لأن المقصود من شرع الأحكام الحكم (2) فشرع الأحكام مع ~~انتفاء الحكمة يقينا لا يكون مفيدا، فلا يرد به الشرع خلافا لأصحاب أبي ~~حنيفة. PageV03P273 ### | [الفصل الرابع في أقسام المقصود من شرع الحكم واختلاف مراتبه في نفسه وذاته] # الفصل الرابع # في أقسام المقصود من شرع الحكم واختلاف مراتبه في نفسه وذاته (1) وهو لا ~~يخلو إما أن يكون من قبيل المقاصد الضرورية، أو لا يكون من قبيل المقاصد ~~الضرورية. # فإن كان من قبيل المقاصد الضرورية فإما أن يكون أصلا، أو لا يكون أصلا. # فإن كان أصلا فهو الراجع إلى المقاصد الخمسة التي لم تخل من رعايتها ملة ~~من الملل ولا شريعة من الشرائع، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، ~~والمال. فإن حفظ هذه المقاصد الخمسة من الضروريات وهي أعلى مراتب ~~المناسبات. # والحصر في هذه الخمسة الأنواع إنما كان نظرا إلى الواقع والعلم بانتفاء ~~مقصد ضروري خارج عنها في العادة. # أما حفظ الدين: فبشرع قتل الكافر المضل، وعقوبة الداعي إلى البدع. # وأما حفظ النفوس: فبشرع ms718 القصاص. # وأما حفظ العقول: فبشرع الحد على شرب المسكر. # وأما حفظ الأموال التي بها معاش الخلق: فبشرع الزواجر للغصاب والسراق. ~~(2) وأما إن لم يكن أصلا فهو التابع المكمل للمقصود الضروري. # وذلك كالمبالغة في حفظ العقل بتحريم شرب القليل من المسكر الداعي إلى ~~الكثير وإن لم يكن مسكرا، فإن أصل المقصود من حفظ العقل حاصل بتحريم شرب ~~المسكر لا بتحريم قليله، وإنما يحرم القليل للتكميل والتتميم. # وأما إن لم يكن المقصود من المقاصد الضرورية: فإما أن يكون من قبيل ما ~~تدعو حاجة الناس إليه، أو لا تدعو إليه الحاجة. # فإن كان من قبيل ما تدعو إليه الحاجة: فإما أن يكون أصلا، أو لا يكون ~~أصلا. PageV03P274 # فإن كان أصلا فهو القسم الثاني الراجع إلى الحاجات الزائدة، وذلك كتسليط ~~الولي على تزويج الصغيرة لا لضرورة ألجأت إليه بل لحاجة تقييد الكفء الراغب ~~; خيفة فواته عند دعو الحاجة إليه بعد البلوغ لا إلى خلف. # وأما تسليط الولي على تربية الصغير وإرضاعه وشراء المطعوم والملبوس له، ~~فليس من هذا القبيل، بل من قبيل الضروريات الأصلية التي لا تخلو شريعة عن ~~رعايتها. # وهذا القسم في الرتبة دون القسم الأول، ولهذا جاز اختلاف الشرائع فيه دون ~~القسم الأول، وهو في محل المعارضة مع ما كان من قبيل التكملة والتتمة للقسم ~~الأول، ولهذا اشتركا في جواز اختلاف الشرائع فيهما. # وإن لم يكن أصلا فهو التابع الجاري مجرى التتمة والتكملة للقسم الثاني، ~~وذلك كرعاية الكفاءة ومهر المثل في تزويج الصغيرة، فإنه أفضى إلى دوام ~~النكاح وتكميل مقاصده، وإن كان أصل المقصود حاصلا دون ذلك، وهذا النوع في ~~الرتبة دون ما تقدم، أما بالنظر إلى المقصود الذي هو من باب الضرورات ~~والحاجات فظاهر، وأما بالنظر إلى ما هو من قبيل التكملة للمقصود الضروري، ~~فلكونه مكملا لما ليس بضروري. # وأما إن كان المقصود ليس من قبيل الحاجات الزائدة، فهو القسم الثالث، وهو ~~ما يقع موقع التحسين والتزيين ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات، ~~وذلك كسلب العبيد أهلية الشهادة من حيث إن ms719 العبد نازل القدر والمنزلة لكونه ~~مستسخرا للمالك مشغولا بخدمته، فلا يليق به منصب الشهادة لشرفها وعظم خطرها ~~; جريا للناس على ما ألفوه وعدوه من محاسن العادات، وإن كان لا تتعلق به ~~حاجة ضرورية ولا زائدة ولا هو من قبيل التكملة لأحدهما، وليس هذا من قبيل ~~سلب ولايته على الطفل فإن سلب ولايته من قبيل الحاجات ; لأن الولاية على ~~الطفل تستدعي الخلو والفراغ والنظر في أحواله، واستغراق العبد بما هو ~~الواجب عليه من خدمة مالكه مانع له من ذلك، ولا كذلك في الشهادة لاتفاقهما ~~في بعض الأحيان. # PageV03P275 ### | [الفصل الخامس الحكم إذا ثبت لوصف مصلحي على وجه يلزم منه وجود مفسدة مساوية له أو راجحة عليه] # الفصل الخامس (1) اختلفوا في الحكم إذا ثبت لوصف مصلحي على وجه يلزم منه ~~وجود مفسدة مساوية له أو راجحة عليه، هل تنخرم مناسبته أو لا؟ فأثبته قوم ~~ونفاه آخرون. # وقد احتج من قال ببقاء المناسبة من وجوه أربعة: # الأول: أن مناسبة الوصف تنبني على ما فيه من المصلحة، والمصلحة أمر حقيقي ~~لا تختل (2) بمعارضة المفسدة، ودليله (3) أن المصلحة والمفسدة المتعارضتان ~~إما أن يتساويا أو تترجح إحداهما على الأخرى، فإن كان الأول: فإما أن تبطل ~~كل واحدة منهما بالأخرى، أو أن تبطل إحداهما بالأخرى من غير عكس، أو لا ~~تبطل واحدة منها بالأخرى. الأول محال ; لأن عدم كل واحدة منهما إنما هو ~~بوجود الأخرى، وذلك يجر إلى وجودهما مع عدمهما ضرورة أن العلة لا بد وأن ~~تكون متحققة مع المعلول. والثاني محال (4) ; لعدم الأولوية، والثالث (5) هو ~~المطلوب، وإن كانت إحداهما أرجح من الأخرى فلا يلزم منه إبطال المرجوحة إلا ~~أن تكون بينهما منافاة، ولا منافاة لما بيناه من جواز اجتماعهما في القسم ~~الأول، ولأن الراجحة منهما إذا كانت معارضة بالمرجوحة، فإما أن ينتفي شيء ~~من الراجحة لأجل المرجوحة أو لا ينتفي منها شيء، فإن كان الأول فهو محال أن ~~تتساويا لما سبق في القسم الأول، ولأنه ليس انتفاء بعض الراجح وبقاء بعضه ~~أولى من العكس ; ضرورة التساوي ms720 في الحقيقة وإن تفاوتا، فالكلام في الراجح ~~كالكلام في PageV03P276 # الأول وهو تسلسل ممتنع، وإذا كانت المصلحة لا تختل بمعارضة المفسدة، ~~فالعقل يقضي بمناسبتها للحكم، وبالنظر إلى المعارض يقضي بانتفاء الحكم لأجل ~~المعارض، ولهذا يحسن من العاقل أن يقول: الداعي إلى إثبات الحكم موجود غير ~~أنه يمنعني منه مانع، ولو اختلت مناسبة الوصف لما حسن من العاقل هذه ~~المقالة. # الوجه الثاني: أنه قد يتعارض في نظر الملك عند الظفر بجاسوس عدوه المنازع ~~له في ملكه قتله وعقوبته زجرا له ولأمثاله عن الحبس (1) المضر به والإحسان ~~إليه وإكرامه، إما للاستهانة بعدوه أو لقصد كشف أسراره، وأي الأمرين سلك ~~فإنه لا يعد خارجا عن مذاق الحكمة ومقتضى المناسبة، وإن لزم منه فوات ~~المقصود الحاصل من سلوك مقابله، وسواء تساويا أو كان أحدهما راجحا. # الثالث: أنه إذا اجتمع الأخ من الأبوين مع الأخ من الأب في الميراث فإنه ~~قد يتعارض في نظر الناظر تقديم الأخ من الأبوين لاختصاصه بقرابة الأمومة، ~~والتسوية بينهما لاشتراكهما في جهة العصوبة وإلغاء قرابة الأمومة، وتفضيل ~~الأخ من الأبوين لاختصاصه بمزيد القرابة، ومع ذلك فالعقل يقضي بتأدي النظر ~~(2) من غير احتياج إلى ترجيح بأن ورود الشرع بالاحتمال الأول مناسب غير ~~خارج عن مذاق العقول، ولو كان ترجيح الوصف المصلحي معتبرا في مناسبته لما ~~كان كذلك. # الرابع: أن الشرع قد ورد بصحة الصلاة في الدار المغصوبة نظرا إلى ما فيها ~~من المصلحة، وبتحريمها نظرا إلى ما فيها من مفسدة الغصب. فلو اشترط الترجيح ~~في المناسبة لما ثبت الصحة ولا التحريم بتقدير التساوي بين مصلحة الصحة ~~ومفسدة التحريم، ولا حكم الصحة بتقدير رجحان مفسدة الغصب ولا التحريم ~~بتقدير رجحان مصلحة الصحة لعدم المناسبة. # وهذه الحجج ضعيفة. PageV03P277 # أما الحجة الأولى فلقائل أن يقول: إن أردت أن مناسبة الوصف تنبني على أنه ~~لا بد في المناسبة من المصلحة على وجه لا يستقل بالمناسبة فمسلم، ولكن لا ~~يلزم من وجود بعض ما لا بد منه في المناسبة تحقق المناسبة، وإن أردت أنها ~~مستقلة بتحقيق المناسبة ms721 فممنوع، وذلك لأن المصلحة وإن كانت متحققة في نفسها ~~فالمناسبة أمر عرفي، وأهل العرف لا يعدون المصلحة العارضة بالمفسدة ~~المساوية أو الراجحة مناسبة، ولهذا إن من حصل مصلحة درهم على وجه يفوت عليه ~~عشرة يعد سفيها خارجا في تصرفه عن تصرفات العقلاء، ولو كان ذلك مناسبا لما ~~كان كذلك، وعلى هذا فلا يلزم من اجتماع المصلحة والمفسدة تحقق المناسبة. # وقوله: غير أنه يمنعني منه مانع. وإن كان صحيحا في العرف فليس ذلك إلا ~~لإخلال المانع المفسدي بمناسبة المصلحة لا بمعنى أن الانتفاء محال على ~~المفسدة (1) مع وجود المناسب للحكم. # وعلى هذا نقول بأن مناسبة كل واحدة من المصلحة والمفسدة تختل بتقدير ~~التساوي وبتقدير مرجوحية إحداهما، فالمختل مناسبتها دون مناسبة الراجحة ~~ضرورة فوات شرط المناسبة، لا لأن كل واحدة علة للإخلال بمناسبة الأخرى أو ~~إحداهما ليلزم في ذلك ما قيل. # وأما الحجة الثانية: فلقائل أن يقول أيضا: مهما لم يترجح في نظر الملك ~~وأهل العرف مصلحة ما عينه من أحد الطريقين من الإحسان أو الإساءة بمقتضى ~~الحالة الراهنة، فإن فعله لا يكون مناسبا، ويكون بتصرفه خارجا عن تصرفات ~~العقلاء. # وأما الحجة الثالثة: فلقائل أن يقول: لا نسلم جواز الجزم بمناسبة ما عين ~~دون ظهور الترجيح في نظر الناظر، وبعد ظهور الترجيح فليس الجزم بمناسبة ~~الوصف في نفس الأمر قطعا لجواز أن يكون في نفسه مرجوحا وإن لم يطلع عليه. ~~PageV03P278 # وأما الحجة الرابعة: فبعيدة عن التحقيق وذلك لأن الكلام إنما هو مفروض في ~~إثبات حكم لمصلحة يلزم من إثباته تحصيلا للمصلحة مفسدة مساوية أو راجحة. # وما ذكر من مفسدة تحريم الغصب، وهي شغل ملك الغير غير لازمة من ترتيب حكم ~~المصلحة عليها، وهو صحة الصلاة، فإنا وإن لم نقض بصحة الصلاة فالمفسدة ~~اللازمة من الغصب لا تختل بل هي باقية بحالها، ولو كانت لازمة من حكم ~~المصلحة لا غير لانتفت المفسدة المفروضة بانتفاء حكم المصلحة، وليس كذلك، ~~وحيث لم تكن مفسدة تحريم الغصب لازمة عن حكم المصلحة كان من المناسب اعتبار ~~كل ms722 واحدة منهما في حكمها، وهي المصلحة والمفسدة ; إذ لا معارضة بينهما على ~~ما تقرر. # وإذا تقرر توقف المناسبة على الترجيح فللمعلل ترجيح وصفه بطرق تفصيلية ~~تختلف باختلاف المسائل، وله الترجيح بطريق إجمالي يطرد في جميع المسائل. # وحاصله أن يقول المعلل: لو لم يقدر ترجيح المصلحة على ما عارضها من ~~المفسدة مع البحث وعدم الاطلاع على ما يمكن إضافة الحكم إليه في محل ~~التعليل سوى ما ذكرته، لزم أن يكون الحكم قد ثبت تعبدا، وهو خلاف الأصل ~~لوجهين: # الأول: أن الغالب من الأحكام التعقل دون التعبد، فإدراج ما نحن فيه تحته ~~أولى. # الثاني: أنه إذا كان معقول المعنى كان الحكم أقرب إلى الانقياد وأدعى إلى ~~القبول، فإن الانقياد إلى المعقول المألوف أقرب مما ليس كذلك، فكان أفضى ~~إلى المقصود من شرع الحكم. # لكن لقائل أن يقول: ما ذكرتموه من البحث عن وصف آخر يمكن إضافة الحكم ~~إليه مع عدم الظفر به، وإن دل على ترجيح جهة المصلحة فهو معارض بما يدل على ~~عدم ترجيحها، وهو عدم الاطلاع على ما به تكون راجحة على معارضها مع البحث ~~عنه وعدم الظفر به، وليس أحد البحثين أولى من الآخر. # فإن قلتم: بل ما ذكرناه أولى من جهة أن بحثنا عن وصف صالح للتعليل، وذلك ~~لا يتعدى محل الحكم فمحله متحد، وبحثكم إنما هو عما به الترجيح، وهو غير ~~منحصر في محل الحكم، فإن ما به الترجيح قد يكون بما يعود إلى ذات العلة، ~~وقد يكون بأمر خارج عنها كما يأتي تقريره، فكان ما ذكرناه أولى. # PageV03P279 # قلنا: ما به الترجيح إن كان خارجا عن محل الحكم، فلا يتحقق به الترجيح في ~~محل الحكم. # وإن كان في محل الحكم فقد استوى البحثان في اتحاد محلهما ولا ترجيح بهذه ~~الجهة. # وبتقدير تسليم اتحاد محل بحث المستدل والتعدد في محل بحث المعترض غير أن ~~الظن الحاصل من البحثين: إما أن يكون متساويا، أو متفاوتا. # وبتقدير المساواة ورجحان ظن المعترض، فلا ترجيح في جانب المستدل، وإنما ~~يترجح بتقدير أن ms723 يكون ظنه راجحا. # ولا يخفى أن ما يقع على تقدير من تقديرين يكون أغلب مما لا يقع إلا على ~~تقدير واحد. # وينبغي أن يعلم أن اشتراط الترجيح في تحقيق المناسبة إنما يتحقق على رأي ~~من لا يرى تخصيص العلة. # وأما من يرى جواز تخصيصها وجواز إحالة انتفاء الحكم على تحقق المعارض مع ~~وجود المقتضي، فلا بد له من الاعتراف بالمناسبة وإن كانت المصلحة مرجوحة أو ~~مساوية، فإن انتفاء الحكم بالمانع مع وجود المقتضي إما أن يكون لمقصود راجح ~~على مقصود المقتضي للإثبات، أو مساو له، أو مرجوح بالنسبة إليه. # فإن كان راجحا فقد قيل بمناسبة المقتضي للإثبات مع كون مقصوده مرجوحا، ~~وإلا فلو لم يكن مناسبا كان الحكم منتفيا لانتفاء المناسب لا لوجود المانع، ~~وإن كان مساويا فكذلك أيضا. # وإن كانت مفسدة المانع مرجوحة فقد قيل بانتفاء الحكم له، ولولا مناسبته ~~للانتفاء لما انتفى الحكم به، فإنه لو جاز أن ينتفي الحكم بما ليس بمناسب ~~لجاز أن يثبت بما ليس بمناسب. # PageV03P280 ### | [الفصل السادس في كيفية ملازمة الحكمة لضابطها وبيان أقسامها] # الفصل السادس # في كيفية ملازمة الحكمة لضابطها وبيان أقسامها # فنقول: الحكمة اللازمة لضابطها إما أن تكون ناشئة عنه، وإما أن لا تكون ~~ناشئة عنه. # والتي لا تكون ناشئة عنه: إما أن تكون للوصف دلالة على الحاجة إليها، أو ~~لا تكون كذلك. # فالأول كشرع الرخصة في السفر لدفع المشقة الناشئة من السفر. # والثاني: كالحكم بصحة البيع بإفضائه إلى الانتفاع بالعوض، فإن الانتفاع ~~لازم لصحة البيع ظاهرا وليس ناشئا عن البيع، ولكن للبيع، وهو التصرف الصادر ~~من الأهل في المحل، وهو الإيجاب والقبول دلالة على الحاجة إليه. # والثالث: كما في ملك نصاب الزكاة فإنه يناسب إيجاب الزكاة من حيث إنه ~~نعمة، والنعمة تناسب الشكر لإفضاء الشكر إلى زيادة النعمة على ما قال ~~تعالى: {لئن شكرتم لأزيدنكم} ، والزكاة صالحة لأن تكون شكرا لما فيها من ~~إظهار النعمة، وإظهار النعمة في العرف يعد شكرا. # ولا يخفى أن ما مثل هذا المقصود (1) وهو زيادة النعمة ms724 ملازم لترتيب إيجاب ~~الزكاة على ذلك النصاب، وليس زيادة النعمة ناشئة عن نفس ملك النصاب، كما ~~كانت المشقة ناشئة عن السفر، ولا لملك النصاب دلالة على الحاجة إلى زيادة ~~النعمة كدلالة البيع على الحاجة إلى الانتفاع PageV03P281 ### | [الفصل السابع في أقسام المناسب بالنظر إلى اعتباره وعدم اعتباره وهو أقسام] # الفصل السابع # في أقسام المناسب بالنظر إلى اعتباره وعدم اعتباره # فنقول: الوصف المناسب إما أن يكون معتبرا في نظر الشارع أو لا يكون ~~معتبرا، فإن كان معتبرا فاعتباره إما أن يكون بنص أو إجماع أو بترتيب الحكم ~~على وفقه في صورة بنص أو إجماع. # فإن كان معتبرا بنص أو إجماع فيسمى المؤثر على ما سبق تحقيقه في المسائل ~~المتقدمة. # وإذا كان معتبرا بترتيب الحكم على وفقه في صورة، فالذي تقتضيه القسمة ~~العقلية تسعة أقسام. # وذلك لأنه إما أن يكون معتبرا بخصوص وصفه، أو بعموم وصفه، أو بخصوصه ~~وعمومه، وإن كان معتبرا بخصوص وصفه دون عموم وصفه. # فإما أن يكون معتبرا في عين الحكم المعلل، أو في جنسه، أو في عينه وجنسه. # وإن كان معتبرا بعموم وصفه فإما أن يكون معتبرا في عين الحكم، أو جنسه، ~~أو في عينه وجنسه. # وإن كان معتبرا بعموم وصفه وخصوصه فإما أن يكون معتبرا في عين الحكم، أو ~~جنسه، أو في عينه وجنسه. # وأما إن لم يكن الوصف معتبرا فلا يخلو: إما أن يظهر مع ذلك إلغاؤه، أو لم ~~يظهر منه ذلك. # فهذه جملة الأقسام المذكورة، غير أن الواقع منها في الشرع لا يزيد على ~~خمسة. # القسم الأول: أن يكون الشارع قد اعتبر خصوص الوصف في خصوص الحكم، وعموم ~~الوصف في عموم الحكم في أصل آخر. # وذلك كما في إلحاق القتل بالمثقل بالمحدد لجامع القتل العمد العدوان، ~~فإنه قد ظهر تأثير عين القتل العمد العدوان في عين الحكم وهو وجوب القتل في ~~المحدد، وظهر تأثير جنس القتل من حيث هو جناية على المحل المعصوم بالقود في ~~جنس القتل من حيث هو قصاص في الأيدي، وهذا القسم هو ms725 المعبر عنه بالملائم، ~~وهو متفق عليه بين القياسيين ومختلف فيما عداه. # القسم الثاني: أن يكون الشارع قد اعتبر خصوص الوصف في خصوص # PageV03P282 # الحكم من غير أن يظهر اعتبار عينه في جنس ذلك الحكم في أصل آخر متفق ~~عليه، ولا جنسه في عين ذلك الحكم ولا جنسه في جنسه، ولا دل على كونه علة ~~نص، ولا إجماع لا بصريحه ولا إيمائه. # وذلك كمعنى الإسكار فإنه يناسب تحريم تناول النبيذ، وقد ثبت اعتبار عينه ~~في عين التحريم في الخمر، ولم يظهر تأثير عينه في جنس ذلك الحكم ولا جنسه ~~في عينه ولا جنسه في جنسه ولا إجماع عليه، فلو قدرنا انتفاء النصوص الدالة ~~على كون الإسكار علة فلا يكون معتبرا بنص أيضا، وهذا هو المناسب الغريب، ~~وهو مختلف فيه بين القياسين وقد أنكره بعضهم، وإنكاره غير متجه لأنه يفيد ~~الظن بالتعليل. # ولهذا فإنا إذا رأينا شخصا قابل الإحسان بالإحسان والإساءة بالإساءة مع ~~أنه لم يعهد من حاله قبل ذلك شيء فيما يرجع إلى المكافأة وعدمها، غلب على ~~الظن ما رتب الحكم عليه. # والذي يؤيد ذلك أنه لا يخلو إما أن يكون الحكم قد ثبت لعلة أو لا لعلة. # فإن كان لا لعلة فهو بعيد ; لما سبق تقريره من امتناع خلو الأحكام عن ~~العلل. # وإن كان لعلة فإما أن يكون لما لم يظهر، أو لما ظهر. الأول ويلزم منه ~~التعبد وهو بعيد على ما عرف، والثاني هو المطلوب. # فإن قيل: الفرق بين ما نحن فيه وبين صورة الاستشهاد أنا قد ألفنا من ~~تصرفات العقلاء مقابلة الإحسان بالإحسان والإساءة بالإساءة، فكان ذلك من ~~قبيل القسم الأول، وهو الملائم المتفق عليه لا من قبيل القسم الثاني وهو ~~الغريب المختلف فيه. # قلنا: نحن إنما نفرض الكلام في شخص لم يعهد من حاله قبل ذلك الفعل موافقة ~~ولا مخالفة، فلا يكون من الملائم المتفق عليه ولا من الملغى، ومع ذلك فإن ~~التعليل يظهر من فعله لكل عاقل نظرا إلى أن الغالب إنما هو غلبة طبيعة ~~المكافأة بالانتقام ms726 والإحسان في حق العاقل، كما أن الغالب من الشارع اعتبار ~~المناسبات دون إلغائها. وليس هذا من القسم الأول في شيء ; لأن القسم الأول ~~مفروض فيما علم من الشارع اعتبار العين في العين فيه والجنس في الجنس، ~~والفرق بين الأمرين ظاهر. # القسم الثالث: أن يكون الشارع قد اعتبر جنس الوصف في جنس الحكم لا غير، ~~أي أنه لم يعتبر مع ذلك عينه في عينه ولا عينه في جنسه ولا جنسه في عينه # PageV03P283 # ولا دل عليه نص ولا إجماع، وهذا أيضا من جنس المناسب الغريب المختلف فيه ~~بين القياسيين، إلا أنه دون القسم الثاني. # وذلك لأن الظن الحاصل باعتبار الخصوص في الخصوص لكثرة ما به الاشتراك ~~أقوى من الظن الحاصل من اعتبار العموم في العموم، وذلك كاعتبار جنس المشقة ~~المشتركة بين الحائض والمسافر في جنس التخفيف، فإن عين مشقة الحائض ليست ~~عين مشقة المسافر بل من جنسها، وعين التخفيف عن المسافر بإسقاط الركعتين ~~الزائدتين ليس عين التخفيف عن الحائض بإسقاط أصل الصلاة بل من جنسها. # واعلم أن الوصف المعلل به وكذلك الحكم المعلل له أجناس: # منها ما هو عال ليس فوقه ما هو أعلى منه. # ومنها ما هو قريب إليه ليس بينه وبينه واسطة. # ومنها ما هو متوسط بين الطرفين إما على السواء أو أنه إلى أحد الطرفين ~~أقرب من الآخر. # فأما الجنس العالي للحكم الخاص فكونه حكما، وأخص منه كونه وجوبا أو ~~تحريما أو غير ذلك من الأحكام. # وأخص من الوجوب العبادة وغير العبادة، وأخص من العبادة الصلاة وغير ~~الصلاة، وأخص من الصلاة الفرض والنفل. # وأما الجنس العالي للوصف الخاص فكونه وصفا تناط الأحكام به، وأخص منه ~~كونه مناسبا بحيث يخرج منه الشبهي، وأخص منه المصلحة الضرورية، وأخص منه ~~حفظ النفس والعقل. # وعلى هذا النحو فالظن في هذا القسم مما يزيد وينقص بسبب التفاوت فيما به ~~الاشتراك من الجنس العالي والمتوسط. # فما كان الاشتراك فيه بالجنس السافل فهو أغلب على الظن، وما كان الاشتراك ~~فيه بالأعم فهو أبعد، وما كان بالمتوسط ms727 فمتوسط على الترتيب في الصعود ~~والنزول. # القسم الرابع: المناسب الذي لم يشهد له أصل من أصول الشريعة بالاعتبار ~~بطريق من الطرق المذكورة ولا ظهر إلغاؤه في صورة، ويعبر عنه بالمناسب ~~المرسل (1) ، وسيأتي الكلام عنه فيما بعد. PageV03P284 # القسم الخامس: المناسب الذي لم يشهد له أصل بالاعتبار بوجه من الوجوه ~~وظهر مع ذلك إلغاؤه وإعراض الشارع عنه في صوره، فهذا مما اتفق على إبطاله ~~وامتناع التمسك به، وذلك كقول بعض العلماء لبعض الملوك لما جامع في نهار ~~رمضان وهو صائم: (يجب عليك صوم شهرين متتابعين) . # فلما أنكر عليه حيث لم يأمره بإعتاق رقبة مع اتساع ماله، قال: لو أمرته ~~بذلك لسهل عليه ذلك واستحقر إعتاق رقبة في قضاء شهوة فرجه، فكانت المصلحة ~~في إيجاب الصوم مبالغة في زجره، فهذا وإن كان مناسبا غير أنه لم يشهد له ~~شاهد في الشرع بالاعتبار مع ثبوت إلغائه بنص الكتاب. ### | [الفصل الثامن في إقامة الدلالة على أن المناسبة والاعتبار دليل كون الوصف علة] # الفصل الثامن # في إقامة الدلالة على أن المناسبة والاعتبار دليل كون الوصف علة # وذلك لأن الأحكام إنما شرعت لمقاصد العباد، أما أنها مشروعة لمقاصد وحكم ~~فيدل عليه الإجماع والمعقول. # أما الإجماع: فهو أن أئمة الفقه مجمعة على أن أحكام الله تعالى لا تخلو ~~عن حكمة ومقصود، وإن اختلفوا في كون ذلك بطريق الوجوب كما قالت المعتزلة، ~~أو بحكم الاتفاق والوقوع من غير وجوب كقول أصحابنا. (1) وأما المعقول: فهو ~~أن الله تعالى حكيم في صنعه، فرعاية الغرض في صنعه إما أن يكون واجبا، أو ~~لا يكون واجبا، فإن كان واجبا فلم يخل عن المقصود، وإن لم يكن واجبا ففعله ~~للمقصود يكون أقرب إلى موافقة المعقول من فعله بغير مقصود، فكان المقصود ~~لازما من فعله ظنا، وإذا كان المقصود لازما في صنعه فالأحكام من صنعه (2) ~~فكانت لغرض ومقصود، والغرض إما أن يكون عائدا إلى PageV03P285 # الله تعالى أو إلى العباد، ولا سبيل إلى الأول لتعاليه عن الضرر ~~والانتفاع ولأنه على خلاف الإجماع فلم يبق سوى الثاني. ms728 # وأيضا فإن الأحكام مما جاء بها الرسول فكانت رحمة للعالمين ; لقوله ~~تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} ، فلو خلت الأحكام عن حكمة عائدة ~~إلى العالمين ما كانت رحمة بل نقمة ; لكون التكليف بها محض تعب ونصب. # وأيضا قوله تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء} فلو كان شرع الأحكام في حق ~~العباد لا لحكمة لكانت نقمة لا رحمة لما سبق. # وأيضا قوله - عليه السلام -: " «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» " (1) ، فلو ~~كان التكليف بالأحكام لا لحكمة عائدة إلى العباد لكان شرعها ضررا محضا، ~~وكان ذلك بسبب الإسلام وهو خلاف النص. # وإذا ثبت أن الأحكام إنما شرعت لمصالح العباد، فإذا رأينا حكما مشروعا ~~مستلزما لأمر مصلحي فلا يخلو إما أن يكون ذلك هو الغرض من شرع الحكم، أو ما ~~لم يظهر لنا، لا يمكن أن يكون الغرض ما لم يظهر لنا، وإلا كان شرع الحكم ~~تعبدا وهو خلاف الأصل لما سبق تقريره، فلم يبق إلا أن يكون مشروعا لما ظهر، ~~PageV03P286 # وإذا كان ذلك مظنونا فيجب العمل به ; لأن الظن واجب الاتباع في الشرع، ~~ويدل على ذلك إجماع الصحابة على العمل بالظن ووجوب اتباعه في الأحكام ~~الشرعية. # فمن ذلك ما اشتهر عنهم في زمن عمر من تقدير حد شارب الخمر بثمانين جلدة ; ~~بسبب ظن وقع لهم من قول علي - رضي الله عنه -: " أرى أنه إذا شرب سكر وإذا ~~سكر هذي وإذا هذي افترى، فأرى أن يقام عليه حد المفترين " (1) ; إقامة ~~للشرب الذي هو مظنة الافتراء مقام الافتراء في حكمه. # ومن ذلك حكمهم في إمامة أبي بكر بالرأي والظن، وقياسهم العهد على العقد ~~في الإمامة، ورجوعهم إلى اجتهاد أبي بكر في قتال بني حنيفة حيث امتنعوا من ~~أداء الزكاة، واتفاقهم على كتبة الصحف وجمع القرآن بين الدفتين بالرأي ~~والظن، واتفاقهم على الاجتهاد في مسألة الجد والإخوة على وجوه مختلفة. # ومن ذلك ما اشتهر عن آحاد الصحابة من العمل بالظن والرأي من غير نكير ~~عليه. # فمن ذلك قول أبي بكر: " أقول في الكلالة برأيي " وحكمه بالرأي ms729 في التسوية ~~في العطاء. # ومن ذلك قول عمر: " أقول في الجد برأيي وأقضي فيه برأيي " وقضى فيه بآراء ~~مختلفة. # وقوله في حديث الجنين: " لولا هذا لقضينا فيه برأينا ". # وتشريكه في المسألة الحمارية لما قيل له: هب أن أبانا كان حمارا ألسنا من ~~أم واحدة؟ ". # ومن ذلك ما نقل عن عثمان إنه قال لعمر في بعض الأحكام: " إن اتبعت رأيك ~~فرأيك أشد، وإن تتبع من قبلك فنعم ذلك الرأي "، إلى غير ذلك من الوقائع ~~التي لا تحصى، ولأن عملهم بالرأي مع الاختلاف إما أن يكون مع وجود دليل ~~قاطع PageV03P287 # فيما اختلفوا فيه، أو لا مع وجود دليل قاطع، لا جائز أن يقال بالأول وإلا ~~كان المخالف فاسقا والموافق بالسكوت عن الإنكار فاسقا، ويلزم من ذلك تعميم ~~الفسق بجميع الصحابة، وهو ممتنع لما سبق من الدلالة على عصمتهم، فلم يبق ~~سوى الثاني وهو المطلوب. # فإن قيل: لا نسلم استلزام شرع الأحكام للحكم والمقاصد، وذلك لأن شرع ~~الأحكام من صنع الله تعالى (1) وصنعه إما أن يستلزم الحكمة والمقصود، أو لا ~~يستلزم، والأول ممتنع لسبعة عشر وجها: # الأول: أن القائل قائلان: قائل يقول بأن أفعال العبيد مخلوقة لله تعالى، ~~وقائل إنها مخلوقة للعبيد، فمن قال: إنها مخلوقة لله تعالى، فيلزمه من ذلك ~~أن يكون خالقا للكفر والمعاصي وأنواع الشرور مع أنه لا حكمة ولا مقصود في ~~خلق هذه الأشياء. ومن قال: إنها مخلوقة للعبيد، فإنما كانت مخلوقة لهم ~~بواسطة خلق الله تعالى القدرة لهم على ذلك، فخلقه للقدرة الموجبة لهذه ~~الأمور لا يكون أيضا لحكمة. # الثاني: أنه لو استلزم فعله للحكمة، ما أمات الأنبياء وأنظر إبليس، وما ~~أوجب تخليد أهل النار في النار لعدم الحكمة في ذلك. # الثالث: أنه لو كان لحكمة ومقصود فعند تحقق الحكمة لا يخلو: إما أن يجب ~~الفعل بحيث لا يمكن عدمه، أو لا يجب، فإن كان الأول فيلزم منه أن يصير ~~الباري تعالى مضطرا غير مختار، وإن لم يجب الفعل فقد أمكن وجوده تارة وعدمه ~~تارة، وعند ذلك إما ms730 أن يترجح أحد الممكنين على الآخر لمقصود أو لا لمقصود. # فإن كان الأول: فالكلام في الأول وهو تسلسل ممتنع. # وإن كان الثاني: فهو المطلوب. # الرابع: أنه لو كان صنع الرب تعالى يستلزم الغرض والمقصود، فذلك المقصود ~~إما أن يكون حادثا أو قديما، فإن كان قديما فيلزم منه قدم الصنع والمصنوع ~~وهو محال، وإن كان حادثا فإما أن يتوقف حدوثه على مقصود آخر أو لا يتوقف، ~~فالأول يلزم منه التسلسل والثاني هو المطلوب. PageV03P288 # الخامس: أنه تعالى قد كلف بالإيمان من علم أنه لا يؤمن كأبي جهل وغيره، ~~وذلك مما يستحيل معه الإيمان وإلا كان علمه جهلا، والتكليف بما لا يمكن ~~وقوعه على وجه يعاقب المكلف على عدم فعله مجرد عن الغرض والحكمة. # السادس: أن حكم الله هو كلامه وخطابه، وكلامه وخطابه قديم، والمقصود لا ~~جائز أن يكون قديما وإلا لزم منه موجود قديم غير الباري تعالى وصفاته وهو ~~محال، وإن كان حادثا فيلزم منه تعليل القديم بالحادث وهو ممتنع. # السابع: أن خلق الباري تعالى للعالم في وقته المعلوم المحدود من جواز ~~خلقه قبله أو بعده، وتقديره بشكله المقدر مع جواز أن يكون أصغر أو أكبر مما ~~لا يوقف منه على غرض ومقصود. # الثامن: أنه لو كان له في فعله غرض ومقصود لم يخل: إما أن يكون فعله لذلك ~~الغرض أولى من تركه أو لا يكون أولى، فإن كان الأول فيلزمه منه أن يكون ~~الرب تعالى مستكملا بذلك الصنع وناقصا قبله وهو محال، وإن لم يكن فعله أولى ~~من الترك امتنع الفعل لعدم الأولوية. # التاسع: أن الحكم والمقاصد خفية، وفي ربط الأحكام الشرعية بها ما يوجب ~~الحرج في حق المكلف باطلاعه عليها بالبحث عنها، والحرج منفي بقوله تعالى: ~~{وما جعل عليكم في الدين من حرج} . # العاشر: أن وجود الحكمة مما يجب تأخره عن وجود شرع الحكم، وما يكون ~~متأخرا في الوجود يمتنع أن يكون علة لما هو متقدم عليه. # الحادي عشر: أنه لو كان شرع الأحكام للحكم لكانت مفيدة لها قطعا، وذلك ms731 ~~لأن الله تعالى قادر على تحصيل تلك الحكمة قطعا، فلو فعل ما فعله قصدا ~~لتحصيل تلك الحكمة لكان الظاهر منه أنه فعله على وجه تحصل الحكمة به قطعا، ~~وأكثر الأحكام من الزواجر غير مفيدة لما ظن أنها حكم لها قطعا. # الثاني عشر: أنه لا يخلو إما أن يكون الرب تعالى قادرا على تحصيل تلك ~~الحكمة الحاصلة من شرع الحكم دون شرع الحكم، أو لا يكون قادرا عليه، لا ~~جائز أن لا يكون قادرا ; إذ هو صفة نقص والنقص على الله محال، وإن كان ~~قادرا على ذلك فشرع الحكم وتوسطه في البين لا يكون مفيدا بل هو محض عناء ~~وتعب. # PageV03P289 # الثالث عشر: أن خلق الكافر شقيا في الدنيا مخلدا في العذاب في الأخرى مما ~~لا حكمة فيه ولا مقصود. # الرابع عشر: أن الله تعالى قد أوجب على المكلف معرفته، وذلك إما أن لا ~~يكون على العارف به، أو على غير العارف. # الأول: فيه تحصيل الحاصل، والثاني: يلزم منه المحال، حيث أوجب معرفته على ~~من لا يعرفه مع توقف معرفة إيجابه على معرفة ذاته وهو دور ولا مصلحة في شيء ~~من ذلك. # الخامس عشر: أن الله تعالى قد أقدر العباد على المعاصي وتركهم يرتكبون ~~الفواحش، وهو مطلع عليهم وقادر على منعهم من ذلك، ولم يفعل شيئا من ذلك، ~~وذلك مما لا حكمة فيه. # السادس عشر: أن الحكمة إنما تطلب في حق من تميل نفسه في صنعه إلى جلب نفع ~~أو دفع ضرر والرب تعالى منزه عن ذلك. # السابع عشر: أن الحكمة إنما تطلب في فعل من لو خلا فعله عن الحكمة لحقه ~~الذم وكان عابثا، والرب يتعالى عن ذلك لكونه متصرفا في ملكه بحسب ما يشاء ~~ويختار من غير سؤال عما يفعل، على ما قال تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون} وإن لم يكن فعله مستلزما للحكمة فهو المطلوب. # سلمنا استلزام شرع الحكم للحكمة، ولكن لا يلزم أن يكون ما ظهر من المناسب ~~علة، ولو كان يدل المناسب على كونه علة ms732 لكانت أجزاء العلة المناسبة عللا، ~~بل غايته أن تكون جزء علة، ولا يلزم من وجود جزء العلة في الفرع وجود ~~الحكم. # سلمنا غلبة الظن بكون ما ظهر من المناسب علة، ولكن لا نسلم وجوب العمل ~~بالظن مطلقا لما سنبينه في مسألة كون القياس حجة، وما ذكرتموه من الدلائل ~~فسيأتي الكلام عليها أيضا في مسألة كون القياس حجة. # والجواب عما ذكروه من المنع ما سبق تقريره (1) وعن الشبهة الأولى من ~~ثلاثة أوجه: # الأول: أن القدرة إنما تتعلق بالحدوث والوجود لا غير، والكفر وأنواع ~~المعاصي والشرور راجعة إلى مخالفة نهي الشارع وليس ذلك من متعلق القدرة في ~~شيء. (2) PageV03P290 # الثاني: وإن سلمنا أن جميع ذلك مخلوق لله تعالى فنحن لا ندعي ملازمة ~~الحكمة لأفعاله مطلقا حتى يطرد ذلك في كل مخلوق، بل إنما ندعي ذلك فيما ~~يمكن مراعاة الحكمة فيه، وذلك ممكن فيما عدا أنواع الشرور والمعاصي (1) ولا ~~ندعي ذلك قطعا بل ظاهرا. # الثالث: وإن سلمنا لزوم الحكمة لأفعاله مطلقا، ولكن لا نسلم امتناع ذلك ~~فيما ذكروه من الصور قطعا ; لجواز أن يكون لازمها حكم لا يعلمها سوى الرب ~~تعالى. # وبهذين الجوابين الأخيرين يكون جواب الثانية. # وعن الثالثة: أن وجود الفعل وإن قدر تحقق الحكمة غير واجب، بل هو تبع ~~لتعلق القدرة والإرادة به، ومع ذلك فالباري لا يكون مضطرا بل مختارا. # وعن الرابعة: أن المقصود حادث، ولكن لا يفتقر إلى مقصود آخر إنما ندعي ~~ذلك فيما هو ممكن، وافتقار المقصود إلى مقصود آخر غير ممكن لإفضائه إلى ~~التسلسل الممتنع، وإن كان مفتقرا إلى مقصود فذلك المقصود هو نفسه لا غيره ~~فلا تسلسل. PageV03P291 # وعن الخامسة: أنا لا ندعي لزوم المقصود في كل فعل ليلزمنا ما قيل، وإن ~~كان ذلك لازما فلا يمتنع أن يكون ذلك لحكمة استأثر الرب تعالى بالعلم بها ~~كما بيناه في التكليف بما لا يطاق. # وعن السادسة: أن الحكم ليس هو نفس الكلام القديم كما سبق تقريره، بل ~~الكلام بصفة التعلق فكان حادثا (1) وإن كان الحكم قديما، والمقصود حادثا، ~~فإنما ms733 يمتنع تعليله به أن لو كان موجبا للحكم وليس كذلك (2) ، بل إما بمعنى ~~الأمارة والعلامة عند من يقول بذلك، والحادث لا يمتنع أن يكون أمارة على ~~القديم، وإما بمعنى الباعث فلا يمتنع أيضا أن يكون متأخرا، ويكون حكم الله ~~القديم بما حكم به لأجل ما سيوجد من المقصود الحادث. # وعن السابعة: بمنع انتفاء الحكمة فيما قيل، وإن لم تكن معلومة لنا. # وعن الثامنة: أن فعله لذلك الغرض أولى من تركه، لكن بالنظر إلى المخلوق ~~دون الخالق. # وعن التاسعة: أنه لا حرج في ربط الأحكام بالحكم إذا كانت منضبطة بأنفسها ~~أو بأوصاف ظاهرة ضابطة لها ; لعدم العسر في معرفتها، وإن كان في ذلك نوع ~~عسر وحرج يكد العقل في الاجتهاد فيها فلا نسلم خلو ذلك عن المقصود، وهو ~~زيادة الثواب على ما قال - عليه السلام -: " «ثوابك على قدر نصبك» ". (3) ~~PageV03P292 # وعن العاشرة: أن الحكمة وإن كانت متأخرة في الوجود عن شرع الحكم فإنما ~~يمتنع أن تكون علة بمعنى المؤثر لا بمعنى الباعث. (1) وعن الحادية عشرة: ~~أنه لا يمتنع أن تكون الحكمة المقصودة من شرع الحكم إنما هو حصول الحكمة ~~ظاهرا لا قطعا. # وعن الثانية عشرة: أنه لا يمتنع على بعض آراء المعتزلة أن يقال بأن الرب ~~تعالى غير قادر على تحصيل ذلك الغرض الخاص من شرع ذلك الحكم دون شرعه، ولا ~~يلزم منه العجز ; ضرورة كونه غير ممكن، وإن قدر أنه قادر على ذلك وهو الحق ~~فلا يلزم أن يكون شرع الحكم غير مفيد مع حصول الفائدة به، وإن قدر إمكان ~~حصول الفائدة بطريق آخر. # وعن الثالثة عشرة: أن الحكمة فيما ذكروه إما أن تكون ممتنعة أو جائزة. # فإن كان الأول، فلا يلزم امتناعها فيما هي ممكنة فيه. # وإن كان الثاني، فلا مانع من وجودها وإن لم نطلع نحن عليها. # وهو الجواب عن الرابعة عشرة. # كيف وأنه إنما يلزم الدور الممتنع أن لو قيل بتوقف الوجوب على معرفة ~~المكلف للوجوب، وليس كذلك على ما سبق تقريره في شكر المنعم. # وعن الخامسة عشرة: ms734 ما هو جواب الشبهتين قبلها. # وعن السادسة عشرة: بمنع ما ذكروه في رعاية الحكمة بل الحكمة إنما تطلب في ~~فعل من لو وجدت الحكمة في فعله لما كان ممتنعا، بل واقعا في الغالب. # وعن السابعة عشرة: أن ما ذكروه إنما يلزم في حق من تجب مراعاة الحكمة في ~~فعله والباري تعالى ليس كذلك (2) على ما حققناه في كتبنا الكلامية. ~~PageV03P293 # قولهم: لا يلزم أن يكون ما ظهر من المناسب علة. # قلنا: لا يلزم أن يكون علة قطعا، وإنما يلزم أن يكون علة ظاهرا ; ضرورة ~~أنه لا بد للحكم من علة ظاهرة على ما سبق تقريره ولا ظاهر سواه. # وأما أجزاء العلة، وإن كانت مناسبة فإنما يمتنع التعليل بكل واحد منها ~~لما سبق من امتناع الحكم الواحد في محل واحد بعلل، بخلاف ما إذا اتحد الوصف ~~أو تعدد وكانت العلة مجموع الأوصاف. # قولهم: لا نسلم وجوب العمل بذلك وإن كان مظنونا. # قلنا: دليله ما ذكرناه وما سيأتي في مسألة إثبات القياس على منكريه. # وما يذكرونه على ذلك فسيأتي جوابه ثم أيضا. ### | [المسلك السادس إثبات العلة بالشبه ويشتمل على فصول] ### | [الفصل الأول في حقيقة الشبه واختلاف الناس فيه وما هو المختار فيه] # المسلك السادس: إثبات العلة بالشبه ويشتمل على ثلاثة فصول: # الفصل الأول # في حقيقة الشبه واختلاف الناس فيه وما هو المختار فيه # نقول: اعلم أن اسم الشبه وإن أطلق على كل قياس ألحق الفرع فيه بالأصل ~~لجامع يشبهه فيه، غير أن آراء الأصوليين مختلفة فيه. (1) فمنهم من فسره بما ~~تردد فيه الفرع بين أصلين، ووجد فيه المناط الموجود في كل واحد من الأصلين، ~~إلا أنه يشبه أحدهما في أوصاف هي أكثر من الأوصاف التي بها مشابهته للأصل ~~الآخر، فإلحاقه بما هو أكثر مشابهة هو الشبهة، وذلك كالعبد المقتول خطأ إذا ~~زادت قيمته على دية الحر، فإنه قد اجتمع فيه مناطان متعارضان PageV03P294 # أحدهما: النفسية، وهو مشابه للحر فيها، ومقتضى ذلك أن لا يزاد فيه على ~~الدية. # والثاني: المالية، وهو مشابه للفرس فيها ومقتضى ms735 ذلك الزيادة. # إلا أن مشابهته للحر في كونه آدميا مثابا معاقبا، ومشابهته للفرس في كونه ~~مملوكا مقوما في الأسواق، فكان إلحاقه بالحر أولى لكثرة مشابهته له، وليس ~~هذا من الشبه في شيء، فإن كل واحد من المناطين مناسب، وما ذكر من كثرة ~~المشابهة إن كانت مؤثرة فليست إلا من باب الترجيح لأحد المناطين على الآخر، ~~وذلك لا يخرجه عن المناسب وإن كان يفتقر إلى نوع ترجيح. # ومنهم من فسره بما عرف المناط فيه غير أنه يفتقر في آحاد الصور إلى ~~تحقيقه. # وذلك كما في طلب المثل في جزاء الصيد بعد أن عرف أن المثل واجب بقوله ~~تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} ، وليس هذا أيضا من الشبه ; إذ الكلام ~~إنما هو مفروض في العلة الشبهية، والنظر هاهنا إنما هو الحكم الواجب وهو ~~الأشبه لا في تحقيق المناط، وهو معلوم بدلالة النص. # ودليل أن الواجب هو الأشبه أنه أوجب المثل، ونعلم أن الصيد لا يماثله شيء ~~من النعم، فكان ذلك محمولا على الأشبه، كيف وهو مجزوم مقطوع به والشبه ~~مختلف فيه، وكيف يكون المتفق عليه هو نفس المختلف فيه. # ومنهم من فسره بما اجتمع فيه مناطان مختلفان لا على سبيل الكمال إلا أن ~~أحدهما أغلب من الآخر، فالحكم بالأغلب حكم بالأشبه، وذلك كاللعان فإنه قد ~~وجد فيه لفظ الشهادة واليمين وليسا بمتمحضين ; لأن الملاعن مدع والمدعي لا ~~تقبل شهادته لنفسه ولا يمينه، وهذا وإن كان أقرب من المذاهب المتقدمة إلا ~~أنه مهما غلبت إحدى الشائبتين فقد ظهرت المصلحة الملازمة لها في نظرنا، ~~فيجب الحكم بها، ولكنه غير خارج عن التعليل بالمناسب. # وقد ذهب القاضي أبو بكر إلى تفسيره بقياس الدلالة، وهو الجمع بين الأصل ~~والفرع بما لا يناسب الحكم، ولكن يستلزم ما يناسب الحكم، وسيأتي تحقيقه في ~~موضعه بعد. # PageV03P295 # ومنهم من فسره بما يوهم المناسبة من غير اطلاع عليها، وذلك أن الوصف ~~المعلل به لا يخلو إما أن تظهر فيه المناسبة، أو لا تظهر فيه المناسبة (1) ~~بوقوف من هو أهل ms736 معرفة المناسبة عليها، وذلك بأن يكون ترتيب الحكم على وفقه ~~مما يفضي إلى تحصيل مقصود من المقاصد المبينة من قبل، فهو المناسب. # وإن لم تظهر فيه المناسبة بعد البحث التام ممن هو أهله، فإما أن يكون مع ~~ذلك مما لم يؤلف من الشارع الالتفات إليه في شيء من الأحكام، أو هو مما ألف ~~من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام. # فإن كان من الأول، فهو الطردي الذي لا التفات إليه، ومثاله ما لو قال ~~الشافعي مثلا في إزالة النجاسة بمائع: لا تبنى القنطرة على جنسه فلا تجوز ~~إزالة النجاسة به كالدهن. # وكما لو علل في مسألة من المسائل بالطول والقصر والسواد والبياض ونحوهما. # وإن كان الثاني، فهو الشبهي، وذلك لأنه بالنظر إلى عدم الوقوف على ~~المناسبة فيه بعد البحث، يجزم المجتهد بانتفاء مناسبته، وبالنظر إلى ~~اعتباره في بعض الأحكام يوجب إيقاف المجتهد عن الجزم بانتفاء المناسبة فيه، ~~فهو مشابه للمناسب في أنه غير مجزوم بنفي المناسبة عنه، ومشابه للطردي في ~~أنه غير مجزوم بظهور المناسبة فيه. # فهو دون المناسب وفوق الطردي، ولعل المستند في تسميته شبهيا إنما هو هذا ~~المعنى. # ومثاله قول الشافعي في مسألة إزالة النجاسة: طهارة تراد لأجل الصلاة فلا ~~تجوز بغير الماء كطهارة الحدث، فإن الجامع هو الطهارة، ومناسبتها لتعيين ~~الماء فيها بعد البحث التام غير ظاهرة. وبالنظر إلى كون الشارع اعتبرها في ~~بعض الأحكام كمس المصحف والصلاة والطواف، يوهم اشتمالها على المناسبة كما ~~تقرر. # واعلم أن إطلاق اسم الشبه وإن كان حاصله في هذه الصور راجعا إلى ~~الاصطلاحات اللفظية غير أن أقربها إلى قواعد الأصول الاصطلاح الأخير، وهو ~~الذي ذهب إليه أكثر المحققين، ويليه في القرب مذهب القاضي أبي بكر. ~~PageV03P296 ### | [الفصل الثاني في أن الشبه مع قران الحكم به دليل على كون الوصف علة] # الفصل الثاني # في أن الشبه مع قران الحكم به دليل على كون الوصف علة # وبيانه أنا إذا رأينا حكما ثابتا عقيب وصفين، وأحد الوصفين شبهي بالتفسير ~~الأخير والآخر طردي، فلا يخلو: إما ms737 أن يكون الحكم ثابتا لمصلحة أو لا ~~لمصلحة. # لا جائز أن يقال بالثاني ; إذ الحكم الشرعي لا يخلو عن مصلحة، وإن لم يكن ~~ذلك بطريق الوجوب كما تقرر قبل (1) فلم يبق غير الأول، وهو أنه ثابت ~~لمصلحة، وتلك المصلحة لا تخلو: إما أن تكون في ضمن الوصف الشبهي أو الطردي ~~لعدم ما سواهما. # ولا يخفى أن اشتمال الوصف الشبهي على المصلحة أغلب على الظن من اشتمال ~~الطردي عليها ; لأن الطردي مجزوم بنفي مناسبته والشبهي متردد فيه على ما ~~تقرر. # وإذا كان ذلك هو الغالب على الظن فالظن معمول به في الشرعيات على ما تقدم ~~تقريره. ### | [الفصل الثالث الشبهي إذا اعتبر جنسه في جنس الحكم دون اعتبار عينه في عينه] # الفصل الثالث # زعم بعض أصحابنا أن الشبهي إذا اعتبر جنسه في جنس الحكم دون اعتبار عينه ~~في عينه لا يكون حجة، بخلاف الوصف المناسب ; مصيرا منه إلى أن الشبهي إذا ~~ظهر تأثير عينه في عين الحكم فالظن المستفاد منه في أدنى درجات الظن، فإذا ~~انحط عن هذه الرتبة إلى رتبة اعتبار الجنس في الجنس فقد اضمحل الظن بالكلية ~~; لأنه ليس تحت أدنى درجات الظن درجة سوى ما ليس بظن، وما ليس بمظنون لا ~~يكون حجة، وهذا بخلاف المناسب فإن الظن المستفاد منه باعتبار العين في ~~العين قوي جدا، فنزوله عن هذه الرتبة إلى رتبة اعتبار الجنس في الجنس وإن ~~فات معه ذلك الظن الغالب، فقد بقي له أصل الظن فكان حجة. PageV03P297 # وأيضا فإن الوصف الشبهي إنما صار شبهيا باعتبار الشارع له في جنس الحكم ~~المعلل، وذلك في إفادة الظن دون المناسب المرسل، والمناسب المرسل ليس بحجة ~~لما سيأتي تقريره (1) فما هو دونه أولى أن لا يكون حجة، وهذا بخلاف المناسب ~~المتأيد بشهادة الجنس في الجنس فإنه فوق المناسب المرسل، فلا يلزم من كون ~~المرسل ليس بحجة أن يكون ذلك ليس بحجة. # ولقائل أن يقول: أما الأول فهو مبني على أن الشبهي بشهادة العين في العين ~~في أدنى درجات الظنون، وهو غير ms738 مسلم، بل للخصم أن يقول: ما هو في أدنى ~~درجات الظنون إنما هو الشبهي المتأيد بشهادة الجنس في الجنس، والنزول عن ~~تلك الدرجة إلى ما دونها (2) لا يوجب انمحاق الظن بالكلية كما قيل. # وأما الثاني: فهو وإن سلم أن الشبهي إنما صار شبهيا بالتفات الشارع إليه ~~في بعض الأحكام، وأنه أدنى من المناسب المرسل من حيث إن مناسبة المرسل ~~ظاهرة ومناسبة الشبهي غير ظاهرة بل موهومة متردد فيها، غير أن الشبهي بعد ~~أن ثبت كونه شبهيا بالتفات الشارع إليه في بعض الأحكام إذا رأينا الشارع قد ~~اعتبر جنسه في جنس الحكم المعلل فقد صار معتبرا، ولا كذلك المرسل فإنه غير ~~معتبر، ولا يلزم من عدم الاحتجاج بما ليس معتبرا عدم الاحتجاج بالمعتبر. ~~PageV03P298 ### | [المسلك السابع إثبات العلة بالطرد والعكس] # وقد اختلف فيه: فذهب جماعة من الأصوليين إلى أنه يدل على كون الوصف علة. # لكن اختلف هؤلاء فمنهم من قال: إنه يدل على العلية قطعا كبعض المعتزلة، ~~ومنهم من قال: يدل عليها ظنا كالقاضي أبي بكر وبعض الأصوليين، وهو مذهب ~~أكثر أبناء زماننا. # والذي عليه المحققون من أصحابنا وغيرهم أنه لا يفيد العلية لا قطعا ولا ~~ظنا وهو المختار. # وصورته ما إذا قيل في مسألة النبيذ مثلا: (مسكر) فكان حراما كالخمر، ~~وأثبت كون المسكر علة للتحريم بدورانه مع التحريم وجودا وعدما في الخمر، ~~فإنه إذا صار مسكرا حرم، وإن زال الإسكار عنه بأن صار خلا فإنه لا يحرم. # وقد احتج القائلون إنه ليس بحجة بأمرين: # الأول: ما ذكره الغزالي وهو أن قال: حاصل الاطراد يرجع إلى سلامة العلة ~~عن النقض، وسلامة العلة عن مفسد واحد لا يوجب سلامتها عن كل مفسد، وعلى ~~تقدير السلامة عن كل مفسد فصحة الشيء لا تكون بسلامته عن المفسدات بل لوجود ~~المصحح، والعكس ليس شرطا في العلل فلا يؤثر، وهذه الحجة ضعيفة، فإنه وإن ~~سلم أن كل واحد من الأمرين على انفراده لا دلالة له على العلية فلا يلزم ~~منه عدم التأثير بتقدير الاجتماع، ودليله أجزاء العلة ms739 فإن كل واحد منها لا ~~يستقل بإثبات الحكم، ولم يلزم من ذلك عدم استقلال المجموع. # الحجة الثانية لبعض أصحابنا قال: إن الصور التي دار الحكم فيها مع الوصف ~~وجودا وعدما لا بد أن تكون متمايزة بصفات خاصة بها، وإلا كانت متحدة لا ~~متعددة. # وعند ذلك فللخصم أن يأخذ الوصف الخاص بكل صورة من صور الطرد والعكس في ~~العلة في تلك الصورة، ويجعل العلة في كل صورة مجموع الوصفين، وهما: الوصف ~~المشترك والوصف الخاص بها، وهي من النمط الأول ; إذ لقائل أن يقول: الترجيح ~~للتعليل بالوصف المشترك لكونه مطردا في جميع مجاري الحكم، فيكون أغلب على ~~الظن بخلاف التعليل بالمركب من الوصف الخاص والمشترك. # PageV03P299 # فإن قيل: بل التعليل بالمركب أولى لما فيه من تعدد مدارك الحكم فإنه أولى ~~من اتحاده لكونه أقرب إلى تحصيل مقصود الشارع من الحكم، فهو مقابل بأن ~~التعليل بالوصف المشترك يكون منعكسا بخلاف التعليل بالمركب من الوصفين في ~~كل صورة. # ولا يخفى أن التعليل بالمطرد المنعكس أولى من التعليل بالمطرد الذي لا ~~ينعكس للاتفاق عليه، ولأن التعليل بالوصف المشترك يكون متعديا بخلاف ~~التعليل بالمركب من الوصفين في كل صورة فإنه يكون قاصرا، والتعليل ~~بالمتعدية أولى للاتفاق عليها والاختلاف في القاصرة. # والحق في ذلك أن يقال: مجرد الدوران لا يدل على التعليل بالوصف لوجهين: # الأول: أنه يجوز أن يكون الوصف وصفا ملازما للعلة وليس هو العلة، وذلك ~~كالرائحة الفائحة الملازمة للشدة المطربة، ولا سبيل إلى دفع ذلك إلا ~~بالتعرض لانتفاء وصف غيره بدلالة البحث والسبر أو بأن الأصل عدمه، ويلزم من ~~ذلك الانتقال من طريقة الدوران إلى طريقة السبر والتقسيم، وهو كاف في ~~الاستدلال على العلية. # الثاني: أن الدوران قد وجد فيما لا دلالة له على العلية، كدوران أحد ~~المتلازمين المتعاكسين كالمتضايفين وليس أحدهما علة للآخر، وكذلك فإن ~~الدوران كما وجد في جانب الحكم مع الوصف فقد وجد في جانب الوصف مع الحكم، ~~وليس الحكم علة للوصف. # فإن قيل: نحن لا ندعي أن مطلق الدوران دليل على علية ms740 الوصف ليلزم ما قيل، ~~بل بقيود ثلاثة وهي: أن يكون حدوث ذلك الأثر مرتبا على وجود ذلك الوصف ~~ترتبا عقليا بحيث يصدق قول القائل: وجد هذا الشيء فحدث ذلك الأثر، وأن لا ~~يقطع بخروج هذا الوصف عن أن يكون علة وموجبا لحدوث ذلك الأثر، وأن لا يقطع ~~بوجود علة أخرى لهذا الحكم سوى هذا الوصف. ومهما وجد الدوران على هذه ~~القيود كان دليلا على العلية، وذلك كما إذا دعي الإنسان باسم فغضب منه وإذا ~~لم يدع به لم يغضب، ورأينا ذلك منه مرارا مرة بعد مرة وجودا وعدما، فإنه ~~يغلب على الظن أن ذلك الاسم هو سبب الغضب حتى أن الصبيان يعلمون ذلك منه ~~ويتبعونه في الدروب داعين له بذلك الاسم المغضب له. # PageV03P300 # والدوران بهذه القيود متحقق في السكر مع التحريم، فكان دليلا على كونه ~~علة وخرج عليه ما ذكر من الرائحة الفائحة حيث قطعنا أنها ليست علة، وكذلك ~~الحكم في كل واحد من المتضايفين بالنسبة إلى الآخر، ولأنه يمتنع ترتيب كل ~~واحد على الآخر في الوجود بالتفسير المذكور، وكذلك الكلام في نسبة الحكم ~~إلى الوصف، وخرج عليه أيضا ما إذا ظهر ثم علة مغايرة للمدار. # قلنا: إذا كان من جملة قيود صحة دلالة الدوران أن يكون حدوث ذلك الأمر ~~مرتبا على وجود ذلك الوصف بالتفسير المذكور: فإما أن يراد به أن وجود الحكم ~~يتعقب وجود الوصف، أو أنه أمارة عليه أو باعث عليه، أو معنى آخر. والأول ~~ممتنع ; إذ الكلام إنما هو في شرعية الحكم، ولا يخفى أن شرعيته تكون سابقة ~~في الوجود على وجود سببها، والثاني أيضا ممتنع ; إذ الكلام إنما هو في ~~العلة المستنبطة من حكم الأصل وهي فلا تكون إلا بمعنى الباعث على ما سبق ~~تقريره، وعند ذلك: فإما أن يظهر فيه معنى يقتضي كونه باعثا على الحكم من ~~مناسبة أو شبه، أو لا يظهر ذلك، فإن كان الأول فلا يكون باعثا، وإن كان ~~الثاني فالمناسبة مع قران الحكم بها كاف في التعليل ولا حاجة إلى ms741 الدوران، ~~وإن كان بمعنى آخر فلا بد من تصويره والدلالة عليه، وقد ترد عليه أسئلة. # قلنا: ما ذكروه من دوران غضب الإنسان مع دعائه ببعض الأسماء بالقيود ~~المذكورة لا نسلم غلبة الظن بكون ذلك الاسم علة، بل به أو بملازمه، وإنما ~~يظهر كونه علة مع ظهور انتفاء الملازم، والطريق في ذلك إنما هو التمسك ~~بالعدم الأصلي أو بعدم الاطلاع عليه بعد البحث والسبر والتقسيم، ويلزم منه ~~الانتقال من طريقة الدوران إلى طريقة السبر والتقسيم، وهي كافية في ~~التعليل. # وقد ترد عليه أسئلة أخرى مشهورة الجواب آثرنا الإعراض عن ذكرها اكتفاء في ~~إبطال الدوران بما ذكرناه، فإنه في غاية القوة والدقة. # وإذا عرف أن الطرد والعكس لا يصلح دليلا على العلية، فالاطراد بانفراده ~~أولى أن لا يكون دليلا ; نظرا إلى أن الاطراد عبارة عن السلامة عن النقد ~~المفسد، والسلامة عن مفسد واحد غير موجبة للتصحيح. # PageV03P301 ### | [خاتمة في أنواع النظر والاجتهاد في مناط الحكم وهو العلة] # الخاتمة # في أنواع النظر والاجتهاد في مناط الحكم وهو العلة. (1) ولما كانت العلة ~~متعلق الحكم ومناطه فالنظر والاجتهاد فيه إما في تحقيق المناط أو تنقيحه أو ~~تخريجه. # أما تحقيق المناط فهو النظر في معرفة وجود العلة في آحاد الصور بعد ~~معرفتها في نفسها (2) وسواء كانت معروفة بنص أو إجماع أو استنباط. # أما إذا كانت معروفة بالنص، فكما في جهة القبلة فإنها مناط وجوب ~~استقبالها وهي معروفة بإيماء النص، وهو قوله تعالى: {وحيثما كنتم فولوا ~~وجوهكم شطره} وكون هذه الجهة هي جهة القبلة في حالة الاشتباه، فمظنون ~~بالاجتهاد والنظر في الأمارات. # وأما إذا كانت معلومة بالإجماع فكالعدالة، فإنها مناط وجوب قبول الشهادة ~~وهي معلومة بالإجماع. # وأما كون هذا الشخص عدلا فمظنون بالاجتهاد. # وأما إذا كانت مظنونة بالاستنباط، فكالشدة المطربة فإنها مناط تحريم ~~الشرب في الخمر (3) فالنظر في معرفتها في النبيذ هو تحقيق المناط، ولا نعرف ~~خلافا في صحة الاحتجاج بتحقيق المناط إذا كانت العلة فيه معلومة بنص أو ~~إجماع (4) ، وإنما الخلاف فيه فيما إذا كان مدرك معرفتها ms742 الاستنباط. ~~PageV03P302 # وأما تنقيح المناط فهو النظر والاجتهاد في تعيين ما دل النص على كونه علة ~~من غير تعيين بحذف ما لا مدخل له في الاعتبار مما اقترن به من الأوصاف، كل ~~واحد بطريقة (1) كما علم فيما تقدم مما ذكرناه من التعليل بالوقاع في قصة ~~الأعرابي، فإنه وإن كان مومى إليه بالنص غير أنه يفتقر في معرفته عينا إلى ~~حذف كل ما اقترن به من الأوصاف عن درجة الاعتبار بالرأي والاجتهاد، وذلك ~~بأن يبين أن كونه أعرابيا وكونه شخصا معينا، وأن كون ذلك الزمان وذلك الشهر ~~بخصوصه، وذلك اليوم بعينه، وكون الموطوءة زوجة وامرأة معينة لا مدخل له في ~~التأثير، بما يساعد من الأدلة في ذلك حتى يتعدى إلى كل من وطأ في نهار ~~رمضان عامدا وهو مكلف صائم. وهذا النوع وإن أقر به أكثر منكري القياس فهو ~~دون الأول. # وأما تخريج المناط فهو النظر والاجتهاد في إثبات علة الحكم الذي دل النص ~~أو الإجماع عليه دون عليته. # وذلك كالاجتهاد في إثبات كون الشدة المطربة علة لتحريم شرب الخمر، وكون ~~القتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص في المحدد (2) ، وكون الطعم علة ربا ~~الفضل في البر ونحوه حتى يقاس عليه كل ما سواه في علته، وهذا في الرتبة دون ~~النوعين الأولين ولذلك أنكره أهل الظاهر والشيعة وطائفة من المعتزلة ~~البغداديين. PageV03P303 ### | [الباب الثالث في أقسام القياس وأنواعه] # بسم الله الرحمن الرحيم # الباب الثالث في أقسام القياس وأنواعه # وهي خمس قسم: القسمة الأولى: القياس ينقسم إلى ما المعنى الجامع فيه ~~باقتضاء الحكم في الفرع أولى منه في الأصل، وإلى ما هو مساو وإلى ما هو ~~أدنى. # فالأول كتحريم ضرب الوالدين بالنسبة إلى تحريم التأفيف لهما، وما في ~~معناه وسواء كان قطعيا أو ظنيا كما سبق تقريره في مسائل المفهوم. # وإن كان الثاني: فكما في إلحاق الأمة بالعبد في تقويم نصيب الشريك على ~~المعتق وكما في إلحاق نجاسة الماء بصب البول فيه من كوز بنجاسته بالبول فيه ~~ونحوه (1) . # وإن كان الثالث فكما في إلحاق النبيذ ms743 بالخمر في تحريم الشرب وإيجاب الحد ~~ونحوه غير أن هذا النوع الثالث متفق على كونه قياسا ومختلف في النوعين ~~الأولين كما سبق. # القسمة الثانية: القياس ينقسم إلى جلي وخفي. # فالجلي ما كانت العلة فيه منصوصة أو غير منصوصة غير أن الفارق بين الأصل ~~والفرع مقطوع بنفي تأثيره. # فالأول: كإلحاق تحريم ضرب الوالدين بتحريم التأفيف لهما بعلة كف الأذى ~~عنهما. # والثاني: كإلحاق الأمة بالعبد في تقويم النصيب حيث عرفنا أنه لا فارق ~~بينهما سوى الذكورة في الأصل والأنوثة في الفرع، وعلمنا عدم التفات الشارع ~~إلى ذلك في أحكام العتق خاصة. # وأما الخفي فما كانت العلة فيه مستنبطة من حكم الأصل كقياس القتل بالمثقل ~~على المحدد ونحوه. # القسمة الثالثة: القياس ينقسم إلى مؤثر، وملائم. # أما المؤثر فإنه يطلق باعتبارين: # الأول: ما كانت العلة الجامعة فيه منصوصة بالصريح أو الإيماء أو مجمعا ~~عليها. # والثاني: ما أثر عين الوصف الجامع في عين الحكم أو عينه في جنس الحكم أو ~~جنسه في عين الحكم. PageV04P003 # وأما الملائم فما أثر جنسه في جنس الحكم كما سبق تحقيقه، ومن الناس من ~~جعل المؤثر من هذه الأقسام ما أثر عينه في عين الحكم لا غير، والملائم ما ~~بعده من الأقسام. # القسمة الرابعة: القياس ينقسم إلى قياس علة ودلالة، والقياس في معنى ~~الأصل وذلك لأنه لا يخلو إما أن يكون الوصف الجامع بين الأصل والفرع قد صرح ~~به أو لم يصرح به، فإن صرح به فلا يخلو إما أن يكون هو العلة الباعثة على ~~الحكم في الأصل أو لا يكون هو العلة بل هو دليل عليها. # فإن كان الأول ; فيسمى قياس العلة وذلك كالجمع بين النبيذ والخمر في ~~تحريم الشرب بواسطة الشدة المطربة ونحوه، وإنما سمي قياس العلة للتصريح فيه ~~بالعلة. # وإن كان الثاني فيسمى قياس الدلالة، وذلك كالجمع بين النبيذ والخمر ~~بالرائحة الملازمة للشدة المطربة، أو الجمع بين الأصل والفرع بإحدى موجبي ~~العلة في الأصل استدلالا به على الموجب الآخر كما في الجمع بين قطع الجماعة ~~ليد الواحد، وقتل ms744 الجماعة للواحد في وجوب القصاص عليهم بواسطة الاشتراك في ~~وجوب الدية عليهم بتقدير إيجابها. # وأما إن كان الوصف الجامع لم يصرح به في القياس كما في إلحاق الأمة ~~بالعبد في تقويم نصيب الشريك على المعتق بواسطة نفي الفارق بينهما، فيسمى ~~القياس في معنى الأصل. # القسمة الخامسة: القياس لا يخلو إما أن يكون طريق إثبات العلة المستنبطة ~~فيه المناسبة أو الشبه أو السبر والتقسيم أو الطرد والعكس، كما سبق تحقيقه. # فإن كان الأول فيسمى قياس الإحالة (1) . # وإن كان الثاني فيسمى قياس الشبه. # وإن كان الثالث فيسمى قياس السبر. # وإن كان الرابع فيسمى قياس الاطراد. PageV04P004 ### | [الباب الرابع في مواقع الخلاف في القياس وإثباته على منكريه وفيه مسائل] ### | [المسألة الأولى التعبد بالقياس في الشرعيات عقلا] # الباب الرابع # في مواقع الخلاف في القياس وإثباته على منكريه وفيه ست مسائل. # المسألة الأولى # يجوز التعبد بالقياس في الشرعيات عقلا (1) . # وبه قال السلف من الصحابة والتابعين والشافعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد بن ~~حنبل وأكثر الفقهاء والمتكلمين. # وقالت الشيعة والنظام وجماعة من معتزلة بغداد كيحيى الإسكافي وجعفر بن ~~مبشر وجعفر بن حرب (2) بإحالة ورود التعبد به عقلا ; وإن اختلفوا في مأخذ ~~الإحالة العقلية كما سنبينه. # وقال القفال من أصحاب الشافعي وأبو الحسين البصري بأن العقل موجب لورود ~~التعبد بالقياس. PageV04P005 # والمختار إنما هو الجواز، ويدل على ذلك الإجمال والتفصيل، أما الإجمال ~~فهو أنه لا خلاف بين العقلاء أنه يحسن من الشارع أن ينص ويقول لا يقضي ~~القاضي وهو غضبان ; لأن الغضب مما يوجب اضطراب رأيه وفهمه، فقيسوا على ~~الغضب ما كان في معناه كالجوع والعطش والإعياء المفرط، وأن يقول: حرمت ~~عليكم شراب الخمر ومهما غلب على ظنونكم أن علة التحريم الشدة المطربة ~~الصادة عن ذكر الله المفضية إلى وقوع الفتن والعداوة والبغضاء لتغطيتها على ~~العقل، فقيسوا عليها كل ما في معناها من النبيذ وغيره ولو كان ذلك ممتنعا ~~عقلا لما حسن ورود الشرع بذلك. # وأما من جهة التفصيل فمن وجهين: # الأول هو أن العاقل إذا صح نظره واستدلاله أدرك ms745 بالأمارات الحاضرة ~~المدلولات الغائبة، وذلك كمن رأى جدارا مائلا منشقا فإنه يحكم بهبوطه، أو ~~رأى غيما رطبا وهواء باردا حكم بنزول المطر، أو رأى إنسانا خارجا من بيت ~~فيه قتيل وبيده سكين مخضبة بالدم ; حكم بكونه قاتلا، فإذا رأى الشارع قد ~~أثبت حكما في صورة من الصور ورأى ثم معنى يصلح أن يكون داعيا إلى إثبات ذلك ~~الحكم، ولم يظهر له ما يبطله بعد البحث التام والسبر الكامل، فإنه يغلب على ~~ظنه أن الحكم ثبت له، وإذا وجد ذلك الوصف في صورة أخرى غير الصورة المنصوص ~~عليها ولم يظهر له أيضا ما يعارضه ; فإنه يغلب على ظنه ثبوت الحكم به في ~~حقنا، وقد علمنا أن مخالفة حكم الله تعالى سبب للعقاب، فالعقل يرجح فعل ما ~~ظن فيه المصلحة ودفع المضرة على تركه ولا معنى للجواز العقلي سوى ذلك. # الثاني: أن التعبد بالقياس فيه مصلحة لا تحصل دونه وهي ثواب المجتهد على ~~اجتهاده وإعمال فكره وبحثه في استخراج علة الحكم المنصوص عليه لتعديته إلى ~~محل آخر على ما قال عليه السلام: " «ثوابك على قدر نصبك» " (1) وما كان ~~طريقا إلى تحصيل مصلحة المكلف، فالعقل لا يحيله بل يجوزه. PageV04P006 # فإن قيل: ما ذكرتموه من جواز التعبد بالقياس بناء على ظن حصول المصلحة ~~ودفع المضرة ; إنما يحسن إذا لم يمكن الوصول إلى ذلك بطريق يقيني، وأما إذا ~~أمكن فلا، وذلك لأنه مهما أمكن الوصول إلى المطلوب بطريق يؤمن فيه من ~~الخطأ، فالعقل يمنع من سلوك طريق لا يؤمن فيه الخطأ، فما لم تثبتوا أنه لم ~~يوجد دليل شرعي قاطع يدل على ذلك من كتاب أو سنة أو إجماع أمة، فاتباع الظن ~~يكون ممتنعا عقلا. # سلمنا أنه لم يوجد دليل قطعي على ذلك، لكن إنما يسوغ العقل التمسك بالظن ~~إذا لم يوجد دليل ظني راجع على ظن القياس مفض إلى حكم القياس، وإلا كان ~~العمل بما الخطأ فيه أقرب مما ترك (1) ، وهو ممتنع عقلا. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على تجويز العقل لذلك غير أنه منقوض ms746 ومعارض. # أما النقض فبصور منها أن قول الشاهد الواحد، بل العبيد والنساء المتمحضات ~~في الحقوق المالية والدماء والفروج، بل الفساق مغلب على ظن القاضي الصدق، ~~ومع ذلك لا يجوز له العمل به. # ومنها: أن مدعي النبوة إذا غلب على الظن صدقه من غير دلالة المعجزة عليه ~~لا يجوز اتباعه والعمل بقوله. # ومنها: أن المصالح المرسلة وإن غلبت على الظن لا يجوز العمل بها. # ومنها: أنه لو اشتبهت رضيعة بعشر أجنبيات أو ميتة بعشر مذكيات ; لم يجز ~~مد اليد إلى واحدة منها ; وإن وجدت علامات بغلبة على الظن. # وأما المعارضة فمن خمسة وعشرين وجها: # الأول: قال النظام: إن العقل يقتضي التسوية بين المتماثلات في أحكامها، ~~والاختلاف بين المختلفات في أحكامها، والشارع قد رأيناه فرق بين ~~المتماثلات، وجمع بين المختلفات وهو على خلاف قضية العقل، وذلك يدل على أن ~~القياس الشرعي غير وارد على مذاق العقل، فلا يكون العقل مجوزا له. ~~PageV04P007 # أما تفرقته بين المتماثلات ; فإنه فرض الغسل من المني وأبطل الصوم ~~بإنزاله عمدا دون البول والمذي، وأوجب غسل الثوب من بول الصبية والرش عليه ~~من بول الغلام، ونقص من عدد الرباعية في حق المسافر الشطر دون الثنائية، ~~وأوجب الصوم على الحائض دون الصلاة مع أن الصلاة أولى بالمحافظة عليها، ~~وحرم النظر إلى العجوز القبيحة المنظر وأباحه في حق الأمة الحسناء، وقطع ~~سارق القليل دون غاصب الكثير، وأوجب الجلد بالقذف بالزنا دون القذف بالكفر، ~~وقبل في القتل شاهدين دون الزنا، وجلد قاذف الحر الفاسق دون العبد العفيف، ~~وفرق في العدة بين الموت والطلاق مع استواء حال الرحم فيهما، وجعل استبراء ~~الرحم بحيضة واحدة في حق الأمة، والحرة المطلقة بثلاث حيضات، وأوجب تطهير ~~غير الموضع الذي خرجت منه الريح مع أن القياس كان مقتضيا للتسوية في جميع ~~هذه الصور، بل ربما كان بعض الصور التي لم يثبت فيها الحكم أولى به مما ثبت ~~فيها. # وأما تسويته بين المختلفات فإنه سوى بين قتل الصيد عمدا وخطأ في إيجاب ~~الضمان، وسوى في إيجاب القتل بين ms747 الردة والزنا، وسوى في إيجاب الكفارة بين ~~قتل النفس والوطء في رمضان والظهار مع الاختلاف، وذلك مما يبطل الاعتبار ~~بالأمثال ويوجب امتناع العمل بالقياس (1) . # الثاني: قالت الشيعة: إن القول بالتعبد بالقياس يفضي إلى الاختلاف، وذلك ~~عند ما إذا ظهر لكل واحد من المجتهدين قياس مقتضاه نقيض حكم الآخر، ~~والاختلاف ليس من الدين لقوله تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا} . # وقوله تعالى: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} . # وقوله {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} . # وقوله {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} . # وقوله تعالى {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} . # ذكر ذلك في معرض الذم، ولا ذم على ما يكون من الدين، وقد ذم الصحابة ~~الاختلاف حتى قال عمر: " لا تختلفوا فإنكم إن اختلفتم كان من بعدكم أشد ~~اختلافا " PageV04P008 # وأنه لما سمع ابن مسعود وأبي بن كعب يختلفان في صلاة الرجل في الثوب ~~الواحد أو الثوبين صعد المنبر وقال: " رجلان من أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - اختلفا، فعن أي فتياكم يصدر المسلمون؟ لا أسمع اثنين يختلفان ~~بعد مقامي هذا إلا فعلت وصنعت "، وقال جرير (1) . بن كليب: " رأيت عمر ينهى ~~عن المتعة وعليا يأمر بها، فقلت إن بينكما لشرا ". # وكتب علي إلى قضاته أيام خلافته: أن اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره ~~الخلاف وأرجو أن أموت كما مات أصحابي. # الثالث: أنه إذا اختلفت الأقيسة في نظر المجتهدين، فإما أن يقال بأن كل ~~مجتهد مصيب، فيلزم منه أن يكون الشيء ونقيضه حقا، وهو محال، وإما أن يقال ~~بأن المصيب واحد، وهو أيضا محال، فإنه ليس تصويب أحد الظنين مع استوائهما ~~دون الآخر أولى من العكس. # الرابع: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: " «أوتيت جوامع الكلم واختصرت ~~لي الحكمة اختصارا» " (2) ، فلو كان التنصيص منه على الأشياء الستة الربوية ~~قصدا لقياس ما عداها من المطعومات عليها، مع أنه كان قادرا على ما هو أصرح ~~منه، وللخلاف والجهل أدفع وهو أن يقول: " حرمت الربا في كل مطعوم " لكان ~~عدولا منه عن ms748 الظاهر المفهوم إلى الخفي الموهوم (3) وهو غير لائق بفصاحته ~~وحكمته وهو خلاف نصه. PageV04P009 # الخامس: أن الحكم في أصل القياس إن كان ثابتا بالنص امتنع إثباته في ~~الفرع ; لعدم وجود النص في الفرع وامتناع ثبوته فيه بغير طريق حكم الأصل، ~~وإلا لما كان تابعا للأصل ولا فرعا له، وإن كان ثابتا بالعلة فهو ممتنع ~~لوجهين: # الأول: أن الحكم في الأصل مقطوع والعلة مظنونة، والمقطوع به لا يثبت ~~بالمظنون. # الثاني: أن العلة في الأصل مستنبطة من حكم الأصل ومتفرعة عليه والمتفرع ~~على الشيء لا يكون مثبتا لذلك الشيء وإلا كان دورا ممتنعا (1) . # السادس: أنه لو كانت العلة منصوصة كما لو قال: " حرمت الربا في البر ~~لكونه مطعوما " فإنه لا يقتضي التحريم في غير البر فالمستنبطة أولى بعدم ~~التعدية، وبيان أن المنصوصة لا تقتضي التحريم في غير محل النص قصور دلالة ~~اللفظ عن ذلك. # ولهذا فإنه لو قال: " أعتقت كل عبد لي أسود " عتق كل السودان من عبيده، ~~ولو قال: " أعتقت عبدي سالما لسواده أو لسوء خلقه " فإنه لا يعتق غانم، وإن ~~كان أشد سوادا من سالم وأسوأ خلقا. # السابع: أن حكم القياس إما أن يكون موافقا للبراءة الأصلية، أو مخالفا ~~لها. PageV04P010 # فإن كان الأول لم يكن القياس مفيدا ; لأنه لو قدر عدمه كان مقتضاه متحققا ~~بالبراءة الأصلية. # وإن كان الثاني: فهو ممتنع ; لأن البراءة الأصلية متيقنة والقياس مظنون ~~واليقين تمتنع مخالفته بالظن. # الثامن: أنه لو جاز التعبد بالقياس عقلا في الفروع لظن المصلحة ; لجاز ~~مثل ذلك في أصول الأقيسة وهو محال لما فيه من التسلسل. # التاسع: أن الشرعيات مصالح، فلو جاز إثباتها بالقياس لجاز أن يتعبد ~~بالإخبار عن كون زيد في الدار عند غلبة الظن بكونه فيها بالأمارات، وهو ~~ممتنع. # العاشر: أن الرجم بالظن جهل ولا صلاح للخلق في إقحامهم ورطة الجهل حتى ~~يتخبطوا فيه ويحكموا بما يجوز أن يكون مخالفا لحكم الله تعالى (1) . # الحادي عشر: أنه لا يستقيم قياس إلا بعلة، والعلة ما توجب الحكم بذاتها، ~~وعلل الشرع ليست كذلك، فلا ms749 قياس (2) . # الثاني عشر: أن حكم الله تعالى خبره، وذلك إنما يعرف بالتوقيف لا بالقياس ~~; لأن القياس من فعلنا لا من توقيف الشارع. # الثالث عشر: أن جلي الأحكام الشرعية لا يعرف إلا بالنصوص فكذلك خفيها ~~كالمدركات، فإن جليها وخفيها لا يدرك بغير الحس. # الرابع عشر: أنه لو كان للشرعيات علل لاستحال انفكاكها عن أحكامها كما في ~~العلل العقلية، فإنه يستحيل انفكاك الحركة القائمة بالجسم عن كونه متحركا ~~PageV04P011 # لما كانت الحركة علة لكونه متحركا، وذلك يوجب ثبوت الأحكام الشرعية قبل ~~ورود الشرع لتقدم العلل عليها وهو محال. # الخامس عشر: أنه لو كان القياس صحيحا لكان حجة مع النص، وذلك يوجب ثبوت ~~الأحكام الشرعية قبل ورود الشرع لتقدم العلل عليها وهو محال. # الخامس عشر: أنه لو كان القياس صحيحا لكان حجة مع النص، وذلك ممتنع ~~بالإجماع. # السادس عشر: أن نظر القائس لا بد وأن يقع في منظور فيه، والمنظور فيه ليس ~~سوى النص والحكم، وهو الواجب والحرام مثلا وليس المنظور فيه هو النص، إذ هو ~~غير متناول للفرع والحكم، فهو فعل المكلف. # ويلزم من ذلك أنه إذا لم يوجد فعل المكلف أن لا يصح القياس: ويلزم من ~~فساد الأمرين فساد القياس الشرعي. # السابع عشر: أنه لو جاز التعبد بتحريم شيء أو وجوبه عند ظننا أنه مشابه ~~لأصل محرم أو واجب بناء على أمارة، لجاز أن يتعبد بذلك عند ظننا المشابهة ~~من غير أمارة، وهو محال. # الثامن عشر: أنه لو جاز التعبد بالقياس الشرعي ; لكان على عليته دلالة، ~~والدلالة عليها، إما النص، والعلة المستنبطة التي فيها الخلاف غير منصوصة. # وإما العادات، والعادات تكون مثبتة للأحكام الشرعية، فلا تكون مثبتة ~~لأماراتها. # التاسع عشر: لو كانت المعاني المشروعة من الأصول أدلة على ثبوت الأحكام ~~في الفروع، ولم يقف كونها أدلة على شيء سواها كما في النصوص، والاتفاق واقع ~~على احتياج المستنبطة إلى دليل، والمحتاج إلى الدليل لا يكون دليلا كما في ~~الأحكام. # العشرون: أنه إذا غلب على الظن تحريم ربا الفضل في البر، إما لكونه مطعوم ms750 ~~جنس أو مكيل جنس أو قوتا أو مالا ; فلا بد من رعاية المصلحة في ذلك، وأي ~~مصلحة في تحريم بيع ما هذه صفته. # PageV04P012 # الحادي والعشرون: أنه لو صح معرفة الحكم الشرعي مع كونه غيبيا بالقياس ~~لصح معرفة الأمور الغيبية بالقياس، وهو محال. # الثاني والعشرون: أن القياس فعل القائس، وذلك مما لا يجوز أن يتوصل به ~~إلى معرفة المصالح. # الثالث والعشرون: أن القياس لا بد فيه من علة مستنبطة من حكم الأصل، ~~والحكم في الأصل جاز أن يكون معللا وجاز أن لا يكون معللا. # وبتقدير كونه معللا يحتمل أن يكون الحكم ثابتا بغير ما استنبط، وبتقدير ~~أن يكون ثابتا بما استنبط، يحتمل أن لا يكون متحققا في الفرع إذا كان وجوده ~~فيه ظنيا، وما هذا شأنه لا يصلح للدلالة. # الرابع والعشرون: أنه لو جاز التعبد بالقياس ; لأفضى ذلك إلى تقابل ~~الأدلة وتكافئها، وأن يكون الرب تعالى موجبا للشيء ومحرما له، وهو محال على ~~الله تعالى. # وبيان ذلك أنه قد يتردد الفرع بين أصلين حكم أحدهما الحل والآخر الحرمة، ~~فإذا ظهر في نظر المجتهد شبه الفرع بكل واحد منهما لزم الحكم للحل والحرمة ~~في شيء واحد، وذلك محال. # الخامس والعشرون: أن القياس لا بد فيه من علة جامعة، والعلل الشرعية لا ~~بد وأن تكون على وزان العلل العقلية، والعلة الشرعية يجوز عند القائلين ~~بالقياس أن تكون ذات أوصاف، والعلة النقلية ليست كذلك، فإنها تستقل بحكمها ~~كاستقلال الحركة بكون المحل الذي قامت به متحركا واستقلال السواد بكون محله ~~أسود ونحوه. # وأما من زعم أن العقل موجب للتعبد بالقياس الشرعي، فقد احتج بثلاث شبه: # الأولى: أن الأنبياء عليهم السلام مأمورون بتعميم الحكم في كل صورة، ~~والصور لا نهاية لها، فلا تمكن إحاطة النصوص بها، فاقتضى العقل وجوب التعبد ~~بالقياس. # الثانية: أنه إذا غلب على الظن أن المصلحة في إثبات الحكم بالقياس، وأنه ~~أنفى للضرر، فيجب اتباعه عقلا تحصيلا للمصلحة ودفعا للمضرة كما يجب القيام ~~من تحت حائط ظن سقوطه لفرط ميله، وإن جاز أن ms751 تكون السلامة في القعود ~~والهلاك في النهوض. # PageV04P013 # الثالثة: أن العلل الشرعية ومناسبتها للأحكام مدركة بالعقل ; فكان العقل ~~موجبا لورود التعبد بها كما توجب أحكام العلل العقلية. # والجواب عن السؤال الأول: أنه إذا سلم أن القياس مغلب على الظن وجود ~~المصلحة، فهو بيان، وهو وإن كان البيان فيه مرجوحا بالنسبة إلى البيان ~~القاطع، فليس ذلك مما يمنع من التعبد به مع عدم الظفر بالبيان القاطع، وإن ~~كان ممكن الوجود وإلا لما جاز التعبد بالنصوص الظنية وأخبار الآحاد مع ~~إمكان أن يخلق الله تعالى لنا العلم الضروري بالأحكام، وإمكان وجود النصوص ~~القاطعة الجلية. # وعلى هذا يخرج الجواب عن السؤال الثاني أيضا. # وعن النقض بما ذكروه من الصور أن العقل يجوز ورود التعبد بكل ما هو مغلب ~~على الظن، غير أنه لما ورد التعبد من الشارع بامتناع العمل به، كان ذلك ~~لمانع الشرع لا لعدم الجواز العقلي. # وعن المعارضة الأولى: أن كل ما ظن فيه الجامع بين الأصل والفرع، وظهرت ~~صلاحيته للتعليل، فالعقل لا يمنع من ورود التعبد من الشارع فيه بالإلحاق، ~~وحيث فرق الشارع في الصور المذكورة، فلم يكن ذلك لاستحالة ورود التعبد ~~بالقياس بل إنما كان ذلك إما لعدم صلاحية ما وقع جامعا أو لمعارض له في ~~الأصل أو في الفرع، وحيث جمع بين مختلفات الصفات فإنما كان لاشتراكها في ~~معنى جامع صالح للتعليل، أو لاختصاص كل صورة بعلة صالحة للتعليل، فإنه لا ~~مانع عند اختلاف الصور، وإن اتحد نوع الحكم أن تعلل بعلل مختلفة لا أن ~~الحكم ثبت في الكل بالقياس. # وعلى هذا نقول ما لم يظهر تعليله وصحة القياس عليه إما لعدم صلاحية ~~الجامع أو لتحقق الفارق أو لظهور دليل التعبد، فلا قياس فيه أصلا، وإنما ~~القياس فيما ظهر كون الحكم في الأصل معللا فيه، وظهر الاشتراك في العلة ~~وانتفى الفارق (1) . # وعن الثانية: أن ذلك وإن أفضى إلى الاختلاف بين المجتهدين، فإن ذلك غير ~~محذور مطلقا، فإن جميع الشرائع والملل كلها من عند الله وهي مختلفة ولا ~~محذور فيها، ms752 وإلا لما كانت مشروعة من عند الله. PageV04P014 # كيف وإن الأمة الإسلامية معصومة عن الخطأ على ما عرف (1) ، فلو كان ~~الاختلاف مذموما ومحذورا على الإطلاق لكانت الصحابة مع اشتهار اختلافهم ~~وتباين أقوالهم في المسائل الفقهية، مخطئة، بل الأمة قاطبة وذلك ممتنع. # وعلى هذا، فيجب حمل ما ورد من ذم الاختلاف والنهي عنه على الاختلاف في ~~التوحيد والإيمان بالله ورسوله والقيام بنصرته، وفيما المطلوب فيه القطع ~~دون الظن والاختلاف بعد الوفاق، واختلاف العامة ومن ليس له أهلية النظر ~~والاجتهاد، وبالجملة كل ما لا يجوز فيه الاختلاف جمعا بين الأدلة بأقصى ~~الإمكان. # وقوله تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} إنما ~~المراد به نفي التناقض والاضطراب والاختلاف المناقض للبلاغة عن القرآن، لا ~~نفي الاختلاف في الأحكام الشرعية. (2) . # وأما إنكار عمر على ابن مسعود وأبي بن كعب فيجب أيضا حمله على اختلافهما ~~فيما سبق فيه الإجماع أو على اختلافهما بالنظر إلى مستفت واحد حذرا من ~~تحيره. # وأما قول جرير (3) لعلي وعمر عند اختلافهما في مسألة المتعة، فيجب حمله ~~على ما ظنه من إفضاء ذلك إلى فتنة وثوران أمر. # وأما ما كتبه علي إلى قضاته، فيجب حمله أيضا على خوفه من انفتاق فتق بسبب ~~نسبته إلى تعصب لمخالفة من سبق. # وعن الثالثة: باختيار تصويب كل مجتهد بناء على أن الحكم عند الله تعالى ~~في حق كل واحد ما أدى إليه اجتهاده وذلك مما لا يمنع من كون الشيء ونقيضه ~~حقا PageV04P015 # بالنسبة إلى شخصين مختلفين كما في الصلاة وتركها بالنسبة إلى الحائض ~~والطاهر، وكالجهات المختلفة في القبلة حال اشتباهها بالنسبة إلى شخصين ~~مختلفين، وبالنسبة إلى شخص واحد في حالتين مختلفتين، وكجواز ركوب البحر في ~~حق من غلب على ظنه السلامة، وتحريمه في حق من غلب على ظنه الهلاك (1) . # وهذا بخلاف القضايا العقلية، وما الحق فيه في نفس الأمر لا يكون إلا ~~واحدا معينا، كحدوث العالم وقدمه ووجود الصانع وعدمه (2) . # وعن الرابعة من وجهين: الأول: أنه لو كان العدول من أصرح الطريقين ~~وأبينهما ms753 إلى أدناهما مما يمتنع ويخل بالبلاغة، لما ساغ ورود الكتاب ~~بالألفاظ المجملة وإرادة المعين، والعامة وإرادة الخاص والمطلقة وإرادة ~~المقيد والألفاظ المحتملة، ولما ساغ أيضا مثل ذلك من الرسول مع إمكان ~~الإتيان بألفاظ صريحة ناصة على الغرض المطلوب وهو ممتنع خلاف الواقع. # الوجه الثاني: أنه غير بعيد أن يكون الله تعالى ورسوله قد علم أن في ~~التعبد بالقياس والاجتهاد مصلحة للمكلفين لا تحصل من التنصيص. # وذلك بسبب بعث دواعيهم على الاجتهاد طلبا لزيادة الثواب الحاصل به على ما ~~نطق به النص في حق عائشة، حتى تبقى الشريعة مستمرة غضة طرية. # وعن الخامسة: أن الحكم في الأصل وإن كان ثابتا بالنص أو الإجماع لا ~~بالعلة وأن ذلك غير متحقق في الفرع، فلا نسلم وجوب ثبوت الحكم في الفرع ~~بمثل طريق إثبات حكم الأصل، بل يمكن أن يكون إثبات الحكم في الأصل مع كونه ~~مقطوعا PageV04P016 # به وفي الفرع بوجود ما كان قد ظهر كونه باعثا على الحكم في الأصل، ولا ~~يلزم من كون الفرع تابعا في حكمه للأصل اتحاد الطريق المثبت للحكم فيهما، ~~وإلا لما كان أحدهما تابعا للآخر بل التبعية متحققة بمجرد إثبات الحكم في ~~الفرع بما عرف كونه باعثا على الحكم في الأصل (1) . # وعن السادسة من وجهين: # الأول: قال بعضهم: إن علم قطعا قصده للسواد أعتق كل عبد أسود له. # وقال بعضهم: لا يكفي مجرد القصد، بل لا بد مع ذلك من أن ينوي بهذا اللفظ ~~عتق جميع السودان، فإنه كاف في عتق كل عبد له أسود، وغايته إطلاق اللفظ ~~الخاص، وإرادة العام وهو سائغ لغة. # كما حمل قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم} على النهي عن الإتلاف العام، ~~وكما حمل قول القائل: " والله لا أكلت لفلان خبزا ولا شربت من مائه جرعة " ~~إذا قصد به دفع المنة على أخذ الدراهم وغيرها من العروض حتى إنه يحنث بكل ~~ذلك. # وقال بعضهم: لا يكفي ذلك ; لأن مجرد النية والإرادة لذلك غير كافية في ~~العتق، بل إن قال مع ذلك: " وقيسوا عليه كل ms754 أسود " عتق كل عبد له أسود، ~~وهذا هو اختيار الصيرفي من أصحاب الشافعي، وهو أقرب من الذي قبله. # الثاني: أنه لا يلزم من امتناع التعدية هاهنا امتناع التعدية في العلل ~~المستنبطة الشرعية، وذلك لأن العتق من باب التصرف في أملاك العبيد بالزوال، ~~ولا كذلك في الأحكام الشرعية، وعند ذلك فلا يلزم من امتناع التعدية هاهنا ~~مبالغة في صيانة ملك العبيد، مثله في الأحكام الشرعية. PageV04P017 # ولهذا فإنه لو اجتمع في المحل الواحد حقان لله وللآدمي، وتضايق المحل عن ~~استيفائهما كما لو وجب القتل على شخص بالردة وبالقتل الموجب للقصاص، فإنه ~~يقدم حق الآدمي على حق الله تعالى ويقتل قصاصا لا بالردة. # ولهذا طرد أهل اللغة مثل ذلك وعدوه فيما لا يقتضي زوال ملك الآدمي، فإنه ~~لو قال القائل لغيره: " لا تأكل هذا الطعام فإنه مسموم ولا تشرب هذا الشراب ~~فإنه مسهل ولا تجالس فلانا لسواده " فإن أهل اللغة يعدونه إلى كل ما هو من ~~جنسه مشارك له في العلة. # وعلى هذا نقول إنه لو قال لوكيله بع هذا العبد لسواده أو لسوء خلقه، وكان ~~قد قال له مهما ظهر لك رضائي بشيء من التصرفات بقرائن الأحوال دون صريح ~~الأقوال فافعله، وعلم أن العلة في إطلاق البيع السواد وسوء الخلق خاصة، فله ~~بيع كل ما شاركه في تلك العلة على وزان ذلك في الشرع. # وعن السابعة: أنها منقوضة بمخالفة البراءة الأصلية بالنصوص الظنية ~~وبالإقرار والشهادة والفتوى وغير ذلك. # وعن الثامنة: أنه لو لم يرد النص بالحكم في أصول الأقيسة، وإلا كان ~~التعبد بإثبات أحكامها بالقياس على أصل آخر جائزا، وإن امتنع ذلك لما فيه ~~من التسلسل فلا يرد به التعبد لاستحالته في نفسه. # وعن التاسعة: أنه لا يمتنع في العقل أيضا ورود التعبد بإخبارنا عن كون ~~زيد في الدار عن ظن إذا ظهرت أمارة كونه في الدار. # وعن العاشرة: أنها مبنية على فاسد أصول الخصوم في وجوب رعاية الصلاح ~~والأصلح، وهو باطل على ما عرف من أصلنا. (1) وإن سلمنا وجوب رعاية المصلحة ms755 ~~فلا يمتنع أن يكون في التعبد بالقياس مصلحة، وقد استأثر الرب تعالى بالعلم ~~بها. # كيف وإن ما ذكروه منقوض بورود التعبد بالنصوص الظنية وقبول الشهادة ~~والاجتهاد في القبلة حالة الاشتباه، وبقبول قول العدول في قيم المتلفات ~~وأرش الجنايات وتقدير النفقات. PageV04P018 # وعن الحادية عشرة: أن العلة في القياس إنما هي بمعنى الأمارة والعلامة ~~على الحكم في الفرع، وذلك مما لا يمتنع التعبد باتباعه، ولهذا فإنه لو قال ~~الشارع: " مهما رأيتم وصف الشدة المطربة، فاعلموا أني قضيت بتحريم ذلك ~~المشتد المطرب " كان واجب الاتباع (1) وعن الثانية عشرة: أنه مهما لم يقم ~~دليل يدل على وجوب التعبد بالقياس من نص أو إجماع، فإنا لا نثبت به الحكم ~~ولا ننفيه. # وإن كان يجوز ورود التعبد به عقلا، فإذا قال الشارع: " قد تعبدتكم ~~بالقياس، فمهما رأيتم الحكم قد ثبت في صورة وغلب على ظنونكم أنه ثبت لعلة، ~~وأنها متحققة في صورة أخرى، فقيسوها " كان ذلك إخبارا عن إثبات الحكم في ~~الفرع. # وإن لم يرد مثل هذا النص، فانعقاد الإجماع على ذلك يكون كافيا. # وعن الثالثة عشرة: أنها قياس تمثيلي من غير جامع، فلا يصح. # وقد أجاب بعضهم بأن كثير الزعفران الواقع في الماء يعلم بالإدراك، وخفيه ~~إنما يعلم بإخبار من شاهده لا بنفس الإدراك، وليس بحق، فإن الخبر مستند إلى ~~المشاهدة. # فإن قيل: الحكم في الفرع أيضا مستند إلى الحكم الثابت بالنص، فكان جلي ~~الأحكام وخفيها مستندا إلى النص. # قيل: النص الوارد في الأصل لم يكن واردا في الفرع، ولو ورد في الفرع لما ~~احتيج إلى القياس. # وعن الرابعة عشرة: أنا لا نسلم أن كون المتحرك متحركا يزيد على قيام ~~الحركة بالمحل، فلا علة ولا معلول وإن سلمنا أن المتحركة معللة بالحركة، ~~ولكن ما ذكروه تمثيل من غير جامع، وذلك لأن اسم العلة مشترك بين العلة ~~العقلية والعلة الشرعية ; لأن العلة العقلية مقتضية للحكم بذاتها لا بوضع، ~~بخلاف العلة الشرعية فإنها بمعنى الباعث، ولا يمتنع أن يكون الوصف علامة ~~على الحكم في بعض الأزمان دون ms756 البعض، اتباعا لوضع الشارع ولا يمتنع أن يكون ~~الوصف باعثا لما يختص به من المصلحة في بعض الأزمان دون البعض كما أبيحت ~~الخمرة في زمان وحرمت PageV04P019 # في زمان، وجوز الصوم في زمان وحرم في زمان، ويكون مناط معرفة ذلك اعتبار ~~الشارع للوصف في وقت وإلغاءه في آخر. # وعن الخامسة عشرة: أن القياس عندنا حجة مع النص الموافق، ولا يلزم أن ~~يكون حجة مع النص المخالف الراجح ; بدليل خبر الواحد فإنه حجة وإن لم يكن ~~حجة مع النص المخالف الراجح. # وعن السادسة عشرة: أن نظر القائس في الفرع وإن لم يكن في دلالة النص فهو ~~ناظر في المعنى الجامع والدلالة على عليته وفي الحكم في الفرع، وليس الحكم ~~هو فعل المكلف بل الحكم إنما هو الوجوب أو التحريم المتعلق بفعله. # وعن السابعة عشرة: أنه إن غلب على الظن مشابهة شيء لشيء محرم، وأمكن ذلك ~~من غير أمارة، فالعقل يجوز ورود الشرع بالتعبد بتحريمه، وإن لم يرد الشرع ~~به (1) وعن الثامنة عشرة: بمنع الحصر فيما ذكروه، وما المانع من طريق آخر ~~يعرف كون الوصف الجامع علة من الإيماء أو غيره من طرق التخريج كما عرف. # وعن التاسعة عشرة: أن العلل المستنبطة من الأصول، وإن كانت أدلة على ~~الأحكام في الفروع، فليست أدلة لذواتها وصفات أنفسها الذاتية كما في العلل ~~العقلية، بل إنما كانت أدلة بالوضع والتوقيف، وجعل الشارع لها أدلة، فلذلك ~~افتقرت في جعلها أدلة إلى غيرها. # وعن العشرين: أن الكلام في هذه المسألة غير مختص بتصحيح القياس في آحاد ~~الصور، بل إنما هو في جواز ورود التعبد بالقياس في الجملة كيف وإن الوجه في ~~ظهور المصلحة في التعليل بمطعوم جنس أو مكيل جنس أو غير ذلك مما مما قد ~~تكلف - (2) . قد تكلف بيانه في مسائل الفروع، فعلى الناظر في ذلك بالاعتبار ~~حتى إن كل ما لم يظهر فيه وجه المصلحة، ولا دفع المفسدة من الأوصاف ~~المستنبطة بدليله فالقياس فيه غير جائز. PageV04P020 # وعن الحادية والعشرين: أن كل ما هو لو جعل الله ms757 عليه أمارة تدل عليه كما ~~جعل ذلك في الأحكام الشرعية ; كان الحكم في معرفته كما في الأحكام، وحيث لم ~~يجعل له أمارة تدل عليه لم يكن معلوما. # وعن الثانية والعشرين: لا نسلم أن التوصل إلى معرفة المصالح بفعل القائس ~~وإنما فعل القائس وهو إثبات مثل حكم الأصل في الفرع تبع لمعرفة المصلحة ~~المأخوذة من حكم الأصل (1) وعن الثالثة والعشرين: أنه متى غلب على ظن ~~القائس كون الحكم معللا وظهرت له علة في نظره مجردة عن المعارض، وتحقق ~~وجودها في الفرع كان له القياس وإلا فلا. # وعن الرابعة والعشرين: أنه مهما تقابل في نظر القائس قياسان على التحليل ~~والتحريم مثلا ; فكل واحدة من العلتين غير موجبة لحكمها لذاتها، فلا يلزم ~~من ذلك اجتماع الحكمين، وعلى هذا إن ترجحت إحداهما على الأخرى كان العمل ~~بها، وإن تعارضا من كل وجه أمكن أن يقال بالوقف إلى حين ظهور الترجيح، ~~وأمكن أن يقال بتخيير في العمل بأي القياسين شاء على ما عرف من مذهب ~~الشافعي وأحمد بن حنبل. # وعن الخامسة والعشرين: لا نسلم أن العلل الشرعية على وزان العلل العقلية، ~~وإنما هي بمعنى الأمارات والعلامات، وما كان بمعنى الأمارة والعلامة لا ~~يمتنع أن يكون الظن منه من مجموع أوصاف لا يستقل البعض بها (2) ، وذلك ~~PageV04P021 # كالظن الحاصل بنزول المطر عند طلوع الغيم وتكاثفه ودنوه من الأرض وهبوب ~~الهواء البارد، وكذلك ظن سقوط الجدار بميله وانشقاقه وتخلخل أجزائه إلى غير ~~ذلك. # والجواب عن الشبهة الأولى للقائلين بكون العقل موجبا لورود التعبد ~~بالقياس أن الذي لا يتناهى إنما هو الجزئيات الداخلة تحت الأجناس الكلية، ~~أما الأجناس الكلية فلا نسلم أنها غير متناهية. # وعلى هذا فقد أمكن التنصيص على كل واحد من الأجناس بأن يقول الشارع: " كل ~~مطعوم ربوي وكل مسكر حرام وكل قاتل عمدا عدوانا مقتول، وكل سارق من حرز ~~مثله لا شبهة له فيه مقطوع " إلى نظائره، والحكم في كل صورة من جزئيات ذلك ~~الجنس يكون ثابتا بالنص، وإن افتقرنا فيه إلى الاجتهاد في إدراج كل ms758 واحد ~~تحت جنسه ليتم إثبات الحكم فيه بالنص، فذلك إنما هو من باب تحقيق متعلق ~~الحكم لا أنه قياس، وعلى هذا فلا حاجة إلى القياس. # وإن سلمنا امتناع التعميم بغير القياس فإنما يجب التعبد به أن لو كان ~~النبي عليه السلام مكلفا بالتعميم، وهو غير مسلم، بل يمكن أن يقال بأنه ~~إنما كلف بما يقدر على تبليغه بطريق المخاطبة (1) . # وما ذكروه مبني على وجوب رعاية الصلاح والأصلح وهو غير مسلم (2) على ما ~~عرفناه في الكلاميات. # وعن الثانية: أنها مبنية على كون العقل موجبا، وعلى وجوب رعاية المصلحة ~~وهو باطل على ما عرفناه رعاية مصالح العباد في التشريع وبناء الأحكام عليها ~~معلوم من الدين باستقراء النصوص وهو مقتضى حكمة الله ورحمته التي وسعت كل ~~شيء، وإن قلنا أن ذلك واجب عليه فهو سبحانه الذي كتبه على نفسه فضلا منه ~~وإحسانا ورحمة بعباده. . PageV04P022 # وإن سلمنا أن العقل موجب عند ظهور المصلحة في نظر العاقل، لكن متى إذا ~~كان علم الله تعالى متعلقا بما ظنه العبد على وفق ما ظنه العبد أو على ~~خلافه، الأول مسلم والثاني ممنوع. # وعند ذلك، فمن الجائز أن يكون الرب تعالى قد علم أنه لا مصلحة للمكلفين ~~في القياس، وأنه مضر في حقهم على خلاف مظنون العبد، ومع ذلك فلا يكون العقل ~~موجبا للقياس. # وإن سلمنا إيجاب ذلك مطلقا لكن إذا أمكن إثبات الحكم في الفرع بطريق غير ~~القياس أو إذا لم يمكن، الأول ممنوع، والثاني مسلم، وقد بينا إمكان ذلك في ~~دفع الشبهة التي قبلها. # وعن الثالثة: أنها مبنية على كون العقل موجبا، وعلى وجوب رعاية المصلحة، ~~وعلى أنه لا طريق إلى معرفة الحكم في الفرع سوى القياس، وعلى أن الله تعالى ~~عالم بأن المصلحة في القياس كما ظنه العبد وكل ذلك ممنوع. # وأيضا: فإن العلة الجامعة قد لا يكون طريق إثباتها المناسبة كما سبق ~~تعريفه، وبتقدير أن يكون لا طريق سوى المناسبة، وأنه لا طريق إلى معرفتها ~~إلا بالعقل فلا نسلم أنه يلزم من ذلك وجوب ms759 التعبد بها عقلا. # وما ذكروه من العلل العقلية مبني على العلة والمعلول (1) العقليين وهو ~~غير مسلم. # وبتقدير تحقق ذلك، فالعقل إنما يقضي بملازمة معلول العلة العقلية لها، ~~لكونها مقتضية لمعلولها بذاتها، ولا كذلك العلل الشرعية فإنها إنما كانت ~~عللا بمعنى الأمارات والعلامات فلا يصح القياس (2) . PageV04P023 ### | [المسألة الثانية التعبد الشرعي بالقياس] # المسألة الثانية # الذين اتفقوا على جواز التعبد بالقياس عقلا اختلفوا: # فمنهم من قال: لم يرد التعبد الشرعي به، بل ورد بحظره كداود بن علي ~~الأصفهاني وابنه القاشاني والنهرواني (1) ، ولم يقضوا بوقوع ذلك إلا فيما ~~كانت علته منصوصة أو مومأ إليها. # وذهب الباقون إلى أن التعبد الشرعي به واقع بدليل السمع، واختلفوا في ~~وقوعه بدليل العقل كما بيناه في وأومأنا إلى إبطاله. # ثم الدليل السمعي هل هو قاطع أو ظني؟ اختلفوا فيه، فقال الكل: إنه قطعي ~~سوى أبي الحسين البصري، فإنه قال إنه ظني وهو المختار. # وقد احتج على ذلك بحجج ضعيفة لا بد من الإشارة إليها والتنبيه على ضعفها ~~ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار، فمنها كتابية وإجماعية ومعنوية: # أما الكتابية فقوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} . # ووجه الاحتجاج به أنه أمر بطاعة الله والرسول، والمراد من ذلك إنما هو ~~امتثال أمرهما ونهيهما، فقوله ثانيا: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول} والظاهر من الرد هو القياس، ولأنه لو أراد به اتباع أوامرهما ~~ونواهيهما، لكان ذلك تكرارا فلم يبق إلا أن يكون المراد به الرد إلى ما ~~استنبط من الأمر والنهي. # ولقائل أن يقول لا نسلم أن المراد من قوله تعالى: {فردوه} القياس على ما ~~أمر الله ورسوله، بل يمكن أن يكون المراد البحث عن كون المتنازع فيه مأمورا ~~أو منهيا، حتى يدخل تحت قوله: { (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} ، فالأمر ~~الأول بالطاعة للأمر والنهي، والثاني بالبحث عن المتنازع فيه هل هو مأمور ~~أو منهي أو لا فلا تكرار. PageV04P024 # وإنما يمكن (1) حمل الرد على القياس ms760 مع كونه مختلفا في الاحتجاج به، أن ~~لو تعذر حمل لفظ الرد على غيره وليس بمتعذر. # وإن سلمنا امتناع حمله على البحث عن كون المتنازع فيه مأمورا أو منهيا، ~~أمكن أن يكون المراد بقوله: " {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} " فيما أمركم ~~به ونهاكم عنه، والمراد من قوله: " {فإن تنازعتم في شيء} " أي: فيما لم ~~يسبق فيه أمر ولا نهي " {فردوه إلى الله والرسول} " بالسؤال للرسول لينبئكم ~~عن مقتضى ذلك في كتاب الله وسنة رسوله. # فإن قيل: هذا يوجب اختصاص الآية بمن وجد في زمن النبي عليه السلام لتعذر ~~ذلك بالنسبة إلى من بعدهم، والإجماع منعقد على تعميم وجوب الطاعة والرد إلى ~~الله والرسول في كل زمان، فلو كان معنى الرد السؤال للرسول لما تصور ذلك في ~~حق من وجد بعد النبي عليه السلام. # قلنا: وإن سلمنا أن الطاعة واجبة بالنسبة إلى كل زمان، ولكن لا نسلم أن ~~وجوب الرد ثابت في كل زمان ; لأنه إن حمل الرد على القياس فهو محل النزاع، ~~وإن حمل على السؤال للنبي عليه السلام فظاهر أنه غير واجب على من لم يره ~~(2) . # فإن قيل: الضمير في المخاطب بالرد عائد إلى المخاطب بالطاعة، فإذا كان ~~الخطاب بالطاعة عاما، فكذلك الخطاب بالرد وإذا تعذر حمل الرد على السؤال في ~~حق الكل، تعين أن يكون المراد به القياس. # قلنا: وإن سلمنا أن الطاعة واجبة بالنسبة إلى كل زمان، ولكن لا نسلم أنها ~~واجبة بقوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} لأنها مشافهة على ما سبق ~~PageV04P025 # تقريره في الأوامر (1) . # وإن سلمنا عموم خطاب الأمر بالطاعة، فغايته أن يكون الضمير في قوله: " ~~{فردوه إلى الله والرسول} " ظاهرا في العود إلى كل من أمر بالطاعة، فعوده ~~إلى البعض وهو من كان في زمن النبي - عليه السلام - لضرورة حمل الرد على ~~السؤال للنبي - عليه السلام، غايته أن يكون تخصيصا للعموم وهو مقابل بمثله ~~في حمل الرد على القياس، وذلك لأن الآية عامة في حق كل مجتهد وعامي، ويلزم ~~من حمل لفظ الرد على القياس تخصيص ms761 الآية بالمجتهدين دون غيرهم، وليس مخالفة ~~أحد العمومين والتمسك بالآخر أولى من العكس (2) . # وأيضا قوله تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه ~~الذين يستنبطونه منهم} والاستنباط هو القياس وهو ضعيف أيضا. # وذلك لأنه إنما يجب حمل الاستنباط في الآية على القياس أن لو تعذر حمله ~~على غيره، وليس كذلك إذ أمكن أن يراد به استخراج الحكم من دليله، وهو أعم ~~من القياس، ولهذا يصح أن يقال لمستخرج الحكم من دلالة النص إنه مستنبط. # كيف وإن المذكور في صدر الآية إنما هو الأمن والخوف بقوله تعالى: {وإذا ~~جاءهم أمر من الأمن أو الخوف} ، فيجب أن يكون الضمير في قوله {أذاعوا به} ~~وفي قوله {ولو ردوه} وفي قوله {لعلمه} وفي قوله {يستنبطونه} عائدا إليه ; ~~لأنه المذكور لا إلى غيره مذكور.، وليس ذلك من القياس في شيء. # وأيضا قوله تعالى: {إن أنتم إلا بشر مثلنا} ووجه الاحتجاج به أنهم أوردوا ~~ذلك في معرض صدهم عما كان يعبد أباؤهم لما بينهم من المشابهة في البشرية، ~~ولم ينكر عليهم ذلك وهو عين القياس فكان حجة، وهو ضعيف أيضا لوجهين: ~~PageV04P026 # الأول: لا نسلم عدم النكير عليهم، فإن الآية إنما خرجت مخرج الإنكار ~~لقولهم ذلك، ولذلك قال تعالى: {إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من ~~يشاء من عباده} . # الثاني: أنه وإن كان قياسا وتشبيها في الأمور الحقيقية، فلا يلزم مثله في ~~الأحكام الشرعية إلا بطريق القياس أيضا، وهو محل النزاع. # وأما الإجماعية: فمنها أنهم قالوا: الأمة قد عقلت من قوله تعالى: {فلا ~~تقل لهما أف} تحريم الشتم والضرب بطريق القياس، وهو غير صحيح لإمكان قول ~~الخصم إن ذلك إنما عقل من دلالة اللفظ وفحوى الخطاب على ما سبق. # وإن كان ذلك بطريق القياس، غير أن العلة فيه معلومة بدلالة النص، وهي كف ~~الأذى عن الوالدين، ولا يلزم مثله فيما كانت العلة فيه مستنبطة مظنونة كما ~~قاله النظام. # ومنها: أن الأمة مجمعة على رجم الزاني المحصن قياسا على رجم النبي - صلى ~~الله ms762 عليه وسلم (لماعز) ، وهو ضعيف وأيضا لإمكان أن يقال: بل إنما حكموا ~~بذلك بناء على قوله - صلى الله عليه وسلم: " «حكمي على الواحد حكمي على ~~الجماعة» " (1) . # ومنها أن الأمة مجمعة على أن الله تعالى تعبدنا بالاستدلال بالأمارات على ~~جهة القبلة عند اشتباهها، وذلك أيضا مما لا يمكن التمسك به ; لأن الخصم لا ~~يمنع من التمسك بالأمارات مطلقا، بل يجوز ذلك في القبلة وفي تقويم أروش ~~الجنايات وقيم المتلفات وتقدير النفقات، وفيما كانت الأمارات فيه خفية، ولا ~~يلزم مثله في الأمارات الشرعية والأقيسة. # كيف وإن من الخصوم من يمنع من صحة الاجتهاد ثم اشتباه القبلة ويوجب ~~التوجه إلى الجهات الأربع حتى يخرج عن العهدة بيقين؟ ! # وأما الحجة المعنوية: فهي أن النص والإجماع مما يقل في الحوادث ويندر، ~~فلو لم يكن القياس حجة أفضى ذلك إلى خلو أكثر الوقائع عن الأحكام الشرعية ~~وهو خلاف المقصود من بعثة الرسل، وذلك ممتنع وهي ضعيفة أيضا. PageV04P027 # وذلك لأن الوقائع التي خلت عن النصوص والإجماع، إنما يلزم خلوها عن ~~الأحكام الشرعية أن لو لم يكن نفي الحكم الشرعي بعد ورود الشرع حكما شرعيا. # وأما إذا كان حكما شرعيا، وكان مدركه شرعيا وهو استصحاب الحال وانتفاء ~~المدارك الشرعية المقتضية للأحكام الإثباتية فلا (1) . # وإن سلمنا أن انتفاء الحكم عند انتفاء النص والإجماع ليس حكما شرعيا (2) ~~، ولكن إنما يمتنع ذلك أن لو كنا مكلفين بإثبات الأحكام الشرعية في كل ~~قضية، وهو غير مسلم. # وذلك لأن الشارع كما يورد إثبات الأحكام في بعض الوقائع قد يورد نفيها ~~(3) في بعض آخر على حسب اختلاف المصالح. # ثم يلزم على ما ذكروه أن تكون المصالح المرسلة الخلية عن الاعتبار حججا ~~في الشريعة وهو محال، وذلك لأنه ليس كل واقعة يمكن وجود النص أو الإجماع أو ~~القياس فيها، فلو لم تكن المصلحة المرسلة حجة أفضى ذلك أيضا إلى خلو ~~الوقائع عن الأحكام الشرعية لعدم وجود النص أو الإجماع أو القياس فيها، ~~والعذر إذ ذاك يكون مشتركا (4) . PageV04P028 # والمعتمد في المسألة الكتاب والسنة والإجماع. # أما الكتاب ms763 فقوله تعالى: {فاعتبروا ياأولي الأبصار} أمر بالاعتبار، ~~والاعتبار هو الانتقال من الشيء إلى غيره، وذلك متحقق في القياس حيث إن فيه ~~نقل الحكم من الأصل إلى الفرع، ولهذا قال ابن عباس في الأسنان: اعتبر حكمها ~~بالأصابع في أن ديتها متساوية، أطلق الاعتبار وأراد به نقل حكم الأصابع إلى ~~الأسنان، والأصل في الإطلاق الحقيقة. # وإذا ثبت أن القياس مأمور به، فالأمر إما أن يكون للوجوب أو للندب على ما ~~سبق في الأوامر، وعلى كلا التقديرين فالعمل بالقياس يكون مشروعا. # فإن قيل: لا نسلم أنه أمر بالاعتبار وصيغة افعلوا مترددة بين الأمر وغيره ~~كما سبق في الأوامر، وليس جعلها ظاهرة في البعض أولى من البعض. # سلمنا أنها للأمر، ولكن لا نسلم أن الاعتبار ما ذكرتموه بل هو عبارة عن ~~الاتعاظ ويدل عليه أمران: الأول قوله تعالى: {إن في ذلك لعبرة لأولي ~~الأبصار} ، وقوله: {وإن لكم في الأنعام لعبرة} ، والمراد به الاتعاظ إذ هو ~~المتبادر إلى الفهم من إطلاق هذا اللفظ. # الثاني: أن القائس في الفروع إذا أقدم على المعاصي ولم يتفكر في أمر ~~آخرته ; يقال إنه غير معتبر ولو كان القياس هو الاعتبار لما صح سلب ذلك ~~عنه. # سلمنا أن الاعتبار ظاهر في القياس لكنه قد وجد في الآية ما يمنع من الحمل ~~عليه ويصرفه إلى الاعتبار بمعنى الاتعاظ، وذلك قوله تعالى: {يخربون بيوتهم ~~بأيديهم وأيدي المؤمنين} ، ولو كان الاعتبار بمعنى القياس لما حسن ترتيبه ~~على ذلك، وإنما يحسن ذلك عند إرادة الاتعاظ. # سلمنا أن المراد به القياس، غير أنه ليس في الآية صيغة عموم تقتضي العمل ~~بكل قياس، فكانت الآية مطلقة، والمطلق إذا عمل به في صورة أو صور لا يبقى ~~حجة فيما عداها، ضرورة الوفاء ومعناه بدلالته، وقد عملنا بذلك في القياس ~~العقلي # PageV04P029 # والقياس الذي علته منصوصة أو مومأ إليها وبقياس الفروع على الأصول في ~~امتناع إثباتها بالقياس. # سلمنا العموم لكنه قد خص بما كلفنا فيه باليقين وبما كان منصوصا عليه ~~وبما لم نعلم له أصلا ولا وصفا جامعا، فإن ms764 القياس غير مأمور به في ذلك كله. # وكذلك إذا قال لوكيله: " أعتق غانما لسواده " فإنه لا يجوز تعدية ذلك إلى ~~سالم وإن كان مسودا. # والعام بعد التخصيص لا يبقى حجة، وإن بقي حجة ففي أقل ما يتناوله الاسم ~~العام على ما سبق في العموم. # وإن سلمنا أنه يبقى حجة فيما عدا محل التخصيص، غير أن الآية خطاب مع ~~الموجودين، فيختص ذلك بمن كان موجودا في وقت نزول الوحي بالآية، وإن عم ~~جميع الأزمان ولكنه أمر مطلق، فلا يكون مفيدا للفور ولا للتكرار، وإن كان ~~مفيدا لذلك لكن بطريق ظني لا قطعي، والمسألة قطعية لا ظنية. # والجواب عن السؤال الأول أنا قد بينا أن صيغة (افعل) ظاهرة في الطلب، وأن ~~الطلب لا يخرج عن اقتضاء الوجوب أو الندب في الأوامر وأي الأمرين قدر كان ~~دليلا على شرع القياس. # قولهم: لا نسلم أن الاعتبار عبارة عما ذكرتموه. # قلنا: دليله ما ذكرناه (1) . # قولهم: يطلق بمعنى الاتعاظ. # قلنا: عنه جوابان: # الأول: المنع، ويدل عليه قولهم: اعتبر فلان فاتعظ، ولو كان الاعتبار هو ~~الاتعاظ لما حسن هذا الكلام والترتيب، ولأن ترتيب الشيء على نفسه ممتنع. # الثاني: أن الاعتبار بمعنى الانتقال من الشيء إلى (2) (غيره مشترك بين ~~القياس والاتعاظ أما أن الانتقال متحقق في القياس فقد سبق بيانه، وأما أنه ~~متحقق في الاتعاظ) فذلك لأن المتعظ بغيره منتقل من العلم بحال ذلك الغير ~~إلى العلم بحال نفسه (3) (ويجب أن يكون لفظ الاعتبار حقيقة فيما وقع فيه ~~الاشتراك نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ، وإذا كان كذلك فالأمر بالاعتبار ~~أمر بالقدر المشترك بين القياس والاتعاظ، PageV04P030 # وهو إما أن يكون متناولا لواحد من الاعتبارات على سبيل الشيوع أو لكل ~~اعتبار على جهة العموم. # فإن كان الأول فتعلق الأمر به إنما كان لما يتعلق به من المصلحة وتلك ~~المصلحة فكما تحصل من الواحد الفرد تحصل من كل واحد من الأفراد ضرورة ~~الاشتراك في ملزومها، فاللفظ وإن لم يكن عاما بلفظه فيكون عاما بمعناه. # وإن كان الثاني فهو المطلوب) فكان مأمورا ms765 به من جهة ما فيه من الانتقال ~~وذلك هو القياس، وعلى هذا فقد خرج الجواب عن الآيتين. # قولهم: القائس إذا كان معرضا عن أمر آخرته يقال إنه غير معتبر. # قلنا: لا يصح إلى كونه قائسا، وإنما صح إلى أمر الآخرة، وإنما أطلق النفي ~~بطريق المجاز نظرا إلى إخلاله بأعظم المقاصد وهو أمر المعاد. # (وعن الثالث (1) أنه إذا كان الانتقال متحققا في الاتعاظ على ما قدمناه - ~~وذلك هو القياس - فلا نسلم امتناع ترتيب القياس على ما ذكروه. # وعن الرابع: أن اللفظ إن كان عاما فهو المطلوب، وإن كان مطلقا فيجب حمله ~~على القياس الشرعي (2) نظرا إلى أن الغالب من الشارع أنه إنما يخاطبنا ~~بالأمور الشرعية دون غيرها، وهو إما أن تكون العلة فيه منصوصة أو مستنبطة، ~~والأول ليس بقياس على ما حققناه قبل. # وإن كانت مستنبطة فقد سلم صحة الاحتجاج ببعض الأقيسة المختلف فيها، ويلزم ~~من ذلك تسليم الباقي ضرورة أن لا قائل بالفرق) . # وعن الخامس: أن العام بعد التخصيص يكون حجة فيما وراء صور التخصيص على ما ~~سبق في العموم. # وعن قولهم: إنه خطاب مع الموجودين في زمن النبي عليه السلام، فلا يعم. # قلنا: لا نسلم أنه لا يعم بتقدير الوجود والفهم، وإن سلمنا أنه لا يعم ~~بلفظه، فهو عام بمعناه، نظرا إلى انعقاد الإجماع على أن أحكام الخطاب ~~الثابث في زمن النبي عليه السلام عامة في حق من بعد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم، فإذا لم يكن الخطاب عاما بلفظه PageV04P031 # وجب أن يكون عاما بمعناه ضرورة انعقاد الإجماع على ذلك (1) . # وبتقدير أن لا يكون عاما لا بلفظه، فهو حجة على الخصوم في بعض صور ~~النزاع، ويلزم من ذلك الحكم في الباقي، ضرورة أن لا قائل بالتفصيل. # وبهذا الجواب يكون الجواب عن قولهم: إن الأمر المطلق لا يقتضي الفور ولا ~~التكرار. # وعن السؤال الأخير أن المسألة ظنية غير قطعية (2) . # وأما من جهة السنة، فما روي «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~لمعاذ حين بعثه إلى اليمن قاضيا: " بم ms766 تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم ~~تجد؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي " والنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أقره على ذلك، وقال: " الحمد لله الذي وفق رسول رسول ~~الله لما يحبه الله ورسوله» (3) واجتهاد الرأي لا بد وأن يكون مردودا إلى ~~أصل وإلا كان مرسلا، والرأي المرسل غير معتبر، وذلك هو القياس. PageV04P032 # وأيضا ما روي عنه عليه السلام، أنه قال لمعاذ وأبي موسى الأشعري وقد ~~أنفذهما إلى اليمن: " «بم تقضيان؟ فقالا: إن لم نجد الحكم في الكتاب ولا ~~السنة قسنا الأمر بالأمر، فما كان أقرب إلى الحق عملنا به» " صرحوا بالعمل ~~بالقياس، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أقرهما عليه، فكان حجة. # وأيضا: ما روي عنه عليه السلام أنه قال لابن مسعود: " «اقض بالكتاب ~~والسنة إذا وجدتهما، فإذا لم تجد الحكم فيهما اجتهد رأيك» "، ووجه الاحتجاج ~~به كما تقدم في الخبر الأول. # وأيضا: ما روي عنه عليه السلام أنه لما سألته الجارية الخثعمية وقالت: " ~~«يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الحج شيخا زمنا لا يستطيع أن يحج، إن ~~حججت عنه أينفعه ذلك؟ فقال لها: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان ~~ينفعه ذلك؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق بالقضاء» " (1) ووجه الاحتجاج به ~~أنه ألحق دين الله بدين الآدمي في وجوب القضاء ونفعه، وهو عين القياس. # وما مثل هذا (2) يسميه الأصوليون التنبيه على أصل القياس كما سبق تحقيقه. ~~PageV04P033 # وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه قال لأم سلمة، وقد سئلت عن قبلة ~~الصائم: " «هل أخبرته أني أقبل وأنا صائم» " (1) وإنما ذكر ذلك تنبيها على ~~قياس غيره عليه. # وأيضا: ما روي عنه أنه أمر سعد بن معاذ أن يحكم في بني قريظة برأيه، ~~وأمرهم بالنزول على حكمه فأمر بقتلهم وسبي نسائهم، فقال عليه السلام: " ~~«لقد وافق حكمه حكم الله» ". # وأيضا: ما روي عنه عليه السلام أنه قال: " «لعن الله اليهود حرمت عليهم ~~الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها» " حكم بتحريم ثمنها باعتبار تحريم ~~أكلها. # وأيضا: ms767 ما روي عنه عليه السلام، أنه علل كثيرا من الأحكام، والتعليل موجب ~~لاتباع العلة أين كانت، وذلك هو نفس القياس. # فمن ذلك قوله عليه السلام: " «كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل ~~الدافة، فادخروها» ". # وقوله: " «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم بالآخرة» ~~". # ومنها قوله لما سئل عن بيع الرطب بالتمر: " «أينقص الرطب إذا يبس؟ ~~فقالوا: نعم، فقال: فلا إذا» ". # ومنها قوله: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} ومنها قوله في حق محرم ~~وقصت به ناقته: " «لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يحشر يوم القيامة ~~ملبيا» ". # ومنها قوله في حق شهداء أحد: " «زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يحشرون يوم ~~القيامة، وأوداجهم تشخب دما، اللون لون الدم والريح ريح المسك» ". ~~PageV04P034 # ومنها قوله في الهرة: " «إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم ~~والطوافات» " (1) . # وقوله: " إذا «استيقظ أحدكم من نوم الليل، فلا يغمس يده في الإناء حتى ~~يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده» ". # وقوله في الصيد: " «فإن وقع في الماء فلا تأكل منه لعل الماء أعان على ~~قتله» " (2) . # وأيضا قوله: " «أنا أقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي» " (3) ~~والرأي إنما هو تشبيه شيء بشيء، وذلك هو القياس إلى غير ذلك من الأخبار ~~المختلف لفظها المتحد معناها النازل جملتها منزلة التواتر، وإن كانت آحادها ~~آحادا. # فإن قيل: أما حديث معاذ فإنه مرسل، وخبر واحد ورد في إثبات كون القياس ~~حجة، وهو مما تعم به البلوى، والمرسل ليس بحجة عند الشافعي، وخبر الواحد ~~فيما تعم به البلوى ليس بحجة عند أبي حنيفة فالإجماع من الفريقين على أنه ~~ليس بحجة. # والذي يدل على ضعفه أن النبي عليه السلام كان قد ولاه القضاء، وذلك لا ~~يكون إلا بعد معرفة اشتمال معاذ على معرفة ما به يقضي، فالسؤال عما علم لا ~~معنى له. # وأيضا فإنه وقف العمل بالرأي على عدم وجدان الكتاب والسنة، ووقف العمل ~~بالسنة على عدم وجدان الكتاب. # والأول على خلاف قوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} ، وعلى ms768 خلاف ~~قوله: {ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} (الأنعام 59) ، والثاني على ~~خلاف الدليل الدال على جواز نسخ الكتاب وتخصيصه بالسنة. PageV04P035 # سلمنا صحته وأنه حجة، غير أن اجتهاد الرأي أعم من القياس، وذلك لأن ~~اجتهاد الرأي كما يكون بالقياس قد يكون بالاجتهاد في الاستدلال بخفي النصوص ~~من الكتاب والسنة وطلب الحكم فيهما، وعلى التمسك بالبراءة الأصلية، ولفظه ~~غير عام في كل رأي، فلا يكون حمله على اجتهاد الرأي بالقياس أولى من غيره. # سلمنا أن المراد به اجتهاد الرأي بالقياس، غير أن القياس ينقسم إلى ما ~~علته منصوصة أو مومأ إليها، وإلى ما علته مستنبطة بالرأي، واللفظ أيضا ~~مطلق، وقد عملنا به في القياس الذي علته منصوصة على ما قاله النظام. # سلمنا أنه حجة مطلقا في كل قياس، ولكن قبل إكمال الدين أو بعده؟ على ما ~~قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} . # الأول مسلم، والثاني ممنوع، وذلك أن إكمال الدين إنما يكون باشتمال ~~الكتاب والسنة على تعريف كل ما لا بد من معرفته، وعلى هذا فالقياس لا حاجة ~~إليه بعد ذلك، وبتقدير كونه حجة مطلقا لكن فيما تعبدنا في إثباته بالظن لا ~~باليقين، والقياس ليس من هذا الباب، وبهذا يكون الاعتراض على حديث ابن ~~مسعود أيضا. # وأما حديث الجارية الخثعمية، فالوارد عليه من جملة الأسئلة الواردة على ~~حديث معاذ أنه خبر واحد فيما تعم به البلوى، وأنه ظني فلا يتمسك به في ~~مسائل الأصول وهما عامان في جميع ما ذكر من الأخبار، ويخصه أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إنما ذكر دين الآدمي بطريق التقريب إلى فهم الجارية في ~~حصول نفع القضاء، أما أن يكون ذلك بطريق القياس، فلا. # وأما حديث أم سلمة فيدل على أن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة ~~متبعة، أما أن يكون ذلك بطريق القياس على فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فلا. # وأما حديث سعد بن معاذ، فليس فيه أيضا ما يدل على صحة القياس، فإن أمره ~~له بأن يحكم في بني قريظة برأيه ms769 لا يخص القياس لما تقدم من أن اجتهاد الرأي ~~أعم من القياس، فلعله أمره أن يحكم باجتهاد رأيه في الاستدلال بخفي النصوص # PageV04P036 # من الكتاب والسنة، ولذلك قال عليه السلام: " «لقد وافق حكمه حكم الله ~~ورسوله» ". # وأما خبر تحريم الشحوم على اليهود، فليس فيه ما يدل على تحريم البيع ~~بالقياس على تحريم الأكل، فإن تحريم الشيء أعم من تحريم أكله، فإن تحريم ~~الشيء تحريم للتصرف فيه مطلقا، وبتقدير أن يكون تحريم الأكل مصرحا به، ~~فالمراد به تحريم التصرف مطلقا، بدليل قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم} ، ~~وقوله: (ولا تأكلوا مال اليتيم) . # وقوله: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} ، والمراد به المنع من التصرف ~~في ذلك بغير حق. # وأما الأخبار الدالة على تعليل الأحكام، فليس يلزم من الحكم المنصوص عليه ~~بعلة إلحاق غير المنصوص به لاشتراكهما في تلك العلة، إذ هو محل النزاع، ~~وليس في الأخبار ما يدل على الإلحاق، بل التعليل إنما كان لتعريف الباعث ~~على الحكم ليكون أقرب إلى الانقياد وأدعى إلى القبول، ولهذا أمكن التنصيص ~~على العلة القاصرة ولا قياس عنها. # وبتقدير دلالتها على الإلحاق، فالعلل فيها منصوصة ومومأ إليها. # ونحن نقول بهذا النوع من القياس كما قاله النظام، وقوله عليه السلام: " ~~«إني أحكم بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي» " فهو على خلاف قوله تعالى: ~~{وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} ، وبتقدير أن يكون حكمه بالرأي فلا ~~يلزم أن يكون ذلك بالقياس لما تقدم. # وبتقدير أن يكون بالقياس، فلا يلزم من جواز التمسك بالقياس للنبي - عليه ~~السلام - مع كونه معصوما عن الخطأ مسددا في أحكامه جواز ذلك لغيره. # والجواب عن السؤال الأول على خبر معاذ أنا قد بينا أن المرسل وخبر الواحد ~~فيما تعم به البلوى حجة. # وأما سؤال معاذ عما به يقضي ; فإنما كان قبل توليه القضاء ليعلم صلاحيته ~~لذلك، وإن كان ذلك بعد توليه القضاء فإنما كان ذلك بطريق التأكيد أو بإعلام ~~الغير بأهليته للقضاء # PageV04P037 # وأما توقيفه للعمل بالرأي على عدم وجدان الكتاب والسنة فغير ms770 مخالف لقوله ~~تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} إذ المراد منه إنما هو عدم التفريط ~~فيما ورد من الكتاب، لا أن المراد به بيان كل شيء، فإنا نعلم عدم اشتماله ~~على بيان العلوم العقلية من الهندسية والحسابية وكثير من الأحكام الشرعية. # وبتقدير أن يكون المراد به بيان كل شيء لكن لا بطريق الصريح، بل بمعنى ~~أنه أصل لبيان كل شيء، فإنه أصل لبيان صدق الرسول في قوله، وقوله بيان ~~للقياس وغيره، وبه يخرج الجواب عن الآية الأخرى. # وأما توقيفه العمل بالسنة على عدم الكتاب، فالمراد به الكتاب الذي لا ~~معارض له ولا ناسخ، ويجب تنزيله على ذلك ; ضرورة الجمع بين تقرير النبي - ~~عليه السلام - له على ذلك وبين الدليل الدال على نسخ الكتاب وتخصيصه ~~بالسنة. # وعن السؤال الثاني أنه يمتنع حمل اجتهاد الرأي على الاجتهاد في الاستدلال ~~بخفي نصوص الكتاب والسنة ; لأن قوله (فإن لم تجد) عام في الجلي والخفي (1) ~~بدليل صحة الاستثناء وورود الاستفهام، فتخصيص ذلك بالجلي دون الخفي من غير ~~دليل ممتنع، والتمسك بالبراءة الأصلية في نفي الأحكام الشرعية، ليس بحجة ~~على ما يأتي، فلا يكون اجتهاد الرأي فيه مستندا للحكم (2) . # وبتقدير أن يكون حجة فذلك معلوم لكل عاقل، فلا يكون مفتقرا إلى اجتهاد ~~الرأي. # وعن السؤال الثالث: أنا لا نسلم أن ما كانت علته منصوصة يكون قياسا على ~~ما سيأتي (3) . # وإن سلمنا أنه قياس فما ذكرناه وإن لم يكن حجة على النظام، فهو حجة على ~~غيره. # وعن الرابع: أن إكمال الدين إنما يكون ببيان كل شيء، إما بلا واسطة أو ~~PageV04P038 # بواسطة على ما بيناه، وعلى هذا فلا يمتنع العمل بالقياس بعد إكمال الدين ~~لكونه من جملة الوسائط. # وعن الخامس: ما سبق من أن المسألة ظنية غير قطعية (1) وعلى هذا فلا يخفى ~~الجواب عما يعترض به على خبر ابن مسعود. # وكذلك جواب كل ما يعترض به من هذه الأسئلة على باقي الأخبار. # وما ذكروه على خبر الجارية الخثعمية فبعيد أيضا، فإنه لو لم يكن مدرك ~~الحكم فيما ms771 سألت عنه القياس على دين الآدمي ; لما كان التعرض لذكره مفيدا، ~~بل كان يجب الاقتصار على قوله نعم. # وما ذكروه على حديث أم سلمة فغير صحيح، وذلك لأنه لو لم يكن اتباعنا له ~~في فعله بطريق التأسي به لما كان حكم فعله ثابتا في حقنا، ولا معنى للقياس ~~سوى ذلك. # وما ذكروه على حديث سعد بن معاذ باطل أيضا ; لأن حكمه لو كان مستندا إلى ~~الكتاب أو السنة لما كان ذلك برأيه، وقد قال: " «احكم فيهم برأيك» " 8 (2) ~~، وقوله عليه السلام: " «لقد وافق حكمه حكم الله ورسوله» " لا منافاة بينه ~~وبين الحكم بالقياس، فإنه إذا كان القياس من طرق الشرع ; فالحكم المستند ~~إليه يكون حكما لله ولرسوله. # وما ذكروه على خبر الشحوم مندفع من حيث إن الظاهر من إضافة التحريم إلى ~~المأكول إنما هو تحريم الأكل. # وكذلك التحريم المضاف إلى النساء إنما هو تحريم الوطء، وإلى الدابة تحريم ~~الركوب، وإلى الدار تحريم السكنى. # وكذلك في كل شيء على حسبه، وهو المتبادر إلى الفهم عند إطلاقه، فتحريم ~~PageV04P039 # البيع لا يكون مأخوذا من مطلق التحريم المضاف إلى أكل الشحوم، فلم يبق ~~إلا أن يكون بطريق الإلحاق به وهو معنى القياس (1) . # وما ذكروه على الأخبار الدالة على التعليل بالعلل المذكورة من أن ذلك لا ~~يدل على التعدية فحق، غير أن ما ذكروه بتقدير تسليم التعدية على مذهب ~~النظام فقد سبق جوابه (2) . # وأما الإجماع - وهو أقوى الحجج في هذه المسألة - (3) فهو أن الصحابة ~~اتفقوا على استعمال القياس في الوقائع التي لا نص فيها من غير نكير من أحد ~~منهم ; (4) فمن ذلك (5) رجوع الصحابة إلى اجتهاد أبي بكر - رضي الله عنه - ~~في أخذ الزكاة من بني حنيفة، وقتالهم على ذلك PageV04P040 # وقياس خليفة رسول الله على الرسول في ذلك بوساطة أخذ الزكاة للفقراء ~~وأرباب المصارف (1) . # ومن ذلك قول أبي بكر لما سئل عن الكلالة: " أقول في الكلالة برأيي، فإن ~~يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان " الكلالة ما عدا الوالد ~~والولد (2) . # ومن ذلك ms772 أن أبا بكر ورث أم الأم دون أم الأب، فقال له بعض الأنصار: " لقد ~~ورثت امرأة من ميت لو كانت هي الميتة لم يرثها، وتركت امرأة لو كانت هي ~~الميتة ورث جميع ما تركت "، فرجع إلى التشريك بينهما في السدس (3) . # ومن ذلك حكم أبي بكر بالرأي في التسوية في العطاء حتى قال له عمر: " كيف ~~تجعل من ترك دياره وأمواله وهاجر إلى رسول الله كمن دخل في الإسلام كرها، ~~فقال أبو بكر: إنما أسلموا لله وأجورهم على الله وإنما الدنيا بلاغ "، وحيث ~~انتهت PageV04P041 # النوبة إلى عمر فرق بينهم (1) . # ومن ذلك قياس أبي بكر تعيين الإمام بالعهد على تعيينه بعقد البيعة، حتى ~~إنه عهد إلى عمر بالخلافة ووافقه على ذلك الصحابة (2) . # ومن ذلك ما روي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: " اعرف الأشباه ~~والأمثال ثم قس الأمور برأيك ". # ومن ذلك قول عمر: " أقضي في الجد برأيي، وأقول فيه برأيي "، وقضى فيه ~~بآراء مختلفة (3) . # ومن ذلك قوله لما سمع حديث الجنين: " لولا هذا لقضينا فيه برأينا ". ~~PageV04P042 # ومن ذلك أنه لما قيل له في مسألة المشركة " هب أن أبانا كان حمارا ألسنا ~~من أم واحدة " فشرك بينهم (1) . # ومن ذلك أنه «لما قيل لعمر: إن سمرة قد أخذ الخمر من تجار اليهود في ~~العشور وخللها وباعها، قال: " قاتل الله سمرة، أما علم أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها ~~وأكلوا أثمانها» ، قاس الخمر على الشحم وأن تحريمها تحريم لثمنها. # ومن ذلك أنه جلد أبا بكرة حيث لم يكمل نصاب الشهادة بالقياس على القاذف ~~وإن كان شاهدا لا قاذفا. # ومن ذلك قول عثمان لعمر في واقعة: " إن تتبع رأيك فرأيك أسد وإن تتبع رأي ~~من قبلك فنعم ذلك الرأي كان " ولو كان فيه دليل قاطع على أحدهما لم يجز ~~تصويبهما. # ومن ذلك أنه ورث المبتوتة بالرأي (2) . # ومن ذلك قول علي - عليه السلام - في حد شارب الخمر: " «إنه إذا شرب سكر ~~وإذا سكر هذى وإذا ms773 هذى افترى، فحدوه حد المفترين» " (3) قاس حد الشارب على ~~القاذف. # ومن ذلك أن عمر كان يشك في قود القتيل الذي اشترك في قتله سبعة، فقال له ~~علي يا أمير المؤمنين: أرأيت لو أن نفرا اشتركوا في سرقة ; أكنت تقطعهم؟ ~~قال: نعم، قال: فكذلك وهو قياس للقتل على السرقة. # ومن ذلك ما روي عن علي أنه قال في أمهات الأولاد (اتفق رأيي ورأي عمر على ~~أن لا يبعن، وقد رأيت الآن بيعهن) حتى قال له عبيدة السلماني: (رأيك مع ~~الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك) (4) . PageV04P043 # ومن ذلك قول علي في المرأة التي أجهضت بفزعها بإرسال عمر إليها: أما ~~المأثم فأرجو أن يكون منحطا عنك وأرى عليك الدية، فقال له: عزمت عليك أن لا ~~تبرح حتى تضربها على بني عدي - يعني قومه - وألحقه عثمان وعبد الرحمن بن ~~عوف بالمؤدب، وقالا: إنما أنت مؤدب، ولا شيء عليك (1) . # ومن ذلك قول ابن عباس ; لما ورث زيد ثلث ما بقي في مسألة زوج وأبوين أين: ~~(وجدت في كتاب الله ثلث ما بقي؟) فقال له زيد: أقول برأيي وتقول برأيك (2) ~~. # ومن ذلك قوله في مسألة الجد (ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابنا ولا ~~يجعل أبا الأب أبا) . # ومن ذلك قول ابن مسعود في المفوضة برأيه بعد أن استمهل شهرا، وأنه كان ~~يوصي من يلي القضاء بالرأي ويقول: (لا ضير في القضاء بالكتاب والسنة وقضايا ~~الصالحين، فإن لم تجد شيئا من ذلك فاجتهد رأيك) . # ومن ذلك اختلاف الصحابة في الجد حتى ألحقه بعضهم بالأب في إسقاط الأخوة ~~وألحقه بعضهم بالأخوة. PageV04P044 # ومن ذلك اختلافهم في قول الرجل لزوجته: " أنت علي حرام "، حتى قال أبو ~~بكر وعمر: هو يمين. # وقال علي وزيد: هو طلاق ثلاث. # وقال ابن مسعود: هو طلقة واحدة. # وقال ابن عباس: هو ظهار، إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تحصى، وذلك يدل ~~على أن الصحابة مثلوا الوقائع بنظائرها وشبهوها بأمثالها وردوا بعضها إلى ~~بعض في أحكامها، وأنه ما من واحد من أهل النظر ms774 والاجتهاد منهم إلا وقد قال ~~بالرأي والقياس. # ومن لم يوجد منه الحكم بذلك فلم يوجد منه في ذلك إنكار، فكان إجماعا ~~سكوتيا وهو حجة مغلبة على الظن لما سبق تقريره في مسائل الإجماع. # وإنما قلنا إنهم قالوا بالرأي والقياس في جميع هذه الصور، وذلك لا بد لهم ~~فيها من مستند وإلا كانت أحكامهم بمحض التشهي والتحكم في دين الله من غير ~~دليل، وهو ممتنع وذلك المستند يمتنع أن يكون نصا، وإلا لأظهر كل واحد ما ~~اعتمد عليه من النص ; إقامة لعذره وردا لغيره عن الخطأ بمخالفته على ما ~~اقتضته العادة الجارية بين النظار، ولأن العادة تحيل على الجمع الكثير ~~كتمان نص دعت الحاجة إلى إظهاره في محل الخلاف. # وهذا بخلاف ما إذا أجمعوا على حكم في واقعة بناء على نص، فإنه لا يمتنع ~~اتفاقهم على عدم نقله بناء على الاكتفاء في ذلك الحكم بإجماعهم، ولو أظهروا ~~تلك النصوص واحتجوا بها ; لكانت العادة تحيل عدم نقلها، فحيث لم تنقل دل ~~على عدمها، وإذا لم يكن نصا تعين أن يكون قياسا واستنباطا. # فإن قيل: لا نسلم أن أحدا من الصحابة عمل بالقياس، وما نقل عنهم من ~~الاجتهاد في الوقائع المذكورة والعمل بالرأي، فلعلهم إنما استندوا فيه إلى ~~الاجتهاد في دلالات النصوص الخفية من الكتاب والسنة، كحمل المطلق على ~~المقيد والعام على الخاص، وترجيح أحد النصين على الآخر، والنظر في تقرير ~~النفي الأصلي ودلالة الاقتضاء والإشارة والتنبيه والإيماء وأدلة الخطاب ~~وتحقيق المناط وغير ذلك من الاجتهادات المتعلقة بالأدلة النصية. # PageV04P045 # قولكم: لو كان ثم نص لظهر، ولو كانوا قائسين لتلك الصور على غيرها ; ~~لأظهروا العلل الجامعة فيها وصرحوا بها كما في النصوص، ولو أظهروها واحتجوا ~~بها لنقلت أيضا، فعدم نقلها يدل على عدمها، وإذا لم يكن قياس واستنباط تعين ~~أن يكون المستند إنما هو النص وليس أحد الأمرين أولى من الآخر. # وما نقل عن الصحابة من التصريح ومعناه بالرأي في الوقائع المذكورة لا ~~يلزم أن يكون قياسا، فإن اجتهاد الرأي أعم من اجتهاد الرأي ms775 بالقياس على ما ~~تقرر، ولا يلزم من وجود الأعم وجود الأخص. # سلمنا أنهم عملوا بالقياس، غير أنا لا نسلم عمل الكل به، فإنه لم ينقل ~~ذلك إلا عن جماعة يسيرة لا تقوم الحجة بقولهم. # قولكم: إنه لم يوجد من غيرهم نكير عليهم لا نسلم ذلك. # وبيان وجود الإنكار (1) ما روي عن أبي بكر أنه لما سئل عن الكلالة قال: " ~~أي سماء تظلني وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي ". # وأيضا ما روي عن عمر أنه قال: " إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء الدين ~~أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا ". وقال: " إياكم ~~والمكايلة " فسئل عن ذلك، فقال: " المقايسة "، وروي عن شريح أنه قال كتب ~~إلي عمر: (اقض بما في كتاب الله، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فاقض بما في ~~سنة رسول الله، فإن جاءك ما ليس في سنة رسول الله فاقض بما أجمع عليه أهل ~~العلم، فإن لم تجد فلا عليك أن لا تقضي) . # وأيضا ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال لعمر في مسألة الجنين: (إن ~~اجتهدوا فقد أخطئوا وإن لم يجتهدوا فقد غشوك) . PageV04P046 # وروي عن عثمان وعلي أنهما قالا: (لو كان الدين بالقياس ; لكان المسح على ~~باطن الخف أولى من ظاهره) . # وروي عن ابن عباس أنه قال: إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~{وأن احكم بينهم بما أنزل الله} ، ولم يقل بما رأيت، ولو جعل لأحد أن يحكم ~~برأيه لجعل ذلك لرسول الله، وقال: إياكم والمقاييس، فإنما عبدت الشمس ~~والقمر بالمقاييس، وقال: (إن الله لم يجعل لأحد أن يحكم في دينه برأيه) . # وروي عن ابن عمر أنه قال: (السنة ما سنه رسول الله، لا تجعلوا الرأي سنة) ~~، وقال أيضا: (إن قوما يفتون بآرائهم لو نزل القرآن لنزل بخلاف ما يفتون) ، ~~وقال أيضا: (اتهموا الرأي على الدين، فإنه منا تكلف وظن وإن الظن لا يغني ~~من الحق شيئا) . # وروي عن ابن مسعود أنه قال: (إذا قلتم في دينكم بالقياس أحللتم ms776 كثيرا مما ~~حرم الله وحرمتم كثيرا مما حلل الله) ، وقال أيضا: (قراؤكم صلحاؤكم يذهبون، ~~ويتخذ الناس رءوسا جهالا يقيسون ما لم يكن بما كان) . # وقالت عائشة: (أخبروا زيد بن أرقم أنه أحبط جهاده مع رسول الله بفتواه ~~بالرأي في مسألة العينة) . # وقد أنكر التابعون ذلك أيضا حتى قال الشعبي: (ما أخبروك عن أصحاب محمد ~~فاقبله وما أخبروك عن رأيهم فألقه في الحش) ، وقال مسروق: (لا أقيس شيئا ~~بشيء أخاف أن تزل قدم بعد ثبوتها) ، وكان ابن سيرين يذم المقاييس ويقول: ~~(أول من قاس إبليس) . # ومع هذه الإنكارات من الصحابة والتابعين فلا إجماع. # سلمنا أنه لم يظهر النكير في ذلك، لكن لا يلزم منه أن يكون سكوت الباقين ~~عن موافقة، لما ذكر في الإجماع # PageV04P047 # سلمنا أنه موافقة، لكنه لا حجة في إجماع الصحابة. # وكيف يقال بذلك، وقد عدلوا عما أمروا به ونهوا عنه وتجبروا وتآمروا ~~وجعلوا الخلاف طريقا إلى أغراضهم الفاسدة؟ حتى جرى بينهم ما جرى من الفتن ~~والحروب وتألبوا على أهل البيت، وكتموا النص على علي رضي الله عنه وغصبوه ~~الخلافة، ومنعوا فاطمة إرثها من أبيها المنصوص عليه في كتاب الله برواية ~~انفرد بها أبو بكر، وعدلوا عن طاعة الإمام المعصوم المحيط بجميع النصوص ~~الدالة على جميع الأحكام الشرعية، إلى غير ذلك من الأمور التي لا يجوز معها ~~الاحتجاج بأقوالهم، وهذا السؤال مما أورده الرافضة. # سلمنا أن قول البعض بالقياس وسكوت الباقين حجة، لكنها حجة ظنية على ما ~~سبق في الإجماع، وكون القياس حجة أمر قد تعبدنا فيه بالعلم، فلا يكون ~~مستفادا من الدليل الظني. # سلمنا صحة الاحتجاج به، ولكن ما المانع أن يكون عملهم بالقياس المنصوص ~~على علته، ونحن نقول به كما قاله النظام والقاشاني والنهرواني. # سلمنا عملهم بكل قياس، لكن لم قلتم إنه إذا جاز العمل بالقياس للصحابة ~~جاز ذلك لمن بعدهم ; وذلك لأن الصحابة لما كانوا عليه من شدة اليقين ~~والصلابة في الدين ومشاهدة الوحي والتنزيل وكثرة التحفظ في أمور دينهم، حتى ~~نقل عنهم قتل الأباء والأبناء ms777 وبذل الأنفس والأموال ومهاجرة الأهل والأوطان ~~في نصرة الدين، حتى ورد في حقهم من التفضيل والتعظيم في الكتاب والسنة ما ~~لم يرد مثله في حق غيرهم على ما ذكر في الإجماع، وعند ذلك فلا يلزم من جواز ~~عملهم بالقياس جوازه لغيرهم. