######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000149 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الآمدي #META# 010.AuthorNAME :: علي بن محمد الآمدي أبو الحسن #META# 011.AuthorBORN :: 551 #META# 011.AuthorDIED :: 631 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الإحكام في أصول الأحكام #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه :: الفقه وأصوله :: الكتب الجامعة لأصول الفقه :: كتب أصول الفقه الإسلامي #META# 022.BookVOLS :: 4*2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الإحكام للآمدي #META# 030.LibURI :: JK_000149 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. سيد الجميلي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتاب العربي #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1404 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | القاعدة الأولى في تحقيق مفهوم أصول الفقه # وتعريف موضوعه وغايته وما فيه من البحث عنه من مسائله وما منه استمداده ~~وتصوير مباديه وما لا بد من سبق معرفته قبل الخوض فيه فنقول حق على كل من ~~حاول تحصيل علم من العلوم أن يتصور معناه أولا بالحد أو الرسم ليكون على ~~بصيرة فيما يطلبه وأن يعرف موضوعه وهو الشيء الذي يبحث في ذلك العلم عن ~~أحواله العارضة له تمييزا له عن غيره وما هو الغاية المقصودة من تحصيله حتى ~~لا يكون سعيه عبثا وما عنه البحث فيه من الأحوال التي هي مسائله لتصور ~~طلبها وما منه استمداده لصحة إسناده عند روم تحقيقه إليه وأن يتصور مباديه ~~التي لا بد من سبق معرفتها فيه لإمكان البناء عليها PageV01P021 # أما مفهوم أصول الفقه فنقول اعلم أن قول القائل أصول الفقه قول مؤلف من ~~مضاف هو الأصول ومضاف إليه هو الفقه ولن نعرف المضاف قبل معرفة المضاف إليه ~~فلا جرم أنه يجب تعريف معنى الفقه أولا ثم معنى الأصول ثانيا # أما الفقه ففي اللغة عبارة عن الفهم ومنه قوله تعالى @QB@ ما نفقه كثيرا ~~مما تقول @QE@ 11 هود 91 ) أي لا نفهم وقوله تعالى @QB@ ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم @QE@ 17 الإسراء 44 ) أي لا تفهمون وتقول العرب فقهت كلامك أي ~~فهمته # وقيل هو العلم والأشبه أن الفهم مغاير للعلم إذ الفهم عبارة عن جودة ~~الذهن من جهة تهيئه لاقتناص كل ما يرد عليه من المطالب وإن لم يكن المتصف ~~به عالما كالعامي الفطن # وأما العلم فسيأتي تحقيقه عن قريب # وعلى هذا فكل عالم فهم وليس كل فهم عالما # وفي عرف المتشرعين الفقه مخصوص بالعلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية ~~الفروعية بالنظر والاستدلال # فالعلم احتراز عن الظن بالأحكام الشرعية فإنه وإن تجوز بإطلاق اسم الفقه ~~عليه في العرف العامي فليس فقها في العرف اللغوي والأصولي بل الفقه العلم ~~بها أو العلم بالعمل بها بناء على الإدراك القطعي وإن كانت ظنية في نفسها # وقولنا بجملة من الأحكام الشرعية احتراز ms001 عن العلم بالحكم الواحد أو ~~الاثنين لا غير فإنه لا يسمى في عرفهم فقها # وإنما لم نقل بالأحكام لأن ذلك يشعر بكون الفقه هو العلم بجملة الأحكام # ويلزم منه أن لا يكون العلم بما دون ذلك فقها وليس كذلك # وقولنا الشرعية احتراز عما ليس بشرعي كالأمور العقلية والحسية # وقولنا الفروعية احتراز عن العلم بكون أنواع الأدلة حججا فإنه ليس ~~PageV01P022 فقها في العرف الأصولي وإن كان المعلوم حكما شرعيا نظريا لكونه ~~غير فروعي # وقولنا بالنظر والاستدلال احتراز عن علم الله تعالى بذلك وعلم جبريل ~~والنبي عليه السلام فيما علمه بالوحي فإن علمهم بذلك لا يكون فقها في العرف ~~الأصولي إذ ليس طريق العلم في حقهم بذلك النظر والاستدلال # وأما أصول الفقه فاعلم أن أصل كل شيء هو ما يستند تحقيق ذلك الشيء إليه # فأصول الفقه هي أدلة الفقه وجهات دلالاتها على الأحكام الشرعية وكيفية ~~حال المستدل بها من جهة الجملة لا من جهة التفصيل بخلاف الأدلة الخاصة ~~المستعملة في آحاد المسائل الخاصة # وأما موضوع أصول الفقه فاعلم أن موضوع كل علم هو الشيء الذي يبحث في ذلك ~~العلم عن أحواله العارضة لذاته # ولما كانت مباحث الأصوليين في علم الأصول لا تخرج عن أحوال الأدلة ~~الموصلة إلى الأحكام الشرعية المبحوث عنها فيه وأقسامها واختلاف مراتبها ~~وكيفية استثمار الأحكام الشرعية عنها على وجه كلي كانت هي موضوع علم الأصول ~~PageV01P023 وأما غاية علم الأصول فالوصول إلى معرفة الأحكام الشرعية التي ~~هي مناط السعادة الدنيوية والأخروية # وأما مسائله فهي أحوال الأدلة المبحوث عنها فيه مما عرفناه # وأما ما منه استمداده فعلم الكلام والعربية والأحكام الشرعية أما علم ~~الكلام فلتوقف العلم بكون أدلة الأحكام مفيدة لها شرعا على معرفة الله ~~تعالى وصفاته وصدق رسوله فيما جاء به وغير ذلك مما لا يعرف في غير علم ~~الكلام # وأما علم العربية فلتوقف معرفة دلالات الأدلة اللفظية من الكتاب والسنة ~~وأقوال أهل الحل والعقد من الأمة على معرفة موضوعاتها لغة من جهة الحقيقة ~~والمجاز والعموم والخصوص والإطلاق والتقييد والحذف ms002 والإضمار والمنطوق ~~والمفهوم والاقتضاء والإشارة والتنبيه والإيماء وغيره مما لا يعرف في غير ~~علم العربية # وأما الأحكام الشرعية فمن جهة أن الناظر في هذا العلم إنما ينظر في أدلة ~~الأحكام الشرعية فلا بد أن يكون عالما بحقائق الأحكام ليتصور القصد إلى ~~إثباتها ونفيها وأن يتمكن بذلك من إيضاح المسائل بضرب الأمثلة وكثرة ~~الشواهد ويتأهل بالبحث فيها للنظر والاستدلال # ولا نقول إن استمداده من وجود هذه الأحكام ونفيها في آحاد المسائل فإنها ~~من هذه الجهة لأثبت لها بغير أدلتها فلو توقفت الأدلة على معرفتها من هذه ~~الجهة كان دورا ممتنعا # وأما مبادئه فاعلم أن مبادىء كل علم هي التصورات والتصديقات المسلمة في ~~ذلك العلم وهي غير مبرهنة فيه لتوقف مسائل ذلك العلم PageV01P024 عليها # وسواء كانت مسلمة في نفسها كمبادىء العلم الأعلى أو غير مسلمة في نفسها ~~بل مقبولة على سبيل المصادرة أو الوضع على أن تبرهن في علم أعلى من ذلك ~~العلم وما هذه المبادىء في علم الأصول فنقول قد عرف أن استمداد علم أصول ~~الفقه إنما هو من علم الكلام والعربية والأحكام الشرعية # فمبادئه غير خارجة عن هذه الأقسام الثلاثة فلنرسم في كل مبدإ قسما ~~PageV01P025 PageV01P026 # | القسم الأول في المبادىء الكلامية # فنقول اعلم أنه لما كانت أصول الفقه هي أدلة الفقه وكان الكلام فيها مما ~~يحوج إلى معرفة الدليل وانقسامه إلى ما يفيد العلم أو الظن وكان ذلك مما لا ~~يتم دون النظر دعت الحاجة إلى تعريف معنى الدليل والنظر والعلم والظن من ~~جهة التحديد والتصوير لا غير # أما الدليل فقد يطلق في اللغة بمعنى الدال وهو الناصب للدليل # وقيل هو الذاكر للدليل وقد يطلق على ما فيه دلالة وإرشاد # وهذا هو المسمى دليلا في عرف الفقهاء وسواء كان موصلا إلى علم أو ظن # والأصوليون يفرقون بين ما أوصل إلى العلم وما أوصل إلى الظن فيخصون اسم ~~الدليل بما أوصل إلى العلم واسم الأمارة بما أوصل إلى الظن # وعلى هذا فحده على أصول الفقهاء أنه الذي يمكن أن يتوصل بصحيح النظر ms003 فيه ~~إلى مطلوب خبري # فالقيد الأول احتراز عما لم يتوصل به إلى المطلوب لعدم النظر فيه ~~PageV01P027 فإنه لا يخرج بذلك عن كونه دليلا لما كان التوصل به ممكنا # والقيد الثاني احتراز عما إذا كان الناظر في الدليل بنظر فاسد # والثالث احتراز عن الحد الموصل إلى العلم التصوري # وهو عام للقاطع والظني # وأما حده على العرف الأصولي فهو ما يمكن التوصل به إلى العلم بمطلوب خبري ~~وهو منقسم إلى عقلي محض وسمعي محض ومركب من الأمرين # فالأول كقولنا في الدلالة على حدوث العالم العالم مؤلف وكل مؤلف حادث ~~فيلزم عنه العالم حادث # والثاني كالنصوص من الكتاب والسنة والإجماع والقياس كما يأتي تحقيقه # والثالث كقولنا في الدلالة على تحريم النبيذ النبيذ مسكر وكل مسكر حرام ~~لقوله عليه السلام كل مسكر حرام فيلزم عنه النبيذ حرام # وأما النظر فإنه قد يطلق في اللغة بمعنى الانتظار وبمعنى الرؤية بالعين ~~والرأفة والرحمة والمقابلة والتفكر والاعتبار # وهذا الاعتبار الأخير هو بالمسمى بالنظر في عرف المتكلمين # وقد قال القاضي أبو بكر في حده هو الفكر الذي يطلب به من قام به علما أو ~~ظنا # وقد احترز بقوله يطلب به عن الحياة وسائر الصفات المشروطة بالحياة فإنها ~~لا يطلب بها ذلك وإن كان من قامت به يطلبه # وقصد بقوله علما أو ظنا التعميم للعلم والظن ليكون الحد جامعا وهو حسن ~~غير أنه يمكن أن يعبر عنه بعبارة أخرى لا يتجه عليها من الإشكالات ما قد ~~يتجه على عبارة PageV01P028 القاضي على ما بيناه في أبكار الأفكار وهو أن ~~يقال النظر عبارة عن التصرف بالعقل في الأمور السابقة بالعلم والظن ~~للمناسبة للمطلوب بتأليف خاص قصدا لتحصيل ما ليس حاصلا في العقل وهو عام ~~للنظر المتضمن للتصور والتصديق والقاطع والظني وهو منقسم إلى ما وقف الناظر ~~فيه على وجه دلالة الدليل على المطلوب فيكون صحيحا وإلى ما ليس كذلك فيكون ~~فاسدا # وشرط وجوده مطلقا وانتفاء أضداده من النوم والغفلة والموت وحصول العلم ~~بالمطلوب وغير ذلك # وأما العلم فقد اختلف المتكلمون في ms004 تحديده فمنهم من زعم أنه لا سبيل إلى ~~تحديده لكن اختلف هؤلاء فمنهم من قال بيان طريق تعريفه إنما هو بالقسمة ~~والمثال كإمام الحرمين والغزالي وهو غير سديد # فإن القسمة إن لم تكن مفيدة لتمييزه عما سواه فليست معرفة له وإن كانت ~~مميزة له عما سواه # فلا معنى للتحديد بالرسم سوى هذا # ومنهم من زعم أن العلم بالعلم ضروري غير نظري لأن كل ما سوى العلم لا ~~يعلم إلا بالعلم فلو علم بالغير كان دورا ولأن كل أحد يعلم وجود نفسه ضرورة ~~والعلم أحد تصورات هذا التصديق فكان ضروريا # وهو أيضا غير سديد # أما الوجه الأول فلأن جهة توقف غير العلم على العلم من جهة كون العلم ~~إدراكا له وتوقف العلم على الغير لا من جهة كون ذلك الغير إدراكا للعلم بل ~~من جهة كونه صفة مميزة له عما سواه # ومع اختلاف جهة التوقف فلا دور # وأما الوجه الثاني فهو مبني على أن تصورات القضية الضرورية لا بد وأن ~~تكون ضرورية وليس كذلك لأن القضية الضرورية هي التي يصدق العقل بها بعد ~~تصور مفرداتها من غير توقف بعد تصور المفردات على نظر واستدلال وسواء كانت ~~التصورات ضرورية أو نظرية # ومنهم من سلك في تعريفة التحديد # وقد ذكر في ذلك حدود كثيرة PageV01P029 أبطلناها في أبكار الأفكار ~~والمختار في ذلك أن يقال العلم عبارة عن صفة يحصل بها لنفس المتصف بها ~~التميز بين حقائق المعاني الكلية حصولا لا يتطرق إليه احتمال نقيضه # فقولنا صفة كالجنس له ولغيره من الصفات # وقولنا يحصل بها التميز احتراز عن الحياة وسائر الصفات المشروطة بالحياة # وقولنا بين حقائق الكليات احتراز عن الإدراكات الجزئية فإنها إنما تميز ~~بين المحسوسات الجزئية دون الأمور الكلية # وإن سلكنا مذهب الشيخ أبي الحسن في أن الإدراكات نوع من العلم لم نحتج ~~إلى التقييد بالكليات # وهو منقسم إلى قديم لا أول لوجوده وإلى حادث بعد العدم # والحادث ينقسم إلى ضروري وهو العلم الحادث الذي لا قدرة للمكلف على ~~تحصيله بنظر واستدلال # فقولنا العلم ms005 الحادث احتراز عن علم الله تعالى # وقولنا لا قدرة للمكلف على تحصيله بنظر واستدلال احتراز عن العلم النظري ~~والنظري هو العلم الذي تضمنه الصحيح # وأما الظن فعبارة عن ترجح أحد الاحتمالين في النفس على الآخرة من غير ~~القطع PageV01P030 # | القسم الثاني في المبادىء اللغوية # كنا بينا فيما تقدم وجه استمداد الأصول من اللغة فلا بد من تعريف ~~المبادىء المأخوذة منها # ولنقدم على ذلك مقدمة فنقول اعلم أنه لما كان نوع الإنسان أشرف موجود في ~~عالم السفليات لكونه مخلوقا لمعرفة الله تعالى التي هي أجل المطلوبات وأسنى ~~المرغوبات بما خصه الله به من العقل الذي به إدراك المعقولات والمميز بين ~~حقائق الموجودات على ما قال عليه السلام حكاية عن ربه كنت كنزا لم أعرف ~~فخلقت خلقا لأعرف به # ولما كان هذا المقصود لا يتم دون الاطلاع على المقدمات النظرية المستندة ~~إلى القضايا الضرورية المتوسل بها إلى مطلوباته وتحقيق ما جاء به وكان كل ~~واحد لا يستقل بتحصيل معارفه بنفسه وحده دون معين ومساعد له من نوعه دعت ~~الحاجة إلى نصب دلائل يتوصل بها كل واحد إلى معرفة ما في ضمير الآخر من ~~المعلومات المعينة له في تحقيق غرضه # وأخف ما يكون من ذلك ما كان من الأفعال الاختيارية وأخف من ذلك ما كان ~~منها لا يفتقر إلى الآلات والأدوات ولا فيه ضرر الازدحام ولا بقاء له مع ~~الاستغناء PageV01P031 عنه وهو مقدور عليه في كل الأوقات من غير مشقة ولا ~~نصب # وذلك هو ما يتركب من المقاطع الصوتية التي خص بها نوع الإنسان دون سائر ~~أنواع الحيوان عناية من الله تعالى به # ومن اختلاف تركيبات المقاطع الصوتية حدثت الدلائل الكلامية والعبارات ~~اللغوية # وهي إما أن لا تكون موضوعة لمعنى أو هي موضوعة # والقسم الأول مهمل لا اعتبار به والثاني يستدعي النظر في أنواعه وابتداء ~~وضعه وطريق معرفته # فهذان أصلان لا بد من النظر فيهما PageV01P032 # # | الأصل الأول في أنواعه وهي نوعان # وذلك لأنه إما أن يكون اللفظ الدال بالوضع مفردا أو مركبا الأول في ms006 ~~المفرد وفيه ستة فصول PageV01P033 PageV01P034 # # | الفصل الأول في حقيقته # أما حقيقته فهو ما دل بالوضع على معنى ولا جزء له يدل على شيء أصلا كلفظ ~~الإنسان فإن إن من قولنا إنسان وإن دلت على الشرطية فليست إذ ذاك جزءا من ~~لفظ الإنسان وحيث كانت جزءا من لفظ الإنسان لم تكن شرطية لأن دلالات ~~الألفاظ ليست لذواتها بل هي تابعة لقصد المتكلم وإرادته # ونعلم أن المتكلم حيث جعل إن شرطية لم يقصد جعلها غير شرطية # وعلى هذا فعبد الله إن جعل علما على شخص كان مفردا وإن قصد به النسبة إلى ~~الله تعالى بالعبودية كان مركبا لدلالة أجزائه على أجزاء معناه PageV01P035 # # | الفصل الثاني في أقسام دلالته # وهو إما أن تكون دلالته لفظية أو غير لفظية # واللفظية إما أن تعتبر بالنسبة إلى كمال المعنى الموضوع له اللفظ أو إلى ~~بعضه فالأول دلالة المطابقة كدلالة لفظ الإنسان على معناه # والثاني دلالة التضمن كدلالة لفظ الإنسان على ما في معناه من الحيوان أو ~~الناطق # والمطابقة أعم من التضمن لجواز أن يكون المدلول بسيطا لا جزء له # وأما غير اللفظية فهي دلالة الالتزام وهي أن يكون اللفظ له معنى وذلك ~~المعنى له لازم من خارج فعند فهم مدلول اللفظ من اللفظ ينتقل الذهن من ~~مدلول اللفظ إلى لازمه ولو قدر عدم هذا الانتقال الذهني لما كان ذلك اللازم ~~مفهوما # ودلالة الالتزام وإن شاركت دلالة التضمن في افتقارهما إلى نظر عقلي يعرف ~~اللازم في الالتزام والجزء في دلالة التضمن غير أنه في التضمن لتعريف كون ~~الجزء داخلا في مدلول اللفظ وفي الالتزام لتعريف كونه PageV01P036 خارجا عن ~~مدلول اللفظ # فلذلك كانت دلالة التضمن لفظية بخلاف دلالة الالتزام # ودلالة الالتزام مساوية لدلالة المطابقة ضرورة امتناع خلو مدلول اللفظ ~~المطابق عن لازم وأعم من دلالة التضمن لجواز أن يكون اللازم لما لا جزء له ~~PageV01P037 # | الفصل الثالث في أقسام المفرد # وهو إما أن يصح جعله أحد جزأي القضية الخبرية التي هي ذات جزأين فقط أو ~~لا يصح # فإن كان الأول فإما ms007 أن يصح تركب القضية الخبرية من جنسه أو لا يصح فإن ~~كان الأول فهو الاسم وإن كان الثاني فهو الفعل # وأما تقسيم القسم الأول فهو الحرف # ولا يلزم على ما ذكرناه الأسماء النواقص كالذي والتي والمضمرات كهو وهي ~~حيث إنه لا يمكن جعلها أحد جزأي القضية الخبرية عند تجردها ولا تركب القضية ~~الخبرية منها لأنها وإن تعذر ذلك فيها عند تجردها فالنواقص عند تعينها ~~بالصلة لا يمتنع ذلك منها وكذلك المضمرات عند إضافتها إلى المظهرات بخلاف ~~الحروف PageV01P038 # | الفصل الرابع في الاسم # وهو ما دل على معنى في نفسه ولا يلزم منه الزمان الخارج عن معناه لبنيته # ثم لا يخلو إما أن يكون واحدا أو متعددا فإن كان واحدا فمسماه إما أن ~~يكون واحدا أو متعددا فإن كان واحدا فمفهومه منقسم على وجوه # القسمة الأولى أنه إما أن يكون بحيث يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون أو لا ~~يصح # فإن كان الأول فهو كلي وسواء وقعت فيه الشركة بالفعل إما بين أشخاص ~~متناهية كاسم الكوكب أو غير متناهية كاسم الإنسان أو لم تقع إما لمانع من ~~خارج كاسم العالم والشمس والقمر أو بحكم الاتفاق كاسم عناق مغرب أو جبل من ~~ذهب # وهو إما أن يكون صفة أو لا يكون صفة # والصفة كالعالم والقادر # وما ليس بصفة إما أن يكون عينا كالإنسان والفرس # وإما معنى كالعلم والجهل # وما كان من هذه الأسماء لا اختلاف في مدلوله بشدة ولا ضعف ولا تقدم وتأخر # فهو المتواطىء كلفظ الإنسان والفرس وإلا فمشكك كلفظ الوجود والأبيض وعلى ~~كل تقدير إما أن يكون ذاتيا للمشتركات فيه أو عرضيا # فإن كان ذاتيا فالمشتركات فيه إما أن تكون مختلفة بالذوات أو بالعرض فإن ~~كان الأول فإما أن يقال عليها في جواب ما هي فهو الجنس أولا PageV01P039 ~~يقال كذلك فهو ذاتي مشترك إما جنس جنس أو فصل جنس # وإن كانت مختلفة بالعرض فإما أن يقال عليها في جواب ما أو لا # والأول هو النوع والثاني هو فصل النوع # وإن كان ms008 عرضيا فإن كانت المشتركات مختلفة بالذوات فهو العرض العام وإلا ~~فهو الخاصة # وأما إن كان مفهومه غير صالح لاشتراك كثيرين فيه فهو الجزئي وهو إما أن ~~لا يكون فيه تأليف أو فيه # والأول إما أن لا يكون مرتجلا أو هو مرتجل فإن لم يكن مرتجلا فإما أن لا ~~يكون منقولا كزيد وعمرو أو هو منقول # والمنقول إما عن اسم أو فعل أو صوت # فإن كان الأول فإما عن اسم عين كأسد وعقاب أو اسم معنى كفضل أو اسم صفة ~~كحاتم وإن كان الثاني فإما عن ماض كشمر أو مضارع كتغلب أو فعل أمر كاصمت ~~وإن كان الثالث كببه # وإن كان مرتجلا وهو أن لا يكون بينه وبين ما نقل عنه مناسبة كحمدان # وإن كان مؤلفا فإما من اسمين مضافين كعبد الله أو غير مضافين وأحدهما ~~عامل في الآخر أو غير عامل # والأول كتسمية بعض الناس زيد منطلق والثاني كبعلبك وحضرموت وإما من فعلين ~~كقام قعد وإما من حرفين كتسميته إنما وإما من اسم وفعل نحو تأبط شرا وإما ~~من حرف واسم كتسميته بزيد وإما من فعل وحرف كتسميته قام علي PageV01P040 ~~وأما إن كان الاسم واحدا والمسمى مختلفا فإما أن يكون موضوعا على الكل ~~حقيقة بالوضع الأول أو هو مستعار في بعضها # فإن كان الأول فهو المشترك وسواء كانت المسميات متباينة كالجون للسواد ~~والبياض أو غير متباينة كما إذا أطلقنا اسم الأسود على شخص من الأشخاص ~~بطريق العلمية وأطلقناه عليه بطريق الاشتقاق من السواد القائم به فإن ~~مدلوله عند كونه علما إنما هو ذات الشخص ومدلوله عند كونه مشتقا الذات مع ~~الصفة وهي السواد # فالذات التي هي مدلول العلم جزء من مدلول اللفظ المشتق ومدلول اللفظ ~~المشتق وصف لمدلول العلم وإن كان الثاني فهو المجازي # وأما إن كان الاسم متعددا فإما أن يكون المسمى متحدا أو متعددا فإن كان ~~متحدا فتلك هي الأسماء المترادفة كالبهتر والبحتر للقصير وإن كان المسمى ~~متعددا فتلك هي الأسماء المتباينة كالإنسان والفرس # # | مسائل هذه القسمة ثلاث ms009 # # | المسألة الأولى # اختلف الناس في اللفظ المشترك هل له وجود في اللغة # فأثبته قوم ونفاه آخرون # والمختار جوازه ووقوعه # أما الجواز العقلي فهو أنه لا يمتنع عقلا أن يضع واحد من أهل اللغة لفظا ~~واحدا على معنيين مختلفين بالوضع الأول على طريق البدل ويوافقه عليه ~~PageV01P041 الباقون أو أن يتفق وضع إحدى القبيلتين للاسم على معنى حقيقة ~~ووضع الأخرى له بإزاء معنى آخر من غير شعور لكل واحدة بما وضعته الأخرى # ثم يشتهر الوضعان ويخفى سببه وهو الأشبه # ولو قدر ذلك لما لزم من فرض وقوعه محال عقلا # كيف وأن وضع اللفظ تابع لغرض الواضع والواضع كما أنه قد يقصد تعريف الشيء ~~لغيره مفصلا فقد يقصد تعريفه مجملا غير مفصل إما لأنه علمه كذلك ولم يعلمه ~~مفصلا أو لمحذور يتعلق بالتفصيل دون الإجمال فلا يبعد لهذه الفائدة منهم ~~وضع لفظ يدل عليه من غير تفصيل # وأما بيان الوقوع فقد قال قوم إنه لو لم تكن الألفاظ المشتركة واقعة في ~~اللغة مع أن المسميات غير متناهية والأسماء متناهية ضرورة تركبها من الحروف ~~المتناهية خلت أكثر المسميات عن الألفاظ الدالة عليها مع دعو الحاجة إليها ~~وهو ممتنع وغير سديد من حيث إن الأسماء وإن كانت مركبة من الحروف المتناهية ~~فلا يلزم أن تكون متناهية إلا أن يكون ما يحصل من تضاعيف التركيبات متناهية ~~وهو غير مسلم # وإن كانت الأسماء متناهية فلا نسلم أن المسميات المتضادة والمختلفة وهي ~~التي يكون اللفظ مشتركا بالنسبة إليها غير متناهية وإن كانت غير متناهية ~~غير أن وضع الأسماء على مسمياتها مشروط بكون كل واحد من المسميات مقصودا ~~بالوضع وما لا نهاية له مما يستحيل فيه ذلك ولئن سلمنا أنه غير ممتنع ولكن ~~لا يلزم من ذلك الوضع # ولهذا فإن كثيرا من المعاني لم تضع العرب بإزائها ألفاظا تدل عليها لا ~~بطريق الاشتراك ولا التفصيل كأنواع الروائح وكثير من الصفات # وقال أبو الحسين البصري أطلق أهل اللغة اسم القرء على الطهر والحيض وهما ~~ضدان # فدل على وقوع الاسم المشترك ms010 في اللغة PageV01P042 # ولقائل أن يقول القول بكونه مشتركا غير منقول عن أهل الوضع بل غاية ~~المنقول اتحاد الاسم وتعدد المسمى # ولعله أطلق عليهما باعتبار معنى واحد مشترك بينهما لا باعتبار اختلاف ~~حقيقتهما أو أنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر وإن خفي موضع الحقيقة ~~والمجاز # وهذا هو الأولى # أما بالنظر إلى الاحتمال الأول فلما فيه من نفي التجوز والاشتراك وأما ~~بالنظر إلى الاحتمال الثاني فلأن التجوز أولى من الاشتراك كما يأتي في ~~موضعه # والأقرب في ذلك أن يقال اتفق إجماع الكل على إطلاق اسم الموجود على ~~القديم والحادث حقيقة # ولو كان مجازا في أحدهما لصح نفيه إذ هو أمارة المجاز وهو ممتنع # وعند ذلك فإما أن يكون اسم الموجود دالا على ذات الرب تعالى أو على صفة ~~زائدة على ذاته فإن كان الأول فلا يخفى أن ذات الرب تعالى مخالفة بذاتها ~~لما سواها من الموجودات الحادثة وإلا لوجب الاشتراك بينها وبين ما شاركها ~~في معناها في الوجوب ضرورة التساوي في مفهوم الذات وهو محال # وإن كان مدلول اسم الوجود صفة زائدة على PageV01P043 ذات الرب تعالى فإما ~~أن يكون المفهوم منه هو المفهوم من اسم الوجود في الحوادث وإما خلافه # والأول يلزم منه أن يكون مسمى الوجود في الممكن واجبا لذاته ضرورة أن ~~وجود الباري تعالى واجب لذاته أو أن يكون وجود الرب ممكنا ضرورة إمكان وجود ~~ما سوى الله تعالى وهو محال # وإن كان الثاني لزم منه الاشتراك وهو المطلوب # فإن قيل المقصود من وضع الألفاظ إنما هو التفاهم وذلك غير متحقق مع ~~الاشتراك من حيث إن فهم المدلول منه ضرورة تساوي النسبة غير معلوم من اللفظ ~~والقرائن فقد تظهر وقد تخفى # وبتقدير خفائها يختل المقصود من الوضع وهو الفهم # قلنا وإن اختل فهم التفصيل على ما ذكروه فلا يختل معه الفهم في جهة ~~الجملة كما سبق تقريره # وليس فهم التفصيل لغة من الضروريات بدليل وضع أسماء الأجناس # فإنها لا تفيد تفاصيل ما تحتها # وإن سلمنا أن الفائدة المطلوبة إنما ms011 هي فهم التفصيل فإنما يمنع ذلك من ~~وضع الألفاظ المشتركة أن لو لم تكن مفيدة لجميع مدلولاتها بطريق العموم ~~وليس كذلك على ما ذهب إليه القاضي والشافعي رضي الله عنه كما سيأتي تحقيقه # وإذا عرف وقوع الاشتراك لغة فهو أيضا واقع في كلام الله تعالى # والدليل عليه قوله تعالى @QB@ والليل إذا عسعس @QE@ 81 التكوير 17 ) فإنه ~~مشترك بين إقبال الليل وإدباره وهما ضدان هكذا ذكره صاحب الصحاح # وما يقوله المانع لذلك من أن المشترك إن كان المقصود منه الإفهام فإن وجد ~~معه البيان فهو تطويل من غير فائدة وإن لم يوجد فقد فات المقصود وإن لم يكن ~~المقصود منه الإفهام فهو عبث وهو قبيح فوجب صيانة كلام الله عنه فهو مبني ~~على الحسن والقبح الذاتي العقلي وسيأتي إبطاله PageV01P044 # كيف وقد بينا أن مذهب الشافعي والقاضي أبي بكر أن المشترك نوع من أنواع ~~العموم والعام غير ممتنع في كلام الله تعالى وبتقدير عدم عمومه فلا يمتنع ~~أن يكون في الخطاب به فائدة لنيل الثواب بالاستعداد لامتثاله بتقدير بيانه ~~بظهور دليل يدل على تعيين البعض وإبطال جميع الأقسام سوى الواحد منها # # | المسألة الثانية # قد ظن في أشياء أنها مشتركة وهي متواطئة وفي أشياء أنها متواطئة وهي ~~مشتركة # أما الأول فكقولنا مبدأ للنقطة # والآن فإنه لما اختلف الموضوع المنسوب إليه وهو الزمان والخط ظن الاشتراك ~~في اسم المبدإ وليس كذلك فإن إطلاق اسم المبدإ عليهما إنما كان بالنظر إلى ~~أن كل واحد منهما أول لشيء لا من حيث هو أول للزمان أو الخط # وهو من هذا الوجه متواطىء وليس بمشترك # وأما الثاني فكقولنا خمري للون الشبيه بلون الخمر وللعنب باعتبار أنه ~~يؤول إلى الخمر وللدواء إذا كان يسكر كالخمر أو أن الخمر جزء منه فإنه لما ~~اتحد المنسوب إليه وهو الخمر ظن أنه متواطىء وليس كذلك فإن اسم الخمري وإن ~~اتحد المنسوب إليه إنما كان بسبب النسب المختلفة إليه ومع الاختلاف فلا ~~تواطؤ # نعم لو أطلق اسم الخمري في هذه الصور باعتبار ما ms012 وقع به الاشتراك من عموم ~~النسبة وقطع النظر عن خصوصياتها كان متواطئا PageV01P045 # | المسألة الثالثة # ذهب شذوذ من الناس إلى امتناع وقوع الترادف في اللغة مصيرا منهم إلى أن ~~الأصل عند تعدد الأسماء تعدد المسميات واختصاص كل اسم بمسمى غير مسمى الآخر # وبيانه من أربعة أوجه الأول إنه يلزم من اتحاد المسمى تعطيل فائدة أحد ~~اللفظين لحصولها باللفظ الآخر # الثاني إنه لو قيل باتحاد المسمى فهو نادر بالنسبة إلى المسمى المتعدد ~~بتعدد الأسماء وغلبة استعمال الأسماء بازاء المسميات المتعددة تدل على أنه ~~أقرب إلى تحصيل مقصود أهل الوضع من وضعهم فاستعمال الألفاظ المتعددة فيما ~~هو على خلاف الغالب خلاف الأصل # الثالث إن المؤونة في حفظ الاسم الواحد أخف من حفظ الإسمين والأصل إنما ~~هو التزام أعظم المشتقين لتحصيل أعظم الفائدتين # الرابع إنه إذا اتحد الاسم دعت حاجة الكل إلى معرفته مع خفة المؤونة في ~~حفظه فعمت فائدة التخاطب به ولا كذلك إذا تعددت الأسماء فإن كل واحد على ~~أمرين بين أن يحفظ مجموع الأسماء أو البعض منها # والأول شاق جدا وقلما يتفق ذلك والثاني فيلزم منه الإخلال بفائدة التخاطب ~~لجواز اختصاص كل واحد بمعرفة اسم لا يعرفه الآخر # وجوابه أن يقال لا سبيل إلى إنكار الجواز العقلي فإنه لا يمتنع عقلا أن ~~يضع واحد لفظين على مسمى واحد ثم يتفق الكل عليه # أو أن تضع إحدى القبيلتين أحد الاسمين على مسمى وتضع الأخرى له اسما آخر ~~من غير شعور كل قبيلة بوضع الأخرى ثم يشيع الوضعان بعد بذلك كيف وإن ذلك ~~جائز بل واقع بالنظر إلى لغتين ضرورة فكان جائزا بالنظر إلى قبيلتين ~~PageV01P046 # قولهم في الوجه الأول لا فائدة في أحد الاسمين ليس كذلك فإنه يلزم منه ~~التوسعة في اللغة وتكثير الطرق المفيدة للمطلوب فيكون أقرب إلى الوصول إليه ~~حيث إنه لا يلزم من تعذر حصول أحد الطريقين تعذر الآخر بخلاف ما إذا اتحد ~~الطريق # وقد يتعلق به فوائد أخر في النظم والنثر بمساعدة أحد اللفظين في الحرف ~~الروي ووزن البيت ms013 والجناس والمطابقة والخفة في النطق به إلى غير ذلك من ~~المقاصد المطلوبة لأرباب الأدب وأهل الفصاحة # وما ذكروه في الوجه الثاني فغير مانع من وقوع الترادف بدليل الأسماء ~~المشتركة والمجازية # وما ذكروه في الوجه الثالث فإنما يلزم المحذور منه وهو زيادة مؤونة الحفظ ~~إن لو وظف على كل واحد حفظ جميع المترادفات وليس كذلك بل هو مخير في حفظ ~~الكل أو البعض مع ما فيه من الفائدة التي ذكرناها # وعن الوجه الرابع أنه ملغى بالترادف في لغتين كيف وإنه يلزم من الإخلال ~~بالترادف الإخلال بما ذكرناه من المقاصد أولا وهو محذور # ثم الدليل على وقوع الترادف في اللغة ما نقل عن العرب من قولهم الصهلب ~~والشوذب من أسماء الطويل والبهتر والبحتر من أسماء القصير إلى غير ذلك # ولا دليل على امتناع ذلك حتى يتبع ما يقوله من يتعسف في هذا الباب في ~~بيان اختلاف المدلولات # لكنه ربما خفي بعض الألفاظ المترادفة وظهر البعض فيجعل الأشهر بيانا ~~للأخفى وهو الحد اللفظي # وقد ظن بأسماء أنها مترادفة وهي متباينة # وذلك عندما إذا كانت الأسماء لموضوع واحد باعتبار صفاته المختلفة كالسيف ~~والصارم والهندي أو باعتبار صفته وصفة صفته كالناطق والفصيح وليس كذلك # ويفارق المرادف المؤكد من جهة أن اللفظ المرادف لا يزيد مرادفه ~~PageV01P047 إيضاحا ولا يشترط تقدم أحدهما على الآخر ولا يرادف الشيء بنفسه ~~بخلاف المؤكد # والتابع في اللفظ فمخالف لهما فإنه لا بد وأن يكون على وزن المتبوع وأنه ~~قد لا يفيد معنى أصلا كقولهم حس بسن وشيطان ليطان ولهذا قال ابن دريد سألت ~~أبا حاتم عن معنى قولهم بسن فقال ما أدري ما هو PageV01P048 # # | القسمة الثانية # الاسم ينقسم إلى ظاهر ومضمر وما بينهما # وذلك لأنه إما أن يقصد به البيان مع الاختصار أو لا مع الاختصار فالأول ~~هو الظاهر والثاني إما أن لا يقصد معه التنبيه أو يقصد فالأول هو المضمر ~~والثاني ما بينهما # فأما الاسم الظاهر إما أن لا يكون آخره ألفا ولا ياء قبلها كسرة أو يكون # فالأول