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على صحة القياس وأنا متعبدون به لكنه معارض ~~بالكتاب والسنة. # أما الكتاب فقوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله} ، والحكم بالقياس تقدم بين يدي الله ورسوله ; لأنه حكم بغير ~~قوليهما. # وقوله تعالى: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ، وقوله تعالى: {ولا ~~تقف ما ليس لك به علم} ، والحكم بالقياس قول بما لا يعلم. # PageV04P048 # وقوله تعالى: {إن الظن لا يغني من الحق شيئا} ، وقوله تعالى: {إن بعض ~~الظن إثم} ، وقوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} ، والحكم بالقياس ~~حكم بغير ما أنزل الله. # وقوله تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} ، وقوله تعالى: ~~{فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ، والحكم بالقياس لا يكون ~~حكما لله ولا مردودا إليه. # وقوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} ، وقوله تعالى: {ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين} ، وذلك يدل على أنه لا حاجة إلى القياس. # وأما من جهة السنة فما روى عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ستفترق ~~أمتي فرقا أعظمها فتنة الذين يقيسون الأمور بالرأي» " (1) وأيضا ما روى أبو ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " «تعمل هذه ~~الأمة برهة بكتاب الله، وبرهة بسنة رسول الله، وبرهة بالرأي فإذا فعلوا ذلك ~~ضلوا وأضلوا» " (2) ، وذلك يدل على أن القياس والعمل بالرأي غير صحيح. # والجواب: قولهم لا نسلم أن أحدا من الصحابة عمل بالقياس، قلنا: دليله ما ~~ذكرناه. # قولهم: يحتمل أن يكون عملهم بدلالات النصوص الخفية. # قلنا: لو كان كذلك لظهر المستند واشتهر على ما قررناه. # قولهم: ولو كان ذلك لمحض القياس لأظهروا العلل الجامعة وصرحوا بها كما في ~~النصوص. # قلنا: ms778 منهم من صرح كتصريح أبي بكر في التسوية في العطاء بين المهاجرين ~~وغيرهم، وهو قوله: " إنما الدنيا بلاغ " وتصريح علي في قياسه حد شارب الخمر ~~على حد القاذف بواسطة الاشتراك في الافتراء، وتصريح عثمان وعبد الرحمن بن ~~عوف في إلحاقهم عمر في صورة المرأة التي أجهضت الجنين بالمؤدب بواسطة ~~التأديب. # ومنهم من اعتمد في التنبيه عليها بفتواه، وجري العادة بفهم المستمع وجه ~~المأخذ والشبه بين محل النزاع ومحل الإجماع، ولهذا فإن العادة جارية من بعض ~~PageV04P049 # الملوك بقتل الجاسوس إذا ظفر به ; زجرا له ولغيره عن التجسس عليه، وعادة ~~البعض الإحسان إليه لاستمالته له حتى يدله على أحوال عدوه، فإذا رأينا ملكا ~~قد قتل جاسوسا أو أحسن إليه، ولم نعهد من عادته قبل ذلك شيئا كان ذلك كافيا ~~في التنبيه على رعاية العلة الموجبة للقتل أو الإحسان في محل الوفاق، ولا ~~كذلك النصوص فإن الأذهان غير مستقلة بمعرفتها، فدعت الحاجة إلى التصريح ~~بها. # وعلى هذا فمن قال منهم في قوله: " أنت علي حرام ": إنه طلاق ثلاث نبه على ~~أن مطلق التحريم يقتضي نهاية التحريم، وذلك مشترك بينه وبين الطلاق الثلاث، ~~فلذلك عدى الطلاق الثلاث إليه. # ومن جعله طلقة واحدة نبه على أنه اعتبر فيه أقل ما يثبت معه التحريم، ~~فلذلك ألحقه بالطلقة الواحدة، ومن جعله ظهارا ألحقه بالظهار من حيث إنه ~~يفيد التحريم بلفظ ليس هو لفظ الطلاق، ولا لفظ الإيلاء. # ومن شرك بين الجد وابن الابن نبه على أن العلة في ذلك استواؤهما في ~~الإدلاء إلى الميت في طرفي العلو والسفل، ولهذا شبههما بغصني شجرة وجدولي ~~نهر. # ومن ذلك تنبيه عمر في قياسه الخمور على الشحوم على أن العلة في تحريم ~~أثمانها تحريمها. # ومن ذلك التنبيه في التشريك بين الإخوة من الأب والأم والإخوة من الأم ~~على أن العلة الاشتراك في جهة الأمومة إلى غير ذلك من التنبيهات. # ويدل على ما ذكرناه لبعض أكثر الصحابة فيما عملوا به بالرأي. # قولهم: اجتهاد الرأي أعم من القياس. # قلنا: وإن كان الأمر على ms779 ما قيل، غير أنا قد بينا أنه لم يكن ذلك مستندا ~~إلى النصوص، فتعين استناده إلى القياس والاستنباط (1) . # قولهم: لا نسلم عمل الكل بالقياس. PageV04P050 # قلنا: وإن عمل به البعض، فقد بينا أنه لم يوجد من الباقين في ذلك نكير ~~فكان إجماعا. # قولهم: قد وجد الإنكار، لا نسلم ذلك، وما ذكروه من صور الإنكار فهي ~~منقولة عمن نقلنا عنهم القول بالرأي والقياس، فلا بد من التوفيق بين ~~النقلين لاستحالة الجمع بينهما والعمل بأحدهما من غير أولوية، وعند ذلك ~~فيجب حمل ما نقل عنهم من إنكار العمل بالرأي والقياس على ما كان من ذلك ~~صادرا عن الجهال، ومن ليس له رتبة الاجتهاد، وما كان مخالفا للنص، وما ليس ~~له أصل يشهد له بالاعتبار، وما كان على خلاف القواعد الشرعية وما استعمل من ~~ذلك فيما تعبدنا فيه بالعلم دون الظن جمعا بين النقلين، هذا من جهة ~~الإجمال. # وأما من جهة التفصيل: أما قول أبي بكر: " أي سماء تظلني وأي أرض تقلني ~~إذا قلت في كتاب الله برأيي " فإنما أراد به قوله في تفسير القرآن، ولا شك ~~أن ذلك مما لا مجال للرأي فيه لكونه مستندا إلى محض السمع عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم، وأهل اللغة بخلاف الفروع الشرعية. # وأما قول عمر: " إياكم وأصحاب الرأي " الخبر إلى آخره، فإنما قصد به ذم ~~من ترك الأحاديث وحفظ ما وجد منها وعدل إلى الرأي مع أن العمل به مشروط ~~بعدم النصوص. # وقوله: (إياكم والمكايلة) أي المقايسة، فالمراد به المقايسة الباطلة لما ~~ذكرناه. # وأما قوله لأبي موسى الأشعري (1) فإنما يفيد أن لو لم يكن القياس مما ~~أجمع عليه أهل العلم، وإلا فبتقدير أن يكون واجدا له ; فلا. PageV04P051 # وقول علي لعمر في مسألة الجنين لا يدل على أن كل اجتهاد خطأ، ونحن لا ~~ننكر الخطأ في بعض الاجتهادات كما سبق تعريفه. # وأما قول عثمان وعلي: " لو كان الدين بالقياس " الخبر، فيجب حمله على أنه ~~لو كان جميع الدين بالقياس، لكان المسح على باطن الخف أولى من ظاهره، ms780 ويكون ~~المقصود منه أنه ليس كل ما أتت به السنن على ما يقتضيه القياس. # وأما قول ابن عباس " إن الله قال لنبيه " الخبر، ليس فيه ما يدل على عدم ~~الحكم بالقياس إلا بمفهومه وليس بحجة على ما سبق بيانه. # وقوله: (إياكم والمقاييس) يجب حمله على المقاييس الفاسدة كالمقاييس التي ~~عبدت بها الشمس والقمر وغير ذلك مما بيناه لما سلف من الجمع بين النقلين. # وقوله: " إن الله لم يجعل لأحد أن يحكم في دينه برأيه " يجب حمله على ~~الرأي المجرد عن اعتبار الشارع له لما سبق. # وأما قول ابن عمر: " السنة ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم " فإنما ~~ينفع أن لو كان القياس ليس مما سنه الرسول. # وقوله: " لا تجعلوا الرأي سنة " أراد به الرأي الذي لا اعتبار له، وإلا ~~فالرأي المعتبر من السنة لا يكون خارجا عن السنة. # وقوله: " إن قوما يفتون بآرائهم " الخبر، ليس فيه ما يدل على أن كل من ~~أفتى برأيه يكون كذلك، ونحن لا ننكر أن بعض الآراء باطل. # وقوله: " اتهموا الرأي على الدين " غايته الدلالة على احتمال الخطأ فيه، ~~وليس فيه ما يدل على إبطاله. # وقوله: (وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) المراد به استعمال الظن في مواضع ~~اليقين لا أن المراد به إبطال الظن بدليل صحة العمل بظواهر الكتاب والسنة ~~(1) . # وأما قول ابن مسعود: (إذا قلتم في دينكم بالقياس. . .) الخبر، يجب حمله ~~على القياس الفاسد لما سبق، وقوله: " ويتخذ الناس رءوسا جهالا " إلى آخره ~~فالمراد PageV04P052 # به أيضا القياس الباطل، ولهذا وصفهم بكونهم جهالا. # وعلى ذلك يجب حمل قول عائشة في حق زيد بن أرقم، وكذلك قول الشعبي ومسروق ~~وابن سيرين، جمعا بين النقلين كما سبق تقريره. # قولهم: لا نسلم أن السكوت يدل على الموافقة. # قلنا: دليله ما سبق في مسائل الإجماع. # قولهم: لا نسلم أن إجماع الصحابة حجة قد دللنا عليه في مسائل الإجماع ~~أيضا، وما ذكروه من الفوادح في الصحابة فمن أقوال المبتدعة الزائغين ~~كالنظام ومن تابعه من الرافضة الضلال، ms781 وقد أبطلنا ذلك كله في كتاب (أبكار ~~الأفكار) في المواضع اللائقة بذلك (1) . # قولهم: إنه حجة ظنية، قلنا: والمسألة أيضا عندنا ظنية. # قولهم: ما المانع أن يكون عملهم بالأقيسة المنصوص على عللها؟ # عنه أجوبة ثلاثة: # الأول: أنه لو كان ثم نص لنقل كما ذكرناه في النصوص الدالة على الأحكام. # الثاني: أنه إذا كانت العلة منصوصة، فإن لم يرد التعبد بإثبات الحكم بها ~~في غير محل النص، فيمتنع إثباته لما يأتي في المسألة التي بعدها، وإن ورد ~~الشرع بذلك فالحكم يكون في الفرع ثابتا بالاستدلال، أي بعلة منصوصة لا ~~بالقياس على ما يأتي تقريره، وعلى هذا فلا يكونون عاملين بالقياس. # الثالث: أن ذلك يكون حجة على من أنكر القياس مطلقا وإن لم يكن حجة على ~~النظام والقائلين بقوله. # قولهم: لا يلزم أن يكون القياس حجة بالنسبة إلى غير الصحابة. # قلنا: القائل قائلان: قائل يقول بالقياس مطلقا بالنسبة إلى الكل، وقائل ~~بنفيه مطلقا بالنسبة إلى الكل، وقد اتفق الفريقان على نفي التفصيل (2) ، ~~كيف وإنه حجة على من قال بنفيه مطلقا. PageV04P053 # وما ذكروه من المعارضة أما الآية الأولى فإنما تفيد أن لو لم يكن القياس ~~مما عرف التعبد به من الله تعالى ورسوله، وعند ذلك فيتوقف كون العمل ~~بالقياس تقدما بين يدي الله ورسوله على كون الحكم به غير مستفاد من الله ~~ورسوله، وذلك متوقف على كون الحكم به تقدما بين يدي الله ورسوله، فلا يكون ~~حجة. # وأما الآية الثانية والثالثة فجوابهما من ثلاثة أوجه: # الأول: أنا نقول بموجب الآيتين، وذلك لأنا إذا حكمنا بمقتضى القياس عند ~~ظننا به، فحكمنا به يكون معلوم الوجوب لنا بالإجماع لا أنه غير معلوم. # الثاني: أنه يجب حمل الآيتين على النهي عن القول بما ليس بمعلوم على ما ~~تعبدنا فيه بالعلم جمعا بينهما، وبين ما ذكرناه من الأدلة. # الثالث: أن الآيتين حجة على الخصوم في القول بإبطال القياس، إذا هو غير ~~معلوم لهم لكون المسألة غير علمية، فكانت مشتركة الدلالة. # وبمثل هذه الأجوبة يكون الجواب عن قوله تعالى: ms782 {وإن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا} ، وقوله: {إن بعض الظن إثم} ، وأما قوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما ~~أنزل الله} ، فنحن نقول بموجبه فإن من حكم بما هو مستنبط من المنزل فقد حكم ~~بالمنزل، كيف وأن ذلك مع الرسول؟ ولا يلزم من امتناع ذلك في حق الرسول ~~لإمكان تعرفه أحكام الوقائع بالوحي امتناع ذلك في حق غيره (1) . # وقوله تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} ، وقوله: {فردوه ~~إلى الله والرسول} غير مانع من القياس ; لأن العمل بالمستنبط من قول الله ~~وقول الرسول حكم من الله ورد إليه وإلى الرسول. # وأما من قال بإبطال القياس، فلم يعمل بقول الله وقول الرسول ولا بما ~~استنبط منهما، فكان ذلك حجة عليه لا له. # وقوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} ، PageV04P054 # وقوله: {ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} . # فالمراد به أن الكتاب بيان لكل شيء إما بدلائل ألفاظه من غير واسطة، وإما ~~بواسطة الاستنباط منه أو دلالته على السنة والإجماع الدالين على اعتبار ~~القياس، فالعمل بالقياس يكون عملا بما بينه الكتاب لا أنه خارج عنه. # كيف وإنه مخصوص بالإجماع، فإنا نعلم عدم اشتماله على تعريف العلوم ~~الرياضية من الهندسية والحسابية، بل وكثير من الأحكام الشرعية (1) كمسائل ~~الجد والإخوة، وأنت علي حرام، والمفوضة، ومسائل العول ونحوه، وعند ذلك فيجب ~~حمله على أن ما اشتمل عليه الكتاب من الأحكام المبينة به لا تفريط فيها ; ~~حذرا من مخالفة عموم اللفظ. # وأما ما ذكروه من السنة في ذم الرأي، فيجب حمله على الرأي الباطل كما ~~ذكرناه جمعا بين الأدلة. ### | [المسألة الثالثة نص الشارع على علة الحكم هل يكفي ذلك في تعدية الحكم بها إلى غير محل الحكم المنصوص] # المسألة الثالثة # إذا نص الشارع على علة الحكم، هل يكفي ذلك في تعدية الحكم بها إلى غير ~~محل الحكم المنصوص دون ورود التعبد بالقياس بها؟ # اختلفوا فيه، فقال أبو إسحاق الإسفراييني وأكثر أصحاب الشافعي وجعفر بن ~~مبشر وجعفر بن حرب وبعض أهل الظاهر: لا ms783 يكفي ذلك. # وقال أحمد بن حنبل والنظام والقاشاني والنهرواني وأبو بكر الرازي من ~~أصحاب أبي حنيفة والكرخي: يكفي ذلك في إثبات الحكم بها أين وجدت وإن لم ~~يتعبد بالقياس بها. # وقال أبو عبد الله البصري: إن كانت العلة المنصوص عليها علة للتحريم وترك ~~الفعل كان التنصيص عليها كافيا في تحريم الفعل بها أين وجدت وإن كانت علة ~~لوجوب الفعل أو ندبه لم يكن ذلك كافيا في إيجاب الفعل بها ولا في ندبه أين ~~وجدت دون ورود التعبد بالقياس ; لأن من تصدق على فقيره لفقره بدرهم ; لا ~~يجب أن يتصدق على كل فقير، ومن أكل شيئا من السكر لأنه حلو PageV04P055 # لا يجب عليه أن يأكل كل سكر، وهذا بخلاف من ترك أكل رمانة لحموضتها، فإنه ~~يجب عليه أن يترك كل رمانة حامضة. # والمختار هو القول الأول ; لأنه إذا قال الشارع: حرمت الخمر لأنه مسكر ~~ولم يرد التعبد بإثبات التحريم بالمسكر في غير الخمر، فالقضاء بالتحريم في ~~غير الخمر كالنبيذ إما أن يكون ذلك ; لأن اللفظ اقتضى بعمومه تحريم كل ~~مسكر، وأن قوله حرمت الخمر ; لأنه مسكر نازل منزلة قوله: حرمت كل مسكر كما ~~قاله النظام ومن قال بمقالته، وإما لوجود العلة في غير الخمر لعدم إمكان ~~قسم ثالث. # فإن كان الأول، فهو ممتنع من حيث إن قوله حرمت الخمر لإسكاره، لا دلالة ~~له من جهة اللغة على تحريم كل مسكر كدلالة قوله: حرمت كل مسكر، ولهذا فإنه ~~لو قال: أعتقت عبيدي السودان عتق كل عبد أسود له، ولو قال: أعتقت سالما ~~لسواده، فإنه لا يعتق كل عبد له أسود وإن كان أشد سوادا من سالم، وكذلك إذا ~~قال لوكيله: بع سالما لسوء خلقه لم يكن له التصرف في غيره من العبيد ~~بالبيع، وإن كان أسوأ خلقا من سالم. # وإن كان الثاني، فهو ممتنع لوجهين: # الأول: أنه لو كان وجود ما نص على عليته كافيا في إثبات الحكم أينما وجدت ~~العلة دون التعبد بالقياس للزم من قوله: أعتقت سالما لسواده عتق غانم ms784 إذا ~~كان مشاركا له في السواد، وهو ممتنع. # الثاني: أنه من الجائز أن يكون ما وقع التنصيص عليه هو عموم الإسكار، ومن ~~الجائز أن يكون خصوص إسكار الخمر لما علم الله فيه من المفسدة الخاصة به ~~التي لا وجود لها في غير الخمر. # وإذا احتمل واحتمل فالتعدية به تكون ممتنعة، إلا أن يرد التعبد بالتعدية. # فإن قيل: لم قلتم إن اللفظ لا يقتضي بعمومه تحريم كل مسكر، وقوله: أعتقت ~~عبدي سالما لسواده دال على عتق غانم أيضا إذا كان أسود، ولهذا فإن أهل ~~اللسان وكل عاقل يناقضه في ذلك عند عدم إعتاقه، ويقول له فغانم أيضا أسود، ~~فلم خصصت سالما بالعتق؟ # PageV04P056 # وكذلك القول في قوله لوكيله: بع سالما لسواده. # هذا بالنظر إلى المفهوم من اللفظة لغة، وحيث لم يقع العتق بغير سالم ولا ~~جاز بيعه شرعا فإنما كان لأن اللفظ وإن كان له على ذلك دلالة، لكنها غير ~~صريحة، فالشارع قيد التصرف في أملاك العبيد بصريح القول، نظرا لهم في عاقبة ~~الأمر لجواز طرو الندم والبداء عليهم بخلاف تصرف الشارع في الأحكام ~~الشرعية. # ولهذا فإنه لو قال الشارع: حرمت الخمر لإسكاره، وقيسوا عليه كل مسكر لزم ~~منه تحريم كل مسكر، ولو قال لوكيله: بع سالما لسواده وقس عليه كل أسود، ~~فإنه لا ينفذ تصرفه بذلك. # وإن سلمنا أنه لا عموم في اللفظ، ولكن لما قلتم إنه يمتنع إثبات الحكم ~~لوجود العلة وما ذكرتموه من الوجه الأول، فالعذر عنه ما ذكرناه من تقييد ~~الشارع التصرف في أملاك العبيد بصريح القول دون غيره. # وما ذكرتموه من الوجه الثاني فغير صحيح لستة أوجه: الأول: أن العرف شاهد ~~بأن الأب إذا قال لولده: لا تأكل هذا فإنه مسموم، وكل هذا لأنه غذاء نافع، ~~فإنه يفهم منه المنع من أكل كل طعام مسموم وجواز أكل كل غذاء نافع، ولو ~~أمكن أن يكون لخصوص الإضافة تأثير أو احتمل أن تكون داخلة في التعليل لما ~~تبادر إلى الفهم التعميم من ذلك، والأصل تنزيل التصرفات الشرعية على وفق ms785 ~~التصرفات العرفية. # الثاني: أن الغالب من العلة المنصوص عليها أن تكون مناسبة للحكم حتى تخرج ~~عن التعبد، ولا مناسبة في خصوص إضافة الإسكار إلى الخمر، بل المناسبة في ~~كونه مسكرا. # الثالث: أنه لو لم يكن الوصف المنصوص عليه علة بعمومه بحيث يثبت به الحكم ~~في موضع آخر، بل العلة خصوص إضافة ذلك الوصف إلى محله، لم يكن للتنصيص عليه ~~فائدة ; وذلك لأن اختصاص الخمر بوصف الإسكار ملازم له غير مفارق فكان يكفيه ~~أن يقول حرمت الخمر لا غير. # الرابع: أن أخذ خصوص إضافة الوصف المنصوص على عليته في التعليل على خلاف ~~الظاهر في جميع التعاليل ; ولهذا فإن عقلاء العرب ما نطقوا بعلة إلا ~~وطردوها # PageV04P057 # في غير المحل الذي أضافوها إليه، ولهذا فإنهم إذا قالوا: اضرب هذا الأسود ~~لكونه سارقا، فإنهم يلغون خصوص إضافة السرقة إلى الأسود، حتى إن السرقة لو ~~وجدت من أبيض كانت مقتضية لضربه. # الخامس: أنه لو أمكن أخذ خصوص إضافة الصفة إلى محلها في التعليل لما صح ~~قياس أصلا، وذلك ممتنع. # السادس: أنه إذا قال الشارع: حرمت التأفيف للوالدين، فإنه يفهم منه كل ~~عاقل تحريم ضربهما لما كان الشارع مومئا إلى العلة - وهي كف الأذى عنهما - ~~فإذا صرح بالعلة ونص عليها كان ذلك أولى بالتعدية، ولو كان لخصوص الأذى ~~بالتأفيف مدخل في التعليل، لما فهم تحريم الضرب. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على امتناع التعدية فيما إذا قال: حرمت الخمر ~~لكونها مسكرة، لكنه غير مطرد فيما إذا قال: علة تحريم الخمر الإسكار، حيث ~~إنه لا إضافة. # والجواب: (1) قولهم: لم قلتم إن اللفظ بعمومه لا يقتضي ذلك، قلنا: (2) . # قولهم: إن قوله أعتقت سالما لسواده مقتض بلفظه عتق غيره من العبيد ~~السودان غير صحيح، فإن اللفظ الدال على العتق إنما هو قوله: أعتقت سالما، ~~وذلك لا دلالة له على غيره، وإن قيل: إنه يدل عليه من جهة التعليل، فهو عود ~~إلى الوجه الثاني. # قولهم: إن العقلاء يناقضونه في ذلك بغانم. # قلنا: ليس ذلك بناء على عموم لفظ العتق لهما، وإنما ms786 ذلك منهم طلبا لفائدة ~~التخصيص لسالم بالعتق مع ظنهم عموم العلة التي علل بها، وإذا بطل القول ~~بتعميم اللفظ، فالعتق يكون منتفيا في غانم لعدم دلالة اللفظ على عتقه (3) ~~لا لما ذكروه PageV04P058 # كيف وإنه يجب اعتقاد ذلك حتى لا يلزم منه نفي العتق مع وجود دليله في حق ~~غانم ; لأنه لو دل اللفظ عليه لكان الأصل اعتبار لفظه في مدلوله نظرا إلى ~~تحصيل مصلحة العاقل التي دل لفظه عليها. # قولهم: إنه لو قال لوكيله: بع سالما لسواده، وقس عليه كل أسود من عبيدي ~~لا ينفذ تصرفه في غير سالم. # لا نسلم ذلك، فإنه لو قال له: مهما ظهر لك من إرادتي ورضائي بشيء ~~بالاستدلال دون صريح المقال فافعله، فله فعله. # فإذا قال له: أعتق سالما لسواده، وقس عليه غيره، فإذا ظهر أن العلة ~~السواد الجامع بين سالم وغانم وأنه لا فارق بينهما، فقد ظهر له إرادته لعتق ~~غانم، فكان له عتقه. # قولهم: لم قلتم بامتناع الحكم لوجود العلة؟ # قلنا: لما ذكرناه من الوجهين، وما ذكروه على الوجه الأول، فإنما يصح أن ~~لو كان ما ذكروه من العلة موجبا للحكم في غير محل النص، ويجب اعتقاد انتفاء ~~الحكم لانتفاء العلة ; حذرا من التعارض فإنه على خلاف الأصل. # والجواب عما ذكروه على الوجه الثاني من الإشكال الأول، أنا إنما قضينا ~~فيما ذكروه بالتعميم نظرا إلى حال الآباء مع الأبناء، وأنهم لا يفرقون في ~~حقهم بين سم وسم، وغذاء نافع وما في معناه من الأغذية النافعة، وهذا بخلاف ~~ما إذا حرم الله شيئا أو أوجبه، فإن العادة الشرعية مطردة بإباحة مثل ما ~~حرم وتحريم مثل ما أوجب، حتى أنه يوجب الصوم في نهار رمضان، ويحرمه في يوم ~~العيد، ويبيح شرب الخمر في زمان ويحرمه في زمان، ويوجب الغسل من بول الصبية ~~والرش من بول الغلام، ويوجب الغسل من المني دون البول والمذي مع اتحاد ~~مخرجهما، ويوجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة، ويبيح النظر إلى وجه ~~الرقيقة الحسناء دون الحرة العجوز الشوهاء، إلى ms787 غير ذلك مما ذكرناه فيما ~~تقدم من التفرقة بين المتماثلات وعلى عكسه الجمع بين المختلفات (1) ~~PageV04P059 # وذلك لما علمه الله تعالى من اختصاص أحد المثلين بمصلحة مقارنة لزمانه لا ~~وجود لها في مثله (1) ، إذ ليست المصالح والمفاسد من الأمور التابعة لذوات ~~الأوصاف وطباعها حتى تكون لازمة لها، بل ذلك مختلف باختلاف الأوقات، هذا ~~كله إن قلنا بوجوب رعاية المصالح وإلا فلله أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ~~(2) . # وعن الإشكال الثاني: أن النظر في التعليل إلى مناسبة القدر المشترك ~~وإلغاء ما به الافتراق من الخصوصية، إما أن يكون دالا على وجوب الاشتراك ~~بين الأصل والفرع أو لا يكون موجبا له، فإن كان موجبا فهو دليل التعبد ~~بالقياس، والتنصيص على العلة دونه لا يكون كافيا في تعدية الحكم وهو ~~المطلوب، وإن لم يكن موجبا للتعدية فلا أثر لإيراده. # وعن الإشكال الثالث: بأن فائدة التنصيص على العلة أن تعلم حتى يكون الحكم ~~معقول المعنى، إن كان الوصف مناسبا للحكم فإنه يكون أسرع في الانقياد ~~PageV04P060 # وأدعى إلى القبول وأن ينتفي الحكم في محل التنصيص عند انتفائها، ولمثل ~~هذه الفائدة يكون التنصيص على الوصف وإن لم يكن مناسبا للحكم. # وعن الإشكال الرابع: ما ذكرناه في حل الإشكال الأول. # وعن الإشكال الخامس: أنه لا يلزم من إمكان أخذ خصوص المحل في التعليل ~~إبطال القياس لجواز أن يقوم الدليل على إبطال أخذه في التعليل في آحاد ~~الصور، ومهما لم يقم الدليل على ذلك فالقياس يكون متعذرا. # وعن السادس: أنه إنما فهم تحريم ضرب الوالدين من تحريم التأفيف لهما، ~~نظرا إلى القرينة الدالة على ذلك من إنشاء الكلام وسياقه لقصد إكرام ~~الوالدين ودفع الأذى عنهما. # ولا يخفى أن اقتضاء ذلك لتحريم الضرب أشد منه لتحريم التأفيف، ولذلك كان ~~سابقا إلى الفهم من تحريم التأفيف والتنبيه بالأدنى على الأعلى. # أما أن يكون ذلك مستفادا من نفس اللفظ والتنصيص على العلة بمجرده، فلا. # وعن الإشكال الأخير أنه مهما قال جعلت شرب المسكر علة للتحريم ; فالحكم ~~يكون ثابتا في كل صورة ms788 وجد فيها شرب المسكر بالعلة المنصوص عليها بجهة ~~العموم حتى في الخمر، وذلك من باب الاستدلال لا من باب القياس فإنه ليس ~~قياس بعض المسكر هاهنا على البعض أولى لتساوي نسبة العلة المنصوصة إلى ~~الكل، ولا كذلك فيما نحن فيه. # وعلى هذا فلا معنى لما ذكره أبو عبد الله البصري من التفصيل بين الفعل ~~والترك، وذلك لأنه لا مانع ولا بعد في تحريم الخمر لشدة الخمر خاصة دون ~~غيره من المسكرات، ولعلم الله باختصاصه بالحكمة الداعية إلى التحريم وأن ~~يشرك بين المتماثلات في إيجاب الفعل أو تركه أو ندبه لعلمه باشتراكها في ~~الحكمة الداعية إلى الإيجاب والندب. # وأما من أكل سكرا فلم يأكله لمجرد حلاوته بل لحلاوته وصدق شهوته عند فراغ ~~معدته، فإذا زالت الشهوة بالأكل وامتلأت المعدة وتبدلت الحالة الأولى إلى ~~مقابلها ; امتنع لزوم الأكل لكل سكر مرة بعد مرة حتى إنه لو لم تتبدل الحال ~~لعم ذلك كل سكر وحلو. # PageV04P061 ### | [المسألة الرابعة إثبات الحدود والكفارات بالقياس] # المسألة الرابعة # مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر الناس جواز إثبات الحدود والكفارات ~~بالقياس خلافا لأصحاب أبي حنيفة. # ودليل ذلك النص والإجماع والمعقول. # أما النص: فتقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ في قوله: " «أجتهد ~~رأيي» " (1) مطلقا من غير تفصيل وهو دليل الجواز، وإلا لوجب التفصيل لأنه ~~في مظنة الحاجة إليه، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع. # وأما الإجماع: فهو أن الصحابة لما اشتوروا في حد شارب الخمر قال علي رضي ~~الله عنه: ( «إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى ; فحدوه حد ~~المفتري» ) (2) قاسه على حد المفتري، ولم ينقل عن أحد من الصحابة في ذلك ~~نكير، فكان إجماعا. # وأما المعقول: فهو أنه مغلب على الظن، فجاز إثبات الحد والكفارة به لقوله ~~عليه السلام: " «نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر» "، وقياسا على خبر ~~الواحد (3) فإن قيل: ما ذكرتموه من الدلائل ظنية، والمسألة أصولية قطعية، ~~فلا يسوغ التمسك بالظن فيها. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على المطلوب، ولكنه معارض بما يدل على ms789 عدمه، وذلك ~~من ثلاثة أوجه: # الأول: أن الحدود والكفارات من الأمور المقدرة التي لا يمكن تعقل المعنى ~~الموجب لتقديرها، والقياس فرع تعقل علة حكم الأصل، فما لا تعقل له من ~~الأحكام علة ; فالقياس فيه متعذر كما في أعداد الركعات وأنصبة الزكاة ~~ونحوها. # الثاني: أن الحدود عقوبات وكذلك الكفارات فيها شائبة العقوبة، والقياس ~~PageV04P062 # مما يدخله احتمال الخطأ، وذلك شبهة والعقوبات مما تدرأ بالشبهات لقوله ~~عليه السلام: " «ادرءوا الحدود بالشبهات» " (1) . # الثالث: أن الشارع قد أوجب حد القطع بالسرقة ولم يوجبه بمكاتبة الكفار مع ~~أنه أولى بالقطع وأوجب الكفارة بالظهار لكونه منكرا وزورا ولم يوجبها في ~~الردة مع أنها أشد في المنكر وقول الزور، فحيث لم يوجب ذلك فيما هو أولى دل ~~على امتناع جريان القياس فيه. # والجواب عن الأول: لا نسلم أن المسألة قطعية. # وعن المعارضة الأولى: أن الحكم المعدى من الأصل إلى الفرع إنما هو وجوب ~~الحد والكفارة من حيث هو وجوب، وذلك معقول بما علم في مسائل الخلاف لا أنه ~~مجهول. # وعن الثانية: لا نسلم احتمال الخطأ في القياس على قولنا إن كل مجتهد ~~مصيب، وإن سلمنا احتمال الخطأ فيه لكن لا نسلم أن ذلك يكون شبهة مع ظهور ~~الظن الغالب بدليل جواز إثبات الحدود والكفارات بخبر الواحد مع احتمال ~~الخطأ فيه لما كان الظن فيه غالبا. # وعن الثالثة: من وجهين: # الأول: أن غاية ما يقدر أن الشارع قد منع من إجراء القياس في بعض صور ~~وجوب الحد والكفارة، وذلك لا يدل على المنع مطلقا، بل يجب اعتقاد اختصاص ~~تلك الصور بمعنى لا وجود له في غيرها ; تقليلا لمخالفة ما ذكرناه من ~~الأدلة. PageV04P063 # الثاني الفرق، وذلك إما بين السرقة، ومكاتبة الكفار ; فلأن داعية الأراذل ~~وهم الأكثرون متحققة بالنسبة إليها، فلولا شرع القطع لكانت مفسدة السرقة ~~مما تقع غالبا، ولا كذلك في مكاتبة الكفار. # وإما بين الظهار والردة فهو أن الحاجة إلى شرع الكفارة في الردة دون ~~الحاجة إلى شرعها في الظهار، وذلك لما ترتب على الردة من شرع القتل الوازع ms790 ~~عنها بخلاف الظهار، وربما أورد الأصحاب مناقضة على أصحاب أبي حنيفة في ~~منعهم من إيجاب الكفارة بالقياس بإيجاب الكفارة بالأكل والشرب في نهار ~~رمضان بالقياس على المجامع، وهو غير لازم على من قال منهم بذلك، وذلك لأن ~~العلة عندهم في حق المجامع لإيجاب الكفارة مومأ إليها في قصة الأعرابي، وهي ~~عموم الإفساد، فالحكم في الأكل والشرب يكون ثابتا بالاستدلال أي بعلة مومأ ~~إليها لا بالقياس، وذلك لأن القياس لا بد فيه من النظر إلى حكم الأصل، إذ ~~هو أحد أركان القياس لضرورة اعتبار العلة الجامعة، والعلة إذا كانت منصوصة ~~أو مومأ إليها، فقد ثبت اعتبارها بالنص لا بحكم الأصل، ومهما كان الحكم في ~~الأصل غير ملتفت إليه في اعتبار العلة لاستقلال النص باعتبارها، فلا يكون ~~الحكم في الفرع بالقياس ; لأن العمل بالقياس لا بد فيه من النظر إلى حكم ~~الأصل. # وقد قيل إنه لا نظر إليه بل غايته أن النص قد دل في الوقاع على الحكم ~~وعلى العلة، فالحكم في الفرع إذا كان بالعلة المنصوصة لا يكون حكما بالقياس ~~ولا بالنص ; لعدم دلالة النص عليه وإن دل على العلة، ولا إجماع لوقوع ~~الخلاف فيه، وما كان ثابتا لا بنص ولا إجماع ولا قياس، فالذي ثبت به هو ~~المعبر عنه بالاستدلال (1) . PageV04P064 ### | [المسألة الخامسة جواز إجراء القياس في الأسباب] # المسألة الخامسة # ذهب أكثر أصحاب الشافعي إلى جواز إجراء القياس في الأسباب، ومنع من ذلك ~~أبو زيد الدبوسي (1) وأصحاب أبي حنيفة وهو المختار. # وصورته إثبات كون اللواط سببا للحد بالقياس على الزنا. # ودليل ذلك أن الحكمة " وهي كونه إيلاج فرج في فرج محرم مشتهى طبعا " التي ~~يكون الوصف سببا بها، وهي الحكمة التي لأجلها يكون الحكم المرتب على الوصف ~~ثابتا، وعند ذلك فقياس أحد الوصفين على الآخر في حكم السببية لا بد وأن ~~يكون لاشتراكهما في حكمة الحكم بالسببية. # وتلك الحكمة إما أن تكون منضبطة بنفسها ظاهرة جلية غير مضطربة وإما أن ~~تكون خفية مضطربة. # فإن كان الأول: فلا يخلو إما أن يقال ms791 بأن الحكمة إذا كانت منضبطة بنفسها ~~يصح الحكم بها أو لا يصح؟ إذ الاختلاف في ذلك واقع، فإن قيل بالأول كانت ~~مستقلة بإثبات الحكم وهو الحد المرتب على الوصف ولا حاجة إلى الوصف المحكوم ~~عليه بكونه سببا للاستغناء عنه، وإن كان الثاني فقد امتنع التعليل والجمع ~~بين الأصل والفرع بها. # وأما إن كانت خفية مضطربة، فإما أن تكون مضبوطة بضابط أو لا، فإن كانت ~~مضبوطة بضابط فذلك الضابط لها هو السبب، وهو القدر المشترك بين الأصل ~~والفرع، ولا حاجة إلى النظر إلى خصوص كل واحد من الوصفين المختلفين وهما ~~الزنا واللواط هنا المقضي على أحدهما بالأصالة والآخر بالفرعية. # وإن لم تكن مضبوطة بضابط، فالجمع بها يكون ممتنعا إجماعا لاحتمال التفاوت ~~فيها بين الأصل والفرع، فإن الحكم مما يختلف باختلاف الصور والأشخاص ~~والأزمان والأحوال. # فإن قيل: ما المانع أن يكون الوصف الجامع بينهما هو الحكمة، وما ذكرتموه ~~من كون الحكمة إذا كانت خفية مضطربة يمتنع الجمع بها ; لاحتمال التفاوت ~~فيها. PageV04P065 # قلنا: احتمال التفاوت وإن كان قائما، غير أن احتمال التساوي راجح وذلك ~~لأنه يحتمل أن تكون الحكمة التي في الفرع مساوية لما في الأصل، ويحتمل أن ~~تكون راجحة ويحتمل أن تكون مرجوحة. # وعلى التقديرين الأولين فالمساواة حاصلة، وزيادة على التقدير الثاني ~~منهما، وإنما تكون مرجوحة على التقدير الثالث، وهو احتمال واحد، ولا يخفى ~~أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب وقوعا من احتمال واحد بعينه، فكان الجمع ~~أولى، ثم كيف وقد جعلتم القتل بالمثقل سببا لوجوب القصاص بالقياس على القتل ~~بالمحدد، وجعلتم اللواط سببا للحد بالقياس على الزنا، وجعلتم النية في ~~الوضوء شرطا لصحة الصلاة بالقياس على نية التيمم؟ (1) . # والجواب: أما ما ذكروه من دليل ظهور التساوي في الحكمة فلا يخلو إما أن ~~يكون ذلك كافيا في الجمع أو لا يكون كافيا، فإن كان كافيا فليجمع بين الأصل ~~والفرع في الحكم المرتب على السبب ولا حاجة إلى الجمع بالسبب وإن لم يكن ~~ذلك كافيا فهو المطلوب. # وما ذكروه من الإلزامات، فلا وجه ms792 لها. # أما قياس القتل بالثقل على المحدد، فلم يكن ذلك في السببية وإنما ذلك في ~~إيجاب القصاص بجامع القتل العمد العدوان، وهو السبب لا غير. # وأما قياس اللواط على الزنا، فإنما كان ذلك في وجوب الحد بجامع إيلاج فرج ~~في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا ; وذلك هو السبب مع قطع النظر عن خصوصية الزنا ~~واللواط. # وأما قياس الوضوء على التيمم فإنما هو في اعتبار النية بجامع الطهارة ~~المقصودة للصلاة، وذلك هو السبب لا أن القياس في الاشتراط. # وعلى هذا النحو كل ما يرد من هذا القبيل. PageV04P066 ### | [المسألة السادسة إجراء القياس في جميع الأحكام الشرعية] # المسألة السادسة # اختلفوا في جواز إجراء القياس في جميع الأحكام الشرعية، فأثبته بعض ~~الشذوذ مصيرا منه إلى أن جميع الأحكام الشرعية من جنس واحد، ولهذا تدخل ~~جميعها تحت حد واحد، وهو حد الحكم الشرعي، وتشترك فيه، وقد جاز على بعضها ~~أن يكون ثابتا بالقياس، وما جاز على بعض المتماثلات كان جائزا على الباقي، ~~وهو غير صحيح. # وذلك أنه وإن دخلت جميع الأحكام الشرعية تحت حد الحكم الشرعي، وكان الحكم ~~الشرعي من حيث هو حكم شرعي جنسا لها غير أنها متنوعة ومتمايزة بأمور موجبة ~~لتنوعها. # وعلى هذا فلا مانع أن يكون ما جاز على بعضها وثبت له أن يكون ذلك له ~~باعتبار خصوصيته وتعينه، لا باعتبار ما به الاشتراك وهو عام لها. # كيف وإن ذلك مما يمتنع لثلاثة أوجه: # الأول: أنا قد بينا امتناع إجراء القياس في الأسباب والشروط، وبينا أن ~~حكم الشارع على الوصف بكونه سببا وشرطا حكم شرعي. # الثاني: أن ذلك إلى أمر ممتنع، فكان ممتنعا. # وبيان لزوم ذلك أن كل قياس لا بد له من أصل يستند إليه - على ما علم - ~~فلو كان كل حكم يثبت بالقياس لكان حكم أصل القياس ثابتا بالقياس، وكذلك حكم ~~أصل أصله، فإن تسلسل الأمر إلى غير النهاية امتنع وجود قياس ما لتوقفه على ~~أصول لا نهاية لها، وإن انتهى إلى أصل لا يتوقف على القياس على أصل آخر، ms793 ~~فهو خلاف الفرض (1) . # الثالث: أن من الأحكام ما ثبت غير معقول المعنى كضرب الدية على العاقلة ~~ونحوه، وما كان كذلك فإجراء القياس فيه متعذر، وذلك لأن القياس فرع تعقل ~~علة حكم الأصل وتعديتها إلى الفرع فما لا يعقل له علة فإثباته بالقياس يكون ~~ممتنعا. PageV04P067 # خاتمة لهذا الباب # القياس مأمور به لقوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} كما سبق ~~تقريره، وهو منقسم إلى واجب ومندوب. # والواجب منه منقسم إلى ما هو واجب على بعض الأعيان، وذلك في حق كل من ~~نزلت به نازلة من القضاة والمجتهدين، ولا يقوم غيره فيها مقامه مع ضيق ~~الوقت. # وإلى ما هو واجب على الكفاية، وذلك بأن يكون كل واحد من المجتهدين يقوم ~~مقام غيره في تعريف حكم ما حدث من الواقعة بالقياس. # وأما المندوب وهو القياس فيما يجوز حدوثه من الوقائع ولم يحدث بعد، فإن ~~المكلف قد يندب إليه ليكون حكمه معدا لوقت الحاجة، وهل يوصف القياس بكونه ~~دينا لله تعالى؟ فذلك مما وصفه به القاضي عبد الجبار مطلقا، ومنع منه أبو ~~الهذيل، وفصل الجبائي بين الواجب والمندوب منه، فوصف الواجب بذلك دون ~~المندوب. # والمختار أن يقال: إن عني بالدين ما كان من الأحكام المقصودة بحكم ~~الأصالة كوجوب الفعل وحرمته ونحوه، فالقياس واعتباره ليس بدين مقصود لنفسه ~~بل لغيره. # وإن عني بالدين ما تعبدنا به كان مقصودا أصليا أو تابعا، فالقياس من ~~الدين لأنا متعبدون به على ما سبق، وبالجملة فالمسألة لفظية. # PageV04P068 ### | [الباب الخامس في الاعتراضات الواردة على القياس وجهات الانفصال عنها] # الباب الخامس # في الاعتراضات الواردة على القياس وجهات الانفصال عنها (1) . ### | [الاعتراض الأول الاستفسار] # أما الاعتراضات الواردة على قياس العلة فخمسة وعشرون اعتراضا. # الاعتراض الأول: الاستفسار # وهو طلب شرح دلالة اللفظ المذكور، وإنما يحسن ذلك إذا كان اللفظ مجملا ~~مترددا بين محامل على السوية، أو غريبا لا يعرفه السامع المخاطب، فعلى ~~السائل (2) بيان كونه مجملا أو غريبا ; لأن الاستفسار عن الواضح عناد أو ~~جهل. # ولهذا قال القاضي أبو بكر: (3) ما ثبت فيه الاستبهام صح ms794 عنه الاستفهام، ~~ولذلك وجب أن يكون سؤال الاستفسار أولا وما سواه متأخرا عنه لكونه فرعا على ~~فهم معنى اللفظ، وصيغه متعددة: PageV04P069 # فمنها (الهمزة) كقوله: " أعندك زيد " وهي الأصل في الاستفسار إذ لا ترد ~~لغيره، بخلاف غيرها من الأسئلة فإنها قد ترد لغير الاستفهام. # فمن ذلك (هل) وهي تلي الهمزة في الرتبة إذ هي أصل في الاستفهام كقولك " ~~هل زيد موجود؟ " ولكنها قد ترد نادرا للتأكيد، كقوله تعالى: {هل أتى على ~~الإنسان حين من الدهر} ، والمراد به: قد أتى. # ومن ذلك (ما) فإنها قد ترد بمعنى الاستفهام كقولك " ما عندك؟ " ولكنها قد ~~ترد للنفي، كقولك " ما رأيت أحدا " وللتعجب كقولك " ما أحسن زيدا! " إلى ~~معان أخر، ولذلك كانت متأخرة في الرتبة عن (هل) . # ومن ذلك (من) وهي قد ترد بمعنى الاستفهام كقولك " من عندك؟ " وقد ترد ~~بمعنى الشرط والجزاء كقوله عليه السلام: " «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» ~~" (1) ، وقد ترد بمعنى الخبر كقولك " جاءني من أحبه " وهي مختصة بمن يعقل ~~دون ما لا يعقل، وهي متأخرة في الرتبة عن (ما) لأن (ما) قد ترد لما لا يعقل ~~كقوله تعالى: {والسماء وما بناها} أي ومن بناها 8 (2) . . # ومن ذلك (أين) وهي سؤال عن المكان، و (متى) عن الزمان، و (كيف) عن ~~الكيفية، و (كم) عن الكمية، و (أي) عن التمييز، والهمزة تقوم مقام الكل في ~~السؤال. # وإذا ثبت أن شرط قبول الاستفسار كون اللفظ مجملا أو غريبا، فيجب على ~~السائل بيان ذلك لصحة سؤاله. # فإن قيل: لا خفاء بأن ظهور الدليل شرط في صحة الدليل كما سبق، وإنما يتم ~~الظهور أن لو لم يكن اللفظ مجملا، فنفي الإجمال إذا شرط في الدليل، وبيان ~~شرط الدليل على المستدل لا على المعترض، قلنا: ظهور الدليل وإن كان متوقفا ~~على نفي الإجمال، غير أن الأصل عدم الإجمال. PageV04P070 # وسؤال الاستفسار يستدعي الإجمال المخالف للأصل، فكان بيانه على المستفهم، ~~ولا تقبل منه دعوى الإجمال بجهة الاشتراك أو الغرابة بناء على أنه لم يفهم ~~منه شيئا فيما ms795 كان ظاهرا مشهورا في ألسنة أهل اللغة والشرع لانتسابه إلى ~~العناد لعدم خفائه عليه في الغالب، لكن إن بين الإجمال بجهة الغرابة بطريقة ~~أو بجهة الاشتراك بسبب تردده بين احتمالين (1) . كفاه ذلك من غير احتياج ~~إلى بيان التسوية بينهما ; لأن الأصل عدم الترجيح ولعدم قدرته على بيان ~~التسوية، وقدرة المستدل على الترجيح. وطريق المستدل في جواب دفع الإجمال ~~بجهة الغرابة (2) . التفسير إن عجز عن إبطال غرابته. # وفي جواب دفع الإجمال بجهة الاشتراك منع تعدد محامل اللفظ إن أمكن أو ~~بيان الظهور في أحد الاحتمالين، وله فيه طريق تفصيلي بالنقل عن أهل الوضع ~~أو الشرع أو ببيان أنه مشهور فيه، والشهرة دليل الظهور والحقيقة غالبا. # وطريق إجمالي، وهو أن يقول: الإجمال على خلاف الأصل لإخلاله بالتفاهم، ~~فيجب اعتقاد ظهوره في أحد الاحتمالين نفيا للإجمال عن الكلام، وهو وإن لزم ~~منه التجوز في أحدهما وهو خلاف الأصل أيضا، غير أن محذور الاشتراك أعظم من ~~محذور التجوز كما سبق تقريره. # وإن تعذر عليه بيان ذلك فقد يقدر على دفع الإجمال أيضا بدعوى كون اللفظ ~~متواطئا فيهما لموافقته لنفي الإجمال والتجوز أو أن يفسر لفظه بما أراد ~~منهما. PageV04P071 ### | [الاعتراض الثاني فساد الاعتبار] # ومعناه أن ما ذكرته من القياس لا يمكن اعتباره في بناء الحكم عليه لا ~~لفساد في وضع القياس وتركيبه. (1) فهو فاسد الاعتبار لعدم صحة الاحتجاج به ~~مع النص المخالف له. # وقد مثل ذلك أيضا (2) بقياس الكافر على المسلم في صحة الطهارة، وقياس ~~الصبي على البالغ في إيجاب الزكاة من جهة ظهور الفرق بين الأصل والفرع، ~~وعلى هذا النحو كل قياس ظهر الفارق فيه بين الأصل والفرع. # وأقرب هذه الأمثلة إنما هو المثال الأول ; لأنه مهما ثبت أن القياس مخالف ~~للنص كان باطلا لما سبق تقريره (3) . # وأما باقي الأمثلة فحاصلها يرجع إلى إبداء الفرق بين الأصل والفرع، وهو ~~سؤال آخر غير سؤال فساد الاعتبار وسيأتي الكلام عليه. # وجوابه إما بالطعن في سند النص إن أمكن أو بمنع الظهور أو التأويل أو ~~القول بالموجب ms796 أو المعارضة بنص آخر ليسلم له القياس، أو أن يبين أن القياس ~~من قبيل ما يجب ترجيحه على النص المعارض له بوجه من وجوه الترجيحات ~~المساعدة له. PageV04P072 ### | [الاعتراض الثالث فساد الوضع] # واعلم أن صحة وضع القياس أن يكون على هيئة صالحة لاعتباره في ترتيب الحكم ~~عليه، وفساد الوضع لا يكون على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم. # وقد مثله الفقهاء بما تلقي الحكم فيه من مقابله، كتلقي التضييق من ~~التوسيع والتخفيف من التغليظ والإثبات من النفي وبالعكس. # وأن يكون ما جعله علة للحكم مشعرا بنقيض الحكم المرتب عليه، وذلك كقولهم ~~في النكاح بلفظ الهبة: لفظ ينعقد به غير النكاح فلا ينعقد به النكاح فإنه ~~من حيث إنه ينعقد به غير النكاح يقتضي انعقاد النكاح به، لا عدم الانعقاد ~~لأن الاعتبار يقتضي الاعتبار لا عدم الاعتبار (1) . # ومن ذلك قولهم مسح فيسن فيه التكرار وكمسح الاستطابة فإن المناط كونه ~~مسحا والمسح تخفيف والتخفيف يشعر بالتخفيف، والتكرار تثقيل. # وعلى هذا فكل فاسد الوضع فاسد الاعتبار، وليس كل فاسد الاعتبار يكون فاسد ~~الوضع ; لأن القياس قد يكون صحيح الوضع وإن كان اعتباره فاسدا بالنظر إلى ~~أمر خارج، كما سبق تقريره. # ولهذا وجب تقديم سؤال فساد الاعتبار على سؤال فساد الوضع ; لأن النظر في ~~الأعم يجب أن يتقدم على النظر في الأخص لكون الأخص مشتملا على ما اشتمل ~~عليه الأعم وزيادة. # وإذا عرف ما قررناه في سؤال فساد الوضع، فلقائل أن يقول: اقتضاء الوصف ~~لنقيض الحكم المرتب عليه، إما أن يدعي أنه (يراد به اقتضاؤه له أنه مناسب ~~نقيض الحكم على ما هو إشعار اللفظ، وإما اعتبار الوصف في نقيض الحكم في ~~صوره كما قاله بعض المتأخرين. # فإن كان الأول فإما أن يدعي) أنه مناسب لنقيض الحكم من الجهة التي تمسك ~~بها المستدل، أو من جهة أخرى. PageV04P073 # فإن كان ذلك من الجهة التي تمسك بها المستدل ; فيلزم منه أن يكون وصف ~~المستدل غير مناسب لحكمه ضرورة أن الوصف الواحد لا يناسب حكمين متقابلين من ~~جهة ms797 واحدة، ولكن يرجع حاصله إلى القدح في المناسبة وعدم التأثير لا أنه ~~سؤال آخر. # وإن كان ذلك من جهة أخرى، فلا يمتنع مناسبة وصف المستدل لحكمه من الجهة ~~التي تمسك بها (ويرجع حاصله إلى سؤال الاشتراك في الدلالة وهو حقيقة ~~المعارضة ; لأنه سؤال آخر، وإن أريد باقتضائه لنقيض الحكم اعتباره في نقيض ~~الحكم. # فلا يخلو إما أن يكون معتبرا في نقيض الحكم من الجهة التي تمسك بها ~~المستدل أو من جهة أخرى، فإن كان من جهة أخرى فلا يقدح في اعتباره في حكم ~~المستدل من جهته فإنه جاز أن يعتبر الوصف الواحد في حكمين متقابلين يكون من ~~جهتين كالصلاة في الدار المغصوبة، وإن كان معتبرا في نقيض الحكم من الجهة ~~التي تمسك بها المستدل فإنه وإن منع من اعتباره في حكم المستدل ضرورة ~~امتناع اعتباره من جهة واحدة في حكمين متقابلين، غير أن حاصله يرجع إلى ~~سؤال القلب كما يأتي تحقيقه، وسواء كان اعتباره في نقيض الحكم متفقا عليه ~~أو ثابتا بالدليل لا أنه سؤال آخر، وقد يشبه بسؤال النقض من وجه آخر من حيث ~~أنا وجدنا العلة في صورة مع انتفاء الحكم لكن مع مزيد وهو كون العلة في ~~صورة النقيض هو علة النقيض، وجوابه من وجهين الأول مع اقتضاء الوصف لنقيض ~~الحكم والقدح فيما أبداه المعترض، الثاني أن نسلم ذلك ونبين أنه يقتضي ~~الحكم الذي قصده من جهة أخرى) (1) ثم لا يخلو: إما أن تكون جهة المناسبة ~~لنقيض الحكم معتبرة في صوره، أو غير معتبرة، فإن لم تكن معتبرة كان ما ~~يبديه المستدل من جهة المناسبة كافيا في دفع السؤال ضرورة كونها معتبرة، ~~ومناسبة المعترض غير معتبرة، وإن كانت مناسبة المعترض معتبرة فإن أورد ~~المعترض ما ذكره في معرض المعارضة فقد انتقل عن سؤاله الأول إلى سؤال ~~المعارضة، ووجب على المستدل الترجيح لما ذكره ضرورة التساوي في المناسبة ~~والاعتبار، وإن لم يورد ذلك في معرض المعارضة وبقي مصرا على السؤال الأول ~~فلا يحتاج المستدل إلى الترجيح لكونه خاصا ms798 بالمعارضة، وهذا من مستحسنات ~~صناعة الجدل فليتأمل. PageV04P074 ### | [الاعتراض الرابع منع حكم الأصل] # ولما كان منع حكم الأصل من قبيل النظر في تفصيل القياس كان متأخرا عما ~~قبله لكون ما قبله نظرا في القياس من جهة الجملة لا من جهة التفصيل، والنظر ~~في الجملة يتقدم على النظر في التفصيل. # ومثاله ما لو قال الشافعي في إزالة النجاسة مثلا: مائع لا يرفع الحدث فلا ~~يزيل حكم النجاسة كالدهن. # فقال الحنفي: لا أسلم الحكم في الأصل، فإن الدهن عندي مزيل لحكم النجاسة. # وقد اختلف الفقهاء في انقطاع المستدل بتوجيه منع حكم الأصل عليه، فمنهم ~~من قال بانقطاعه لأنه أنشأ الكلام للدلالة على حكم الفرع لا على حكم الأصل، ~~فإذا منع حكم الأصل فإما أن يشرع في الدلالة عليه أو لا يشرع. # فإن لم يشرع في الدلالة عليه لم يتم دليله على مقصوده وهو انقطاع، وإن ~~شرع في الدلالة عليه فقد ترك ما كان بصدد الدلالة عليه أولا وعدل عما أنشأه ~~من الدليل على حكم الفرع إلى الدلالة على حكم الأصل، ولا معنى للانقطاع سوى ~~هذا. # ومنهم من قال: لا يكون منقطعا لأنه إنما أنشأ الدليل على حكم الفرع إنشاء ~~من يحاول تمشيته وتقريره، وبالدلالة على حكم الأصل يحصل هذا المقصود لا أنه ~~تارك لما شرع فيه أولا ولا منع من ذلك، فإن الحكم في الفرع كما يتوقف على ~~وجود علة الأصل في الأصل وكونها علة فيه، وعلى وجودها في الفرع يتوقف على ~~ثبوت حكم الأصل، وكل ذلك من أركان القياس، ولم يمنع أحد من محاولة تقرير ~~القياس عند منع وجود علة الأصل ومنع كونها علة فيه، ومنع وجودها في الفرع ~~من الدلالة على محل المنع، فكذلك حكم الأصل ضرورة التساوي بين الكل في ~~افتقار صحة القياس إليه. # ومنهم من فصل بين أن يكون المنع خفيا، وبين أن يكون ظاهرا ; فحكم ~~بانقطاعه عند ظهور المنع وبعدم انقطاعه عند خفائه لظهور عذره. # PageV04P075 # وهذا هو اختيار الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني (1) ومنهم من قال يجب ~~اتباع عرف ms799 المكان الذي هو فيه ومصطلح أهله في ذلك، وهذا هو اختيار الغزالي. # والمختار أنه لا يعد منقطعا إذا دل على موقع المنع، لما قررناه فيما تقدم ~~(2) .، وقد بينا شرط الدلالة على حكم الأصل في أركان القياس. # وقد قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: (3) لا يفتقر إلى الدلالة على محل ~~المنع بل له أن يقول: إنما قست على أصلي، ولا وجه لذلك فإنه إن قصد إثبات ~~الحكم على أصل نفسه فالخصم غير منازع له في ثبوت حكم الفرع على أصله ولا ~~وجه للمناظرة بينهما في ذلك. # وإن قصد إثبات الحكم في الفرع بالنسبة إلى الخصم بحيث يوجب الانقياد إليه ~~; فذلك متعذر مع منع حكم الأصل وعدم ثبوته بالدلالة. # وإنما يتصور الاستغناء عن الدلالة على حكم الأصل إذا كان اللفظ الدال على ~~حكم الأصل عاما، وهو منقسم إلى ممنوع وغير ممنوع كالدهن ; فإنه وإن منع ~~الحكم في الطاهر منه، فهو غير ممنوع في الدهن النجس. # وعند ذلك فله أن يقول: إنما قست على الدهن النجس دون الطاهر، وإن كان ~~قياسي عليهما فغايته القياس على أصلين وقد بطل التمسك بأحدهما، فيبقى ~~التمسك بالآخر. # وإذا ذكر الدليل على موقع المنع. # فمنهم من حكم بانقطاع المعترض لتبين فساد المنع وتعذر الاعتراض منه على ~~دليل المستدل لإفضائه إلى التطويل فيما هو خارج عن المقصود الأصلي في أول ~~النظر. # ومنهم من قال: لا يعد منقطعا، ولا يمنع من الاعتراض على دليل المنع، ولا ~~يكتفي من المستدل بما يدعيه دليلا، وإلا لما كان لقبول المنع معنى، بل ~~الانقطاع إنما يتحقق في حق كل واحد بعجزه عما يحاوله نفيا وإثباتا وهذا هو ~~المختار. PageV04P076 ### | [الاعتراض الخامس التقسيم] # (1) وهو في عرف الفقهاء: عبارة عن ترديد اللفظ بين احتمالين، أحدهما ~~ممنوع، والآخر مسلم غير أن المطالبة متوجهة ببناء الغرض عليه إما أنه لا بد ~~من ترديده بين احتمالين لأنه (2) . لو لم يكن محتملا لأمرين لم يكن للترديد ~~والتقسيم معنى، بل كان يجب حمل اللفظ على ما هو دليل عليه. # وإما أنه لا بد ms800 وأن يكون احتمال اللفظ لهما على السوية لأنه (3) لو كان ~~ظاهرا في أحدهما لم يكن للتقسيم أيضا وجه، بل كان يجب تنزيل اللفظ على ما ~~هو ظاهر فيه، كان ممنوعا أو مسلما. # وذلك كما لو قال المستدل في البيع بشرط الخيار، وجد سبب ثبوت الملك ~~للمشتري، فوجب أن يثبت وبين وجود السبب بالبيع الصادر من الأهل في المحل، ~~فقال المعترض: السبب هو مطلق بيع أو البيع المطلق؛ أي: الذي لا شرط فيه، ~~الأول ممنوع، والثاني مسلم ولكن لم قلت بوجوده. # ولقائل أن يقول: التقسيم وإن كان من شرطه تردد اللفظ بين احتمالين على ~~السوية، فليس من شرطه أن يكون أحد الاحتمالين ممنوعا والآخر مسلما، بل كما ~~يجوز أن يكون كذلك يجوز أن يشترك الاحتمالان في التسليم ولكن بشرط أن ~~يختلفا باعتبار ما يرد على كل واحد منهما من الاعتراضات القادحة فيه، وإلا ~~فلو اتحدا فيما يرد عليهما من الاعتراضات مع التساوي في التسليم لم يكن ~~للتقسيم معنى، بل كان يجب تسليم المدلول وإيراد ما يختص به. # ولا خلاف أنهما لو اشتركا في المنع أن التقسيم لا يكون مفيدا. ~~PageV04P077 # وعلى هذا فلو أراد المعترض تصحيح تقسيمه، فيكفيه بيان إطلاق اللفظ بإزاء ~~الاحتمالين من غير تكليف بيان التساوي بينهما في دلالة اللفظ عليهما بجهة ~~التفصيل؛ لأن ذلك مما يعسر من جهة أن ما من وجه (1) يبين التساوي فيه إلا ~~وللمستدل أن يقول: ولم قلت بعدم التفاوت من وجه آخر؟ بلى لو قيل إنه يكلف ~~التساوي بينهما من جهة الإجمال، وهو أن يقول: التفاوت يستدعي ترجح أحدهما ~~على الآخر وزيادته عليه، والأصل عدم تلك الزيادة؛ لم يكن ذلك شاقا وكان ~~وافيا بالدلالة على شرط التقسيم. # ولو ذكر المعترض احتمالين لا دلالة للفظ المستدل عليهما وأورد الاعتراض ~~عليهما كما لو قال المستدل في مسألة الالتجاء إلى الحرم: وجد سبب استيفاء ~~القصاص، فيجب استيفاؤه وبين وجود السبب بالقتل العمد العدوان، فقال ~~المعترض: متى يمكن القول بالاستيفاء؟ إذا وجد المانع أو إذا لم يوجد؟ الأول ~~ممنوع ms801 والثاني مسلم. # ولكن لم قلت إنه لم يوجد، وبيان وجوده أن الحرم مانع، وبينه بطريقة لم ~~يخل، (2) إما أن يورد ذلك بناء على أن لفظ المستدل متردد بين الاحتمالين ~~المذكورين أو على دعواه الملازمة بين الحكم ودليله، فإن كان الأول: فهو ~~باطل لعدم تردد لفظ السبب بين ما ذكر من الاحتمالين، وإن كان الثاني: فإن ~~اقتصر على المطالبة ببيان انتفاء المانع، فهو غير مقبول لما تقرر في ~~الاصطلاح من حط مئونة ذلك عن المناظر في الموانع والمعارضات المختلف فيها، ~~وإن أضاف إلى ذلك الدلالة على وجود المعارض؛ فحاصل السؤال يرجع إلى ~~المعارضة ولا حاجة إلى التقسيم، وإذا اتجه سؤال التقسيم على التفسير الأول، ~~فجوابه من جهة الجدل من ستة أوجه: # الأول: أن يعين المستدل بعض محامل لفظه، ويبين أن اللفظ موضوع بإزائه ~~حقيقة في لغة العرب، إما بالنقل عن أهل الوضع أو الشارع الصادق. ~~PageV04P078 # أو ببيان كونه مشهورا به في الاستعمال، فيكون حقيقة؛ لأنه الغالب، وبما ~~يساعد من الأدلة، ومع بيان ذلك فالتقسيم يكون مردودا لتبين فوات شرطه من ~~التساوي في الدلالة. # الثاني: أن يقول: إنه وإن لم يكن ظاهرا بحكم الوضع فيما عينته من ~~الاحتمال غير أنه ظاهر بعرف الاستعمال، كما في لفظ الغائط ونحوه. # الثالث: أنه وإن لم يكن ظاهرا بالأمرين إلا أنه ظاهر في عرف الشرع كلفظ ~~الصلاة والصوم ونحوه. # الرابع: أنه وإن تعذر كونه ظاهرا بأحد الأنحاء المذكورة، لكنه ظاهر بحكم ~~ما اقترن به من القرائن المساعدة له في كل مسألة. # الخامس: أنه وإن تعذر بيان الظهورية بأحد الطرق المفصلة، فله دفع التقسيم ~~بوجه إجمالي، وهو أن يقول: الإجمال على خلاف الأصل، فيجب اعتقاد ظهور اللفظ ~~في بعض احتمالاته؛ ضرورة نفي الإجمال عن اللفظ، ومع ذلك فالتقسيم لا يكون ~~واردا. # وقد يقدر على بيان كون اللفظ ظاهرا فيما عينه بهذا الطريق الإجمالي وهو ~~أن يقول: إذا ثبت أنه لا بد وأن يكون اللفظ ظاهرا في بعض محامله، نفيا ~~للإجمال عن الكلام، فيجب اعتقاد ظهوره فيما عينه ms802 المستدل، ضرورة الاتفاق ~~على عدم ظهوره فيما عداه، أما عند المعترض فلضرورة دعواه الإجمال في اللفظ. # وأما عند المستدل، فلضرورة دعواه أنه ظاهر فيما ادعاه دون غيره. # السادس: أن يبين أن اللفظ له احتمال آخر غير ما تعرض له المعترض بالمنع ~~والتسليم، وأنه مراده إلا أن يحترز المعترض عن ذلك بأن يعين مجملا، ويقول: ~~إن أردت هذا فمسلم، ولكن لم قلت ببناء الغرض عليه، وإن أردت ما عداه ~~فممنوع. # فما مثل هذا الجواب لا يكون متجها، وإن أراد المستدل الجواب الفقهي فإن ~~كان قادرا على تنزيل كلامه على أحد القسمين، فالأولى في الاصطلاح تنزيله ~~على أحدهما؛ حذرا من التطويل، وليكن منزلا على أسهلهما في التمشية والقرب ~~إلى المقصود إن أمكن، وإن كان الجمع جائزا شرعا. # وإن لم يقدر على شيء من ذلك كان منقطعا. # PageV04P079 # وأما موقع سؤال التقسيم، فيجب أن يكون بعد منع حكم الأصل لكونه متعلقا ~~بالوصف المتفرع عن حكم الأصل، وأن يكون مقدما على منع وجود الوصف لدلالة ~~منع الوجود على تعيين الوصف والتقسيم على الترديد. # وأن يكون مقدما على سؤال المطالبة بتأثير الوصف المدعي علة لكونه مشعرا ~~بترديد لفظ المستدل بين أمرين، والمطالبة بتأثير الوصف مشعرة بتسليم كونه ~~مدلولا للفظ لا غير (1) ضرورة تخصيصه بالكلام عليه، وإلا كان التخصيص به ~~غير مفيد، وإيراد ما يشعر بالترديد بعد ما يشعر بتسليم اتحاد المدلول يكون ~~متناقضا. # وقد علل ذلك بعض أرباب الاصطلاح بأن المطالبة بتأثير الوصف تستدعي تسليم ~~وجود الوصف، والتقسيم مشتمل على منع الوجود، ومنع الوجود بعد تسليم الوجود ~~لا يكون مقبولا لما فيه من التناقض، وهو غير صحيح لوجهين: # الأول: أن ما ذكره إنما هو مبني على أن أحد القسمين لا بد وأن يكون ممنوع ~~الوجود، وليس كذلك لما سبق في مبدأ السؤال. (2) وبتقدير أن يكون أحد ~~القسمين ممنوع الوجود فإنما يلزم التناقض والمنع بعد التسليم، أن لو كان ما ~~أورد عليه سؤال المطالبة أو لا هو نفس القسم الذي منع وجوده في التقسيم، ~~وبتقدير أن يكون ms803 غيره، فلا. # وبالجملة فيمتنع أيضا قبول سؤال التقسيم بعد سؤال الاستفسار؛ لأن المسئول ~~إن كان قد دفع سؤال الاستفسار جدلا بنفي الإجمال، فالتقسيم بعده لا يرد ~~ضرورة توقفه على الإجمال وقد انتفى، وإن أجاب عنه بتعيين ما بكلامه، فبعد ~~التعيين لا حاجة إلى التقسيم بل يجب ورود الاعتراض على عينه (3) دون غيره. ~~PageV04P080 ### | [الاعتراض السادس منع وجود العلة في الأصل] # ولكون النظر في علة الأصل متفرعا عن حكم الأصل؛ وجب تأخيره عن النظر في ~~حكم الأصل وعن التقسيم لما ذكرناه في السؤال الذي قبله. # ومثاله: ما لو قال الشافعي في مسألة جلد الكلب مثلا: حيوان يغسل الإناء ~~من ولوغه سبعا فلا يطهر جلده بالدباغ كالخنزير، فيقول الخصم: لا أسلم وجوب ~~غسل الإناء من ولوغ الخنزير سبعا. # وجوابه بذكر ما يدل على وجوده من العقل أو الحس أو الشرع على حسب حال ~~الوصف في كل مسألة، أو أن يفسر لفظه بما لا يمكن الخصم منعه، وإن كان ~~احتمال اللفظ له بعيدا، وذلك كما لو قال في المثال المذكور: أعني به ما إذا ~~لم يغلب على ظنه الطهارة. # وإن فسر لفظه بما له وجود في الأصل، غير أن لفظه لا يحتمله لغة. # فالمختار أنه لا يقبل وإن ذهب إلى قبوله بعض المتأخرين؛ وذلك لأن وضع ~~اللفظ إنما كان لقصد تحصيل المعنى منه وأن يعرف كل أحد ما في ضميره لغيره ~~بواسطة اللفظ المستعمل، وذلك مشروط بضبط الوضع ضبطا يمتنع معه دخول الزيادة ~~والنقصان، وإذا قبل من كل أحد تفسير لفظه بما لا يحتمله لغة حالة عجزه عن ~~تقرير كلامه، أفضى ذلك إلى اضطراب اللغة وإبطال فائدة وضعها، كيف وإن ~~إطلاقه لذلك اللفظ دليل ظاهر على إرادة مدلوله، وعدوله عند المنع مشعر ~~بالانقطاع في تقريره؟ ! # PageV04P081 ### | [الاعتراض السابع القدح في مناسبة الوصف المعلل به] # ولما كانت العلية صفة للوصف المذكور ومتوقفة على وجوده، وجب أن يكون ~~النظر فيها نفيا وإثباتا متأخرا عن النظر في وجود الوصف. # وهذا هو أعظم الأسئلة الواردة على القياس؛ لعموم وروده ms804 على كل ما يدعى ~~كونه علة، واتساع طرق إثباته، وتشعب مسالكه كما تقدم تقريره (1) . # وقد اختلف العلماء في قبوله نفيا وإثباتا والمختار لزوم قبوله. # وذلك لأن إثبات الحكم في الفرع مما لا يمكن إسناده إلى مجرد إثبات حكم ~~الأصل دون جامع بينهما. # والجامع يجب أن يكون في الأصل بمعنى الباعث لا بمعنى الأمارة على ما سبق ~~تقريره (2) والوصف الطردي لا يصلح أن يكون باعثا، فيمتنع التمسك به في ~~القياس، فلو لم يقبل منع تأثير الوصف والمطالبة بتأثيره أفضى ذلك إلى ~~التمسك بالأوصاف الطردية، ثقة من المتكلم بامتناع مطالبته بالتأثير، ولا ~~يخفى وجه فساده. # وأيضا فإن الأصل عدم الدليل الدال على جواز التمسك بالقياس، غير أنا ~~استثنينا منه ما كانت علة القياس فيه مخيلة؛ أو شبيهة لإجماع الصحابة عليه، ~~ولم ينقل عنهم أنهم تمسكوا بقياس علته طردية (3) فبقينا فيه على حكم الأصل، ~~فلذلك وجب قبول سؤال منع التأثير وبيان كون الوصف مؤثرا. # وعند هذا فلا بد من ذكر شبه الرادين له وتحقيق جوابها، وقد احتجوا بشبه. # الأولى: أنه لو قبل سؤال منع التأثير؛ فما من دليل المستدل على كون الوصف ~~علة إلا وهذا السؤال وارد عليه إلى ما لا يتناهى، فيجب رده حفظا للكلام عن ~~الخبط والنشر. PageV04P082 # الثانية: أنه لا معنى للقياس سوى رد الفرع إلى الأصل بجامع، وقد أتى به ~~المستدل وخرج عن وظيفته، فعلى المعترض القدح فيه. # الثالثة: أن الأصل أن كل ما ثبت الحكم عقيبه في الأصل أن يكون علة، فمن ~~ادعى أن الوصف الجامع ليس بعلة احتاج إلى بيانه. # الرابعة: أنا بحثنا فلم نجد سوى هذه العلة، فعلى المعترض القدح فيها أو ~~إبداء غيرها. # الخامسة: أنهم قالوا: عجز المعترض عن الاعتراض على الوصف المذكور دليل ~~صحته كالمعجزة، فالمنع من الصحة مع وجود دليل الصحة لا يكون مقبولا. # السادسة: قولهم حاصل هذا السؤال يرجع إلى المنازعة في علة الأصل، ويجب أن ~~يكون متنازعا فيها ليتصور الخلاف في الفرع. # السابعة: أن حاصل القياس يرجع إلى تشبيه الفرع بالأصل والشبه ms805 حجة، وقد ~~تحقق ذلك بما ذكر من الوصف الجامع فلا حاجة إلى إبداء غيره. # الثامنة: قولهم هذا الوصف مطرد لم يتخلف حكمه عنه في صورة، فكان صحيحا. # والجواب عن الأولى: أن التسلسل منقطع بذكر ما يفيد أدنى ظن بالتعليل من ~~الطرق التي بيناها قبل، (1) فإن المطالبة بعلية ما غلب على الظن كونه علة ~~بعد ذلك يكون عنادا، وهو مردود إجماعا. # وعن الثانية: بمنع تحقق القياس بجامع لا يغلب على الظن كونه علة. # وعن الثالثة: بمنع أن الأصل علية كل ما ثبت الحكم معه من الأوصاف. # وعن الرابعة: أن البحث مع عدم الاطلاع على غير الوصف المذكور طريق من طرق ~~إثبات العلة كما سبق، (2) فكان ذلك جوابا عن سؤال المطالبة وقبولا له لا ~~أنه رد له. PageV04P083 # وعن الخامسة: أنه لو كان عجز المعترض عن الاعتراض دليل صحة العلة، لكان ~~عجز المستدل عن تصحيح العلة دليل فسادها ولا أولوية ولكان عجز المعترض عن ~~الاعتراض على إبطال ما ادعى من الحكم في الفتوى دليلا على ثبوت الحكم، ولم ~~يقل به قائل. # وعن السادسة: أن علة الأصل وإن كانت متنازعا فيها فلا بد من دليل ظني يدل ~~على كونها علة، كما في الحكم المختلف فيه. # وعن السابعة: أن إثبات الحكم في الفرع متوقف على ظن إثباته، ولا نسلم أن ~~مطلق المشابهة بين الأصل والفرع في مطلق وصف مفيد للظن. # وعن الثامنة: أن حاصلها يرجع إلى الاكتفاء بالوصف الطردي، لكونه غير ~~منتقض، وهو باطل بما سبق في طرق إثبات العلة. # وإذا علم أنه لا بد من قبول سؤال المطالبة بالتأثير، وأنه لا بد من ~~الدلالة على كون الوصف علة، وطريق إثبات ذلك ما يساعد من الأدلة التي ~~قررناها قبل. # PageV04P084 ### | [الاعتراض الثامن سؤال عدم التأثير] # وهو إبداء وصف في الدليل مستغنى عنه في إثبات الحكم أو نفيه، وقد قسمه ~~الجدليون أربعة أقسام: # الأول: عدم التأثير في الوصف، وذلك بأن يكون الوصف المأخوذ في الدليل ~~طرديا لا مناسبة فيه ولا شبه، (1) وذلك كما يقال في صلاة الصبح: ms806 صلاة لا ~~يجوز قصرها، فلا تقدم في الأداء على وقتها كالمغرب فإن عدم القصر وصف طردي ~~بالنسبة إلى الحكم المذكور. # الثاني: عدم التأثير في الأصل وهو أن يكون الوصف قد استغني عنه في إثبات ~~الحكم في الأصل المقيس عليه بغيره، وذلك كما إذا قال المستدل في بيع ~~الغائب، مبيع غير مرئي، فلا يصح بيعه كالطير في الهواء والسمك في الماء فإن ~~ما وجد في الأصل من العجز عن التسليم مستقل بالحكم. # وهذا النوع مما اختلف فيه، فرده الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني ومن تابعه ~~مصيرا منهم إلى أنه إشارة إلى علة أخرى في الأصل ولا يمتنع تعليل الحكم ~~الواحد في محل واحد بعلتين. # ومنهم من قبله مصيرا منهم إلى امتناع الحكم بعلتين، وقد سبق تقرير كل ~~واحد من المأخذين وما هو المختار منهما. # الثالث: عدم التأثير في الحكم، وهو أن يذكر في الدليل وصفا لا تأثير له ~~في الحكم المعلل، وذلك كما لو قال المستدل في مسألة المرتدين إذا أتلفوا ~~أموالنا: طائفة مشركة فلا يجب عليهم الضمان بتلف أموالنا في دار الحرب كأهل ~~الحرب، فإن الإتلاف في دار الحرب لا تأثير له في نفي الضمان ضرورة الاستواء ~~في الحكم عندهم بين الإتلاف في دار الحرب ودار الإسلام. PageV04P085 # وحاصل هذا القسم يرجع إلى عدم التأثير في الوصف بالنسبة إلى الحكم ~~المذكور إن كان طرديا، أو إلى سؤال الإلغاء إن كان مؤثرا. # الرابع: عدم التأثير في محل النزاع، وهو أن يكون الوصف المذكور في الدليل ~~لا يطرد في جميع صور النزاع وإن كان مناسبا. # وذلك كما لو قال المستدل في مسألة ولاية المرأة زوجت نفسها من غير كفء ~~فلا يصح نكاحها، وذلك من حيث إن النزاع وقع فيما إذا زوجت نفسها من الكفء ~~وغير الكفء. # وهذا أيضا مما اختلف في قبوله، فرده قوم مصيرا منهم إلى منع جواز الفرض ~~في الدليل، وقبله من لم يمنع من ذلك، وهو المختار على ما عرفناه في كتاب ~~الجدل. # وإذا بطل القسم الرابع، وهو عدم التأثير في ms807 محل النزاع ورجع حاصل القسم ~~الثالث، وهو عدم التأثير في الحكم إلى عدم التأثير في الوصف أو الإلغاء، ~~فلم يبق غير عدم التأثير في الوصف وعدم التأثير في الأصل، وعدم التأثير في ~~الوصف راجع إلى بيان انتفاء مناسبة الوصف، وسؤال المطالبة يغني عنه، وجوابه ~~جوابه فلا يجتمعان، وعدم التأثير في الأصل، فحاصله يرجع إلى المعارضة في ~~الأصل لا أنه غيره، وجوابه كما يأتي. # ومع ذلك كله فقد يكون أخذ الوصف الذي لا يناسب الحكم في الدليل مفيدا، ~~بأن يكون مشيرا إلى نفي المانع الموجود في صورة النقض أو وجود الشرط الفائت ~~فيها لقصد، أو مشيرا إلى قصد الفرض في الدليل في بعض صور النزاع، كما ذكر ~~من مثال أخذ الإتلاف في دار الحرب في مسألة المرتدين، ولا يكون عديم ~~التأثير؛ إذ هو غير مستغنى عنه في إثبات الحكم إما لقصد دفع النقص أو لقصد ~~الفرض. # PageV04P086 ### | [الاعتراض التاسع القدح في مناسبة الوصف المعلل به] # وذلك بما يلزم من ترتيب الحكم على وفقه لتحصيل المصلحة المطلوبة منه وجود ~~مفسدة (1) مساوية لها أو راجحة عليها. # وقد بينا وجه الاختلاف فيه وأن المختار إبطاله، إلا أن يبين ترجيح ~~المصلحة على المفسدة، إما بطريق إجمالي أو تفصيلي كما بيناه فيما سبق (2) . ### | [الاعتراض العاشر القدح في صلاحية إفضاء الحكم إلى ما علل به من المقصود] # الاعتراض العاشر # القدح في صلاحية إفضاء الحكم إلى ما علل به من المقصود # وذلك كما لو عللت حرمة المصاهرة على التأبيد في حق المحارم بالحاجة إلى ~~ارتفاع الحجاب بين الرجال والنساء إلى سد باب الفجور بالحرمة المؤبدة، وعلم ~~الرجل امتناع وصوله إلى الأنثى على الوجه المشروع، حتى ينسد عليه باب الطمع ~~في مقدمات الهم بها والنظر إليها، فإن للمعترض أن يقول: هذا الحكم غير صالح ~~لإفضائه إلى هذا المقصود؛ من حيث إن سد باب النكاح أدعى إلى محذور الوقوع ~~في الزنا. # وجوابه أن الحرمة المؤبدة مما نمنع من النظر إلى المرأة بشهوة عادة، ~~والامتناع العادي على مر الزمان يلتحق بالامتناع الطبعي ms808 وبه يتحقق انسداد ~~باب الفجور. PageV04P087 ### | [الاعتراض الحادي عشر أن يكون الوصف المعلل به باطنا خفيا] # الاعتراض الحادي عشر # أن يكون الوصف المعلل به باطنا خفيا # وذلك لو علل (1) بالرضا أو القصد، فإنه قد يقال القصد والرضا من الأوصاف ~~الباطنة الخفية التي لا عليها بأنفسها، فلا تكون علة للحكم الشرعي الخفي ~~ولا معرفة له. # وجوابه أن يبين ضبط الرضا بما يدل عليه من الصيغ الظاهرة، وضبط القصد بما ~~يدل عليه من الأفعال الظاهرة، وكل ذلك معلوم في الخلافيات. ### | [الاعتراض الثاني عشر أن يكون الوصف المعلل به منضبطا كالتعليل بالحكم والمقاصد] # الاعتراض الثاني عشر # أن يكون الوصف المعلل به منضبطا كالتعليل بالحكم والمقاصد؛ مثل: التعليل ~~بالحرج والمشقة والزجر والردع ونحوه. # فإنه قد يقال مثل هذه الأوصاف مما تضطرب وتختلف باختلاف الأشخاص والأزمان ~~والأحوال، وما هذا شأنه فدأب الشارع فيه رد الناس إلى المظان الظاهرة ~~الجلية دفعا للعسر والحرج عن الناس في البحث عنها ومنعا للاضطراب في ~~الأحكام عند اختلاف الصور بسبب الاختلاف في هذه الأوصاف بالزيادة والنقصان. # وجوابه إما ببيان كون ما علل به مضبوطا بنفسه أو بضابطه، كضبط الحرج ~~والمشقة بالسفر ونحوه. PageV04P088 ### | [الاعتراض الثالث عشر النقض] # وهو عبارة عن تخلف الحكم مع وجود ما ادعي كونه علة له، وقد أومأنا في ~~مسألة تخصيص العلة إلى وجه دلالة ذلك على إبطالها ووجه الانفصال عنه فيما ~~إذا كانت العلة منصوصة أو مجمعا عليها أو مستنبطة، وفي صورة النقض مانع أو ~~فوات شرط بالاستقصاء التام المفصل. # والذي يختص بما نحن فيه هاهنا وجوه أخر في الجواب (1) . # الأول: منع وجود العلة في صورة النقض إن أمكن، وذلك كما لو قال الشافعي ~~في مسألة زكاة الحلي مال غير نام، فلا تجب فيه الزكاة كثياب البذلة. # فقال المعترض: هذا ينتقض بالحلي المحظور، فإنه غير نام ومع ذلك فإن ~~الزكاة تجب فيه. # فقال المستدل: لا أسلم أن الحلي المحظور غير نام، وإنما كان منع وجود ~~العلة في صورة النقض دافعا للنقض؛ لأن النقض وجود العلة ولا حكم، فإذا ms809 لم ~~توجد العلة في صورة النقض فلا نقض. # لكن اختلفوا في المعترض، هل له الدلالة على وجود العلة في صورة النقض عند ~~منع المستدل لوجودها؟ # فمنهم من قال: له ذلك إذ به يتحقق انتقاضها وهدم كلام المستدل، فكان له ~~ذلك كغيره من الاعتراضات. # ومنهم من منع من ذلك؛ لما فيه من قلب القاعدة بانقلاب المستدل معترضا ~~والمعترض مستدلا، والواجب إنما هو التفصيل وهو أنه إن تعين ذلك طريقا ~~للمعترض في هدم كلام المستدل، وجب قبوله منه تحققا لفائدة المناظرة، وإن ~~أمكنه القدح بطريق آخر هو أفضى إلى المقصود فلا، نعم لو كان المستدل قد دلل ~~على وجود العلة في محل التعليل بدليل هو موجود في صورة النقض، فإذا منع ~~وجود العلة، PageV04P089 # فإن قال المعترض فقد انتقض الدليل الذي دللت به على وجود العلة لا يكون ~~مسموعا لكونه انتقالا على نفس العلة إلى النقض على دليلها. # وذلك كما لو قال الحنفي في مسألة تبييت النية وتعيينها أي بمسمى الصوم، ~~فوجب أن يصح كما في محل الوفاق، ودل على وجود الصوم بقوله: إن الصوم عبارة ~~في الإمساك مع النية، وهو موجود فيما نحن فيه. # فقال المعترض: هذا منتقض بما إذا نوى بعد الزوال. # وإن قال المعترض للمستدل: ابتداء أمرك لا يخلو من حالين، إما أن تعتقد ~~وجود الصوم في صورة النقض أو لا تعتقده. # فإن كان الأول، فقد انتقضت علتك، وإن كان الثاني فقد انتقض ما ذكرته من ~~الدليل على وجود العلة كان متجها. # وإن أورد ذلك لا في معرض نقض دليل وجود العلة، بل في معرض الدلالة به على ~~وجود العلة في صورة النقض، (فالحكم فيه على ما سبق في الدلالة على نفي ~~الحكم في صورة النقض) ، فهو غير مسموع على ما يأتي. # الثاني: منع تخلف الحكم، وإنما كان ذلك دافعا للنقض لما ذكرناه في منع ~~وجود العلة، وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة الثيب الصغيرة (ثيب) فلا ~~يجوز إجبارها كالثيب البالغ. # فقال المعترض: هذا منقوض بالثيب المجنونة، فإنه يجوز ms810 إجبارها. # فقال المستدل: لا نسلم صحة إجبار الثيب المجنونة، والكلام في تمكين ~~المعترض من الاستدلال على تخلف الحكم في صورة النقض كالكلام في دلالته على ~~وجود العلة وقد عرف ما فيه (1) . # الثالث أن يكون النقض على أصل المستدل خاصة، وذلك كما لو قال الشافعي في ~~مسألة الرطب بالتمر: باع مال الربا بجنسه متفاضلا، فلا يصح كما لو باع صاعا ~~بصاعين PageV04P090 # فقال الحنفي: هذا منتقض على أصلك بالعرايا، فإنه يصح وإن باع مال الربا ~~بجنسه متفاضلا. # وجوابه من ثلاثة أوجه: # الأول: أن يبين في صورة النقض مناسبا يقتضي النفي، من مانع أو فوات شرط ~~مع قران الحكم به على أصله. # الثاني: أن يقول: النقض إنما هو من قبيل المعارض لدليل العلة، فتخلف ~~الحكم عن العلة إنما هو على مذهب أحد الفريقين، وثبوت الحكم على وفق العلة ~~المعلل بها بالاتفاق، ولا مساواة بين المتفق عليه والمختلف فيه، فلا يقع في ~~معارضة دليل العلة. # الثالث: أن يبين أن تخلف الحكم عن العلة في معرض الاستثناء، والمستثنى لا ~~يقاس عليه ولا يناقض به، كما في صورة العرايا المذكورة. # الرابع: أن يكون إبداء النقض على أصل المعترض لا غير، وتوجيهه أن يقول ~~المعترض: هذا الوصف مما لم يطرد على أصل، فلا يلزمني الانقياد إليه. # وجوابه أن يقول المستدل: ما ذكرته حجة عليك في الصورتين، إذ هي محل ~~النزاع ومذهبك في صورة النقض لا يكون حجة في درء الاحتجاج وإلا كان حجة في ~~محل النزاع، وهو محال. # وهل يجب على المستدل الاحتراز في دليله عن النقض؟ اختلفوا. # فمنهم من قال بوجوبه لقربه من الضبط وبعده عن النشر والخبط؛ ولأن ما أشار ~~إليه المستدل من الوصف المعلل به إذا كان منتقضا. # فأما أن يكون انتفاء الحكم في صورة النقض لا لمعارض أو لمعارض، فإن كان ~~الأول فلا يكون الوصف علة لما سبق تقريره في مسألة تخصيص العلة. # وإن كان الثاني، فقد ثبت أن للعلة معارضا متفقا عليه فلا بد من نفيه في ~~الدليل؛ لأن المناظر تلو الناظر ms811 وليس للناظر الجزم بالحكم عند ظهور سببه ~~دون ظهور انتفاء معارضه، فكذلك المناظر، غير أنا أسقطنا عنه كلفة نفي ~~المعارض المختلف فيه لعسر نفيه، فبقينا فيما عداه على حكم الأصل. # ومنهم من لم يوجبه تمسكا منه بأن ما يقع به الاحتراز عن النقض، إما أن ~~يكون من جملة أجزاء العلة أو خارجا عنها، # PageV04P091 # فإن كان الأول، فالعلة لا تكون علة دونه، وما مثل (1) هذا لا خلاف في ~~وجوب ذكره في العلة لعدم تمام العلة دونه، ومن نازع فيه فقد نازع في أنه: ~~هل يجب على المستدل ذكر العلة أو لا. # وإن كان الثاني، فلا يخلو إما أن يكون مشيرا إلى نفي المعارض أو لا يكون ~~كذلك. # فإن كان الأول، فقد تعرض لما لم يسأل عنه لكونه مسئولا بعد الفتوى عن ~~الدليل المقتضي للحكم، وانتفاء المعارض ليس من الدليل، ولو قيل إنه من ~~الدليل كان خلاف الغرض في هذا القسم. # وإن كان الثاني، فالنقض غير مندفع به؛ لأن النقض عبارة عن وجود العلة ولا ~~حكم، فإذا كان المذكور خارجا عن العلة ولا فيه إشارة إلى نفي المعارض ~~فالعلة ما دونه، وقد وجدت في صورة النقض ولا معارض، فكان النقض متجها. # وإن قيل إن الوصف المأخوذ للاحتراز من جملة العلة لتعلق فائدة دفع النقض ~~به، وإن لم يكن مناسبا فقد سبق إبطاله في تخصيص العلة. ### | [الاعتراض الرابع عشر الكسر] # وهو النقض على المعنى (2) ، وقد ذكرنا طريق إيراده ووجه الانفصال عنه في ~~شروط العلة (3) ، ويخصه من الأجوبة هاهنا منع وجود المعنى المشار إليه في ~~صورة، ومنع تخلف الحكم عنه وباقي الأجوبة التي أوردناها في سؤال النقض ~~قبله. PageV04P092 ### | [الاعتراض الخامس عشر المعارضة في الأصل بمعنى وراء ما علل به المستدل] # الاعتراض الخامس عشر # المعارضة في الأصل بمعنى وراء ما علل به المستدل، وسواء كان مستقلا ~~بالتعليل كمعارضة من علل تحريم ربا الفضل في البر بالطعم أو بالكيل أو ~~بالقوت (1) أو غير مستقل بالتعليل على وجه يكون داخلا في التعليل وجزءا من ~~العلة، وذلك كمعارضة ms812 من علل وجوب القصاص في القتل بالمثقل؛ بالقتل العمد ~~العدوان بالجارح في الأصل ونحوه (2) . # وقد اختلف الجدليون في قبوله، فمنهم من رده بناء منه على أنه لا يمتنع ~~الحكم الواحد بعلتين كما سبق تقريره (3) # ولهذا لو قدرنا انفراد ما ذكر المستدل مجردا عن المعارض صح التعليل به ~~إجماعا، وإنما صح التعليل به لصلاحية فيه لا لعدم المعارض، فإن العدم لا ~~يكون علة ولا داخلا فيها لما سبق تقريره (4) . # فإذا صح التعليل به مع عدم المعارض، صح مع وجوده؛ ولأنه لا معنى للعلة ~~إلا ما يثبت الحكم عقيبها، وهذا المعنى موجود في الوصفين فكان كل واحد علة. # ومنهم من قبله وأوجب جوابه على المستدل وهو المختار، وذلك لأنه إذا وجد ~~في الأصل وصفان. # فإما أن يكون كل واحد علة مستقلة أو لا يكون كذلك. # لا جائز أن يكون كل واحد علة مستقلة لما سبق تقريره في امتناع ذلك، سواء ~~كانت العلة بمعنى الأمارة أو الباعث. PageV04P093 # وإن كان القسم الثاني، فإما أن يكون الحكم لما ذكره المستدل لا غير، أو ~~لما ذكره المعترض لا غير، أو لهما جميعا بحيث تكون العلة مجموع الوصفين، ~~وكل واحد منهما جزؤها. # لا جائز أن يقال بالأول ولا بالثاني، فإنه ليس تعيين أحدهما للتعليل ~~وإلغاء الآخر مع تساويهما في الاقتضاء أولى من الآخر فلم يبق غير الثالث، ~~ويلزم منه امتناع تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع (1) . # وبتقدير تساوي الاحتمالات الثلاثة فلا يخفى أن التعدية تمتنع بتقدير أن ~~تكون العلة ما ذكره المعترض. # وبتقدير أن تكون العلة هي الهيئة الاجتماعية من الوصفين، وإنما يصح ~~بتقدير التعليل بما ذكره المستدل لا غير. # ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه، ~~ومع ذلك فالتعدية تكون ممتنعة، لكن بشرط أن يكون ما أبداه المعترض صالحا ~~للتعليل أو لدخوله فيه عند كون ما أبداه المستدل صالحا وإلا فلا معارضة، ~~وهل يجب على المعترض نفي ما أبداه معارضا في الأصل عن الفرع؟ اختلفوا فيه، ~~فمنهم من قال: لا ms813 يجب عليه ذلك؛ فإنه إن كان موجودا في الفرع فيفتقر ~~المستدل إلى بيان وجوده فيه ليصح الإلحاق، وإن لم يبين ذلك فقد انقطع ~~الجمع. (2) ومنهم من قال: لا بد له من نفيه عن الفرع؛ لأن مقصوده الفرق، ~~وذلك لا يتم دون نفيه عن الفرع. # والمختار أنه إن قصد المعترض الفرق فلا بد له من نفيه، وإن لم يقصد الفرق ~~بأن يقول: هذا الوصف قد ثبت أنه لا بد من إدراجه في التعليل لما دل عليه من ~~الدليل، فإن كان غير موجود في الفرع فقد ثبت الفرق. # وإن كان موجودا في الفرع، فالحكم يكون في الفرع بمجموع الوصفين ونتبين أن ~~المستدل لم يكن ذاكرا للعلة في الابتداء بل لبعضها، وأي الأمرين قدر ~~فالإشكال لازم. PageV04P094 # هذا كله فيما إذا كان المقيس عليه أصلا واحدا. # وإن كان المقيس عليه أصولا متعددة، فمنهم من منع من ذلك لإفضائه إلى ~~النشر مع إمكان حصول المقصود بالواحد منها، ومنهم من جوز ذلك لكونه أقوى في ~~إفادة الظن. # ومن جوز ذلك اختلفوا في جواز الاقتصار في المعارضة في الأصل على أصل ~~واحد، فمنهم من جوزه؛ لأن المستدل قصد إلحاق الفرع بجميع الأصول، فإذا وقع ~~الفرق بين الفرع وبعض الأصول، فقد تم مقصود المعترض من إبطال غرض المستدل، ~~ومنهم من قال: لا بد من المعارضة في كل أصل؛ لأنه إذا عارض في البعض دون ~~البعض، فقد بقي قياس المستدل صحيحا على الأصل الذي لم يعارض فيه، وبه يتم ~~المقصود من إثبات الحكم أو نفيه، والذين أوجبوا المعارضة في جميع الأصول. # منهم من أوجب اتحاد المعارض في الكل دفعا لانتشار الكلام، ولأن يكون ~~مقابلا في اتحاده لاتحاد وصف المستدل، ومنهم من جوز المعارضة في كل أصل ~~بغير ما في الأصل الآخر، لجواز أن لا يساعده في الكل علة واحدة. # ثم اختلف هؤلاء، فمنهم من قال يجوز للمستدل الاقتصار في الجواب على أصل ~~واحد إذ به يتم مقصوده، ومنهم من لم يجوز ذلك حيث إن المستدل التزم صحة ~~القياس على ms814 الكل، وعلى هذا يقع الخلاف فيما لو عارض في بعض الأصول هل يجب ~~على المستدل الجواب أو لا؟ # والوجه في الجواب من ستة أوجه: # الأول: منع وجود الوصف المعارض به في الأصل. # الثاني: المطالبة بتأثير الوصف، إن كان طريق إثبات العلة من جانب المستدل ~~المناسبة أو الشبه دون السبر والتقسيم. # PageV04P095 # الثالث: أن يبين كونه ملغى في جنس الأحكام كالطول والقصر ونحوه. # الرابع: أن يبين أنه ملغى في جنس الحكم المعلل، وإن كان (1) مناسبا وذلك ~~كالذكورة في باب العتق. # الخامس (2) : أن يبين أنه قد استقل بالحكم في صورة دون الوصف المعارض به، ~~وعند ذلك فيمتنع أن يكون علة مستقلة في محل التعليل لما فيه من إلغاء ~~المستقل واعتبار غير المستقل. # ويمتنع أن يكون داخلا في التعليل لما فيه من إلغاء ما علل به المستدل في ~~الفرع مع استقلاله لفوات ما لم يثبت استقلاله، وهو ممتنع. # فإن عارض المعترض في صورة الإلغاء بوصف آخر غير ما عارض به في الأصل، فلا ~~بد من إبطاله، وإلا فالقياس متعذر. # ولا يمكن أن يقال في جوابه إن كل وصف اختص بصورة فهو ملغى بالصورة ~~الأخرى، وهذا هو المسمى في الاصطلاح بتعدد الوضع. # فإن للمعترض أن يقول: العكس غير لازم في العلل الشرعية؛ لجواز ثبوت الحكم ~~في كل صورة بعلة غير علة الصورة الأخرى، وإذا جاز ثبوت الحكم في صورتين ~~بعلتين مختلفتين فلا يلزم من إثبات الحكم في كل صورة بعلة مع عدم علة ~~الصورة الأخرى فيها إلغاء ما وجد في تلك الصورة. # السادس: أن يبين رجحان ما ذكره على ما عارض به المعترض بوجه من وجوه ~~الترجيحات التي يأتي ذكرها. # وعند ذلك، فيمتنع جعل ما عارض به المعترض علة مستقلة في محل التعليل؛ لما ~~فيه من إهمال الراجح واعتبار المرجوح. PageV04P096 # ويمتنع أن يكون داخلا في التعليل لما فيه من إلغاء ما علل به المستدل في ~~الفرع بتخلف الحكم عنه مع رجحانه، ضرورة انتفاء الوصف المرجوح. # وهاهنا ترجيح آخر، وهو أن يكون أحد الوصفين في الأصل ms815 المستنبط منه متعديا ~~والآخر قاصرا. # وذلك لا يخلو: إما أن يكون في طرف الإثبات أو النفي، فإن كان في طرف ~~الإثبات؛ فلا يخلو: إما أن يكون الوصف المتعدي جزءا من العلة، أو خارجا ~~عنها بأن يكون المعارض في الأصل بالوصف القاصر لا غير، فإن كان خارجا عنها، ~~فلا يخلو: إما أن يكون الوصف المتعدي مساويا للقاصر في جهة اقتضائه أو أن ~~الترجيح لأحدهما، فإن كان مساويا للقاصر من جهة الاقتضاء، فالتعليل ~~بالمتعدي أولى، وبيانه من جهة الإجمال والتفصيل. # أما الإجمال: فهو أن التعليل بالمتعدي متفق عليه، بخلاف التعليل بالقاصر، ~~والتعليل بالمتفق عليه أولى. # وأما التفصيل: فهو أن فائدة المتعدي أكثر من القاصر؛ لأن فائدة القاصر ~~إنما هي في ظهور الحكمة الباعثة في الأصل لسرعة الانقياد وسهولة القبول، ~~والمتعدي مشارك للقاصر في هذا المعنى، وزيادة التعريف للحكم في الفرع، وهو ~~أعظم فوائد العلة عند الأكثرين، وهو وإن لزم من التعليل به إهمال المناسب ~~القاصر فمقابل بمثله، حيث إنه يلزم من التعليل بالقاصر إهمال المناسب ~~المتعدي مع كونه راجحا. # والتعليل بالقاصر وإن كان على وفق النفي الأصلي في الفرع، والتعليل ~~بالمتعدي على خلافه إلا أنه مخالفة لما وقعت مخالفته في الأصل بما لم تظهر ~~مخالفته ولو عملنا بالقاصر لموافقة النفي الأصلي؛ لكان فيه العمل بموافقة ~~ما وقع الاتفاق على مخالفته ومخالفة ما لم يقع الاتفاق على مخالفته، وهو ~~الوصف المتعدي فكان مرجوحا. # فإن قيل: إلا أن التعليل بالوصف المتعدي يلزم منه مخالفة ما لم يتفق على ~~مخالفته من الوصف القاصر، وما اتفق على مخالفته من النفي الأصلي، فكان فيه ~~مخالفة ظاهرين: # PageV04P097 # أحدهما متفق على مخالفته والآخر غير متفق على مخالفته، والتعليل بالوصف ~~القاصر يلزم منه العمل بهذين الظاهرين، ومخالفة ظاهر واحد وهو الوصف ~~المتعدي. # قلنا: هذا مقابل بمثله فإنه بعد أن ثبت الحكم في الأصل لمعنى - وإن كان ~~قاصرا - فالأصل أن يثبت في الفرع بما وجد مساويا لوصف الأصل في الاقتضاء ~~نظرا إلى تماثل مقصود الشارع، والمحافظة على هذا الأصل أولى من ms816 المحافظة ~~على النفي الأصلي، لكون النفي الأصلي مخالفا في الأصل بمثل ما قيل باقتضائه ~~للحكم في الفرع. # وعند ذلك فيترجح ما ذكرناه من جهة أن العمل بالوصف المتعدي عمل به، وبأصل ~~مترجح على النفي الأصلي، والعمل بالقاصر عمل به وبأصل مرجوح بالنظر إلى ~~الأصل المعمول به من جانبنا، فكان ما ذكرناه أولى. # فإن قيل: ربما كان المانع للحكم قائما مطلقا، وعند ذلك فالتعليل بالقاصر ~~أولى، لما فيه من موافقة الدليل الشرعي النافي وموافقة النفي الأصل بخلاف ~~المتعدي. # قلنا: المانع في الفرع يستدعي وجود المقتضى وإلا فالحكم يكون فيه منتفيا؛ ~~لانتفاء ما يقتضيه، لا لوجود منافيه، فدعوى وجود المانع في الفرع مع وجوب ~~قصور العلة المقتضية للإثبات على الأصل (1) تناقض لا حاصل له. # كيف وإن ما مثل هذا المانع مرجوح ثم الخصم بالنسبة إلى الوصف القاصر ~~والمتعدي على ما وقع به الفرض في ابتداء الكلام، مساو للقاصر في المقصود، ~~فكان مرجوحا بالنسبة إلى المتعدي أيضا، فكان المتعدي أولى كما بيناه في ~~النفي الأصلي. # فإن قيل: كما أن المتعدية قد تعرف إثبات الحكم في الفرع، فالقاصرة تعرف ~~نفيه عن الفرع، وكما أن معرفة ثبوت الحكم في الفرع مقصود للشارع؛ فمعرفة ~~انتفائه أيضا عنه مقصود له. # قلنا: هذا إنما يستقيم أن لو لم يوجد في الفرع ما هو مساو للعلة القاصرة ~~في الأصل فيما يرجع إلى جهة الاقتضاء، والمقصود المطلوب للشارع من إثبات ~~الحكم؛ لأن تعريف العلة القاصرة لنفي الحكم في الفرع إنما هو بناء على ~~انتفاء مقصود الحكم، ولن يتصور ذلك مع وجود ما هو مساو في الطلب والاقتضاء ~~لما هو المقصود في الأصل، فلا ينتهض الوصف القاصر في الأصل علامة على ~~انتفاء الحكم في الفرع مع وجود الوصف المتعدي فيه ومساواته للقاصر في ~~الاقتضاء على ما وقع به الفرض. PageV04P098 # كيف وإن العلة القاصرة غير مستقلة بتعريف انتفاء الحكم في الفرع إلا مع ~~ضميمة انتفاء علة غيرها، وانتفاء النص والإجماع بخلاف العلة المتعدية في ~~طرف الإثبات، فما استقل بالتعريف يكون أولى مما ms817 لا يستقل. # نعم، قد يتوقف العمل بالعلة المثبتة على انتفاء المعارض لا أن انتفاء ~~المعارض من جملة المعرف ولا الداعي، بخلاف ما تتوقف عليه العلة القاصرة في ~~تعريفها نفي الحكم في الفرع. # والعمل بما هو معرف بنفسه من غير توقف في تعريفه على غيره أولى. # وعلى هذا يكون الحكم إن كان الوصف المتعدي راجحا في جهة اقتضائه أولى ~~والوصف المتعدي وإن توقف استقلاله على إخراج القاصر عن التعليل فليس إخراج ~~القاصر موقوفا على استقلال المتعدي، ليلزم الدور لجواز اتفاقهما في ~~إخراجهما عن التعليل. # كيف وإنه مقابل بدور آخر حيث إنه يتوقف إدخال القاصر في التعليل على عدم ~~استقلال المتعدي، وكذلك بالعكس. # وأما إن كان المتعدي مرجوحا في جهة اقتضائه بالنسبة إلى الوصف القاصر، ~~فالوصف القاصر أولى نظرا إلى المحافظة على زيادة المناسبة المعتبرة بثبوت ~~الحكم على وفقها، والنظر إليها وإن أوجب إهمال فائدة المتعدية أولى لما فيه ~~من زيادة المصلحة، وصلاح المكلف، وما يتعلق به من زيادة التعقل وسرعة ~~الانقياد في ابتداء ثبوت الحكم لأنه الأصل في كون الحكم معللا. # وفائدة التعدية إنما تعرف بعد تعرف تعليل الحكم بما علل به بنظر ثان ~~متأخر عن النظر، فيما علل به الحكم في الأصل، ولا شك أن ما هو أشد مناسبة ~~للحكم يكون أسبق إلى الفهم بالتعليل للحكم الثابت في الأصل فكان التعليل به ~~أولى. # وإن كانت جهة التساوي والأرجحية غير معلومة ولا ظاهرة، فالتعليل بالمتعدي ~~أولى نظرا إلى أن العمل به أولى على تقدير أن يكون مساويا، وعلى تقدير أن ~~يكون راجحا، وإنما يمتنع العمل به على تقدير أن يكون مرجوحا في نفس الأمر. # ولا يخفى أن العمل بما العمل به يتم على تقدير من التقديرين أولى مما لا ~~يتم العمل به إلا على تقدير واحد بعينه. # PageV04P099 # وعلى ما فصلناه في طرف الإثبات يكون الحكم في طرف النفي، هذا كله إن كان ~~الوصف المتعدي خارجا عن العلة القاصرة. # وأما إن كان داخلا فيها بأن كان المعارض معللا بمجموع الوصفين؛ الوصف ~~القاصر ms818 والمتعدي معا، فالقاصر أولى؛ وسواء كان ذلك في طرف الإثبات أو ~~النفي؛ وسواء كان المتعدي راجحا على القاصر أو مرجوحا أو مساويا. # أما في طرف الإثبات؛ فلأن التعليل بالعلة المتعدية يلزم منه إهمال الوصف ~~القاصر وتعطيله، ولا كذلك بالعكس، ويخفى أن الجمع أولى من التعطيل. # فإن قيل: إلا أنه على تقدير أن يكون الوصف المتعدي راجحا لو جعلنا الوصف ~~القاصر داخلا في التعليل، فيلزم منه أن يتخلف الحكم في الفرع عن الوصف ~~المتعدي الراجح؛ رعاية لما فات من الوصف المرجوح وهو ممتنع. # قلنا: هذا إنما يستقيم على تقدير أن يكون رجحانه ظاهرا، ولا يستقيم على ~~تقدير أن يكون مرجوحا أو مساويا، ولا يخفى أن احتمال وقوع العمل بما يتم ~~على تقدير من تقديرين أولى من العمل بما لا يتم العمل به إلا على تقدير ~~واحد بعينه. # كيف وإن العمل بالقاصر، وإن كان يفضي إلى إهمال الوصف المتعدي في الفرع؛ ~~إلا إنه لا يلزم منه إهماله مطلقا إذ هو داخل في العلة، ولو عملنا بالوصف ~~المتعدي فقط يلزم منه إهمال القاصر وتعطيله مطلقا، فالعمل بالقاصر يكون ~~أولى، وعلى هذا يكون الحكم إن كان ذلك في طرف النفي أيضا، بل أولى لما فيه ~~من تقليل مخالفة المقتضي للإثبات. # هذا إن ظهر الترجيح، وأما إن تحققت المعارضة من غير ترجيح بعد البحث ~~التام، فعلى مقتضى ما أسلفناه من القول بالتخيير عند التعارض مع التنافي، ~~فلا مانع من الجري على تلك القاعدة هاهنا. ### | [الاعتراض السادس عشر سؤال التركيب] # وهو الوارد على القياس المركب، وقد بينا معنى القياس المركب وأقسامه ووجه ~~تسميته بذلك، والسؤال الوارد عليه وجوابه في شرط حكم الأصل (1) . ~~PageV04P100 ### | [الاعتراض السابع عشر سؤال التعدية] # وهو أن يعين المعترض في الأصل معنى ويعارض به، ثم يقول للمستدل: ما عللت ~~به وإن تعدى إلى فرع مختلف فيه، فالذي عللت به أيضا قد تعدى إلى فرع مختلف ~~فيه، وليس أحدهما أولى من الآخر. # وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة إجبار البكر البالغ: بكر، فجاز إجبارها ms819 ~~كالبكر الصغيرة، فعارضه الحنفي بالصغر وقال: البكارة وإن تعدت إلى البكر ~~البالغة، فالصغر متعد إلى الثيب الصغيرة، وهذا أيضا مما اختلف فيه. # والحق أنه لا يخرج عن سؤال المعارضة في الأصل مع زيادة التسوية في ~~التعدية، وجوابه بإبطال ما عارض به المعترض وحذفه عن درجة الاعتبار بما ~~أسلفناه في سؤال المعارضة في الأصل، ومهما حقق شيء من تلك الطرق فقد اندفع ~~ولا أثر لما أشير إليه من التسوية، خلافا للداركي (1) . ### | [الاعتراض الثامن عشر منع وجود الوصف المعلل به في الفرع] # الاعتراض الثامن عشر # منع وجود الوصف المعلل به في الفرع، وجوابه كجواب منع وجوده في الأصل وقد ~~عرف. ### | [الاعتراض التاسع عشر المعارضة في الفرع بما يقتضي نقيض حكم المستدل] # الاعتراض التاسع عشر # المعارضة في الفرع بما يقتضي نقيض حكم المستدل، إما بنص أو إجماع ظاهر أو ~~بوجود مانع الحكم أو بفوات شرط الحكم، ولا بد من بيان تحققه وطريق كونه ~~مانعا أو شرطا على نحو طريق إثبات المستدل كون الوصف الذي علل به من ~~التأثير أو الاستنباط. # وقد اختلف في قبوله، (2) فمنع منه قوم تمسكا منهم بأن المعارضة استدلال ~~وبناء، وحق المعترض أن يكون هادما لا بانيا. PageV04P101 # وقبله الأكثرون وهو المختار، إذ يلزم منه هدم ما بناه المستدل لمقاومة ~~دليله لدليله، ولا حجر عليه في سلوك طرق الهدم ولا سيما إذا تعين ذلك طريقا ~~في الهدم بأن لم يكن له هادم سواه، فلو لم يقبل منه لبطل مقصود المناظرة، ~~واختلت فائدة البحث والاجتهاد. # والوجه في جوابه عند توجهه أن يقدح فيه المستدل بكل ما للمعترض أن يقدح ~~به فيه، أن لو كان المستدل متمسكا به، وإن عجز عن جميع ذلك فقد اختلفوا في ~~جواز دفعه بالترجيح. # فمنهم من لم يجوز ذلك اعتمادا منهم على أن ما ذكره المعترض - وإن كان ~~مرجوحا بالنسبة إلى ما ذكره المستدل - فلا يخرج بذلك عن كونه اعتراضا. # ومنهم من جوزه وهو المختار؛ لأنه مهما ترجح ما ذكره المستدل بوجه من وجوه ~~الترجيحات الآتية، كان العمل ms820 به متعينا. # وهل يجب على المستدل أن يذكر في دليله ما يومئ إلى الترجيح؟ # منهم من أوجبه لتوقف العمل بالدليل عليه فكان من الدليل، فلو لم يذكره لم ~~يكن ذاكرا للدليل أولا، بل لبعضه. # ومنهم من لم يوجبه؛ لما في التكليف به من الحرج والمشقة. # والمختار أن يقال: إما أن يكون ما به الترجيح يرجع إلى العلة بأن يكون ~~وصفا من أوصافها أو لا يكون كذلك، فإن كان الأول: فلا بد من ذكره في الدليل ~~أولا ليكون ذاكرا للدليل. # وإن كان الثاني: فلا؛ لأنه مسئول عن الدليل وقد أتى بمسماه حقيقة، ~~والترجيح بأمر خارج عن الدليل إنما هو من توابع ورود المعارضة، فذكره بعد ~~المعارضة وإن توقف عليه إعمال الدليل بدفع المعارض (1) لا يوجب أن يكون ~~داخلا في مسمى الدليل، حتى يقال إنه لم يكن ذاكرا للدليل أولا. PageV04P102 ### | [الاعتراض العشرون الفرق] # واعلم أن سؤال الفرق عند أبناء زماننا لا يخرج عن المعارضة في الأصل أو ~~الفرع إلا أنه عند بعض المتقدمين عبارة عن مجموع الأمرين، حتى إنه لو اقتصر ~~على أحدهما لا يكون فرقا. # ولهذا اختلفوا فمنهم من قال: إنه غير مقبول، لما فيه من الجمع بين أسئلة ~~مختلفة، وهي المعارضة في الأصل والمعارضة في الفرع. # ومنهم من قال بقبوله، واختلفوا مع ذلك في كونه سؤالين أو سؤالا واحدا، ~~فقال ابن سريج: إنه سؤالان، جوز الجمع بينهما لكونه أدل على الفرق. # وقال غيره: بل هو سؤال واحد لاتحاد مقصوده، وهو الفرق وإن اختلفت صيغته. # ومن المتقدمين من قال: ليس سؤال الفرق هو هذا، وإنما هو عبارة عن بيان ~~معنى في الأصل له مدخل في التعليل ولا وجود له في الفرع، فيرجع حاصله إلى ~~بيان انتفاء علة الأصل في الفرع، وبه ينقطع الجمع. # وجوابه على كل تقدير لا يخرج عما ذكرناه في جواب المعارضة في الأصل ~~والفرع. ### | [الاعتراض الحادي والعشرون إذا اختلف الضابط بين الأصل والفرع واتحدت الحكمة] # الاعتراض الحادي والعشرون # إذا اختلف الضابط بين الأصل والفرع، واتحدت الحكمة # كما لو ms821 قيل في شهود القصاص: تسببوا في القتل عمدا عدوانا فلزمهم القصاص ~~زجرا لهم عن التسبب كالمكره. # فللمعترض أن يقول: ضابط الحكمة في الأصل إنما هو الإكراه، وفي الفرع ~~الشهادة، والمقصود منهما وإن كان متحدا وهو الزجر فلا يمكن تعدية الحكم به ~~وحده، وما جعل ضابطا له في الأصل غير موجود في الفرع، والضابط في الفرع ~~يحتمل أن لا يكون مساويا لضابط الأصل في الإفضاء إلى المقصود، فامتنع ~~الإلحاق. # وجوابه إما بأن يبين أن التعليل إنما هو بعموم ما اشترك فيه الضابط من ~~التسبب المضبوط عرفا، أو بأن يبين أن إفضاء الضابط في الفرع إلى المقصود ~~أكثر من إفضاء ضابط الأصل، فكان أولى بالثبوت. # PageV04P103 # وذلك كما لو كان أصله في مثل هذه المسألة (المغري للحيوان) من حيث إن ~~انبعاث الولي للتشفي والانتقام في الفرع لغلبة إقدام المكره بالإكراه على ~~القتل؛ طلبا لخلاص نفسه أغلب من إقدام الحيوان بالإغراء على الآدمي بسبب ~~غلبة نفرته عنه. # وبالجملة فيبين الغلبة بما يساعد في آحاد المسائل. ### | [الاعتراض الثاني والعشرون إذا اتحد الضابط بين الأصل والفرع واختلف جنس المصلحة] # الاعتراض الثاني والعشرون (1) # إذا اتحد الضابط بين الأصل والفرع، واختلف جنس المصلحة كما لو قال ~~الشافعي في مسألة اللواط: أولج فرجا في فرج مشتهى طبعا، محرم شرعا، فوجب به ~~الحد كالزنا. # فللمعترض أن يقول: الضابط وإن كان متحدا، غير أن الحكمة التي في الفرع ~~وهي صيانة النفس عن رذيلة اللياطة مخالفة لحكمة الأصل، وهي دفع محذور ~~اختلاط المياه واشتباه الأنساب المفضي إلى تضييع المولود وانقطاع نسل جنس ~~الإنسان. # وعند ذلك فلا يلزم من اعتبار الضابط في الأصل لما لزمه من الحكمة اعتباره ~~في الفرع لغير تلك الحكمة، لجواز أن لا تكون قائمة مقامها في نظر الشارع. # وجوابه أن يقال: التعليل إنما وقع بالضابط المشترك المستلزم لدفع المحذور ~~اللازم من عموم الجماع، والتعرض لحذف خصوص ما اختص به الأصل من الزنا ~~ومقصوده اللازم عنه وحذفه بطريق من طرق الحذف التي سبق بيانها في السبر ~~والتقسيم. ### | [الاعتراض الثالث والعشرون ms822 أن يقال حكم الفرع مخالف لحكم الأصل فلا قياس] # الاعتراض الثالث والعشرون # أن يقال: حكم الفرع مخالف لحكم الأصل، فلا قياس؛ لأن القياس عبارة عن ~~تعدية حكم الأصل إلى الفرع بواسطة الجامع بينهما، ومع اختلاف الحكم، فحكم ~~الأصل لا يكون متعديا إلى الفرع فلا قياس. # وجوابه ببيان اتحاد الحكم، إما عينا وذلك كما في قياس وجوب الصوم على ~~وجوب الصلاة، وقياس صحة البيع على صحة النكاح (2) وأن الاختلاف إنما هو ~~عائد إلى المحل، وهو غير قادح PageV04P104 # في صحة القياس لكونه شرطا فيه وإما جنسا كما في قياس وجوب قطع الأيدي ~~باليد الواحدة على وجوب قتل الأنفس بالنفس الواحدة (1) وأن الاختلاف إنما ~~هو في عين الحكم، فكان إما ملائما إن كان الاشتراك في جنس العلة أو مؤثرا ~~إن كان الاشتراك في عينها على ما سبق تحقيقه، وذلك غير مبطل للقياس عند ~~القائلين به. # وأما إن كان الحكم مختلفا جنسا ونوعا كما في إلحاق الإثبات بالنفي أو ~~الوجوب بالتحريم وبالعكس، فقد بينا وجه الاختلاف في صحته وأن المختار ~~إبطاله (2) . ### | [الاعتراض الرابع والعشرون سؤال القلب] # وهو قسمان: الأول قلب الدعوى، والآخر قلب الدليل. # أما قلب الدعوى فضربان، وذلك لأن الدعوى إما أن يكون الدليل مضمرا فيها ~~أو لا يكون كذلك، فإن كان الأول فهو كما لو قال الأشعري: أعلم بالضرورة أن ~~كل موجود مرئي، فهذه دعوى فيها إضمار الدليل، وتقديره لأنه موجود إذ الوجود ~~هو المصحح للرؤية عنده. # فقال المعتزلي: أعلم بالضرورة أن كل ما ليس في جهة لا يكون مرئيا، فهذه ~~الدعوى مقابلة للأولى من جهة أن الموجود ينقسم إلى ما هو في جهة وإلى ما ~~ليس PageV04P105 # في جهة فالقول بأن ما ليس في جهة لا يكون مرئيا (1) يقابل قول القائل: كل ~~موجود مرئي، ودليلها مضمر فيها وتقديره أن انتفاء الجهة مانع من الرؤية. # وأما إن لم يكن الدليل مضمرا فيها، فكما لو قال القائل في مسألة إفضاء ~~النظر إلى العلم أو في مسألة التحسين والتقبيح مثلا، أعلم بالضرورة أن ~~النظر إلى ms823 العلم وأن الكفر قبيح لعينه والشكر حسن لعينه. # فقال المعترض: أعلم بالضرورة أن النظر لا يفضي إلى العلم وأن الكفر ليس ~~قبيحا لعينه ولا الشكر لعينه. # وهذا هو عين مقابلة الفاسد بالفاسد، والمقصود منه استنطاق المدعي ~~باستحالة دعوى الضرورة من خصمه في محل الخلاف، فيقال وهذا لازم لك أيضا. # وقد أورد الجدليون في هذا الباب قلب الاستبعاد في الدعوى، وذلك كما لو ~~قال الشافعي في مسألة إلحاق الولد بأحد الأبوين المدعيين: تحكيم الولد في ~~ذلك تحكم بلا دليل. فقال الحنفي: وتحكيم القائف في ذلك أيضا تحكم بلا دليل. ~~PageV04P106 # قالوا والمقصود منه أيضا استنطاق المدعي بأن ما ذكره ليس بتحكم، بل له ~~مأخذ صحيح فيقول المعترض وكذلك ما ذكرته. # وهو في غاية البعد، فإنه إما أن يعترف المدعي بأن ما ذهب إليه تحكم أو أن ~~يبين مأخذه فيه، فإن كان تحكما فلا تغني معارضته بتحكمه في مذهبه في إبطال ~~دعواه التحكم في مذهب خصمه، وإن بين له مأخذا، فلا يلزم منه أن يكون ما ~~استبعده من مذهب خصمه كذلك. # وإن تعرض المعترض لبيان المأخذ فيما استبعده المدعي، فهو الجواب ولا حاجة ~~إلى القلب. # وأما قلب الدليل، وهو عبارة عن بيان كون ما ذكره المستدل يدل عليه، ثم لا ~~يخلو إما أن يسلم المعترض أن ما ذكره المستدل من الدليل يدل له من وجه أو ~~يبين أنه لا دلالة له على مذهب المستدل ولا من وجه. # فإن بين أن ما ذكره لا يدل له، وهو دليل عليه، فهذا قلما يوجد له مثال في ~~غير المنصوص، وذلك كما لو استدل في توريث الخال بقوله عليه السلام: " ~~«الخال وارث من لا وارث له» " (1) . # فقال المعترض: المراد به نفي توريث الخال بطريق المبالغة، كما يقال: ~~الجوع زاد من لا زاد له والصبر حيلة من لا حيلة له، معناه نفي كون الجوع ~~زادا والصبر حيلة. # ويدل على إرادة هذا الاحتمال أنه لا يخلو إما أن يكون المراد من قوله: " ~~«لا وارث له» " نفي كل وارث، فتوريث ms824 الخال لا يتوقف عند من يراه وارثا على ~~نفي جميع الوراث لإرثه مع الزوج والزوجة، وإما نفي من عداه من الوراث بجهة ~~العصوبة، فتخصيص الخال بالذكر لا يكون مفيدا؛ لأن من عداه من ذوي الأرحام ~~كذلك (2) . PageV04P107 # وهذا النوع من القلب، وإن دل على مذهب المعترض فهو شبيه بفساد الوضع من ~~حيث إنه لا يدل على مذهب المستدل. # وإن سلم أن ما ذكره المستدل يدل له من وجه فهذا النوع من القلب ثلاثة ~~أقسام، وذلك لأن المعترض إما أن يتعرض في القلب لتصحيح مذهبه أو لإبطال ~~مذهب المستدل وإن تعرض لإبطال مذهب المستدل، فإما أن يتعرض له صريحا بأن ~~يجعله حكما للدليل بلا واسطة أو لا بصريحه، بل بطريق الالتزام بأن يرتب على ~~الدليل حكما يلزم منه إبطال مذهب المستدل. # فإن كان من القسم الأول، فهو كما لو قال الحنفي مثلا في مسألة الاعتكاف: ~~لبث محض فلا يكون قربة بنفسه، كالوقوف بعرفة. # فقال المعترض: لبث محض، فلا يشترط الصوم في صحته كالوقوف بعرفة، فكل واحد ~~منهما قد تعرض في دليله لتصحيح مذهبه، غير أن المستدل أشار بعلته إلى ~~اشتراط الصوم بطريق الالتزام، والمعترض أشار إلى نفي اشتراطه صريحا. # وعند التحقيق فتعليل المستدل في هذا المثال لنفي القربة ليس تعليلا ~~بمناسب يقتضي نفي القربة بل بانتفاء المناسب من حيث إن اللبث المحض لا ~~يناسب ولا يشم منه رائحة المناسبة للقرابة. # وتعليل المعترض بأمر طردي فإنه لا مناسبة في اللبث المحض لنفي اشتراط ~~الصوم. # وقد يتفق أن يكون المستدل قد تعرض لتصحيح مذهبه صريحا، والمعترض كذلك كما ~~لو قال الشافعي في إزالة النجاسة: طهارة تراد لأجل الصلاة، فلا تجوز بغير ~~الماء كطهارة الحدث. # فقال المعترض: طهارة تراد لأجل الصلاة فتصبح بغير الماء كطهارة الحدث، ~~فكل واحد منهما متعرض في الدليل لتصحيح مذهبه صريحا، والعلة في الطرفين ~~شبهية. # وإن كان من القسم الثاني، وهو أن يتعرض المعترض في القلب لإبطال مذهب ~~المستدل صريحا، فمثاله ما لو قال الحنفي في مسألة مسح الرأس: عضو من ms825 أعضاء ~~الوضوء، فلا يكتفى فيه بأقل ما ينطلق عليه الاسم كسائر الأعضاء. # PageV04P108 # فقال الشافعي: عضو من أعضاء الوضوء، فلا يتقدر بالربع كسائر الأعضاء، فكل ~~واحد منهما قد صرح في دليله بإبطال مذهب خصمه، وليس في ذلك ما يدل على ~~تصحيح مذهب أحدهما فإنه ليس يلزم من إبطال مذهب كل واحد منهما تصحيح مذهب ~~الآخر لجواز أن يكون الصحيح هو مذهب مالك وهو وجوب الاستيعاب. # نعم، لو كان القائل في المسألة قائلان، والاتفاق منهما واقع على نفي قول ~~ثالث، فإنه يلزم من تعرض كل واحد منهما لإبطال مذهب الآخر تصحيح مذهبه، ~~ضرورة الاجتماع على إبطال قول ثالث، وذلك كالحكم بالأولوية في مسألة التخلي ~~للعبادة. # وإن كان من القسم الثالث، فهو كما لو قال الحنفي في مسألة بيع الغائب: ~~عقد معاوضة فيصح مع الجهل بالمعوض كالنكاح، فقال الشافعي: عقد معاوضة فلا ~~يشترط فيه خيار الرؤية كالنكاح. # فإن المعترض في هذا المثال لم يتعرض لإبطال مذهب المستدل في القول بالصحة ~~صريحا بل بطريق الالتزام، وذلك أن من قال بالصحة فقد قال بخيار الرؤية، ~~فخيار الرؤية لازم الصحة، فإذا بطل خيار الرؤية فقد انتفى اللازم ويلزم من ~~انتفاء اللازم انتفاء الملزوم. # ويلتحق بأذيال هذا القسم الثالث قلب التسوية، ومثاله قول الحنفي في مسألة ~~إزالة النجاسة بالخل: مائع طاهر مزيل للعين والأثر، فتحصل به الطهارة ~~كالماء، فيقول الشافعي: مائع طاهر مزيل للعين والأثر فتستوي فيه طهارة ~~الحدث والخبث كالماء، فإنه يلزم من القول بالتسوية في الخل بين طهارة الحدث ~~والخبث عدم حصول الطهارة بالخل في الخبث لعدم حصولها به في الحدث، والحكم ~~بالتسوية. # واعلم أن أعلى مراتب أنواع القلب ما بين فيه أنه يدل على المستدل ولا يدل ~~له، ثم يليه النوع الثاني وهو ما بين فيه أنه يدل له وعليه، وأعلى مراتب ~~هذا النوع ما صرح فيه بإثبات مذهب المعترض، وهو القسم الأول منه. # ثم ما صرح فيه بإبطال مذهب المستدل فإنه دون ما قبله من حيث إنه لا يلزم ~~منه تصحيح مذهبه على ms826 ما تقدم، وهو القسم الثاني منه. # ثم القسم الثالث: فإنه وإن شارك ما قبله من القسم الثاني في إبطال مذهب ~~المستدل، إلا أنه يدل عليه بطريق الالتزام وما قبله بصريحه. # PageV04P109 # وهذا النوع من القلب لا تعرض فيه لدلالة المستدل بالقدح، بل غايته بيان ~~دلالة أخرى منه تدل على نقيض مطلوبه، فكان شبيها بالمعارضة وإن فارقها من ~~جهة أنه معارضة نشأت من نفس دليل المستدل. # وإذا أتينا على ما أردناه من تحقيق معنى القلب وأقسامه، فقد اختلف في ~~قبوله فقبله قوم من حيث إنه يشير إلى ضعف الدليل لدلالته على نقيض مذهب ~~المستدل، ورده آخرون من حيث إن المعترض إما أن يتعرض في دليله لنقيض حكم ~~المستدل أو إلى غيره. # فإن كان الأول، فقد تعذر عليه القياس على أصل المستدل لاستحالة اجتماع ~~حكمين متقابلين مجمع عليهما في صورة واحدة. # وإن كان الثاني، فلا يكون ذلك اعتراضا على الدليل. # والحق في ذلك أنه وإن تعرض في الدليل لحكم يقابل حكم المستدل صريحا، فقد ~~لا يمتنع الجمع بينهما في أصل واحد، كما ذكرناه من مثال إزالة النجاسة في ~~القسم الأول. # وإن تعرض لغيره فيصح القلب إذا كان ذلك لازما عما ذكره المعترض كما ذكره ~~المعترض، كما ذكرناه من المثال في القسم الثاني من النوع الثاني من التمثيل ~~في مسألة بيع الغائب، ومن التمثيل بقلب التسوية في إزالة النجاسة. # وإنما يمتنع قبوله؛ لأن ما ذكره المستدل إما أن يكون مقصود الشارع من ~~الحكم المرتب عليه ملازما له أو لا يكون كذلك، فإن كان الأول فتعليل ~~المعترض به لمقابل حكم المستدل: إما أن يكون بحيث يلزمه مقصود من مقابل ~~الحكم، أو لا يكون كذلك. # فإن كان الأول: فإما أن يكون ذلك من جهة ما علل به المستدل، أو من غيرها؛ ~~فإن كان الأول، فمحال أن يكون الوصف الواحد من جهة واحدة يناسب الحكم ~~ومقابله، وإن كان الثاني، فما ذكره ليس بقلب إذ القلب لا بد فيه من اتحاد ~~العلة في القياسين، بل هو معارضة بدليل ms827 آخر، وإن كان بحيث لا يلازمه ~~المقصود، فهو بالنسبة إلى حكم المعترض طردي ووصف المستدل مناسب أو شبهي، ~~فلا يكون قادحا فيه. # وإن كان ما ذكره المستدل طرديا بالنسبة إلى ما رتبه عليه، فهو باطل في ~~نفسه لتعذر التعليل بالطردي المحض، ولا حاجة إلى شيء من الاعتراضات. # PageV04P110 ### | [الاعتراض الخامس والعشرون سؤال القول بالموجب] # وحاصله يرجع إلى تسليم ما اتخذه المستدل حكما لدليله على وجه لا يلزم منه ~~تسليم الحكم المتنازع فيه. # ومهما توجه على هذا الوجه، كان المستدل منقطعا لتبيين أن ما نصه من ~~الدليل لم يكن متعلقا بمحل النزاع، وهو منحصر في قسمين، وذلك لأن المستدل ~~إما أن ينصب دليله على تحقيق مذهبه، وما نقل عن إمامه من الحكم أو على ~~إبطال ما يظنه مدركا لمذهب خصمه. # فإن كان الأول، فهو كما لو قال الشافعي في الملتجئ إلى الحرم: وجد سبب ~~جواز استيفاء القصاص، فكان استيفاؤه جائزا. # فقال الخصم: أقول بموجب هذا الدليل، فإن استيفاء القصاص عندي جائز، وإنما ~~النزاع في جواز هتك حرمة الحرم. # وإن كان الثاني: فهو كما لو قال الشافعي في مسألة استيلاد الأب جارية ~~ابنه: وجوب القيمة لا يمنع من إيجاب المهر كاستيلاد أحد الشريكين، أو قال ~~في مسألة القتل بالمثقل: التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص، كالتفاوت ~~في المتوسل إليه. # فقال الخصم: أقول بموجب هذا الدليل، وأن وجوب القيمة لا يمنع من وجوب ~~المهر، والتفاوت في الوسيلة لا يمنع من التفاوت في المتوسل إليه، والنزاع ~~إنما هو في وجوب المهر ووجوب القصاص. # ولا يلزم من إبطال ما ذكر من الموانع إثبات وجوب المهر والقصاص، لجواز ~~انتفاء المقتضي لذلك أو وجود مانع آخر أو فوات شرط. # وورود هذا النوع من القول بالموجب أغلب في المناظرات من ورود النوع الأول ~~من جهة أن خفاء المدارك أغلب من خفاء الأحكام؛ لكثرة المدارك وتشعبها وعدم ~~الوقوف على ما هو معتمد الخصم من جملتها بخلاف الأحكام، فإنه قلما يتفق ~~الذهول عنها. # ولهذا قد يشترك في معرفة الحكم المنقول ms828 عن الإمام الخواص والعوام دون ~~معرفة المدارك، فكان احتمال الخطأ في اعتقاد كون المدرك المعين هو مدرك ~~الإمام أقرب من احتمال الخطأ فيما ينسب إلى الإمام من الحكم المدلول عليه. # PageV04P111 # وقد اختلف الجدليون في وجوب تكليف المعترض إبداء مستند القول بالموجب في ~~هذا النوع (1) . # فقال بعضهم: لا بد من تكليفه بذلك لاحتمال أن يكون هذا هو المأخذ عنده ~~فإذا علم أنه لا يكلف بإبداء المأخذ عند إيراد القول بالموجب، فقد يقول ~~بذلك عنادا، قصدا لإيقاف كلام خصمه ولا كذلك إذا وظف عليه بيان المأخذ فكان ~~أفضى إلى صيانة الكلام عن الخبط والعناد فكان أولى. # وقال آخرون: لا وجه لتكليفه بذلك بعد وفائه بشرط القول بالموجب، وهو ~~استبقاء محل النزاع وهو الأظهر؛ لأنه عاقل متدين وهو أعرف بمأخذ إمامه، ~~فكان الظاهر من حاله الصدق فيما ادعاه، فوجب تصديقه. # كيف وإنا لو أوجبنا عليه إبداء المأخذ، فإن مكنا المستدل من إبطاله ~~والاعتراض عليه يلزم منه قلب المستدل معترضا، والمعترض مستدلا. # ولا يخفى ما فيه من الخبط، وإن لم يمكن من ذلك فلا فائدة في إبداء المأخذ ~~لإمكان ادعائه ما يصلح للتعليل؛ ترويحا لكلامه ثقة منه بامتناع ورود ~~الاعتراض عليه. # وللمستدل في دفع القول بالموجب بالاعتبار الأول طرق. # الأول: أن يقول: المسألة مشهورة بالخلاف فيما فرض فيه الكلام إن أمكن، ~~والشهرة بذلك دليل وقوع الخلاف فيه. # الثاني: أن يبين أن محل النزاع لازم فيما فرض الكلام فيه، وذلك كما لو ~~كان حكم دليله أنه لا يجوز قتل المسلم بالذمي، فقال المعترض: هو عندي غير ~~جائز، بل واجب. # فيقول المستدل المعنى بعدم الجواز لزوم التبعة بفعله، ويلزم من ذلك نفي ~~الوجوب لاستحالة لزوم التبعة بفعل الواجب. # الثالث: أن يقول المستدل: القول بالموجب فيه تغيير كلامي عن ظاهره، فلا ~~يكون قولا بموجبه. PageV04P112 # وذلك كما لو كان المستدل قد قال في زكاة الخيل: حيوان تجوز المسابقة ~~عليه، فوجبت فيه الزكاة قياسا على الإبل. # فقال المعترض: عندي تجب فيه زكاة التجارة. والنزاع إنما هو في زكاة ~~العين، ms829 فيقول المستدل: إذا كان النزاع في زكاة العين، فظاهر كلامي منصرف ~~إليها لقرينة الحال، ولظهور عود الألف واللام في الزكاة إلى المعهود، وأيضا ~~فإن لفظ الزكاة يعم زكاة العين والتجارة، فالقول به في زكاة التجارة قول ~~بالموجب في صورة واحدة، وهو غير متجه (1) لأن موجب الدليل التعميم، فالقول ~~ببعض الموجب لا يكون قولا بالموجب بل ببعضه. # وكذلك إذا قال في مسألة إزالة النجاسة (2) : مائع لا يزيل الحدث، فلا ~~يزيل الخبث كالمرقة. # فقال المعترض: أقول به؛ فإن الخل النجس لا يزيل الحدث ولا الخبث. # فيقول المستدل: ظاهر كلامي إنما هو الخل الظاهر، ضرورة وقوع النزاع فيه، ~~وإيراد القول بالموجب على وجه يلزم منه تغيير كلام المستدل عن ظاهره لا ~~يكون قولا بمدلوله وموجبه، بل بغيره فلا يكون مقبولا. # وله في دفع القول بالموجب بالاعتبار الثاني أيضا طرق. # الأول: أن يكون المستدل قد أفتى بما وقع مدلولا لدليله، وفرض المعترض ~~الكلام معه فيه وطالبه بالدليل عليه، فإذا قال بالموجب بعد ذلك فقد سلم ما ~~وقع النزاع فيه وأفسد على نفسه القول بالموجب بالمطالبة بالدليل عليه أولا. # وبمثل هذا يمكن أن يجاب عن القول (3) بالاعتبار الأول أيضا. # الثاني: أن يبين أن لقب المسألة مشهور بذلك بين النظار، كما سبق تقريره ~~أولا. # الثالث: أن يبين أن محل النزاع لازم من مدلول دليله إن أمكن، PageV04P113 # وذلك بأن يكون المعترض قد ساعد على وجود المقتضي لوجوب القصاص، وكانت ~~الموانع التي يوافق المستدل عليها منتفية والشروط متحققة (1) . # فإذا أبطل كون المانع المذكور مانعا، فيلزم منه الحكم المتنازع فيه ~~ظاهرا. # وأما قياس الدلالة والقياس في معنى الأصل، فيرد عليهما كل ما كان واردا ~~على قياس العلة سوى الأسئلة المتعلقة بمناسبة الوصف الجامع، فإنها لا ترد ~~عليهما. # أما قياس الدلالة؛ فلأن الوصف الجامع فيه ليس بعلة، وأما القياس في معنى ~~الأصل؛ فلعدم ذكر الجامع فيه. # والأسئلة الواردة على نفس الوصف الجامع لا ترد على القياس في معنى الأصل ~~لعدم ذكر الجامع فيه (2) . # ويختص قياس الدلالة بسؤال آخر، وهو عند ms830 ما إذا كان الجامع بين الأصل ~~والفرع أحد موجبي الأصل، كما إذا قال القائل في مسألة الأيدي باليد ~~الواحدة: أحد موجبي الأصل، فالطرف المعصوم يساوي النفس، فيه دليله الموجب ~~الثاني، وقرره بأن الدية أحد الموجبين في الأصل وهي واجبة في الفرع على ~~الكل، ويلزم من وجود أحد الموجبين في الفرع وجود الموجب الآخر، وذلك لأن ~~علة الموجبين في الأصل إما أن تكون واحدة أو متعددة. # فإن كانت واحدة فيلزم من وجود أحد موجبيها في الفرع وجودها فيه، ومن ~~وجودها فيه وجود الموجب الآخر وهو القصاص على الكل. # وإن كانت متعددة، فتلازم الحكمين في الأصل دليل تلازم العلتين، وعند ذلك ~~فيلزم من وجود أحد الحكمين في الفرع وجود علته التي وجد بها في الأصل ويلزم ~~من وجود علته وجود علة الحكم الآخر. # والسؤال الوارد عليه أن يقال: لا يلزم من وجود أحد حكمي الأصل في الفرع ~~وجود الحكم الآخر، سواء اتحدت علتهما في الأصل أو تعددت. PageV04P114 # أما إذا اتحدت، فلأنه لا يمتنع عند تعدد المحال وإن اتحد نوع الحكم، أن ~~يكون الحكم الثابت في الفرع بغير علة الأصل وهو الأولى، لما فيه من تكثير ~~مدارك الحكم، فإنه أفضى إلى اقتناص مقصود الشارع من الحكم مما إذا اتحد ~~المدرك، وإذا كان كذلك فلا يلزم منه وجود الحكم الآخر؛ لجواز أن لا تكون ~~علة الفرع مستقلة بإثبات الحكم الآخر كاستقلال علة الأصل. # وأما إذا تعددت العلة فإن وقع التلازم بينهما، فلجواز أن تكون علة الحكم ~~الثابت في الفرع غير علته في الأصل، لما ذكرناه. # وعند ذلك فلا يلزم منها وجود العلة الأخرى في الفرع، فإنه لا يلزم من ~~التلازم بين علة ذلك الحكم وعلة الحكم الآخر في الأصل التلازم بين علته في ~~الفرع وعلة الحكم الآخر. # وعلى هذا لا يكون الحكم الآخر لازما في الفرع، وجوابه أن يقال: ثبوت أحد ~~الحكمين في الفرع يدل ظاهرا على وجود علته التي ثبت بها في الأصل، وإن جاز ~~ثبوته في الفرع بغيرها؛ لأن الأصل عدم وجود ms831 علة أخرى غير علته في الأصل. # والقول بأن تعدد المدارك أولى معارض بأن الاتحاد أولى لما فيه من التعليل ~~بعلة مطردة منعكسة، وما ذكروه وإن كانت العلة فيه مطردة إلا أنها غير ~~منعكسة، والتعليل بالعلة المطردة المنعكسة متفق عليه، بخلاف غير المنعكسة، ~~فكانت أولى. # فإن قيل: وكما أن الأصل عدم علة أخرى في الفرع غير علة الأصل، فالأصل عدم ~~علة الأصل في الفرع وليس العمل بأحد الأصلين أولى من الآخر. # قلنا: بل العمل بما ذكرناه أولى؛ لأن العلة فيه تكون متعدية وهي متفق على ~~صحة التعليل بها، وما ذكروه يلزم منه أن تكون العلة في الأصل قاصرة؛ لأن ~~الأصل عدم وجودها في صورة أخرى، وهي مختلف في صحة التعليل بها، فكان ما ~~ذكرناه أولى. # PageV04P115 # خاتمة لهذا الباب # في ترتيب الأسئلة الواردة على القياس، والاعتراضات الواردة على القياس # إما أن تكون من جنس واحد كالنقوض أو المعارضات في الأصل أو في الفرع، ~~وإما أن تكون من أجناس مختلفة كالمنع والمطالبة والنقض والمعارضة ونحوها. # فإن كان الأول: فقد اتفق الجدليون على جواز إيرادها معا، إذ لا يلزم منها ~~تناقض ولا نزول عن سؤال إلى سؤال. # وإن كان الثاني: فلا يخلو إما أن تكون الأسئلة غير مرتبة أو مرتبة، فإن ~~كانت غير مرتبة؛ فقد أجمع الجدليون على جواز الجمع بينهما سوى أهل سمرقند، ~~فإنهم أوجبوا الاقتصار على سؤال واحد لقربه إلى الضبط وبعده عن الخبط. # ويلزمهم على ذلك ما كان من الأسئلة المتعددة من جنس واحد فإنها، وإن أفضت ~~إلى النشر، فالجمع بينهما غير مقبول من غير خلاف بين الجدليين. # وإن كانت مرتبة فقد منع منه أكثر الجدليين من حيث إن المطالبة بتأثير ~~الوصف بعد منع وجوده نزول عن المنع، ومشعر بتسليم وجوده؛ لأنه لو بقي مصرا ~~على منع وجود الوصف فالمطالبة بتأثير ما لا وجود له محال، وعند ذلك فلا ~~يستحق المعترض غير جواب الأخير من الأسئلة. # ومنهم من لم يمنع منه، وذلك بأن يورد المطالبة بتأثير الوصف بعد منع وجود ~~الوصف ms832 مقدرا لتسليم وجود الوصف، وذلك بأن يقول: وإن سلم عن المنع تقديرا، ~~فلا يسلم عن المطالبة وغيرها، ولا شك أنه أولى (1) ؛ لعدم إشعاره بالمناقضة ~~والعود إلى منع ما سلم وجوده أولا، كمنع وجود الوصف بعد المطالبة بتأثيره ~~المشعر بتسليم وجوده، وهذا هو اختيار الأستاذ أبي إسحاق (2) ، وهو المختار. # وإذا كان لا بد من رعاية الترتيب في الأسئلة، فأول ما تجب البداية به ~~سؤال الاستفسار؛ لأن من لا يعرف مدلول اللفظ لا يعرف ما يتجه عليه. ~~PageV04P116 # ثم بعده سؤال فساد الاعتبار؛ لأنه نظر في فساده من جهة الجملة قبل النظر ~~في تفصيله، ثم سؤال فساد الوضع؛ لأنه أخص من سؤال فساد الاعتبار كما سبق ~~تقريره، والنظر في الأعم يجب أن يكون قبل النظر في الأخص. # ثم بعده منع الحكم في الأصل، ويجب أن يكون مقدما على ما يتعلق بالنظر في ~~العلة؛ لأن العلة مستنبطة من حكم الأصل فهي فرع عليه، والكلام في الفرع يجب ~~تأخيره عن الكلام في أصله. # ثم بعده منع وجود العلة في الأصل. # ثم بعده النظر فيما يتعلق بعلة الوصف، كالمطالبة وعدم التأثير والقدح في ~~المناسبة والتقسيم، وكون الوصف غير ظاهر ولا منضبط، وكون الحكم غير صالح ~~لإفضائه إلى المقصود منه. # ثم بعده النقض والكسر، لكونه معارضا لدليل العلية. # ثم بعده المعارضة في الأصل؛ لأنه معارضة لنفس العلة فكان متأخرا عن ~~المعارض لدليل العلية والتعدية والتركيب؛ لأن حاصلهما يرجع إلى المعارضة في ~~الأصل كما سبق تقريره. # ثم بعده ما يتعلق بالفرع كمنع وجود العلة في الفرع ومخالفة حكمه لحكم ~~الأصل، ومخالفته للأصل في الضابط والحكمة والمعارضة في الفرع وسؤال القلب. # ثم بعد ذلك القول بالموجب؛ لتضمنه تسليم كل ما يتعلق بالدليل المثمر له ~~من تحقيق شروطه وانتفاء القوادح فيه، وهذا آخر الأصل الخامس. # PageV04P117 # الأصل السادس في معنى الاستدلال وأنواعه # أما معناه في اللغة: فهو استفعال من طلب الدليل والطريق المرشد إلى ~~المطلوب. # وأما في اصطلاح الفقهاء: فإنه يطلق تارة بمعنى ذكر الدليل، وسواء كان ~~الدليل نصا أو إجماعا ms833 أو قياسا أو غيره. # ويطلق على نوع خاص من أنواع الأدلة، وهذا هو المطلوب بيانه هاهنا، وهي ~~عبارة عن دليل لا يكون نصا ولا إجماعا ولا قياسا. # فإن قيل: تعريف الاستدلال بسلب غيره من الأدلة عنه ليس أولى من تعريف ~~غيره من الأدلة بسلب حقيقة الاستدلال عنه. # قلنا: إنما كان تعريف الاستدلال بما ذكرناه أولى بسبب سبق التعريف لحقيقة ~~ما عداه من الأدلة دون تعريف الاستدلال كما سبق، وتعريف الأخفى بالأظهر ~~جائز دون العكس. # وإذا عرف معنى الاستدلال، فهو على أنواع؛ منها قولهم: وجد السبب فثبت ~~الحكم، ووجد المانع وفات الشرط فينتفي الحكم، فإنه دليل من حيث إن الدليل ~~ما يلزم من ثبوته لزوم المطلوب قطعا أو ظاهرا، ولا يخفى لزوم المطلوب من ~~ثبوت ما ذكرناه، فكان دليلا، وليس هو ولا إجماعا ولا قياسا فكان استدلالا. # فإن قيل: تعريف الدليل بما يلزم من إثباته الحكم المطلوب تعريف للدليل ~~بالمدلول، والمدلول لا يعرف إلا بدليله، فكان دورا ممتنعا. # وإن سلمنا صحة الحد، ولكن لا نسلم أن المذكور ليس بقياس فإنه إذا آل ~~الأمر إلى إثبات المدعى، كان مفتقرا إلى المناسبة والاعتبار ولا معنى ~~للقياس سوى هذا. # قلنا: أما الدور فإنما يلزم أن لو اتحدت جهة التوقف، وليس كذلك، وذلك لأن ~~المطلوب إنما يتوقف على الدليل من جهة وجوده في آحاد الصور لا من جهة ~~حقيقته؛ لأنا نعرف حقيقة الحكم من حيث هو حكم وإن جهلنا دليل وجوده، ~~والدليل إنما يتوقف على لزوم المطلوب له من جهة حقيقته لا من جهة وجوده في ~~آحاد الصور، وإذا اختلفت الجهة فلا دور، وما ذكروه في تحقيق # PageV04P118 # كونه قياسا فإنما يلزم أن لو كان تقرير السببية والمانعية والشرطية لا ~~يكون إلا بما ذكروه، وليس ذلك بلازم لإمكان تقريره بنص يدل عليه أو إجماع. # والثابت بالنص أو الإجماع لا يكون نصا ولا إجماعا كما تقرر قبل، ~~والاعتراضات الواردة على طريق تقريره ووجوه الانفصال عنها غير خافية. # ومنها نفي الحكم لانتفاء مداركه، كقولهم: الحكم يستدعي دليلا، ولا ms834 دليل ~~فلا حكم، أما أنه يستدعي دليلا فبالضرورة. # وأما أنه لا دليل، فلا يدل عليه سوى البحث والسبر، وإن الأصل في الأشياء ~~كلها العدم، وطريق الاعتراض بإبداء ما يصلح دليلا من نص أو إجماع أو قياس ~~أو استدلال. # وجوابه بالقدح في الدليل المذكور بما يساعد في كل موضع على حسبه ولا ~~يخفى. # وقد ترد عليه أسئلة كثيرة أوردناها في كتاب " المؤاخذات " وقررناها ~~اعتراضا وانفصالا، فعليك بالالتفات إليها. # ومنها الدليل المؤلف من تسليمها لذاتها أقوال يلزم من تسليمها لذاتها ~~تسليم قول آخر، وذلك القول اللازم إما أن لا يكون ولا نقيضه مذكورا فيما ~~لزم عنه بالفعل أو هو مذكور فيه (1) . # فإن كان الأول، فيسمى اقترانيا، وأقل ما يتركب من مقدمتين ولا يزيد ~~عليهما، وكل مقدمة تشتمل على مفردين، الواحد منهما مكرر في المقدمتين، ~~ويسمى " حدا أوسط " والمفردان الآخران اللذان بهما افتراق المقدمتين منهما ~~يكون المطلوب اللازم، ويسمى أحدهما وهو ما كان محكوم به في المطلوب " حدا ~~أكبر " وما كان منهما محكوما عليه في المطلوب يسمى " حدا أصغر " والمقدمة ~~التي فيها الحد الأكبر " كبرى " والتي فيها الحد الأصغر " صغرى ". # ثم هيئة الحد الأوسط في نسبته إلى الحدين المختلفين تسمى " شكلا " (2) ~~PageV04P119 # وهيئته في النسبة إما بكونه محمولا على الحد الأصغر وموضوعا للحد الأكبر ~~ويسمى الشكل الأول، وإما بكونه محمولا عليهما ويسمى الشكل الثاني، وإما ~~بكونه موضوعا لهما ويسمى الشكل الثالث، وإما بكونه موضوعا للأصغر ومحمولا ~~على الأكبر ويسمى الشكل الرابع. # وهو بعيد عن الطباع ومستغنى عنه بباقي الأشكال فلنقتصر على ذكر ما قبله ~~من الأشكال الثلاثة. # أما الشكل الأول منها: فهو أبينها وما بعده فمتوقف في معرفة ضروبه (1) ~~عليه وهو منتج للمطالب الأربعة: الكلي موجبا وسالبا والجزئي موجبا وسالبا، ~~وشرطه في الإنتاج إيجاب صغراه وأن تكون في حكم الموجبة وكلية كبراه. # وضروبه المنتجة أربعة: # الضرب الأول: من كليتين موجبتين، كقولنا: كل وضوء عبادة وكل عبادة تفتقر ~~إلى النية، واللازم كل وضوء يفتقر إلى النية (2) . # الضرب الثاني: من كلية صغرى موجبة وكلية كبرى سالبة، ms835 كقولنا: كل وضوء ~~عبادة ولا شيء من العبادة يصح بدون النية، واللازم لا شيء من الوضوء يصح ~~بدون النية. PageV04P120 # الضرب الثالث: بعض الوضوء عبادة (1) وكل عبادة تفتقر إلى النية، واللازم؛ ~~بعض الوضوء يفتقر إلى النية. # الضرب الرابع: بعض الوضوء عبادة، ولا شيء من العبادة يصح بدون النية ~~واللازم بعض الوضوء لا يصح بدون النية (2) . # الشكل الثاني، وشروطه في الإنتاج اختلاف مقدمتيه في الكيفية، وكلية كبراه ~~(3) . # وضروبه المنتجة أربعة: # الضرب الأول: من كليتين؛ الصغرى موجبة والكبرى سالبة، كقولنا: كل بيع ~~غائب فصفات المبيع فيه مجهولة، ولا شيء مما يصح بيعه صفات المبيع فيه ~~مجهولة، واللازم لا شيء من بيع الغائب صحيح. # الضرب الثاني: من كلية صغرى سالبة وكلية كبرى موجبة، كقولنا: لا شيء من ~~بيع الغائب معلوم الصفات، وكل بيع صحيح فمعلوم الصفات واللازم كالذي قبله. # الضرب الثالث: من جزئية صغرى موجبة، وكلية كبرى سالبة، كقولنا: بعض بيع ~~الغائب مجهول الصفات، ولا شيء مما يصح بيعه مجهول الصفات، ولازمه: بعض بيع ~~الغائب لا يصح. # الضرب الرابع: من جزئية صغرى سالبة وكلية كبرى موجبة، كقولنا: ليس ~~PageV04P121 # كل بيع غائب معلوم الصفات، وكل بيع صحيح معلوم الصفات، ولازمه كلازم الذي ~~قبله (1) . # والإنتاج في هذا الشكل غير بين بنفسه، بل هو مفتقر إلى بيان وذلك بأن ~~تعكس (2) الكبرى من الأول وتبقيها كبرى بحالها، فإنه يعود إلى الضرب الثاني ~~من الشكل الأول ناتجا عين المطلوب (3) وتعكس الصغرى من الثاني فتجعلها ~~كبرى، ثم تستنتج وتعكس النتيجة فيعود إلى عين المطلوب (4) وأن تعكس الكبرى ~~من الثالث وتبقيها كبرى بحالها فإنه يعود إلى الضرب الرابع من الشكل الأول ~~ناتجا عين المطلوب (5) والضرب الرابع منه لا يتبين بالعكس، لأنك إن عكست ~~PageV04P122 # الكبرى منه عادت جزئية، ولا قياس عن جزئيتين، والصغرى فلا عكس لها (1) ، ~~وإن شئت بينت الإنتاج بالخلف (2) ، وهو أن تأخذ نقيض النتيجة من كل ضرب منه ~~وتجعله صغرى للمقدمة الكبرى من ذلك الضرب، فإنه ينتج نقيض المقدمة الصغرى ~~الصادقة وهو محال، وليس لزوم المحال عن نفس الصورة القياسية ms836 لتحقق شروطها، ~~ولا عن نفس المقدمة الكبرى لكونها صادقة، فكان لازما عن نقيض المطلوب، فكان ~~محالا وإلا لما لزم عنه المحال، وإذا كان نقيض المطلوب محالا كان المطلوب ~~الأول هو الصادق (3) . PageV04P123 # الشكل الثالث: وشرط إنتاجه إيجاب صغراه، أو أن تكون في حكم الموجبة وكلية ~~إحدى مقدمتيه، ولا ينتج غير الجزئي الموجب والسالب، وضروبه المنتجة ستة: # الضرب الأول: من كليتين موجبتين، كقولنا: كل بر مطعوم، وكل بر ربوي، ~~ولازمه: بعض المطعوم ربوي. # الضرب الثاني: من جزئية صغرى موجبة، وكلية موجبة كبرى، كقولنا: بعض البر ~~مطعوم وكل بر ربوي، ولازمه كلازم ما قبله. # الضرب الثالث: من كلية موجبة صغرى وجزئية موجبة كبرى، كقولنا: كل بر ~~مطعوم وبعض البر ربوي، ولازمه كلازم ما قبله. # الضرب الرابع: من كلية موجبة صغرى وكلية سالبة كبرى، كقولنا: كل بر مطعوم ~~ولا شيء من البر يصح بيعه بجنسه متفاضلا، ولازمه: لا شيء من المطعوم يصح ~~بيعه بجنسه متفاضلا. # الضرب الخامس: من جزئية موجبة صغرى وكلية سالبة كبرى، كقولنا: بعض البر ~~ربوي ولا شيء من البر يصح بيعه بجنسه متفاضلا، ولازمه كلازم ما قبله. # الضرب السادس: من كلية موجبة صغرى وجزئية سالبة كبرى، كقولنا: كل بر ~~مطعوم وبعض البر لا يصح بيعه بجنسه متفاضلا، ولازمه كلازم ما قبله. # وإنتاج هذا الشكل غير بين بنفسه دون بيان، وهو أن تعكس الصغرى من الأول ~~والثاني وتبقيها صغرى بحالها، فإنه يعود إلى الضرب الثالث من الشكل الأول ~~ناتجا عين المطلوب، وتعكس الصغرى من الرابع والخامس وتبقيها صغرى بحالها، ~~فإنه يعود إلى الضرب الرابع من الشكل الأول ناتجا عين المطلوب، وتعكس ~~الكبرى من الثالث وتجعلها صغرى للصغرى، ثم تعكس النتيجة فتعود إلى عين ~~المطلوب. # وأما السادس: منه فلا يتبين بالعكس؛ لأنك إن عكست الصغرى عادت جزئية ولا ~~قياس عن جزئيتين، والكبرى فلا عكس لها. # وإن شئت بينت بالخلف، وهو أن تأخذ نقيض النتيجة وتجعله كبرى للصغرى في ~~جميع ضروبه، فإنه ينتج نقيض المقدمة الكبرى الصادقة، ويلزم من # PageV04P124 # ذلك كذب النقيض لما بيناه ms837 في الشكل الثاني، ويلزمه صدق المطلوب الأول. # وأما إن كان القسم الثاني، وهو أن يكون اللازم أو نقيضه مذكورا فيما لزم ~~عنه بالفعل فيسمى استثنائيا. # ولا بد فيه من قضيتين؛ إحداهما: استثنائية لعين أحد جزئي القضية الأخرى ~~أو نقيضه، ثم القضية المستثنى منها لا بد فيها من جزأين بينهما نسبة بإيجاب ~~أو سلب. # والنسبة الإيجابية بينهما، إما أن تكون باللزوم والاتصال - وفي حالة ~~السلب برفعه - أو بالعناد والانفصال وفي حالة السلب برفعه. # فإن كان الأول؛ فتسمى تلك القضية شرطية متصلة، وأحد جزئيها - وهو ما دخل ~~عليه حرف الشرط - (مقدما) ، والثاني - وهو ما دخل عليه حرف الجزاء - ~~(تاليا) وما هي مقدمة فيه يسمى قياسا شرطيا متصلا. # وإن كان الثاني؛ فتسمى منفصلة، وما هي مقدمة فيه يسمى قياسا منفصلا. # أما الشرطي المتصل، فشرط إنتاجه أن تكون النسبة بين المقدم والتالي كلية؛ ~~أي: دائمة، وأن يكون الاستثناء إما بعين المقدم منها أو نقيض التالي؛ وذلك ~~لأن التالي إما أن يكون أعم من المقدم أو مساويا له. # ولا يجوز أن يكون أخص منه، وإلا كانت القضية كاذبة، وعند ذلك فاستثناء ~~عين المقدم يلزم منه عين التالي سواء كان التالي أعم من المقدم أو مساويا ~~له، واستثناء نقيض التالي يلزم منه نقيض المقدم. # وأما استثناء نقيض المقدم وعين التالي فلا يلزم منه شيء؛ لجواز أن يكون ~~التالي أعم من المقدم، فلا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، ولا من وجود الأعم ~~وجود الأخص. # وإن لزم ذلك فإنما يكون عند التساوي بينهما فلا يكون الإنتاج لازما لنفس ~~صورة الدليل بل لخصوص المادة، وذلك كما في قولنا: دائما إن كان هذا الشيء ~~إنسانا فهو حيوان لكنه إنسان فيلزمه أنه حيوان، أو لكنه ليس بحيوان فيلزمه ~~أنه ليس إنسانا. # وأما المنفصل، فالمنفصلة منه إما أن تكون مانعة الجمع بين الجزأين والخلو ~~معا، أو مانعة الجمع دون الخلو، أو مانعة الخلو دون الجمع. # فإن كان الأول، فيلزم من استثناء عين كل واحد من الجزأين نقيض الآخر ومن ~~استثناء نقيضه ms838 عين الآخر، وذلك كما في قولنا: دائما إما أن يكون العدد # PageV04P125 # زوجا وإما أن يكون فردا، لكنه زوج فليس بفرد، أو لكنه فرد ليس بزوج، أو ~~لكنه ليس بزوج فهو فرد، أو لكنه ليس بفرد فهو زوج. # وإن كان الثاني، فاستثناء عين أحدهما يلزمه نقيض الجزء الآخر، ولا يلزم ~~من استثناء نقيض أحدهما عين الآخر ولا نقيضه، وذلك كقولنا: دائما إما أن ~~يكون الجسم جمادا وإما حيوانا لكنه حيوان فليس بجماد، أو لكنه جماد فليس ~~بحيوان، ولا يلزم من استثناء نقيض أحدهما عين الآخر ولا نقيضه. # وإن كان الثالث؛ فاستثناء نقيض كل واحد منهما يلزم منه عين الآخر، ولا ~~يلزم من استثناء عين أحدهما عين الآخر ولا نقيضه، وذلك كما إذا قلنا: دائما ~~إما أن يكون المحل الأسود، وإما لا أبيض، فاستثناء نقيض أحدهما يلزمه عين ~~الآخر ولا يلزم من استثناء عين أحدهما عين الآخر ولا نقيضه. # فهذه جملة ضروب هذا النوع من الاستدلال، لخصناها في أوجز عبارة، ومن أراد ~~الاطلاع على ذلك بطريق الكمال والتمام فعليه بمراجعة كتبنا المخصوصة بهذا ~~الفن. # ولا يخفى ما يرد عليها من الاعتراضات من منع المقدمات والقوادح في الأدلة ~~الدالة عليها على اختلاف أنواعها، وكذلك الجواب عنها. # ومن أنواع الاستدلال استصحاب الحال، وفيه مسألتان: # PageV04P126 # المسألة الأولى # في الاستدلال باستصحاب الحال # وقد اختلف فيه: فذهب أكثر الحنفية وجماعة من المتكلمين كأبي الحسين ~~البصري وغيره إلى بطلانه، ومن هؤلاء من جوز به الترجيح لا غير. # وذهب جماعة من أصحاب الشافعي؛ كالمزني والصيرفي والغزالي وغيرهم من ~~المحققين إلى صحة الاحتجاج به، وهو المختار، وسواء كان ذلك الاستصحاب لأمر ~~وجودي أو عدمي أو عقلي أو شرعي؛ وذلك لأن ما تحقق وجوده أو عدمه في حالة من ~~الأحوال، فإنه يستلزم ظن بقائه (1) والظن حجة متبعة في الشرعيات على ما سبق ~~تحقيقه، وإنما قلنا: إنه يستلزم ظن بقائه لأربعة أوجه: # الأول: أن الإجماع منعقد على أن الإنسان لو شك في وجود الطهارة ابتداء لا ~~تجوز له الصلاة (2) ولو شك في ms839 بقائها جازت له الصلاة (3) ولو لم يكن الأصل ~~في كل متحققا دوامه (4) للزوم إما جواز الصلاة في الصورة الأولى، أو عدم ~~الجواز في الصورة الثانية وهو خلاف الإجماع (5) PageV04P127 # وإنما قلنا ذلك؛ لأنه لو لم يكن الراجح هو الاستصحاب، لم يخل إما أن يكون ~~الراجح عدم الاستصحاب أو أن الاستصحاب وعدمه سيان، فإن كان الأول فيلزم منه ~~امتناع جواز الصلاة في الصورة الثانية لظن فوات الطهارة، وإن كان الثاني ~~فلا يخلو، إما أن يكون استواء الطرفين مما تجوز معه الصلاة أو لا تجوز، فإن ~~كان الأول فيلزم منه جواز الصلاة في الصورة الأولى، وإن كان الثاني فيلزمه ~~عدم جواز الصلاة في الصورة الثانية، وكل ذلك ممتنع. # الوجه الثاني: أن العقلاء وأهل العرف إذا تحققوا وجود شيء أو عدمه وله ~~أحكام خاصة به فإنهم يسوغون القضاء والحكم بها في المستقبل من زمان ذلك ~~الوجود أو العدم، حتى إنهم يجيزون مراسلة من عرفوا وجوده قبل ذلك بمدد ~~متطاولة، وإنفاذ الودائع إليه ويشهدون في الحالة الراهنة بالدين على من أقر ~~به قبل تلك الحالة (1) . # ولولا أن الأصل بقاء ما كان على ما كان؛ لما ساغ لهم ذلك. # الثالث: أن ظن البقاء أغلب من ظن التغير، وذلك لأن الباقي لا يتوقف على ~~أكثر من وجود الزمان المستقبل ومقارنة ذلك الباقي له كان وجودا أو عدما. # وأما التغير فمتوقف على ثلاثة أمور؛ وجود الزمان المستقبل، وتبدل الوجود ~~بالعدم أو العدم بالوجود، ومقارنة ذلك الوجود أو العدم لذلك الزمان. # ولا يخفى أن تحقق ما يتوقف على أمرين لا غير أغلب مما يتوقف على ذينك ~~الأمرين وثالث غيرهما. # الوجه الرابع: إذا وقع العرض فيما هو باق بنفسه كالجوهر، فقد يقال: غلبة ~~الظن بدوامه أكثر من غيره، فكان دوامه أولى. # وذلك لأن بقاءه مستغن عن المؤثر حالة بقائه؛ لأنه لو افتقر إلى المؤثر، ~~فإما أن يصدر عن ذلك المؤثر أثر، أو لا يصدر عنه أثر، فإن صدر عنه أثر، ~~فإما أن يكون هو عين ما كان أو شيئا متجددا، ms840 الأول محال لما فيه من تحصيل ~~الحاصل، والثاني فعلى خلاف الفرض، وإن لم يصدر عنه أثر فلا معنى لكونه ~~مؤثرا، وإذا كان مستغنيا في بقائه PageV04P128 # عن المؤثر فتغيره لا بد وأن يكون بمؤثر وإلا كان منعدما بنفسه وهو محال ~~وإلا لما بقي، وإذا كان البقاء غير مفتقر إلى مؤثر مفتقر، وتغير إلى المؤثر ~~فعدم الباقي لا يكون إلا بمانع يمنع منه. # وأما المتجدد سواء كان عدما أو وجودا، فإنه قد ينتفي تارة لعدم مقتضيه ~~وتارة لمانعه، وما يكون عدمه بأمرين يكون أغلب مما عدمه بأمر واحد. # وعلى هذا فالأصل في جميع الأحكام الشرعية إنما هو العدم وبقاء ما كان على ~~ما كان إلا ما ورد الشارع بمخالفته، فإنا نحكم به ونبقى فيما عداه عاملين ~~بقضية النفي الأصلي، كوجوب صوم شوال وصلاة سادسة ونحوه. # فإن قيل: لا نسلم أن كل ما تحقق وجوده في حالة من الأحوال أو عدمه فهو ~~مظنون البقاء، وما ذكرتموه من الوجه الأول فالاعتراض عليه من وجوه. # الأول: أنا نسلم انعقاد الإجماع على الفرق في الحكم فيما ذكرتموه من ~~الصورتين، فإن مذهب مالك وجماعة من الفقهاء إنما هو التسوية بينهما في عدم ~~الصحة. # وإن سلمنا ذلك وسلمنا أنه لو لم يكن الأصل البقاء في كل متحقق للزم رجحان ~~الطهارة أو المساواة في الصورة الأولى، ورجحان الحدث أو المساواة في الصورة ~~الثانية. # ولكن لا يلزم من رجحان الطهارة في الصورة الأولى جواز الصلاة، بدليل ~~امتناع الصلاة بعد النوم والإغماء والمس على الطهارة، وإن كان وجود الطهارة ~~راجحا، ولامتناع (1) الصلاة مع ظن الحدث في الصورة الثانية حيث قلتم بأن ظن ~~الحدث لا يلحق بتيقن الحدث. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن الأصل في الطهارة والحدث البقاء، ولكن لا ~~نسلم أنه يلزم من ذلك في الطهارة والحدث أن يكون الأصل في كل متحقق سواهما ~~البقاء، لا بد لهذا من دليل (2) . PageV04P129 # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن الأصل البقاء في كل شيء، لكنه منقوض ~~بالزمان والحركات من حيث إن الأصل فيهما ms841 التقضي دون البقاء والاستمرار. # وما ذكرتموه من الوجه الثاني فليس فيه ما يدل على ظن البقاء، بل إنما كان ~~ذلك مجوزا منهم لاحتمال إصابة الغرض فيما فعلوه، وذلك كاستحسان الرمي إلى ~~الغرض لقصد الإصابة، لاحتمال وقوعها وإن لم تكن الإصابة ظاهرة بل مرجوحة أو ~~مساوية. # وما ذكرتموه من الوجه الثالث لا نسلم أن ظن البقاء أغلب من ظن التغير، ~~وما ذكرتموه من زيادة توقف التغير على تبدل الوجود بالعدم أو بالعكس معارض ~~بما يتوقف عليه البقاء من تجدد مثل السابق وإن سلمنا أن ما يتوقف عليه ~~التغير أكثر، لكن لا نسلم أنه يدل على غلبة البقاء على التغير لجواز أن ~~تكون الأشياء المتعددة التي يتوقف عليها التغير أغلب في الوجود من الأعداد ~~القليلة التي يتوقف عليها البقاء (أو مساوية لها) . # وإن سلمنا أن البقاء أغلب من التغير، ولكن لا نسلم كونه غالبا على الظن، ~~لجواز أن يكون الشيء أغلب من غيره، وإن غلب على الظن عدمه في نفسه. # سلمنا دلالة ذلك على الأغلبية لكن فيما هو قابل للبقاء أو فيما ليس قابلا ~~له، الأول مسلم، والثاني ممنوع، فلم قلتم بأن الأعراض التي وقع النزاع في ~~بقائها قابلة للبقاء؟ كيف وإنها غير قابلة لما علم في الكلاميات (1) . # وما ذكرتموه من الوجه الرابع لا نسلم أن الباقي لا يفتقر إلى مؤثر. # وما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه، وذلك لأن الباقي في حالة بقائه، ~~إما أن يكون واجبا لذاته أو ممكنا لذاته؛ الأول محال وإلا لما تصور عليه ~~العدم، وإن كان ممكنا فلا بد له من مؤثر، وإلا لانسد علينا باب إثبات واجب ~~الوجود. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن الأصل في كل متحقق دوامه، لكنه معارض بما ~~يدل على عدمه، وبيانه من ثلاثة أوجه. # الأول: أنه لو كان الأصل في كل شيء استمراره ودوامه، لكان حدوث جميع ~~الحوادث على خلاف الدليل المقتضي لاستمرار عدمها، وهو خلاف الأصل. ~~PageV04P130 # الثاني: أن الإجماع منعقد على أن بينة الإثبات تقدم على بينة النفي، ولو ~~كان ms842 الأصل في كل متحقق دوامه، لكانت بينة النفي لاعتضادها بهذا الأصل أولى ~~بالتقدم. # الثالث: أن مذهب الشافعي أنه لا يجزي عتق العبد الذي انقطع خبره، عن ~~الكفارة، ولو كان الأصل بقاءه لأجزأ. # سلمنا أن الأصل هو البقاء والاستمرار، ولكن متى يمكن التمسك به في ~~الأحكام الشرعية إذا كان محصلا لأصل الظن أو غلبة الظن؟ الأول ممتنع وإلا ~~كانت شهادة العبيد والنساء المتمحضات والفساق مقبولة؛ لحصول أصل الظن بها. # والثاني مسلم، ولكن لا نسلم أن مثل هذا الأصل يفيد غلبة الظن، وذلك لأن ~~الأصل عدم هذه الزيادة بنفس ما ذكرتم. # سلمنا كون ذلك مغلبا على الظن لكن قبل ورود الشرع أو بعده، الأول مسلم، ~~والثاني ممنوع. # وبيانه: أن قبل ورود الشرع قد أمنا الدليل المغير، فكان الاستصحاب لذلك ~~مغلبا، وبعد ورود الشرع لم نأمن التغير وورود الدليل المغير، فلا يبقى ~~مغلبا على الظن. # والجواب عن منع الإجماع على التفرقة فيما ذكرناه من الصورتين، أن المراد ~~به إنما هو الإجماع بين الشافعي وأبي حنيفة وأكثر الأئمة، فكان ما ذكرناه ~~حجة على الموافق دون المخالف (1) # وعن السؤال الأول على الوجه الأول أنه يلزم من رجحان الطهارة في الصورة ~~الأولى صحة الصلاة تحصيلا لمصلحة الصلاة مع ظن الطهارة كالصورة الثانية، ~~وأما النوم فإنما امتنعت معه الصلاة لكونه سببا ظاهرا لوجود الخارج الناقض ~~للطهارة لتيسر خروج الخارج معه باسترخاء المفاصل على ما قال عليه السلام: " ~~«العينان وكاء السه» " (2) . PageV04P131 # وقال: " «إذا نامت العينان انطلق الوكاء» " (1) وإذا كان النوم مظنة ~~الخارج المحتمل وجب إدارة الحكم عليه، كما هو الغالب من تصرفات الشارع لا ~~على حقيقة الخروج؛ دفعا للعسر والحرج عن المكلفين، وبه يقع الجواب عن ~~الإغماء والمس. # ويلزم من رجحان الحدث في الصورة الثانية امتناع صحة الصلاة؛ زجرا له عن ~~التقرب إلى الله تعالى والوقوف بين يديه مع ظن الحدث، فإنه قبيح عقلا وشرعا ~~ولذلك نهي عنه، والشاهد له بالاعتبار الصورة الأولى. # قولهم: إنه لا تأثير للحدث المظنون عندكم. # قلنا: إنما لا يكون مؤثرا بتقدير أن لا ms843 نقول باستصحاب الحال كالتقدير ~~الذي نحن فيه وإلا فلا. # وعن السؤال الثاني أنه لو لم يكن الاستصحاب والاستمرار مقتضى الدليل في ~~كل متحقق، لكان الاستمرار في هاتين الصورتين على خلاف حكم الأعم الأغلب، إن ~~كان عدم الاستمرار هو الأغلب، وهو على خلاف الأصل، أو أن يكون عدم ~~الاستمرار على خلاف الغالب إن كان الاستمرار هو الأغلب، وإن تساوى الطرفان ~~فهو احتمال من ثلاثة احتمالات، ووقوع احتمال من احتمالين أغلب من احتمال ~~واحد بعينه. # وعن السؤال الثالث، أنا إنما ندعي أن الأصل البقاء فيما يمكن بقاؤه إما ~~بنفسه كالجواهر أو بتجدد أمثاله كالأعراض، وعليه بناء الأدلة المذكورة وعلى ~~هذا فالأصل في الزمان بقاؤه بتجدد أمثاله. # وأما الحركات فإما أن تكون من قبيل ما يمكن بقاؤه واستمراره، أو لا من ~~هذا القبيل، فإن كان الأول فهو من جملة صور النزاع، وإن كان الثاني فالنقض ~~به يكون مندفعا. PageV04P132 # وعما ذكروه على الوجه الثاني أن الإقدام على الفعل لغرض موهوم غير ظاهر ~~إنما يكون فيما لا خطر في فعله ولا مشقة كما ذكروه من المثال. # وأما ما يلزم الخطر والمشقة في فعله، فلا بد وأن يكون لغرض ظاهر راجح على ~~خطر ذلك الفعل ومشقته على ما تشهد به تصرفات العقلاء وأهل العرف من ركوب ~~البحار ومعاناة المشاق من الأسفار، فإنهم لا يرتكبون ذلك إلا مع ظهور ~~المصلحة لهم في ذلك، ومن فعل ذلك لا مع ظهور المصلحة في نظره عد سفيها ~~مخبطا في عقله، وما وقع به الاستشهاد من تنفيذ الودائع وإرسال الرسل إلى من ~~بعدت مدة غيبته والشهادة بالدين على من تقدم إقراره من هذا القبيل فكان ~~الاستصحاب فيه ظاهرا. # وعما ذكروه على الوجه الثالث أولا فجوابه بزيادة افتقار التغير إلى تجدد ~~علة موجبة للتغير، بخلاف البقاء لإمكان اتحاد علة المتجددات. # وما ذكروه ثانيا فجوابه من وجهين: # الأول: أن الشيء إذا كان موقوفا على شيء واحد والآخر على شيئين، فما ~~يتوقف على شيء واحد لا يتحقق عدمه إلا بتقدير عدم ذلك الشيء، وما ms844 يتوقف ~~تحققه على أمرين يتم عدمه بعدم كل واحد من ذينك الأمرين. # ويخفى أن ما يقع عدمه على تقديرين يكون عدمه أغلب من عدم ما لا يتحقق ~~عدمه إلا بتقدير واحد، وما كان عدمه أغلب كان تحققه أندر، وبالعكس مقابله. # فإن قيل: عدم الواحد المعين إما أن يكون مساويا في الوقوع لعدم الواحد من ~~الشيئين أو غالبا أو مغلوبا، ولا تتحقق غلبة الظن فيما ذكرتموه بتقدير غلبة ~~الواحد المعين ومساواته، وإنما يتحقق ذلك بتقدير كونه مغلوبا. # ولا يخفى أن وقوع أحد أمرين لا بعينه أغلب من وقوع الواحد المعين كما ~~ذكرتموه. # قلنا: إذا نسبنا أحد الشيئين لا بعينه إلى ذلك الواحد المعين، فإما أن ~~يكون عدمه أغلب من ذلك المعين أو مساويا له أو مغلوبا، فإن كان الأول لزم ~~ما ذكرناه وإن كان الثاني فكذلك أيضا لترجحه بضم عدم الوصف الآخر إليه، وإن ~~كان # PageV04P133 # مغلوبا فنسبة الوصف الآخر إليه لا تخلو من الأقسام الثلاثة، ويترجح ما ~~ذكرناه بتقديرين آخرين منها، وإنما لا يترجح ما ذكرناه بتقدير أن يكون كل ~~واحد من الوصفين مرجوحا، فإذا ما ذكرناه يتم على تقديرات أربعة ولا يتم على ~~تقدير واحد، وفيه دقة فليتأمل. # الوجه الثاني: أن العاقل إذا عن له مقصودان متساويان، وكانت المقدمات ~~الموصلة إلى أحدهما أكثر من مقدمات الآخر، فإنه يبادر إلى ما مقدماته أقل، ~~ولولا أن ذلك أفضى إلى مقصوده وأغلب لما كان إقدامه عليه أغلب لخلوه عن ~~الفائدة المطلوبة من تصرفات العقلاء. # قولهم: وإن كان البقاء أغلب من التغير فلا يلزم أن يكون غالبا على الظن. # قلنا: إذا كان البقاء أغلب من مقابله فهو أغلب على الظن منه ويجب المصير ~~إليه؛ نظرا إلى أن المجتهد مؤاخذ بما هو الأظهر عنده. # قولهم: إنما يدل ما ذكرتموه على غلبة الظن فيما هو قابل للبقاء. # قلنا: الأعراض إن كانت باقية فلا إشكال، وإن لم تكن باقية بأنفسها فممكنة ~~البقاء بطريق التجدد كسواد الغراب وبياض الثلج، وعلى كل تقدير فالكلام إنما ~~هو ممكن التجدد من ms845 الأعراض لا فيما هو غير ممكن. # وعما ذكروه على الوجه الرابع أن يقال: مجرد الإمكان غير محوج إلى المؤثر، ~~بل المحوج إليه إنما هو الإمكان المشروط بالحدوث أو الحدوث المشروط ~~بالإمكان. # وعن المعارضات: (1) أما الحوادث فإنما خالفنا فيها الأصل لوجود السبب ~~الموجب للحدوث ونفي حكم الدليل مع وجوده لمعارض أولى من إخراجه عن الدلالة ~~وإبطاله بالكلية مع ظهور دلالته. # وأما تقديم الشهادة المثبتة على النافية، وإن كانت معتضدة بأصل براءة ~~الذمة فإنما كان لاطلاع المثبت على السبب الموجب لمخالفة براءة الذمة وعدم ~~اطلاع النافي عليه؛ لإمكان حدوثه حالة غيبة النافي عن المنكر وتعذر صحبته ~~له واطلاعه PageV04P134 # على أحواله في سائر الأوقات. # وأما مسألة العبد فهي ممنوعة، وبتقدير تسليمها فلأن الذمة مشغولة ~~بالكفارة يقينا ولا تحصل البراءة منها إلا بيقين وجود العبد، ولا يقين، فمن ~~ادعى وجود مثل ذلك فيما نحن فيه فعليه الدليل. # قولهم: إنما يمكن التمسك به في الأحكام الشرعية إذا كان مفيدا لغلبة الظن ~~لا نسلم ذلك، بل أصل الظن كاف وبه يظهر الشيء على مقابله، وأما رد الشهادة ~~في الصور المذكورة فلم يكن لعدم صلاحيتها بل لعدم اعتبارها في الشرع، بخلاف ~~ما نحن فيه من استصحاب الحال فإنه معتبر بدليل ما ذكرناه من صورة الشاك في ~~الطهارة والحدث. # قولهم: إنه مغلب على الظن قبل ورود الشرع لا بعده ليس كذلك، فإنا بعد ~~ورود الشرع إذا لم نظفر بدليل يخالف الأصل بقي ذلك الأصل مغلبا على الظن. # نعم، غايته أنه قبل ورود الشرع أغلب على الظن لتيقن عدم المعارض منه (1) ~~بعد ورود الشرع لظن عدم المعارض. PageV04P135 # المسألة الثانية # اختلفوا في جواز استصحاب حكم الإجماع في محل الخلاف، فنفاه جماعة من ~~الأصوليين كالغزالي وغيره وأثبته آخرون، وهو المختار. # وصورته ما لو قال الشافعي مثلا في مسألة الخارج النجس من غير السبيلين: ~~إذا تطهر ثم خرج منه خارج من غير السبيلين فهو بعد الخروج متطهر ولو صلى ~~فصلاته صحيحة؛ لأن الإجماع منعقد على هذين الحكمين قبل الخارج، والأصل في ~~كل ms846 متحقق دوامه لما تحقق في المسألة التي قبلها (1) إلا أن يوجد المعارض ~~النافي والأصل عدمه، فمن ادعاه يحتاج إلى الدليل. # فإن قيل: القول بثبوت الطهارة وصحة الصلاة في محل النزاع إما أن يكون ~~لدليل أو لا لدليل، لا جائز أن يكون لا لدليل، فإنه خلاف الإجماع، وإن كان ~~لدليل فإما نص أو قياس أو إجماع، فإن كان بنص أو قياس فلا بد من إظهاره، ~~ولو ظهر لم يكن إثبات الحكم في محل الخلاف بناء على الاستصحاب بل بناء على ~~ما ظهر من النص أو القياس، وإن كان بالإجماع، فلا إجماع في محل الخلاف، وإن ~~كان الإجماع قبل خروج الخارج ثابتا. # قلنا: متى يفتقر الحكم في بقائه إلى دليل إذا قيل بنزوله منزلة الجواهر ~~أو الأعراض؟ الأول ممنوع، بل هو باق بعد ثبوته بالإجماع لا بدليل لما سبق ~~تقريره في المسألة المتقدمة، والثاني مسلم ولكن لم قلتم إنه نازل منزلة ~~الأعراض؟ سلمنا أنه نازل منزلة الأعراض وأنه لا بد له من دليل، ولكن لا ~~نسلم انحصار الدليل المبقى فيما ذكروه من النص والإجماع والقياس، إلا أن ~~يبينوا أن الاستصحاب ليس بدليل وهو موضوع النزاع. # سلمنا أن الاستصحاب بنفسه لا يكون دليلا على الحكم الباقي بنفسه، ولكنه ~~دليل الدليل على الحكم. # وذلك لأنا بينا في المسألة المتقدمة وجود غلبة الظن ببقاء كل ما كان ~~متحققا على حاله، وذلك يدل من جهة الإجمال على دليل موجب لذلك الظن ~~PageV04P136 ### | [القسم الثاني فيما ظن أنه دليل صحيح وليس كذلك] ### | [النوع الأول شرع من قبلنا] # القسم الثاني # فيما ظن أنه دليل صحيح، وليس كذلك وهو أربعة أنواع النوع الأول - شرع من ~~قبلنا، وفيه مسألتان. # المسألة الأولى # اختلفوا في النبي عليه السلام قبل بعثته، هل كان متعبدا بشرع أحد من ~~الأنبياء قبله؟ فمنهم من نفى ذلك كأبي الحسين البصري وغيره، ومنهم من ~~أثبته، ثم اختلف المثبتون: فمنهم من نسبه إلى شرع نوح، ومنهم من نسبه إلى ~~شرع إبراهيم، ومنهم من نسبه إلى موسى، ومنهم من نسبه إلى ms847 عيسى. # ومن الأصوليين من قضى بالجواز وتوقف في الوقوع كالغزالي والقاضي عبد ~~الجبار وغيرهما من المحققين، وهو المختار. # أما الجواز فثابت، وذلك لأنه لو امتنع، إما أن يمتنع لذاته أو لعدم ~~المصلحة في ذلك، أو لمعنى آخر. # الأول ممتنع، فإنا لو فرضنا وقوعه؛ لم يلزم عنه لذاته في العقل محال. (1) ~~. # والثاني فمبني على وجوب رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى، وقد أبطلناه ~~في كتبنا الكلامية، (2) وبتقدير رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى فغير ~~بعيد أن يعلم الله تعالى أن مصلحة الشخص قبل نبوته في تكليفه بشريعة من ~~قبله. # والثالث: فلا بد من إثباته، إذ الأصل عدمه. PageV04P137 # وأما الوقوع فيستدعي دليلا، والأصل عدمه، وما يتخيل من الأدلة الدالة على ~~الوقوع وعدمه - فمع عدم دلالتها في أنفسها - متعارضة كما يأتي، وليس التمسك ~~بالبعض منها أولى من البعض. # فإن قيل: الدليل على أنه لم يكن قبل البعثة متعبدا بشريعة أحد قبله أنه ~~لو كان متعبدا بشريعة من الشرائع السالفة لنقل عنه فعل ما تعبد به واشتهر ~~تلبسه بتلك الشريعة ومخالطة أهلها، كما هو الجاري من عادة كل متشرع بشريعة، ~~وقد عرفت أحواله قبل البعثة ولم ينقل عنه شيء من ذلك. # وأيضا، فإنه لو كان متعبدا ببعض الشرائع السالفة، لافتخر أهل تلك الشريعة ~~بعد بعثته واشتهاره وعلو شأنه بنسبته إليهم وإلى شرعهم، ولم ينقل شيء من ~~ذلك (1) . # سلمنا أنه لا دليل يدل على عدم تعبده بشرع من قبله، ولكن لا نسلم عدم ~~الدليل الدال على تعبده بشرع من قبله، ويدل على ذلك أمران: # الأول: أن كل من سبق من المرسلين كان داعيا إلى اتباع شرعه كل المكلفين، ~~وكان النبي عليه السلام داخلا في ذلك العموم. # الثاني: أنه عليه السلام قبل البعثة كان يصلي ويحج ويعتمر ويطوف بالبيت ~~ويعظمه ويذكي ويأكل اللحم ويركب البهائم ويستسخرها ويتجنب الميتة، وذلك كله ~~مما لا يرشد إليه العقل ولا يحسن بغير الشرع. # والجواب عن الاعتراض الأول (2) أنه مقابل بأنه لو لم يكن على شريعة من ~~الشرائع ولا متعبدا بشيء ms848 منها؛ لظهر منه التلبس بخلاف ما أهل تلك الشرائع ~~متلبسون به، واشتهرت مخالفته لهم في ذلك وكانت الدواعي متوفرة على نقله ولم ~~ينقل عنه شيء من ذلك، وليس أحد الأمرين أولى من الآخر. PageV04P138 # وعن الاعتراض الأول (1) للمذهب الثاني بمنع دعوة من سبق من الأنبياء ~~لكافة المكلفين إلى اتباعه، فإنه لم ينقل في ذلك لفظ يدل على التعميم ليحكم ~~به. # وبتقدير نقله فيحتمل أن يكون زمان نبينا عليه السلام زمان اندراس الشرائع ~~المتقدمة وتعذر التكليف بها؛ لعدم نقلها وتفصيلها ولذلك بعث في ذلك الزمان. # وعن الاعتراض الثاني، أنا لا نسلم ثبوت شيء مما ذكروه بنقل يوثق به، ~~وبتقدير ثبوته لا يدل ذلك على أنه كان متعبدا به شرعا؛ لاحتمال أن تكون ~~صلاته وحجته وعمرته وتعظيمه للبيت بطريق التبرك بفعل مثل ما نقل جملته عن ~~أفعال الأنبياء المتقدمين، واندرس تفصيله. # وأما أكل اللحم وذبح الحيوان واستسخاره للبهائم فإنما كان بناء منه على ~~أنه لا تحريم قبل ورود الشرع. # وأما تركه للميتة بناء (2) على عيافة نفسه لها، كعيافته لحم الضب، أما أن ~~يكون متعبدا بذلك شرعا، فلا. PageV04P139 # المسألة الثانية # اختلفوا في النبي عليه السلام وأمته بعد البعث هل هم متعبدون بشرع من ~~تقدم؟ # فنقل عن أصحاب أبي حنيفة وعن أحمد في إحدى الراويتين عنه وعن بعض أصحاب ~~الشافعي أن النبي عليه السلام كان متعبدا بما صح من شرائع من قبله بطريق ~~الوحي إليه، لا من جهة كتبهم المبدلة ونقل أربابها. # ومذهب الأشاعرة والمعتزلة المنع من ذلك، وهو المختار، ويدل على ذلك أمور ~~أربعة: # الأول: «أن النبي عليه السلام لما بعث معاذا إلى اليمن قاضيا قال له: " ~~بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن ~~لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي» " ولم يذكر شيئا من كتب الأنبياء الأولين وسننهم، ~~والنبي عليه السلام أقره على ذلك ودعا له، وقال: " «الحمد لله الذي وفق ~~رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله» " (1) ، ولو كانت من مدارك الأحكام ~~الشرعية لجرت مجرى الكتاب ms849 والسنة في وجوب الرجوع إليها، ولم يجز العدول ~~عنها إلى اجتهاد الرأي إلا بعد البحث عنها واليأس من معرفتها. # الثاني: أنه لو كان النبي عليه السلام متعبدا بشريعة من قبله وكذلك أمته، ~~لكان تعلمها من فروض الكفايات كالقرآن والأخبار، ولوجب على النبي عليه ~~السلام مراجعتها وأن لا يتوقف على نزول الوحي في أحكام الوقائع التي لا ~~يخلو للشرائع الماضية عنها، ولوجب أيضا على الصحابة بعد النبي عليه السلام ~~مراجعتها والبحث عنها والسؤال لناقليها عند حدوث الوقائع المختلف فيها فيما ~~بينهم؛ كمسألة الجد، والعول، وبيع أم الولد، والمفوضة، وحد الشرب وغير ذلك، ~~على نحو بحثهم عن الأخبار النبوية في ذلك، وحيث لم ينقل شيء من ذلك علم أن ~~شريعة من تقدم غير متعبد بها لهم (2) . PageV04P140 # الثالث: أنه لو كان متعبدا باتباع شرع من قبله إما في الكل أو البعض، لما ~~نسب شيء من شرعنا إليه على التقدير الأول، ولا كل الشرع إليه على التقدير ~~الثاني، كما لا ينسب شرعه عليه السلام إلى من هو متعبد بشرعه من أمته، وهو ~~خلاف الإجماع من المسلمين. # الرابع: أن إجماع المسلمين على أن شريعة النبي عليه السلام ناسخة لشريعة ~~من تقدم فلو كان متعبدا بها؛ لكان مقررا لها ومخبرا عنها لا ناسخا لها ولا ~~مشرعا، وهو محال. # فإن قيل على الحجة الأولى إنما لم يتعرض معاذ لذكر التوراة والإنجيل؛ ~~اكتفاء منه بآيات في الكتاب تدل على اتباعهما على ما يأتي، ولأن اسم الكتاب ~~يدخل تحته التوراة والإنجيل لكونهما من الكتب المنزلة. # وأما الحجة الثانية: لا نسلم أن تعلم ما قيل بالتعبد به من الشرائع ليس ~~من فروض الكفايات ولا نسلم عدم مراجعة النبي عليه السلام لها، ولهذا نقل ~~عنه مراجعة التوراة في مسألة الرجم، وما لم يراجع فيه شرع من تقدم، إما لأن ~~تلك الشرائع لم تكن مبينة له، أو لأنه ما كان متعبدا باتباع الشريعة ~~السالفة إلا بطريق الوحي ولم يوح إليه به (1) # وأما عدم بحث الصحابة عنها، فإنما كان لأن ما تواتر منها ms850 كان معلوما لهم ~~وغير محتاج إلى بحث عنه، وما كان منها منقولا على لسان الآحاد من الكفار لم ~~يكونوا متعبدين به (2) . # وأما الحجة الثالثة فإنما ينسب إليه ما كان متعبدا به من الشرائع بأنه من ~~شرعه بطريق التجوز لكونه معلوما لنا بواسطته، وإن لم يكن هو الشارع له. # وأما الحجة الرابعة فنحن نقول بها وأن ما كان من شرعه مخالفا لشرع من ~~تقدم فهو ناسخ له، وما لم يكن من شرعه بل هو متعبد فيه باتباع شرع من تقدم؛ ~~فلا. PageV04P141 # ولهذا فإنه لا يوصف شرعه بأنه ناسخ لبعض ما كان مشروعا قبله، كوجوب ~~الإيمان وتحريم الكفران والزنا والقتل والسرقة وغير ذلك مما شرعنا فيه ~~موافق لشرع من تقدم. # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على مطلوبكم، لكنه معارض بما يدل على نقيضه ~~وبيانه من جهة الكتاب والسنة، أما من جهة الكتاب فآيات. # الأولى قوله تعالى في حق الأنبياء: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} ~~أمره باقتدائه بهداهم، وشرعهم من هداهم، فوجب عليه اتباعه. # الثانية قوله تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح} ، وقوله ~~تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} فدل على وجوب اتباعه لشريعة نوح ~~(1) . # الثالثة قوله تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم} أمره باتباع ~~ملة إبراهيم، والأمر للوجوب. # الرابعة قوله تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون} والنبي عليه السلام من جملة النبيين، فوجب عليه الحكم بها. # وأما السنة فما «روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رجع إلى التوراة في ~~رجم اليهودي» (2) # وأيضا ما روي عنه عندما طلب منه القصاص في سن كسرت، فقال: " «كتاب الله ~~PageV04P142 # يقضي بالقصاص» " (1) وليس في الكتب ما يقضي بالقصاص في السن سوى التوراة ~~وهو قوله تعالى فيها: {والسن بالسن} # وأيضا ما روي عنه أنه قال: " «من نام عن صلاة أو أنسيها فليصلها إذا ~~ذكرها» " وتلا قوله تعالى: (أقم الصلاة لذكري) (2) وهو خطاب مع موسى عليه ~~السلام. # والجواب قولهم: (إنما لم يذكر معاذ التوراة والإنجيل لدلالة ms851 القرآن ~~عليهما) لا نسلم ذلك وما يذكرونه في ذلك فسيأتي الكلام عليه، وإن سلمنا ذلك ~~لكن لا يكون ذلك كافيا عن ذكرهما، كما لو لم يكن ما في القرآن من ذكر السنة ~~والقياس على ما بيناه (3) كافيا أو أن لا يكون إلى ذكر السنة والقياس في ~~خبر معاذ حاجة، وكل واحد من الأمرين على خلاف الأصل. # قولهم: (إن الكتب السالفة مندرجة في لفظ الكتاب) ليس كذلك؛ لأن المتبادر ~~من إطلاق لفظ الكتاب في شرعنا عند قول القائل: قرأت كتاب الله وحكمت بكتاب ~~الله القرآن. ليس غير القرآن، وذلك لما علم من معاناة المسلمين لحفظ القرآن ~~ودراسته والعمل بموجباته دون غيره من الكتب السالفة. # قولهم: لا نسلم أن تعلم ما تعبد به من الشرائع الماضية ليس فرضا على ~~الكفاية. # قلنا: لأن إجماع المسلمين قبل ظهور المخالفين على أنه لا تأثيم بترك ~~النظر على كافة المجتهدين في ذلك (4) PageV04P143 # وأما مراجعة النبي عليه السلام التوراة فإنما كان لإظهار صدقه فيما كان ~~قد أخبر به من أن الرجم مذكور في التوراة، وإنكار اليهود ذلك لا لأن يستفيد ~~حكم الرجم منها (1) ولذلك فإنه لم يرجع إليها فيما سوى ذلك. # وما ذكروه في امتناع بحث الصحابة عن ذلك فغير صحيح؛ لأن ما نقل من ذلك ~~متواترا إنما يعرفه من خالط النقلة له وكان فاحصا عنه، ولم ينقل عن أحد من ~~الصحابة شيء من ذلك، كيف وإنه قد كان يمكن معرفة ذلك ممن أسلم من أحبار ~~اليهود، وهو ثقة مأمون كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار وغيرهما؟ ! ولم ينقل ~~عن النبي عليه السلام ولا عن أحد من الأمة السؤال لهم عن ذلك، وما ذكروه ~~على الحجة الثالثة فترك للظاهر المشهور المتبادر إلى الفهم من غير دليل فلا ~~يسمع. # وما ذكروه على الحجة الرابعة فمندفع، وذلك لأن إطلاق الأمة أن شرع النبي ~~عليه السلام ناسخ للشرائع السالفة بينهم يفهم منه أمران؛ أحدهما: رفع ~~أحكامها. والثاني: أنه غير متعبد بها (2) # فما لم يثبت رفعه من تلك الأحكام بشرعه ضرورة ms852 استمراره فلا يكون ناسخا ~~له، فيبقى المفهوم الآخر وهو عدم تعبده به، ولا يلزم من مخالفة دلالة ~~الدليل على أحد مدلوليه مخالفته بالنظر إلى المدلول الآخر. # والجواب عن المعارضة بالآية الأولى أنه إنما أمره باتباع هدى مضاف إلى ~~جميعهم، مشترك بينهم دون ما وقع به الخلاف فيما بينهم، والناسخ والمنسوخ ~~منه لاستحالة اتباعه وامتثاله، والهدى المشترك فيما بينهم إنما هو التوحيد، ~~والأدلة PageV04P144 # العقلية الهادية إليه (1) وليس ذلك من شرعهم في شيء، ولهذا قال: {فبهداهم ~~اقتده} ولم يقل " بهم ". # وبتقدير أن يكون المراد من الهدى المشترك ما اتفقوا فيه من الشرائع دون ~~ما اختلفوا فيه فاتباعه له إنما كان بوحي إليه وأمر مجدد لا أنه بطريق ~~الاقتداء بهم. (2) وعن قوله تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح} ~~أنه لا دلالة له على أنه موحى إليه بعين ما أوحي به إلى نوح والنبيين من ~~بعده حتى يقال باتباعه لشريعتهم، بل غايته أنه أوحى إليه كما أوحى إلى غيره ~~من النبيين قطعا لاستبعاد ذلك وإنكاره، وبتقدير أن يكون المراد به أنه أوحى ~~إليه بما أوحى به إلى غيره من النبيين، فغايته أنه أوحى إليه بمثل شريعة من ~~قبله بوحي مبتدإ لا بطريق الاتباع لغيره. (3) وعن قوله تعالى: {شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا} أن المراد من الدين إنما هو أصل التوحيد لا ما اندرس ~~من شريعته، ولهذا لم ينقل عن النبي عليه السلام البحث عن شريعة نوح (4) ، ~~وذلك مع التعبد بها في حقه ممتنع، وحيث خصص PageV04P145 # نوحا بالذكر (1) مع اشتراك جميع الأنبياء في الوصية بالتوحيد كان تشريفا ~~له وتكريما، كما خصص روح عيسى بالإضافة إليه والمؤمنين بلفظ العباد. وعن ~~قوله تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم} أن المراد بلفظ الملة ~~إنما هو أصول التوحيد وإجلال الله تعالى بالعبادة دون الفروع الشرعية (2) ~~ويدل على ذلك أربعة أوجه: # الأول: أن لفظ الملة لا يطلق على الفروع الشرعية بدليل أنه لا يقال: ملة ~~الشافعي وملة أبي حنيفة لمذهبيهما في الفروع الشرعية. ms853 # الثاني: أنه قال عقيب ذلك: {وما كان من المشركين} ذكر ذلك في مقابلة ~~الدين، ومقابل الشرك إنما هو التوحيد. # الثالث: أنه قال: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} ولو كان ~~المراد من الدين الأحكام الفرعية لكان من خالفه فيها من الأنبياء سفيها (3) ~~، وهو محال. # الرابع: أنه لو كان المراد من الدين فروع الشريعة لوجب على النبي عليه ~~السلام البحث عنها لكونه مأمورا بها، وذلك مع اندراسها ممتنع. ثم وإن سلمنا ~~أن المراد بالملة الفروع الشرعية غير أنه إنما وجب عليه اتباعها بما أوحي، ~~ولهذا قال: {ثم أوحينا إليك} . # وعن قوله تعالى: {إنا أنزلنا التوراة} الآية، أن قوله: {يحكم بها ~~النبيون} صيغة إخبار لا صيغة أمر، وذلك لا يدل على وجوب اتباعها، وبتقدير ~~أن يكون ذلك أمرا فيجب حمله على ما هو مشترك الوجوب بين جميع الأنبياء، وهو ~~التوحيد PageV04P146 # دون الفروع الشرعية المختلف فيها فيما بينهم لإمكان تنزيل لفظ النبيين ~~على عمومه بخلاف التنزيل على الفروع الشرعية، كيف وإن هذه الآيات متعارضة ~~والعمل بجميعها ممتنع، وليس العمل بالبعض أولى من البعض. (1) وعن الخبر ~~الأول: وهو رجوع النبي عليه السلام إلى التوراة في رجم اليهودي ما سبق. # وعن الخبر الثاني: لا نسلم أن كتابنا غير مشتمل على قصاص السن بالسن، ~~ودليله قوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} ~~وهو عام في السن وغيره. # وعن الخبر الثالث: أنه لم يذكر الخطاب مع موسى لكونه موجبا لقضاء الصلاة ~~عند النوم والنسيان، وإنما أوجب ذلك بما أوحي إليه ونبه على أن أمته مأمورة ~~بذلك، كما أمر موسى عليه السلام. # ثم ما ذكرتموه من النقل معارض بقوله عليه السلام: " «بعثت إلى الأحمر ~~والأسود» " وكل نبي بعث إلى قومه (2) ، والنبي عليه السلام لم يكن من أقوام ~~الأنبياء المتقدمين، فلا يكون متعبدا بشرعهم وبما روي عنه عليه السلام أنه ~~«رأى مع عمر بن الخطاب PageV04P147 # قطعة من التوراة ينظر فيها فغضب وقال: ألم آت بها بيضاء نقية، لو أدركني ~~أخي موسى لما ms854 وسعه إلا اتباعي» . (1) أخبر بأن موسى لو كان حيا لما وسعه ~~إلا اتباعه، فلأن لا يكون النبي عليه السلام متبعا لموسى بعد موته أولى، ~~وربما عورض أيضا بقوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} والشرعة: ~~الشريعة، والمنهاج: الطريق، وذلك يدل على عدم اتباع الأخير لمن تقدم من ~~الأنبياء ; لأن الشريعة لا تضاف إلا إلى من اختص بها دون التابع لها، ولا ~~حجة فيه فإن الشرائع وإن اشتركت في شيء فمختلفة في أشياء، وباعتبار ما به ~~الاختلاف بينها كانت شرائع مختلفة، وذلك كما يقال: لكل إمام مذهب باعتبار ~~اختلاف الأئمة في بعض الأحكام، وإن وقع الاتفاق بينهم في كثير منها. # وربما أورد النفاة في ذلك طرقا أخرى شتى ضعيفة، آثرنا الإعراض عن ذكرها. # وكما أن النبي عليه السلام لم يكن متعبدا بشريعة من تقدم إلا بوحي مجدد ~~لم يكن قبل بعثته على ما كان قومه عليه، بل كان متجنبا لأصنامهم معرضا عن ~~أزلامهم، ولا يأكل من ذبائحهم على النصب (2) ، هذا هو مذهب أصحاب الشافعي ~~وأئمة المسلمين. # ومن الأصوليين من قال بالوقف وهو بعيد. PageV04P148 ### | [النوع الثاني مذهب الصحابي] ### | [المسألة الأولى مذهب الصحابي هل هو حجة على التابعين ومن بعدهم من المجتهدين] # وفيه مسألتان: # المسألة الأولى # اتفق الكل على أن مذهب الصحابي في مسائل الاجتهاد لا يكون حجة على غيره ~~من الصحابة المجتهدين إماما كان أو حاكما أو مفتيا. # واختلفوا في كونه حجة على التابعين ومن بعدهم من المجتهدين: # فذهبت الأشاعرة، والمعتزلة، والشافعي في أحد قوليه، وأحمد بن حنبل في ~~إحدى الروايتين عنه، والكرخي: إلى أنه ليس بحجة. # وذهب مالك بن أنس والرازي والبرذعي من أصحاب أبي حنيفة، والشافعي في قول ~~له، وأحمد بن حنبل في رواية له: إلى أنه حجة مقدمة على القياس. # وذهب قوم إلى أنه إن خالف القياس فهو حجة وإلا فلا. # وذهب قوم إلى أن الحجة في قول أبي بكر وعمر دون غيرهما. # والمختار أنه ليس بحجة مطلقا، وقد احتج النافون بحجج ضعيفة لا بد من ~~ذكرها والإشارة إلى ms855 وجه ضعفها قبل ذكر ما هو المختار في ذلك. # الحجة الأولى: قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ~~أوجب الرد عند الاختلاف إلى الله والرسول، فالرد إلى مذهب الصحابي يكون ~~تركا للواجب وهو ممتنع. # ولقائل أن يقول: لا نسلم أن قوله تعالى: {فردوه إلى الله والرسول} يدل ~~على الوجوب على ما سبق تقريره (1) ، فالرد إلى مذهب الصحابي لا يكون تركا ~~للواجب، وإن سلمنا أنه للوجوب ولكن عند إمكان الرد، وهو أن يكون حكم ~~المختلف فيه مبينا في الكتاب أو السنة، وأما بتقدير أن لا يكون مبينا فيهما ~~فلا. PageV04P149 # ونحن إنما نقول باتباع مذهب الصحابي مع عدم الظفر بما يدل على حكم ~~الواقعة من الكتاب والسنة. # الحجة الثانية: قالوا: أجمعت الصحابة على جواز مخالفة كل واحد من آحاد ~~الصحابة المجتهدين للآخر، ولو كان مذهب الصحابي حجة لما كان كذلك، وكان يجب ~~على كل واحد منهم اتباع الآخر وهو محال. # ولقائل أن يقول: الخلاف إنما هو في كون مذهب الصحابي حجة على من بعده من ~~مجتهدة التابعين ومن بعدهم، لا مجتهدة الصحابة (1) ، فلم يكن الإجماع دليلا ~~على محل النزاع. # الحجة الثالثة: أن الصحابي من أهل الاجتهاد والخطأ ممكن عليه، فلا يجب ~~على التابع المجتهد العمل بمذهبه كالصحابيين والتابعيين. # ولقائل أن يقول: لا يلزم من امتناع وجوب العمل بمذهب الصحابي على صحابي ~~مثله وامتناع وجوب العمل بمذهب التابعي على تابعي مثله، امتناع وجوب عمل ~~التابعي بمذهب الصحابي مع تفاوتهما على ما قال عليه السلام: ( «خير القرون ~~القرن الذي أنا فيه» ) (2) ، وقال عليه السلام: " أصحابي كالنجوم بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم " (3) ولم يرد مثل ذلك في حق غيرهم. PageV04P150 # الحجة الرابعة: أن الصحابة قد اختلفوا في مسائل، وذهب كل واحد إلى خلاف ~~مذهب الآخر، كما في مسائل الجد مع الأخوة، وقوله " أنت علي حرام " كما سبق ~~تعريفه، فلو كان مذهب الصحابي حجة على غيره من التابعين لكانت حجج الله ~~تعالى مختلفة متناقضة، ولم يكن اتباع التابعي للبعض أولى من البعض. # ولقائل أن يقول: اختلاف ms856 مذاهب الصحابة لا يخرجها عن كونها حججا في أنفسها ~~كأخبار الآحاد والنصوص الظاهرة، ويكون العمل بالواحد منها متوقفا على ~~الترجيح، ومع عدم الوقوف على الترجيح فالواجب الوقف أو التخيير، كما عرف ~~فيما تقدم. (1) الحجة الخامسة: أن قول الصحابي عن اجتهاد مما يجوز عليه ~~الخطأ، فلا يقدم على القياس كالتابعي. # ولقائل أن يقول: اجتهاد الصحابي وإن جاز عليه الخطأ فلا يمنع ذلك من ~~تقديمه على القياس كخبر الواحد، ولا يلزم من امتناع تقديم مذهب التابعي على ~~القياس امتناع ذلك في مذهب الصحابي ; لما بيناه من الفرق بينهما. (2) ~~PageV04P151 # الحجة السادسة: أن التابعي متمكن من تحصيل الحكم بطريقه، فلا يجوز له ~~التقليد فيه كالأصول. # ولقائل أن يقول: اتباع مذهب الصحابي إنما يكون تقليدا له إن لو لم يكن ~~قوله حجة متبعة، وهو محل النزاع، وخرج عليه الأصول، فإن القطع واليقين ~~معتبر فيها، ومذهب الغير من أهل الاجتهاد فيها ليس بحجة قاطعة، فكان اتباعه ~~في مذهبه تقليدا من غير دليل، وذلك لا يجوز. (1) والمعتمد في ذلك الاحتجاج ~~بقوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} أوجب الاعتبار (2) وأراد به ~~القياس كما سبق تقريره في إثبات كون القياس حجة، وذلك ينافي وجوب اتباع ~~مذهب الصحابي وتقديمه على القياس، فإن قيل: لا نسلم دلالة ذلك على وجوب ~~اتباع القياس، وقد سبق تقريره من وجوه، سلمنا دلالته على ذلك، لكنه معارض ~~من جهة الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. # أما الكتاب فقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف} وهو ~~خطاب مع الصحابة بأن ما يأمرون به معروف، والأمر بالمعروف واجب القبول. # وأما السنة فقوله عليه السلام: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ~~"، (3) ، وقوله عليه السلام: " «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر» " (4) ~~، ولا يمكن PageV04P152 # حمل ذلك على مخاطبة العامة والمقلدين لهم ; لما فيه من تخصيص العموم من ~~غير دليل، ولما فيه من إبطال فائدة تخصيص الصحابة بذلك من جهة وقوع الاتفاق ~~على جواز تقليد العامة لغير الصحابة من المجتهدين، فلم يبق إلا أن يكون ~~المراد به وجوب اتباع مذاهبهم. # وأما ms857 الإجماع: فهو أن عبد الرحمن بن عوف ولى عليا رضي الله عنه الخلافة ~~بشرط الاقتداء بالشيخين فأبى، وولى عثمان فقبل، ولم ينكر عليه منكر فصار ~~إجماعا. (1) وأما المعقول فمن وجوه: # الأول: أن الصحابي إذا قال قولا يخالف القياس فإما أن لا يكون له فيما ~~قال PageV04P153 # مستند أو يكون: لا جائز أن يقال بالأول وإلا كان قائلا في الشريعة بحكم ~~لا دليل عليه، وهو محرم، وحال الصحابي العدل ينافي ذلك. # وإن كان الثاني فلا مستند وراء القياس سوى النقل، فكان حجة متبعة. # الثاني: أن قول الصحابي إذا انتشر ولم ينكر عليه منكر كان حجة، فكان حجة ~~مع عدم الانتشار كقول النبي عليه السلام. # الثالث: أن مذهب الصحابي إما أن يكون عن نقل أو اجتهاد، فإن كان الأول ~~كان حجة، وإن كان الثاني فاجتهاد الصحابي مرجح على اجتهاد التابعي ومن بعده ~~; لترجحه بمشاهدة التنزيل ومعرفة التأويل ووقوفه من أحوال النبي عليه ~~السلام ومراده من كلامه على ما لم يقف عليه غيره، فكان حال التابعي إليه ~~كحال العامي بالنسبة إلى المجتهد التابعي، فوجب اتباعه له. # والجواب عن منع دلالة الآية ما ذكرناه، وعن القوادح ما سبق. # وعن المعارضة بالكتاب: أنه لا دلالة فيه ; لما سبق في إثبات الإجماع، وإن ~~كان دالا فهو خطاب مع جملة الصحابة، ولا يلزم من كون ما أجمعوا عليه حجة أن ~~يكون قول الواحد والاثنين حجة. # وعن السنة أنه لا دلالة فيها أيضا ; لما سبق في الإجماع، ولأن الخبر ~~الأول وإن كان عاما في أشخاص الصحابة فلا دلالة فيه على عموم الاقتداء في ~~كل ما يقتدى فيه، وعند ذلك فقد أمكن حمله على الاقتداء بهم فيما يرونه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وليس الحمل على غيره أولى من الحمل عليه، وبه ~~يظهر فساد التمسك بالخبر الثاني. # وعن الإجماع: أنه إنما لم ينكر أحد من الصحابة على عبد الرحمن وعثمان ذلك ~~; لأنهم حملوا لفظ الاقتداء على المتابعة في السيرة والسياسة دون المتابعة ~~في المذهب، بدليل الإجماع على أن مذهب ms858 الصحابي ليس حجة على غيره من الصحابة ~~المجتهدين. # كيف وأنه لو كان المراد بشرط الاقتداء بهما المتابعة في مذهبهما، فالقائل ~~بأن مذهب الصحابي حجة قائل بوجوب اتباعه، والقائل أنه ليس بحجة قائل بتحريم ~~اتباعه على غيره من المجتهدين، ويلزم من ذلك الخطأ بسكوت الصحابة عن ~~الإنكار # PageV04P154 # إما على علي حيث امتنع من الاقتداء إن كان ذلك واجبا، وإما على عثمان ~~وعبد الرحمن بن عوف إن كان الاقتداء بالشيخين محرما، وذلك ممتنع. # وعن المعارضة الأولى من المعقول: أنها منتقضة بمذهب التابعي، فإن ما ~~ذكروه بعينه ثابت فيه وليس بحجة بالاتفاق. # وعن الثانية: أنه لا يخلو إما أن يقول بأن قول الصحابي إذا انتشر ولم ~~ينكر عليه منكر أيكون (1) ذلك إجماعا أم لا يكون إجماعا، فإن كان الأول ~~فالحجة في الإجماع لا في مذهب الصحابي، وذلك غير متحقق فيما إذا لم ينتشر، ~~وإن كان الثاني فلا حجة فيه مطلقا، كيف وإن ما ذكروه منتقض بمذهب التابعي ~~فإنه إذا انتشر في عصره ولم يوجد له نكير كان حجة، ولا يكون حجة بتقدير عدم ~~انتشاره إجماعا. # وعن الثالثة: لا نسلم أن مستنده النقل ; لأنه لو كان معه نقل لأبداه ~~ورواه ; لأنه من العلوم النافعة، وقد قال عليه السلام: " «من كتم علما ~~نافعا ألجمه الله بلجام من نار» "، وذلك خلاف الظاهر من حال الصحابي، فلم ~~يبق إلا أن يكون عن رأي واجتهاد وعند ذلك فلا يكون حجة على غيره من ~~المجتهدين بعده ; لجواز أن يكون دون غيره في الاجتهاد، وإن كان متميزا بما ~~ذكروه من الصحبة ولوازمها (2) ، ولهذا قال عليه السلام: " «فرب حامل فقه ~~إلى من هو أفقه منه» ". (3) ثم هو منتقض بمذهب التابعي، فإنه ليس بحجة على ~~من بعده من تابعي التابعين، وإن كانت نسبته إلى تابعي التابعين كنسبة ~~الصحابي إليه. PageV04P155 ### | [المسألة الثانية مذهب الصحابي ليس بحجة واجبة الاتباع فهل يجوز لغيره تقليده] # المسألة الثانية # إذا ثبت أن مذهب الصحابي ليس بحجة واجبة الاتباع فهل يجوز لغيره تقليده؟ # أما العامي فيجوز له ذلك من ms859 غير خلاف، وأما المجتهد من التابعين ومن ~~بعدهم، فيجوز له تقليده إن جوزنا تقليد العالم للعالم، وإن لم نجوز ذلك فقد ~~اختلف قول الشافعي في جواز تقليد العالم من التابعين للعالم من الصحابة، ~~فمنع من ذلك في الجديد وجوزه في القديم، غير أنه اشترط انتشار مذهبه تارة ~~ولم يشترطه تارة. # والمختار امتناع ذلك مطلقا لما يأتي في قاعدة الاجتهاد إن شاء الله ~~تعالى. (1) النوع الثالث: الاستحسان # وقد اختلف فيه فقال به أصحاب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل، وأنكره الباقون ~~حتى نقل عن الشافعي أنه قال: من استحسن فقد شرع. # ولا بد قبل النظر في الحجاج من تلخيص محل النزاع ليكون التوارد بالنفي ~~والإثبات على محز واحد فنقول: # الخلاف ليس في نفس إطلاق لفظ الاستحسان جوازا وامتناعا لوروده في الكتاب ~~والسنة وإطلاق أهل اللغة. # أما الكتاب فقوله تعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} ، وقوله ~~تعالى: {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} . # وأما السنة فقوله عليه السلام: " «ما رآه المسلمون فهو عند الله حسن» ". ~~(2) PageV04P156 # وأما الإطلاق فما نقل عن الأئمة من استحسان دخول الحمام من غير تقدير عوض ~~للماء المستعمل، ولا تقدير مدة السكون فيها، وتقدير أجرته، واستحسان شرب ~~الماء من أيدي السقائين من غير تقدير في الماء وعوضه، وقد نقل عن الشافعي ~~أنه قال: أستحسن في المتعة أن تكون ثلاثين درهما، وأستحسن ثبوت الشفعة ~~للشفيع إلى ثلاثة أيام، وأستحسن ترك شيء للمكاتب من نجوم الكتابة. وقال في ~~السارق إذا أخرج يده اليسرى بدل اليمنى فقطعت: القياس أن تقطع يمناه، ~~والاستحسان أن لا تقطع. # فلم يبق الخلاف إلا في معنى الاستحسان وحقيقته، ولا شك أن الاستحسان قد ~~يطلق على ما يميل إليه الإنسان ويهواه من الصور والمعاني وإن كان مستقبحا ~~عند غيره، وهو في اللغة استفعال من الحسن، وليس ذلك هو محز الخلاف؛ لاتفاق ~~الأمة قبل ظهور المخالفين على امتناع حكم المجتهد في شرع الله تعالى ~~بشهواته وهواه، من غير دليل شرعي، وأنه لا فرق في ذلك بين المجتهد والعامي ~~وإنما محز الخلاف فيما ms860 وراء ذلك. # وقد اختلف أصحاب أبي حنيفة في تعريفه بحده فمنهم من قال: إنه عبارة عن ~~دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على إظهاره لعدم مساعدة العبارة عنه، ~~والوجه في الكلام عليه أنه إن تردد فيه بين أن يكون دليلا محققا ووهما ~~فاسدا فلا خلاف في امتناع التمسك به، وإن تحقق أنه دليل من الأدلة الشرعية ~~فلا نزاع في جواز التمسك به أيضا، وإن كان ذلك في غاية البعد، وإنما النزاع ~~في تخصيصه باسم الاستحسان عند العجز عن التعبير عنه دون حالة إمكان التعبير ~~عنه، ولا حاصل للنزاع اللفظي. # ومنهم من قال: إنه عبارة عن العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه، ~~ويخرج منه الاستحسان عندهم بالعدول عن موجب القياس إلى النص من الكتاب أو ~~السنة أو العادة. # PageV04P157 # أما الكتاب: فكما في قول القائل: مالي صدقة، فإن القياس لزوم التصدق بكل ~~مال له، وقد استحسن تخصيص ذلك بمال الزكاة كما في قوله تعالى: {خذ من ~~أموالهم صدقة} ولم يرد به سوى مال الزكاة. # وأما السنة: فكاستحسانهم أن لا قضاء على من أكل ناسيا في نهار رمضان، ~~والعدول عن حكم القياس إلى قوله عليه السلام لمن أكل ناسيا: ( «الله أطعمك ~~وسقاك» ) . # وأما العادة: فكالعدول عن موجب الإجارات في ترك تقدير الماء المستعمل في ~~الحمام، وتقدير السكنى فيها، ومقدار الأجرة، كما ذكرناه فيما تقدم للعادة ~~في ترك المضايقة في ذلك. # ومنهم من قال: إنه عبارة عن تخصيص قياس بدليل هو أقوى منه. # وحاصله يرجع إلى تخصيص العلة، وقد عرف ما فيه. (1) وقال الكرخي: ~~الاستحسان هو العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه ~~هو أقوى، ويدخل فيه العدول عن حكم العموم إلى مقابله للدليل المخصص، ~~والعدول عن حكم الدليل المنسوخ إلى مقابله للدليل الناسخ وليس باستحسان ~~عندهم. # وقال أبو الحسين البصري: هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول ~~الألفاظ لوجه هو أقوى منه، وهو في حكم الطارئ على الأول. # وقصد بقوله: غير شامل ms861 شمول الألفاظ في الاحتراز عن العدول عن العموم إلى ~~القياس لكونه لفظا شاملا. # وبقوله: (وهو في حكم الطارئ) الاحتراز عن قولهم: تركنا الاستحسان ~~بالقياس، فإنه ليس استحسانا من حيث إن القياس الذي ترك له الاستحسان ليس في ~~حكم الطارئ بل هو الأصل، وذلك كما لو قرأ آية سجدة في آخر سورة، فالاستحسان ~~أن يسجد لها ولا يجتزئ بالركوع، ومقتضى القياس أن يجتزئ بالركوع فإنهم ~~قالوا بالعدول ها هنا عن الاستحسان إلى القياس. # وهذا الحد وإن كان أقرب مما تقدم لكونه جامعا مانعا غير أن حاصله يرجع ~~إلى تفسير الاستحسان بالرجوع عن حكم دليل خاص إلى مقابله بدليل طارئ ~~PageV04P158 # عليه أقوى منه من نص أو إجماع أو غيره، ولا نزاع في صحة الاحتجاج به، وإن ~~نوزع في تلقيبه بالاستحسان فحاصل النزاع راجع فيه إلى الإطلاقات اللفظية، ~~ولا حاصل له، وإنما النزاع في إطلاقهم الاستحسان على العدول عن حكم الدليل ~~إلى العادة وهو أن يقال: إن أردتم بالعادة ما اتفق عليه الأئمة من أهل الحل ~~والعقد فهو حق. # وحاصله راجع إلى الاستدلال بالإجماع، وإن أريد به عادة من لا يحتج بعادته ~~كالعادات المستحدثة للعامة فيما بينهم فذلك مما يمتنع ترك الدليل الشرعي ~~به. # وإذا تحقق المطلوب في هذه المسألة فلا بد من الإشارة إلى شبه تمسك بها ~~القائلون بالاستحسان في بيان كون المفهوم منه حجة مع قطع النظر عن تفصيل ~~القول فيه، والإشارة إلى جهة ضعفها، وقد تمسكوا في ذلك بالكتاب والسنة ~~وإجماع الأمة. # أما الكتاب فقوله تعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} ، وقوله ~~تعالى: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} . # ووجه الاحتجاج بالآية الأولى: ورودها في معرض الثناء والمدح لمتبع أحسن ~~القول، وبالآية الثانية من جهة أنه أمر باتباع أحسن ما أنزل، ولولا أنه حجة ~~لما كان كذلك. # وأما السنة فقوله عليه السلام: ( «ما رآه المسلمون فهو عند الله حسن» ) ~~(1) ولولا أنه حجة لما كان عند الله حسنا. # وأما إجماع الأمة فما ذكر من استحسانهم دخول الحمام وشرب الماء من ms862 أيدي ~~السقائين من غير تقدير لزمان السكون وتقدير الماء والأجرة. # والجواب عن الآية الأولى: أنه لا دلالة له فيها على وجوب اتباع أحسن ~~القول، وهو محل النزاع. # وعن الآية الثانية: أنه لا دلالة أيضا فيها على أن ما صاروا إليه دليل ~~منزل، فضلا عن كونه أحسن ما أنزل. # وعن الخبر كذلك أيضا، فإن قوله: " «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله ~~حسن» " إشارة إلى إجماع المسلمين، والإجماع حجة، ولا يكون إلا عن دليل، ~~وليس فيه PageV04P159 # دلالة على أن ما رآه آحاد المسلمين حسنا أنه حسن عند الله، وإلا كان ما ~~رآه آحاد العوام من المسلمين أن يكون حسنا عند الله، وهو ممتنع. # وعن الإجماع على استحسان ما ذكروه، لا نسلم أن استحسانهم لذلك هو الدليل ~~على صحته، بل الدليل ما دل على استحسانهم له، وهو جريان ذلك في زمن النبي ~~عليه الصلاة السلام مع علمه به وتقريره لهم عليه أو غير ذلك. # النوع الرابع: المصالح المرسلة (1) وقد بينا في القياس حقيقة المصلحة ~~وأقسامها في ذاتها، وانقسامها باعتبار شهادة الشارع لها إلى: معتبرة، ~~وملغاة، وإلى ما لم يشهد الشرع لها باعتبار ولا إلغاء، وبينا ما يتعلق ~~بالقسمين الأولين، ولم يبق غير القسم الثالث، وهو المعبر عنه بالمناسب ~~المرسل، وهذا أوان النظر فيه. # وقد اتفق الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم على امتناع التمسك به، وهو ~~الحق، إلا ما نقل عن مالك أنه يقول به مع إنكار أصحابه لذلك عنه، ولعل ~~النقل إن صح عنه فالأشبه أنه لم يقل بذلك في كل مصلحة، بل فيما كان من ~~المصالح الضرورية الكلية الحاصلة قطعا، لا فيما كان من المصالح غير ضروري ~~ولا كلي، ولا وقوعه قطعي. # وذلك كما لو (2) تترس الكفار بجماعة من المسلمين، بحيث لو كففنا عنهم ~~لغلب الكفار على دار الإسلام واستأصلوا شأفة المسلمين، ولو رمينا الترس ~~وقتلناهم اندفعت المفسدة عن كافة المسلمين قطعا غير أنه يلزم منه قتل مسلم ~~لا جريمة له، فهذا القتل وإن كان مناسبا في هذه الصورة، والمصلحة ضرورية ms863 ~~كلية قطعية، غير أنه لم يظهر من الشارع اعتبارها ولا إلغاؤها في صورة. ~~PageV04P160 # وإذا عرف ذلك فالمصالح على ما بينا منقسمة إلى ما عهد من الشارع ~~اعتبارها، وإلى ما عهد منه إلغاؤها. وهذا القسم متردد بين ذينك القسمين، ~~وليس إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر، فامتنع الاحتجاج به دون شاهد ~~بالاعتبار، يعرف أنه من قبيل المعتبر دون الملغى. # فإن قيل: ما ذكرتموه فرع تصور وجود المناسب المرسل، وهو غير متصور. # وذلك لأنا أجمعنا على أن ثم مصالح معتبرة في نظر الشارع في بعض الأحكام، ~~وأي وصف قدر من الأوصاف المصلحية فهو من جنس ما اعتبر، وكان من قبيل ~~الملائم الذي أثر جنسه في جنس الحكم، وقد قلتم به. # قلنا: وكما أنه من جنس المصالح المعتبرة فهو من جنس المصالح الملغاة، فإن ~~كان يلزم من كونه من جنس ما اعتبر من المصالح أن يكون معتبرا، فيلزم أن ~~يكون ملغى ضرورة كونه من جنس المصالح الملغاة، وذلك يؤدي إلى أن يكون الوصف ~~الواحد معتبرا ملغى بالنظر إلى حكم واحد، وهو محال. # وإذا كان كذلك فلا بد من بيان كونه معتبرا بالجنس القريب منه ; لنأمن ~~إلغاءه. # والكلام فيما إذا لم يكن كذلك. # PageV04P161 ### | [القاعدة الثالثة في المجتهدين وأحوال المفتين والمستفتين] ### | [الباب الأول في المجتهدين] ### | [مقدمة في تعريف معنى الاجتهاد والمجتهد والمجتهد فيه] # القاعدة الثالثة # في المجتهدين وأحوال المفتين والمستفتين وتشتمل على بابين: # الباب الأول: في المجتهدين # ويشتمل على مقدمة ومسائل: # أما المقدمة: ففي تعريف معنى الاجتهاد، والمجتهد، والمجتهد فيه. # أما (الاجتهاد) : فهو في اللغة عبارة عن استفراغ الوسع في تحقيق أمر من ~~الأمور مستلزم للكلفة والمشقة، ولهذا يقال: اجتهد فلان في حمل حجر البزارة، ~~ولا يقال: اجتهد في حمل خردلة. # وأما في اصطلاح الأصوليين فمخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من ~~الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه. # فقولنا: (استفراغ الوسع) كالجنس للمعنى اللغوي والأصولي، وما وراءه خواص ~~مميزة للاجتهاد بالمعنى الأصولي. # وقولنا: (في طلب الظن) احتراز عن الأحكام القطعية. ms864 # وقولنا: (بشيء من الأحكام الشرعية) ليخرج عنه الاجتهاد في المعقولات ~~والمحسات وغيرها. # وقولنا: (بحيث يحس من النفس العجز عن المزيد فيه) ليخرج عنه اجتهاد ~~المقصر في اجتهاده مع إمكان الزيادة عليه، فإنه لا يعد في اصطلاح الأصوليين ~~اجتهادا معتبرا. # وأما: (المجتهد) فكل من اتصف بصفة الاجتهاد وله شرطان. (1) الشرط الأول: ~~أن يعلم وجود الرب تعالى وما يجب له من الصفات، ويستحقه من الكمالات، وأنه ~~واجب الوجود لذاته، حي، عالم، قادر، مريد، متكلم، حتى يتصور منه التكليف، ~~وأن يكون مصدقا بالرسول وما جاء به من الشرع PageV04P162 # المنقول بما ظهر على يده من المعجزات والآيات الباهرات، ليكون فيما يسنده ~~إليه من الأقوال والأحكام محققا. # ولا يشترط أن يكون عارفا بدقائق علم الكلام متبحرا فيه كالمشاهير من ~~المتكلمين، بل أن يكون عارفا بما يتوقف عليه الإيمان مما ذكرناه. # ولا يشترط أن يكون مستند علمه في ذلك الدليل المفصل بحيث يكون قادرا على ~~تقريره وتحريره ودفع الشبه عنه، كالجاري من عادة الفحول من أهل الأصول، بل ~~أن يكون عالما بأدلة هذه الأمور من جهة الجملة لا من جهة التفصيل. # الشرط الثاني: أن يكون عالما عارفا بمدارك الأحكام الشرعية، وأقسامها، ~~وطرق إثباتها، ووجوه دلالاتها على مدلولاتها، واختلاف مراتبها، والشروط ~~المعتبرة فيها على ما بيناه، وأن يعرف جهات ترجيحها عند تعارضها، وكيفية ~~استثمار الأحكام منها، قادرا على تحريرها وتقريرها والانفصال عن الاعتراضات ~~الواردة عليها. # وإنما يتم ذلك بأن يكون عارفا بالرواة وطرق الجرح والتعديل والصحيح ~~والسقيم، لا كأحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وأن يكون عارفا بأسباب النزول ~~والناسخ والمنسوخ في النصوص الإحكامية، عالما باللغة والنحو. # ولا يشترط أن يكون في اللغة كالأصمعي، وفي النحو كسيبويه والخليل، بل أن ~~يكون قد حصل من ذلك على ما يعرف به أوضاع العرب والجاري من عاداتهم في ~~المخاطبات بحيث يميز بين دلالات الألفاظ من: المطابقة، والتضمن، والالتزام ~~(1) ، والمفرد والمركب، والكلي والجزئي، والحقيقة والمجاز، والتواطؤ ~~والاشتراك، والترادف والتباين، والنص والظاهر، والعام والخاص، والمطلق ~~والمقيد، والمنطوق PageV04P163 # والمفهوم، والاقتضاء، والإشارة، والتنبيه، والإيماء، ms865 ونحو ذلك مما ~~فصلناه، ويتوقف عليه استثمار الحكم من دليله. # وذلك كله أيضا إنما يشترط في حق المجتهد المطلق المتصدي للحكم والفتوى في ~~جميع مسائل الفقه. # وأما الاجتهاد في حكم بعض المسائل، فيكفي فيه أن يكون عارفا بما يتعلق ~~بتلك المسألة، وما لا بد منه فيها، ولا يضره في ذلك جهله بما لا تعلق له ~~بها مما يتعلق بباقي المسائل الفقهية، كما أن المجتهد المطلق قد يكون ~~مجتهدا في المسائل المتكثرة بالغا رتبة الاجتهاد فيها، وإن كان جاهلا ببعض ~~المسائل الخارجة عنها، فإنه ليس من شرط المفتي أن يكون عالما بجميع أحكام ~~المسائل ومداركها، فإن ذلك مما لا يدخل تحت وسع البشر. # ولهذا نقل عن مالك أنه سئل عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين منها: " ~~لا أدري ". # وأما ما فيه الاجتهاد، فما كان من الأحكام الشرعية دليله ظني. # فقولنا: (من الأحكام الشرعية) تمييز له عما كان من القضايا العقلية ~~واللغوية وغيرها. # وقولنا: (دليله ظني) تمييز له عما كان دليله منها قطعيا كالعبادات الخمس ~~ونحوها، فإنها ليست محلا للاجتهاد فيها لأن المخطئ فيها يعد آثما، والمسائل ~~الاجتهادية ما لا يعد المخطئ فيها باجتهاده آثما. (1) هذا ما أردناه من ~~بيان المقدمة. . .، وأما المسائل فاثنتا عشرة مسألة. PageV04P164 ### | [المسألة الأولى النبي عليه السلام هل كان متعبدا بالاجتهاد فيما لا نص فيه] # المسألة الأولى # اختلفوا في أن النبي عليه السلام هل كان متعبدا بالاجتهاد فيما لا نص ~~فيه؟ (1) فقال أحمد بن حنبل والقاضي أبو يوسف: إنه كان متعبدا به، وقال أبو ~~علي الجبائي وابنه أبو هاشم: إنه لم يكن متعبدا به، وجوز الشافعي في رسالته ~~ذلك من غير قطع، وبه قال بعض أصحاب الشافعي والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين ~~البصري. # ومن الناس من قال: إنه كان له الاجتهاد في أمور الحروب دون الأحكام ~~الشرعية. # والمختار جواز ذلك عقلا ووقوعه سمعا. # أما الجواز العقلي: فلأنا لو فرضنا أن الله تعالى تعبده بذلك وقال له: " ~~حكمي عليك أن تجتهد وتقيس " لم يلزم عنه لذاته محال عقلا، ms866 ولا معنى للجواز ~~العقلي سوى ذلك. (2) وأما الوقوع السمعي فيدل عليه الكتاب والسنة والمعقول. # أما الكتاب فقوله تعالى: {فاعتبروا ياأولي الأبصار} أمر بالاعتبار على ~~العموم لأهل البصائر، والنبي عليه السلام أجلهم في ذلك، فكان داخلا في ~~العموم، وهو دليل التعبد بالاجتهاد والقياس على ما سبق تقريره في إثبات ~~القياس على منكريه. # وأيضا قوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما ~~أراك الله} PageV04P165 # وما أراه يعم الحكم بالنص والاستنباط من النصوص. (1) وأيضا قوله تعالى: ~~{وشاورهم في الأمر} . # والمشاورة إنما تكون فيما يحكم فيه بطريق الاجتهاد لا فيما يحكم فيه ~~بطريق الوحي. # وأيضا قوله تعالى بطريق العتاب للنبي عليه السلام في أسارى بدر وقد ~~أطلقهم: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} فقال عليه ~~السلام: " «لو نزل من السماء إلى الأرض عذاب لما نجا منه إلا عمر» " (2) ~~لأنه كان قد أشار بقتلهم، وذلك يدل على أن ذلك كان بالاجتهاد لا بالوحي. # وأيضا قوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} عاتبه على ذلك ونسبه إلى ~~الخطأ، وذلك لا يكون فيما حكم فيه بالوحي، فلم يبق سوى الاجتهاد وليس ذلك ~~خاصا بالنبي عليه السلام، بل كان غيره أيضا من الأنبياء متعبدا بذلك. # ويدل عليه قوله تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث} الآية، وقوله: ~~{ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} ، وما يذكر بالتفهيم إنما يكون ~~بالاجتهاد لا بطريق الوحي. (3) وأما السنة فما روى الشعبي أنه: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقضي القضية وينزل القرآن بعد ذلك بغير ما كان قضى ~~به، فيترك ما قضى به على حاله، ويستقبل ما نزل به PageV04P166 # القرآن، والحكم بغير القرآن لا يكون إلا باجتهاد. (1) وأيضا ما روي عنه ~~أنه قال في مكة: «لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها. فقال العباس: إلا الإذخر، ~~فقال عليه السلام: " إلا الإذخر» ". (2) ومعلوم أن الوحي لم ينزل عليه في ~~تلك الحالة فكان الاستثناء بالاجتهاد. # وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه قال: " «العلماء ورثة ms867 الأنبياء» " (3) ~~وذلك يدل على أنه كان متعبدا بالاجتهاد، وإلا لما كانت علماء أمته وارثة ~~لذلك عنه، وهو خلاف الخبر. # وأما المعقول فمن وجهين: # الأول: أن العمل بالاجتهاد أشق من العمل بدلالة النص لظهوره؛ وزيادة ~~المشقة سبب لزيادة الثواب، لقوله عليه السلام لعائشة: " «ثوابك على قدر ~~نصبك» " (4) ، وقوله عليه السلام: " «أفضل العبادات أحمدها» " (5) ، أي ~~أشقها، فلو لم يكن النبي عليه السلام عاملا بالاجتهاد مع عمل أمته به لزم ~~اختصاصهم بفضيلة لم توجد له، وهو ممتنع، فإن آحاد أمة النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يكون أفضل من النبي في شيء أصلا. PageV04P167 # الثاني: أن القياس هو النظر في ملاحظة المعنى المستنبط من الحكم المنصوص ~~عليه، وإلحاق نظير المنصوص به بواسطة المعنى المستنبط، والنبي عليه السلام ~~أولى بمعرفة ذلك من غيره لسلامة نظره وبعده عن الخطإ والإقرار عليه. # وإذا عرف ذلك فقد ترجح في نظره إثبات الحكم في الفرع ضرورة، فلو لم يقض ~~به لكان تاركا لما ظنه حكما لله تعالى على بصيرة منه وهو حرام بالإجماع. # فإن قيل: ما ذكرتموه في بيان الجواز العقلي فالاعتراض عليه يأتي فيما ~~نذكره من المعقول. # وأما الآية الأولى: فقد سبق الاعتراض عليها (1) فيما تقدم. # وأما قوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما ~~أراك الله} أي بما أنزل إليك. # وأما الآية الثالثة: فالمراد منها المشاورة في أمور الحروب والدنيا. (2) ~~وكذلك العتاب في قوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} . # وأما عتابه في أسارى بدر فلعله كان مخيرا بالوحي بين قتل الكل أو إطلاق ~~الكل أو فداء الكل، فأشار بعض الأصحاب بإطلاق البعض دون البعض، فنزل العتاب ~~للذين عينوا لا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، غير أنه ورد بصيغة الجمع في ~~قوله: " {تريدون عرض الدنيا} " والمراد به أولئك خاصة. # وأما الخبر الأول: فهو مرسل ولا حجة في المراسيل كما سبق، وإن كان حجة ~~غير أنه يحتمل أنه كان يقضي بالوحي، والوحي الثاني يكون ناسخا للأول. # أما الخبر الثاني: فيحتمل أن النبي صلى ms868 الله عليه وسلم كان مريدا ~~لاستثناء " الإذخر " فسبقه به العباس. # وأما الخبر الثالث: فيدل على أن العلماء ورثة الأنبياء فيما كان ~~للأنبياء، ولا نسلم أن الاجتهاد كان للأنبياء حتى يكون موروثا عنهم. ~~PageV04P168 # كيف ويحتمل أنه أراد به الإرث في تبليغ أحكام الشرع إلى العامة، كما كان ~~الأنبياء مبلغين للمبعوث إليهم. # ويحتمل أنه أراد به الإرث فيما كان للأنبياء في حفظ قواعد الشريعة. # وأما الوجه الأول من المعقول: فالثواب فيما عظمت مشقته، وإن كان أكثر ~~ولكن لا يلزم منه ثبوته للنبي عليه السلام، وإلا لما ساغ له الحكم إلا ~~بالاجتهاد تحصيلا لزيادة الثواب، وهو ممتنع، واختصاص علماء الأمة بذلك دون ~~النبي عليه السلام لا يوجب كونهم أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم مع ~~اختصاصه بمنصب ورتبة النبوة وتشريفه بالبعثة وهداية الخلق بعد الضلالة على ~~جهة العموم. # وأما الوجه الثاني: وإن كان النبي عليه السلام أشد علما من غيره بمعرفة ~~القياس وجهات الاستنباط، إلا أن وجوب العمل به في حقه مشروط بعدم معرفة ~~الحكم بالوحي، وهذا الشرط مما لم يتبين في حقه عليه السلام فلا مشروط، وهذا ~~بخلاف علماء أمته فافترقا. # وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على تعبده بالقياس والاجتهاد، غير أنه معارض ~~بما يدل على عدمه. # وبيانه من جهة الكتاب والمعقول. # أما الكتاب: فقوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى - إن هو إلا وحي يوحى} ، ~~وقوله تعالى: {ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي} ~~، وذلك ينفي أن يكون الحكم الصادر عنه بالاجتهاد. # وأما المعقول: فمن عشرة أوجه: # الأول: أن «النبي عليه السلام نزل منزلا فقيل له: إن كان ذلك عن وحي ~~فالسمع والطاعة، وإن كان ذلك عن رأي فليس ذلك منزل مكيدة. فقال: بل هو ~~بالرأي» . (1) فدل على أنه تجوز مراجعته في الرأي، وقد علم أنه لا تجوز ~~مراجعته PageV04P169 # في الأحكام الشرعية فلا تكون عن رأي. # الثاني: أنه لو كان في الأحكام الصادرة عنه ما يكون عن اجتهاد لجاز أن لا ~~يجعل أصلا لغيره، ms869 وأن يخالف فيه، وأن لا يكفر مخالفه ; لأن جميع ذلك من ~~لوازم الأحكام الثابتة بالاجتهاد. # الثالث: لو كان متعبدا بالاجتهاد لأظهره، ولما توقف على الوحي فيما كان ~~يتوقف فيه في بعض الوقائع ; لما فيه من ترك ما وجب عليه من الاجتهاد، ~~واللازم ممتنع. # الرابع: أن الاجتهاد لا يفيد سوى الظن، والنبي عليه السلام كان قادرا على ~~تلقي الأحكام من الوحي القاطع، والقادر على تحصيل اليقين لا يجوز له المصير ~~إلى الظن، كالمعاين للقبلة لا يجوز له الاجتهاد فيها. # الخامس: أن الأمور الشرعية مبنية على المصالح التي لا علم للخلق بها، فلو ~~قيل للنبي عليه السلام: احكم بما ترى، كان ذلك تفويضا إلى من لا علم له ~~بالأصلح، وذلك مما يوجب اختلال المصالح الدينية والأحكام الشرعية. # السادس: أن لنا صوابا في الرأي وصدقا في الخبر، وقد أجمعنا على أن النبي ~~عليه السلام ليس له أن يخبر بما لا يعلم كونه صدقا، فكذلك لا يجوز له الحكم ~~بما لا علم له بصوابه. # السابع: أنه لو جاز أن يكون متعبدا بالاجتهاد لجاز أن يرسل الله رسولا، ~~ويجعل له أن يشرع شريعة برأيه وأن ينسخ ما تقدمه من الشرائع المنزلة من ~~الله تعالى، وأن ينسخ أحكاما أنزلها الله تعالى عليه برأيه، وذلك ممتنع. # الثامن: أنه لو جاز صدور الأحكام الشرعية عن رأيه واجتهاده فربما أورث ~~ذلك تهمة في حقه، وأنه هو الواضع للشريعة من تلقاء نفسه، وذلك مما يخل ~~بمقصود البعثة، وهو ممتنع. # التاسع: أن الاجتهاد عرضة للخطإ فوجب صيانة النبي عليه السلام عنه. # العاشر: أن الاجتهاد مشروط بعدم النص، وهذا غير متحقق في حق النبي عليه ~~السلام ; لأن الوحي متوقع في حقه في كل حالة. # والجواب عما ذكروه على الآية الأولى قد سبق فيما تقدم أيضا، وعما ذكروه ~~على الآية الثانية من وجهين: # PageV04P170 # الأول: أن الحكم بما استنبط من المنزل يكون حكما بالمنزل ; لأنه حكم ~~بمعناه، ولهذا قال في آخر الآية: {فاعتبروا ياأولي الأبصار} . (1) الثاني: ~~أن حكمه بالاجتهاد حكم بما أراه الله، فتقييده ms870 بالمنزل خلاف الإطلاق. # وعما ذكروه على الآية الثالثة: أنه إنما أمر بالمشاورة في أمر الفداء، ~~وهو من أحكام الدين لتعلقه بأعظم مصالح العباد. (2) وبتقدير أن يكون كما ~~ذكروه، فهو حجة على من خالف فيه، وبه دفع ما ذكروا على الآية الرابعة. # وعما ذكروه على العتاب في أسارى بدر، فهو على خلاف عموم الخطاب الوارد في ~~الآية وتخصيص دليل، فلا يصح. # وعما ذكروه على الخبر الأول من السنة بما بيناه فيما سبق من أن المرسل ~~حجة. (3) وقولهم: يحتمل أنه كان يحكم بالوحي، والوحي الثاني ناسخ له. # قلنا: النسخ خلاف الأصل لما فيه من تعطيل الدليل المنسوخ، وذلك وإن كان ~~نسخا لما حكم به النبي عليه السلام، غير أن تعطيل دليل الاجتهاد بنسخ حكمه ~~أولى من تعطيل القرآن. # وعما ذكروه على الخبر الثاني أنه لو كان الإذخر مستثنى فيما نزل إليه ~~لكان تأخيره إلى ما بعد قول العباس تأخيرا للاستثناء عن المستثنى منه مع ~~دعوى الحاجة إلى اتصاله به حذرا من التلبيس، وهو خلاف الأصل. # وعما ذكروه على الخبر الثالث، أن الظاهر من قوله: " «العلماء ورثة ~~الأنبياء» " فيما اختصوا به من العلم مطلقا، فلو لم تكن علومهم الاجتهادية ~~موروثة عن الأنبياء لكان ذلك تقييدا للمطلق وتخصيصا للعام من غير ضرورة، ~~وهو ممتنع، وبه يبطل ما ذكروه من التأويلات. PageV04P171 # وعما ذكروه على الوجه الأول من المعقول (1) إنما يصح أن لو كان ذلك ممكنا ~~في جميع الأحكام وليس كذلك، فإن الاجتهاد بالقياس يستدعي أصلا ثابتا لا ~~بالاجتهاد قطعا للتسلسل. (2) قولهم: إنه قد اختص بمنصب الرسالة، فلا يكون ~~أحد أفضل منه. # قلنا: وإن كان كذلك غير أن زيادة الثواب بزيادة المشقة نوع فضيلة، فيبعد ~~اختصاص أحد من أمته بفضيلة لا تكون موجودة في حق النبي عليه السلام، وإلا ~~كان أفضل منه من تلك الجهة، وهو بعيد. # وعما ذكروه على الثاني من المعقول أنه باطل باجتهاد أهل عصره، فإنه كان ~~واقعا بدليل تقريره لمعاذ على قوله: " أجتهد رأيي "، ولم يكن احتمال معرفة ~~الحكم بورود الوحي إلى ms871 النبي عليه السلام مانعا من الاجتهاد في حقه، وإنما ~~المانع وجود النص لاحتمال وجوده. # وعن المعارضة بالآية الأولى أنها إنما تتناول ما ينطق به واجتهاده من ~~فعله لا من نطقه، والخلاف إنما هو في الاجتهاد لا في النطق. # فإن قيل: فإذا اجتهد فلا بد وأن ينطق بحكم اجتهاده والإخبار عما ظنه من ~~الحكم، فتكون الآية متناولة له، ومن المعلوم أن ما ينطق به إذا كان مستنده ~~الاجتهاد فليس عن وحي وإن لم يكن عن هوى. # قلنا: إذا كان متعبدا بالاجتهاد من قبل الشارع وقيل له: مهما ظننت ~~باجتهادك حكما (3) ، فهو حكم الشرع فنطقه بذلك يكون عن وحي لا عن هوى. ~~PageV04P172 # وعن الآية الثانية أنها إنما تدل على أن تبديله للقرآن ليس من تلقاء ~~نفسه، وإنما هو بالوحي، والنزاع إنما وقع في الاجتهاد، والاجتهاد وإن وقع ~~في دلالة القرآن فذلك تأويل لا تبديل. # وعن المعارضة الأولى من جهة المعقول: أن المراجعة إنما كانت في أمر دنيوي ~~متعلق بالحروب، وليس ذلك من المراجعة في أحكام الشرع في شيء. # وعن الثانية: لا نسلم أن ما ذكروه من لوازم الأحكام الثابتة بالاجتهاد، ~~بدليل إجماع الأمة على الاجتهاد، واجتهاد النبي عليه السلام لا يتقاصر عن ~~اجتهاد الأمة الذين ثبتت عصمتهم بقول الرسول إن لم يكن مترجحا عليه. # وعن الثالثة: أنه لا مانع أن يكون متعبدا بالاجتهاد، وإن لم يظهره صريحا ~~لمعرفة ذلك لما ذكرناه من الأدلة. # وأما تأخره عن جواب بعض ما كان يسأل عنه فلاحتمال انتظار النص الذي لا ~~يجوز معه الاجتهاد إلى حين اليأس منه؛ أو لأنه كان في مهلة النظر في ~~الاجتهاد فيما سئل عنه، فإن زمان الاجتهاد في الأحكام الشرعية غير مقدر. ~~(1) وعن الرابعة: النقض بما وقع الإجماع عليه من تعبد النبي عليه السلام ~~بالحكم بقول الشهود حتى قال: " إنكم لتختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته ~~من بعض " مع إمكان انتظاره في ذلك لنزول الوحي الذي لا ريب فيه. (2) ~~PageV04P173 # وعن الخامسة: أنها مبنية على وجوب اعتبار المصالح، وهو غير مسلم على ms872 ما ~~عرفناه في علم الكلام، وإن سلمنا ذلك فلا مانع من إلهام الله تعالى له ~~بالصواب فيما يجتهد فيه من الحوادث، كيف وأن ما ذكروه منتقض بتعبد غيره ~~بالاجتهاد. # وعن السادسة من ثلاثة أوجه: # الأول: أنها تمثيل من غير جامع صحيح، فلا تكون حجة. # الثاني: الفرق، وهو أن الإخبار بما لا يعلم كونه صادقا قد لا نأمن فيه ~~الكذب، وهو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه، وذلك مما لا يجوز لأحد ~~الإقدام عليه. # وأما الاجتهاد فعلى قولنا بأن كل مجتهد مصيب، فالنبي أولى أن يكون مصيبا، ~~والخطأ في الاجتهاد مبني على أن الحكم عند الله تعالى واحد في كل واقعة في ~~نفس الأمر، وليس كذلك، بل الحكم عند الله في كل واقعة ما أدى إليه نظر ~~المجتهد (1) على ما يأتي تقريره. (2) الثالث: أن ما ذكروه منتقض بإجماع ~~الأمة إذا كان عن اجتهاد. # وعن السابعة: أنها أيضا تمثيل من غير جامع صحيح، كيف وأنا لا نمنع من ~~إرسال رسول بما وصفوه لا عقلا ولا شرعا، فإن لله تعالى أن يفعل ما يشاء ~~ويحكم بما يريد، ولا سيما إذا قلنا بأن المصالح غير معتبرة في أفعاله ~~تعالى. (3) وإن قلنا: إنها معتبرة، فلا يبعد أن يعلم الله تعالى المصلحة ~~للمكلفين في إرسال رسول بهذه المثابة ويعصمه عن الخطإ في اجتهاده، كما في ~~إجماع الأمة. (4) وعن الثامنة: أن التهمة منفية عنه في وضع الشريعة برأيه ~~بما دل على صدقه فيما يدعيه من تبليغ الأحكام بجهة الرسالة من المعجزة ~~القاطعة. # وعن التاسعة: أنا لا نسلم أن كل اجتهاد في الأحكام الشرعية عرضة للخطإ، ~~PageV04P174 # بدليل إجماع الصحابة على (1) الاجتهاد، واجتهاد النبي عليه السلام غير ~~متقاصر عن اجتهاد أهل الإجماع، فكان معصوما فيه عن الخطإ. (2) وعن العاشرة: ~~أن المانع من الاجتهاد دائما هو وجود النص لا إمكان وجود النص، ثم ما ذكروه ~~منتقض باجتهاد الصحابة في زمن النبي عليه السلام. ### | [المسألة الثانية الاختلاف في جواز الاجتهاد لمن عاصرالنبي عليه السلام] # المسألة الثانية # اتفقوا على جواز ms873 الاجتهاد بعد النبي عليه السلام، واختلفوا في جواز ~~الاجتهاد لمن عاصره. # فذهب الأكثرون إلى جوازه عقلا، ومنع منه الأقلون. # ثم اختلف القائلون بالجواز في ثلاثة أمور: # الأول: منهم من جوز ذلك للقضاة والولاة في غيبته دون حضوره، ومنهم من ~~جوزه مطلقا. # الثاني: أن منهم من قال بجواز ذلك مطلقا إذا لم يوجد من ذلك منع، ومنهم ~~من قال: لا يكتفى في ذلك بمجرد عدم المنع بل لا بد من الإذن في ذلك، ومنهم ~~من قال: السكوت عنه مع العلم بوقوعه كاف. # الثالث: اختلفوا في وقوع التعبد به سمعا، فمنهم من قال: إنه كان متعبدا ~~به، ومنهم من توقف في ذلك مطلقا كالجبائي، ومنهم من توقف في حق من حضر دون ~~من غاب كالقاضي عبد الجبار. # والمختار جواز ذلك مطلقا، وأن ذلك مما وقع مع حضوره وغيبته ظنا لا قطعا. ~~PageV04P175 # أما الجواز العقلي فيدل عليه ما دللنا به على جواز ذلك في حق النبي عليه ~~السلام في المسألة المتقدمة. # وأما بيان الوقوع: أما في حضرته فيدل عليه «قول أبي بكر رضي الله عنه في ~~حق أبي قتادة حيث قتل رجلا من المشركين فأخذ سلبه غيره: لا نقصد إلى أسد من ~~أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فنعطيك سلبه، فقال النبي عليه السلام: " صدق ~~وصدق في فتواه» " (1) ولم يكن قال ذلك بغير الرأي والاجتهاد. # وأيضا ما روي «عن النبي عليه السلام أنه حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، ~~فحكم بقتلهم وسبي ذراريهم بالرأي، فقال عليه السلام: " لقد حكمت بحكم الله ~~من فوق سبعة أرقعة» ". (2) وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه «أمر عمرو بن ~~العاص وعقبة بن عامر الجهني أن يحكما بين خصمين وقال لهما: " إن أصبتما ~~فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما فلكما حسنة واحدة» ". (3) وأما في غيبته فيدل ~~عليه قصة معاذ وعتاب بن أسيد حين بعثهما قاضيين إلى اليمن. PageV04P176 # فإن قيل: الموجود في عصر النبي عليه السلام قادر على معرفة الحكم بالنص ~~وبالرسول عليه السلام، والقادر على التوصل إلى الحكم ms874 على وجه يؤمن فيه ~~الخطأ إذا عدل إلى الاجتهاد الذي لا يؤمن فيه الخطأ كان قبيحا، والقبيح لا ~~يكون جائزا. # وأيضا فإن الحكم بالرأي في حضرة النبي عليه السلام من باب التعاطي ~~والافتيات على النبي عليه السلام، وهو قبيح فلا يكون جائزا، وهذا بخلاف ما ~~بعد النبي عليه السلام. # وأيضا فإن الصحابة كانوا يرجعون عند وقوع الحوادث إلى النبي عليه السلام، ~~ولو كان الاجتهاد جائزا لهم لم يرجعوا إليه. # وأما ما ذكرتموه من أدلة الوقوع، فهي أخبار آحاد لا تقوم الحجة بها في ~~المسائل القطعية. # وبتقدير أن تكون حجة، فلعلها خاصة بمن وردت في حقه غير عامة. # والجواب عن السؤال الأول ما مر في جواز اجتهاد النبي عليه السلام. # وعن الثاني: أن ذلك إذا كان بأمر رسول الله وإذنه، فيكون ذلك من باب ~~امتثال أمره لا من باب التعاطي والافتيات عليه. # وعن قولهم: " إن الصحابة كانوا يرجعون في أحكام الوقائع إلى النبي عليه ~~السلام " يمكن أن يكون ذلك فيما لم يظهر لهم فيه وجه الاجتهاد، وإن ظهر غير ~~أن القادر على التوصل إلى مقصوده بأحد طريقين لا يمتنع عليه العدول عن ~~أحدهما إلى الآخر. # ولا يخفى أنه إذا كان الاجتهاد طريقا يتوصل به إلى الحكم فالرجوع إلى ~~النبي عليه السلام أيضا طريق آخر. # وما ذكروه من أن الأخبار المذكورة في ذلك أخبار آحاد، فهو كذلك غير أن ~~المدعى إنما هو حصول الظن بذلك دون القطع. # قولهم: يحتمل أن يكون ذلك خاصا بمن وردت تلك الأخبار في حقه. # قلنا: المقصود من الأخبار المذكورة إنما هو الدلالة على وقوع الاجتهاد في ~~زمن النبي عليه السلام ممن عاصره لا بيان وقوع الاجتهاد من كل من عاصره. # PageV04P177 ### | [المسألة الثالثة ليس كل مجتهد في العقليات مصيبا والإثم غير محطوط عن مخالف ملة الإسلام] # المسألة الثالثة # مذهب الجمهور من المسلمين أنه ليس كل مجتهد في العقليات مصيبا، وأن الإثم ~~غير محطوط عن مخالف ملة الإسلام سواء نظر وعجز عن معرفة الحق أم لم ينظر. # وقال الجاحظ ms875 وعبيد الله بن الحسن العنبري (1) من المعتزلة بحط الإثم عن ~~مخالف ملة الإسلام إذا نظر واجتهد، فأداه إلى معتقده، وأنه معذور بخلاف ~~المعاند. # وزاد عبيد الله بن الحسن العنبري بأن قال: كل مجتهد في العقليات مصيب، ~~وهو إن أراد بالإصابة موافقة الاعتقاد للمعتقد فقد أحال وخرج عن المعقول، ~~وإلا كان يلزم من ذلك أن يكون حدوث العالم وقدمه في نفس الأمر حقا عند ~~اختلاف الاجتهاد، وكذلك في كل قضية عقلية اعتقد فيها النفي والإثبات بناء ~~على ما أدى إليه من الاجتهاد، وهو من أمحل المحالات، وما أظن عاقلا يذهب ~~إلى ذلك. وإن أراد بالإصابة أنه أتى بما كلف به مما هو داخل تحت وسعه ~~وقدرته من الاجتهاد، وأنه معذور في المخالفة غير آثم، فهو ما ذهب إليه ~~الجاحظ، وهو أبعد عن الأول في القبح، ولا شك أنه غير محال عقلا، وإنما ~~النزاع في إحالة ذلك وجوازه شرعا. # وقد احتج الجمهور على مذهبهم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. # أما الكتاب فقوله تعالى: {ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} ~~، وقوله: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم} ، وقوله تعالى: {ويحسبون ~~أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون} . # ووجه الاحتجاج بهذه الآيات: أنه ذمهم على معتقدهم وتوعدهم بالعقاب عليه، ~~ولو كانوا معذورين فيه لما كان كذلك. # وأما السنة: فما علم منه عليه السلام علما لا مراء فيه تكليفه للكفار من ~~اليهود والنصارى بتصديقه، واعتقاد رسالته، وذمهم على معتقداتهم، وقتله لمن ~~ظفر به منهم، PageV04P178 # وتعذيبه على ذلك، مع العلم الضروري بأن كل من قاتله وقتله لم يكن معاندا ~~بعد ظهور الحق له بدليله (1) فإن ذلك مما تحيله العادة، ولو كانوا معذورين ~~في اعتقاداتهم وقد أتوا بما كلفوا به لما ساغ ذلك منه. # وأما الإجماع: فهو أن الأمة من السلف قبل ظهور المخالفين اتفقوا أيضا على ~~قتال الكفار وذمهم ومهاجرتهم على اعتقاداتهم، ولو كانوا معذورين في ذلك لما ~~ساغ ذلك من الأمة المعصومة عن الخطإ. # فإن قيل: أما الآية الأولى فغاية ما فيها ذم ms876 الكفار وذلك غير متحقق في ~~محل النزاع ; لأن الكفر في اللغة مأخوذ من الستر والتغطية. # ومنه يقال لليل: كافر ; لأنه ساتر للحوادث، وللحارث كافر ; لستره الحب، ~~وذلك غير متصور إلا في حق المعاند العارف بالدليل مع إنكاره لمقتضاه. # كيف وأنه يجب حمل هذه الآية والآيتين بعدها على المعاند دون غيره جمعا ~~بينه وبين ما سنذكره من الدليل. # وأما ما ذكرتموه من قتل النبي عليه السلام الكفار، فلا نسلم أنه كان على ~~ما اعتقدوه عن اجتهادهم بل على إصرارهم على ذلك، وإهمالهم لترك البحث عما ~~دعوا إليه والكشف عنه مع إمكانه. # وأما الإجماع: فلا يمكن الاستدلال به في محل الخلاف. # كيف وأنه يمكن حمل فعل أهل الإجماع على ما حمل عليه فعل النبي عليه ~~السلام. # ودليل هذه التأويلات أن تكليفهم باعتقاد نقيض معتقدهم الذي أدى إليه ~~اجتهادهم واستفرغوا الوسع فيه تكليف بما لا يطاق، وهو ممتنع للنص والمعقول. # أما النص فقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} . PageV04P179 # وأما المعقول: فهو أن الله تعالى رءوف بعباده رحيم لهم، فلا يليق به ~~تعذيبهم على ما لا قدرة لهم عليه. # ولهذا كان الإثم مرتفعا عن المجتهدين في الأحكام الشرعية مع اختلاف ~~اعتقاداتهم فيها، بناء على اجتهاداتهم المؤدية إليها، كيف وقد نقل عن بعض ~~المعتزلة أنهم أولوا قول الجاحظ وابن العنبري بالحمل على المسائل الكلامية ~~المختلف فيها بين المسلمين، ولا تكفير فيها كمسألة الرؤية وخلق الأعمال ~~وخلق القرآن ونحو ذلك ; لأن الأدلة فيها ظنية متعارضة. # الجواب عما ذكروه على الآية أنه خلاف الإجماع في صحة إطلاق اسم الكافر ~~على من اعتقد نقيض الحق، وإن كان عن اجتهاد. # وقولهم: إن الكفر في اللغة مأخوذ من التغطية مسلم، ولكن لا نسلم انتفاء ~~التغطية فيما نحن فيه، وذلك لأنه باعتقاده لنقيض الحق بناء على اجتهاده مغط ~~للحق متوقف على علمه بذلك. # وما ذكروه من التأويل ففيه ترك الظاهر من غير دليل، وما يذكرونه من ~~الدليل فسيأتي الكلام عليه. # وما ذكروه على السنة فبعيد أيضا؛ وذلك لأنه إن ms877 تعذر قتلهم وذمهم على ما ~~كانوا قد اعتقدوه عن اجتهادهم واستفراغ وسعهم، فهو لازم أيضا على تعذر ~~قتلهم وذمهم على عدم تصديقه فيما دعاهم إليه ; لأن الكلام إنما هو مفروض ~~فيمن أفرغ وسعه وبذل جهده في التوصل إلى معرفة ما دعاه النبي صلى الله عليه ~~وسلم إليه وتعذر عليه الوصول إليه. # وما ذكروه في امتناع التمسك بالإجماع في محل الخلاف إنما يصح فيما كان من ~~الإجماع بعد الخلاف أو حالة الخلاف. # وأما الإجماع السابق على الخلاف فهو حجة على المخالف، وقد بينا سبقه. # وما ذكروه من التأويل فجوابه كما تقدم. (1) قولهم: إن ذلك يفضي إلى ~~التكليف بما لا يطاق، لا نسلم ذلك فإن الوصول إلى PageV04P180 # معرفة الحق ممكن بالأدلة المنصوبة عليه، ووجود العقل الهادي، وغايته ~~امتناع الوقوع باعتبار أمر خارج (1) ، وذلك لا يمنع من التكليف به وإنما ~~يمتنع من التكليف بما لا يكون ممكنا في نفسه كما سبق تقريره في موضعه. # وما ذكروه فقد سبق تخريجه أيضا في مسألة تكليف ما لا يطاق. # وأما رفع الإثم في المجتهدات الفقهية فإنما كان لأن المقصود منها إنما هو ~~الظن بها، وقد حصل بخلاف ما نحن فيه، فإن المطلوب فيها ليس هو الظن بل ~~العلم ولم يحصل. (2) وما ذكروه من التأويل إن صح أنه المراد من كلام الجاحظ ~~وابن العنبري ففيه رفع الخلاف والعود إلى الحق ولا نزاع فيه. PageV04P181 ### | [المسألة الرابعة الإثم محطوط عن المجتهدين في الأحكام الشرعية] # المسألة الرابعة # اتفق أهل الحق من المسلمين على أن الإثم محطوط عن المجتهدين في الأحكام ~~الشرعية. # وذهب بشر المريسي، وابن علية، وأبو بكر الأصم (1) ، ونفاة القياس ~~كالظاهرية والإمامية إلى أنه ما من مسألة إلا والحق فيها متعين وعليه دليل ~~قاطع، فمن أخطأه فهو آثم غير كافر ولا فاسق. # وحجة أهل الحق في ذلك ما نقل نقلا متواترا لا يدخله ريبة ولا شك، وعلم ~~علما ضروريا من اختلاف الصحابة فيما بينهم في المسائل الفقهية كما بيناه ~~فيما تقدم مع استمرارهم على الاختلاف إلى انقراض عصرهم، ولم ms878 يصدر من أحد ~~منهم نكير ولا تأثيم لأحد، لا على سبيل الإبهام ولا التعيين، مع علمنا بأنه ~~لو خالف أحد في وجوب العبادات الخمس وتحريم الزنا والقتل لبادروا إلى ~~تخطئته وتأثيمه. فلو كانت المسائل الاجتهادية نازلة منزلة هذه المسائل في ~~كونها قطعية ومأثوما على المخالفة فيها ; لبالغوا في الإنكار والتأثيم حسب ~~مبالغتهم في الإنكار على من خالف في وجوب العبادات الخمس وفي تأثيمه ; ~~لاستحالة تواطئهم على الخطإ، ودلالة النصوص النازلة منزلة التواتر على ~~عصمتهم عنه، كما سبق تقريره في مسائل الإجماع. # فإن قيل: فقد وقع الإنكار من بعضهم على بعض في العمل بالرأي والاجتهاد في ~~المسائل الفقهية كما ذكرناه في إثبات القياس على منكريه، ومع الإنكار فلا ~~إجماع. # وإن سلمنا عدم نقل إنكارهم لذلك فيحتمل أنهم أنكروا ولم ينقل إلينا، ~~وبتقدير عدم صدور الإنكار منهم ظاهرا فيحتمل أنهم أضمروا الإنكار والتأثيم ~~تقية وخوفا من ثوران فتنة وهجوم آفة. # قلنا: أما السؤال الأول فقد أجبنا عنه فيما تقدم. # وأما الثاني: فهو خلاف مقتضى العادة، فإنه لو وجد الإنكار لتوفرت الدواعي ~~على نقله واستحال في العادة كتمانه، كما نقل عنهم الإنكار على الخوارج ~~ومانعي الزكاة وغير ذلك، وبمثل هذا يندفع أيضا ما ذكروه من السؤال الثالث. ~~PageV04P182 ### | [المسألة الخامسة المسألة الظنية من الفقهيات إن لم يكن فيها نص] # المسألة الخامسة # المسألة الظنية من الفقهيات إما أن يكون فيها نص أو لا يكون، فإن لم يكن ~~فيها نص فقد اختلفوا فيها: # فقال قوم: كل مجتهد فيها مصيب، وأن حكم الله فيها لا يكون واحدا بل هو ~~تابع لظن المجتهد، فحكم الله في حق كل مجتهد ما أدى إليه اجتهاده وغلب على ~~ظنه، وهو قول القاضي أبي بكر وأبي الهذيل والجبائي وابنه. (1) وقال آخرون: ~~المصيب فيها واحد ومن عداه مخطئ ; لأن الحكم في كل واقعة لا يكون إلا معينا ~~; لأن الطالب يستدعي مطلوبا وذلك المطلوب هو الأشبه عند الله في نفس الأمر ~~بحيث لو نزل نص لكان عليه. # لكن منهم من قال بأنه لا دليل ms879 عليه، وإنما هو مثل دفين يظفر به حالة ~~الاجتهاد بحكم الاتفاق، فمن ظفر به فهو مصيب، ومن لم يصبه فهو مخطئ. # ومنهم من قال: عليه دليل لكن اختلف هؤلاء: # فمنهم من قال: إنه قطعي ثم اختلف هؤلاء: # فمنهم من قال بتأثيم المجتهد بتقدير عدم الظفر به ونقض حكمه، كأبي بكر ~~الأصم وابن علية وبشر المريسي. # ومنهم من قال بعدم التأثيم لخفاء الدليل وغموضه فكان معذورا. # ومنهم من قال: إنه ظني، فمن ظفر به فهو مصيب وله أجران، ومن لم يصبه فهو ~~مخطئ وله أجر واحد، وهذا هو مذهب ابن فورك (2) والأستاذ أبي إسحاق ~~الإسفرائيني. PageV04P183 # ومنهم من نقل عنه القولان التخطئة والتصويب، كالشافعي وأبي حنيفة وأحمد ~~بن حنبل والأشعري. # وأما إن كان في المسألة نص، فإن قصر في طلبه فهو مخطئ آثم لتقصيره فيما ~~كلف به من الطلب، وإن لم يقصر فيه وأفرغ الوسع في طلبه لكن تعذر عليه ~~الوصول إليه ; إما لبعد المسافة أو لإخفاء الراوي له وعدم تبليغه، فلا إثم ~~لعدم تقصيره، وهل هو مخطئ أو مصيب؟ ففيه (1) من الخلاف ما سبق. # والمختار إنما هو امتناع التصويب لكل مجتهد (2) غير أن القائلين بذلك قد ~~احتجوا بحجج ضعيفة لا بد من الإشارة إليها والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر ~~بعد ذلك ما هو المختار. # الحجة الأولى: من جهة الكتاب، قوله تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في ~~الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين - ففهمناها سليمان} . # ووجه الاحتجاج به أنه خصص سليمان بفهم الحق في الواقعة، وذلك يدل على عدم ~~فهم (داود) له، وإلا لما كان التخصيص مفيدا، وهو دليل اتحاد حكم الله في ~~الواقعة وأن المصيب واحد. # وأيضا قوله تعالى: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} ، وقوله تعالى: {وما ~~يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} ولولا أن في محل الاستنباط حكما ~~معينا لما كان كذلك، وأيضا قوله تعالى: (ولا تفرقوا فيه) ، {ولا تنازعوا ~~فتفشلوا} ، {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} وذلك أيضا يدل على اتحاد ~~الحق في كل واقعة. # ولقائل ms880 أن يقول على الآية الأولى: غاية ما فيها تخصيص سليمان بالفهم ولا ~~دلالة له على عدم ذلك في حق (داود) إلا بطريق المفهوم، وليس بحجة على ما ~~تقرر في مسائل المفهوم، وإن سلمنا أنه حجة غير أنه قد روي أنهما حكما في ~~تلك PageV04P184 # القضية بالنص حكما واحدا، ثم نسخ الله الحكم في مثل تلك القضية في ~~المستقبل، وعلم (سليمان) بالنص الناسخ دون (داود) فكان هذا هو الفهم الذي ~~أضيف إليه. # والذي يدل على هذا قوله تعالى: {وكلا آتينا حكما وعلما} ولو كان أحدهما ~~مخطئا لما كان قد أوتي في تلك الواقعة حكما وعلما، (1) وإن سلمنا أن حكمهما ~~كان مختلفا لكن يحتمل أنهما حكما بالاجتهاد مع الأذن فيه، وكانا محقين في ~~الحكم إلا أنه نزل الوحي على ما حكم به سليمان، فصار ما حكم به حقا متعينا ~~بنزول الوحي به، ونسب التفهيم إلى سليمان بسبب ذلك، وإن سلمنا أن داود كان ~~مخطئا في تلك الواقعة غير أنه يحتمل أنه كان فيها نص يتحقق عليه سليمان دون ~~داود، ونحن نسلم الخطأ في مثل هذه الصورة، وإنما النزاع فيما إذا حكما ~~بالاجتهاد وليس في الواقعة نص. # وعلى الآية الثانية والثالثة: أنه يجب حملهما على الأمور القطعية دون ~~الاجتهادية. # ودليله قوله تعالى: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} ، وقوله تعالى: {وما ~~يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} ، والقضايا الاجتهادية لا علم ~~فيها، وإن سلمنا أن المراد بهما القضايا الاجتهادية فقوله تعالى: {لعلمه ~~الذين يستنبطونه منهم} ، وقوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون ~~في العلم} يدل على تصويب المستنبطين والراسخين في العلم، وليس فيه ما يدل ~~على تصويب البعض منهم دون البعض، بل غايته الدلالة بمفهومه على عدم ذلك في ~~حق العوام، ومن ليس من أهل الاستنباط والرسوخ في العلم. # وعلى الآيات الدالة على النهي عن التفرق: أن المراد منها إنما هو التفرق ~~في أصل الدين والتوحيد وما يطلب فيه القطع دون الظن. # ويدل على ذلك أن القائلين بجواز الاجتهاد مجمعون على أن كل واحد ms881 من ~~المجتهدين مأمور باتباع ما أوجبه ظنه، ومنهي عن مخالفته، وهو أمر بالاختلاف ~~PageV04P185 # ونهي عن الاتفاق في المجتهدات. (1) الحجة الثانية: من جهة السنة، قوله ~~عليه السلام: ( «إذا اجتهد فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد» ) (2) ، وذلك ~~صريح في انقسام الاجتهاد إلى خطإ وصواب. # ولقائل أن يقول: نحن نقول بموجب الخبر وأن الحاكم إذا أخطأ في اجتهاده ~~فله أجر واحد، غير أن الخطأ عندنا في ذلك إنما يتصور فيما إذا كان في ~~المسألة نص أو إجماع أو قياس جلي، وخفي عليه بعد البحث التام عنه، وذلك غير ~~متحقق في محل النزاع، أو فيما إذا أخطأ في مطلوبه من رد المال إلى مستحقه ~~بسبب ظنه صدق الشهود وهم كاذبون، أو مغالطة الخصم لكونه أخصم من خصمه وألحن ~~بحجته، لا فيما وجب عليه من حكم الله تعالى، ولهذا قال عليه السلام: " إنما ~~أحكم بالظاهر (3) وإنكم لتختصمون إلي، ولعل أحدكم ألحن بحجته من صاحبه، فمن ~~حكمت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار ". (4) ~~الحجة الثالثة: من جهة الإجماع أن الصحابة أجمعوا على إطلاق لفظ الخطإ في ~~الاجتهاد. PageV04P186 # فمن ذلك ما روي عن أبي بكر أنه قال: (أقول في الكلالة برأيي فإن يكن ~~صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان) . ~~(1) ومن ذلك ما روي عن عمر أنه حكم بحكم فقال رجل حضره: هذا والله الحق، ~~فقال عمر: إن عمر لا يدري أنه أصاب الحق، لكنه لم يأل جهدا. وروي عنه أنه ~~قال لكاتبه: (اكتب، هذا ما رأى عمر فإن يكن خطأ فمنه وإن يكن صوابا فمن ~~الله) . (2) وأيضا قوله في جواب المرأة التي ردت عليه النهي عن المبالغة في ~~المهر: " أصابت امرأة وأخطأ عمر ". (3) ومن ذلك ما روي عن علي رضي الله عنه ~~أنه قال في المرأة التي استحضرها عمر فأجهضت ما في بطنها، وقد قال له عثمان ~~وعبد الرحمن بن عوف: إنما أنت مؤدب، لا نرى عليك شيئا: " إن كانا قد اجتهدا ms882 ~~فقد أخطأ، وإن لم يجتهدا فقد غشاك، أرى عليك الدية ". (4) ومن ذلك ما روي ~~عن ابن مسعود أنه قال في المفوضة: (أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله ~~ورسوله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان) . (5) PageV04P187 # ومن ذلك ما روي أن عليا وابن مسعود وزيدا رضي الله عنهم خطئوا ابن عباس ~~في ترك القول بالعول، وأنكر عليهم ابن عباس قولهم بالعول بقوله: " من شاء ~~أن يباهلني باهلته. . . إن الذي أحصى رمل عالج عددا ألم يجعل في مال واحد ~~نصفا ونصفا وثلثا، هذان نصفان ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟ (1) ومن ذلك ما ~~روي عن ابن عباس أنه قال: " ألا يتقي الله زيد بن ثابت! يجعل ابن الابن ~~ابنا ولا يجعل أب الأب أبا " (2) . إلى غير ذلك من الوقائع، ولم ينكر بعضهم ~~على بعض في التخطئة فكان ذلك إجماعا على أن الحق من أقاويلهم ليس إلا ~~واحدا. # ولقائل أن يقول: نحن لا ننكر وقوع الخطإ في الاجتهاد، لكن فيما إذا لم ~~يكن المجتهد أهلا للاجتهاد، أو كان أهلا لكنه قصر في اجتهاده، وإن لم يقصر ~~لكنه خالف النص أو الإجماع أو القياس الجلي أو في مطلوبه دون ما وجب عليه ~~من حكم الله، كما سبق تقريره في جواب السنة. (3) وأما ما تم فيه الاجتهاد ~~من أهله، ولم يوجد له معارض مبطل، فليس فيما ذكروه من قضايا الصحابة ما يدل ~~على وقوع الخطإ فيه. PageV04P188 # الحجة الرابعة: من جهة المعقول من ستة أوجه. # الأول: أن الاجتهاد مكلف به بالإجماع، فعند اختلاف المجتهدين في حكم ~~الحادثة، ومصير كل واحد إلى مناقضة الآخر، إما أن يكون اجتهاد كل واحد ~~منهما مستندا إلى دليل، أو لا دليل لواحد منهما، أو أن الدليل مستند أحدهما ~~دون الآخر، فإن كان الأول فالدليلان المتقابلان إما أن يكون أحدهما راجحا ~~على الآخر أو هما متساويان، فإن كان أحدهما راجحا فالذاهب إليه مصيب ~~ومخالفه مخطئ، وإن كان الثاني فمقتضاهما التخيير أو الوقف فالجازم بالنفي ~~أو الإثبات يكون مخطئا، وإن كان لا دليل ms883 لواحد منهما فهما مخطئان، وإن كان ~~الدليل لأحدهما دون الآخر فأحدهما مصيب والآخر مخطئ لا محالة. # الثاني: أن القول بتصويب المجتهدين يفضي عند اختلاف المجتهدين بالنفي ~~والإثبات، أو الحل والحرمة في مسألة واحدة إلى الجمع بين النقيضين، وهو ~~محال، وما أفضى إلى المحال يكون محالا. # الثالث: أن الأمة مجمعة على تجويز المناظرة بين المجتهدين ولو كان كل ~~واحد مصيبا فيما ذهب إليه لم يكن للمناظرة معنى ولا فائدة، وذلك لأن كل ~~واحد يعتقد أن ما صار إليه مخالفه حق وأنه مصيب فيه، والمناظرة إما لمعرفة ~~أن ما صار إليه خصمه صواب أو لرده عنه، فإن كان الأول ففيه تحصيل، وإن كان ~~الثاني فقصد كل واحد لرد صاحبه عما هو عليه مع اعتقاده أنه صواب يكون ~~حراما. # الرابع: أن المجتهد في حال اجتهاده، إما أن لا يكون له مطلوب أو يكون. # فإن كان الأول فهو محال ; إذ المجتهد طالب، وطالب لا مطلوب له محال. # وإن كان الثاني: فمطلوبه متقدم على اجتهاده ونظره، وذلك مع عدم تعين ~~المطلوب في نفسه محال. # الخامس: أنه لو صح تصويب كل واحد من المجتهدين لوجب عند الاختلاف # PageV04P189 # في الآنية بالطهارة والنجاسة أن يقضى بصحة اقتداء كل واحد من المجتهدين ~~بالآخر لاعتقاد المأموم صحة صلاة إمامه. # السادس: أن القول بتصويب المجتهدين يلزم منه أمور ممتنعة فيمتنع: # الأول: أنه إذا تزوج شافعي بحنفية وكانا مجتهدين وقال لها: " أنت بائن " ~~فإنه بالنظر إلى ما يعتقده الزوج من جواز الرجعة، تجوز له المراجعة، ~~والمرأة بالنظر إلى ما تعتقده من امتناع الرجعة يحرم عليها تسليم نفسها ~~إليه، وذلك إلى منازعة بينهما لا سبيل إلى رفعها شرعا، وهو محال. # الثاني: أنه إذا نكح واحد امرأة بغير ولي ونكحها آخر بعده بولي فيلزم من ~~صحة المذهبين حل الزوجة للزوجين، وهو محال. # الثالث: أن العامي إذا استفتى مجتهدين واختلفا في الحكم، فإما أن يعمل ~~بقوليهما وهو محال، أو بقول أحدهما ولا أولوية، وإما لا بقول واحد منهما ~~فيكون متحيرا وهو ممتنع. # ولقائل أن يقول ms884 على الوجه الأول: أن المختار إنما هو القسم الأول من ~~أقسامه. # قولهم: الدليلان إما أن يتساويا أو يترجح أحدهما على الآخر. # قلنا: في نفس الأمر أو في نظر الناظر؟ # الأول: ممنوع؛ وذلك لأن الأدلة في مسائل الظنون ليست أدلة لذواتها وصفات ~~أنفسها حتى تكون في نفس الأمر متساوية في جهة دلالتها أو متفاوتة، وإن كان ~~في نظر الناظر فلا نسلم صحة هذه القسمة، بل كل واحد منهما راجح في نظر ~~الناظر الذي صار إليه، وذلك لأن الأدلة الظنية مما تختلف باختلاف الظنون ~~فهي أمور إضافية غير حقيقية، كما أن ما وافق غرض زيد فهو حسن بالنسبة إليه، ~~وإن كان قبيحا بالنسبة إلى من خالف غرضه. # وعلى هذا فلا تخطئة على ما ذكروه. # وإن سلمنا أن الدليلين في نفسيهما لا يخرجان عن المساواة أو الترجيح ~~لأحدهما على الآخر، غير أن النزاع إنما هو في الخطإ بمعنى عدم الإصابة لحكم ~~الله في الواقعة، لا بمعنى عدم الظفر بالدليل الراجح، ولا يلزم من عدم ~~الظفر بالدليل الراجح عدم # PageV04P190 # الظفر بحكم الله في الواقعة ; لأن حكم الله تعالى عندنا عبارة عما أدى ~~إليه نظر المجتهد وظنه، لا ما أدى إليه الدليل الراجح في نفس الأمر. # وعلى الوجه الثاني: أن التناقض إنما يلزم أن لو اجتمع النفي والإثبات ~~والحل والحرمة في حق شخص واحد من جهة واحدة، أما بالنظر إلى شخصين فلا، ~~ولهذا فإن الميتة تحل للمضطر وتحرم على غيره، وإفطار رمضان مباح للمريض ~~والمسافر ومن له عذر دون غيره، وفيما نحن فيه كذلك فإن من وجب عليه الحكم ~~بالحل الذي أداه نظره إليه غير من وجب عليه الحكم بالتحريم الذي أداه نظره ~~إليه، ثم لو كان ذلك ممتنعا لما وجب على كل واحد من المجتهدين في القبلة، ~~إذا أدى اجتهاده إلى خلاف ما أدى إليه اجتهاد الآخر، التوجه إلى الجهة التي ~~غلب على ظنه أنها جهة القبلة، كتحريم التوجه إليها بالنسبة إلى الآخر، ولما ~~حرم على كل واحد ما وجب على الآخر، وهو ممتنع. ms885 (1) وعلى الثالث: أن فائدة ~~المناظرة غير منحصرة فيما ذكروه، بل لها فوائد أخر تجب المناظرة لها أو ~~تستحب. # فالأولى: كالمناظرة ; لتعرف انتفاء الدليل القاطع الذي لا يجوز معه ~~الاجتهاد، أو لطلب تعرف الترجيح عند تساوي الدليلين في نظر المجتهد، حتى ~~يجزم بالنفي أو الإثبات، أو يحل له الوقف أو التخيير لكونه مشروطا بعدم ~~الترجيح. # والثانية: كالمناظرة التي يطلب بها تذليل طرق الاجتهاد، والقوة على ~~استثمار الأحكام من الأدلة واستنباطها منها، وشحذ الخاطر، وتنبيه المستمعين ~~على مدارك الأحكام ومآخذها ; لتحريك دواعيهم إلى طلب رتبة الاجتهاد لنيل ~~الثواب الجزيل وحفظ قواعد الشريعة. # وعلى الرابع: أن مطلوب المجتهد ما يؤدي إليه نظره واجتهاده لا غير، وذلك ~~غير معين لا عنده ولا عند الله. # وعلى الخامس: أن ما ذكروه إنما يلزم أن لو كان القضاء بصحة صلاة المأموم ~~مطلقا وليس كذلك، وإنما هي صحيحة بالنسبة إليه غير صحيحة بالنسبة إلى ~~مخالفه، وشرط صحة اقتداء المأموم بالإمام اعتقاد صحة صلاة إمامه بالنسبة ~~إليه. PageV04P191 # وعلى السادس: أما الإلزام الأول فلا نسلم إفضاء ذلك إلى منازعة لا ترتفع ~~; لأنه يمكن رفعها فيما فرضوه من الصورة برفع الأمر إلى حاكم من حكام ~~المسلمين أو محكم منهم، فما حكم به وجب اتباعه، كيف وأن ما ذكروه لم يكن ~~لازما من القول بتصويب المجتهدين، بل إنما كان لازما من القول بأنه يجب على ~~كل مجتهد اتباع ما أوجبه ظنه، وسواء كان مخطئا أو مصيبا ; لأن المصيب غير ~~معين، وذلك متفق عليه، فما هو جواب لهم ها هنا، فهو جواب الخصم في قوله ~~بالتصويب. # وإما الإلزام الثاني فنقول: أي النكاحين وجد من معتقد صحته أولا فهو صحيح ~~والنكاح الثاني باطل ; لكونه نكاحا لزوجة الغير، وإن صدر الأول ممن لا ~~يعتقد صحته كالنكاح بلا ولي من الشافعي فهو باطل، والثاني صحيح. # وأما الإلزام الثالث: فنقول حكم العامي عند تعارض الفتاوى في حقه حكم ~~تعارض الدليلين في حق المجتهد من غير ترجيح، وحكم المجتهد في ذلك إما ~~التوقف أو التخيير على ما يأتي. ms886 # والأقرب في ذلك أن يقال: الأصل عدم التصويب، والأصل في كل متحقق دوامه، ~~إلا ما دل الدليل على مخالفته. والأصل عدم الدليل المخالف فيما نحن فيه، ~~فيبقى فيه على حكم الأصل (1) ، غير أنا خالفناه في تصويب واحد غير معين ~~للإجماع (2) ولا إجماع فيما نحن فيه فوجب القضاء بنفيه. # فإن قيل: وإن كان الأصل عدم الدليل المخالف للنفي الأصلي إلا أنه قد وجد. # ودليله من جهة الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. # أما الكتاب: فقوله تعالى في حق داود وسليمان: {وكلا آتينا حكما وعلما} ~~ولو كان أحدهما مخطئا لما كان ما صار إليه حكما لله ولا علما. PageV04P192 # وأما السنة فقوله عليه السلام: " «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ~~" (1) ، ووجه الاحتجاج به أنه عليه السلام جعل الاقتداء بكل واحد من ~~الصحابة هدى مع اختلافهم في الأحكام نفيا وإثباتا كما بيناه قبل، فلو كان ~~فيهم مخطئ لما كان الاقتداء به هدى بل ضلالة. # وأما الإجماع: فهو أن الصحابة اتفقوا على تسويغ خلاف بعضهم لبعض من غير ~~نكير منهم على ذلك، بل ونعلم أن الخلفاء منهم كانوا يولون القضاة والحكام ~~مع علمهم بمخالفتهم لهم في الأحكام، ولم ينكر عليهم منكر، ولو تصور الخطأ ~~في الاجتهاد لما ساغ ذلك من الصحابة كما لم يسوغوا ترك الإنكار على مانعي ~~الزكاة، وكل منكر أنكروه. # وأما من جهة المعقول، فمن سبعة أوجه: # الأول: أنه لو كان الحق متعينا في باب الاجتهاد في كل مسألة لنصب الله ~~تعالى عليه دليلا قاطعا، دفعا للإشكال وقطعا لحجة المحتج، كما هو المألوف ~~من عادة الشارع في كل ما دعا إليه. # ومنه قوله تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل} ، وقوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} ، ~~وقوله تعالى: {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت ~~إلينا رسولا} ولو كان عليه دليل قاطع لوجب الحكم على مخالفه بالفسق ~~والتأثيم كالمخالف في العقليات. # الثاني: أنه لو كان الحق في جهة واحدة لما ساغ لأحد من ms887 العامة تقليد أحد ~~من العلماء إلا بعد الاجتهاد والتحري فيمن يقلده، وليس كذلك، وحيث خير في ~~التقليد دل على التساوي بين المجتهدين، فإن الشرع لا يخير إلا في حالة ~~التساوي. # الثالث: أنه لو كان الحق في جهة واحدة لوجب نقض كل حكم خالفه، كما قاله ~~بشر المريسي والأصم (2) ، وحيث لم ينقض دل على التساوي. PageV04P193 # الرابع: أنه لو كان الحق في جهة واحدة لما وجب على كل واحد من المجتهدين ~~اتباع ما أوجبه ظنه، ولا كان مأمورا به ; لأن الشارع لا يأمر بالخطإ، وحيث ~~كان مأمورا باتباعه دل على كونه صوابا. # الخامس: أنه لا خلاف في ترجيح الأدلة المتقابلة في المجتهدات بما لا ~~يستقل بإثبات أصل الحكم ولا نفيه، فدل على أن الدليل من الجانبين ما هو ~~خارج عن الترجيح، فالدليل على كل واحد من الحكمين قائم، فكان حقا. # السادس: أن حصر الحق في جهة واحدة مما يفضي إلى الضيق والحرج، وهو منفي ~~بقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ، وقوله تعالى: {يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} . # السابع: أنه لو كان المجتهد مخطئا لما علم كونه مغفورا له، واللازم ~~ممتنع. # وبيان الملازمة أنه لو كان مخطئا فلا يخلو: إما أن لا يجوز كونه مخطئا، ~~أو يجوز كونه مخطئا. # الأول: محال، فإن من قال بالتخطئة لم يعين الخطأ في واحد، بل أمكن أن ~~يكون قائلا بالنفي أو الإثبات. # والثاني: فلا يخلو إما أن يعلم مع تجويز كونه مخطئا أنه قد انتهى في ~~النظر إلى الرتبة التي يغفر له بترك ما بعدها أو لا يعلم ذلك. # الأول: محال، فإن المجتهد لا يميز ما بين الرتبتين. # وإن كان الثاني فهو مجوز لترك النظر الذي إذا أخل به بعد النظر الذي ~~انتهى إليه لا يكون مغفورا له، وذلك ممتنع مخالف لإجماع الأمة على ثواب كل ~~مجتهد وغفران ما أخل به من النظر. # والجواب عن الآية: أن غايتها الدلالة على أن كل واحد منهما أوتي حكما ~~وعلما، وهو نكرة في سياق ms888 الإثبات فيخص، وليس فيه ما يدل على أنه أوتي حكما ~~وعلما فيما حكم به، وقد أمكن حمل ذلك على أنه أوتي حكما وعلما بمعرفة ~~دلالات الأدلة على مدلولاتها وطرق الاستنباط، فلا يبقى حجة في غيره. # PageV04P194 # وعن السنة أن الخبر وإن كان عاما في الأصحاب والمقتدين بهم غير أن ما فيه ~~عام ولا يلزم من العموم في الأشخاص العموم في الأحوال. # وعلى هذا فقد أمكن حمله على الاقتداء في الرواية عن النبي عليه السلام، ~~لا في الرأي والاجتهاد، وقد عمل به فيه فلا يبقى حجة فيما عداه ضرورة ~~إطلاقه. # وعن الإجماع: أنه إنما لم ينكر بعض الصحابة على بعض المخالفة ; لأن ~~المخطئ غير معين، ومع ذلك فهو مأمور باتباع ما أوجبه ظنه ومثاب عليه، والذي ~~يجب إنكاره من الخطإ ما كان مخطئه معينا، وهو منهي عنه، وما نحن فيه ليس ~~كذلك. # وعن الشبهة الأولى من المعقول: لا نسلم أنه لو كان الحكم في الواقعة ~~معينا لنصب الله عليه دليلا قاطعا ; إذ هو مبني على وجوب رعاية الحكمة في ~~أفعال الله، وقد أبطلناه في كتبنا الكلامية (1) . وإن سلمنا وجوب رعاية ~~الحكمة ولكن لا مانع أن تكون الحكمة طلب الظن بذلك الحكم بناء على الأدلة ~~الظنية، لا طلب العلم به لنيل ثواب النظر والاجتهاد، فإن ثوابه لزيادة ~~المشقة فيه أزيد على ما قال عليه السلام: " «ثوابك على قدر نصبك» " (2) ، ~~وإن لم تظهر فيه حكمة فلا مانع من اختصاصه بحكمة لا يعلمها سوى الرب تعالى. # وعن الثانية: أنه إنما خير العامي في التقليد لمن شاء لكونه لا يقدر على ~~معرفة الأعلم دون معرفة مأخذ المجتهدين. # ووجه الترجيج فيه، وذلك مما يخرجه عن العامية، ويمنعه من جواز الاستفتاء ~~بل غاية ما يقدر على معرفته كون كل واحد منهما عالما أهلا للاجتهاد، ومن ~~هذه الجهة قد استويا في نظره، فلذلك كان مخيرا حتى إنه لو قدر على معرفة ~~الأعلم ولو بإخبار العلماء بذلك لم يجز له تقليد غيره. # وعن الثالثة: أنه إنما امتنع نقض ما خالف ms889 الصواب لعدم معرفة الصواب من ~~الخطإ. # وعن الرابعة: أنها منقوضة بما إذا كان في المسألة نص أو إجماع، ولم يعلم ~~به المجتهد بعد البحث التام، فإن الحكم فيها معين ومع ذلك فالمجتهد مأمور ~~باتباع ما أوجبه ظنه. PageV04P195 # وعن الخامسة: أنا وإن سلمنا أن الترجيح قد يكون بما لا يستقل بالحكم فلا ~~يمنع ذلك من اعتباره جزءا من الدليل. # وعلى هذا فالمرجوح لا يكون دليلا، وإن كان دليلا لكن لا نسلم جواز ترتب ~~الحكم على المرجوح مع وجود الراجح في نفس الأمر. # وعن السادسة: أن الحرج إنما يلزم من تعيين الحق إن لو وجب على المجتهدين ~~اتباعه قطعا. (1) أما إذا كان ذلك مفوضا إلى ظنونهم واجتهاداتهم فلا. # كيف ويلزم على ما ذكروه ما إذا كان في المسألة نص أو إجماع، فإن الحكم ~~فيها يكون معينا، وإن لزم منه الحرج. (2) وعن السابعة: بمنع ما ذكروه من ~~الملازمة، وذلك لأن الكلام إنما هو مفروض فيما إذا علم من نفسه انتهاءه في ~~الاجتهاد واستفراغ الوسع إلى حد يقطع بانتفاء قدرته على المزيد عليه، وذلك ~~هو ضابط العلم بكونه مغفورا له ما وراءه. PageV04P196 ### | [المسألة السادسة استحالة التعادل بين الأدلة العقلية المتقابلة بالنفي والإثبات] # المسألة السادسة # اتفقوا في الأدلة العقلية المتقابلة بالنفي والإثبات على استحالة التعادل ~~بينها. # وذلك لأن دلالة الدليل العقلي يجب أن يكون مدلولها حاصلا (1) ، فلو تعادل ~~الدليلان في نفسيهما لزم من ذلك حصول مدلوليهما كالدليل الدال على حدوث ~~العالم والدال على قدمه، ويلزم من ذلك اجتماع النقيضين وهو محال. # واختلفوا في تعادل الأمارات الظنية. # فذهب أحمد بن حنبل والكرخي إلى المنع من ذلك. # وذهب القاضي أبو بكر والجبائي وابنه (2) ، وأكثر الفقهاء إلى جوازه وهو ~~المختار، وذلك لأنه لو استحال تعادل الأمارتين في نفسيهما فإما أن يكون ذلك ~~محالا في ذاته، أو لدليل خارج، الأول ممتنع ; فإنا لو قدرنا ذلك لم يلزم ~~عنه لذاته محال عقلا (3) ، وإن كان الدليل من خارج عقليا كان أو شرعيا ~~فالأصل عدمه، وعلى مدعيه بيانه. (4) PageV04P197 # فإن قيل (1) : إذا قيل ms890 بتعادل الأمارتين فإما أن يعمل بكل واحدة منهما، ~~أو بأحديهما دون الأخرى، أو لا يعمل ولا بواحدة منهما. # الأول: محال لما فيه من الجمع بين النقيضين، والثاني: محال لأنه إما أن ~~يعمل بواحدة منهما على طريق التعيين أو الإبهام، فإن كان على طريق التعيين ~~فلا أولوية مع التساوي، وإن كان على سبيل التخيير فهو ممتنع لوجوه ثلاثة: # الأول: أن الأمة مجمعة على امتناع تخيير المكلفين في مسائل الاجتهاد. # الثاني: أن التخيير إباحة للفعل والترك، وهو عمل بأمارة الإباحة وهو ~~ممتنع ; لما سبق. # الثالث: أنه يلزم منه جواز تخيير الحاكم للمتخاصمين، وكذلك المفتي للعامي ~~بين الحكم ونقيضه، وأن يحكم لزيد بحكم ولعمرو بنقيضه، وأن يحكم في يوم بحكم ~~وفي الغد بنقيضه، وذلك محال، والثالث أيضا محال ; لما فيه من الجمع بين ~~النقيضين (2) ، ولأن وضع الأمارتين يكون عبثا، والعبث في تصرفات الشارع ~~ممتنع. # وأيضا فإن الحكم عند الله تعالى في الواقعة لا يكون إلا واحدا على ما سبق ~~تقريره في المسألة المتقدمة،. . . وهو الذي وقع عليه اختياركم، فلو تعادلت ~~الأمارتان لزم من ذلك التضليل والحيرة في إصابة الحق، وهو ممتنع على الشارع ~~الحكيم. # والجواب عن الشبهة الأولى بمنع الحصر فيما ذكروه ; إذ قد أمكن قسم ثالث ~~(3) وهو العمل بمجموعهما بأن يكونا كالدليل الواحد، ومقتضاهما الوقف أو ~~التخيير. PageV04P198 # وإن سلمنا امتناع ذلك، فما المانع من العمل بإحداهما على طريق التخيير ~~بأن يعمل المكلف بما شاء منهما، إن شاء أثبت وإن شاء نفى. # قولهم: إن الأمة مجمعة على امتناع تخيير المكلف في مسائل الاجتهاد. # قلنا: متى إذا ترجح في نظره إحدى الأمارتين أو إذا تعادلتا؟ . # الأول: مسلم، والثاني: ممنوع، ولا بعد في التخيير عند التعارض مع التساوي ~~نازلا منزلة ورود التخيير من الشارع بلفظ التخيير، كما في خصال الكفارة، أو ~~كما في التخيير بين إخراج الحقاق وبنات اللبون عند ما إذا اجتمع في ماله ~~مائتان من الإبل بقوله عليه السلام: " «في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين ~~حقة» " (1) ، فإنه إن أخرج أربع حقاق ms891 فقد عمل بالنص، وإن أخرج خمس بنات ~~لبون فقد عمل بالنص. # قولهم: إن التخيير إباحة للفعل والترك، وهو عمل بأمارة الإباحة، وترك ~~لأمارة الوجوب. # قلنا: إنما يلزم ذلك أن لو كان التخيير بين الفعل والترك مطلقا، وليس ~~كذلك، وإنما هو تخيير في العمل بأحد الحكمين مشروطا بقصد العمل بدليله، كما ~~في التخيير بين القصر في السفر والإتمام بشرط قصد العمل بدليل الرخصة أو ~~دليل الإتمام. # قولهم: إنه يلزم منه جواز تخيير الحاكم للخصمين، والمفتي للعامي بين ~~الحكمين المتناقضين، ليس كذلك بل التخيير إنما هو للحاكم والمفتي في العمل ~~بإحدى الأمارتين عند الحكم والفتوى، فلا بد من تعين ما اختاره دفعا للنزاع ~~بين الخصوم، وللتحير عن المستفتى. # وأما حكمه لزيد بحكم ولعمرو بنقيضه، فغير ممتنع كما لو تغير اجتهاده، ~~وكذلك الحكم في يوم وبنقيضه في الغد، وإنما يمتنع ذلك أن لو كان المحكوم ~~عليه واحدا ; لما فيه من إضرار المحكوم عليه بالحكم له بحل النكاح، ~~والانتفاع بالملك في وقت وتحريمه عليه في وقت آخر، وإن سلمنا امتناع ~~التخيير فما المانع من ترك العمل بهما والقول بتساقطهما. # قولهم: إنه يلزم منه الجمع بين النقيضين. . . إنما يلزم ذلك أن لو اعتقد ~~نفي الحل والإباحة، وأما إذا لم يعتقد شيئا من ذلك فلا. PageV04P199 # قولهم: إن وضع الأمارتين يكون عبثا فهو مبني على وجوب رعاية الحكمة في ~~أفعال الله تعالى، وقد أبطلناه في مواضعه (1) ، وبتقدير التسليم فلا يمتنع ~~استلزام ذلك لحكمة استأثر الله تعالى بالعلم بها دون المخلوقين. # كيف وقد أمكن أن تكون الحكمة فيه إيقاف عن الجزم بالنفي أو الإثبات. # وعن الثانية: أنا وإن سلمنا أن الحكم في المسألة لا يكون إلا واحدا، ولكن ~~ما المانع من تعادل الأمارات. (2) قولهم: يلزم منه التحير والتضليل، إنما ~~يلزم ذلك أن لو كان مكلفا بإصابة ما هو الحكم عند الله تعالى، وليس كذلك، ~~وإنما هو مكلف بما أوجبه ظنه على ما سبق، فإن لم يغلب على ظنه شيء ضرورة ~~التعادل كان الواجب التخيير، أو التوقف، أو التساقط. ms892 (3) ### | [المسألة السابعة ما يصح نسبته من الأقوال إلى المجتهد وما لا يصح] # المسألة السابعة # فيما يصح نسبته من الأقوال إلى المجتهد وما لا يصح. # ولا خلاف في صحة اعتقاد الوجوب والتحريم أو النفي والإثبات معا في ~~مسألتين مختلفتين، كوجوب الصلاة وتحريم الزنا في اعتقاد الجمع بين الأحكام ~~المختلفة التي لا تقابل بينها في شيء واحد، كالتحريم ووجوب الحد ونحوه، وفي ~~اعتقاد وجوب فعلين متضادين على البدل كالاعتداد بالأطهار والحيض، أو فعلين ~~غير متضادين كخصال الكفارة. # وأما اعتقاد حكمين متقابلين في شيء واحد على سبيل البدل فقد اختلفوا فيه، ~~وبينا مأخذ القولين في المسألة المتقدمة، وما هو المختار في ذلك. ~~PageV04P200 # وأما ما يقال في هذه المسألة: للمجتهد الفلاني قولان، فلا يخلو إما أن ~~يكونا منصوصين في تلك المسألة أو أحدهما منصوص عليه والآخر منقول، فإن كان ~~الأول فلا يخلو: إما أن يكون التنصيص عليهما في وقتين أو في وقت واحد، فإن ~~كان ذلك في وقتين فلا يخلو: إما أن يكون التاريخ معلوما أو غير معلوم، فإن ~~كان الأول فالقول الثاني ناسخ للأول، وهو الذي يجب إسناده إليه دون الأول ~~لكونه مرجوعا عنه، وإن قيل: إن الأول قوله، فليس إلا بمعنى أنه كان قولا ~~له، لا بمعنى أنه الآن قوله ومعتقده. # وإن كان الثاني: فيجب اعتقاد نسبة أحدهما إليه والرجوع عن الآخر، وإن لم ~~يكن ذلك معلوما ولا معينا. # وعلى هذا فيمتنع العمل بأحدهما قبل التبيين ; لاحتمال أن يكون ما عمل به ~~هو المرجوع عنه. # وهذا كما إذا وجدنا نصين وعلمنا أن أحدهما ناسخ للآخر، ولم يتبين لنا ~~الناسخ من المنسوخ، فإنه يمتنع العمل بكل واحد منهما لاحتمال أن يكون ما ~~عمل به هو المنسوخ، وكذلك الراوي فإنه إذا سمع كتابا من الأخبار سوى خبر ~~واحد منه وأشكل عليه ما سمعه عن غيره، فإنه لا يجوز له رواية شيء منه ~~لاحتمال أن يكون ذلك ما لم يروه. # وأما إن كان التنصيص عليهما في وقت واحد، فإما أن ينص على الراجح منهما ~~بأن ms893 يقول: " وهذا القول أولى "، أو يفرع عليه دون الآخر، فيظهر من ذلك أن ~~قوله: " وما يجب أن يكون معتقدا له " هو الراجح دون المرجوح. # وأما أن لا يوجد منه ما يدل على الترجيح كما نقل عن الشافعي ذلك في سبع ~~عشرة مسألة فلا يخلو: إما أنه ذكر ذلك بطريق الحكاية لأقوال من تقدم فلا ~~تكون أقوالا له، وإما أن يكون ذلك بمعنى اعتقاده للقولين وهو محال ; وذلك ~~لأن دليلي القولين: إما أن يكون أحدهما راجحا على الآخر في نظره، أو هما ~~متساويان. # PageV04P201 # فإن كان الأول فاعتقاده لحكم الدليل المرجوح ممتنع، وإن كان الثاني ~~فاعتقاده للتحريم والإباحة معا في شيء واحد من جهة واحدة محال. # وإن كان معنى القولين التخيير بين الحكمين، أو التردد والشك كتردد ~~الشافعي في التسمية: هل هي آية من أول كل سورة؟ فذلك مما لا يصح معه نسبة ~~القولين إليه. # ولهذا فإن من قال بالتخيير بين خصال الكفارة لا يقال: إن له في الكفارة ~~أقوالا. # وكذلك من شك في شيء وتردد فيه لا يقال له فيه أقوال، وإنما يمكن تصحيح ~~ذلك بأن يحمل قوله: (في المسألة قولان) على أنه قد وجد فيها دليلين ~~متعارضين، ولا موجود سواهما إما نصان أو استصحابان، كما إذا أعتق عن كفارته ~~عبدا غائبا منقطع الخبر، فإن الأصل بقاء حياته والأصل بقاء اشتغال الذمة أو ~~أصلان مختلفان، والمسألة مشابهة لكل واحد من الأصلين على السوية. # ويمكن أن يقول بكل واحد منهما قائل، فقوله بوجود هذا الاحتمال، وهذا ~~قولان لكنه ليس قولا بحكم شرعي. # وأما إن كان منصوصا عليه والآخر منقولا، فذلك إنما يتصور في صورتين ~~متناظرتين، وعند ذلك فلا يخلو: إما أن يظهر بين الصورتين فارق أو لا يظهر، ~~فإن ظهر بينهما فارق فالنقل يكون ممتنعا. # وإن لم يظهر بينهما فارق وكان الإمام قد نص على حكم الصورتين فلا يخلو: ~~إما أن يكون قد نص عليهما في وقتين أو في وقت واحد. # فإن كان في وقتين: فإما أن يكون التاريخ معلوما أو غير ms894 معلوم، فإن كان ~~معلوما فتنصيصه على الحكم الأخير يستلزم ثبوت مثله في الصورة المنصوص عليها ~~أولا، ضرورة عدم الفرق، ويلزم من ذلك رجوعه عن الحكم المنصوص عليه أولا، ~~وإن لم يكن التاريخ معلوما فيجب اعتقاد اشتراك الصورتين في أحد الحكمين، ~~وهو ما نص عليه آخرا، وإن لم يكن معلوما بعينه، وعلى هذا فلا يمكن العمل ~~بأحدهما على سبيل التعيين ; لجواز أن يكون هو المرجوع عنه كما أسلفناه. # وأما إن نص على حكمي الصورتين في وقت واحد، فهو كما لو نص عليهما في صورة ~~واحدة وقد عرف ما فيه. # PageV04P202 ### | [المسألة الثامنة حكم الحاكم لا يجوز نقضه في المسائل الاجتهادية لمصلحة الحكم] # المسألة الثامنة # اتفقوا على أن حكم الحاكم لا يجوز نقضه في المسائل الاجتهادية لمصلحة ~~الحكم، فإنه لو جاز نقض حكمه إما بتغير اجتهاده، أو بحكم حاكم آخر، لأمكن ~~نقض الحكم بالنقض ونقض النقض إلى غير النهاية. ويلزم من ذلك اضطراب الأحكام ~~وعدم الوثوق بحكم الحاكم، وهو خلاف المصلحة التي نصب الحاكم لها. # وإنما يمكن نقضه بأن يكون حكمه مخالفا لدليل قاطع من نص أو إجماع أو قياس ~~جلي، وهو ما كانت العلة فيه منصوصة أو كان قد قطع فيه بنفي الفارق بين ~~الأصل والفرع كما سبق تحقيقه (1) ، ولو كان حكمه مخالفا لدليل ظني من نص أو ~~غيره، فلا ينقض ما حكم به بالظن لتساويهما في الرتبة. # . (2) ولو حكم على خلاف اجتهاده مقلدا لمجتهد آخر فقد اتفقوا على امتناعه ~~وإبطال حكمه، ولو كان الحاكم مقلدا لإمام وحكم بحكم يخالف مذهب إمامه، فإن ~~قضينا بصحة حكم المقلد ضرورة عدم المجتهد في زماننا، فنقض حكمه مبني على ~~الخلاف في أنه هل يجوز له تقليد غير إمامه؟ فإن منعنا من ذلك نقض، وإلا ~~فلا. # وأما المجتهد إذا أداه اجتهاده إلى حكم في حق نفسه كتجويز نكاح المرأة ~~بلا ولي، ثم تغير اجتهاده فإما أن يتصل بذلك حكم حاكم آخر، أو لا يتصل. # فإن كان الأول: لم ينقض الاجتهاد السابق ; نظرا إلى المحافظة على حكم ms895 ~~الحاكم ومصلحته. # وإن كان الثاني: لزمه مفارقة الزوجة، وإلا كان مستديما لحل الاستمتاع بها ~~على خلاف معتقده، وهو خلاف الإجماع. # وأما إن كان قد أفتى بذلك لغيره، وعمل ذلك الغير بفتواه، ثم تغير ~~اجتهاده، فقد اختلفوا في أن المقلد هل يجب عليه مفارقة الزوجة لتغير اجتهاد ~~مفتيه؟ والحق وجوبه، كما لو قلد من ليس له أهلية الاجتهاد في القبلة من هو ~~من أهل الاجتهاد فيها، ثم تغير اجتهاده إلى جهة أخرى في أثناء صلاة المقلد ~~له، فإنه يجب عليه التحول إلى الجهة الأخرى كما لو تغير اجتهاده هو في ~~نفسه. PageV04P203 ### | [المسألة التاسعة المجتهد لا يجوز له التقليد] # المسألة التاسعة # المكلف إذا كان قد حصلت له أهلية الاجتهاد بتمامها في مسألة من المسائل، ~~فإن اجتهد فيها، وأداه اجتهاده إلى حكم فيها، فقد اتفق الكل على أنه لا ~~يجوز له تقليد غيره من المجتهدين في خلاف ما أوجبه ظنه وترك ظنه، وإن لم ~~يكن قد اجتهد فيها، فقد اختلفوا فيه. # فقال أبو علي الجبائي: الأولى له أن يجتهد، وإن لم يجتهد وترك الأولى جاز ~~له تقليد الواحد من الصحابة، إذا كان مترجحا في نظره على غيره ممن خالفه ~~وإن استووا في نظره يخير في تقليد من شاء منهم، ولا يجوز له تقليد من ~~عداهم، وبه قال الشافعي في رسالته القديمة. # ومن الناس من قال: يجوز له تقليد الواحد من الصحابة أو التابعين دون من ~~عداهم، قال محمد بن الحسن: يجوز تقليد العالم لمن هو أعلم منه، ولا يقلد من ~~هو مثله أو دونه، وسواء كان من الصحابة أو غيرهم. # وقال ابن سريج يجوز تقليد العالم لمن هو أعلم منه إذا تعذر عليه وجه ~~الاجتهاد، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وسفيان الثوري: يجوز تقليد ~~العالم للعالم مطلقا. وعن أبي حنيفة في ذلك روايتان. وقال بعض أهل العراق: ~~يجوز تقليد العالم فيما يفتي به، وفيما يخصه، ومنهم من قال بجواز ذلك فيما ~~يخصه دون ما يفتي به. # ومن هؤلاء من خصص ذلك ms896 بما يفوت وقته لو اشتغل بالاجتهاد. # وذهب القاضي أبو بكر وأكثر الفقهاء إلى منع تقليد العالم للعالم سواء كان ~~أعلم منه أو لم يكن، وهو المختار. # إلا أن القائلين بذلك قد احتجوا بحجج ضعيفة لا بد من ذكرها والتنبيه على ~~ضعفها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار. # الحجة الأولى: أن من له أهلية الاجتهاد متمكن من الاجتهاد، فلا يجوز مع ~~ذلك مصيره إلى قول غيره كما في العقليات. # PageV04P204 # الثانية: أنه لو كان قد اجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم من الأحكام، لم يجز ~~له تقليد غيره وترك ما أدى إليه اجتهاده، فكذا لا يجوز له تقليده قبل ~~الاجتهاد ; لإمكان أن يؤديه اجتهاده إلى خلاف رأي من قلده. # الثالثة: أنه لو جاز لغير الصحابة تقليد الصحابة مع تمكنه من الاجتهاد، ~~لجاز لبعض الصحابة من المجتهدين تقليد البعض، ولو جاز ذلك لما كان ~~لمناظراتهم فيما وقع بينهم من المسائل الخلافية معنى. # الرابعة: أن الصحابة كانت تترك ما رأته باجتهادها لما تسمعه من الخبر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فكان عمل غيرهم بالخبر وترك العمل برأيهم أولى. # ولقائل أن يقول على الحجة الأولى: إنما لم يجز التقليد في العقليات ضرورة ~~أن المطلوب فيها هو العلم (1) وهذا غير حاصل بالتقليد، بخلاف مسائل ~~الاجتهاد، فإن المطلوب فيها هو الظن، وهو حاصل بالتقليد فافترقا. # وعلى الثانية: أنه إذا اجتهد إلى حكم من الأحكام فوثوقه به أتم من وثوقه ~~بما يقلد فيه الغير ; لأنه مع مساواة اجتهاده لاجتهاد الغير يحتمل أن لا ~~يكون الغير صادقا فيما أخبر به، والمجتهد لا يكابر نفسه فيما أدى إليه ~~اجتهاده، وقبل أن يجتهد لم يحصل له الوثوق بحكم ما، فلا يلزم من امتناع ~~التقليد مع الاجتهاد امتناعه مع عدمه. # وعلى الثالثة: أن من المخالفين في هذه المسألة من يجوز تقليد الصحابة ~~بعضهم لبعض إذا كان المقلد أعلم كما سبق في تفصيل المذاهب في أول المسألة. # وبتقدير التسليم فلا يخفى أن الوثوق باجتهاد الصحابي لمشاهدة الوحي ~~والتنزيل، ومعرفة التأويل، والاطلاع على ms897 أحوال النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وزيادة اختصاص الصحابة بالتشدد في البحث عن قواعد الدين وتأسيس الشريعة، ~~وعدم تسامحهم فيها أشد PageV04P205 # من غيرهم على ما قال عليه السلام: " «خير القرون القرن الذي أنا فيه» ". ~~(1) أتم من الوثوق باجتهاد غير الصحابي، وأما مثل هذا التفاوت فغير واقع ~~بين الصحابة. # وعلى هذا فلا يلزم من جواز تقليد غير الصحابي للصحابي تقليد الصحابي ~~للصحابي. # وعن الرابعة: أن الخبر لا يخلو: إما أن يكون صريحا في مناقضة مذهب ~~الصحابي، أو لا يكون صريحا، بل دلالته على ذلك ظنية اجتهادية. # فإن كان الأول: فلا خفاء في امتناع تقليد الصحابي معه، كما يمتنع على ~~الصحابي العمل برأيه مع ذلك الخبر. وإن كان الثاني: فلا نسلم أنه يجب على ~~الصحابي الرجوع إليه مع استمراره على اعتقاد ما رآه أولا، وترجيح ما أداه ~~إليه اجتهاده على ذلك الخبر، وعلى ذلك فلا يمتنع تقليد الصحابي مع وجود ذلك ~~الخبر. # والمعتمد في المسألة أن يقال: القول بجواز التقليد حكم شرعي ولا بد له من ~~دليل، والأصل عدم ذلك الدليل، فمن ادعاه يحتاج إلى بيانه، ولا يلزم من جواز ~~ذلك في حق العامي العاجز عن التوصل إلى تحصيل مطلوبه من الحكم جواز ذلك في ~~حق من له أهلية التوصل إلى الحكم، وهو قادر عليه، ووثوقه به أتم مما هو ~~مقلد فيه لما سبق. # فإن قيل: دليل جواز التقليد في حق من لم يجتهد، وإن كانت له أهلية ~~الاجتهاد الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. # أما الكتاب: فقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} أمر ~~بالسؤال وأدنى درجاته جواز اتباع المسئول واعتقاد قوله، وليس المراد به من ~~لم يعلم شيئا أصلا، بل من لم يعلم تلك المسألة ومن لم يجتهد في المسألة، ~~وإن كانت له أهلية الاجتهاد فيها غير عالم بها، فكان داخلا تحت عموم الآية. # وأيضا قوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} ~~والمراد (بأولي الأمر) العلماء، أمر غير العالم بطاعة العالم، وأدنى درجاته ~~جواز اتباعه فيما هو مذهبه. ms898 # وأما السنة: فقوله عليه السلام: " «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم» " (2) ~~PageV04P206 # وقوله صلى الله عليه وسلم: " «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من ~~بعدي» ". (1) وقوله عليه السلام: " «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر» ~~". (2) وأما الإجماع: فهو أن عمر رجع إلى قول علي رضي الله عنه وإلى قول ~~معاذ (3) ، وبايع عبد الرحمن بن عوف عثمان على اتباع سنة الشيخين أبي بكر ~~وعمر (4) ، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة، مع أن المقلد كان أهلا للاجتهاد ~~فصار ذلك إجماعا. # وأما المعقول: فهو أنه لا يقدر باجتهاده على غير الظن، واتباع المجتهد ~~فيما ذهب إليه مفيد للظن، والظن معمول به في الشرعيات على ما سبق تقريره، ~~فكان اتباعه فيه جائزا. # والجواب عن الآية الأولى: أن المراد بأهل الذكر أهل العلم، أي: المتمكن ~~من تحصيل العلم بأهليته فيما يسأل عنه، لا من العلم بالمسألة المسئول عنها ~~حاضر عتيد لديه، فإن أهل الشيء من هو متأهل لذلك الشيء، لا من حصل له ذلك ~~الشيء. # والأصل تنزيل اللفظ على ما هو حقيقة فيه، وعلى هذا فتخص الآية بسؤال من ~~ليس من أهل العلم، كالعامي لمن هو أهل له، وما نحن فيه فهو من أهل العلم ~~بالتفسير المذكور، فلا يكون داخلا تحت الآية ; لأن الآية لا دلالة لها على ~~PageV04P207 # أمر أهل العلم بسؤال أهل العلم، فإنه ليس السائل أولى بذلك من المسئول. # وعن الآية الثانية أن المراد: (بأولي الأمر) الولاة بالنسبة إلى الرعية، ~~والمجتهدين بالنسبة إلى العوام، بدليل أنه أوجب الطاعة لهم، واتباع المجتهد ~~للمجتهد وإن جاز عند الخصوم فغير واجب بالإجماع، فلا يكون داخلا تحت عموم ~~الآية. # وعن السنة: ما سبق في مسألة مذهب الصحابي هل هو حجة أو لا؟ # وعن الإجماع: أما عمر فإنه لم يكن مقلدا لعلي ولمعاذ فيما ذهبا إليه، بل ~~لأنه اطلع من قوليهما على دليل أوجب رجوعه إليه. # وأما قصة عبد الرحمن بن عوف فقد سبق جوابها في المسائل المتقدمة. (1) وعن ~~المعقول: أنه لو اجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم، لم يجز له تقليد غيره ms899 في ~~خلاف ما أدى إجماعا، فلو جاز له التقليد مع عدم الاجتهاد لكان ذلك بدلا عن ~~اجتهاده، والبدل دون المبدل، والأصل أن لا يجوز العدول إلى البدل مع إمكان ~~تحصيل المبدل مبالغة في تحصيل الزيادة من مقصوده، اللهم إلا أن يرد نص ~~بالتخيير يوجب إلغاء الزيادة من مقصود المبدل أو نص بأنه بدل عند العدم لا ~~عند الوجود (2) ، كما في بنت مخاض وابن لبون عن خمس وعشرين من الإبل، فإن ~~وجود بنت مخاض يمنع من أداء ابن لبون، ولا يمتنع ذلك عند عدمها، والأصل عدم ~~ذلك النص. # كيف وأن ما ذكروه معارض بقوله تعالى: {فاعتبروا ياأولي الأبصار} ، وقوله ~~تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} ، وقوله تعالى: {اتبعوا ما ~~أنزل إليكم من ربكم} ، وقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} . ~~PageV04P208 # وبقوله عليه السلام: " «اجتهدوا فكل ميسر لما خلق له» ". (1) وتقليد ~~العالم للعالم يلزم منه: ترك الاعتبار، وترك العمل بحكم الله ورسوله، وترك ~~ما أنزل، واقتفاء ما ليس له به علم، وترك الاجتهاد المأمور به. وهو خلاف ~~ظاهر النص. # واذا تعارضت الأدلة سلم لنا ما ذكرناه أولا. ### | [المسألة العاشرة هل يجوز أن يقال للمجتهد احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب] # المسألة العاشرة # اختلفوا في أنه هل يجوز أن يقال للمجتهد احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب ~~(2) ، فأجاز ذلك قوم لكن اختلفوا فقال موسى بن عمران (3) بجواز ذلك مطلقا ~~للنبي وغيره من العلماء. # وقال أبو علي الجبائي بجواز ذلك للنبي خاصة في أحد قوليه. # وقد نقل عن الشافعي في " كتاب الرسالة " ما يدل على التردد بين الجواز ~~والمنع، ومنع من ذلك الباقون. # والمختار جوازه دون وقوعه، لكن لا بد من الإشارة إلى حجج عول عليها ~~المجوزون بعضها يدل على الجواز وبعضها يدل على الوقوع، والتنبيه على ضعفها ~~كالجاري من PageV04P209 # عادتنا، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المعتمد في هذه المسألة. (1) وقد احتجوا ~~بالنص والإجماع والمعقول. # أما النص: فمن جهة الكتاب والسنة. # أما الكتاب: فقوله تعالى: {كل الطعام كان ms900 حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم ~~إسرائيل على نفسه} أضاف التحريم إليه فدل على كونه مفوضا إليه. وأما السنة ~~فمن وجوه: # منها ما روي عن النبي عليه السلام أنه «لما قال في مكة: " لا يختلى خلاها ~~ولا يعضد شجرها " قال له العباس: إلا الإذخر، فقال النبي عليه السلام: (إلا ~~الإذخر) » . (2) ومعلوم أن ذلك لم يكن إلا من تلقاء نفسه، لعلمنا بأن الوحي ~~لم ينزل عليه في تلك الحالة، ولولا أن الحكم مفوض إليه لما ساغ ذلك. # ومنها قوله عليه السلام: " «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل ~~صلاة» ". (3) ومنها قوله عليه السلام: ( «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق» ~~) . (4) ومنها ما روي أنه «لما قيل له: أحجنا هذا لعامنا أم للأبد؟ فقال: ~~(بل للأبد، ولو قلت نعم لوجب» ) (5) أضاف الوجوب والعفو إلى أمره وفعله، ~~ولولا أنه مفوض إلى اختياره لما جاز. PageV04P210 # ومنها ما روي عنه عليه السلام أنه أمر مناديا يوم فتح مكة ( «أن اقتلوا ~~ابن صبابة وابن أبي سرح ولو كانا متعلقين بأستار الكعبة» ) (1) ، ثم عفا عن ~~ابن أبي سرح بشفاعة عثمان (2) ولو كان قد أمر بقتله بوحي لما خالفه بشفاعة ~~عثمان. # ومنها ما روي عنه عليه السلام أنه «لما قتل النضر بن الحارث جاءته بنت ~~النضر فأنشدته: # ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق. # فقال عليه السلام: (أما أني لو كنت سمعت شعرها ما قتلته) » . (3) ولو كان ~~قتله بأمر من الله لما خالفه وإن سمع شعرها. # ومنها ما روي عنه عليه السلام أنه «لما قيل له: إن ماعزا رجم، فقال: " لو ~~كنتم تركتموه حتى أنظر في أمره» (4) وذلك يدل على أن حكم الرجم كان مفوضا ~~إلى رأيه. # ومنها قوله عليه السلام: " «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها» " ~~(5) ، PageV04P211 # وعن لحوم الأضاحي ألا فانتفعوا بها " (1) ، وذلك يدل على تفويض الحل ~~والحرمة في ذلك إليه. # وأما الإجماع: فما نقل عن آحاد الصحابة فيما حكم به " إن كان صوابا فمن ~~الله ورسوله وإن كان خطأ فمني ms901 ومن الشيطان " أضاف الحكم إلى نفسه ولم ينكر ~~عليه منكر فصار ذلك إجماعا. # ومن ذلك ما شاع وذاع من رجوع آحاد الصحابة عما حكم به أولا من غير نكير ~~عليه، ولو لم يكن ذلك من تلقاء نفسه بل عن دليل من الشارع لما شاع ذلك منه، ~~ولما جاز تطابق الصحابة على عدم الإنكار عليه. # وأما المعقول فمن وجوه: # الأول: أنه إذا جاز تفويض الشارع إلى المكلف اختيار واحدة من خصال ~~الكفارة جاز مثله في الأحكام. # الثاني: أنه إذا جاز أن يفوض إلى العامي العمل بما شاء من فتوى أي ~~المجتهدين شاء من غير دليل جاز مثله في الأحكام الشرعية بالنسبة إلى ~~المجتهدين. # الثالث: أنه إذا جاز الحكم بالأمارة الظنية مع جواز الخطإ فيها عن الصواب ~~جاز الحكم بما يختاره من غير دليل وإن جاز عدوله عن جهة الصواب. (2) ولقائل ~~أن يجيب عن الآية بأن إسرائيل لم يكن من جملة بنيه حتى يكون داخلا في عموم ~~الآية، وعند ذلك فيحتمل أن إسرائيل حرم ما حرم على نفسه بالاجتهاد مستندا ~~إلى دليل ظني لا أنه من غير دليل. # وعن الخبر الأول: أنه قد قيل: إن الإذخر ليس من الخلا، فلا يكون داخلا ~~فيما حرم، وعلى هذا فإباحته تكون بناء على استصحاب الحال والاستثناء من ~~العباس والنبي عليه السلام كان تأكيدا. PageV04P212 # وبتقدير أن يكون مستثنى حقيقة مما حرم بطريق التأسيس، لكن من المحتمل أن ~~يكون ذلك بوحي سابق وهو الأولى لقوله تعالى في حق رسوله: {وما ينطق عن ~~الهوى إن هو إلا وحي يوحى} أما أن يكون ذلك من تلقاء نفسه من غير دليل فلا. # وعن الخبر الثاني: أنه من الجائز أن الوحي نزل بتخييره في أمرهم بالسواك ~~الشاق عند كل صلاة، وعدم أمرهم بذلك لا أن أمره لهم بالسواك يكون من تلقاء ~~نفسه، ويجب اعتقاد ذلك لما سبق في الآية. # وعن الخبر الثالث: أنه إنما أضاف العفو إلى نفسه، بمعنى أنه لم يأخذ صدقة ~~الخيل والرقيق منهم، لا بمعنى أنه المسقط لها، ms902 ودليله ما سبق في الآية. # وعن الخبر الرابع: أن قوله: " «ولو قلت نعم لوجب» " لا يدل على أن الوجوب ~~مستند إلى قوله " نعم " من تلقاء نفسه، بل لأنه لا يقول ما يقول إلا بوحي ~~لما سبق في الآية. # وعن الخامس: أنه يجوز أن يكون قد أبيح القتل وتركه بالوحي بدليل ما سبق ~~في الآية، وهو الجواب عن قصة النضر بن الحارث وماعز. # وعن الخبر الأخير: أنه إنما نهى وأباح بعد النهي بطريق الوحي لا أن ذلك ~~من تلقاء نفسه. # وعن الإجماع: أما إضافة الخطأ إلى أنفسهم فلا يدل على أن من حكم منهم أنه ~~حكم من غير دليل، بل يمكن أن يكون حكمه بناء على ما ظنه دليلا، وهو مخطئ ~~فيه، ولو كان ذلك عن اختيار قد أبيح لهم العمل به لما شكوا في كونه صوابا. # وأما رجوع آحاد الصحابة عما حكم به إلى غيره، فإنما كان ذلك لظهور الخطأ ~~له فيما ظنه دليلا على الحكم أولا، وقد سوغ له الحكم به، أما أن يكون ذلك ~~من غير دليل فلا. # وعن الوجه الأول من المعقول: أنه لا يلزم من التخيير في خصال الكفارة من ~~غير اجتهاد، جواز ذلك في الأحكام الشرعية بدليل أن العامي له أن يتخير في ~~خصال الكفارة، ومن قال بجواز التخيير في الأحكام الشرعية لم يقض بجوازه ~~لغير المجتهد، ولو وقع التساوي بين الصورتين لجاز ذلك للعامي، وهو ممتنع ~~بالإجماع. # وبمثله يخرج الجواب عن الوجه الثاني. # وعن الوجه الثالث: أنه لا يلزم من جواز (1) العمل بالأمارة مع كونها ~~مفيدة PageV04P213 # للظن العمل بالاختيار من غير ظن مفيد للحكم. # والمعتمد في المسألة أن يقال: لو امتنع ذلك إما أن يمتنع لذاته أو لمانع ~~من خارج، الأول محال ; فإنا إذا قدرناه لم يلزم عنه لذاته محال في العقل ~~(1) ، وإن كان لمانع من خارج فالأصل عدمه وعلى من يدعيه بيانه. # فإن قيل: يمتنع ذلك؛ لأن الباري تعالى إنما شرع الشرائع لمصالح العباد، ~~فلو فوض ذلك إلى اختيار العبد فاختيار العبد متردد ms903 بين أن يكون مصلحة وبين ~~أن يكون مفسدة، فلا نأمن من اختياره للمفسدة، وذلك خلاف ما وضعت له ~~الشريعة. # والجواب عن هذا الإشكال: أنه مبني على رعاية المصلحة في أفعال الله ~~تعالى، وقد أبطلناه في موضعه (2) ، وإن سلمنا اعتبار ذلك في أفعاله تعالى، ~~ولكن قد أمنا في ذلك من اختيار المفسدة لقول الله: (اختر فإنك لا تختار إلا ~~الصواب) . (3) فإن قيل: يمتنع على الشارع قول ذلك لاستحالة استمرار المكلف ~~على اختيار الصلاح دون الفساد، كما لا يجوز اتفاق الأفعال الكثيرة المحكمة ~~من غير علم، ثم لو جاز ذلك في حق المجتهد لجاز مثله في حق العامي، وليس ~~كذلك. # قلنا: دليل جواز ذلك من الشارع أنا لو قدرنا وروده منه لم يلزم عنه لذاته ~~محال. # قولهم: إنه لا يتفق اختيار الصلاح في الأفعال الكثيرة. # قلنا: متى إذا أخبر الصادق بذلك أو إذا لم يخبر؟ (4) الأول ممنوع، ~~والثاني مسلم، وعلى هذا فلو قال للعامي مثل ذلك كان جائزا عقلا، ثم وإن ~~سلمنا أنه لا يتفق اختيار المصلحة في الأفعال الكثيرة، لكن متى إذا كانت ~~المصلحة خارجة عن الفعل المختار، أو إذا كانت المصلحة هي نفس الفعل ~~المختار، الأول مسلم والثاني ممنوع. PageV04P214 # فإن قيل: فيلزم من ذلك الإباحة وإسقاط التكليف. # قلنا: ليس كذلك بل هو إيجاب التخيير، وإيجاب التخيير تكليف لا أنه إباحة ~~وإسقاط للتكليف. # فإن قيل: إنما يحسن إيجاب ما يمكن الخلو منه، ويمتنع الخلو من الفعل ~~والترك فلا يحسن إيجابه. # قلنا: هذا وإن استمر في إيجاب الفعل وتركه فلا يستمر في التخيير بين ~~الأحكام التي يتصور الخلو منها، كالتخيير بين أن يكون الفعل محرما أو ~~واجبا، وذلك بأن يقال له: اختر إما التحريم وإما الوجوب، وأيهما اخترت فلا ~~تختر إلا ما المصلحة فيه. # ولا يخفى جواز الخلو منهما بالإباحة، وإن سلمنا أن المصلحة خارجة عن نفس ~~الفعل المختار، وأنه يمتنع اختيار المصلحة في الأفعال الكثيرة، ولكن ما ~~المانع من ذلك في الأفعال القليلة؟ # فإن قيل: إنه إما أن يكون قد أوجب ms904 عليه اختيار ما المصلحة فيه أو خيره ~~بين المصلحة والمفسدة، فإن كان الأول فقد كلفه ما لا يطاق ; حيث أوجب عليه ~~اختيار المصلحة من غير دليل، وإن كان الثاني فهو محال على الشارع ; لما فيه ~~من الإذن منه في فعل المفسدة، وهو خارج عن العدل. # قلنا: إن أوجب عليه اختيار المصلحة وإن كان تكليفا بما لا يطاق، فهو جائز ~~على ما سبق تقريره، وإن خيره بين أمرين فلا يمتنع ذلك، كما أنه يوجب عليه ~~الحكم بما أوجبه ظنه من الأمارة الظنية، وإن كان مخطئا مرتكبا للمفسدة كما ~~تقرر قبل، وإذا جاز إيجاب فعل ما هو مفسدة مع عدم علم المكلف به جاز ~~التخيير بين المصلحة والمفسدة مع عدم علم المكلف بذلك. (1) PageV04P215 ### | [المسألة الحادية عشرة الاجتهاد للنبي عليه السلام هل يجوز الخطإ عليه في اجتهاده] # المسألة الحادية عشرة # القائلون بجواز الاجتهاد للنبي عليه السلام اختلفوا في جواز الخطإ عليه ~~في اجتهاده، فذهب بعض أصحابنا إلى المنع من ذلك. # وذهب أكثر أصحابنا والحنابلة وأصحاب الحديث والجبائي وجماعة من المعتزلة ~~إلى جوازه، لكن بشرط أن لا يقر عليه، وهو المختار ودليله المنقول والمعقول. # أما المنقول: فمن جهة الكتاب والسنة. # أما الكتاب: فقوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين ~~صدقوا وتعلم الكاذبين} وذلك يدل على خطئه في إذنه لهم. # وقوله تعالى في المفاداة في يوم بدر: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى ~~يثخن في الأرض} إلى قوله تعالى: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم ~~عذاب عظيم} (1) حتى قال النبي عليه السلام: " «لو نزل من السماء عذاب لما ~~نجا منه إلا عمر» " (2) لأنه كان قد أشار بقتلهم ونهى عن المفاداة، وذلك ~~دليل على خطئه في المفاداة. # وقوله تعالى: {إنما أنا بشر مثلكم} (3) أثبت المماثلة بينه وبين غيره وقد ~~جاز الخطأ على غيره فكان جائزا عليه ; لأن ما جاز على أحد المثلين يكون ~~جائزا على الآخر. # وأما السنة: فما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: " «إنما ms905 أحكم بالظاهر ~~وإنكم لتختصمون إلي، ولعل أحدكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من ~~PageV04P216 # مال أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» " (1) ، وذلك يدل على ~~أنه قد يقضي بما لا يكون حقا في نفس الأمر. # وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه قال: " «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما ~~تنسون، فإذا نسيت فذكروني» ". # وأيضا ما اشتهر عنه عليه السلام من نسيانه في الصلاة وتحلله عن ركعتين في ~~الرباعية في قصة ذي اليدين وقول ذي اليدين: " «أقصرت الصلاة أم سهوت؟ " ~~فقال النبي عليه السلام: " أحق ما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم» ". (2) ~~وأما المعقول: فإنه لو امتنع وقوع الخطإ منه: فإما أن يكون ذلك لذاته، أو ~~لأمر من خارج، لا جائز أن يقال بالأول ; لو فرضناه لم يلزم عنه المحال ~~لذاته عقلا (3) ، وإن كان لأمر خارج، فالأصل عدمه وعلى مدعيه بيانه. # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض من ثلاثة أوجه: # الأول: أنا قد أمرنا باتباع حكمه على ما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون ~~حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما} فلو جاز عليه الخطأ في حكمه لكنا قد أمرنا باتباع الخطإ، والشارع ~~لا يأمر بالخطإ. (4) الثاني: أن الأمة إذا أجمعت على حكم مجتهد فيه كان ~~إجماعهم معصوما عن الخطإ كما سبق بيانه، ولو جاز على النبي الخطأ في ~~اجتهاده لكانت الأمة أعلى رتبة منه، وذلك محال. PageV04P217 # الثالث: أن المقصود من البعثة وإظهار المعجزة اتباع النبي عليه السلام في ~~الأحكام الشرعية إقامة لمصالح الخلق، فلو جاز عليه الخطأ في حكمه لأوجب ذلك ~~التردد في قوله والشك في حكمه، وذلك مما يخل بمقصود البعثة وهو محال. # والجواب عن الإشكال الأول: أنه يلزم على ما ذكروه أمر الشارع للعامي ~~باتباع قول المفتي مع جواز خطئه، فما هو جواب لهم في صورة الإلزام فهو جواب ~~لنا في محل النزاع. # وعن الإشكال الثاني: أن من الناس من منع من تصور انعقاد الإجماع عن ~~الاجتهاد فضلا ms906 عن وقوعه وامتناع الخطأ فيه. # ومنهم من جوزه وجوز مع ذلك مخالفته لإمكان الخطإ فيه، كما سبق ذكره في ~~مسائل الإجماع. # وبتقدير التسليم لانعقاد الإجماع عن الاجتهاد وامتناع الخطإ فيه، فلا ~~مانع منه ولا يلزم من ذلك علو رتبة الأمة على رتبة النبي عليه السلام، مع ~~اختصاصه بالرسالة وكون عصمة الإجماع مستفادة من قوله، وأنه الشارع المتبع، ~~وأهل الإجماع متبعون له ومأمورون بأوامره ومنهيون بنواهيه، ولا كذلك ~~بالعكس. # وعن الثالث: أن المقصود من البعثة إنما هو تبليغه عن الله تعالى أوامره ~~ونواهيه، والمقصود من إظهار المعجزات إظهار صدقه فيما يدعيه من الرسالة ~~والتبليغ عن الله تعالى، وذلك مما لا يتصور خطؤه فيه بالإجماع، ولا كذلك ما ~~يحكم به عن اجتهاده، فإنه لا يقول ما يقوله فيه عن وحي ولا بطريق التبليغ، ~~بل حكمه فيه حكم غيره من المجتهدين، فتطرق الخطإ إليه في ذلك لا يوجب ~~الإخلال بمعنى البعثة والرسالة. # PageV04P218 ### | [المسألة الثانية عشرة النافي هل عليه دليل أو لا] # المسألة الثانية عشرة # اختلفوا في النافي هل عليه دليل أو لا؟ . # منهم من قال: لا دليل عليه، وسواء كان ذلك من القضايا العقلية أو ~~الشرعية. # ومنهم من أوجب ذلك عليه في الموضعين. # ومنهم من أوجبه عليه في القضايا العقلية دون الشرعية. # والمختار إنما هو التفصيل، وهو أن النافي إما أن يكون نافيا بمعنى ادعائه ~~عدم علمه بذلك وظنه، أو مدعيا للعلم أو الظن بالنفي. # فإن كان الأول: فالجاهل لا يطالب بالدليل على جهله، ولا يلزمه ذلك، كما ~~لا يطالب على دعواه أني لست أجد ألما ولا جوعا ولا حرا ولا بردا، إلى غير ~~ذلك. # وإن كان الثاني: فلا يخلو إما أن يدعي العلم بنفي ما نفاه ضرورة، أو لا ~~بطريق الضرورة. # فإن كان الأول: فلا دليل عليه أيضا ; لأنه إن كان صادقا في دعوى الضرورة، ~~فالضروري لا يطالب بالدليل عليه، وإن لم يكن صادقا في دعواه الضرورة فلا ~~يطالب بالدليل عليه أيضا، فإنه ما ادعى حصوله له عن نظر، ويكفي المنع في ms907 ~~انقطاعه حيث إنه لا يقدر الضرورة في ذلك، والنظر غير مدع له، وإن ادعى ~~العلم بنفيه لا بطريق الضرورة فلا يخلو: إما أن لا يكون قد حصل له بطريق ~~مفض إليه، أو يكون بطريق مفض إليه، لا جائز أن يقال بالأول ; لأن حصول علم ~~غير ضروري من غير طريق يفضي إليه محال. # وإن كان الثاني: فلا بد عند الدعوى والمطالبة بدليلها من ذكره وكشفه ~~لينظر فيه، وإلا كان قد كتم علما نافعا مست الحاجة إلى إظهاره، ودخل تحت ~~قوله عليه السلام: " «من كتم علما نافعا فقد تبوأ مقعده من النار» " ولأنه ~~لا فرق في ذلك في دعوى الإثبات والنفي (1) ، وقد وجب على مدعي الإثبات ذكر ~~الدليل، فكذلك في دعوى النفي، كيف وإن الإجماع منعقد على أن من ادعى ~~الوحدانية لله تعالى وقدمه (2) PageV04P219 # أنه يجب عليه إقامة الدليل، وإن كان حاصل دعوى الوحدانية نفي الشريك ~~وحاصل دعوى القدم نفي الحدوث والأولية، ولهذا نبه الله تعالى على نفي آلهة ~~غير الله على الدليل في قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} ~~الآية. # فإن قيل: فماذا تقولون فيما إذا ادعى رجل أنه نبي ولم تقم على دعواه ~~بينة، هل يلزم المنكرين لنبوته إقامة الدليل على أنه ليس بنبي أو لا يلزم. # وكذلك من أنكر وجوب صلاة سادسة أو صوم شوال أو المدعى عليه بحق إذا أنكر ~~ما ادعي عليه به، هل يلزمه إقامة الدليل على ما نفاه أو لا؟ إن قلتم بالأول ~~فهو خلاف الإجماع، وإن قلتم بالثاني مع كونه نافيا في قضية غير ضرورية فقد ~~سلمتم محل النزاع. # قلنا: النفي في جميع هذه الصور لم يخل عن دليل يدل على النفي، غير أنه قد ~~يكتفى بظهوره عن ذكره، وهو البقاء على النفي الأصلي واستصحاب الحال مع عدم ~~القاطع له، وهو ما يدل على النبوة، وما يدل على وجوب صلاة سادسة، وعلى وجوب ~~صوم شوال وشغل الذمة. # وإذا قيل: إن النافي عليه دليل، فالدليل المساعد في ذلك إما نص وارد من ms908 ~~الشارع يدل على النفي أو إجماع من الأمة، وإما التمسك باستصحاب النفي ~~الأصلي، وعدم الدليل المغير القاطع، وإما الاستدلال بانتفاء اللازم على ~~انتفاء الملزوم. # وهل يمكن الاستدلال على النفي بالقياس الشرعي؟ اختلفوا فيه (1) بناء على ~~الاختلاف في جواز تخصيص العلة، ولا فرق في ذلك بين قياس العلة والدلالة، ~~والقياس في معنى الأصل. PageV04P220 ### | [الباب الثاني في التقليد والمفتي والمستفتي وما فيه الاستفتاء وما يتشعب عن ذلك من المسائل] # الباب الثاني # في التقليد والمفتي والمستفتي، وما فيه الاستفتاء، وما يتشعب عن ذلك من ~~المسائل. # أما (التقليد) فعبارة عن العمل بقول الغير من غير حجة ملزمة (1) وهو ~~مأخوذ من تقليده بالقلادة وجعلها في عنقه، وذلك كالأخذ بقول العامي، وأخذ ~~المجتهد بقول من هو مثله (2) وعلى هذا فالرجوع إلى قول النبي - عليه السلام ~~- وإلى ما أجمع عليه أهل العصر من المجتهدين، ورجوع العامي إلى قول المفتي، ~~وكذلك عمل القاضي بقول العدول لا يكون تقليدا (3) لعدم عروه عن الحجة ~~الملزمة. # أما في قبول قول الرسول فما دل على وجوب تصديقه من المعجزة، ووجوب قبول ~~قول الإجماع قول الرسول، ووجوب قبول قول المفتي والشاهدين الإجماع على ذلك ~~(4) وإن سمي ذلك تقليدا، فلا مشاحة في اللفظ. (5) PageV04P221 # وأما (المفتي) فلا بد وأن يكون من أهل الاجتهاد، وإنما يكون كذلك بأن ~~يكون عارفا بالأدلة العقلية كأدلة حدوث العالم، وأن له صانعا، وأنه واحد ~~متصف بما يجب له من صفات الكمال والجلال، منزه عن صفات النقص والخلل، وأنه ~~أرسل محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأيده بالمعجزات الدالة على صدقه في ~~رسالته وتبليغه للأحكام الشرعية، وأن يكون مع ذلك عارفا بالأدلة السمعية ~~وأنواعها واختلاف مراتبها في جهات دلالاتها، والناسخ والمنسوخ منها، ~~والمتعارضات، وجهات الترجيح فيها، وكيفية استثمار الأحكام منها على ما سبق ~~تعريفه، وأن يكون عدلا ثقة حتى يوثق به فيما يخبر عنه من الأحكام الشرعية، ~~ويستحب له أن يكون قاصدا للإرشاد وهداية العامة إلى معرفة الأحكام الشرعية ~~لا بجهة الرياء والسمعة، متصفا بالسكينة والوقار؛ ليرغب المستمع في قبول ما ~~يقول، ms909 كافا نفسه عما في أيدي الناس، حذرا من التنفير عنه. # وأما (المستفتي) فلا يخلو إما أن يكون عالما قد بلغ رتبة الاجتهاد، أو لم ~~يكن كذلك. # فإن كان الأول قد اجتهد في المسألة، وأداه اجتهاده إلى حكم من الأحكام، ~~فلا خلاف في امتناع اتباعه لغيره في خلاف ما أداه إليه اجتهاده. # وإن لم يكن قد اجتهد فيها فقد اختلفوا في جواز اتباعه لغيره من المجتهدين ~~فيما أدى إليه اجتهاده، وقد سبق الكلام فيه بجهة التفصيل وما هو المختار. ~~(1) وإن لم يكن من أهل الاجتهاد فلا يخلو إما أن يكون عاميا صرفا لم يحصل ~~له شيء من العلوم التي يترقى بها إلى رتبة الاجتهاد، أو أنه قد ترقى عن ~~رتبة العامة بتحصيل بعض العلوم المعتبرة في رتبة الاجتهاد. # فإن كان الأول: فقد اختلف في جواز اتباعه لقول المفتي، والصحيح أن وظيفته ~~اتباع قول المفتي على ما يأتي، وإن كان الثاني: فقد تردد أيضا فيه، والصحيح ~~أن حكمه حكم العامي. # وأما ما فيه (الاستفتاء) فلا يخلو إما أن يكون من القضايا العلمية، أو ~~الظنية الاجتهادية، فإن كان الأول فقد اختلف أيضا في جواز اتباع قول الغير ~~فيه. والحق امتناعه كما يأتي، وإن كان الثاني: فهو المخصوص بجواز الاستفتاء ~~عنه ووجوب اتباع قول المفتي. # وإذ أتينا على ما حققناه فلنرجع إلى المسائل المتشعبة عنه وهي ثمان: ~~PageV04P222 ### | [المسألة الأولى التقليد في المسائل الأصولية المتعلقة بالاعتقاد في وجود الله تعالى] # المسألة الأولى # اختلفوا في جواز التقليد في المسائل الأصولية المتعلقة بالاعتقاد في وجود ~~الله تعالى، وما يجوز عليه، وما لا يجوز عليه، وما يجب له، وما يستحيل ~~عليه. # فذهب عبيد الله بن الحسن العنبري (1) ، والحشوية (2) ، إلى جوازه، وربما ~~قال بعضهم: إنه الواجب على المكلف، وإن النظر في ذلك والاجتهاد فيه حرام. # وذهب الباقون إلى المنع منه، وهو المختار لوجوه: # الأول: أن النظر واجب، وفي التقليد ترك الواجب فلا يجوز، ودليل وجوبه أنه ~~لما نزل قوله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض} الآية، قال - عليه السلام ms910 ~~-: " «ويل لمن لاكها بين لحييه ولم يتفكر فيها» " (3) توعد على ترك النظر ~~والتفكر فيها، فدل على وجوبه. # الثاني: أن الإجماع من السلف منعقد على وجوب معرفة الله تعالى، وما يجوز ~~عليه وما لا يجوز، فالتقليد إما أن يقال: إنه محصل للمعرفة أو غير محصل ~~لها، القول بأنه محصل للمعرفة ممتنع لوجوه: # الأول: أن المفتي بذلك غير معصوم، ومن لا يكون معصوما ولا يكون خبره واجب ~~الصدق، وما لا يكون واجب الصدق فخبره لا يفيد العلم. # الثاني: أنه لو كان التقليد يفيد العلم لكان العلم حاصلا لمن قلد في حدوث ~~PageV04P223 # العالم، ولمن قلد في قدمه وهو محال؛ لإفضائه إلى الجمع بين كون العالم ~~حادثا وقديما. # الثالث: أنه لو كان التقليد مفيدا للعمل فالعلم بذلك إما أن يكون ضروريا ~~أو نظريا، لا جائز أن يكون ضروريا، وإلا لما خالف فيه أكثر العقلاء، ولأنه ~~لو خلا الإنسان ودواعي نفسه من مبدأ نشئه لم يجد ذلك من نفسه أصلا، والأصل ~~عدم الدليل المفضي إليه، فمن ادعاه لا بد له من بيانه. # الوجه الثالث من الوجوه الأول: أن التقليد مذموم شرعا، فلا يكون جائزا، ~~غير أنا خالفنا ذلك في وجوب اتباع العامي للمجتهد، وفيما ذكرناه من الصور ~~فيما سبق لقيام الدليل على ذلك، والأصل عدم الدليل الموجب للاتباع فيما نحن ~~فيه، فنبقى على مقتضى الأصل، وبيان ذم التقليد قوله تعالى حكاية عن قوم: ~~{إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} ذكر ذلك في معرض الذم ~~لهم. # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض من وجوه: # الأول: أن النظر غير واجب لوجوه: # الأول: أنه منهي عنه، ودليل النهي عنه الكتاب والسنة. # أما الكتاب فقوله تعالى: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا} والنظر ~~يفضي إلى فتح باب الجدال، فكان منهيا عنه. # وأما السنة: فما روي عن النبي - عليه السلام - «أنه نهى الصحابة لما رآهم ~~يتكلمون في مسألة القدر وقال: " إنما هلك من كان قبلكم لخوضهم في هذا» " ~~(1) ، وقال - عليه السلام -: " «عليكم بدين العجائز» " (2) وهو ترك ms911 النظر، ~~ولو كان النظر واجبا لما كان منهيا عنه. PageV04P224 # الثاني: أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة الخوض والنظر في المسائل الكلامية ~~مطلقا، ولو وجد ذلك منهم لنقل كما نقل عنهم النظر في المسائل الفقهية، ولو ~~كان النظر في ذلك واجبا لكانوا أولى بالمحافظة عليه. # الثالث: أنه لم ينقل عن النبي - عليه السلام - ولا عن أحد من الصحابة ~~والتابعين إلى زمننا هذا الإنكار على من كان في زمانهم من العوام، ومن ليس ~~له أهلية النظر على ترك النظر، مع أنهم أكثر الخلق، بل كانوا حاكمين ~~بإسلامهم مقرين لهم على ما هم عليه. # الرابع: لو كان النظر في معرفة الله تعالى واجبا، فإما أن يجب على ~~العارف، أو على غير العارف؛ الأول: محال؛ لما فيه من تحصيل. # والثاني: يلزم منه أن يكون الجهل بالله تعالى واجبا، ضرورة توقف النظر ~~الواجب عليه، وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولأنه يلزم منه توقف ~~معرفة إيجاب الله تعالى على معرفة ذاته، ومعرفة ذاته على النظر المتوقف على ~~إيجابه وهو دور. # المعارضة الثانية: أن النظر مظنة الوقوع في الشبهات واضطراب الآراء ~~والخروج إلى الضلال، بخلاف التقليد، فكان سلوك ما هو أقرب إلى السلامة ~~أولى، ولهذا صادفنا أكثر الخلق على ذلك، فكان أولى بالاتباع. # الثالثة: أن أدلة الأصول فيما يرجع إلى الغموض والخفاء أشد من أدلة ~~الفروع، فإذا جاز التقليد في الفروع مع سهولة أدلتها، دفعا للحرج، فلأن ~~يجوز ذلك في الأصول أولى. # الرابعة: أن الأصول والفروع قد استويا في التكليف بهما، وقد جاز التقليد ~~في الفروع فكذلك في الأصول. # والجواب عن المعارضة الأولى بمنع النهي عن النظر، وأما الآية فالمراد بها ~~إنما هو الجدال بالباطل على ما قال تعالى: {وجادلوا بالباطل ليدحضوا به ~~الحق} دون الجدال بالحق، ودليله قوله تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} ، ~~وقوله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} # PageV04P225 # ولو كان الجدال بالحق منهيا عنه لما كان مأمورا به، ثم كيف يكون النظر ~~منهيا عنه وقد أثنى ms912 الله تعالى على الناظرين بقوله تعالى: {ويتفكرون في خلق ~~السماوات والأرض} # أورد ذلك في معرض الثناء والمدح، والمنهي عنه لا يكون ممدوحا عليه، وبه ~~يخرج الجواب عن نهيه عن النظر في القدر. # وقوله - عليه السلام -: " «عليكم بدين العجائز» " لم يثبت ولم يصح (1) ، ~~وإن صح فيجب حمله على التفويض إلى الله تعالى فيما قضاه وأمضاه، جمعا بينه ~~وبين ما ذكرناه من الأدلة. # قولهم: (لم ينقل عن أحد من الصحابة النظر في ذلك) يلزم منه نسبة الصحابة ~~إلى الجهل بمعرفة الله تعالى مع كون الواحد منا عالما بذلك، وهو محال، وإذا ~~كانوا عالمين بذلك فليس العلم بذلك من الضروريات، فتعين إسناده إلى النظر ~~والدليل، وإنما لم تنقل عنهم المناظرة في ذلك لصفاء أذهانهم وصحة عقائدهم ~~وعدم من يحوجهم إلى ذلك، وحيث نقل عنهم ذلك في مسائل الفروع فلكونها ~~اجتهادية، والظنون فيها متفاوتة بخلاف المسائل القطعية. (2) قولهم: إن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة لم ينكروا على العامة ترك النظر. ~~PageV04P226 # قلنا: إنما لم ينكروا ذلك؛ لأن المعرفة الواجبة كانت حاصلة لهم، وهي ~~المعرفة بالدليل من جهة الجملة لا من جهة التفصيل. # قولهم: (إن وجوب النظر يلزم منه وجوب الجهل بالله تعالى) إنما يلزم ذلك ~~أن لو كان الجهل مقدورا للعبد، وهو غير مسلم. # قولهم: (يلزم منه الدور) لا نسلم ذلك، فإن الواجب الشرعي عندنا غير متوقف ~~على النظر، كما سبق في مسألة شكر المنعم. # قولهم: (إن النظر مظنة الوقوع في الشبهات والتردي في الضلالات) # قلنا: فاعتقاد من يقلده إما أن يكون عن تقليد أو نظر، ضرورة امتناع كونه ~~ضروريا، فإن كان الأول: فالكلام فيمن قلده كالكلام فيه، وهو تسلسل ممتنع. # وإن كان الثاني: فالمحذور اللازم من النظر لازم في التقليد مع زيادة، وهو ~~احتمال كذب من قلده فيما أخبره به، بخلاف الناظر مع نفسه، فإنه لا يكابر ~~نفسه فيما أدى إليه نظره. # قولهم: إن التقليد عليه الأكثر والسواد الأعظم. # قلنا: ذلك لا يدل على أنه أقرب إلى السلامة؛ لأن التقليد في العقائد ~~المضلة ms913 أكثر من الصحيحة على ما قال تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك ~~عن سبيل الله} ، وقال تعالى: {وقليل ما هم} ، وقال - عليه السلام -: " ~~«تفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة، واحدة ناجية والباقي في النار» " وإنما كان ~~ذلك؛ لأن أدلة الحق دقيقة غامضة لا يطلع عليها سوى أصحاب الأذهان الصافية ~~والعقول الراجحة، مع المبالغة في الجد والاجتهاد، وذلك مما يندر ويقل ~~وقوعه. (1) PageV04P227 # قولهم: (إن أدلة الأصول أخفى فكان التقليد فيها أولى من الفروع) ليس ~~كذلك، فإن المطلوب في الأصول القطع واليقين، وذلك بخلاف الفروع، فإن ~~المطلوب فيها الظن وهو حاصل من التقليد، فلا يلزم من جواز التقليد في ~~الفروع جوازه في الأصول. (1) وبه يكون الجواب عن المعارضة الأخيرة أيضا. ### | [المسألة الثانية من ليس له أهلية الاجتهاد يلزمه اتباع قول المجتهدين والأخذ بفتواه عند المحققين من الأصوليين] # المسألة الثانية # العامي ومن ليس له أهلية الاجتهاد، وإن كان محصلا لبعض العلوم المعتبرة ~~في الاجتهاد يلزمه اتباع قول المجتهدين والأخذ بفتواه عند المحققين من ~~الأصوليين. # ومنع من ذلك بعض معتزلة البغداديين وقالوا: لا يجوز ذلك إلا بعد أن يتبين ~~له صحة اجتهاده بدليله. # ونقل عن الجبائي أنه أباح ذلك في مسائل الاجتهاد دون غيرها كالعبادات ~~الخمس. # والمختار إنما هو المذهب الأول، ويدل عليه النص والإجماع والمعقول. # أما النص فقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} وهو عام ~~لكل المخاطبين، ويجب أن يكون عاما في السؤال عن كل ما لا يعلم، بحيث يدخل ~~فيه محل النزاع (2) وإلا كان متناولا لبعض ما لا يعلم بعينه أو لا بعينه. . ~~.، والأول غير مأخوذ من دلالة اللفظ، والثاني يلزم منه تخصيص ما فهم من ~~معنى الأمر بالسؤال، وهو طلب الفائدة ببعض الصور دون البعض، وهو خلاف ~~الأصل، وإذا كان عاما في الأشخاص وفي كل ما ليس بمعلوم فأدنى درجات قوله: ~~(فاسألوا) الجواز، وهو خلاف مذهب الخصوم. PageV04P228 # وأما الإجماع: فهو أنه لم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين قبل حدوث ~~المخالفين يستفتون المجتهدين ويتبعونهم في الأحكام الشرعية، ms914 والعلماء منهم ~~يبادرون إلى إجابة سؤالهم من غير إشارة إلى ذكر الدليل، ولا ينهونهم عن ذلك ~~من غير نكير، فكان إجماعا على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقا. # وأما المعقول: فهو أن من ليس له أهلية الاجتهاد إذا حدثت به حادثة فرعية. # إما أن لا يكون متعبدا بشيء، وهو خلاف الإجماع من الفريقين وإن كان ~~متعبدا بشيء فإما بالنظر في الدليل المثبت للحكم، أو بالتقليد، الأول ~~ممتنع؛ لأن ذلك مما يفضي في حقه وفي حق الخلق أجمع إلى النظر في أدلة ~~الحوادث والاشتغال عن المعايش وتعطيل الصنائع والحرف وخراب الدنيا وتعطيل ~~الحرث والنسل ورفع الاجتهاد والتقليد رأسا، وهو من الحرج والإضرار المنفي ~~بقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ، وبقوله - عليه السلام -: " ~~«لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» " (1) وهو عام في كل حرج وضرار، ضرورة كونه ~~نكرة في سياق النفي. # غير أنا خالفناه في امتناع التقليد في أصول الدين؛ لما بيناه من الفرق في ~~مسألة امتناع التقليد في أصول الدين (2) ، ولأن الوقائع الحادثة الفقهية ~~أكثر بأضعاف كثيرة من المسائل الأصولية التي قيل فيها بامتناع التقليد، ~~فكان الحرج في إيجاب الاجتهاد فيها أكثر، فبقينا فيما عدا ذلك عاملين بقضية ~~الدليل، وهو عام في المسائل الاجتهادية وغيرها. # فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالكتاب والسنة والمعقول. # أما الكتاب فقوله تعالى: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} # والقول بالتقليد قول بما ليس بمعلوم فكان منهيا عنه. PageV04P229 # وأيضا قوله تعالى حكاية عن قوم: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على ~~آثارهم مقتدون} ذكر ذلك في معرض الذم للتقليد، والمذموم لا يكون جائزا. # وأما السنة: فقوله - عليه السلام -: " «طلب العلم فريضة على كل مسلم» " ~~(1) ، وقوله - عليه السلام -: " «اجتهدوا فكل ميسر لما خلق له» " (2) ، ~~والنصان عامان في الأشخاص وفي كل علم، وهما يدلان على وجوب النظر. # وأما المعقول: فمن وجهين: # الأول: أن العامي لو كان مأمورا بالتقليد فلا يأمن أن يكون من قلده ~~مخطئا، وأنه كاذب فيما أخبره به، فيكون العامي مأمورا باتباع الخطإ والكذب، ms915 ~~وذلك على الشارع ممتنع. # الثاني: أن الفروع والأصول مشتركة في التكليف بها، فلو جاز التقليد في ~~الفروع لمن ظهر صدقه فيما أخبر به لجاز ذلك في الأصول. # والجواب عن الآية الأولى: أنها مشتركة الدلالة، فإن النظر أيضا والاجتهاد ~~في المسائل الاجتهادية قول بما ليس بمعلوم. # ولا بد من سلوك أحد الأمرين، وليس في الآية دليل على تعيين امتناع أحدهما ~~كيف ويجب حملها على ما لا يعلم فيما يشترط فيه العلم تقليلا لتخصيص العموم، ~~ولما فيه من موافقة ما ذكرناه من الأدلة. PageV04P230 # وعن الآية الثانية: بوجوب حملها على ذم التقليد فيما يطلب فيه العلم جمعا ~~بينها وبين ما ذكرناه من الأدلة. # وعن الخبر الأول: أنه متروك بالإجماع في محل النزاع، فإن القائل فيه ~~قائلان: قائل بأن الواجب التقليد، وقائل إن الواجب إنما هو النظر، والعلم ~~غير مطلوب فيهما إجماعا. # وعن الثاني: لا نسلم دلالته على الوجوب على ما سبق تعريفه (1) ، وإن دل ~~على وجوب الاجتهاد، لكنه لا عموم له بالنسبة إلى كل مطلوب حتى يدخل فيه محل ~~النزاع (2) ، وإن كان عاما بلفظه لكن يجب حمله على من له أهلية الاجتهاد ~~جمعا بينه وبين ما ذكرناه من الأدلة. # وعن الوجه الأول من المعقول: أنه وإن اجتهد العامي فلا نأمن من وقوع ~~الخطإ منه، بل هو أقرب إلى الخطإ لعدم أهليته، والمحذور يكون مشتركا. # وعن الوجه الثاني: ما سبق من الفرق. (3) PageV04P231 ### | [المسألة الثالثة يجوز للعامي استفتاء من عرفه بالعلم وأهلية الاجتهاد] # المسألة الثالثة # القائلون بوجوب الاستفتاء على العامي اتفقوا على جواز استفتائه لمن عرفه ~~بالعلم وأهلية الاجتهاد والعدالة، بأن يراه منتصبا للفتوى والناس متفقون ~~على سؤاله والاعتقاد فيه، وعلى امتناعه فيمن عرفه بالضد من ذلك. # واختلفوا في جواز استفتاء من لم يعرفه بعلم ولا جهالة. # والحق امتناعه على مذهب الجمهور، وذلك لأنه لا نأمن أن يكون حال المسئول ~~كحال السائل في العامية المانعة من قبول القول. # ولا يخفى أن احتمال العامية قائم، بل هو أرجح من احتمال صفة العلم ~~والاجتهاد نظرا إلى أن ms916 الأصل عدم ذلك، وإلى أن الغالب إنما هو العوام، وأن ~~اندراج من جهلنا حاله تحت الأغلب أغلب على الظن، ولهذا امتنع قبول قول مدعي ~~الرسالة، وقبول قول الراوي والشاهد إذا لم يقم دليل على صدقه. # فإن قيل: إذا لم يعرف العامي السائل عدالة المفتي فلا يخلو؛ إما أن يقال: ~~إنه يجب عليه البحث عن عدالته، أو لا يجب، فإن قيل بالأول فهو عدم خلاف ما ~~الناس عليه في العادة من غير نكير. # وإن قيل بالثاني: فلا يخفى أن احتمال عدم العدالة مقاوم لاحتمال العدالة، ~~وعند ذلك فاحتمال صدقه فيما يخبر به مقاوم لاحتمال كذبه. # وعند ذلك، إما أن يلزم من جواز الاستفتاء مع الجهل بالعدالة جوازه مع ~~الجهل بالعلم أو لا يلزم، فإن لم يلزم فما الفرق؟ وإن لزم فهو المطلوب. # قلنا: لا نسلم جريان العادة بما ذكروه عند إرادة الاستفتاء، وعلى هذا فلا ~~بد من السؤال عن العدالة بما يغلب على الظن من قول عدل أو عدلين. # وإن سلمنا أنه لا يحتاج إلى البحث عن ذلك، فالفرق ظاهر، وذلك لأن الغالب ~~من حال المسلم ولا سيما المشهور بالعلم والاجتهاد إنما هو العدالة، وهو كاف ~~في إفادة الظن، ولا كذلك في العلم؛ لأنه ليس الأصل في كل إنسان أن يكون ~~عالما مجتهدا ولا الغالب ذلك. # PageV04P232 ### | [المسألة الرابعة اعتماد المفتي على اجتهاد سابق] # المسألة الرابعة # إذا استفتى العامي عالما في مسألة فأفتاه، ثم حدث مثل تلك الواقعة، فهل ~~يجب على المفتي أن يجتهد لها ثانيا ولا يعتمد على الاجتهاد الأول؟ # اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: لا بد من الاجتهاد ثانيا لاحتمال أن يتغير ~~اجتهاده ويطلع على ما لم يكن اطلع عليه أولا. # ومنهم من قال: لا حاجة إلى اجتهاد آخر؛ لأن الأصل عدم اطلاعه على ما لم ~~يطلع عليه أولا. # والمختار إنما هو التفصيل، وهو أنه إما أن يكون ذاكرا للاجتهاد الأول، أو ~~غير ذاكر له، فإن كان الأول فلا حاجة إلى اجتهاد آخر كما لو اجتهد في ~~الحال، وإن كان ms917 الثاني فلا بد من الاجتهاد؛ لأنه في حكم من لم يجتهد. (1) ### | [المسألة الخامسة هل يجوز خلو عصر من الأعصار عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه] # المسألة الخامسة # اختلفوا في أنه هل يجوز خلو عصر من الأعصار عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى ~~إليه؟ (2) فمنع منه قوم كالحنابلة وغيرهم، وجوزه آخرون، وهو المختار. # وذلك لأنه لو امتنع لامتنع إما لذاته أو لأمر من خارج. # الأول: محال؛ فإنا لو فرضنا وقوعه لم يلزم عنه لذاته محال عقلا. (3) وإن ~~كان الثاني فالأصل عدمه وعلى مدعيه بيانه. PageV04P233 # فإن قيل: دليل امتناعه النص والمعقول. # أما النص: فقوله - عليه السلام -: " «لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى ~~يأتي أمر الله، وحتى يظهر الدجال» ". (1) وأيضا ما روي عنه - عليه السلام - ~~أنه قال: " «واشوقاه إلى إخواني! ! قالوا: يا رسول الله، ألسنا إخوانك؟ ~~فقال: أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي يهربون بدينهم من شاهق إلى شاهق، ~~ويصلحون إذا فسد الناس» ". (2) وأيضا قوله - عليه السلام -: " «العلماء ~~ورثة الأنبياء» " (3) وأحق الأمم بالوراثة هذه الأمة، وأحق الأنبياء بإرث ~~العلم عنه نبي هذه الأمة. # وأما المعقول: فمن وجهين: # الأول: أن التفقه في الدين والاجتهاد فيه فرض على الكفاية بحيث إذا اتفق ~~الكل على تركه أثموا، فلو جاز خلو العصر عمن يقوم به لزم منه اتفاق أهل ~~العصر على الخطأ والضلالة، وهو ممتنع لما سبق. (4) الثاني: أن طريق معرفة ~~الأحكام الشرعية إنما هو الاجتهاد، فلو خلا العصر عن مجتهد يمكن الاستناد ~~إليه في معرفة الأحكام أفضى إلى تعطيل الشريعة واندراس الأحكام، وذلك ~~ممتنع؛ لأنه على خلاف عموم ما سبق من النصوص. PageV04P234 # والجواب عما ذكروه من النصوص أنها معارضة بما يدل على نقيضها. # فمن ذلك قوله - عليه السلام -: " «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ» ". ~~(1) وقوله - عليه السلام -: " «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا، ولكن يقبض ~~العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير ~~علم فضلوا وأضلوا» ". (2) وقوله - عليه السلام -: " «تعلموا الفرائض ~~وعلموها الناس فإنها أول ما ينسى» ". (3) وقوله - عليه السلام ms918 -: " «لتركبن ~~سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة» ". (4) وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~" «خير القرون القرن الذي أنا فيه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم تبقى ~~حثالة كحثالة التمر لا يعبأ الله بهم» " (5) ، وإذا تعارضت النصوص سلم لنا ~~ما ذكرناه من الدليل أولا. (6) وما ذكروه من الوجه الأول من المعقول فجوابه ~~أن يقال: متى يكون التفقه PageV04P235 # في الدين والتأهل للاجتهاد فرضا على الكفاية في كل عصر إذا أمكن اعتماد ~~العوام على الأحكام المنقولة إليهم في كل عصر عمن سبق من المجتهدين في ~~العصر الأول بالنقل المغلب على الظن، أو إذا لم يمكن، الأول ممنوع والثاني ~~مسلم، ولكن لا نسلم امتناع ذلك، وهذا هو الجواب عن الوجه الثاني من المعقول ~~أيضا. ### | [المسألة السادسة الفتوى بمذهب غيره من المجتهدين] # المسألة السادسة # من ليس بمجتهد، هل تجوز له الفتوى بمذهب غيره من المجتهدين كما هو ~~المعتاد في زمننا هذا؟ # اختلفوا فيه: فذهب أبو الحسين البصري وجماعة من الأصوليين إلى المنع من ~~ذلك؛ لأنه إنما يسأل عما عنده لا عما عند غيره، ولأنه لو جازت الفتوى بطريق ~~الحكاية عن مذهب الغير لجاز ذلك للعامي، وهو محال مخالف للإجماع. # ومنهم من جوزه إذا ثبت ذلك عنده بنقل من يوثق بقوله. # والمختار أنه إذا كان مجتهدا في المذهب بحيث يكون مطلعا على مأخذ المجتهد ~~المطلق الذي يقلده وهو قادر على التفريع على قواعد إمامه وأقواله، متمكن من ~~الفرق والجمع والنظر والمناظرة في ذلك (1) كان له الفتوى تمييزا له عن ~~العامي، ودليله انقطاع الإجماع من أهل كل عصر على قبول مثل هذا النوع من ~~الفتوى، وإن لم يكن كذلك فلا. PageV04P236 ### | [المسألة وجد العامي في البلد أكثر من مفتي] # المسألة السابعة # إذا حدثت للعامي حادثة، وأراد الاستفتاء عن حكمها: # فإما أن يكون في البلد مفت واحد أو أكثر: # فإن كان الأول: وجب عليه الرجوع إليه والأخذ بقوله. # وإن كان الثاني: فقد اختلف الأصوليون: # فمنهم من قال: لا يتخير بينهم حتى يأخذ بقول من شاء منهم، بل يلزمه ms919 ~~الاجتهاد في أعيان المفتين من الأورع والأدين والأعلم، وهو مذهب أحمد بن ~~حنبل وابن سريج والقفال من أصحاب الشافعي وجماعة من الفقهاء والأصوليين، ~~مصيرا منهم إلى أن قول المفتيين في حق العامي ينزل منزلة الدليلين ~~المتعارضين في حق المجتهد، وكما يجب على المجتهد الترجيح بين الدليلين فيجب ~~على العامي الترجيح بين المفتيين، إما بأن يتحفظ من كل باب من الفقه مسائل، ~~ويتعرف أجوبتها ويسأل عنها، فمن أجابه أو كان أكثر إصابة اتبعه أو بأن يظهر ~~له ذلك بالشهرة والتسامع، ولأن طريق معرفة هذه الأحكام إنما هو الظن، والظن ~~في تقليد الأعلم والأدين أقوى، فكان المصير إليه أولى. # وذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الأصوليين والفقهاء إلى التخيير والسؤال ~~لمن شاء من العلماء، وسواء تساووا أو تفاضلوا، وهو المختار. # ويدل على ذلك أن الصحابة كان فيهم الفاضل والمفضول من المجتهدين، فإن ~~الخلفاء الأربعة كانوا أعرف بطريق الاجتهاد من غيرهم، ولهذا قال - عليه ~~السلام -: " «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها ~~بالنواجذ» " (1) ، وقال - عليه السلام -: " «أقضاكم علي، وأفرضكم زيد، ~~وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل» " (2) وكان فيهم العوام، ومن فرضه ~~الاتباع للمجتهدين والأخذ بقولهم PageV04P237 # لا غير، ومع ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة والسلف تكليف العوام الاجتهاد ~~في أعيان المجتهدين، ولا نكر أحد منهم اتباع المفضول والاستفتاء له مع وجود ~~الأفضل، ولو كان ذلك غير جائز لما جاز من الصحابة التطابق على عدم إنكاره ~~والمنع منه، ويتأيد ذلك بقوله - عليه السلام -: ( «أصحابي كالنجوم بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم» ) (1) ، ولولا إجماع الصحابة على ذلك لكان القول بمذهب ~~الخصوم أولى. ### | [المسألة الثامنة اتبع العامي بعض المجتهدين في حكم وعمل بقوله هل يرجع إلى غيره] # المسألة الثامنة # إذا اتبع العامي بعض المجتهدين في حكم حادثة من الحوادث وعمل بقوله فيها: ~~اتفقوا على أنه ليس له الرجوع عنه في ذلك الحكم بعد ذلك إلى غيره (2) ، وهل ~~له ذلك في حكم آخر؟ اختلفوا فيه: # فمنهم من منع منه، ومنهم من أجازه، وهو الحق نظرا إلى ما ms920 وقع عليه إجماع ~~الصحابة من تسويغ استفتاء العامي لكل عالم في مسألة، وأنه لم ينقل عن أحد ~~من السلف الحجر على العامة في ذلك، ولو كان ذلك ممتنعا لما جاز من الصحابة ~~إهماله والسكوت عن الإنكار عليه، ولأن كل مسألة لها حكم لم يتعين الأول ~~للاتباع في المسألة الأولى إلا بعد سؤاله، فكذلك في المسألة الأخرى. # وأما إذا عين العامي مذهبا معينا كمذهب الشافعي أو أبي حنيفة أو غيره ~~وقال: أنا على مذهبه وملتزم له، فهل له الرجوع إلى الأخذ بقول غيره في ~~مسألة من المسائل؟ اختلفوا فيه: فجوزه قوم نظرا إلى أن التزامه لمذهب غير ~~ملزم له، ومنع من ذلك آخرون؛ لأنه بالتزامه المذهب صار لازما له كما لو ~~التزم مذهبه في حكم حادثة معينة. # والمختار إنما هو التفصيل، وهو أن كل مسألة من مذهب الأول اتصل عمله بها، ~~فليس له تقليد الغير فيها، وما لم يتصل عمله بها فلا مانع من اتباع غيره ~~فيها. PageV04P238 ### | [القاعدة الرابعة القاعدة الرابعة في الترجيحات] ### | [مقدمة في بيان معنى الترجيح ووجوب العمل بالراجح وما فيه الترجيح] # القاعدة الرابعة في الترجيحات # وتشتمل على مقدمة وبابين: # أما المقدمة: ففي بيان معنى الترجيح، ووجوب العمل بالراجح، وما فيه ~~الترجيح. # أما الترجيح: فعبارة عن اقتران أحد الصالحين للدلالة على المطلوب مع ~~تعارضهما بما يوجب العمل به وإهمال الآخر. # فقولنا: (اقتران أحد الصالحين) احتراز عما ليسا بصالحين للدلالة، أو ~~أحدهما صالح والآخر ليس بصالح، فإن الترجيح إنما يكون مع تحقق التعارض ولا ~~تعارض مع عدم الصلاحية للأمرين أو أحدهما. # وقولنا: (مع تعارضهما) احتراز عن الصالحين اللذين لا تعارض بينهما، فإن ~~الترجيح إنما يطلب عند التعارض لا مع عدمه، وهو عام للمتعارضين مع التوافق ~~في الاقتضاء كالعلل المتعارضة في أصل القياس كما يأتي، وللمتعارضين مع ~~التنافي في الاقتضاء كالأدلة المتعارضة في الصور المختلف فيها نفيا ~~وإثباتا. # وقولنا: (بما يوجب العمل بأحدهما وإهمال الآخر) احتراز عما اختص به أحد ~~الدليلين عن الآخر من الصفات الذاتية أو العرضية، ولا مدخل له ms921 في التقوية ~~والترجيح. # وأما أن العمل بالدليل الراجح واجب فيدل عليه ما نقل وعلم من إجماع ~~الصحابة والسلف في الوقائع المختلفة على وجوب تقديم الراجح من الظنين، وذلك ~~كتقديمهم خبر عائشة رضي الله عنها في «التقاء الختانين» (1) على خبر أبي ~~هريرة PageV04P239 # في قوله: " «إنما الماء من الماء» " (1) وما روت عن النبي - عليه السلام ~~- أنه كان «يصبح جنبا وهو صائم» (2) على ما رواه أبو هريرة من قوله - عليه ~~السلام -: " «من أصبح جنبا فلا صوم له» " (3) ؛ لكونها أعرف بحال النبي - ~~عليه السلام -، وكانوا لا يعدلون إلى الآراء والأقيسة إلا بعد البحث عن ~~النصوص واليأس منها، ومن فتش عن أحوالهم ونظر في وقائع اجتهاداتهم علم علما ~~لا يشوبه ريب أنهم كانوا يوجبون العمل بالراجح من الظنين دون أضعفهما. # ويدل على ذلك أيضا تقرير النبي - عليه السلام - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن ~~قاضيا على ترتيب الأدلة وتقديم بعضها على بعض كما سبق تقريره غير مرة (4) ، ~~ولأنه إذا كان أحد الدليلين راجحا، فالعقلاء يوجبون بعقولهم العمل بالراجح. # والأصل تنزيل التصرفات الشرعية منزلة التصرفات العرفية. # ولهذا قال - عليه السلام -: " «ما رآه المسلمون فهو عند الله حسن» ". (5) ~~فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالنص والمعقول. # أما النص: فقوله تعالى: {فاعتبروا ياأولي الأبصار} أمر بالاعتبار مطلقا ~~من غير تفصيل. PageV04P240 # وأيضا قوله - عليه السلام -: " «نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر» ~~". (1) والدليل المرجوح ظاهر فجاز العمل به. # وأما المعقول: فهو أن الأمارات الظنية المتعارضة لا تزيد على البينات ~~المتعارضة، والترجيح غير معتبر في البينات، حتى أنه لا تقدم شهادة الأربعة ~~على شهادة الاثنين. # قلنا: أما الآية فغايتها بالنظر والاعتبار، وليس فيها ما ينافي القول ~~بوجوب العمل بالترجيح، فإن إيجاب أحد الأمرين لا ينافي إيجاب غيره. # وأما الخبر فيدل على جواز العمل بالظاهر، والظاهر هو ما ترجح أحد طرفيه ~~على الآخر ومع وجود الدليل الراجح، فالمرجوح المخالف له لا يكون راجحا من ~~جهة مخالفته للراجح، فلا يكون ظاهرا فيه. # وأما المعقول فلا نسلم امتناع الترجيح في باب الشهادة، بل عندنا يقدم قول ms922 ~~الأربعة على قول الاثنين على رأي لنا. # وإن سلمنا أنه لا اعتبار بالترجيح في باب الشهادة، فإنما كان لأن المتبع ~~في ذلك إنما هو إجماع الصحابة، وقد ألف منهم اعتبار ذلك في باب تعارض ~~الأدلة دون باب الشهادة. # وأما ما فيه الترجيح: فهي الطرق الموصلة إلى المطلوبات، وهي تنقسم إلى: ~~قطعي وظني. # أما القطعي: فلا ترجيح فيه؛ لأن الترجيح لا بد وأن يكون موجبا لتقوية أحد ~~الطريقين المتعارضين على الآخر، والمعلوم المقطوع به غير قابل للزيادة ~~والنقصان فلا يطلب فيه الترجيح، ولأن الترجيح إنما يكون بين متعارضين وذلك ~~غير متصور في القطعي؛ لأنه إما أن يعارضه قطعي أو ظني. # الأول: محال لأنه يلزم منه إما العمل بهما، وهو جمع بين النقيضين في ~~الإثبات، أو امتناع العمل بهما، وهو جمع بين النقيضين في النفي، أو العمل ~~بأحدهما دون الآخر، ولا أولوية مع التساوي. # والثاني: أيضا محال لامتناع ترجح الظني على القاطع، وامتناع طلب الترجيح ~~في القاطع. # كيف وأن الدليل القاطع لا يكون في مقابلته دليل صحيح، فلم يبق سوى الطرق ~~الظنية. PageV04P241 # والطرق الظنية منقسمة إلى شرعية وعقلية، وليس من غرضنا بيان العقلية بل ~~الشرعية، وهي: إما أن تكون موصلة إلى الظن بأمر مفرد وهي الحدود، أو الظن ~~بأمر مركب وهي الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس ~~والاستدلال، كما سبق تحقيقه، فلنرسم في ترجيحات كل واحد من الطريقين بابا: ### | [الباب الأول في ترجيحات الطرق الموصلة] ### | [القسم الأول في التعارض الواقع بين منقولين والترجيح بينهما] ### | [الترجيحات العائدة إلى السند] # الباب الأول: في ترجيحات الطرق الموصلة، والتعارض (1) : إما أن يكون بين ~~منقولين، أو معقولين، أو منقول ومعقول. فلنرسم في كل واحد قسما: # القسم الأول: # في التعارض الواقع بين منقولين، والترجيح بينهما: منه ما يعود إلى السند، ~~ومنه ما يعود إلى المتن، ومنه ما يعود إلى المدلول، ومنه ما يعود إلى أمر ~~من خارج. # فأما ما يعود إلى السند: ما يعود إلى الراوي، ومنه ما يعود إلى نفس ~~الرواية، ومنه ما يعود إلى المروي، ms923 ومنه ما يعود إلى المروي عنه. # فأما ما يعود إلى الراوي: فمنه ما يعود إلى نفسه، ومنه ما يعود إلى ~~تزكيته. # فأما ما يعود إلى نفس الراوي فترجيحات. # الأول: أن تكون رواة أحدهما أكثر من رواة الآخر، فما رواته أكثر يكون ~~مرجحا، خلافا للكرخي؛ لأنه يكون أغلب على الظن من جهة أن احتمال وقوع الغلط ~~والكذب على العدد الأكثر أبعد من احتمال وقوعه في العدد الأقل، ولأن خبر كل ~~واحد من الجماعة يفيد الظن. # ولا يخفى أن الظنون المجتمعة كلما كانت أكثر كانت أغلب على الظن حتى ~~ينتهي إلى القطع. # ولهذا فإنه لما كان الحد الواجب بالزنا من أكبر الحدود وآكدها جعلت ~~الشهادة عليه أكثر عددا من غيره، وأن النبي - عليه السلام - لم يعمل بقول ~~ذي اليدين: " «أقصرت الصلاة أم نسيت؟» " حتى أخبره بذلك أبو بكر وعمر، ولم ~~يعمل أبو بكر بخبر المغيرة PageV04P242 # «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أطعم الجدة السدس» حتى اعتضد بخبر محمد ~~بن مسلمة. # ولم يعمل عمر بخبر أبي موسى حتى اعتضد بخبر أبي سعيد الخدري. # الثاني: أن يكون راوي أحد الحديثين مشهورا بالعدالة والثقة بخلاف الآخر، ~~أو أنه أشهر بذلك فروايته مرجحة؛ لأن سكون النفس إليه أشد، والظن بقوله ~~أقوى. # الثالث: أن يكون أحد الراويين أعلم وأضبط من الآخر، أو أورع وأتقى، ~~فروايته أرجح؛ لأنها أغلب على الظن. # الرابع: أن يكون أحد الراويين حالة روايته ذاكرا للرواية عن شيخه غير ~~معتمد في ذلك على نسخة سماعه أو خط نفسه، بخلاف الآخر فهو أرجح؛ لأنه يكون ~~أبعد من السهو والغلط. # الخامس: أن يكون أحد الراويين قد عمل بما روى، والآخر خالف ما روى، فمن ~~لم يخالف روايته أولى لكونه أبعد عن الكذب، بل هو أولى من رواية من لم يظهر ~~منه العمل بروايته. # السادس: أن يكونا مرسلين، وقد عرف من حال أحد الراويين أنه لا يروي من ~~غير العدل كابن المسيب ونحوه، بخلاف الآخر، فرواية الأول تكون أولى. (1) ~~السابع: أن يكون راوي أحد الخبرين مباشرا لما ms924 رواه، والآخر غير مباشر، ~~فرواية المباشر تكون أولى لكونه أعرف بما روى، وذلك كرواية أبي رافع أن ~~النبي - عليه السلام - «نكح ميمونة وهو حلال» (2) فإنه يرجح على رواية ابن ~~عباس «أنه نكحها وهو حرام» (3) ، لأن أبا رافع كان هو السفير بينهما ~~والقابل لنكاحها عن رسول الله. # الثامن: أن يكون أحد الراويين هو صاحب القصة، كما روت ميمونة أنها قالت: ~~" «تزوجني رسول الله ونحن حلالان» " فإنها تقدم على رواية ابن عباس؛ لكونها ~~PageV04P243 # أعرف بحال العقد من غيرها لشدة اهتمامها، خلافا للجرجاني من أصحاب أبي ~~حنيفة. # التاسع: أن يكون أحد الراويين أقرب إلى النبي - عليه السلام - حال سماعه ~~من الآخر، فروايته تكون أولى، وذلك كرواية ابن عمر: إفراد النبي - عليه ~~السلام -، فإنها مقدمة على رواية من روى أنه قرن؛ لأنه ذكر أنه كان تحت ~~ناقته حين لبى النبي - عليه السلام -، وأنه سمع إحرامه بالإفراد. (1) ~~العاشر: إذا كان أحد الراويين من كبار الصحابة والآخر من صغارهم فرواية ~~الأكبر أرجح؛ لأن الغالب أنه يكون أقرب إلى النبي - عليه السلام - حالة ~~السماع لقوله - عليه السلام -: ( «ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى» ) ~~ولأن محافظته على منصبه مما يوجب التحرز عن الكذب أكثر من الصغير. # الحادي عشر: إذا كان أحد الراويين متقدم الإسلام على الراوي الآخر ~~فروايته أولى؛ إذ هي أغلب على الظن لزيادة أصالته في الإسلام وتحرزه فيه. ~~(2) الثاني عشر: أن يكون أحد الراويين فقيها والآخر غير فقيه، أو هو أفقه ~~وأعلم بالعربية، فخبره يكون مرجحا لكونه أعرف بما يرويه لتمييزه بين ما ~~يجوز وما لا يجوز. # الثالث عشر: أن يكون أحد الراويين أفطن وأذكى وأكثر تيقظا من الآخر، ~~فروايته أولى لكثرة ضبطه. # الرابع عشر: أن يكون أحد الراويين روايته عن حفظ والآخر عن كتاب، فالراوي ~~عن الحفظ أولى لكثرة ضبطه. # الخامس عشر: إن كان أحد الراويين مشهور النسب بخلاف الآخر فروايته أولى؛ ~~لأن احترازه عما يوجب نقص منزلته المشهورة يكون أكثر. # السادس عشر: إذا كان في رواة أحد الخبرين من يلتبس اسمه باسم بعض الضعفاء ~~بخلاف ms925 الآخر، فالذي لا يلتبس اسمه أولى؛ لأنه أغلب على الظن. PageV04P244 # السابع عشر: أن يكون أحد الراويين قد تحمل الرواية في زمن الصبى، والآخر ~~في زمن بلوغه، فرواية البالغ أولى لكثرة ضبطه. # وأما ما يعود إلى التزكية فترجيحات: # الأول: أن يكون المزكي لأحد الراويين أكثر من الآخر، أو أن يكون المزكى ~~له أعدل وأوثق، فروايته مرجحة؛ لأنها أغلب على الظن. # الثاني: أن تكون تزكية أحدهما بصريح المقال، والآخر بالرواية عنه أو ~~بالعمل بروايته أو الحكم بشهادته، فرواية من تزكيته بصريح المقال مرجحة على ~~غيرها؛ لأن الرواية قد تكون عمن ليس بعدل، وكذلك العمل بما يوافق الرواية، ~~والشهادة قد تكون بغيرها، وهو موافق لها ولا يكون ذلك بهما، ولا كذلك ~~التزكية بصريح المقال. # الثالث: أن تكون تزكية أحد الراويين بالحكم بشهادته، والآخر بالرواية ~~عنه، فرواية المعمول بشهادته أولى؛ لأن الاحتياط في الشهادة فيما يرجع إلى ~~أحكام الجرح والتعديل أكثر منه في الرواية والعمل بها، ولهذا قبلت رواية ~~الواحد والمرأة دون شهادتهما، وقبلت رواية الفروع مع إنكار الأصل لها على ~~بعض الآراء، ومن غير ذكر الأصل بخلاف الشهادة. # الرابع: أن تكون تزكية أحدهما بالعمل بروايته، والآخر بالرواية عنه، ~~فالأول أرجح لأن الغالب من العدل أنه لا يعمل برواية غير العدل، ولا كذلك ~~في الرواية؛ لأن كثيرا ما يروي العدل عمن لو سئل عنه لجرحه أو توقف في ~~حاله. # وبالجملة، فاحتمال العمل برواية غير العدل أقل من احتمال الرواية عن غير ~~العدل، واحتمال العمل بدليل غيره، وإن كان قائما، إلا أنه بعيد عن البحث ~~التام مع عدم الاطلاع عليه. # وأما ما يعود إلى نفس الرواية فترجيحات: # الأول: أن يكون أحد الخبرين متواترا والآخر آحادا، فالمتواتر لتيقنه أرجح ~~من الآحاد لكونه مظنونا. # الثاني: أن يكون أحد الخبرين مسندا والآخر مرسلا، فالمسند أولى لتحقق # PageV04P245 # المعرفة براويه، والجهالة براوي الآخر، ولهذا تقبل شهادة الفرع إذا عرف ~~شاهد الأصل، ولا تقبل إذا شهد مرسلا. # فإن قيل: الراوي إذا كان عدلا ثقة وأرسل الخبر، فالغالب أن لا يكون إلا ms926 ~~مع الجزم بتعديل من روى عنه، وإلا كان ذلك تلبيسا على المسلمين وهو بعيد في ~~حقه، وهذا بخلاف ما إذا ذكر المروي عنه، فإنه غير جازم بتعديله فكان المرسل ~~أولى. (1) قلنا: التلبيس إنما يلزم بروايته عمن لم يذكره إذا لم يكن لي نفس ~~الأمر عدلا أن لو وجب اتباعه في قوله، وإنما يجب اتباعه في قوله أن لو ظهرت ~~عدالة الأصل، وهو دور كيف وأنه لو كان ذلك تعديلا منه لكونه تعديلا مطلقا، ~~وإن كان مقبولا فإنما يقبل إذا كان مضافا إلى شخص معين لم يعرف بفسق. # وأما إذا كان غير معين فلا لاحتمال أن يكون بحيث لو عينه لاطلعنا من حاله ~~على فسق قد جهله الراوي، ثم ولو كان تعديلا مقبولا إلا أنه إذا كان مذكورا ~~مشهور الحال، وقد عدل بمثل ذلك التعديل أو أعلى منه كان قبول قوله أولى ~~وأغلب على الظن، وعدم جزم الراوي بعدالة المروي عنه إذا كان مصرحا به، ~~وجزمه بعدالة من سكت عن ذكره بعد أن ظهر تعديل المذكور بتعديل غيره لا يكون ~~موجبا للترجيح، بل من ظهرت عدالته بطريق متفق عليه يكون أولى ممن ظهرت ~~عدالته بطريق مختلف فيه. # الثالث: أن يكون أحد الخبرين من مراسيل التابعين والآخر من مراسيل تابعي ~~التابعين، فما هو من مراسيل التابعين أولى؛ لأن الظاهر من التابعي أنه لا ~~يروي عن غير الصحابي، وعدالة الصحابة بما ثبت من ثناء النبي - عليه السلام ~~- وتزكيته لهم في ظواهر الكتاب والسنة أغلب على الظن من العدالة في حق ~~غيرهم من المتأخرين، ولهذا قال - عليه السلام -: " «خير القرون القرن الذي ~~أنا فيه» " (2) ، وقال - عليه السلام -: " «أصحابي كالنجوم PageV04P246 # بأيهم اقتديتم اهتديتم» " (1) ولم يرو مثل ذلك في حق غيرهم. # الرابع: أن يكون أحدهما معنعنا، وطريق ثبوت الآخر الشهرة مع عدم النكير، ~~أو الإسناد إلى كتاب من كتب المحدثين، فالمعنعن أولى؛ لأنه أغلب على الظن. # أما بالنسبة إلى الطريق الأول فلمساواته له في عدم النكير وزيادته عليه ~~برواية العدل عن العدل. # وأما بالنسبة إلى الطريق ms927 الثاني: فلأنه أسلم من الغلط والتلبيس، وأبعد عن ~~التبديل والتصحيف. # الخامس: أن يكون أحدهما بطريق الشهرة والآخر بالإسناد إلى كتاب من كتب ~~المحدثين، فالمسند إلى كتب المحدثين أولى من جهة أن احتمال تطرق الكذب إلى ~~ما دخل في صنعة المحدثين، وإن لم يكن من كتبهم المشهورة بهم والمنسوبة ~~إليهم أبعد من احتمال تطرقه إلى ما اشتهر. وهو غير منسوب إليهم، ولهذا فإن ~~كثيرا ما اشتهر مع كذبه ورد المحدثين له. # السادس: أن يكون أحدهما مسندا إلى كتاب موثوق بصحته، كمسلم والبخاري، ~~والآخر مسندا إلى كتاب غير مشهور بالصحة ولا بالسقم، كسنن أبي داود ونحوها، ~~فالمسند إلى الكتاب المشهور بالصحة أولى. # السابع: أن تكون رواية أحدهما بقراءة الشيخ عليه، والآخر بقراءته هو على ~~الشيخ أو بإجازته أو مناولته له أو بخط رآه في كتاب، فما الرواية فيه ~~بقراءة الشيخ أرجح؛ لأنه أبعد عن غفلة الشيخ عما يرويه. # الثامن: أن تكون رواية أحدهما بالمناولة والآخر بالإجازة، فالمناولة ~~أولى؛ لأن الإجازة غير كافية، وهو أن يقول: " خذ هذا الكتاب وحدث به عني، ~~فقد سمعته من فلان، وعند ذلك فتكون إجازة وزيادة، والإجازة تكون راجحة على ~~رؤية الخط في الكتاب؛ لأن الخطوط مما تشتبه، ولا احتمال في نسبة لفظه إليه ~~بالإجازة. # وكذلك لو قال الشيخ: هذا خطي، فالإجازة تكون أولى؛ لأن دلالة لفظ الشيخ ~~على الرواية عمن روى عنه أظهر من دلالة خطه عليها. PageV04P247 # وإذا كانت الإجازة أولى من الرواية عن الخط، والمناولة أولى من الإجازة ~~كانت المناولة أولى من الرواية عن الخط. # التاسع: أن يكون أحد الخبرين أعلى إسنادا من الآخر، فيكون أولى؛ لأنه ~~كلما قلت الرواة كان أبعد عن احتمال الغلط والكذب. # العاشر: أن يكون أحد الخبرين قد اختلف في كونه موقوفا على الراوي، والآخر ~~متفق على رفعه إلى النبي - عليه السلام -، فالمتفق على رفعه أولى؛ لأنه ~~أغلب على الظن. # الحادي عشر: أن تكون رواية أحد الخبرين بلفظ النبي والآخر بمعناه، فرواية ~~اللفظ أولى لكونها أضبط وأغلب على الظن بقول الرسول. # الثاني ms928 عشر: أن تكون إحدى الروايتين بسماع من غير حجاب، والأخرى مع ~~الحجاب، وذلك كرواية القاسم بن محمد (1) عن عائشة من غير حجاب؛ لكونها عمة ~~له: أن بريرة عتقت وكان زوجها عبدا، فإنها تقدم على رواية أسود (2) عنها أن ~~زوجها كان حرا لسماعه عنها مع الحجاب؛ لأن الرواية من غير حجاب شاركت ~~الرواية مع الحجاب في السماع، وزادت تيقن عين المسموع منه. # الثالث عشر: إذا كانت إحدى الروايتين قد اختلفت دون الأخرى، فالتي لا ~~اختلاف فيها أولى لبعدها عن الاضطراب. # وأما ما يعود إلى المروي فترجيحات. # الأول: أن تكون رواية أحد الخبرين عن سماع من النبي - عليه السلام -، ~~والرواية الأخرى عن كتاب، فرواية السماع أولى لبعدها عن تطرق التصحيف ~~والغلط. # الثاني: أن تكون إحدى الروايتين عن سماع من النبي - عليه السلام - ~~والأخرى عما جرى في مجلسه أو زمانه وسكت عنه، فرواية السماع أولى لكونها ~~أبعد عن غفلة النبي - عليه السلام - وذهوله، بخلاف الرواية عما جرى في ~~مجلسه وسكت عنه، (فرواية السماع) أولى مما جرى في زمانه خارجا عن مجلسه. ~~PageV04P248 # الثالث: أن تكون إحدى الروايتين عما خطره مع السكوت عنه أعظم من خطر ~~المسكوت عنه في الرواية الأخرى، فما خطره أعظم يكون أرجح لكون السكوت عنه ~~أغلب على الظن في تقريره. # الرابع: أن تكون إحدى الروايتين عن صيغة النبي - عليه السلام - والأخرى ~~عن فعله، فرواية الصيغة تكون راجحة لقوة دلالتها وضعف الفعل، ولهذا أن من ~~خالف في دلالة الفعل وجواز الاحتجاج به لم يخالف في الصيغ؛ لأن ما يفعله ~~النبي - عليه السلام - إلى الاختصاص به أقرب من اختصاصه بمدلول الصيغة، ~~ولأن تطرق الغفلة إلى الإنسان في فعله أكثر منها في كلامه، ولهذا قلما ~~يتكلم الإنسان غافلا بخلاف الفعل. # الخامس: أن يكون أحدهما خبر واحد ورد فيما تعم به البلوى بخلاف الآخر، ~~فما لا تعم به البلوى أولى لكونه أبعد عن الكذب من جهة أن تفرد الواحد بنقل ~~ما تعم به البلوى مع توفر الدواعي على نقله قريب من الكذب، وذلك كمن تفرد ms929 ~~بنقل قتل الملك في وسط السوق بمشهد من الخلق، ولهذا كان مختلفا فيه ومتفقا ~~على مقابله. # وأما ما يعود إلى المروي عنه فترجيحات: # الأول: أن يكون أحد الراويين قد روى عمن أنكر روايته عنه كما في حديث ~~الزهري (1) بخلاف الراوي الآخر، فما لم يقع فيه إنكار المروي عنه يكون أرجح ~~لكونه أغلب على الظن. # الثاني: أن يكون الأصل في أحد الخبرين قد أنكر رواية الفرع عنه إنكار ~~نسيان ووقوف، والآخر إنكار تكذيب وجحود، فالأول أولى؛ لأن غلبة الظن ~~بالرواية عنه أكثر من غلبة الظن بالثاني. ### | [الترجيحات العائدة إلى المتن] # وأما الترجيحات العائدة إلى المتن: PageV04P249 # الأول منها: أن يكون أحدهما أمرا والآخر نهيا، فالنهي من حيث هو نهي مرجح ~~على الأمر لثلاثة أوجه: # الأول: أن الطلب فيه الترك أشد، ولهذا لو قدر كون كل واحد منهما مطلقا ~~فإن أكثر من قال بالخروج عن عهدة الأمر بالفعل مرة واحدة نازع في النهي. # الثاني: أن محامل النهي وهي تردده بين التحريم والكراهة لا غير أقل من ~~محامل الأمر لتردده بين الوجوب والندب والإباحة على بعض الآراء. # الثالث: أن الغالب من النهي طلب دفع المفسدة، ومن الأمر طلب تحصيل ~~المصلحة واهتمام العقلاء بدفع المفاسد أكثر من اهتمامهم بتحصيل المصالح. # الترجيح الثاني: أن يكون أحدهما آمرا والآخر مبيحا، فالآمر وإن ترجح على ~~المبيح نظرا إلى أنه إن عمل به لا يصير مخالفا للمبيح، ولا كذلك بالعكس ~~لاستواء طرفي المباح وترجح جانب المأمور به، إلا أن المبيح يترجح على الآمر ~~من أربعة أوجه: # الأول: أن مدلول المبيح متحد ومدلول الآمر متعدد، كما سبق تعريفه، فكان ~~أولى. # الثاني: أن غاية ما يلزم من العمل بالمبيح تأويل الآمر بصرفه عن محمله ~~الظاهر إلى المحمل البعيد، والعمل بالآمر يلزم منه تعطيل المبيح بالكلية، ~~والتأويل أولى من التعطيل. # الثالث: أن المبيح قد يمكن العمل بمقتضاه على تقديرين: على تقدير مساواته ~~للآمر ورجحانه، والعمل بمقتضى الأمر متوقف على الترجيح، وما يتم العمل به ~~على تقديرين يكون أولى مما لا يتم العمل ms930 به إلا على تقدير واحد. # الرابع: أن العمل بالمبيح بتقدير أن يكون الفعل مقصودا للمكلف لا يختل ~~لكونه مقدورا له، والعمل بالآمر يوجب الإخلال بمقصود الترك بتقدير