هو ms014 الاسم الصحيح فإن دخله حركة الجر مع التنوين فهو المنصرف كزيد ~~وعمرو وإن لم يكن كذلك فهو غير منصرف كأحمد وإبراهيم # والثاني هو المعتل فإن كان في آخره ياء قبلها كسرة فهو المنقوص كالقاضي ~~والداعي وإن كان في آخره ألف فهو المقصور كالدنيا والأخرى وإن كان في آخره ~~همزة قبلها ألف فهو الممدود كالرداء والكساء # وأما المضمر فهو إما منفصل وإما متصل والمنفصل نحو أنا ونحن وهو وهي ~~ونحوه # والمتصل نحو فعلت وفعلنا وما بينهما فهو اسم الإشارة PageV01P049 # وهو إما أن يكون مفردا ليس معه تنبيه ولا خطاب أو يكون فالأول نحو ذا ~~وذان وذين وأولاء # وأما إن كان غير مفرد فإن وجد معه التنبيه لا غير فنحو هذا وهذان # وإن وجد معه الخطاب فنحو ذاك وذانك # وإن اجتمعا معه فنحو هذاك وهاتيك # ثم ما كان من الأسماء الظاهرة فلا يكون من أقل من ثلاثة أحرف أصول نفيا ~~للإجحاف عنه مع قوته بالنسبة إلى الفعل والحرف إلا فيما شذ من قولهم يد ودم ~~وأب وأخ ونحوه مما حذف منه الحرف الثالث # وما كان من الأسماء المضمرة متصلا كان من حرف واحد كالتاء من فعلت # وإن كان منفصلا فلا يكون من أقل من حرفين يبتدأ بأحدهما ويوقف على الآخر ~~نحو هو وهي # وكذلك ما كان من أسماء الإشارة فلا يكون من أقل من حرفين أيضا نحو ذا وذي ~~ونحوه # وبالجملة فإما أن يدل على شيء بعينه أو لا بعينه # فالأول هو المعرفة كأسماء الأعلام والمضمرات والمبهمات كأسماء الإشارة ~~والموصولات وما دخل عليه لام التعريف وما أضيف إلى أحد هذه المعارف # والثاني هو النكرة كإنسان وفرس # وما ألحق بآخره من الأسماء ياء مشددة مكسور ما قبلها فهو المنسوب ~~كالهاشمي والمكي ونحوه PageV01P050 # # | القسمة الثالثة # الاسم ينقسم إلى ما هو حقيقة ومجاز # أما الحقيقة فهي في اللغة مأخوذة من الحق والحق هو الثابت اللازم وهو ~~نقيض الباطل ومنه يقال حق الشيء حقه ويقال حقيقة الشيء أي ذاته الثابتة ~~اللازمة ومنه قوله تعالى @QB@ ولكن حقت ms015 كلمة العذاب على الكافرين @QE@ ~~PageV01P051 ) أي وجبت # وكذلك قوله تعالى @QB@ حقيق على أن لا أقول @QE@ 7 الأعراف 105 ) أي واجب ~~علي # وأما في اصطلاح الأصوليين فاعلم أن الأسماء الحقيقية قد يطلقها الأصوليون ~~على لغوية وشرعية # واللغوية تنقسم إلى وضعية وعرفية # والكلام إنما هو في الحقيقة الوضعية فلنعرفها ثم نعود إلى باقي الأقسام # وقد ذكر فيها حدود واهية يستغنى عن تضييع الزمان بذكرها والحق في ذلك أن ~~يقال هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في اللغة كالأسد المستعمل في ~~الحيوان الشجاع العريض الأعالي والإنسان في الحيوان الناطق # وأما الحقيقة العرفية اللغوية فهي اللفظ المستعمل فيما وضع له بعرف ~~الاستعمال اللغوي وهي قسمان الأول أن يكون الاسم قد وضع لمعنى عام ثم يخصص ~~بعرف استعمال أهل اللغة ببعض مسمياته كاختصاص لفظ الدابة بذوات الأربع عرفا ~~وإن كان في أصل اللغة لكل ما دب # وذلك إما لسرعة دبيبه أو كثرة مشاهدته أو كثرة استعماله أو غير ذلك ~~PageV01P052 # الثاني أن يكون الاسم في أصل اللغة بمعنى ثم يشتهر في عرف استعمالهم ~~بالمجاز الخارج عن الموضوع اللغوي بحيث إنه لا يفهم من اللفظ عند إطلاقه ~~غيره كاسم الغائط فإنه وإن كان في أصل اللغة للموضع المطمئن من الأرض غير ~~أنه قد اشتهر في عرفهم بالخارج المستقذر من الإنسان حتى إنه لا يفهم من ذلك ~~اللفظ عند إطلاقه غيره # ويمكن أن يكون شهرة استعمال لفظ الغائط من الخارج المستقذر من الإنسان ~~لكثرة مباشرته وغلبة التخاطب به مع الاستنكاف من ذكر الاسم الخاص به لنفرة ~~الطباع عنه فكنوا عنه بلازمه أو لمعنى آخر # وأما الحقيقة الشرعية فهي استعمال الاسم الشرعي فيما كان موضوعا له أولا ~~في الشرع # وسواء كان الاسم الشرعي ومسماه لا يعرفهما أهل اللغة أو هما معروفان لهم # غير أنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى أو عرفوا المعنى كاسم الصلاة ~~والحج والزكاة ونحوه # وكذلك اسم الإيمان والكفر # لكن ربما خصت هذه بالأسماء الدينية # وإن شئت أن تحد الحقيقة على وجه يعم جميع هذه الاعتبارات ms016 قلت الحقيقة هي ~~اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في الاصطلاح الذي به التخاطب # فإنه جامع مانع # وأما المجاز فمأخوذ في اللغة من الجواز وهو الانتقال من حال إلى حال # ومنه يقال جاز فلان من جهة كذا إلى كذا وهو مخصوص في اصطلاح الأصوليين ~~بانتقال اللفظ من جهة الحقيقة إلى غيرها # وقبل النظر في تحديده يجب أن تعلم أن المجاز قد يكون لصرف اللفظ عن ~~الحقيقة الوضعية وعن العرفية والشرعية إلى غيرها كما كانت الحقيقة منقسمة ~~إلى وضعية وعرفية وشرعية # وعند هذا نقول من اعتقد كون المجاز وضعيا قال في حد المجاز في ~~PageV01P053 اللغة الوضعية هو اللفظ المتواضع على استعماله في غير ما وضع ~~له أولا في اللغة لما بينهما من التعلق # ومن لم يعتقد كونه وضعيا أبقى الحد بحاله وأبدل المتواضع عليه بالمستعمل ~~وعلى هذا فلا يخفى حد التجوز عن الحقيقة العرفية والشرعية # وإن أردت التحديد على وجه يعم الجميع قلت هو اللفظ المتواضع على استعماله ~~أو المستعمل في غير ما وضع له أولا في الاصطلاح الذي به المخاطبة لما ~~بينهما من التعلق ونعني بالتعلق بين محل الحقيقة والمجاز أن يكون محل ~~التجوز مشابها لمحل الحقيقة في شكله وصورته كإطلاق اسم الإنسان على المصور ~~على الحائط أو في صفة ظاهرة في محل الحقيقة كإطلاق اسم الأسد على الإنسان ~~لاشتراكهما في صفة الشجاعة لا في صفة البخر لخفائها أو لأنه كان حقيقة ~~كإطلاق اسم العبد على المعتق أو لأنه يؤول إليه في الغالب كتسمية العصير ~~خمرا أو أنه مجاور له في الغالب كقولهم جرى النهر والميزاب ونحوه # وجميع جهات التجوز وإن تعددت غير خارجة عما ذكرناه وإنما قيدنا الحد ~~باللفظ لأن الكلام إنما هو في المجاز اللفظي لا مطلقا وبقولنا المتواضع على ~~استعماله أو المستعمل في غير ما وضع له أولا تمييزا له عن الحقيقة # وبقولنا لما بينهما من التعلق لأنه لو لم يكن كذلك كان ذلك الاستعمال ~~ابتداء وضع آخر وكان اللفظ مشتركا لا مجازا # فإن قيل ما ذكرتموه ms017 من الحد غير جامع لأنه يخرج منه التجوز بتخصيص الاسم ~~ببعض مدلولاته في اللغة كتخصيص لفظ الدابة بذوات الأربع فإنه مجاز وهو غير ~~مستعمل في غير ما وضع له أولا لدخول ذوات الأربع في المدلول الأصلي ويلزم ~~منه أيضا خروج التجوز بزيادة الكاف في قوله @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ 42 ~~الشورى 11 ) فإنه مجاز وهو غير مستعمل في إفادة شيء أصلا # ويخرج أيضا منه التجوز بلفظ الأسد عن الإنسان حالة قصد تعظيمه وإنما يحصل ~~تعظيمه PageV01P054 بتقدير كونه أسدا لا بمجرد إطلاق اسم الأسد عليه بدليل ~~ما إذا جعل علما له ومدلوله إذ ذاك لا يكون غير ما وضع له أولا # وتدخل فيه الحقيقة العرفية كلفظ الغائط وإن كان اللفظ مستعملا في غير ~~موضوعه أولا # والحقيقة من حيث هي حقيقة لا تكون مجازا # قلنا أما الإشكال الأول فمندفع لأنه لا يخفى أن حقيقة المطلق مخالفة ~~لحقيقة المقيد من حيث هما كذلك فإذا كان لفظ الدابة حقيقة في مطلق دابة ~~فاستعماله في الدابة المقيدة على الخصوص يكون استعمالا له في غير ما وضع له ~~أولا وأما الكاف في قوله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ 42 الشورى 11 ) ~~فليست مستعملة للاسمية كوضعها في اللغة ولا للتشبيه وإلا كان معناها ليس ~~لمثله مثل وهو مثل لمثله فكان تناقضا فكانت مستعملة لا فيما وضعت له في ~~اللغة أولا فكانت داخلة في الحد # وأما التعبير بلفظ الأسد عن الإنسان تعظيما له فليس لتقدير مسمى الأسد ~~الحقيقي فيه بل لمشاركته له في صفته من الشجاعة # والحقيقة العرفية وإن كانت حقيقة بالنظر إلى تواضع أهل العرف عليها فلا ~~تخرج عن كونها مجازا بالنسبة إلى استعمال اللفظ في غير ما وضع له أولا ولا ~~تناقض وإذا عرف معنى الحقيقة والمجاز فمهما ورد لفظ في معنى وتردد بين ~~القسمين فقد يعرف كونه حقيقة ومجازا بالنقل عن أهل اللغة وإن لم يكن نقل ~~فقد يعرف كونه مجازا بصحة نفيه في نفس الأمر ويعرف كونه حقيقة بعدم ذلك # ولهذا فإنه يصح أن يقال لمن ms018 سمي من الناس حمارا لبلادته إنه ليس بحمار ~~ولا يصح أن يقال إنه ليس بإنسان في نفس الأمر لما كان حقيقة فيه ~~PageV01P055 # ومنها أن يكون المدلول مما يتبادر إلى الفهم من إطلاق اللفظ من غير قرينة ~~مع عدم العلم بكونه مجازا بخلاف غيره من المدلولات فالمتبادر إلى الفهم هو ~~الحقيقة وغيره هو المجاز # فإن قيل هذا لا يطرد في المجاز المنقول حيث إنه يسبق إلى الفهم من اللفظ ~~دون حقيقته فالأمر فيهما بالضد مما ذكرتموه وينتقض أيضا باللفظ المشترك ~~فأنه حقيقة في مدلولاته مع عدم تبادر شيء منها إلى الفهم عند إطلاقه # قلنا أما الأول فمندفع # وذلك لأن اللفظ الوارد إذا تبادر مدلوله إلى الذهن عند إطلاقه فإن علم ~~كونه مجازا فهو غير وارد على ما ذكرناه وإن لم يعلم فالظاهر أنه يكون حقيقة ~~فيه لاختصاص ذلك بالحقيقة في الغالب وإدراج النادر تحت الغالب أولى # وأما اللفظ المشترك فإن قلنا إنه عام في جميع محامله فقد اندفع الإشكال # وإن قلنا إنه لا يتناول إلا واحدا من مدلولاته على طريق البدل فهو حقيقة ~~في الواحد على البدل لا في الواحد عينا # والذي هو حقيقة فيه فهو متبادر إلى الفهم عند إطلاقه وهو الواحد على ~~PageV01P056 البدل # والذي لم يتبادر إلى الفهم وهو الواحد المعين غير حقيقة فيه وفيه دقة # ومنها أن لا يكون اللفظ مطردا في مدلوله مع عدم ورود المنع من أهل اللغة ~~والشارع من الاطراد وذلك كتسمية الرجل الطويل نخلة إذ هو غير مطرد في كل ~~طويل # فإن قيل عدم الاطراد لا يدل على التجوز فإن اسم السخي حقيقة في الكريم ~~والفاضل حقيقة في العالم وهذان المدلولان موجودان في حق الله تعالى ولا ~~يقال له سخي ولا فاضل وكذلك اسم القارورة حقيقة في الزجاجة المخصوصة لكونها ~~مقرا للمائعات وهذا المعنى موجود في الجرة والكوز ولا يسمى قارورة وإن ~~سلمنا ذلك # ولكن الاطراد لا يدل على الحقيقة لجواز اطراد بعض المجازات وعدم الاطراد ~~في بعضها كما ذكرتموه فلا يلزم منه التعميم ms019 # قلنا أما الإشكال الأول فقد اندفع بقولنا إذا لم يوجد مانع شرعي ولا لغوي ~~وفيما أورد من الصور قد وجد المنع ولولاه لكان الاسم مطردا فيها # وأما الثاني فإنا لا ندعي أن الاطراد دليل الحقيقة ليلزم ما قيل بل ~~المدعى أن عدم الاطراد دليل المجاز # ومنها أن يكون الاسم قد اتفق على كونه حقيقة في غير المسمى المذكور وجمعه ~~مخالف لجمع المسمى المذكور فنعلم أنه مجاز فيه وذلك كإطلاق اسم الأمر على ~~القول المخصوص وعلى الفعل في قوله تعالى @QB@ وما أمرنا إلا واحدة @QE@ 54 ~~القمر 50 ) وقوله تعالى PageV01P057 @QB@ وما أمر فرعون برشيد @QE@ 11 هود ~~97 ) فإن جمعه في جهة الحقيقة أوامر وفي الفعل أمور # ولا نقول إن المجاز لا يجمع والحقيقة تجمع كما ذكر بعضهم إذ الإجماع ~~منعقد على التجوز بلفظ الحمار عن البليد مع صحة تثنيته وجمعه حيث يقال ~~حماران وحمر # فإن قيل اختلاف الجمع لا يدل على التجوز في المسمى المذكور لجواز أن يكون ~~حقيقة فيه واختلاف الجمع بسبب اختلاف المسمى # قلنا الجمع إنما هو للاسم لا للمسى فاختلافه لا يكون مؤثرا في اختلاف ~~الجمع # ومنها أن يكون الاسم موضوعا لصفة ولا يصح أن يشتق لموضوعها منها اسم مع ~~عدم ورود المنع من الاشتقاق فيدل على كونه مجازا وذلك كإطلاق اسم الأمر على ~~الفعل # فإنه لا يشتق لمن قام به منه اسم الآمر # بخلاف اسم القارورة فإنه لا يطلق على الكوز والجرة بطريق الاشتقاق من ~~قرار المائع فيه مع كون اسم القرار فيه حقيقة كما اشتق في الزجاجة المخصوصة ~~لورود المنع من أهل اللغة فيه # فإن قيل هذا ينتقض باسم الرائحة القائمة بالجسم فإنه حقيقة مع عدم ~~الاشتقاق # قلنا لا نسلم عدم الاشتقاق # فإنه يصح أن يقال للجسم الذي قامت به الرائحة متروح # ومنها أن يكون الاسم مضافا إلى شيء حقيقة وهو متعذر الإضافة إليه فيتعين ~~أن يكون مجازا في شيء آخر وذلك كقوله تعالى ( واسأل القرية ) PageV01P058 ~~فإن قيل لا يدل ذلك على كونه مجازا في الغير لجواز ms020 أن يكون مشتركا وتعذر ~~حمل اللفظ المشترك على بعض محامله لا يوجب جعله مجازا في الباقي # قلنا هذا مبني على القول بالاشتراك وهو خلاف الأصل والمجاز وإن كان على ~~خلاف الأصل إلا أن المحذور فيه أدنى من محذور الاشتراك على ما يأتي فكان ~~أولى # وعلى هذا نقول مهما ثبت كون اللفظ حقيقة في بعض المعاني لزم أن يكون ~~مجازا فيما عداه إذا لم يكن بينهما معنى مشترك يصلح أن يكون مدلولا للفظ ~~بطريق التواطؤ # ومنها أن يكون قد ألف من أهل اللغة أنهم إذا استعملوا لفظا بإزاء معنى ~~أطلقوه إطلاقا وإذا استعملوه بإزاء غيره قرنوا به قرينة فيدل ذلك على كونه ~~حقيقة فيما أطلقوه مجازا في الغير وذلك لأن وضع الكلام للمعنى إنما كان ~~ليكتفى به في الدلالة # والأصل أن يكون ذاك في الحقيقة دون المجاز لكونها أغلب في الاستعمال # ومنها أنه إذا كان اللفظ حقيقة في معنى ولذلك المعنى متعلق فإطلاقه بإزاء ~~ما ليس له ذلك المتعلق يدل على كونه مجازا فيه كإطلاق اسم القدرة على الصفة ~~المؤثرة في الإيجاد # فإن لها مقدورا وإطلاقها على المخلوقات في قولهم انظر إلى قدرة الله لا ~~مقدور لها # فإن قيل التعلق ليس من توابع كون اللفظ حقيقيا بل من توابع المسمى ولا ~~يلزم من اختلاف المسمى إذا كان الاسم في أحدهما حقيقة أن يكون مجازا في ~~الآخر لجواز الاشتراك فجوابه ما سبق PageV01P059 # ومنها أن يكون الاسم الموضوع لمعنى مما يتوقف إطلاقه عليه على تعلقه ~~بمسمى ذلك الاسم في موضع آخر ولا كذلك بالعكس فيعلم أن المتوقف مجاز والآخر ~~غير مجاز # وتشترك الحقيقة والمجاز في امتناع اتصاف أسماء الأعلام بهما كزيد وعمرو # وذلك لأن الحقيقة على ما تقدم إنما تكون عند استعمال اللفظ فيما وضع له ~~أولا والمجاز في غير ما وضع له أولا # وذلك يستدعي كون الاسم الحقيقي والمجازي في وضع اللغة موضوعا لشيء قبل ~~هذا الاستعمال في وضع اللغة # وأسماء الأعلام ليست كذلك # فإن مستعملها لم يستعملها فيما وضعه أهل اللغة ms021 له أولا ولا في غيره لأنها ~~لم تكن من وضعهم فلا تكون حقيقة ولا مجازا # وعلى هذا فالألفاظ الموضوعة أولا في ابتداء الوضع في اللغة لا توصف ~~بكونها حقيقة ولا مجازا وإلا كانت موضوعة قبل ذلك الوضع وهو خلاف الفرض # وكذلك كل وضع ابتدائي حتى الأسماء المخترعة ابتداء لأرباب الحرف ~~والصناعات لأدواتهم وآلاتهم وإنما تصير حقيقة ومجازا باستعمالها بعد ذلك # وبهذا يعلم بطلان قول من قال إن كل مجاز له حقيقة ولا عكس # وذلك لأن غاية المجاز أن يكون مستعملا في غير ما وضع له أولا وما وضع له ~~اللفظ أولا ليس حقيقة ولا مجازا على ما عرف # وبالنظر إلى ما حققناه في معنى الحقيقة والمجاز يعلم أن تسمية اللفظ ~~المستعمل فيما وضع له أولا حقيقة وإن كان حقيقة بالنظر إلى الأمر العرفي ~~غير أنه مجاز بالنظر إلى كونه منقولا من الوجوب والثبوت الذي هو مدلول ~~الحقيقة أولا في اللغة على ما سبق تحقيقه # وتشترك الحقيقة والمجاز أيضا أن كل ما كان من كلام العرب ما عدا الوضع ~~الأول فإنه لا يخلو عن الحقيقة والمجاز معا بل لا بد من أحدهما فيه ~~PageV01P060 # # | مسائل هذه القسمة خمس # # | المسألة الأولى في الأسماء الشرعية # ولا شك في إمكانها إذ لا إحالة في وضع الشارع اسما من أسماء أهل اللغة أو ~~من غير أسمائهم على معنى يعرفونه أو لا يعرفونه لم يكن موضوعا لأسمائهم # فإن دلالات الأسماء على المعاني ليست لذواتها ولا الاسم واجب للمعنى ~~بدليل انتفاء الاسم قبل التسمية وجواز إبدال اسم البياض بالسواد في ابتداء ~~الوضع وكما في أسماء الأعلام والأسماء الموضوعة لأرباب الحرف والصناعات ~~لأدواتهم وآلاتهم PageV01P061 # وإنما الخلاف نفيا وإثباتا في الوقوع # والحجاج هاهنا مفروض فيما استعمله الشارع من أسماء أهل اللغة كلفظ الصوم ~~والصلاة هل خرج به عن وضعهم أم لا # فمنع القاضي أبو بكر من ذلك وأثبته المعتزلة والخوارج والفقهاء احتج ~~القاضي بمسلكين الأول أن الشارع لو فعل ذلك لزمه تعريف الأمة بالتوقيف نقل ~~تلك الأسامي وإلا كان مكلفا ms022 لهم بفهم مراده من تلك الأسماء وهم لا يفهمونه ~~وهو تكليف بما لا يطاق والتوقيف الوارد في مثل هذه الأمور لا بد وأن يكون ~~متواترا لعدم قيام الحجة بالآحاد فيها ولا تواتر # وهذه الحجة غير مرضية أما أولا فلأنها مبنية على امتناع التكليف بما لا ~~يطاق وهو فاسد على ما عرف من أصول أصحابنا القائلين بخلافه في هذه المسألة ~~وإن كان ذلك ممتنعا عند المعتزلة وبتقدير امتناع التكليف بما لا يطاق إنما ~~يكون هذا تكليفا بما لا يطاق إذ لو كلفهم بفهمها قبل تفهيمهم # وليس كذلك # قوله التفهيم إنما يكون بالنقل # لا نسلم # وما المانع أن يكون تفهيمهم بالتكرير والقرائن المتضافرة مرة بعد مرة كما ~~يفعل الوالدان بالولد الصغير والأخرس في تعريفه لما في ضميره لغيره ~~بالإشارة # المسلك الثاني أن هذه الألفاظ قد اشتمل عليها القرآن # فلو كانت مفيدة لغير مدلولاتها في اللغة لما كانت من لسان أهل اللغة كما ~~لو قال أكرم العلماء وأراد به الجهال أو الفقراء وذلك لأن كون اللفظ عربيا ~~ليس لذاته وصورته بل لدلالته على ما وضعه أهل اللغة بإزائه وإلا كانت جميع ~~PageV01P062 ألفاظهم قبل التواضع عليها عربية وهو ممتنع ويلزم من ذلك أن لا ~~يكون القرآن عربيا وهو على خلاف قوله تعالى @QB@ إنا جعلناه قرآنا عربيا ~~@QE@ 43 الزخرف 3 ) وقوله تعالى @QB@ بلسان عربي مبين @QE@ 26 الشعراء 195 ~~) وقوله تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه @QE@ 14 إبراهيم 4 ) ~~وذلك ممتنع # وهذا المسلك ضعيف أيضا إذ لقائل أن يقول لا أسلم أنه يلزم من ذلك خروج ~~القرآن عن كونه عربيا فإن قيل لأنه إذا كان مشتملا على ما ليس بعربي فما ~~بعضه عربي وبعضه غير عربي لا يكون كله عربيا # وفي ذلك مخالفة ظواهر النصوص المذكورة فيمكن أن يقال لا نسلم دلالة ~~النصوص على كون القرآن بكليته عربيا لأن القرآن قد يطلق على السورة الواحدة ~~منه بل على الآية الواحدة كما يطلق على الكل # ولهذا يصح أن يقال للسورة الواحدة هذا قرآن # والأصل في ms023 الإطلاق الحقيقة ولأن القرآن مأخوذ من الجمع ومنه يقال قرأت ~~الناقة لبنها في ضرعها إذا جمعته وقرأت الماء في الحوض أي جمعته والسورة ~~الواحدة فيها معنى الجمع لتألفها من حروف وكلمات وآيات فصح إطلاق القرآن ~~عليها # غايته أنا خالفنا هذا في غير الكتاب العزيز فوجب العمل بمقتضى هذا الأصل ~~في الكتاب وبعضه ولأنه لو حلف أنه لا يقرأ القرآن فقرأ سورة منه حنث ولو لم ~~يكن قرآنا لما حنث # وإذا كان كذلك فليس الحمل على الكل أولى من البعض # وعند ذلك أمكن حمله على البعض الذي ليس فيه غير العربية # فإن قيل أجمعت الأمة على أن الله تعالى لم ينزل إلا قرآنا واحدا فلو كان ~~البعض قرآنا والكل قرآنا لزمت التثنية في القرآن وهو خلاف PageV01P063 ~~الإجماع # وإذا لم يكن القرآن إلا واحدا تعين أن يكون هو الكل ضرورة الإجماع على ~~تسميته قرآنا # قلنا أجمعت الأمة على أن الله تعالى لم ينزل إلا قرآنا واحدا لمعنى أنه ~~لم ينزل غير هذا القرآن أو بمعنى أن المجموع قرآن وبعضه ليس بقرآن # الأول مسلم والثاني ممنوع # فإن قيل ما ذكرتموه من الدليل على كون بعض القرآن قرآنا معارض بما يدل ~~على أنه ليس بقرآن وهو صحة قول القائل عن السورة والآية هذا بعض القرآن # قلنا المراد به إنما هو بعض الجملة المسماة بالقرآن وليس في ذلك ما يدل ~~على أن البعض ليس بقرآن حقيقة # فإن جزء الشيء إذا شارك كله في معناه كان مشاركا له في اسمه ولهذا يقال ~~إن بعض اللحم لحم وبعض العظم عظم وبعض الماء ماء لاشتراك الكل والبعض في ~~المعنى المسمى بذلك الاسم وإنما يمتنع ذلك فيما كان البعض فيه غير مشارك ~~للكل في المعنى المسمى بذلك الاسم # ولهذا لا يقال بعض العشرة عشرة وبعض المائة مائة وبعض الرغيف رغيف وبعض ~~الدار دار إلى غير ذلك # وعند ذلك فما لم يبينوا كون ما نحن فيه من القسم الثاني دون الأول فهو ~~غير لازم # وإن سلمنا التعارض من كل وجه ms024 فليس القول بالنفي أولى من القول بالإثبات # وعلى المستدل الترجيح # وإن سلمنا دلالة النصوص على كون القرآن بجملته عربيا لكن بجهة الحقيقة أو ~~المجاز الأول ممنوع والثاني مسلم وذلك لأن ما الغالب منه العربية يسمى ~~عربيا وإن كان فيه ما ليس بعربي كما يسمى الزنجي أسود وإن كان بعضه اليسير ~~مبيضا كأسنانه وشحمة عينيه والرومي أبيض وإن كان البعض اليسير منه أسود ~~كالناظر من عينيه # وكذل البيت من الشعر بالفارسية يسمى فارسيا وإن كان مشتملا على كلمات ~~يسيرة من العربية PageV01P064 # ويدل على هذا التجوز ما اشتمل عليه القرآن من الحروف المعجمة في أوائل ~~السور فإنها ليست من لغة العرب في شيء وأيضا فإن القرآن قد اشتمل على ~~عبادات غير معلومة للعرب فلا يتصور التعبير عنها في لغتهم # فلا بد لها من أسماء تدل عليها غير عربية وأيضا فإن القرآن مشتمل على ~~قوله تعالى @QB@ وما كان الله ليضيع إيمانكم @QE@ 2 البقرة 143 ) وأراد به ~~صلاتكم وليس الإيمان في اللغة بمعنى الصلاة بل بمعنى التصديق وعلى قوله ~~@QB@ أقيموا الصلاة @QE@ 2 البقرة 43 ) والصلاة في اللغة بمعنى الدعاء وفي ~~الشرع عبارة عن الأفعال المخصوصة وعلى قوله تعالى @QB@ وآتوا الزكاة @QE@ 2 ~~البقرة 43 ) والزكاة في اللغة عبارة عن النماء والزيادة وفي الشرع عبارة عن ~~وجوب أداء مال مخصوص وعلى قوله تعالى @QB@ كتب عليكم الصيام @QE@ 2 البقرة ~~183 ) والصوم في اللغة عبارة عن مطلق إمساك وفي الشرع عبارة عن إمساك مخصوص ~~بل وقد يطلق الصوم في الشرع في حالة لا إمساك فيها كحالة الناسي أكلا وعلى ~~قوله تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت @QE@ 3 آل عمران 97 ) والحج في ~~اللغة عبارة عن مطلق قصد وفي الشرع عبارة عن القصد إلى مكان مخصوص # وهذا كله يدل على اشتمال القرآن على ما ليس بعربي فكان إطلاق اسم العربي ~~عليه مجازا # فإن قيل أما الحروف المعجمة التي في أوائل السور فهي أسماؤها وأما ~~العبادات الحادثة فمن حيث إنها أفعال محسوسة معلومة للعرب PageV01P065 ~~ومسماة بأسماء خاصة لها لغة غير ms025 أن الشرع اعتبرها في الثواب والعقاب عليها ~~بتقدير الفعل أو الترك # وليس في ذلك ما يدل على اشتمال القرآن على ما ليس بعربي # وأما الآيات المذكورة فهي محمولة على مدلولاتها لغة # أما قوله تعالى @QB@ وما كان الله ليضيع إيمانكم @QE@ 2 البقرة 143 ) ~~فالمراد به تصديقكم بالصلاة وقوله تعالى @QB@ أقيموا الصلاة @QE@ 2 البقرة ~~43 ) فالمراد به الدعاء وكذلك قوله @QB@ وآتوا الزكاة @QE@ 2 البقرة 43 ) ~~فالمراد به النمو # والمراد من الصوم الإمساك ومن الحج القصد # غير أن الشارع شرط في إجزائها وصحتها شرعا ضم غيرها إليها # وليس في ذلك ما يدل على تغيير الوضع اللغوي وإن سلمنا دخول هذه الشروط في ~~مسمى هذه الأسماء لكن بطريق المجاز أما في الصلاة فمن جهة أن الدعاء جزؤها ~~والشيء قد يسمى باسم جزئه ومنه قول الشاعر يناشدني حاميم والرمح شاجر فهلا ~~تلا حاميم قبل التقدم وأراد به القرآن فسماه باسم جزئه # وكذلك الكلام في الصوم والزكاة والحج # ويمكن أن يقال بأن تسمية الصوم الخاص وكذلك الزكاة والحج والإيمان # من باب التصرف بتخصيص الاسم ببعض مسمياته لغة كما في لفظ الدابة والشارع ~~له ولاية هذا التصرف كما لأهل اللغة ويخص الصلاة أن أفعالها إنما سميت صلاة ~~لكونها مما يتبع بها فعل الإمام # فإن التالي للسابق من الخيل يسمى مصليا لكونه تابعا ويخص الزكاة أن تسمية ~~الواجب زكاة باسم سببه والتجوز باسم السبب عن المسبب جائز لغة # والمجاز من اللغة لا من غيرها PageV01P066 # قلنا أما الحروف فإنها إذا كانت أسماء لآحاد السور فهي أعلام لها وليست ~~لغوية # فقد اشتمل القرآن على ما ليس من لغة العرب # وما ذكروه في العبادات الحادثة في الشرع فإنما يصح أن لو لم تكن قد أطلق ~~عليها أسماء لم تكن العرب قد أطلقتها عليها # ويدل على هذا الإطلاق ما ذكر من الآيات قولهم إن هذه الأسماء محمولة على ~~موضوعاتها لغة غير أن الشارع شرط في إجزائها شروطا لا تصح بدونها فإن مسمى ~~الصلاة في اللغة هو الدعاء # وقد يطلق اسم الصلاة على ms026 الأفعال التي لا دعاء فيها # كصلاة الأخرس الذي لا يفهم الدعاء في الصلاة حتى يأتي به # وبتقدير أن يكون الدعاء متحققا فليس هو المسمى بالصلاة وحده # ودليله أنه يصح أن يقال إنه في الصلاة حالة كونه غير داع ولم كان هو ~~المسمى بالصلاة لا غير لصح عند فراغه من الدعاء أن يقال خرج من الصلاة # وإذا عاد إليه يقال عاد إلى الصلاة # وأن لا يسمى الشخص مصليا حالة عدم الدعاء مع تلبسه بباقي الأفعال # وكل ذلك خلاف الإجماع # قولهم تسمية هذه الأفعال بهذه الأسماء إنما هو بطريق المجاز # قلنا الأصل في الإطلاق الحقيقة # قولهم إن الدعاء جزء من هذه الأفعال # والشيء قد يسمى باسم جزئه # قلنا كل جزء أو بعض الأجزاء الأول ممنوع والثاني مسلم # ولهذا فإن العشرة لا تسمى خمسة ولا الكل جزءا وإن كان بعضه يسمى جزءا إلى ~~أمثلة كثيرة لا تحصى # وليس القول بأن ما نحن فيه من القبيل الجائز أولى من غيره وإن سلمنا صحة ~~ذلك تجوزا # ولكن ليس القول بالتجوز في هذه الأسماء وإجراء لفظ PageV01P067 القرآن ~~على حقيقته أولى من العكس # فإن قيل بل ما ذكرناه أولى فإن ما ذكرتموه يلزم منه النقل وتغيير اللغة ~~فيستدعي ثبوت أصل الوضع وإثبات وضع آخر # والوضع اللغوي لا يفتقر إلى شيء آخر ولا يلزم منه تغيير فكان أولى # وأيضا فإن الغالب من الأوضاع البقاء لا التغيير وإدراج ما نحن فيه تحت ~~الأغلب أغلب # قلنا بل جانب الخصم أولى لما فيه من ارتكاب مجاز واحد وما ذكرتموه ففيه ~~ارتكاب مجازات كثيرة فكان أولى # وعلى هذا فقد اندفع قولهم بالتجوز بجهة التخصيص أيضا # وما ذكروه من تسمية أفعال الصلاة لما فيها من المتابعة للإمام فيلزم منه ~~أن لا تسمى صلاة الإمام والمنفرد صلاة لعدم هذا المعنى فيها # وقولهم في الزكاة أن الواجب سمي زكاة باسم سببه تجوزا فيلزم عليه أن لا ~~تصح تسميته زكاة عند عدم النماء في المال وإن كان النماء حاصلا فالتجوز ~~باسم السبب عن المسبب جائز مطلقا ms027 أو في بعض الأسباب الأول ممنوع والثاني ~~مسلم # ولهذا فإنه لا يصح تسمية الصيد شبكة وإن كان نصبها سببا له ولا يسمى ~~الابن أبا وإن كان الأب سببا له # وكذلك لا يسمى العالم إلها وإن كان الإله تعالى سببا له إلى غير ذلك من ~~النظائر # وعند ذلك فليس القول بأن ما نحن فيه من قبيل التجوز به أولى من غيره # وأما المعتزلة فقد احتجوا بما سبق من الآيات وبقولهم إن الإيمان في اللغة ~~هو التصديق وفي الشرع يطلق على غير التصديق # ويدل عليه قوله عليه السلام الإيمان بضع وسبعون بابا أعلاها شهادة أن لا ~~إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق سمي إماطة الأذى إيمانا وليس ~~بتصديق PageV01P068 # وأيضا فإن الدين في الشرع عبارة عن فعل العبادات وإقامة الصلاة وإيتاء ~~الزكاة بدليل قوله تعالى @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ~~@QE@ 98 البينة 5 ) إلى آخر الآية # ثم قال @QB@ وذلك دين القيمة @QE@ 98 البينة 5 ) فكان راجعا إلى كل ~~المذكور والدين هو الإسلام لقوله تعالى @QB@ إن الدين عند الله الإسلام ~~@QE@ 3 آل عمران 19 ) والإسلام هو الإيمان فيكون الإيمان في الشرع هو فعل ~~العبادات # ودليل كون الإيمان هو الإسلام إنه لو كان الإيمان غير الإسلام لما كان ~~مقبولا من صاحبه لقوله تعالى @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~@QE@ 3 آل عمران 85 ) وأيضا فإنه استثنى المسلمين من المؤمنين في قوله ~~تعالى @QB@ فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين @QE@ 51 الذاريات 35 ) والأصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى ~~منه PageV01P069 # وأيضا قوله تعالى @QB@ وما كان الله ليضيع إيمانكم @QE@ 2 البقرة 143 ) ~~وأراد به الصلاة إلى بيت المقدس # وأيضا فإن قاطع الطريق وإن كان مصدقا فليس بمؤمن لأنه يدخل النار بقوله ~~تعالى @QB@ ولهم في الآخرة عذاب عظيم @QE@ 2 البقرة 114 ) والداخل في النار ~~مخزي لقوله تعالى حكاية عن أهل النار @QB@ ربنا إنك من تدخل النار فقد ~~أخزيته @QE@ 3 آل عمران 192 ) مع التقرير ms028 لهم على ذلك # والمؤمن غير مخزي لقوله تعالى @QB@ يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا ~~معه @QE@ 66 التحريم 8 ) وأيضا فإن المكلف يوصف بكونه مؤمنا حالة كونه ~~غافلا عن التصديق بالنوم وغيره وأيضا فإنه لو كان الإيمان في الشرع هو ~~الإيمان اللغوي أي التصديق لسمي في الشرع المصدق بشريك الإله تعالى مؤمنا ~~والمصدق بالله مع إنكار الرسالة مؤمنا إلى نظائره # ولقائل أن يقول أما الآيات السابق ذكرها فيمكن أن يقال في جوابها إن ~~إطلاق اسم الصلاة والزكاة والصوم والحج إنما كان بطريق المجاز على ما سبق ~~والمجاز غير خارج عن اللغة وتسمية إماطة الأذى عن الطريق إيمانا أمكن أن ~~يكون لكونه دليلا على الإيمان فعبر باسم المدلول عن الدال وهو أيضا جهة من ~~جهات التجوز # فإن قيل الأصل إنما هو الحقيقة # قلنا إلا أنه يلزم منه التغيير ومخالفة الوضع اللغوي فيتقابلان وليس ~~أحدهما أولى من الآخر لما سبق PageV01P070 # وقولهم إن الإيمان هو الإسلام بما ذكروه فهو معارض بقوله تعالى @QB@ قل ~~لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا @QE@ 49 الحجرات 14 ) ولو اتحدا لما صح هذا ~~القول # وليس أحدهما أولى من الآخر بل الترجيح للتغاير نظرا إلى أن الأصل عند ~~تعدد الأسماء تعدد المسميات ولئلا يلزم منه التغيير في الوضع # وبهذا يندفع ما ذكروه من الاستثناء # وقوله تعالى @QB@ وما كان الله ليضيع إيمانكم @QE@ 2 البقرة 143 ) ~~فالمراد به التصديق بالصلاة لا نفس الصلاة فلا تغيير وإن كان المراد به ~~الصلاة غير أن الصلاة لما كانت تدل على التصديق سميت باسم مدلولها وذلك ~~مجاز من وضع اللغة # وقوله تعالى @QB@ يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه @QE@ 66 ~~التحريم 8 ) لا يتناول كل مؤمن بل من آمن مع النبي عليه السلام وهو صريح في ~~ذلك # وأولئك لم يصدر منهم ما دل صدر الآية عليه من الحراب لله ورسوله والسعي ~~في الأرض بالفساد الذي أوجب دخول النار في الآية # ولا يلزم من نفي الخزي عمن آمن مع النبي نفيه عن غيره # وقولهم إن المكلف يوصف ms029 بالإيمان حالة كونه غافلا عن التصديق بالله تعالى ~~إنما كان ذلك بطريق المجاز لكونه كان مصدقا وأنه يؤول إلى التصديق # وهو جهة من جهات التجوز # وما يقال من أن الأصل الحقيقة فقد سبق جوابه # كيف وإن ذلك لازم لهم في كل ما يفسرون الإيمان به # ومع اتحاد المحذور فتقرير الوضع أولى # والمصدق بشريك الإله تعالى ليس مؤمنا شرعا لأن الإيمان في الشرع مطلق ~~تصديق بل تصديق خاص وهو التصديق بالله وبما جاءت به رسله # وهو من باب تخصيص الاسم ببعض مسمياته في اللغة فكان مجازا لغويا وبه ~~يندفع ما قيل من التصديق بالله والكفر برسوله حيث أن مسمى الإيمان الشرعي ~~لم يوجد PageV01P071 وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين فالحق عندي في ذلك ~~إنما هو إمكان كل واحد من المذهبين # وأما ترجيح الواقع منهما فعسى أن يكون عند غيري تحقيقه # # | المسألة الثانية # اختلف الأصوليون في اشتمال اللغة على الأسماء المجازية فنفاه الأستاذ أبو ~~إسحاق ومن تابعه وأثبته الباقون وهو الحق # حجة المثبتين أنه قد ثبت إطلاق أهل اللغة اسم الأسد على الإنسان الشجاع ~~والحمار على الإنسان البليد وقولهم ظهر الطريق ومتنها وفلان على جناح السفر ~~وشابت لمة الليل وقامت الحرب على ساق وكبد السماء إلى غير ذلك وإطلاق هذه ~~الأسماء لغة مما لا ينكر إلا عن عناد # وعند ذلك فإما أن يقال إن هذه الأسماء حقيقة في هذه الصور أو مجازية ~~لاستحالة خلو الأسماء اللغوية عنهما ما سوى الوضع الأول كما سبق تحقيقه لا ~~جائز أن يقال بكونها PageV01P072 حقيقة فيها لأنها حقيقة فيما سواها ~~بالاتفاق # فإن لفظ الأسد حقيقة في السبع والحمار في البهيمة والظهر والمتن والساق ~~والكبد في الأعضاء المخصوصة بالحيوان واللمة في الشعر إذا جاوز شحمة الأذن # وعند ذلك فلو كانت هذه الأسماء حقيقية فيما ذكر من الصور لكان اللفظ ~~مشتركا ولو كان مشتركا لما سبق إلى الفهم عند إطلاق هذه الألفاظ البعض دون ~~البعض ضرورة التساوي في الدلالة الحقيقية # ولا شك أن السابق إلى الفهم من إطلاق لفظ ms030 الأسد إنما هو السبع ومن إطلاق ~~لفظ الحمار إنما هو البهيمة وكذلك في باقي الصور # كيف وإن أهل الأعصار لم تزل تتناقل في أقوالها وكتبها عن أهل الوضع تسمية ~~هذا حقيقة وهذا مجازا فإن قيل لو كان في لغة العرب لفظ مجازي فأما أن يفيد ~~معناه بقرينة أو لا بقرينة # فإن كان الأول فهو مع القرينة لا يحتمل غير ذلك المعنى فكان مع القرينة ~~حقيقة في ذلك المعنى # وإن كان الثاني فهو أيضا حقيقة إذا لا معنى للحقيقة إلا ما يكون مستقلا ~~بالإفادة من غير قرينة # وأيضا فإنه ما من صورة من الصور إلا ويمكن أن يعبر عنها باللفظ الحقيقي ~~الخاص بها # فاستعمال اللفظ المجازي فيها مع افتقاره إلى القرينة من غير حاجة بعيد عن ~~أهل الحكمة والبلاغة في وضعهم # قلنا جواب الأول أن المجاز لا يفيد عند عدم الشهرة إلا بقرينة ولا معنى ~~للمجاز سوى هذا # والنزاع في ذلك لفظي كيف وإن المجاز PageV01P073 والحقيقة من صفات ~~الألفاظ دون القرائن المعنوية فلا تكون الحقيقة صفة للمجموع # وجواب الثاني أن الفائدة في استعمال اللفظ المجازي دون الحقيقة قد تكون ~~لاختصاصه بالخفة على اللسان أو لمساعدته في وزن الكلام نظما ونثرا ~~والمطابقة والمجانسة والسجع وقصد التعظيم والعدول عن الحقيقي للتحقير إلى ~~غير ذلك من المقاصد المطلوبة في الكلام # # | المسألة الثالثة # اختلفوا في دخول الأسماء المجازية في كلام الله تعالى فنفاه أهل الظاهر ~~والرافضة # وأثبته الباقون PageV01P074 # احتج المثبتون بقوله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ 42 الشورى 11 ) ~~وبقوله تعالى @QB@ واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها ~~@QE@ 12 يوسف 82 ) وبقوله تعالى @QB@ جدارا يريد أن ينقض @QE@ 18 الكهف 77 ~~) # والأول من باب التجوز بالزيادة # ولهذا لو حذفت الكاف بقي الكلام مستقلا # والثاني من باب النقصان فإن المراد به أهل القرية لاستحالة سؤال القرية ~~والعير وهي البهائم # والثالث من باب الاستعارة لتعذر الإرادة من الجدار وإذا امتنع حمل هذه ~~الألفاظ على ظواهرها في اللغة فما تكون محمولة عليه هو المجاز # فإن قيل لا نسلم ms031 التجوز فيما ذكرتموه من الألفاظ أما قوله تعالى @QB@ ليس ~~كمثله شيء @QE@ 42 الشورى 11 ) فهو حقيقة في نفي التشبيه إذ الكاف للتشبيه # وأما قوله تعالى @QB@ واسأل القرية @QE@ 12 يوسف 82 ) فالمراد به مجتمع ~~الناس فإن القرية مأخوذة من الجمع ومنه يقال قرأت الماء في الحوض أي جمعته # وقرأت الناقة لبنها في ضرعها أي جمعته # ويقال لمن صار معروفا بالضيافة مقري ويقري لاجتماع الأضياف عنده # وسمي القرآن قرآنا لذلك أيضا لاشتماله على مجموع السور والآيات # وأما العير فهي القافلة ومن فيها PageV01P075 من الناس # ثم وإن كان اسم القرية للجدران والعير للبهائم غير أن الله تعالى قادر ~~على إنطاقها وزمن النبوة زمن خرق العوائد فلا يمتنع نطقها بسؤال النبي لها # وقوله تعالى @QB@ جدارا يريد أن ينقض @QE@ 18 الكهف 77 ) فمحمول أيضا على ~~حقيقته لأنه لا يتعذر على الله تعالى خلق الإرادة فيه # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على التجوز لكنه معارض بما يدل على عدمه وذلك لأن ~~المجاز كذب ولذك يصدق نفيه عند قول القائل للبليد حمار وللإنسان الشجاع أسد # ونقيض النفي الصادق يكون كاذبا ولأن المجاز هو الركيك من الكلام وكلام ~~الرب تعالى مما يصان عنه # سلمنا أنه ليس بكذب غير أنه إنما يصار إليه عند العجز عن الحقيقة ويتعالى ~~الرب عن ذلك # سلمنا أنه غير متوقف على العجز عن الحقيقة غير أنه مما لا يفيد معناه ~~بلفظه دون قرينة وربما تخفى فيقع الالتباس على المخاطب وهو قبيح من الحكيم # سلمنا أنه لا يفضي إلى الالتباس غير أنه إذا خاطب بالمجاز وجب وصفه بكونه ~~متجوزا نظرا إلى الاشتقاق كما في الواحد منا وهو خلاف الإجماع # سلمنا عدم اتصافه بذلك غير أن كلام الله تعالى حق فله حقيقة والحقيقة ~~مقابلة للمجاز # والجواب قولهم @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ 42 الشورى 11 ) لنفي التشبيه ليس ~~كذلك فإنه لو كانت الكاف هاهنا للتشبيه لكان معنى النفي ليس مثل مثله شيء # وهو PageV01P076 تناقض ضرورة أنه مثل لمثله فالمثل في الآية زائد والمراد ~~من قولهم مثلك لا يقول هذا ms032 المشارك له في صفاته # وقولهم المراد من القرية الناس المجتمعون ليس كذلك لأن القرية هي المحل ~~الذي يقع فيه الاجتماع لا نفس الاجتماع # ومن ذلك سمي الزمان الذي فيه يجتمع دم الحيض قرأ # وكذلك يقال القاري لجامع القرآن والمقري لجامع الأضياف # قولهم إن العير هي القافلة المجتمعة من الناس # قلنا من الناس والبهائم لا نفس الناس فقط ولهذا لا يقال لمجتمع الناس من ~~غير أن يكون معهم بهائم قافلة # قولهم لو سأل لوقع الجواب # قلنا جواب الجدران والبهائم ثم غير واقع على وفق الاختيار في عموم ~~الأوقات بل إن وقع فإنما يقع بتقدير تحدي النبي عليه السلام به # ولم يكن كذلك فيما نحن فيه # فلا يمكن الاعتماد عليه # ثم وإن أمكن تخيل ما قالوه مع بعده فبماذا يعتذر عن قوله تعالى @QB@ تجري ~~من تحتها الأنهار @QE@ 2 البقرة 25 ) والأنهار غير جارية وعن قوله تعالى ~~@QB@ واشتعل الرأس شيبا @QE@ 19 مريم 4 ) وهو غير مشتعل وعن قوله تعالى ~~@QB@ واخفض لهما جناح الذل @QE@ 17 الإسراء 24 ) والذل لا جناح له وقوله ~~تعالى @QB@ الحج أشهر معلومات @QE@ 2 البقرة 197 ) والأشهر ليست هي الحج ~~وإنما هي طرف لأفعال الحج وقوله تعالى @QB@ لهدمت صوامع وبيع وصلوات @QE@ ~~22 الحج 40 ) والصلوات لا تهدم وقوله @QB@ أو جاء أحد منكم من الغائط @QE@ ~~4 النساء 43 ) وقوله @QB@ الله نور السماوات والأرض @QE@ 24 النور 35 ) ~~وقوله @QB@ فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم @QE@ PageV01P077 والقصاص ليس ~~بعدوان وقوله @QB@ وجزاء سيئة سيئة مثلها @QE@ 42 الشورى 40 ) وقوله @QB@ ~~الله يستهزئ بهم @QE@ 2 البقرة 15 ) @QB@ ويمكرون ويمكر الله @QE@ 8 ~~الأنفال 30 ) وقوله @QB@ كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله @QE@ 5 ~~المائدة 64 ) وقوله تعالى @QB@ أحاط بهم سرادقها @QE@ 18 الكهف 29 ) إلى ما ~~لا يحصى ذكره من المجازات # وعن المعارضة الأولى بمنع كون المجاز كذبا فإنه إنما يكون كذبا أن لو ~~أثبت ذلك حقيقة لا مجازا كيف وإن الكذب مستقبح عند العقلاء بخلاف الاستعارة ~~والتجوز فإنه عندهم من المستحسنات # قولهم إنه من ركيك الكلام ليس كذلك بل ربما ms033 كان المجاز أفصح وأقرب إلى ~~تحصيل مقاصد المتكلم البليغ على ما سبق وعن الثانية بمنع ما ذكروه من ~~اشتراط المصير إلى المجاز بالعجز عن الحقيقة بل إنما يصار إليه مع القدرة ~~على الحقيقة لما ذكرناه من المقاصد فيما تقدم # وعن الثالثة أنها مبنية على القول بالتقبيح العقلي وقد أبطلناه كيف وهو ~~لازم على الخصوم فيما ورد من الآيات المتشابهات # فما هو الجواب في المتشابهات هو الجواب لنا هاهنا # وعن الرابعة أنه إنما لم يسم متجوزا لأن ذلك مما يوهم التسمح في أقواله ~~بالقبيح # ولهذا يفهم منه ذلك عند قول القائل فلان متجوز في مقاله فيتوقف إطلاقه في ~~حق الله تعالى على الإطلاق الشرعي ولم يرد PageV01P078 # وعن الخامسة أن كلام الله وإن كان له حقيقة فبمعنى كونه صدقا لا بمعنى ~~الحقيقة المقابلة للمجاز # # | المسألة الرابعة # اختلفوا في اشتمال القرآن على كلمة غير عربية # فأثبته ابن عباس وعكرمة ونفاه الباقون # احتج النافون بقوله تعالى @QB@ ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت ~~آياته أأعجمي وعربي @QE@ 41 فصلت 44 ) فنفى أن يكون أعجميا وقطع اعتراضهم ~~بتنوعه بين أعجمي وعربي # ولا ينتفي الاعتراض وفيه أعجمي وبقوله تعالى @QB@ بلسان عربي مبين @QE@ ~~26 الشعراء 195 ) وبقوله @QB@ إنا أنزلناه قرآنا عربيا @QE@ 12 يوسف 2 ) ~~وظاهر ذلك ينافي أن يكون فيه ما ليس بعربي # واحتج المثبتون لذلك بقولهم القرآن مشتمل على المشكاة # وهي هندية وإستبرق وسجيل بالفارسية وطه بالنبطية وقسطاس بالرومية والأب ~~وهي كلمة لا تعرفها العرب ولذلك روي عن عمر أنه لما تلا هذه الآية قال هذه ~~الفاكهة فما الأب قالوا ولأن النبي عليه السلام مبعوث إلى أهل كل لسان كافة ~~على ما قال تعالى @QB@ كافة للناس بشيرا ونذيرا @QE@ 34 سبأ 28 ) وقال عليه ~~السلام بعثت إلى الأسود والأحمر PageV01P079 فلا ينكر أن يكون كتابه جامعا ~~للغة الكل ليتحقق خطابه للكل إعجازا وبيانا وأيضا فإن النبي عليه السلام لم ~~يدع أنه كلامه بل كلام الله تعالى رب العالمين المحيط بجميع اللغات فلا ~~يكون تكلمه باللغات المختلفة منكرا غايته أنه ms034 لا يكون مفهوما للعرب # وليس ذلك بدعا بدليل تضمنه للآيات المتشابهات والحروف المعجمة في أوائل ~~السور # أجاب النافون وقالوا أما الكلمات المذكورة فلا نسلم أنها ليست عربية ~~وغايته اشتراك اللغات المختلفة في بعض الكلمات وهو غير ممتنع كما في قولهم ~~سروال بدل سراويل وفي قولهم تنور فإنه قد قيل إنه مما اتفق فيه جميع اللغات ~~ولا يلزم من خفاء كلمة الأب على عمر أن لا يكون عربيا إذ ليس كل كلمات ~~العربية مما أحاط بها كل واحد من آحاد العرب # ولهذا قال ابن عباس ما كنت أدري ما معنى @QB@ فاطر السماوات والأرض @QE@ ~~35 فاطر 1 ) حتى سمعت امرأة من العرب تقول أنا فطرته أي ابتدأته # وأما بعثته إلى الكل فلا يوجب ذلك اشتمال الكتاب على غير لغة العرب لما ~~ذكروه # وإلا لزم اشتماله على جميع اللغات ولما جاز الاقتصار من كل لغة على كلمة ~~واحدة لتعذر البيان والإعجاز بها # وما ذكروه فغايته أنه إذا كان كلام الله المحيط بجميع اللغات فلا يمتنع ~~أن يكون مشتملا على اللغات المختلفة ولكنه لا يوجبه فلا يقع ذلك في مقابلة ~~النصوص الدالة على عدمه PageV01P080 # | المسألة الخامسة # اختلفوا في إطلاق الاسم على مسماه المجازي هل يفتقر في كل صورة إلى كونه ~~منقولا عن العرب أو يكفي فيه ظهور العلاقة المعتبرة في التجوز كما عرفناه ~~أولا فمنهم من شرط في ذلك النقل مع العلاقة # ومنهم من اكتفى بالعلاقة لا غير PageV01P081 # احتج الشارطون للنقل بأنه لو اكتفى بالعلاقة لجاز تسمية غير الإنسان نخلة ~~لمشابهته لها في الطول كما جاز في الإنسان ولجاز تسمية الصيد شبكة والثمرة ~~شجرة وظل الحائط حائطا والابن أبا تعبيرا عن هذه الأشياء بأسماء أسبابها ~~لما بينها وبين أسبابها من الملازمة في الغالب # وهي من الجهات المصححة للتجوز # وليس كذلك # فدل على أنه لا بد من نقل الاستعمال ولقائل أن يقول ما المانع أن يكون ~~تحقق العلاقة بين محل الحقيقة ومحل التجوز كافيا في جواز إطلاق الاسم على ~~جهة المجاز وحيث وجدت العلاقة المجوزة ms035 للإطلاق في بعض الصور وامتنع الإطلاق ~~فإنما كان لوجود المنع من قبل أهل اللغة لا للتوقف على نقل استعمالهم للاسم ~~فيها على الخصوص # فإن قيل لو لم يكن نقل استعمال أهل اللغة معتبرا في محل التجوز فتسميته ~~باسم الحقيقة إما بالقياس عليه أو أنه مخترع للواضع المتأخر الأول ممتنع ~~لما يأتي والثاني فلا يكون من لغة العرب # قلنا لا يلزم من عدم التنصيص في آحاد الصور من أهل اللغة على التسمية أن ~~يكون كما ذكروه بل ثم قسم ثالث وهو أن تنص العرب نصا كليا على جواز إطلاق ~~الاسم الحقيقي على كل ما كان بينه وبينه علاقة منصوص عليها من قبلهم كما ~~بيناه # ولا معنى للمجاز إلا هذا # وهو غير خارج عن لغتهم # فإن قيل لو كان الأمر على ما ذكرتموه لكان المنع منهم متحققا مع وجود ~~المطلق وهو تعارض مخالف للأصل بخلاف ما ذكرناه # قلنا أمكن أن يكون المطلق ما ذكرناه مشروطا بعدم ظهور المنع ومع ~~PageV01P082 ظهور المنع ومع ظهور المنع فلا