كون ~~الترك مقصودا له. # الترجيح الثالث: أن يكون أحدهما أمرا والآخر خبرا، فالخبر يكون راجحا ~~لثلاثة أوجه: # الأول: أن مدلول الخبر متحد بخلاف الأمر على ما سبق فكان أولى لبعده عن ~~الاضطراب. # الثاني: أن الخبر أقوى في الدلالة، ولهذا امتنع نسخه على بعض الآراء ~~بخلاف الأمر. # PageV04P250 # الثالث: أن العمل يلزمه محذور الكذب في الخبر من كلام الشارع، وهو فوق ~~المحذور اللازم من فوات مقصود الأمر، فكان الخبر أولى. # الترجيح الرابع: أن يكون أحدهما ناهيا والآخر مبيحا، فالمبيح يكون مقدما ~~على ما عرف في الآمر. # الخامس: أن يكون أحدهما نهيا، والآخر خبرا، فالخبر مقدم على النهي على ما ~~عرف في الأمر أيضا. # السادس: أن يكون أحدهما مبيحا والآخر خبرا، فالخبر مقدم لما سبق في الوجه ~~الثاني والثالث في الأمر إذا عارض الخبر. # السابع: أن يكون أحدهما مشتركا والآخر غير مشترك، بل متحد المدلول، فما ~~اتحد مدلوله أولى لبعده عن الخلل. # الثامن: أن يكون مدلول أحدهما حقيقيا والآخر مجازيا، فالحقيقي أولى لعدم ~~افتقاره إلى القرينة المخلة بالتفاهم. # التاسع: أن يكونا مشتركين، إلا أن مدلولات أحدهما أقل من مدلولات الآخر، ~~فالأول أولى لقلة اضطرابه وقرب استعماله فيما هو المقصود منه. # العاشر: أن يكونا مجازين إلا أن أحدهما منقول مشهور في محل التجوز كلفظ ~~الغائط بخلاف الآخر، فالمنقول أولى لعدم افتقاره إلى القرينة. # الحادي عشر: أن يكون المصحح للتجوز في أحدهما أظهر وأشهر من الآخر، فهو ~~أولى. # الثاني عشر: أن يكون لفظ أحدهما مشتركا والآخر مجازا غير منقول. # وقد ذكرنا ما يستحقه كل واحد منهما من الترجيح في اللغات بطريق في الأمر ~~(1) بطريق الاستقصاء فعليك باعتباره والالتفات إليه. # الثالث عشر: أن يكونا حقيقين إلا أن أحدهما أظهر وأشهر، فالأظهر مرجح. # الرابع عشر: أن تكون إحدى الحقيقتين متفقا عليها والأخرى مختلفا فيها، ~~فالمتفق عليه أولى؛ لأنه أغلب على ms931 الظن. PageV04P251 # الخامس عشر: أن تكون دلالة أحدهما غير محتاجة إلى إضمار ولا حذف بخلاف ~~الأخرى، فالذي لا يحتاج إلى ذلك أولى لقلة اضطرابه. # السادس عشر: أن يكون أحدهما يدل على مدلوله بالوضع الشرعي والآخر بالوضع ~~اللغوي، وكل واحد منهما مستعمل في الشرع، فها هنا يظهر أن العمل باللفظ ~~اللغوي يكون أولى؛ لأنه من لسان الشارع مع كونه مقررا لوضع اللغة، وما هو ~~عرفه ومصطلحه، وإن كان من لسانه إلا أنه مغير للوضع اللغوي. # ولا يخفى أن العمل بما هو من لسان الشارع من غير تغيير أولى من العمل بما ~~هو من لسانه مع التغيير، ولأنه أبعد عن الخلاف، وهذا بخلاف ما إذا أطلق ~~لفظا واحدا وكان له مدلول لغوي، وقد استعاره الشارع في معنى آخر وصار عرفا ~~له، فإنه مهما أطلق الشارع ذلك اللفظ فيجب تنزيله على عرفه الشرعي دون ~~اللغوي؛ لأن الغالب من الشارع أنه إذا أطلق لفظا وله موضوع في عرفه أنه لا ~~يريد به غيره. # السابع عشر: أن يكون العمل بأحدهما يلزم منه الجمع بين مجازين، والآخر لا ~~يلزم منه غير مجاز واحد، فالذي فيه مجاز واحد أولى؛ لأنه أبعد عن الاضطراب ~~وأقرب إلى الأصل. # الثامن عشر: أن يكون أحدهما دالا على مطلوبه من وجهين أو أكثر، والآخر لا ~~يدل إلا من جهة واحدة، فالذي كثرت جهة دلالته أولى؛ لأنه أغلب على الظن. # التاسع عشر: أن تكون دلالة أحدهما مؤكدة دون الأخرى فالمؤكدة أولى؛ لأنه ~~أقوى دلالة وأغلب على الظن، وذلك كما في قوله - عليه السلام -: " «فنكاحها ~~باطل باطل باطل» ". (1) PageV04P252 # العشرون: أن تكون دلالة أحدهما على مدلوله بطريق المطابقة، والآخر بدلالة ~~الالتزام، فدلالة المطابقة أولى؛ لأنها أضبط. # الحادي والعشرون: أن يكونا دالين بجهة الاقتضاء إلا أن العمل بأحدهما في ~~مدلوله ضرورة صدق المتكلم، أو لضرورة وقوع الملفوظ به عقلا، والآخر لضرورة ~~وقوع الملفوظ به شرعا، كما سبق تعريفه (1) ، فما يتوقف عليه صدق المتكلم ~~فوقوع الملفوظ به عقلا أولى؛ نظرا إلى بعد الخلف في كلام الشارع، وامتناع ~~مخالفة ms932 المعقول وقرب المخالفة في المشروع. # الثاني والعشرون: أن يكونا دالين بجهة التنبيه والإيماء إلى أن أحدهما لو ~~لم يقدر كون المذكور فيه علة للحكم المذكور معه كان ذكره عبثا وحشوا، ~~والآخر من قبيل ما رتب فيه الحكم على الوصف بفاء التعقيب، فالذي لو لم يقدر ~~فيه التعليل كان ذكره عبثا أولى من الآخر؛ نظرا إلى محذور العبث في كلام ~~الشارع، وإلغاؤه أتم من محذور المخالفة لدلالة حرف الفاء على التعليل، ~~وإمكان تأويلها بغير السببية بل وهو أولى (2) من سائر أنواع التنبيه ~~والإيماء؛ لما ذكرناه من زيادة المحذور، وما دل على العلية بفاء التعقيب ~~لظهورها، مقدم على ما عداه من باقي أقسام التنبيه والإيماء. # الثالث والعشرون: أن يكونا دالين بجهة المفهوم إلا أن أحدهما من قبيل ~~مفهوم المخالفة والآخر من قبيل مفهوم الموافقة، فقد يمكن ترجيح مفهوم ~~الموافقة على مفهوم المخالفة من جهة أنه متفق عليه ومختلف في مقابله، وقد ~~يمكن ترجيح مفهوم المخالفة عليه من وجهين: # الأول: أن فائدة مفهوم المخالفة التأسيس، وفائدة مفهوم الموافقة التأكيد، ~~والتأسيس أصل والتأكيد فرع، فكان مفهوم المخالفة أولى. # الثاني: أن مفهوم الموافقة لا يتم إلا بتقدير فهم المقصود من الحكم في ~~محل النطق، وبيان وجوده في محل السكوت، وأن اقتضاءه للحكم في محل السكوت ~~أشد. PageV04P253 # وأما مفهوم المخالفة: فإنه يتم بتقدير عدم فهم المقصود من الحكم في محل ~~النطق، وبتقدير كونه غير متحقق في محل السكوت، وبتقدير أن يكون له معارض في ~~محل السكوت. # ولا يخفى أن ما يتم على تقديرات أربعة أولى مما لا يتم إلا على تقدير ~~واحد. # الرابع والعشرون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الاقتضاء، ودلالة ~~الآخر من قبيل دلالة الإشارة، فدلالة الاقتضاء أولى لترجحها بقصد المتكلم ~~لها بخلاف دلالة الإشارة. # الخامس والعشرون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الاقتضاء والآخر من ~~قبيل دلالة التنبيه والإيماء، فدلالة الاقتضاء أولى لتوقف صدق المتكلم أو ~~مدلول منطوقه عليه بخلاف دلالة التنبيه والإيماء. # السادس والعشرون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل ms933 دلالة الاقتضاء والآخر من ~~قبيل دلالة المفهوم، فدلالة الاقتضاء أولى لوقوع الاتفاق عليها ووقوع ~~الخلاف في مقابلها، ولأن ما يعترض دلالة الاقتضاء من المبطلات أقل مما ~~يعترض المفهوم، وبهذا كان ما كان من قبيل دلالة التنبيه والإيماء مقدما على ~~دلالة المفهوم. # السابع والعشرون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل المنطوق والآخر من دلالة ~~غير المنطوق، فالمنطوق أولى لظهور دلالته وبعده عن الالتباس بخلاف مقابله. # الثامن والعشرون: أن يكون أحدهما عاما والآخر خاصا، فالخاص مقدم على ~~العام لثلاثة أوجه: # الأول: أنه أقوى في الدلالة وأخص بالمطلوب. # الثاني: أن العمل بالعام يلزم منه إبطال دلالة الخاص وتعطيله، ولا يلزم ~~من العمل بالخاص تعطيل العام بل تأويله وتخصيصه، ولا يخفى أن محذور التعطيل ~~فوق محذور التأويل. # الثالث: أن ضعف العموم بسبب تطرق التخصيص إليه، وضعف الخصوص بسبب تأويله ~~وصرفه عن ظاهره إلى مجازه، ولا يخفى أن تطرق التخصيص إلى # PageV04P254 # العمومات أكثر من تطرق التأويل إلى الخاص، ولهذا كانت أكثر العمومات ~~مخصصة وأكثر الظواهر الخاصة مقررة، وبهذا يكون المطلق الدال على واحد لا ~~بعينه مرجحا على العام. # التاسع والعشرون: أن يكون أحدهما عاما مخصصا والآخر غير مخصص، فالذي لم ~~يدخله التخصيص أولى لعدم تطرق الضعف إليه. # وعلى هذا فما كان عاما من وجه وخاصا من وجه يكون مرجحا على ما هو عام من ~~كل وجه، وكذلك المطلق من وجه والمقيد من وجه مرجح على ما هو مطلق من كل ~~وجه، وما هو منطوق من كل وجه مقدم على ما هو حقيقي من وجه دون وجه، وكذلك ~~الحقيقي من كل وجه مقدم على ما هو حقيقي من وجه دون وجه. # الثلاثون: أن يكونا عامين، إلا أن أحدهما من قبيل الشرط والجزاء والآخر ~~من قبيل النكرة المنفية، فقد يمكن ترجيح دلالة الشرط والجزاء لكون الحكم ~~فيه معللا بخلاف النكرة المنفية، والمعلل أولى من غير المعلل، وقد يمكن ~~ترجيح دلالة نفي النكرة بأن دلالته أقوى، ولهذا كان خروج الواحد منه يعد ~~خلفا في الكلام، عندما إذا قال: ms934 " لا رجل في الدار " وكان فيها رجل، بخلاف ~~مقابله، وبهذا تكون دلالة النكرة المنفية أولى من جميع أقسام العموم. # الحادي والثلاثون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الشرط والجزاء، ~~والآخر من قبيل أسماء الجموع، فالأول أولى؛ لأن أكثر من خالف في صيغ العموم ~~وافق على صيغة الشرط والجزاء، ولأن الدلالة فيه مشيرة إلى الحكم والعلة ~~بخلاف مقابله، وبهذا يكون أولى من باقي أقسام العموم. # الثاني والثلاثون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل الجمع المعرف والآخر جمع ~~منكر، فالمعرف أولى لوجهين: الأول أن بعض من وافق على عموم الجمع المعرف ~~خالف في المنكر، فكان أقوى لقربه إلى الوفاق، الثاني: أنه لا يدخله الإبهام ~~بخلاف المنكر فكان أولى، (1) ، وربما رجح المنكر بكونه دالا على عدد أقل من ~~الجمع المعرف، فكان أقرب إلى الخصوص فكان أولى. PageV04P255 # الثالث والثلاثون: أن يكون أحدهما اسم جمع معرف والآخر اسم جنس دخله ~~الألف واللام، فاسم الجمع أولى، لا مكان حمل اسم الجنس على الواحد المعهود ~~بخلاف الجمع المعرف، فكان أقوى عموما، وبهذا يكون مقدما على (من) و (ما) . # الرابع والثلاثون: إذا كان أحدهما من قبيل اسم الجنس المعرف والآخر من ~~قبيل (من) و (ما) ، ف (من) و (ما) أولى لعدم احتمالهما للعهد، واحتمال ما ~~قابلهما له. # الخامس والثلاثون: أن يكون أحد الظاهرين مضطربا في لفظه بخلاف الآخر، ~~فغير المطرب أولى؛ لأنه أدل على الحفظ والضبط. # السادس والثلاثون: أن يكون أحدهما قد دل على الحكم وعلته، والآخر دل على ~~الحكم دون علته، فالدال على العلة أولى؛ لأنه أقرب إلى الإيضاح والبيان. # السابع والثلاثون: أن يكون أحدهما قولا والآخر فعلا، فالقول أولى؛ لأنه ~~أبلغ في البيان من الفعل، وإن كان أحدهما قولا وفعلا والآخر قولا فقط ~~فالقول والفعل أولى؛ لأنه أقوى في البيان. # الثامن والثلاثون: أن يكون أحدهما مشتملا على زيادة لم يتعرض الآخر لها، ~~كرواية من روى أنه - عليه السلام - «كبر في صلاة العيد سبعا» (1) فإنها ~~مقدمة على رواية من روى أربعا (2) لاشتمالها على زيادة علم خفي ms935 على الآخر. ~~PageV04P256 # التاسع والثلاثون: أن يكون أحد المنقولين الظاهرين إجماعا والآخر نصا (1) ~~، وسواء كان من الكتاب أو السنة فالإجماع مرجح؛ لأن النسخ مأمون فيه بخلاف ~~النص. # الأربعون: أن يكونا إجماعين ظاهرين إلا أن أحدهما قد دخل فيه جميع أهل ~~العصر والآخر لم يدخل فيه سوى أهل الحل والعقد، فالذي دخل فيه الجميع أولى؛ ~~لأنه أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف فيه. # الحادي والأربعون: أن يكون أحدهما قد دخل فيه مع أهل الحل والعقد الفقهاء ~~الذين ليسوا أصوليين والأصوليين الذين ليسوا فقهاء وخرج عنه العوام، والآخر ~~بالعكس، فالأول أولى لقربهم من المعرفة والإحاطة بأحكام الشرع واستنباطها ~~من مداركها، وبهذا المعنى يكون أيضا ما دخل فيه الأصولي الذي ليس بفقيه ولم ~~يدخل الفقيه أولى مما هو بالعكس؛ لأن الأصولي أعرف بمدارك الأحكام وكيفية ~~تلقي الأحكام من المنطوق والمفهوم والأمر والنهي وغيره. # الثاني والأربعون: أن يكون أحدهما قد دخل فيه المجتهد المبتدع الذي ليس ~~بكافر بخلاف الآخر، فما دخل فيه المجتهد المبتدع أولى؛ لأن الظاهر من حاله ~~الصدق، ولأنه أبعد عن الخلاف. # الثالث والأربعون: أن يكون أحدهما قد دخل فيه المجتهد المبتدع دون العوام ~~والفروعيين الذين ليسوا أصوليين والأصوليون الذين ليسوا فروعيين والآخر ~~بعكسه، فما دخل فيه المبتدع أولى إذا الخلل في قوله: " إنما هو من جهة كذبه ~~فيما يقول " والخلل في قول من عداه من المذكورين إنما هو من جهله وعدم ~~إحاطته وعدم كماله، ولا يخفى أن احتمال وقوع الخلل بجهة الكذب من الفاسق ~~لحرمته وتعلق الإثم به أندر من الخلل الناشئ بسبب الجهل وعدم الإحاطة. ~~PageV04P257 # الرابع والأربعون: أن يكون أحد الإجماعين من الصحابة والآخر من التابعين، ~~فإجماع الصحابة أولى للثقة بعدالتهم وبعد تقاعدهم عن تحقيق الحق وإبطال ~~الباطل وغلبة جدهم وكثرة اجتهادهم في تمهيد أحكام الشريعة، ولأنه أبعد عن ~~خلاف من خالف في إجماع غير الصحابة، وعلى هذا فإجماع التابعين يكون مقدما ~~على إجماع من بعدهم؛ لقربهم من العصر الأول ولقوله - عليه السلام -: " «خير ~~القرون القرن الذي أنا فيه ثم الذي ms936 يليه» " (1) فإجماعهم يكون أغلب على ~~الظن. # الخامس والأربعون: أن يكون أحد الإجماعين قد انقرض عصره بخلاف الآخر، فما ~~انقرض عصره يكون أولى لاستقراره وبعده عن الخلاف. # السادس والأربعون: أن يكون أحدهما مأخوذا عن انقسام الأمة في مسألة من ~~المسائل على قولين في أنه إجماع على نفي قول ثالث، والإجماع الآخر على ~~إثبات القول الثالث، فالإجماع على إثباته أولى؛ لأنه أبعد عن اللبس وعما ~~يقوله المنازع في الأول من وجوه القدح ويبديه من الاحتمالات. # السابع والأربعون: أن يكون أحدهما مسبوقا بالمخالفة بخلاف الآخر، فالذي ~~لم يسبق بالمخالفة أولى؛ لأنه أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف. # الثامن والأربعون: أن يكون أحدهما قد رجع بعض المجتهدين فيه عما حكم به ~~موافقا للباقين لدليل ظهر له بخلاف الآخر، فما لم يرجع فيه بعض المجتهدين ~~أولى لبعده عن المناقضة والخلاف فيه. # التاسع والأربعون: أن يكون أحدهما إجماع الصحابة إلا أنه لم يدخل فيه غير ~~المجتهدين، والآخر من إجماع التابعين إلا أنه قد دخل فيه جميع أهل عصرهم، ~~فإجماع الصحابة أولى للوثوق بعدالتهم وزيادة جدهم، كما سبق تقريره، وفي ~~معنى هذا يكون قد رجع واحد من الصحابة عن الواقعة بخلاف التابعين. # الخمسون: أن يكون أحدهما قد دخل فيه جميع أهل العصر إلا أنه لم ينقرض ~~عصرهم والآخر بالعكس، فما دخل فيه جميع أهل العصر أولى؛ لأن غلبة الظن فيه ~~متيقنة، واحتمال الرجوع بسبب عدم انقراض العصر موهوم، وفي معناه أن يكون ~~PageV04P258 # ما لم ينقرض آلاف قد دخل فيه المجتهد المبتدع، أو الأصولي الذي ليس ~~فروعيا، أو الفروعي الذي بأصولي، والآخر بخلافه. # الحادي والخمسون: أن يكون أحدهما غير مأخوذ من انقسام الأمة على قولين ~~كما سبق، إلا أنه لم ينقرض عصره والآخر بعكسه، فالأول أولى نظرا إلى أن جهة ~~الإجماع فيه أقوى بيقين، أو رجوع الواحد عنه قبل انقراض العصر موهوم، وفي ~~معناه إذا كان أحد إجماعين قد انقرض عصره إلا أنه مسبوق بالمخالفة والآخر ~~بعكسه. # الثاني والخمسون: أن يكون أحد الإجماعين مأخوذا من انقسام الأمة على ms937 ~~قولين إلا أنه غير مسبوق بمخالفة بعض المتقدمين، والآخر بعكسه، فالذي لم ~~يكن مأخوذا من انقسام الأمة على قولين أولى لقوة الإجماع فيه. ### | [الترجيحات العائدة إلى المدلول] # وأما الترجيحات العائدة إلى المدلول: # الأول منها: أن يكون حكم أحدهما الحظر والآخر الإباحة، وهذا مما اختلف ~~فيه فذهب الأكثر كأصحابنا وأحمد بن حنبل والكرخي والرازي من أصحاب أبي ~~حنيفة إلى أن الحاظر أولى. # وذهب أبو هاشم وعيسى بن أبان إلى التساوي والتساقط، والوجه في ترجيح ما ~~مقتضاه الحظر أن ملابسة الحرام موجبة للمأثم بخلاف المباح، فكان أولى ~~بالاحتياط. # ولهذا فإنه لو اجتمع في العين الواحدة حظر وإباحة كالمتولد بين ما يؤكل ~~وما لا يؤكل قدم التحريم على الإباحة، وكذلك إذا طلق بعض نسائه بعينها ثم ~~أنسيها حرم وطء الجميع تقديما للحرمة على الإباحة، وإليه الإشارة بقوله - ~~عليه السلام -: " «ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال» " (1) ~~وقال - عليه السلام -: " «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» " (2) غير أنه قد ~~يمكن ترجيح ما مقتضاه PageV04P259 # الإباحة من جهة أخرى، وهي أنا لو عملنا بما مقتضاه التحريم لزم منه فوات ~~مقصود الإباحة من الترك مطلقا، ولو عملنا بما مقتضاه الإباحة فقد لا يلزم ~~منه فوات مقصود الحظر؛ لأن الغالب أنه إذا كان حراما فلا بد وأن تكون ~~المفسدة ظاهرة، وعند ذلك فالغالب أن المكلف يكون عالما بها وقادرا على ~~دفعها؛ لعلمه بعدم لزوم المحذور من ترك المباح، ولأن المباح مستفاد من ~~التخيير قطعا بخلاف استفادة الحرمة من النهي لتردده بين الحرمة والكراهة، ~~فكان أولى. # وعلى هذا فلا يخفى وجه الترجيح بين ما مقتضاه الحرمة وما مقتضاه الندب. # الثاني: أن يكون مدلول أحدهما الحظر والآخر الوجوب، فما مقتضاه التحريم ~~أولى لوجهين: # الأول: هو أن الغالب من الحرمة إنما هو دفع مفسدة ملازمة للفعل أو ~~تقليلها، وفي الوجوب تحصيل مصلحة ملازمة للفعل، أو تكميلها، واهتمام الشارع ~~والعقلاء بدفع المفاسد أتم من اهتمامهم بتحصيل المصالح، ولهذا فإن من أراد ~~فعلا لتحصيل مصلحة، ينفر عنه إذا عارضه في نظرة ms938 لزوم مفسدة مساوية للمصلحة، ~~كمن رام تحصيل درهم على وجه يلزم منه فوات مثله، وإذا كان ما هو المقصود من ~~التحريم أشد وآكد منه في الواجب كانت المحافظة عليه أولى. # ولهذا كان ما شرعت العقوبات فيه من فعل المحرمات أكثر من ترك الواجبات ~~وأشد كالرجم المشروع في زنا المحصن. # الوجه الثاني: أن إفضاء الحرمة إلى مقصودها أتم من إفضاء الوجوب إلى ~~مقصوده، فكانت المحافظة عليه أولى، وذلك لأن مقصود الحرمة يتأتى بالترك ~~وذلك كاف مع القصد له، أو مع الغفلة عنه، ولا كذلك فعل الواجب. # وأيضا فإن ترك الواجب وفعل المحرم إذا تساويا في داعية الطبع إليهما ~~فالترك يكون أيسر وأسهل من الفعل لتضمن الفعل مشقة الحركة وعدم المشقة في ~~الترك، وما يكون حصول مقصوده أوقع يكون أولى بالمحافظة عليه. (1) الثالث: ~~أن يكون حكم أحدهما الحرمة والآخر الكراهة، فالحظر أولى لمساواته الكراهة ~~في طلب الترك وزيادته عليه بما يدل على اللوم عند الفعل، ولأن المقصود ~~PageV04P260 # منهما إنما هو الترك لما يلزمه من دفع المفسدة الملازمة للفعل، والحرمة ~~أوفى لتحصيل ذلك المقصود فكانت أولى بالمحافظة. # وأيضا فإن العمل بالمحرم لا يلزم منه إبطال دلالة المقتضي للكراهة، وهو ~~طلب الترك والعمل بالمقتضي للكراهة مما يجوز معه الفعل، وفيه إبطال دلالة ~~المحرم. # ولا يخفى أن العمل بما لا يفضي إلى الإبطال يكون أولى، وبما حققناه في ~~ترجيح المحرم على المقتضي للكراهة يكون ترجيح الموجب على المقتضي للندب. # الرابع: أن يكون حكم أحدهما إثباتا والآخر نفيا، وذلك كخبر بلال بأن ~~النبي - عليه السلام - «دخل البيت وصلى» (1) وخبر أسامة «أنه دخل ولم يصل» ~~(2) فالنافي مرجح على المثبت خلافا للقاضي عبد الجبار في قوله: " إنهما ~~سواء "، والمثبت وإن كان مترجحا على النافي لاشتماله على زيادة علم غير أن ~~النافي لو قدرنا تقدمه على المثبت كانت فائدته التأكيد، ولو قدرنا تأخره ~~كانت فائدته التأسيس، وفائدة التأسيس أولى لما سبق تقريره فكان القضاء ~~بتأخيره أولى. # فإن قيل: إلا أنه يلزم من تأخره مخالفة الدليل المثبت، ورفع حكمه دون ms939 ~~تقدمه. # قلنا: هو معارض بمثله، فإنا لو قدرنا تقدم النافي فالمثبت بعده يكون ~~نافيا لحكمه ورافعا له. # فإن قيل: المثبت وإن كان رافعا لحكم النافي على تقدير تأخره عنه، فرافع ~~لما فائدته التأكيد، ولو قدرنا تأخر النافي كان مبطلا لما فائدته التأسيس، ~~فكان فرض تأخر المثبت أولى. PageV04P261 # قلنا: إلا أنه وإن كانت فائدة النافي التأكيد على تقدير تقدمه فالمثبت ~~يكون رافعا لحكم تأسيسي، وهو الباقي على الحال الأصلي، وزيادة ما حصل من ~~النافي من التأكيد، ولا كذلك ما لو كان النافي متأخرا فإنه لا يرفع غير ~~التأسيس، وما لا يفضي إلى رفع التأسيس مع التأكيد يكون أولى مما يفضي إلى ~~رفع الأمرين معا، وما يقال من أن المثبت مفيد لما هو حكم شرعي بالاتفاق، ~~والنافي غير مجمع على إفادته لحكم شرعي، والغالب من الشارع أنه لا يتولى ~~غير الشرعي، فمع أنه غير سديد من جهة أن الحكم الشرعي غير مقصود لذاته، ~~وإنما هو مقصود لحكمته؛ لكونه وسيلة إليها، وحكمة الإثبات وإن كانت مقصودة ~~فكذلك حكمة النفي، فهو معارض من جهة أن الغالب من الشارع على ما هو المألوف ~~منه، إنما هو التقرير لا التغيير، وعلى هذا فالحكم للنفي الأصلي يكون أولى ~~من المغير. # الخامس: أن يكون حكم أحدهما معقولا والآخر غير معقول، فما حكمه غير ~~معقول، وإن كان الثواب بتلقيه أكثر لزيادة مشقته كما نطق به الحديث (1) إلا ~~أن مقصود الشارع بشرع ما هو معقول أتم مما ليس بمعقول؛ نظرا إلى سهولة ~~الانقياد وسرعة القبول، وما شرعه أفضى إلى تحصيل مقصود الشرع يكون أولى؛ ~~ولهذا كان شرع المعقول أغلب من شرع غير المعقول، حتى إنه قد قيل: إنه لا ~~حكم إلا وهو معقول حتى في ضرب الدية على العاقلة ونحوه مما ظن أنه غير ~~معقول، ولأن ما يتعلق بالمعقول من الفائدة بالنظر إلى محل النص بالتعدية ~~والإلحاق أكثر منه في غير المعقول، فكان أولى. # وما كانت جهة تعقله أقوى كما يأتي وجه التفصيل فيه في العلل، فهو أولى. # السادس: أن ms940 يكون أحدهما مشتملا على زيادة لا وجود لها في الآخر، كموجب ~~الجلد مع الموجب للجلد والتغريب، فالموجب للزيادة يكون أولى؛ لأن العمل ~~بالزيادة غير موجب لإبطال منطوق الآخر فيما دل عليه من وجوب الجلد وإجزائه ~~عن نفسه، والعمل بالموجب للجلد فقط موجب لإبطال المنطوق في الدلالة على ~~وجوب الزيادة، وما لا يفضي إلى إبطال حكم الدليل أولى مما يفضي إلى ~~الإبطال، ولأن دلالة الموجب للجلد على نفي الزيادة غير مأخوذة من منطوق ~~اللفظ، ووجوب PageV04P262 # الزيادة مأخوذ من منطوق اللفظ، ومخالفة ما ليس بمنطوق بالمنطوق أولى لما ~~تقدم. # السابع: أن يكون موجب أحدهما الجلد والآخر الدرء، فالدارئ يكون أولى نظرا ~~إلى ما حققناه في ترجيح ما حكمه النفي على ما حكمه الإثبات، ولأن الخطأ في ~~نفي العقوبة أولى من الخطإ في تحقيقها على ما قال - عليه السلام -: " «لأن ~~يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة» " (1) ، ولأن ما يعترض الحد من ~~المبطلات أكثر مما يعترض الدرء، فكان أولى لبعده عن الخلل وقربه إلى ~~المقصود، ولأنه على خلاف الدليل النافي للحد والعقوبة. # الثامن: أن يكون حكم أحدهما وقوع الطلاق أو العتق، وحكم الآخر نفيه. # قال الكرخي: ما حكمه الوقوع أولى لأنه الدليل النافي لملك البضع وملك ~~اليمين، والنافي لهما على خلافه، ويمكن أن يقال: بل النافي لهما أولى لأنه ~~على وفق الدليل المقتضي لصحة النكاح وإثبات ملك اليمين المترجح على النفي ~~له. # التاسع: أن يكون حكم أحدهما تكليفيا وحكم الآخر وضعيا، فالتكليفي وإن ~~اشتمل على زيادة الثواب المرتبط بالتكليف وكان لأجله راجحا، فالوضعي من جهة ~~أنه لا يتوقف على ما يتوقف عليه الحكم التكليفي من أهلية المخاطب وفهمه، ~~وتمكنه من الفعل يكون مترجحا. # العاشر: أن يكون حكم أحدهما أخف من الآخر، فقد قيل: إن الأخف أولى؛ لأن ~~الشريعة مبناها على التخفيف على ما قال الله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ~~ولا يريد بكم العسر} ، وقال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ، وقال ~~- عليه السلام -: " «لا ضرر ولا ضرار في ms941 الإسلام» " (2) ، وقيل: إن الأثقل ~~أولى نظرا إلى الشرعية PageV04P263 # إنما يقصد بها مصالح المكلفين، والمصلحة في الفعل الأشق أعظم منها في ~~الفعل الأخف على ما قال - عليه السلام -: " «ثوابك على قدر نصبك» " (1) ، ~~ولأن الغالب على الظن إنما هو تأخره عن الأخف؛ نظرا إلى المألوف من أحوال ~~العقلاء، فإن من قصد تحصيل مقصود بفعل من الأفعال ولم يحصل به لا يقصد ~~تحصيله بما هو أخف منه، بل بما هو أعلى منه، فبتقدير تقدم الأخف على الأثقل ~~يكون موافقا لنظر أهل العرف فكان أولى، ولأن زيادة ثقله تدل على تأكد ~~المقصود منه على مقصود الأخف، فالمحافظة عليه تكون أولى. # الحادي عشر: أن يكون كل واحد من الخبرين خبرا واحدا إلا أن حكم أحدهما ~~مما تعم به البلوى بخلاف حكم الآخر، فما لا تعم به البلوى أولى لكونه أبعد ~~عن الكذب من جهة أن تفرد الواحد بنقل ما تعم به البلوى مع توفر الدواعي على ~~نقله أقرب إلى الكذب، كما تقرر قبل. (2) ، ولهذا كان مختلفا فيه ومتفقا على ~~مقابله. ### | [الترجيحات العائدة إلى أمر خارج] # وأما الترجيحات العائدة إلى أمر خارج: # الأول منها: أن يكون أحد الدليلين موافقا لدليل آخر من كتاب أو سنة أو ~~إجماع أو قياس أو عقل أو حس، والآخر على خلافه، فما هو على وفق الدليل ~~الخارج أولى لتأكد غلبة الظن بقصد مدلوله، ولأن العمل به وإن أفضى إلى ~~مخالفة مقابله وهو دليل واحد فالعمل بمقابله يلزم منه مخالفة دليلين، ~~والعمل بما يلزم معه مخالفة دليل واحد أولى مما يلزم منه مخالفة دليلين. # الثاني: أن يكون أحدهما قد عمل بمقتضاه علماء المدينة أو الأئمة الأربعة ~~أو بعض الأمة بخلاف الآخر، فما عمل به يكون أولى، أما ما عمل به أهل ~~المدينة فلأنهم أعرف بالتنزيل وأخبر بمواقع الوحي والتأويل، وكذلك الأئمة ~~والخلفاء الراشدون لحث النبي - عليه السلام - على متابعتهم والاقتداء بهم ~~على ما سبق تعريفه، وذلك يغلب على الظن قوته في الدلالة وسلامته عن ~~المعارض. # وعلى هذا أيضا ما عمل بمقتضاه بعض ms942 الأمة يكون أغلب على الظن، فكان أولى. ~~PageV04P264 # وفي معنى هذا أن يعتضد كل واحد منهما بدليل، غير أن ما عضد أحدهما راجح ~~على ما عضد الآخر، أو أن يعمل بكل واحد منهما بعض الأمة، غير أن من عمل ~~بأحدهما أعرف بمواقع الوحي والتنزيل، فيكون أولى. # الثالث: أن يكون كل واحد منهما مؤولا إلا أن دليل التأويل في أحدهما أرجح ~~من دليل التأويل في الآخر، فهو أولى لكونه أغلب على الظن. # الرابع: أن يكون أحدهما دالا على الحكم والعلة والآخر على الحكم دون ~~العلة، فما يدل على العلة يكون أولى لقربه إلى المقصود بسبب سرعة الانقياد ~~وسهولة القبول، ولدلالته على الحكم من جهة لفظه، ومن جهة دلالته عليه ~~بواسطة دلالته على العلة، وما دل على الحكم بجهتين يكون أولى، ولأن العمل ~~به يلزمه مخالفة ما قابله من جهة واحدة، والعمل بالمقابل يلزم منه مخالفة ~~الدليل الآخر على الحكم من جهتين فكان أولى، وربما رجح ما لم يدل على العلة ~~من جهة أن المشقة في قبوله أشد والثواب عليه أعظم، إلا أنه مرجوح بالنظر ~~إلى مقصود التعقل، ولذلك كان هو الأغلب. # الخامس: أن يدل كل واحد منهما على الحكم والعلة إلا أن دلالة أحدهما على ~~العلية أقوى من دلالة الآخر عليها، كما بيناه فيما تقدم، فالأقوى يكون أولى ~~لكونه أغلب على الظن. # السادس: أن يكونا عامين إلا أن أحدهما ورد على سبب خاص بخلاف الآخر، وعند ~~ذلك فتعارضهما إما أن يكون بالنسبة إلى ذلك السبب الخاص أو بالنسبة إلى ~~غيره، فإن كان الأول: فالوارد على ذلك السبب يكون أولى؛ لكونه أمر به، ولأن ~~محذور المخالفة فيه نظرا إلى أن تأخير البيان عما دعت الحاجة إليه يكون أتم ~~من المحذور اللازم من المخالفة في الآخر؛ لكونه غير وارد فيها. # وإن كان الثاني: فالعام المطلق يكون أولى؛ لأن عمومه أقوى من عموم ~~مقابله: لاستوائهما في صيغة العموم وغلبة الظن بتخصيص ما ورد على الواقعة ~~بها؛ نظرا إلى بيان ما دعت الحاجة إليه، وإلى أن ms943 الأصل إنما هو مطابقة ما ~~ورد في معرض البيان لما مست إليه الحاجة، ولأن ما ورد على السبب الخاص ~~مختلف في تعميمه عند القائلين بالعموم بخلاف مقابله، وعلى هذا فمحذور ~~المخالفة في العام المطلق يكون أشد. # PageV04P265 # السابع: أن يكون أحدهما قد وردت به المخاطبة على سبيل الإخبار بالوجوب، ~~أو التحريم، أو غيره، كما في قوله تعالى: {والذين يظاهرون منكم من نسائهم} ~~أو في معرض الشرط والجزاء كما في قوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} . والآخر ~~وردت المخاطبة به شفاها كما في قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~الصيام} فإن تقابلا في حق من وردت المخاطبة إليه شفاها، فخطاب المشافهة ~~أولى، وإن كان ذلك بالنظر إلى غير من وردت المخاطبة إليه شفاها كان الآخر ~~أولى؛ لما حققناه في معارضة العام المطلق، والوارد على السبب المعين، ولأن ~~الخطاب شفاها إنما يكون للحاضر من الموجودين، وتعميمه بالنسبة إلى غيرهم ~~إنما يكون بالنظر إلى دليل آخر، إما من إجماع الأمة على أنه لا تفرقة، أو ~~من قوله - عليه السلام -: " «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» " (1) . # الثامن: أن يكون أحدهما مما يجوز تطرق النسخ إليه، أو قد اختلف في تطرق ~~النسخ إليه بخلاف الآخر، فالذي لا يقبل النسخ يكون أولى لقلة تطرق الأسباب ~~الموهية إليه. # التاسع: أن يكونا عامين إلا أن أحدهما قد اتفق على العمل به في صورة ~~بخلاف الآخر، فما اتفق على العمل به وإن كان قد يغلب على الظن زيادة ~~اعتباره إلا أن العمل بما لم يعمل به في صورة متفق عليها أولى؛ إذ العمل به ~~مما يفضي إلى تعطيل الآخر لكونه قد عمل به في الجملة، والعمل بما عمل إلى ~~تعطيل ما لم يعمل به، وما يفضي إلى التأويل أولى مما يفضي إلى التعطيل وما ~~عمل به في الصورة المتفق عليها، وإن لزم أن يكون فيها راجحا على العام ~~المقابل، إلا أنه يحتمل أن يكون الترجيح له لأمر خارج لا وجود له في محل ~~النزاع، وهو وإن كان المرجح الخارج ms944 بعيد الوجود لكن يجب اعتقاد وجوده نفيا ~~لإهمال العام الآخر. # فإن قيل: لو كان له مرجح من خارج لوقفنا عليه بعد البحث التام، وقد بحثنا ~~فلم نجد شيئا من ذلك، واحتمال مخالفة السبر أيضا بعيد فهو معارض بمثله، ~~فإنه لو كان رجحانه لمعنى يعود إلى نفسه لوقفنا عليه بعد البحث، وقد بحثنا ~~فلم نجده، وعند ذلك فيتقاوم الكلامان، وقد يسلم لنا ما ذكرناه أولا. # العاشر: أن يكون أحدهما قد قصد به بيان الحكم المختلف فيه بخلاف الآخر، ~~فالذي قصد به البيان للحكم يكون أولى؛ لأنه يكون أمس بالمقصود، PageV04P266 # وكما في قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} فإنه قصد به ~~بيان تحريم الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين، فإنه مقدم على قوله ~~تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} حيث لم يقصد به بيان الجمع. # الحادي عشر: أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط وبراءة الذمة بخلاف الآخر، ~~فالأقرب إلى الاحتياط يكون مقدما لكونه أقرب إلى تحصيل المصلحة ودفع ~~المضرة. # الثاني عشر: أن يكون أحدهما يستلزم نقص الصحابي كحديث القهقهة في الصلاة ~~بخلاف الآخر، فالذي لا يستلزم ذلك أولى لكونه أقرب إلى الظاهر الموافق لحال ~~الصحابي، ووصف الله له بالعدالة على ما قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا} أي: عدولا. # الثالث عشر: أن يقترن بأحد الخبرين تفسير الراوي بفعله أو قوله، فإنه ~~يكون مرجحا على ما ليس كذلك؛ لأن الراوي للخبر يكون أعرف وأعلم بما رواه. # الرابع عشر: أن يذكر أحد الراويين سبب ورود ذلك النص بخلاف الآخر، ~~فالذاكر للسبب أولى؛ لأن ذلك يدل على زيادة اهتمامه بما رواه. # الخامس عشر: أن يكون قد اقترن بأحد الخبرين ما يدل على تأخيره عن الآخر ~~كالخبر الذي ظهر بعد استظهار النبي - عليه السلام - وقوة شوكته بخلاف ~~الآخر، فالظاهر بعد قوة شوكة النبي - عليه السلام - أولى؛ لأن احتمال ظهور ~~مقابله قبل قوة الشوكة أكثر من احتمال وقوع ما ظهر بعد قوة الشوكة، فكان ~~تأخيره أغلب على الظن، فكان أولى. # وفي معناه أن ms945 يكون أحد الراويين متأخر الإسلام عن الآخر، فالغالب أن ما ~~رواه عن النبي - عليه السلام - بعد إسلامه فروايته أولى؛ لأن رواية الآخر ~~يحتمل أن تكون قبل إسلام المتأخر. # ويحتمل أن تكون بعد إسلامه، فكان تأخير ما رواه متأخر الإسلام أغلب على ~~الظن. # وفي معناه أن يعلم أن موت متقدم الإسلام كان متقدما على إسلام المتأخر، ~~وكذلك إذا علمنا أن غالب رواية أحد الراويين قبل الغالب من رواية الآخر ~~فروايته تكون مرجوحة؛ لأن الغالب تقدم ما رواه # PageV04P267 # وكذلك إذا كانت رواية أحدهما مؤرخة بتاريخ مضيق دون الآخر، فاحتمال تقدم ~~غير المؤرخة يكون أغلب، وكذلك إذا كان أحد الخبرين يدل على التخفيف والآخر ~~على التشديد، فاحتمال تأخر التشديد أظهر؛ لأن الغالب منه - عليه السلام - ~~أنه ما كان يشدد إلا بحسب علو شأنه واستيلائه وقهره، ولهذا أوجب العبادات ~~شيئا فشيئا وحرم المحرمات شيئا فشيئا. ### | [القسم الثاني في التعارض الواقع بين معقولين] ### | [كان التعارض بين قياسين أو استدلالان أو قياس واستدلال] ### | [الترجيحات العائدة إلى الأصل] # القسم الثاني # في التعارض الواقع بين معقولين # والمعقولان: إما قياسان، أو استدلالان، أو قياس واستدلال: # فإن كان التعارض بين قياسين فالترجيح بينهما قد يكون بما يعود إلى أصل ~~القياس، وقد يكون بما يعود إلى فرعه، وقد يكون بما يعود إلى مدلوله، وقد ~~يكون بما يعود إلى أمر خارج. # فأما ما يعود إلى الأصل: فمنه ما يعود إلى حكمه، ومنه ما يعود إلى علته، ~~فأما ما يعود إلى حكم الأصل فترجيحات: # الأول: أن يكون الحكم في أصل أحدهما قطعيا، وفي الآخر ظنيا، فما حكم أصله ~~قطعي أولى؛ لأن ما يتطرق إليه من الخلل بسبب حكم الأصل منفي ولا كذلك ~~الآخر، فكان أغلب على الظن، وفي معنى هذا ما يكون الحكم في أصل أحدهما ~~ممنوعا وفي الآخر غير الممنوع، فغير الممنوع يكون أولى. # الثاني: أن يكون حكم الأصل فيهما ظنيا، غير أن الدليل المثبت لأحدهما ~~أرجح من المثبت للآخر، فيكون أولى. # الثالث: أن يكون حكم الأصل في أحدهما مما اختلف في ms946 نسخه بخلاف الآخر، ~~فالذي لم يختلف في نسخه أولى لبعده عن الخلل. # الرابع: أن يكون الحكم في أصل أحدهما غير معدول به عن سنن القياس، كما ~~ذكرناه فيما تقدم، بخلاف الآخر، فما لم يعدل به عن سنن القياس أولى؛ لكونه ~~أبعد عن التعبد وأقرب إلى المعقول وموافقة الدليل. # PageV04P268 # الخامس: أن يكون حكم الأصل في أحدهما قد قام دليل خاص على وجوب تعليله ~~وجواز القياس عليه، ولا كذلك الآخر، فما قام الدليل فيه على وجوب تعليله ~~وجواز القياس عليه أولى، وإن لم يكن ذلك شرطا في صحته كما سبق؛ لما فيه من ~~الأمن من غائلة التعبد والقصور على الأصل، ولبعده عن الخلاف. # السادس: أن يكون حكم أحد الأصلين مما اتفق القياسون على تعليله والآخر ~~مختلف فيه، فما اتفق على تعليله أولى؛ إذ هو أبعد عن الالتباس وأغلب على ~~الظن. # السابع: أن يكون حكم أحد الأصلين قطعيا لكنه معدول به عن سنن القياس، ~~والآخر ظنيا لكنه غير معدول به عن سنن القياس، فالظني الموافق لسنن القياس ~~أولى لكونه موافقا للدليل وأبعد عن التعبد. # الثامن: أن يكون حكم أحدهما في الأصل قطعيا إلا أنه لم يقم دليل خاص على ~~وجوب تعليله، وعلى جواز القياس عليه، وحكم الآخر ظنيا إلا أنه قد قام ~~الدليل على وجوب تعليله، وعلى جواز القياس عليه فما حكمه قطعي أولى؛ لأن ما ~~يتطرق إليه من الخلل إنما هو بسبب قربه من احتمال التعبد والقصور على الأصل ~~المعين، وما يتطرق إلى الظني من الخلل فمن جهة أن يكون الأمر في نفسه خلاف ~~ما ظهر، واحتمال التعبد والقصور على ما ورد الشرع فيه بالحكم أبعد من ~~احتمال ظن الظهور لما ليس بظاهر والترك للعمل بما هو ظاهر. # التاسع: أن يكون حكم أصل أحدهما قطعيا إلا أنه لم يتفق على تعليله، وحكم ~~الآخر ظنيا إلا أنه متفق على تعليله، فالظني المتفق على تعليله أولى؛ لأن ~~تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع إنما هو فرع تعقل العلة في الأصل، وتحقق ~~وجودها في الفرع ms947 واحتمال معرفة ذلك فيما هو متفق عليه أغلب، واحتمال الخلل ~~بالنظر إلى الحكم الظني وإن كان قائما ومأمونا في جانب الحكم القطعي، إلا ~~أن احتمال قطع القياس فيما لم يتفق على تعليله لعدم الاطلاع على ما هو ~~المقصود من حكم الأصل أغلب من احتمال انقطاع القياس لخلل ملتحق بالظاهر ~~الدال على حكم الأصل مع ظهور دليله وعدم الاطلاع عليه بعد البحث التام فيه. # العاشر: أن يكون دليل ثبوت الحكم في أصل أحدهما أرجح من الآخر، إلا أنه ~~مختلف في نسخه بخلاف الآخر، فما دليله راجح أولى لأن الأصل عدم النسخ، وقول ~~النسخ معارض بقول عدم النسخ، فكان احتمال عدم النسخ أرجح. # PageV04P269 # الحادي عشر: أن يكون دليل ثبوت الحكم في أحدهما راجحا على دليل حكم أصل ~~الآخر، إلا أنه معدول به عن سنن القياس، والقاعدة العامة بخلاف الآخر، فما ~~لم يعدل به عن القاعدة أولى؛ لأنه يلزم من العمل به الجري على وفق القاعدة ~~العامة التي ورد الحكم في القياس الآخر على خلافها، غير أنه يلزم منه إهمال ~~جانب الترجيح في الآخر، وما يلزم من العمل بالآخر فإنما هو اعتبار ظهور ~~الترجيح، لكن مع مخالفة القاعدة المتفق عليها، واحتمال مخالفة القواعد ~~العامة المتفق عليها أبعد من احتمال مخالفة الشذوذ من ظواهر الأدلة، كيف ~~وأن العمل بما دليل ثبوت حكم أصله ظني محافظة (1) على أصل الدليل الظني ~~والقاعدة العامة، والعمل (2) بما ظهر الترجيح في دليل ثبوت حكمه فيه ~~الموافقة؛ لما ظهر من الترجيح ومخالفة القاعدة وأصل الدليل الآخر، ولا يخفى ~~أن العمل بما يلزم منه موافقة ظاهرين، ومخالفة ظاهر واحد أولى من العكس. # الثاني عشر: أن يكون دليل ثبوت حكم أصل أحدهما راجحا على دليل الآخر، إلا ~~أنه لم يقم دليل خاص على وجوب تعليله وعلى جواز القياس عليه بخلاف الآخر، ~~فما ظهر الترجيح في دليله أولى لما ذكرناه فيما إذا كان الحكم قطعيا. # الثالث عشر: أن يكون دليل ثبوت حكم أصل أحدهما أرجح من دليل الآخر، إلا ~~أنه غير متفق على ms948 تعليله بخلاف الآخر، فما اتفق على تعليله أولى؛ لما ~~ذكرناه فيما إذا كان حكم الأصل في أحدهما قطعيا والآخر ظنيا. # الرابع عشر: أن يكون حكم أصل أحدهما مما اتفق على عدم نسخه إلا أنه معدول ~~به عن القاعدة العامة بخلاف الآخر، فما لم يعدل به عن القاعدة أولى لما سبق ~~تحقيقه. # الخامس عشر: أن يكون حكم أصل أحدهما غير معدول به عن القاعدة العامة، إلا ~~أنه لم يقم دليل خاص على وجوب تعليله وجواز القياس عليه بخلاف الآخر، ~~PageV04P270 # فما هو على وفق القاعدة العامة أولى؛ لأن العمل به عمل بأغلب ما يرد به ~~الشرع، والعمل بمقابله بالعكس، ولأن أكثر من قال باشتراط كون الحكم في ~~الأصل غير معدول به عن القاعدة العامة، خالف في اشتراط قيام الدليل على ~~وجوب الحكم وجواز القياس عليه، ولم يشترط غير الشذوذ، فكونه غير معدول به ~~عن القاعدة العامة أمس بالقياس. # السادس عشر: أن يكون حكم أصل أحدهما غير معدول به عن القاعدة العامة، إلا ~~أنه لم يتفق على تعليله والآخر بعكسه، فما اتفق على تعليله أولى؛ لأن كل ~~واحد من القياسين وإن كان مختلفا فيه إلا أن احتمال وقوع التعبد في القياس ~~يبطله قطعا، ومخالفة القاعدة العامة غير مبطلة للقياس قطعا، وما يبطل ~~القياس قطعا بتقدير وقوعه يكون مرجوحا بالنسبة إلى ما لا يبطله قطعا. ### | [الترجيحات العائدة إلى علة حكم الأصل] # وأما الترجيحات العائدة إلى علة حكم الأصل: # فمنها ما يرجع إلى طريق إثباتها، ومنها ما يرجع إلى صفتها. # أما الترجيحات العائدة إلى طرق إثباتها: # فالأول منها: أن يكون وجود علة أحد القياسين مقطوعا به في أصله بخلاف علة ~~الآخر، فما وجود علته في أصله قطعي أولى، وسواء كان وجودها معقولا أو محسا، ~~مدلولا عليه أو غير مدلول؛ لكونه أغلب على الظن، وفي معنى هذا أن يكون وجود ~~العلتين مظنونا غير أن ظن وجود إحداهما أرجح من الأخرى فقياسها أولى؛ لأنها ~~أغلب على الظن. # الثاني: أن يكون دليل علية الوصف في أحد القياسين قطعيا ms949 وفي الآخر ظنيا ~~(1) فيكون أولى؛ لأنه أغلب على الظن. # الثالث: أن يكون دليل العلتين ظنيا غير أن دليل إحدى العلتين أرجح من ~~دليل الأخرى، فما دليلها أرجح فقياسها أولى؛ لأنه أغلب على الظن. ~~PageV04P271 # الرابع: أن يكون طريق علية الوصف فيهما الاستنباط إلا أن دليل إحدى ~~العلتين السبر والتقسيم، والأخرى المناسبة، فما طريق ثبوت العلية فيه السبر ~~والتقسيم يكون أولى؛ لأن الحكم في الفرع كما يتوقف على تحقق مقتضيه في ~~الأصل يتوقف على انتفاء معارضه في الأصل، والسبر والتقسيم فيه التعرض لبيان ~~المقتضي وإبطال المعارض، بخلاف إثبات العلة بالإحالة (1) فكان السبر ~~والتقسيم أولى. # فإن قيل: وصف العلة لا بد وأن يكون مناسبا في نفس الأمر أو شبهيا؛ ~~لامتناع التعليل بالوصف الطردي، ولا يخفى أن احتمال عدم المناسبة بعد ~~إظهارها بالطريق التفصيلي أبعد من احتمال عدمها في السبر والتقسيم، حيث لم ~~يتعرض فيه لبيانها تفصيلا، فكان طريق المناسبة أولى. # قلنا: إلا أن التعرض لمناسبة الوصف لا دلالة له بوجه على نفي المعارض في ~~الأصل، فإنه لا امتناع من اجتماع مناسبين في محل واحد على حكم واحد، ودلالة ~~البحث والسبر على مناسب في الأصل غير الوصف المشترك، مع أن الأصل أن يكون ~~الحكم معقول المعنى وأن يدل على أن الوصف المشترك مناسب. # ولا يخفى أن ما يدل على مناسبة العلة وعلى انتفاء معارضها أولى مما يدل ~~على مناسبتها، ولا يدل على انتفاء معارضها. # فإن قيل: إلا أن طريق إثبات العلة بالمناسبة أو الشبه أدل على مناسبة ~~الوصف بعد إظهارها من دلالة السبر والتقسيم على انتفاء وصف آخر؛ لاحتمال أن ~~يصدق الناظر في قوله وأن يكذب، وبتقدير صدقه فظهور ذلك مختص به دون غيره ~~بخلاف طريق المناسبة، فإنه ظاهر بالنظر إلى الخصمين. # قلنا: بل العكس أولى، وذلك لأن الخلل العائد إلى دليل نفي المعارض إنما ~~هو بالكذب أو الغلط لعدم الظفر بالوصف. # ولا يخفى أن وقوع الغلط مع كون الوصف المبحوث عنه ظاهرا جليا، ووقوع ~~الكذب مع كون الباحث عدلا أبعد من احتمال وقوع ms950 الغلط فيما أبدى من المناسبة ~~مع كونها خفية مضطربة. PageV04P272 # الخامس: أن يكون نفي الفارق في أصل أحد القياسين مقطوعا به وفي الآخر ~~مظنونا، فما قطع فيه بنفي الفارق يكون أولى لكونه أغلب على الظن. # السادس: أن يكون طريق ثبوت إحدى العلتين السبر والتقسيم، والأخرى الطرد ~~والعكس، فما طريق ثبوته السبر والتقسيم أولى؛ إذ هو دليل ظاهر على كون ~~الوصف علة، وما دار الحكم معه وجودا ظاهر العلية؛ لأن الحكم قد يدور مع ~~الأوصاف الطردية كما في الرائحة الفائحة الملازمة للشدة المطربة الدائرة مع ~~تحريم الشرب وجودا وعدما، مع أنها ليست علة؛ لأن العلة لا بد وأن تكون في ~~الأصل بمعنى الباعث لا بمعنى الأمارة، كما. سبق تقريره (1) ، والرائحة ~~الفائحة ليست باعثة؛ إذ لا يشم منها رائحة المناسبة، وكما أنه غير ظاهر في ~~الدلالة على علية الوصف، فلا دلالة له على ملازمة العلة؛ لما قدمناه في ~~إبطال الطرد والعكس، وبهذا يكون القياس الذي طريق إثبات العلية فيه ~~المناسبة أولى مما طريق إثباتها فيه الطرد والعكس. ### | [الترجيحات العائدة إلى إلى صفة العلة] # وأما الترجيحات العائدة إلى صفة العلة: # فالأول منها: أنه إذا كانت علة الأصل في أحد القياسين حكما شرعيا، وفي ~~الآخر وصفا حقيقيا، فما علته وصف حقيقي أولى لوقوع الاتفاق عليه، ووقوع ~~الخلاف في مقابله، فكانت أغلب على الظن. # الثاني: أن تكون علة الحكم الثبوتي في أحدهما وصفا وجوديا وفي الآخر وصفا ~~عدميا، فما علته ثبوتية أولى للاتفاق عليه ووقوع الخلاف في مقابله. # الثالث: أن تكون علة أحدهما بمعنى الباعث، وفي الآخر بمعنى الأمارة، فما ~~علته باعثة أولى للاتفاق عليه. # الرابع: أن تكون علة أحدهما وصفا ظاهرا منضبطا وفي الآخر بخلافه، فما ~~علته مضبوطة أولى؛ لأنه أغلب على الظن لظهوره ولبعده عن الخلاف. # الخامس: أن تكون علة أحدهما وصفا متحدا وفي الآخر ذات أوصاف، فما علته ~~ذات وصف واحد أولى؛ لأنه أقرب إلى الضبط وأبعد عن الخلاف. # السادس: أن تكون علة أحدهما أكثر تعدية من علة الآخر، فهو أولى لكثرة ~~فائدته. ms951 PageV04P273 # السابع: أن تكون علة أحدهما مطردة بخلاف الآخر، فما علته مطردة أولى ~~لسلامتها عن المفسد وبعدها عن الخلاف. وفي معنى هذا أن تكون علة أحدهما غير ~~منكسرة بخلاف علة الآخر، فما علته غير منكسرة أولى لبعدها عن الخلاف. # الثامن: أن تكون علة أحدهما منعكسة بخلاف علة الآخر، فما علته منعكسة ~~أولى؛ لأنها أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف. # التاسع: أن تكون علة أحدهما غير متأخرة عن الحكم بخلاف الآخر، فما علته ~~غير متأخرة أولى لبعده عن الخلاف. # العاشر: أن تكون علة أحدهما غير منعكسة وعلة الآخر منعكسة غير مطردة، ~~فالمطردة أولى؛ لما بيناه من اشتراط الاطراد وعدم اشتراط الانعكاس، ولهذا ~~فإن من سلم اشتراط الاطراد خالف في اشتراط الانعكاس. # الحادي عشر: أن يكون ضابط الحكمة في علة أحد القياسين جامعا للحكمة مانعا ~~لها، بخلاف ضابط حكمة العلة في القياس الآخر كما بيناه، فالجامع المانع ~~أولى لزيادة ضبطه وبعده عن الخلاف. # الثاني عشر: أن تكون العلة في أحدهما غير راجعة على الحكم الذي استنبطت ~~منه برفعه أو رفع بعضه بخلاف الآخر، فهو أولى لسلامة علته عما يوهيها ~~وبعدها عن الخلاف. # الثالث عشر: أن تكون علة أحد القياسين مناسبة وعلة الآخر شبهية، فما علته ~~مناسبة أولى لزيادة غلبة الظن بها وزيادة مصلحتها وبعدها عن الخلاف. # الرابع عشر: أن يكون المقصود من إحدى العلتين من المقاصد الضرورية كما ~~بيناه من قبل، والمقصود من العلة الأخرى غير ضروري، فما مقصوده من الحاجات ~~الضرورية أولى لزيادة مصلحته وغلبة الظن به، ولهذا فإنه لم تخل شريعة عن ~~مراعاته، وبولغ في حفظه بشرع أبلغ العقوبات. # الخامس عشر: أن يكون مقصود إحدى العلتين من الحاجات الزائدة ومقصود ~~الأخرى من باب التحسينات والتزيينات، فما مقصوده من باب الحاجات الزائدة ~~أولى لتعلق الحاجة به دون مقابله. # PageV04P274 # السادس عشر: أن يكون مقصود إحدى العلتين من مكملات المصالح الضرورية، ~~ومقصود الأخرى من أصول الحاجات الزائدة، فما مقصوده من مكملات الضروريات ~~وإن كان تابعا لها ومقابله أصل في نفسه يكون أولى؛ ولهذا أعطي ms952 حكم أصله حتى ~~شرع في شرب قليل الخمر ما شرع في كثيره. # السابع عشر: أن يكون مقصود إحدى العلتين حفظ أصل الدين ومقصود الأخرى ما ~~سواه من المقاصد الضرورية (1) ، فما مقصوده حفظ أصل الدين يكون أولى نظرا ~~إلى مقصوده وثمرته من نيل السعادة الأبدية في جوار رب العالمين، وما سواه ~~من حفظ الأنفس والعقل والمال وغيره فإنما كان مقصودا من أجله على ما قال ~~تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} # فإن قيل: بل ما يفضي إلى حفظ مقصود النفس أولى وأرجح، وذلك لأن مقصود ~~الدين حق الله تعالى ومقصود غيره حق للآدمي، وحق الآدمي مرجح على حقوق الله ~~تعالى لأنها مبنية على الشح والمضايقة، وحقوق الله تعالى مبنية على ~~المسامحة والمساهلة من جهة أن الله تعالى لا يتضرر بفوات حقه، فالمحافظة ~~عليه أولى من المحافظة على حق لا يتضرر مستحقه بفواته، ولهذا رجحنا حقوق ~~الآدمي على حق الله تعالى بدليل أنه لو ازدحم حق الله تعالى وحق الآدمي في ~~محل واحد، وضاق عن استيفائهما بأن يكون قد كفر وقتل عمدا عدوانا نقتله ~~قصاصا لا بكفره. # وأيضا قد رجحنا مصلحة النفس على مصلحة الدين، حيث خففنا عن المسافر ~~بإسقاط الركعتين وأداء الصوم، وعن المريض بترك الصلاة قائما وترك أداء ~~الصوم، وقدمنا مصلحة النفس على مصلحة الصلاة في صورة إنجاء الغريق، وأبلغ ~~من ذلك أنا رجحنا مصلحة المال على مصلحة الدين حيث جوزنا ترك الجمعة ~~والجماعة ضرورة حفظ أدنى شيء من المال، ورجحنا مصالح المسلمين المتعلقة ~~ببقاء الذمي بين أظهرهم على مصلحة الدين حتى عصمنا دمه وماله مع وجود الكفر ~~المبيح. # قلنا: أما النفس فكما هي متعلق حق الآدمي بالنظر إلى بعض الأحكام، فهي ~~متعلق حق الله تعالى بالنظر إلى أحكام أخر، ولهذا يحرم عليه قتل نفسه ~~والتصرف PageV04P275 # بما يفضي إلى تفويتها، فالتقديم إنما هو لمتعلق الحقين ولا يمتنع تقديم ~~حق الله وحق الآدمي على ما تمحض حقا لله. # كيف وأن مقصود الدين متحقق بأصل شرعية القتل وقد تحقق، والقتل إنما ms953 هو ~~لتحقيق الوعيد به، والمقصود بالقصاص إنما هو التشفي والانتقام، ولا يحصل ~~ذلك للوارث بشرع القتل دون القتل بالفعل على ما يشهد به العرف، فكان الجمع ~~بين الحقين أولى من تضييع أحدهما. # كيف وأن تقديم حق الآدمي هاهنا لا يفضي إلى تفويت حق الله فيما يتعلق ~~بالعقوبة البدنية مطلقا؛ لبقاء العقوبة الأخروية، وتقديم حق الله مما يفضي ~~إلى فوات حق الآدمي من العقوبات البدنية مطلقا، فكان ذلك أولى. # وأما التخفيف عن المسافر والمريض فليس تقديما لمقصود النفس على مقصود أصل ~~الدين بل على فروعه، وفروع أصل غير أصل الشيء، ثم وإن كان فمشقة الركعتين ~~في السفر تقوم مقام مشقة الأربع في الحضر، وكذلك صلاة المريض قاعدا بالنسبة ~~إلى صلاته قائما وهو صحيح، فالمقصود لا يختلف. # وأما أداء الصوم فلأنه لا يفوت مطلقا، بل يفوت إلى خلف وهو القضاء، وبه ~~يندفع ما ذكروه من صورة إنقاذ الغريق وترك الجمعة والجماعة لحفظ المال ~~أيضا، وبقاء الذمي بين أظهر المسلمين معصوم الدم والمال ليس لمصلحة ~~المسلمين بل لأجل اطلاعه على محاسن الشريعة وقواعد الدين؛ ليسهل انقياده ~~ويتيسر استرشاده، وذلك من مصلحة الدين لا من مصلحة غيره. # وكما أن مقصود الدين مقدم على غيره من مقاصد الضروريات، فكذلك ما يتعلق ~~به من مقصود النفس يكون مقدما على غيره من المقاصد الضرورية. # أما بالنظر إلى حفظ النسب؛ فلأن حفظ النسب إنما كان مقصودا لأجل حفظ ~~الولد حتى لا يبقى ضائعا لا مربي له، فلم يكن مطلوبا لعينه (بل لإفضائه إلى ~~النفس، وأما بالنظر إلى المال، فلهذا المعنى أيضا فإنه فلم يكن بقاؤه ~~مطلوبا لعينه) وذاته، بل لأجل بقاء النفس مرفهة منعمة حتى تأتي بوظائف ~~التكاليف وأعباء العبادات. # وأما بالنظر إلى حفظ العقل فمن جهة أن النفس أصل والعقل تبع، فالمحافظة ~~على الأصل أولى، ولأن ما يفضي إلى فوات النفس على تقدير أفضليته يفوتها ~~مطلقا، وما يفضي إلى تفويت العقل كشرب المسكر لا يفضي إلى فواته مطلقا. # PageV04P276 # فالمحافظة بالمنع مما يفضي إلى الفوات مطلقا أولى، وعلى ms954 هذا أيضا يكون ~~المقصود في حفظ النسب أولى من المقصود في حفظ العقل والمال لكونه عائدا إلى ~~حفظ النفس، وما يفضي إلى حفظ العقل مقدم على ما يفضي إلى حفظ المال؛ لكونه ~~مركب الأمانة وملاك التكليف ومطلوبا للعبادة بنفسه من غير واسطة ولا كذلك ~~المال، ولهذا كانت هذه الرتب مختلفة في العقوبات المرتبة عليها على نحو ~~اختلافها في أنفسها، وبمثل تفاوت هذه الرتب يكون التفاوت بين مكملاتها. # الثامن عشر: أن يكون الوصف الجامع في أحد القياسين نفس علة حكم الأصل ~~والآخر دليل علة الأصل وملازمها، فالذي فيه الجامع نفس العلة أولى لظهورها ~~وركون النفس إليها. # التاسع عشر: أن تكون علة الأصل في أحد القياسين ملائمة وعلة الآخر غريبة، ~~فما علته ملائمة أولى؛ لأنها أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف. # العشرون: أن تكون علة الأصلين منقوضة إلا أنه قد ظهر في صورة النقض في ~~أحدهما ما يمكن عليه إحالة النقض من وجود مانع أو فوات شرط بخلاف الأخرى، ~~فهي أولى؛ لأنها أغلب على الظن. # الحادي والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين قد يتخلف عنها مدلولها في ~~صورة بطريق الاستثناء على خلاف القاعدة العامة والأخرى يتخلف عنها حكمها لا ~~على جهة الاستثناء، فالتي يتخلف عنها حكمها بجهة الاستثناء تكون أولى ~~لقربها إلى الصحة وبعدها عن الخلاف. # الثاني والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين قد خلفها في صورة النقض ما هو ~~أليق بها لكون مناسبتها فيها أشد، كما ذكرناه فيما تقدم، بخلاف الأخرى فهي ~~أولى لتبين عدم إلغائها بخلاف الأخرى. # الثالث والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين لا مزاحم لها في أصلها بخلاف ~~الأخرى، فالتي لا مزاحم لها أولى لأنها أغلب على الظن وأقرب إلى التعدية، ~~وعلى هذا يكون ما رجحانها على مزاحمها أكثر مقدمة أيضا. # PageV04P277 # الرابع والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين مقتضية للإثبات والأخرى ~~مقتضية للنفي، فالنافية تكون أولى؛ لأن مقتضاها يتم على تقدير رجحانها وعلى ~~تقدير مساواتها، ومقتضى المثبتة لا يتم إلا على تقدير رجحانها، وما يتم ~~مطلوبه على تقدير ms955 من تقديرين يكون أغلب على الظن مما لا يتم مطلوبه إلا على ~~تقدير واحد معين. # فإن قيل: إلا أن العلة المثبتة مقتضاها حكم شرعي بالاتفاق بخلاف النافية، ~~وما فائدتها شرعية بالاتفاق تكون أولى. # وأيضا فإنه يجب اعتقاد اختصاص أصل النافية بمعنى لا وجود له في الفرع ~~تقليلا لمخالفة الدليل، كيف وأن ما ذكرتموه من الترجيح للنافية غير مستقيم ~~على رأي من يعتقد التخيير عند تساوي الدليلين المتعارضين، وعلى هذا فيتساوى ~~القدمان. # قلنا: أما كون حكم إحدى العلتين شرعي (1) فلا يرجح به؛ لأن الحكم إنما ~~كان مطلوبا لا لنفسه بل لما يفضي إليه من الحكم به، والشارع كما يود تحصيل ~~الحكمة بواسطة ثبوت الحكم يود تحصيلها بواسطة نفيه. # كيف وأن العلة النافية متأيدة بالنفي الأصلي والمثبتة على خلافه فكانت ~~أولى. # وما قيل من وجوب اعتقاد اختصاص النافية بمعنى في الأصل لا وجود له في ~~الفرع فهو معارض بمثله في المثبتة، وأنه يجب اعتقاد اختصاص أصلها بمعنى لا ~~وجود له في الفرع تقليلا لمخالفة الدليل النافي، وليس أحدهما أولى من ~~الآخر، والتخيير وإن كان مقولا به عند تعارض الدليلين مع التساوي من كل وجه ~~فليس إلا على بعض الآراء الشاذة بالنسبة إلى ما قابله. # كيف وأن الحكم إنما يثبت لما يصلح أن يكون مقصودا، وإثبات الحكم عند ~~التعارض من كل وجه لتحصيل مصلحة على وجه يلزم منه مفسدة مساوية لا يصلح أن ~~يكون مقصودا، فالحكم يكون منتفيا لانتفاء مقصوده. PageV04P278 # الخامس والعشرون: أن تكون حكمة إحدى العلتين قد اختلت احتمالا لمانع أخل ~~بها دون الأخرى، فالتي لا يختل حكمها احتمالا أولى لقربها إلى الظن وبعدها ~~عن الخلل والخلاف. # السادس والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين أفضى إلى تحصيل مقصودها من ~~الأخرى فتكون أولى لزيادة مناسبتها بسبب ذلك. # السابع والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين مشيرة إلى نقيض المطلوب ~~ومناسبة له من وجه بخلاف الأخرى، فما لا تكون مناسبة لنقيض المطلوب تكون ~~أولى لكونها أظهر في إفضائها إلى حكمها وأغلب على الظن وأبعد عن ms956 الاضطراب. # الثامن والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين متضمنة لمقصود يعم جميع ~~المكلفين والأخرى متضمنة لمقصود يرجع إلى آحادهم، فالأولى أولى لعموم ~~فائدتها. # التاسع والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين أكثر شمولا لمواقع الخلاف من ~~الأخرى، فتكون أولى لعموم فائدتها. ### | [الترجيحات العائدة إلى الفرع] # وأما الترجيحات العائدة إلى الفرع فأربعة: # الأول: أن يكون فرع أحد القياسين مشاركا لأصله في عين الحكم وعين العلة، ~~وفرع الآخر مشاركا لأصله في جنس الحكم وجنس العلة، أو جنس الحكم وعين ~~العلة، أو بالعكس، فما المشاركة فيه في عين العلة وعين الحكم أولى؛ لأن ~~التعدية باعتبار الاشتراك في المعنى الأخص والأعم أغلب على الظن من ~~الاشتراك في المعنى الأعم، وعلى هذا فالمعنى فما المشاركة فيه بين الأصل ~~والفرع في عين أحد الأمرين إما الحكم أو العلة، تكون أولى مما المشاركة فيه ~~بين أصله وفرعه في جنس الأمرين، وإن كان فرع أحدهما مشاركا لأصله في عين ~~العلة وجنس الحكم والآخر بعكسه، فما المشاركة فيه في عين العلة وجنس الحكم ~~أولى؛ لأن تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع إنما هي فرع تعدية العلة، فهي ~~الأصل في التعدية وعليها المدار. # الثاني: أن يكون الفرع في أحد القياسين متأخرا عن أصله وفي الآخر متقدما، ~~فما الفرع فيه متأخر أولى لسلامته عن الاضطراب وبعده عن الخلاف وعلمنا ~~بثبوت الحكم فيه بما استنبط من الأصل. # PageV04P279 # الثالث: أن يكون وجود العلة في أحد الفرعين قطعيا وفي الآخر ظنيا، فما ~~وجود العلة فيه قطعي أولى؛ لأنه أغلب على الظن وأبعد عن احتمال القادح فيه. # الرابع: أن يكون حكم الفرع في أحدهما قد ثبت بالنص جملة لا تفصيلا، بخلاف ~~الآخر فإنه يكون أولى؛ لأنه أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف. # وأما الترجيحات العائدة إلى حكم الفرع وإلى أمر خارج فعلى ما أسلفناه في ~~المنقولات. # وقد يتركب مما ذكرناه من الترجيحات ومقابلات بعضها لبعض ترجيحات أخر ~~خارجة عن الحصر لا يخفى إيجادها في مواضعها على من أخذت الفطانة بيده، وقد ~~أشرنا إلى جملة منها في ms957 كتابنا الموسوم بمنتهى السالك في رتب المسالك، ~~فعليك بمراجعته. # وعلى هذا فلا يخفى الترجيح المتعلق بالاستدلالات المتعارضة بالنظر إلى ~~ذواتها وطرق إثباتها. # وأما التعارض الواقع بين المنقول والمعقول: فالمنقول إما أن يكون خاصا، ~~وإما عاما. # فإن كان خاصا: فإما أن يكون دالا بمنظومه، أو لا بمنظومه. # فإن كان الأول فهو أولى؛ لكونه أصلا بالنسبة إلى الرأي وقلة تطرق الخلل ~~إليه. # وإن كان الثاني فمنه ما هو ضعيف جدا، ومنه ما هو قوي جدا، ومنه ما هو ~~متوسط بين الرتبتين، والترجيح إذ ذاك يكون على حسب ما يقع في نفس من قوة ~~الدلالة وضعفها، وذلك مما لا ينضبط ولا حاصر له بحيث تمكن الإشارة إليه في ~~هذا الكتاب، وإنما هو موكول إلى الناظرين في آحاد الصور التي لا حصر لها. # وأما إن كان المنقول عاما، فقد قيل بتقديم القياس عليه، وقيل بتقديم ~~العموم، وقيل بالتوقف، وقيل بتقديم على جلي (1) القياس دون خفيه. # وقيل: يتقدم القياس على ما دخله التخصيص دون ما لم يدخله. # والمختار إنما هو تقديم القياس، وسواء كان جليا أو خفيا؛ لأنه يلزم من ~~العمل بعموم العام إبطال دلالة القياس مطلقا ولا يلزم من العمل بالقياس ~~إبطال العام مطلقا، بل غاية ما يلزم منه تخصيصه وتأويله. PageV04P280 # ولا يخفى أن الجمع بين الدليلين على وجه يلزم منه تأويل أحدهما أولى من ~~العمل بأحدهما وإبطال الآخر، ولأن القياس يتناول المتنازع فيه بخصوصه ~~والمنقول يتناوله بعمومه، والخاص أقوى من العام. # فإن قيل: إلا أن العموم أصل والقياس فرع والأصل مقدم على الفرع. # وأيضا فإن تطرق الخلل إلى العموم أقل من تطرقه إلى القياس، على ما سبق ~~تقريره، فكان أولى. # قلنا: أما الأول فإنما يلزم أن لو كان ما قيل بتقديم القياس عليه هو أصل ~~ذلك القياس، وليس كذلك، بل جاز أن يكون فرعا لغيره. # فإن قيل: وإن لم يكن فرعا لذلك العام بعينه فهو فرع بالنسبة إلى ما هو من ~~جنسه. # قلنا: إلا أن ذلك لا يمنع من تخصيص العموم بالقياس، وإلا ms958 لما جاز تخصيص ~~عموم الكتاب بخبر الواحد لكونه فرعا بالنسبة إلى ما هو من جنسه، وهو ممتنع ~~على ما سبق. # وما ذكروه من الترجيح الثاني فهو معارض بمثله، فإن العام يحتمل أن يكون ~~غير ظاهر في العموم، وإن كان ظاهرا فيحتمل الخصوص، واحتمال ذلك في الشرع ~~أغلب من احتمال الغلط من المتبحر على ما لا يخفى. # ولهذا قيل: إنه ما من عام إلا وهو مخصوص إلا في قوله تعالى: {والله بكل ~~شيء عليم} ولا كذلك القياس. # PageV04P281 ### | [الباب الثاني في الترجيحات الواقعة بين الحدود الموصلة إلى المعاني المفردة التصورية] # الباب الثاني # في الترجيحات الواقعة بين الحدود الموصلة إلى المعاني المفردة التصورية # واعلم أن الحدود على اختلاف أنواعها منقسمة إلى عقلية وسمعية، كانقسام ~~الحجج، غير أن ما هو متعلق غرضنا هاهنا إنما هو السمعية. # ومن السمعية ما كان ظنيا، وعند تعارض الحدين السمعيين فقد يقع الترجيح ~~بينهما من وجوه: # الأول: أن يكون أحدهما مشتملا على ألفاظ صريحة ناصة على الغرض المطلوب من ~~غير تجوز ولا استعادة ولا اشتراك ولا غرابة ولا اضطراب ولا ملازمة، بل ~~بطريق المطابقة أو التضمن (1) بخلاف الآخر، فهو أولى لكونه أقرب إلى الفهم ~~وأبعد عن الخلل والاضطراب. # الثاني: أن يكون المعروف في أحدهما أعرف من المعرف في الآخر، فهو أولى ~~لكونه أفضى إلى التعريف. # الثالث: أن يكون أحدهما معرفا بالأمور الذاتية والآخر بالأمور العرضية ~~(2) ، فالمعرف بالأمور الذاتية أولى؛ لأنه مشارك للمعرف بالأمور العرضية في ~~التمييز ومرجح عليه بتصوير معنى المحدود. # الرابع: أن يكون أحد الحدين أعم من الآخر، فقد يمكن أن يقال: الأعم أولى ~~لتناوله محدود الآخر وزيادة، وما كان أكثر فائدة، فقد يمكن أن يقال بأن ~~الأخص أولى؛ نظرا إلى أن مدلوله متفق عليه ومدلول الآخر من الزيادة مختلف ~~فيه، وما مدلوله متفق عليه أولى. PageV04P282 # الخامس: أن يكون أحدهما قد أتي فيه بجميع ذاتياته والآخر ببعضها مع ~~التمييز، فالأول يكون أولى؛ لأنه أشد تعريفا. # السادس: أن يكون أحدهما النقل السمعي والآخر على خلافه، فالموافق يكون ~~أولى لبعده ms959 عن الخلل، ولأنه أغلب على الظن. # السابع: أن يكون طريق اكتساب أحدهما أرجح من طريق اكتساب الآخر، فهو ~~أولى؛ لأنه أغلب على الظن. # الثامن: أن يكون أحدهما موافقا للوضع اللغوي والآخر على خلافه، أو أنه ~~أقرب إلى موافقته والآخر أبعد، فالموافق أو ما هو أكثر موافقة للوضع اللغوي ~~يكون أولى؛ لأن الأصل إنما هو التقرير دون التغيير لكونه أقرب إلى الفهم ~~وأسرع إلى الانقياد، ولهذا كان التقرير هو الغالب، وكان متفقا عليه بخلاف ~~التغيير فكان أولى. # التاسع: أن يكون أحدهما مما قد ذهب إلى العمل به أهل المدينة أو الخلفاء ~~الراشدون أو جماعة من الأمة أو واحد من المشاهير بالاجتهاد والعدالة والثقة ~~بما يقول، بخلاف الآخر فهو أولى لكونه أغلب على الظن وأقرب إلى الانقياد. # العاشر: أن يلزم من العمل بأحدهما تقرير حكم الحظر والآخر تقرير الوجوب ~~أو الكراهة أو الندب، فما يلزم منه تقرير الحظر أولى لما قدمناه في الحجج. # الحادي عشر: أن يلزم من أحدهما تقرير حكم النفي والآخر الإثبات، فالمقرر ~~للنفي أولى لما سبق في الحجج. # الثاني عشر: أن يلزم من أحدهما تقرير حكم معقول ومن الآخر حكم غير معقول، ~~فما يلزم منه تقرير حكم معقول أولى لما سبق في الحجج. # الثالث عشر: أن يلزم من أحدهما درء الحد والعقوبة ومن الآخر إثباته، ~~فالدارئ للحد أولى لما سبق أيضا. # PageV04P283 # الرابع عشر: أن يكون أحدهما يلازمه الحرية أو الطلاق، والآخر يلازمه الرق ~~أو إبقاء النكاح، فالحكم فيه ما سبق في الحجج. # وقد يتشعب من تقابل هذه الترجيحات ترجيحات أخرى كثيرة خارجة عن الحصر لا ~~تخفى على متأملها. # وهذا آخر ما أردناه ونهاية ما رتبناه. # اللهم! فكما ألهمت بإنشائه وأعنت على إنهائه، فاجعله نافعا في الدنيا ~~وذخيرة صالحة في الأخرى، واختم بالسعادة آجالنا، وحقق بالزيادة آمالنا، ~~واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى حصنك مصيرنا ومآلنا، وتقبل بفضلك ~~أعمالنا إنك مجيب الدعوات، ومفيض الخيرات، والحمد الله رب العالمين، وصلى ~~الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم ms960 إلى يوم ~~الدين. PageV04P284 ms961