مطلق وفيه عوص # واحتج النافون بأن إطلاق المجاز مما لا يفتقر إلى بحث ونظر دقيق في ~~الجهات المصححة في التجوز # والأمر النقلي لا يكون كذلك وأيضا فإنه لو كان نقليا لما افتقر فيه إلى ~~العلاقة بينه وبين محل الحقيقة بل لكان النقل فيه كافيا # ولقائل أن يقول أما الأول فالنظر ليس في النقل بل في العلاقة التي بين ~~محل التجوز والحقيقة # وأما الثاني فلأن الافتقار إلى العلاقة إنما كان لضرورة توقف المجاز من ~~حيث هو مجاز عليها # وإلا كان إطلاق الاسم عليه من باب الاشتراك لا من باب المجاز # وإذا تقاومت الاحتمالات في هذه المسألة فعلى الناظر بالاجتهاد في الترجيح ~~PageV01P083 PageV01P084 # # | القسمة الرابعة # الاسم لا يخلو إما أن يكون بحيث لا يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون أو يصح # فالأول اسم العلم كزيد وعمرو والثاني إما أن لا يكون صفة أو هو صفة ~~والأول هو اسم الجنس وهو إما أن يكون عينا كالإنسان والفرس أو غير عين ~~كالعلم ms036 والجهل والصفة كالقائم والقاعد # وهو الاسم المشتق والمشتق هو ما غير من أسماء المعاني عن شكله بزيادة أو ~~نقصان في الحروف أو الحركات أو فيهما وجعل دالا على ذلك المعنى وعلى موضوع ~~له غير معين كتسمية الجسم الذي قام به السواد أسود والبياض أبيض ونحوه # ولا يتصور أن يكون المشتق إلا كذلك # وهل يشترط قيام المشتق منها بما له الاشتقاق وهل يلزم الاشتقاق من الصفة ~~المعنوية لما قامت به فذلك مما أوجبه أصحابنا ونفاه المعتزلة حيث إنهم ~~جوزوا اشتقاق اسم المتكلم لله تعالى من كلام مخلوق له غير قائم بذاته ولم ~~يوجبوا الاشتقاق منه للمحل الذي خلق فيه # وقد عرفنا مأخذ الخلاف PageV01P085 من الجانبين وما هو الصحيح منه في ~~أبكار الأفكار فليلتمس # مسائل هذه القسمة مسألتان # | المسألة الأولى # في أن بقاء الصفة المشتق منها هل يشترط في إطلاق اسم المشتق حقيقة أم لا # فأثبته قوم ونفاه آخرون وقد فصل بعضهم بين ما هو ممكن الحصول وما ليس ~~ممكنا # فاشترط ذلك في الممكن دون غيره # احتج الشارطون بأنه لو كان إطلاق الضارب على شخص ما حقيقة بعد انقضائه ~~صفة الضرب منه لما صح نفيه # ويصح أن يقال إنه في الحال ليس بضارب # ولقائل أن يقول صحة سلب الضاربية عنه في الحال إنما يلزم منه سلبها عنه ~~مطلقا إذ لو لم يكن أعم من الضاربية في الحال وهو غير مسلم # وعند ذلك فلا يلزم من صحة سلب الأخص سلب الأعم # فإن قيل قول القائل هذا ضارب لا يفيد سوى كونه ضاربا في الحال فإذا سلم ~~صحة سلبه في الحال فهو المطلوب # قلنا هذا بعينه إعادة دعوى محل النزاع # بل الضارب هو من حصل له الضرب وهو أعم من حصول الضرب له في الحال # فالضارب أعم من الضارب في الحال PageV01P086 فإن قيل وكما أن حصول الضرب ~~أعم من حصول الضرب في الحال لانقسامه إلى الماضي والحال فهو أعم من ~~المستقبل أيضا لانقسامه إلى الحال والمستقبل # فإن صدق اسم الضارب حقيقة باعتبار هذا المعنى ms037 الأعم فليكن اسم الضارب ~~حقيقة قبل وجود الضرب منه كما كان حقيقة بعد زوال الضرب # قلنا الضارب حقيقة من حصل منه الضرب # وهذا يصدق على من وجد منه الضرب في الماضي أو الحال بخلاف من سيوجد منه ~~الضرب في المستقبل فإنه لا يصدق عليه أنه حصل منه الضرب # وعند ذلك فلا يلزم من صدق الضارب حقيقة على من وجد منه الضرب صدقه حقيقة ~~على من سيوجد منه الضرب ولم يوجد # واحتج النافون بوجوه الأول أن أهل اللغة قالوا إذا كان اسم الفاعل بتقدير ~~الماضي لا يعمل عمل الفعل فلا يقال ضارب زيدا أمس كما يقال بتقدير المستقبل ~~بل يقال ضارب زيد أطلقوا عليه اسم الفاعل باعتبار ما صدر عنه من الفعل ~~الماضي # الثاني أنه لو كان وجود ما منه الاشتقاق شرطا في صحة الاشتقاق حقيقة لما ~~كان إطلاق اسم المتكلم والمخبر حقيقة أصلا لأن ذلك لا يصح إلا بعد تحقق ~~الكلام منه والخبر وهو إنما يتم بمجموع حروفه وأجزائه ولا وجود للحروف ~~السابقة مع الحرف الأخير أصلا ولا حقا بامتناع كونه متكلما حقيقة قبل وجود ~~الكلام فلو لم يكن حقيقة عند آخر جزء من الكلام والخبر مع عدم وجود الكلام ~~والخبر في تلك الحالة لما كان حقيقة أصلا وهو ممتنع وإلا لصح أن يقال إنه ~~ليس بمتكلم إذ هو لازم نفي الحقيقة ولما حنث من حلف أن فلانا لم يتكلم ~~حقيقة وإنني لا أكلم فلانا حقيقة إذا كان قد تكلم أو كلمه # الثالث إن الضارب من حصل منه الضرب ومن وجد منه الضرب في الماضي يصدق ~~عليه أنه قد حصل منه الضرب فكان ضاربا حقيقة PageV01P087 # ولقائل أن يقول أما الوجه الأول فإنه لا يلزم من إطلاق اسم الفاعل عليه ~~أن يكون حقيقة ولهذا فإنهم قالوا اسم الفاعل إذا كان بتقدير المستقبل عمل ~~عمل الفعل # فقيل ضارب زيدا غدا وليس ذلك حقيقة بالاتفاق # وأما الوجه الثاني فغير لازم أيضا إذ للخصم أن يقول شرط كون المشتق حقيقة ~~إنما هو وجود ما ms038 منه الاشتقاق إن أمكن وإلا فوجود آخر جزء منه # وذلك متحقق في الكلام والخبر بخلاف ما نحن فيه # وأما الثالث فلا نسلم أن اسم الضارب حقيقة على من وجد منه الضرب مطلقا بل ~~من الضرب حاصل منه حالة تسميته ضاربا # ثم يلزم تسمية أجلاء الصحابة كفرة لما وجد منهم من الكفر السابق والقائم ~~قاعدا والقاعد قائما لما وجد منه من القعود والقيام السابق وهو غير جائز ~~بإجماع المسلمين وأهل اللسان # هذا ما عندي في هذه المسألة وعليك بالنظر والاعتبار # # | المسألة الثانية # اختلفوا في الأسماء اللغوية هل ثبتت قياسا أم لا # فأثبته القاضي أبو بكر وابن سريج من أصحابنا وكثير من الفقهاء وأهل ~~العربية # وأنكره معظم أصحابنا والحنفية وجماعة من أهل الأدب مع اتفاقهم على امتناع ~~جريان القياس في أسماء الأعلام وأسماء الصفات # أما أسماء الأعلام فلكونها غير موضوعة لمعان موجبة لها والقياس لا بد فيه ~~من معنى جامع إما معرف وإما داع # وإذا قيل في حق الأشخاص في زماننا هذا سيبويه وهذا جالينوس # فليس بطريق القياس في التسمية بل معناه هذا حافظ كتاب سيبويه وعلم ~~جالينوس بطريق التجوز كما يقال قرأت سيبويه والمراد به كتابه # وأما أسماء الصفات الموضوعة للفرق بين الص 4 فات كالعالم كالقادر ~~PageV01P088 فلأنها واجبة الاطراد نظرا إلى تحقق معنى الاسم فإن مسمى ~~العالم من قام به العلم وهو متحقق في حق كل من قام به العلم فكان إطلاق اسم ~~العالم عليه ثابتا بالوضع لا بالقياس إذ ليس قياس أحد المسميين المتماثلين ~~في المسمى على الآخر أولى من العكس وإنما الخلاف في الأسماء الموضوعة على ~~مسمياتها مستلزمة لمعان في محالها وجودا وعدما وذلك كإطلاق اسم الخمر على ~~النبيذ بواسطة مشاركته للمعتصر من العنب في الشدة المطربة المخمرة على ~~العقل وكإطلاق اسم السارق على النباش بواسطة مشاركته للسارقين من الأحياء ~~في أخذ المال على سبيل الخفية وكإطلاق اسم الزاني على اللائط بواسطة ~~مشاركته للزاني في إيلاج الفرج المحرم والمختار أنه لا قياس وذلك لأنه إما ~~أن ينقل عن ms039 العرب أنهم وضعوا اسم الخمر لكل مسكر أو للمعتصر من العنب خاصة ~~أو لم ينقل شيء من ذلك فإن كان الأول فاسم الخمر ثابت للنبيذ بالتوقيف لا ~~بالقياس # وإن كان الثاني فالتعدية تكون على خلاف المنقول عنهم ولا يكون ذلك من ~~لغتهم # وإن كان الثالث فيحتمل أن يكون الوصف الجامع الذي به التعدية دليلا على ~~التعدية ويحتمل أن لا يكون دليلا بدليل ما صرح بذلك وإذا احتمل احتمل فليس ~~أحد الأمرين أولى من الآخر # فالتعدية تكون ممتنعة # فإن قيل الوصف الجامع وإن احتمل أن لا يكون دليلا غير أن احتمال كونه ~~دليلا أظهر وبيانه من ثلاثة أوجه الأول إن الاسم دار مع الوصف في الأصل ~~وجودا وعدما # والدوران دليل كون وجود الوصف أمارة على الاسم فيلزم من وجوده في الفرع ~~وجود الاسم # الثاني إن العرب إنما سمت باسم الفرس والإنسان الذي كان في PageV01P089 ~~زمانهم وكذلك وصفوا الفاعل في زمانهم بأنه رفع والمفعول نصب وإنما وصفوا ~~بعض الفاعلين والمفعولين ومع ذلك فالاسم مطرد في زماننا بإجماع أهل اللغة ~~في كل إنسان وفرس وفاعل ومفعول وليس ذلك إلا بطريق القياس # الثالث قوله تعالى @QB@ فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ 59 الحشر 2 ) وهو ~~عام في كل قياس # ثم ما ذكرتموه باطل بالقياس الشرعي # فإن كل ما ذكرتموه من الأقسام بعينه متحقق فيه # ومع ذلك فالقياس صحيح متبع وهو أيضا على خلاف مذهب الشافعي فإنه سمى ~~النبيذ خمرا وأوجب الحد بشربه وأوجب الحد على اللائط قياسا على الزنى وأوجب ~~الكفارة في يمين الغموس قياسا على اليمين في المستقبل وتأول حديث الشفعة ~~للجار بحمله على الشريك في الممر وقال العرب تسمي الزوجة جارا فالشريك أولى # قلنا جواب الأول إن دوران الاسم مع الوصف في الأصل وجودا وعدما لا يدل ~~على كونه علة للاسم بمعنى كونه داعيا إليه وباعثا بل إن كان ولا بد فبمعنى ~~كونه أمارة وكما دار مع اسم الخمر مع الشدة المطربة دار مع خصوص شدة ~~المعتصر من العنب وذلك غير موجود في النبيذ ms040 فلا قياس # ثم ما ذكروه منتقض بتسمية العرب للرجل الطويل نخلة والفرس الأسود أدهم ~~والملون بالبياض والسواد أبلق والاسم فيه دائر مع الوصف في الأصل وجودا ~~وعدما # ومع ذلك لم يسموا الفرس والجمل لطوله نخلة ولا الإنسان المسود أدهم ولا ~~المتلون من باقي الحيوانات بالسواد والبياض أبلق # وكل ما هو جوابهم في هذه الصور جوابنا في موضع النزاع # وجواب الثاني أن ما وقع الاستشهاد به لم يكن مستند التسمية فيه على ~~الإطلاق القياس بل العرب وضعت تلك الأسماء للأجناس المذكورة بطريق العموم ~~لا أنها وضعتها للمعين ثم طرد القياس في الباقي # وجواب الثالث بمنع العموم في كل اعتبار وإن كان عاما في المعتبر فلا يدخل ~~فيه القياس في اللغة # وأما النقض بالقياس الشرعي فغير متجه من جهة أن اجتماع الأمة من السلف ~~عندنا أوجب الإلحاق عند ظن PageV01P090 الاشتراك في علة حكم الأصل حتى إنه ~~لو لم يكن إجماع لم يكن قياس # ولا إجماع فيما نحن فيه من الأمة السابقة على الإلحاق # فلا قياس # وأما تسمية الشافعي رضي الله عنه النبيذ خمرا فلم يكن في ذلك مستندا إلى ~~القياس بل إلى قوله عليه السلام إن من التمر خمرا وهو توقيف لا قياس ~~وإيجابه للحد في اللواط وفي النبش لم يكن لكون اللواط زنى ولا لكون النبش ~~سرقة بل لمساواة اللواط للزنى والنبش للسرقة في المفسدة المناسبة للحد ~~المعتبر في الشرع # وأما يمين الغموس فإنما سميت يمينا لا بالقياس بل بقوله صلى الله عليه ~~وسلم اليمن الغموس تدع الديار بلاقع فكان ذلك بالتوقيف # وأما تسمية الشافعي للشريك جارا إنما كان بالتوقيف لا بالقياس على الزوجة ~~وإنما ذكر الزوجة لقطع الاستبعاد في تسمية الشريك جارا لزيادة قربه بالنسبة ~~إلى الجار الملاصق فقال الزوجة أقرب من الشريك وهي جار فلا يستبعد ذلك فيما ~~هو أبعد منها وبتقدير أن يكون قائلا بالقياس في اللغة إلا أن غيره مخالف له # والحق من قوليهما أحق أن يتبع PageV01P091 # # | الفصل الخامس في الفعل وأقسامه # والفعل ما دل على حدث ms041 مقترن بزمان محصل والحدث المصدر وهو اسم الفعل ~~والزمان المحصل الماضي والحال والمستقبل # وهو منقسم بحسب انقسام الزمان فالماضي منه كقام وقعد والحاضر والمستقبل ~~في اللفظ واحد ويسمى المضارع وهو ما في أوله إحدى الزوائد الأربع وهي ~~الهمزة والتاء والنون والياء كقولك أقوم وتقوم ونقوم ويقوم # وتخليص المستقبل عن الحاضر بدخول السين أو سوف عليه كقولك سيقوم وسوف ~~يقوم # وأما فعل الأمر فما نزع منه حرف المضارعة لا غير كقولك في يقوم قم ونحوه # ويدخل في هذه الأقسام فعل ما لم يسم فاعله وأفعال القلوب والجوارح ~~والأفعال الناقصة وأفعال المدح والذم والتعجب # والفعل وإن كان كلمة مفردة عند النحاة مطلقا فعند الحكماء PageV01P092 ~~المفرد منه إنما هو الماضي دون المضارع # وذلك لأن حرف المضارعة في المضارع هو الدال على الموضوع معينا كان أو غير ~~معين والمفرد هو الدال الذي لا جزء له يدل على شيء أصلا على ما سبق تحقيقه ~~في حد المفرد # وهو بخلاف الماضي فإنه وإن دل على الفعل وعلى موضوعه فليس فيه حرف يدل ~~على الموضوع فكان مفردا # وقد ألحق بعضهم ما كان من المضارع الذي في أوله الياء بالماضي في الإفراد ~~دون غيره لاشتراكهما في الدلالة على الفعل وعلى موضوع له غير معين وليس بحق # فإنهما وإن اشتركا في هذا المعنى فمفترقان من جهة دلالة الياء على ~~الموضوع الذي ليس معينا بخلاف الماضي حيث إنه لم يوجد منه حرف يدل على ~~الموضوع كما سبق PageV01P093 # # | الفصل السادس في الحرف وأصنافه # الحرف ما دل على معنى في غيره وهو على أصناف منها حرف الإضافة وهو ما ~~يفضي بمعاني الأفعال إلى الأسماء # وهو ثلاثة أقسام الأول منه ما لا يكون إلا حرفا كمن وإلى وحتى وفي والباء ~~واللام ورب وواو القسم وتائه # أما من فهي قد تكون لابتداء الغاية كقولك سرت من بغداد وللتبعيض كقولك ~~أكلت من الخبز ولبيان الجنس كقولك خاتم من حديد وزائدة كقولك ما جاءني من ~~أحد # وأما إلى فهي قد تكون لانتهاء الغاية كقولك سرت إلى ms042 بغداد وبمعنى مع ~~كقوله تعالى @QB@ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم @QE@ 4 النساء 2 ) وأما ~~حتى ففي معنى إلى وأما في فللظرفية كقولك وزيد في الدار # وقد ترد بمعنى على PageV01P094 كقوله تعالى @QB@ ولأصلبنكم في جذوع النخل ~~@QE@ 20 طه 71 ) # وقد يتجوز بها في قولهم نظرت في العلم الفلاني # وأما الباء فللإلصاق كقولك به داء # وقد تكون للاستعانة كقولك كتبت بالقلم # والمصاحبة كقولك اشتريت الفرس بسرجه وقد ترد بمعنى على قال الله تعالى ~~@QB@ ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه ~~بدينار لا يؤده إليك @QE@ 3 آل عمران 75 ) أي على قنطار وعلى دينار وقد ترد ~~بمعنى من أجل قال الله تعالى @QB@ ولم أكن بدعائك رب شقيا @QE@ 19 مريم 4 ) ~~أي لأجل دعائك وقيل بمعنى في دعائك # وقد تكون زائدة كقوله تعالى @QB@ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة @QE@ 2 ~~البقرة 195 ) # وأما اللام فهي للاختصاص كقولك المال لزيد وقد تكون زائدة كقوله ردف لكم # وأما رب فهي للتقليل ولا تدخل إلا على النكرة كقولك رب رجل عالم # وأما واو القسم فمبدلة عن باء الإلصاق في قولك أقسمت بالله # و التاء مبدلة من الواو في تالله # القسم الثاني ما يكون حرفا واسما كعلى وعن والكاف ومذ ومنذ # فأما على فهي للاستعلاء وهي إما حرف كقولك على زيد دين وإما اسم كقول ~~الشاعر PageV01P095 غدت من عليه بعدما تم ظمئها تصل وعن قيض بزيزاء مجهل ~~وأما عن فللمباعدة وهي إما حرف كقوله تعالى @QB@ فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره @QE@ 24 النور 63 ) وإما اسم كقولك جلست من عن يمينه # وأما الكاف فقد تكون حرفا للتشبيه كقولك زيد كعمرو # وقد تكون اسما كقول الشاعر يضحكن عن كالبرد المنهم وأما مذ و منذ فحرفان ~~لابتداء الغاية في الزمان تقول ما رأيته مذ اليوم ومنذ يوم الجمعة # وقد يكونان اسمين إذا رفعا ما بعدهما # القسم الثالث ما يكون حرفا وفعلا كحاشا وخلا وعدا # فإنها تخفض ما بعدها بالحرفية وقد تنصبه بالفعلية ومنها الحرف المضارع ~~للفعل ms043 وهو ينصب الاسم ويرفع الخبر مثل إن وأن ولكن وكأن وليت ولعل # ومنها حروف العطف وهي عشرة منها أربعة تشترك في جميع المعطوف والمعطوف ~~عليه في حكم غير أنها تختلف في أمور أخرى وهذه هي الواو والفاء وثم وحتى # أما الواو فقد اتفق جماهير أهل الأدب على أنها للجمع المطلق غير مقتضية ~~ترتيبا ولا معية # ونقل عن بعضهم أنها للترتيب مطلقا ونقل عن الفراء أنها للترتيب حيث ~~يستحيل الجمع كقوله @QB@ يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا @QE@ 22 الحج ~~77 ) وقيل إنها ترد بمعنى أو كقوله تعالى @QB@ أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ~~@QE@ 35 فاطر 1 ) قيل أراد مثنى أو ثلاث أو رباع # وقد ترد للاستئناف كالواو PageV01P096 في قوله تعالى @QB@ وما يعلم ~~تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به @QE@ 3 آل عمران 7 ) ~~تقديره والراسخون يقولون آمنا به وقد ترد بمعنى مع في باب المفعول معه تقول ~~جاء البرد والطيالسة # وقد ترد بمعنى إذ قال الله تعالى @QB@ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة ~~نعاسا @QE@ 3 آل عمران 154 ) إلى قوله @QB@ وطائفة قد أهمتهم أنفسهم @QE@ 3 ~~آل عمران 154 ) أي إذ طائفة قد أهمتهم أنفسهم # احتج القائلون بالجمع المطلق من تسعة أوجه الأول أنه لو كانت الواو في ~~قول القائل رأيت زيدا وعمرا للترتيب لما صح قوله تعالى @QB@ وادخلوا الباب ~~سجدا وقولوا حطة @QE@ 2 البقرة 58 ) في آية وفي آية أخرى @QB@ وقولوا حطة ~~وادخلوا الباب سجدا @QE@ 7 الأعراف 161 ) مع اتحاد القضية لما فيه من جعل ~~المتقدم متأخرا والمتأخر متقدما # الثاني أنه لو كانت للترتيب لما حسن قول القائل تقاتل زيد وعمرو إذ لا ~~ترتيب فيه # الثالث أنه كان يلزم أن يكون قول القائل جاء زيد وعمرو كاذبا عند مجيئهما ~~معا أو تقدم المتأخر وليس كذلك # الرابع أنه كان يلزم أن يكون قوله رأيت زيدا وعمرا بعده تكريرا وقبله ~~تناقضا # الخامس أنها لو كانت للترتيب لما حسن الاستفسار عن تقدم أحدهما وتأخر ~~الآخر لكونه مفهوما من ظاهر العطف # السادس أنه ms044 كان يجب على العبد الترتيب عند قول سيده له إيت بزيد وعمرو ~~PageV01P097 # السابع هو أن واو العطف في الأسماء المختلفة جارية مجرى واو الجمع وفي ~~الأسماء المتماثلة مجرى ياء التثنية وهما لا يقتضيان الترتيب فكذلك ما هو ~~جار مجراهما # الثامن أن الجمع المطلق معقول فلا بد له من حرف يفيده وليس ثم من الحروف ~~ما يفيده سوى الواو بالإجماع فتعين أن يكون هو الواو # التاسع أنها لو أفادت الترتيب لدخلت في جواب الشرط كالفاء ولا يحسن أن ~~يقال إذا دخل زيد الدار وأعطه درهما كما يحسن أن يقال فأعطه درهما # ولقائل أن يقول على الوجه الأول إذا كان من أصل المخالف أن الواو ظاهرة ~~في الترتيب فلا يمنع ذلك من حملها على غير الترتيب تجوزا وعلى هذا فحيث ~~تعذر حملها على الترتيب في الآيتين المذكورتين لا يمنع من استعمالها في غير ~~الترتيب بجهة التجوز # وكذلك الكلام في قولهم تقاتل زيد وعمرو ولا يلزم من التجوز بالواو في غير ~~الترتيب أن يتجوز عنه بالفاء وثم إذ هو غير لازم مع اختلاف الحروف # وعلى الوجه الثالث أنه لا يلزم أن يكون كاذبا بتقدير المعية أو تقدم ~~المتأخر في اللفظ لإمكان التجوز بها عن الجمع المطلق كما لو قال رأيت أسدا ~~وكان قد رأى إنسانا شجاعا # وعلى الرابع أنه إذا قال رأيت زيدا وعمرا بعده لا يكون تكريرا لأنه يكون ~~مفيدا لامتناع حمله على الجمع المطلق لاحتمال توهمه بجهة التجوز # وإذا قال رأيت زيدا وعمرا قبله لا يكون تناقضا لكونه مفيدا لإرادة جهة ~~التجوز # وعلى الخامس أنه إنما حسن الاستفسار لاحتمال اللفظ له تجوزا # وعلى السادس أنه إنما لم يجب على العبد الترتيب نظرا إلى قرينة الحال ~~PageV01P098 المقتضية لإرادة جهة التجوز حتى إنه لو فرض عدم القرينة لقد ~~كان ذلك موجبا للترتيب # فإن قيل لو كانت الواو حقيقة في الترتيب فإفادتها للجمع المطلق عند ~~تفسيرها به إن كان مجازا فهو خلاف الأصل وإن كان حقيقة فليزم منه الاشتراك ~~وهو أيضا على خلاف الأصل ms045 # قلنا ولو كانت حقيقة في الجمع المطلق فإفادتها للترتيب عند تفسيرها به ~~وإن كان مجازا فهو خلاف الأصل وإن كان حقيقة كان مشتركا وهو خلاف الأصل # وليس أحد الأمرين أولى من الآخر فإن قيل بل ما ذكرناه أولى لأنها إذا ~~كانت حقيقة في الترتيب خلا الجمع المطلق عن حرف يخصه ويدل عليه وإذا كانت ~~حقيقة في الجمع المطلق لم يخل الترتيب عن حرف يدل عليه لدلالة الفاء وثم ~~عليه # قلنا فنحن إنما نجعلها حقيقة في الترتيب المطلق المشترك بين الفاء وثم ~~وذلك مما لا تدل عليه الفاء و ثم دلالة مطابقة بل إما بجهة التضمن أو ~~الالتزام # وكما أنها تدل على الترتيب المشترك بدلالة التضمن أو الالتزام فتدل على ~~الجمع المطلق هذه الدلالة # وعند ذلك فليس إخلاء الترتيب المشترك عن لفظ يطابقه أولى من إخلاء الجمع ~~المطلق # وعلى السابع أن ما ذكروه إنما يلزم أن لو كانت الواو جارية مجرى واو ~~الجمع وياء التثنية مطلقا وليس كذلك لأنه لا مانع من كونها جارية مجراهما ~~في مطلق الجمع مع كونها مختصة بالترتيب # كما في الفاء وثم # وعلى الثامن أنه كما أن الجمع المطلق معقول ولا بد له من حرف يدل عليه ~~فالترتيب المطلق أيضا معقول ولا بد له من حرف يدل عليه # وليس ما يفيده بالإجماع سوى الواو فتعين كيف وإن الجمع المطلق حاصل بقوله ~~رأيت زيدا رأيت عمرا PageV01P099 # وعلى التاسع أن ما ذكروه منتقض بثم وبعد # وأما المثبتون للترتيب فقد احتجوا بالنقل والحكم والمعنى أما النقل فقوله ~~تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا @QE@ 22 الحج 77 ) فإنه ~~مقتض للترتيب وأيضا ما روي أنه لما نزل قوله تعالى @QB@ إن الصفا والمروة ~~من شعائر الله @QE@ 2 البقرة 58 ) قال الصحابة للنبي عليه السلام بم نبدأ ~~قال ابدؤوا بما بدأ الله به ولولا أن الواو للترتيب لما كان كذلك # وأيضا ما روي أن واحدا قام بين يدي رسول الله وقال من أطاع الله ورسوله ~~فقد اهتدى ومن عصاهما فقد غوى فقال عليه ms046 السلام بئس خطيب القوم أنت قل ومن ~~عصى الله ورسوله فقد غوى ولو كانت الواو للجمع المطلق لما وقع الفرق # وأيضا ما روي عن عمر أنه قال لشاعر قال كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا ~~لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك وكان عمر من أهل اللسان وذلك يدل على ~~الترتيب # وأيضا ما روي أن الصحابة أنكروا على ابن عباس وقالوا له لم تأمرنا ~~بالعمرة قبل الحج وقد قال الله @QB@ وأتموا الحج والعمرة لله @QE@ 2 البقرة ~~196 ) وكانوا أيضا من أهل اللسان وذلك يدل على الترتيب ولولا أن الواو ~~للترتيب لما كان كذلك # وأما الحكم فإنه لو قال الزوج لزوجته قبل الدخول بها أنت طالق وطالق ~~وطالق وقع بها طلقة واحدة ولو كانت الواو للجمع المطلق لوقعت الثلاث كما لو ~~قال لها أنت طالق ثلاثا PageV01P100 وأما المعنى فهو أن الترتيب في اللفظ ~~يستدعي سببا والترتيب في الوجود صالح له فوجب الحمل عليه # أجاب النافون عن النقل أما الآية فلا نسلم أن الترتيب مستفاد منها بل من ~~دليل آخر وهو أن النبي عليه السلام صلى ورتب الركوع قبل السجود وقال صلوا ~~كما رأيتموني أصلي ولو كانت الواو للترتيب لما احتاج النبي عليه السلام إلى ~~هذا البيان # وأما قوله عليه السلام ابدؤوا بما بدأ الله به فهو دليل عليهم حيث سأله ~~الصحابة عن ذلك مع أنهم من أهل اللسان ولو كانت الواو للترتيب لما احتاجوا ~~إلى ذلك السؤال # ولقائل أن يقول ولو كانت للجمع المطلق لما احتاجوا إلى السؤال فيتعارضان ~~ويبقى قوله عليه السلام ابدؤوا بما بدأ الله به وهو دليل الترتيب # وأما قوله عليه السلام قل ومن عصى الله ورسوله فقد غوى إنما قصد به إفراد ~~ذكر الله تعالى أولا مبالغة في تعظيمه لا أن الواو للترتيب ويدل عليه أن ~~معصية الله ورسوله لا انفكاك لإحداهما عن الأخرى حتى يتصور فيهما الترتيب # وأما قول عمر فمبني على قصد التعظيم بتقديم ذكر الأعظم على قصد الترتيب # وأما قصة الصحابة مع ابن عباس فلم يكن ms047 مستند إنكارهم لأمره بتقديم العمرة ~~على الحج كون الآية مقتضية لترتيب العمرة بعد الحج بل لأنها مقتضية للجمع ~~المطلق وأمره بالترتيب مخالف لمقتضى الآية كيف وإن فهمهم لترتيب العمرة على ~~الحج من الآية معارض بما فهمه ابن عباس وهو ترجمان القرآن # وأما الحكم فهو ممنوع على أصل من يعتقد أن الواو للجمع المطلق ~~PageV01P101 # وبه قال أحمد بن حنبل وبعض أصحاب مالك والليث بن سعد وربيعة بن أبي ليلى # وقد نقل عن الشافعي ما يدل عليه في القديم # وإن سلم ذلك فالوجه في تخريجه أن يقال إذا قال لها أنت طالق ثلاثا ~~فالأخير تفسير للأول والكلام يعتبر بجملته بخلاف قوله أنت طالق وطالق وطالق # وأما المعنى فهو منقوض بقوله رأيت زيدا رأيت عمرا فإن تقديم أحد الاسمين ~~في الذكر لا يستدعي تقديمه في نفس الأمر إجماعا # كيف وإنه يجوز أن يكون السبب في تقديمه ذكرا لزيادة حبه له واهتمامه ~~بالإخبار عنه أو لأنه قصد الإخبار عنه لا غير ثم تجدد له قصد الإخبار عن ~~الآخر عند إخباره عن الأول # وبالجملة فالكلام في هذه المسألة متجاذب وإن كان الأرجح هو الأول في ~~النفس # وأما الفاء و ثم و حتى فإنها تقتضي الترتيب # وتختلف من جهات أخر # فأما الفاء فمقتضاها إيجاب الثاني بعد الأول من غير مهلة # هذا مما اتفق الأدباء على نقله عن أهل اللغة # وقوله تعالى @QB@ وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا @QE@ 7 الأعراف 4 ) ~~وإن كان مجيء البأس لا يتأخر عن الهلاك فيجب تأويله بالحكم بمجيء البأس بعد ~~هلاكها ضرورة موافقة للنقل # وقوله تعالى @QB@ لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب @QE@ 20 طه 61 ) ~~وقوله تعالى @QB@ وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة @QE@ 2 ~~البقرة 283 ) فإنه وإن كان الإسحات بالعذاب مما يتراخى عن الافتراءه بالكذب # وكذلك الرهن مما يتراخى عن المداينة غير أنه يجب تأويله بأن حكم الافتراء ~~الإسحات وحكم المداينة الرهنية لما ذكرناه من موافقة النقل # وقد ترد الفاء مورد الواو كقول الشاعر بسقط اللوى بين ms048 الدخول فحومل وأما ~~ثم فإنها توجب الثاني بعد الأول بمهلة وقوله تعالى @QB@ وإني لغفار لمن تاب ~~وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى @QE@ PageV01P102 20 طه 82 ) وإن كان الاهتداء ~~يتراخى عن التوبة والإيمان والعمل الصالح فيجب حمله على دوام الاهتداء ~~وثباته ضرورة موافقة النقل # وقيل إنها قد ترد بمعنى الواو كقوله تعالى @QB@ فإلينا مرجعهم ثم الله ~~شهيد على ما يفعلون @QE@ 10 يونس 46 ) لاستحالة كونه شاهدا بعد أن لم يكن ~~شاهدا # وأما حتى فموجبة لكون المعطوف جزءا من المعطوف عليه نحو قولك مات الناس ~~حتى الأنبياء وقدم الحاج حتى المشاة # فالأول أفضله والثاني دونه # وثلاثة منها تشترك في تعليق الحكم بأحد المذكورين وهي أو وإما وأم # إلا أن أو و إما يقعان في الخبر والأمر والاستفهام # و أم لا تقع إلا في الاستفهام # غير أن أو و إما في الخبر للشك تقول جاء زيد أو عمرو وجاء إما زيد وإما ~~عمرو وفي الأمر للتخيير تقول اضرب زيدا أو عمرا واضرب إما زيدا وإما عمرا # وللإباحة تقول جالس الحسن أو ابن سيرين # وأو في الاستفهام مع الشك في وجود الأمرين وأم مع العلم بأحدهما والشك في ~~تعيينه # وثلاثة منها تشترك في أن المعطوف مخالف للمعطوف عليه في حكمه وهي لا وبل ~~ولكن # تقول جاءني زيد لا عمر بل عمرو وما جاءني زيد لكن عمرو ومنها حروف النفي ~~وهي ما ولا ولم ولما ولن وإن بالتخفيف # فأما ما فلنفي الحال أو الماضي القريب من الحال كقولك ما تفعل ما فعل # وأما لا فلنفي المستقبل إما خبرا كقولك لا رجل في الدار أو PageV01P103 ~~نهيا كقولك لا تفعل أو دعاء كقولك لا رعاك الله # وأما لم و لما فلقلب المضارع إلى الماضي تقول لم يفعل ولما يفعل و لن ~~لتأكيد المستقبل كقولك لن أبرح اليوم مكاني تأكيدا كقولك لا أبرح اليوم ~~مكاني # و إن لنفي الحال كقوله تعالى @QB@ إن كانت إلا صيحة واحدة @QE@ 36 يس 29 ~~) # ومنها حروف التنبيه وهي ها وألا وأما # تقول ها أفعل ms049 كذا وألا زيد قائم وأما إنك خارج # ومنها حروف النداء وهي يا وأيا وهيا وأي والهمزة ووا # والثلاثة الأول لنداء البعيد وأي والهمزة للقريب و وا للندبة # ومنها حروف التصديق والإيجاب وهي نعم وبلى وأجل وجير وإي وإن فنعم مصدقة ~~لما سبق من قول القائل قام زيد ما قام زيد و بلى لإيجاب ما نفي كقولك بلى ~~لمن قال ما قام زيد # وأجل لتصديق الخبر لا غير كقولك أجل لمن قال جاء زيد # و جير و إن و إي للتحقيق تقول جير لأفعلن كذلك وإن الأمر كذا وإي والله ~~ومنها حروف الاستثناء وهي إلا وحاشا وعدا وخلا # والحرف المصدري وهو ما في قولك أعجبني ما صنعت أي صنعك # و أن في قولك أريد أن تفعل كذا أي فعلك # وحروف التحضيض وهي لولا ولوما وهلا وألا فعلت كذا إذا أردت الحث على ~~الفعل PageV01P104 # وحرف تقريب الماضي من الحال وهو قد في قولك قد قام زيد # وحروف الاستفهام وهي الهمزة وهل في قولك أزيد قام وهل زيد قائم وحروف ~~الاستقبال وهي السين وسوف وأن ولا وإن # في قولك سيفعل وسوف يفعل وأريد أن تفعل ولا تفعل وإن تفعل # وحروف الشرط وهي إن ولو في قولك إن جئتني ولو جئتني أكرمتك # وحرف التعليل وهو كي في قولك قصدت فلانا كي يحسن إلي # وحرف الردع وهو كلا في قولك جوابا لمن قال لك إن الأمر كذا # ومنها حروف اللامات وهي لام التعريف الداخلة على الاسم المنكر لتعريفه ~~كالرجل ولام جواب القسم في قولك والله لأفعلن كذا والموطئة للقسم في قولك ~~والله لئن أكرمتني لأكرمنك ولام جواب لو ولولا في قولك لو كان كذا لكان كذا ~~ولولا كان كذا لكان كذا ولام الأمر في قولك ليفعل زيد ولام الابتداء في ~~قولك لزيد منطلق # ومنها تاء التأنيث الساكنة في قولك فعلت # ومنها التنوين والنون المؤكدة في قولك والله لأفعلن كذا # وهذا اخر الكلام في النوع الأول # النوع الثاني في تحقيق مفهوم المركب من مفردات الألفاظ وهو ms050 الكلام # اعلم أن اسم الكلام قد يطلق على العبارات الدالة بالوضع تارة وعلى ~~PageV01P105 مدلولها القائم بالنفس تارة على ما حققناه في كتبنا الكلامية # والمقصود هاهنا إنما هو معنى الكلام اللساني دون النفساني # والكلام اللساني قد يطلق تارة على ما ألف من الحروف والأصوات من غير ~~دلالة على شيء ويسمى مهملا وإلى ما يدل # ولهذا يقال في اللغة هذا كلام مهمل وهذا كلام غير مهمل وسواء كان إطلاق ~~الكلام على المهمل حقيقة أو مجازا # والغرض هاهنا إنما هو بيان الكلام الذي ليس بمهمل لغة وقد اختلف فيه فذهب ~~أكثر الأصوليين إلى أن الكلمة الواحدة إذا كانت مركبة من حرفين فصاعدا كلام # ولا جرم قالوا في حده هو ما انتظم من الحروف المسموعة المميزة المتواضع ~~على استعمالها الصادرة عن مختار واحد # وقصدوا بالقيد الأول الاحتراز عن الحرف الواحد كالزاي من زيد وبالقيد ~~الثاني الاحتراز عن حروف الكتابة وبالقيد الثالث الاحتراز عن أصوات كثيرة ~~من البهائم والمهملات من الألفاظ وبالقيد الرابع الاحتراز عن الاسم الواحد ~~إذا صدرت حروفه كل حرف من شخص فإنه لا يسمى كلاما # ومنهم من قال إن الكلمة الواحدة تسمى كلاما # لكن اختلفوا فيما اجتمع من كلمات وهو غير مفيد كقول القائل زيد لا كلما ~~ونحوه هل هو كلام فمنهم من قال إنه كلام لأن آحاد كلماته وضعت للدلالة # ومنهم من لم يسمه كلاما # والنزاع في إطلاق اسم الكلام في هذه الصور مائل إلى الاصطلاح الخارج عن ~~وضع اللغة باتفاق من أهل الأدب # وأما مأخذه في اصطلاح أهل اللغة قال الزمخشري وهو ناقد بصير في هذه ~~الصناعة الكلام هو المركب من كلمتين أسندت إحداهما إلى الأخرى # فقوله المركب من كلمتين احتراز عن الكلمة الواحدة # وقوله PageV01P106 أسندت إحداهما إلى الأخرى احتراز عن قولك زيد عمرو وعن ~~قولك زيد على أو زيد في أو قام في # فإن المجموع منهما مركب من كلمتين وليس بكلام لعدم إسناد إحداهما إلى ~~الأخرى # وأقل ما يكون ذلك من اسمين كقولك زيد قائم أو اسم وفعل كقولك ms051 زيد قام ~~وتسمى الأولى جملة اسمية والثانية جملة فعلية # ولا يتركب الكلام من الاسم والحرف فقط ولا من الأفعال وحدها ولا من ~~الحروف ولا من الأفعال والحروف # فإن قيل ما ذكرتموه من الحد منتقض بما تركب من كلمتين أسندت إحداهما إلى ~~الأخرى وهما مهملتان فإنه لا يكون كلاما وذلك كما لو أسندت مقلوب زيد إلى ~~مقلوب رجل فقلت ديز هو لجر # قلنا المراد من الكلمة التي منها التأليف اللفظة الواحدة الدالة بالوضع ~~على معنى مفرد ولا وجود لذلك فيما ذكروه # غير أن ما ذكروه من الحد يدخل فيه قول القائل حيوان ناطق وإنسان عالم ~~وغير ذلك من النسب التقييدية # فإنه لا يعد كلاما مفيدا وإن أسند فيه إحدى الكلمتين إلى الأخرى والوجب ~~أن يقال الكلام ما تألف من كلمتين تأليفا يحسن السكوت عليه PageV01P107 ~~PageV01P108 # | الأصل الثاني في مبدأ اللغات وطرق معرفتها # أول ما يجب تقديمه أن ما وضع من الألفاظ الدالة على معانيها هل هو ~~لمناسبة طبيعية بين اللفظ ومعناه أم لا # فذهب أرباب علم التكسير وبعض المعتزلة إلى ذلك مصيرا منهم إلى أنه لو لم ~~يكن بين اللفظ ومعناه مناسبة طبيعية لما كان اختصاص ذلك المعنى بذلك اللفظ ~~أولى من غيره ولا وجه له فإنا نعلم أن الواضع في ابتداء الوضع لو وضع لفظ ~~الوجود على العدم والعدم على الوجود واسم كل ضد على مقابله لما كان ممتنعا ~~كيف وقد وضع ذلك كما في اسم الجون والقرء ونحوه والاسم الواحد لا يكون ~~مناسبا بطبعه لشيء ولعدمه # وحيث خصص الواضع بعض الألفاظ ببعض المدلولات إنما كان ذلك نظرا إلى ~~الإرادة المخصصة كان الواضع هو الله تعالى أو المخلوق إما لغرض أو لا لغرض ~~وإذا بطلت المناسبة الطبيعية وظهر أن مستند تخصيص بعض الألفاظ ببعض المعاني ~~إنما هو الوضع الاختياري فقد اختلف الأصوليون فيه فذهب الأشعري وأهل الظاهر ~~وجماعة من الفقهاء إلى أن الواضع هو الله تعالى ووضعه متلقي لنا من جهة ~~التوقيف الإلهي إما بالوحي أو بأن PageV01P109 يخلق الله الأصوات والحروف ms052 ~~ويسمعها لواحد أو لجماعة ويخلق له أو لهم العلم الضروري بأنها قصدت للدلالة ~~على المعاني محتجين على ذلك بآيات منها قوله تعالى @QB@ وعلم آدم الأسماء ~~كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ~~قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا @QE@ 2 البقرة 31 ) دل على أن آدم ~~والملائكة لا يعلمون إلا بتعليم الله تعالى ومنها قوله تعالى @QB@ ما فرطنا ~~في الكتاب من شيء @QE@ 6 الأنعام 38 ) وقوله تعالى @QB@ تبيانا لكل شيء ~~@QE@ 16 النحل 89 ) وقوله تعالى @QB@ اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم ~~الإنسان ما لم يعلم @QE@ 96 العلق 3 5 ) واللغات داخلة في هذه المعلومات ~~وقوله تعالى @QB@ إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها ~~من سلطان @QE@ 53 النجم 23 ) ذمهم على تسمية بعض الأشياء من غير توقيف فدل ~~على أن ما عداها توقيف # وقوله تعالى @QB@ ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم @QE@ 30 ~~الروم 22 ) والمراد به اللغات لا نفس اختلاف هيئات الجوارح من الألسنة لأن ~~اختلاف اللغات أبلغ في مقصود الآية فكان أولى بالحمل عليه # وذهبت البهشمية وجماعة من المتكلمين إلى أن ذلك من وضع أرباب اللغات ~~واصطلاحهم وأن واحدا أو جماعة انبعثت داعيته أو دواعيهم إلى وضع هذه ~~الألفاظ بإزاء معانيها # ثم حصل تعريف الباقين بالإشارة والتكرار كما يفعل الوالدان بالولد الرضيع ~~وكما يعرف الأخرس ما في ضميره بالإشارة والتكرار مرة بعد أخرى محتجين على ~~ذلك بقوله تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه @QE@ PageV01P110 ~~14 إبراهيم 4 ) وهذا دليل على تقدم اللغة على البعثة والتوقيف # وذهب الأستاذ أبو إسحاق الأسفرائني إلى أن القدر الذي يدعو به الإنسان ~~غيره إلى التواضع بالتوقيف وإلا فلو كان بالاصطلاح فالاصطلاح عليه متوقف ~~على ما يدعو به الإنسان غيره إلى الاصطلاح على ذلك الأمر فإن كان بالاصطلاح ~~لزم التسلسل وهو ممتنع فلم يبق غير التوقيف وجوز حصول ما عدا ذلك بكل واحد ~~من الطريقين # وذهب القاضي أبو بكر وغيره من أهل التحقيق ms053 إلى أن كل واحد من هذه المذاهب ~~ممكن بحيث لو فرض وقوعه لم يلزم عنه محال لذاته وأما وقوع البعض دون البعض ~~فليس عليه دليل قاطع والظنون فمتعارضة يمتنع معها المصير إلى التعيين # هذا ما قيل والحق أن يقال إن كان المطلوب في هذه المسألة يقين الوقوع ~~لبعض هذه المذاهب # فالحق ما قاله القاضي أبو بكر إذ لا يقين من شيء منها على ما يأتي تحقيقه # وإن كان المقصود إنما هو الظن وهو الحق فالحق ما صار إليه الأشعري لما ~~قيل من النصوص لظهورها في المطلوب فإن قيل لا نسلم ظهور النصوص المذكورة في ~~المطلوب # أما قوله تعالى @QB@ وعلم آدم الأسماء كلها @QE@ 2 البقرة 31 ) فالمراد ~~بالتعليم إنما هو إلهامه وبعث داعيته على الوضع وسمي بذلك معلما لكونه ~~الهادي إليه لا بمعنى أنه أفهمه ذلك بالخطاب على ما قال تعالى في حق داود ~~@QB@ وعلمناه صنعة لبوس لكم @QE@ 21 الأنبياء 80 ) معناه ألهمناه ذلك # وقوله تعالى في حق سليمان @QB@ ففهمناها سليمان @QE@ 21 الأنبياء 79 ) أي ~~ألهمناه PageV01P111 سلمنا أن المراد به الإفهام بالخطاب والتوقيف # ولكن أراد به كل الأسماء مطلقا # أو الأسماء الي كانت موجودة في زمانه # الأول ممنوع والثاني مسلم # سلمنا أنه أراد به جميع الأسماء مطلقا غير أن ذلك يدل على أن علم آدم بها ~~كان توقيفيا ولا يلزم أن يكون أصلها بالتوقيف لجواز أن يكون من مصطلح خلق ~~سابق على آدم والباري تعالى علمه ما اصطلح عليه غيره # سلمنا أن جميع الأسماء المعلومة لآدم بالتوقيف له ولكنه يحتمل أنه أنسيها ~~ولم يوقف عليها من بعده # واصطلح أولاده من بعده على هذه اللغات والكلام إنما هو في هذه اللغات # وأما قول الملائكة @QB@ لا علم لنا إلا ما علمتنا @QE@ 2 البقرة 31 ) فلا ~~يدل على أن أصل اللغات التوقيف لما عرف في حق آدم # وقوله تعالى @QB@ ما فرطنا في الكتاب من شيء @QE@ 6 الأنعام 38 ) فالمراد ~~به أن ما ورد في الكتاب لا تفريط فيه وإن كان المراد به أنه بين ms054 فيه كل شيء ~~فلا منافاة بينه وبين كونه معرفا للغات من تقدم # وعلى هذا يخرج الجواب عن قوله تعالى @QB@ تبيانا لكل شيء @QE@ 16 النحل ~~89 ) وعن قوله @QB@ علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ 96 العلق 5 ) # وأما آية الذم فالذم فيها إنما كان على إطلاقهم أسماء الأصنام مع ~~اعتقادهم كونها آلهة # وأما آية اختلاف الألسنة فهي غير محمولة على نفس الجارحة بالإجماع فلا بد ~~من التأويل # وليس تأويلها بالحمل على اللغات أولى من تأويلها بالحمل على الإقدار ~~PageV01P112 على اللغات كيف وأن التوقيف يتوقف على معرفة كون تلك الألفاظ ~~دالة على تلك المعاني # وذلك لا يعرف إلا بأمر خارج عن تلك الألفاظ والكلام فيه إن كان توقيفيا ~~كالكلام في الأول وهو تسلسل ممتنع فلم يبق غير الاصطلاح # ثم ما ذكرتموه معارض بقوله تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ~~@QE@ 14 إبراهيم 4 ) # وذلك يدل على سبق اللغات على البعثة # والجواب قولهم المراد من تعليم آدم إلهامه بالوضع والاصطلاح مع نفسه وهو ~~خلاف الظاهر من إطلاق لفظ التعليم # ولهذا فإن من اخترع أمرا واصطلح عليه مع نفسه يصح أن يقال إنه ما علمه ~~أحد ذلك ولو كان إطلاق التعليم بمعنى الإلهام بما يفعله الإنسان مع نفسه ~~حقيقة لما صح نفيه # وحيث صح نفيه دل على كونه مجازا # والأصل في الإطلاق الحقيقة ولا يلزم من التأويل فيما ذكروه من التعليم في ~~حق داود وسليمان التأويل فيما نحن فيه إلا أن الاشتراك في دليل التأويل ~~والأصل عدمه # وقولهم أراد به الأسماء الموجودة في زمانه إنما يصح أن لو لم يكن جميع ~~الأسماء موجودة في زمانه وهو غير مسلم بل الباري تعالى علمه كل ما يمكن ~~التخاطب به ويجب الحمل عليه عملا بعموم اللفظ # قولهم من الجائز أن يكون جميع الأسماء من مصطلح من كان قبل آدم # قلنا وإن كان ذلك محتملا إلا أن الأصل عدمه فمن ادعاه يحتاج إلى دليل وبه ~~يبطل أنه يحتمل أنه أنسيها إذ الأصل عدم النسيان وبقاء ما كان على ms055 ما كان # وعلى هذا فقد خرج الجواب عما ذكروه من تأويل قول الملائكة @QB@ لا علم ~~لنا إلا ما علمتنا @QE@ PageV01P113 2 البقرة 31 ) إذ هو مبني على ما قيل ~~من التأويل في حق آدم وقد عرف جوابه # قولهم المراد من قوله تعالى @QB@ ما فرطنا في الكتاب من شيء @QE@ 6 ~~الأنعام 38 ) أنه لا تفريط فيما في الكتاب ليس كذلك # فإن ذلك معلوم لكل عاقل قطعا # فحمل اللفظ عليه لا يكون مفيدا # قولهم لا منافاة بينه وبين كونه معرفا للغات من تقدم فقد سبق جوابه وبه ~~يخرج الجواب عما ذكروه على قوله تعالى @QB@ تبيانا لكل شيء @QE@ 16 النحل ~~89 ) وعن قوله @QB@ علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ 96 العلق 5 ) # قولهم في آية الذم إنما ذمهم على اعتقادهم كون الأصنام آلهة فهو خلاف ~~الظاهر من إضافة الذم إلى التسمية # ولا يقبل من غير دليل # وما ذكروه على الآية الأخيرة فلا يخفى أن الترجيح بحمل اللفظ على اختلاف ~~اللغات دون حمله على الإقدار على اللغات لكونه أقل في الإضمار إذ هو يفتقر ~~إلى إضمار اللغات لا غير # وما ذكروه يفتقر إلى إضمار القدرة على اللغات فلا يصار إليه # قولهم في المعنى إنه يفضي إلى التسلسل ليس كذلك فإنه لا مانع أن يخلق ~~الله تعالى العبارات ويخلق لمن يسمعها العلم الضروري بأن واضعا وضعها لتلك ~~المعاني كما سبق # ثم ما ذكروه لازم عليهم في القول بالاصطلاح فإن ما يدعى به إلى الوضع ~~والاصطلاح لا بد وأن يكون معلوما # فإن كان معلوما بالاصطلاح لزم التسلسل وهو ممتنع فلم يبق غير التوقيف ~~PageV01P114 # وما ذكروه من المعارضة بالآية الأخيرة فإنما يلزم أن لو كان طريق التوقيف ~~منحصرا في الرسالة وليس كذلك بل جاز أن يكون أصل التوقيف معلوما إما بالوحي ~~من غير واسطة وإما بخلق اللغات وخلق العلم الضروري للسامعين بأن واضعا ~~وضعها لتلك المعاني على ما سبق # وأما طرق معرفتها لنا فاعلم أن ما كان منها معلوما بحيث لا يتشكك فيه مع ~~التشكيك كعلمنا بتسمية الجوهر جوهرا ms056 والعرض عرضا ونحوه من الأسامي فنعلم أن ~~مدرك ذلك إنما هو التواتر القاطع # وما لم يكن معلوما لنا ولا تواتر فيه فطريق تحصيل الظن به إنما هو إخبار ~~الآحاد # ولعل الأكثر إنما هو الأول PageV01P115 PageV01P116 # | القسم الثالث في المبادىء الفقهية والأحكام الشرعية # اعلم أن الحكم الشرعي يستدعي حاكما ومحكوما فيه ومحكوما عليه فلنفرض في ~~كل واحد أصلا وهي أربعة أصول PageV01P117 PageV01P118 # | الأصل الأول في الحاكم # اعلم أنه لا حاكم سوى الله تعالى ولا حكم إلا ما حكم به # ويتفرع عليه أن العقل لا يحسن ولا يقبح ولا يوجب شكر المنعم وأنه لا حكم ~~قبل ورود الشرع # ولنرسم في كل واحد مسألة # | المسألة الأولى # مذهب أصحابنا وأكثر العقلاء أن الأفعال لا توصف بالحسن والقبح لذواتها ~~وأن العقل لا يحسن ولا يقبح وإنما إطلاق اسم الحسن والقبح عندهم باعتبارات ~~ثلاثة إضافية غير حقيقية # أولها إطلاق اسم الحسن على ما وافق الغرض والقبيح على ما خالفه # وليس ذلك ذاتيا لاختلافه وتبدله بالنسبة إلى اختلاف الأغراض بخلاف اتصاف ~~المحل بالسواد والبياض # وثانيها إطلاق اسم الحسن على ما أمر الشارع بالثناء على فاعله ويدخل فيه ~~أفعال الله تعالى والواجبات والمندوبات دون المباحات # وإطلاق اسم القبيح على ما أمر الشارع بذم فاعله ويدخل فيه الحرام دون ~~المكروه والمباح وذلك أيضا مما يختلف باختلاف ورود أمر الشارع في الأفعال ~~PageV01P119 وثالثها إطلاق اسم الحسن على ما لفاعله مع العلم به والقدرة ~~عليه أن يفعله بمعنى نفي الحرج عنه في فعله # وهو أعم من الاعتبار الأول لدخول المباح فيه # والقبيح في مقابلته ولا يخفى أن ذلك أيضا مما يختلف باختلاف الأحوال فلا ~~يكون ذاتيا # وعلى هذا فما كان من أفعال الله تعالى بعد ورود الشرع فحسن بالاعتبار ~~الثاني والثالث وقبله بالاعتبار الثالث وما كان من أفعال العقلاء قبل ورود ~~الشرع فحسنه وقبيحه بالاعتبار الأول والثالث وبعده بالاعتبارات الثلاثة # وذهب المعتزلة والكرامية والخوارج والبراهمة والثنوية وغيرهم إلى أن ~~الأفعال منقسمة إلى حسنة وقبيحة لذواتها لكن منها ما يدرك حسنه وقبحه ~~بضرورة العقل ms057 كحسن الإيمان وقبح الكفران أو بنظره كحسن الصدق المضر وقبح ~~الكذب النافع أو بالسمع كحسن العبادات لكن اختلفوا فزعمت الأوائل من ~~المعتزلة أن الحسن والقبيح غير مختص بصفة موجبة لحسنه وقبحه ومنهم من أوجب ~~ذلك كالجبائية ومنهم من فصل وأوجب ذلك في القبيح دون الحسن # ونشأ بينهم بسبب هذا الاختلاف اختلاف في العبارات الدالة على معنى للحسن ~~والقبيح أومأنا إليها وإلى مناقضتهم فيها في علم الكلام وقد احتج أصحابنا ~~بحجج الأولى أنه لو كان الكذب قبيحا لذاته للزم منه أنه إذا قال إن بقيت ~~PageV01P120 ساعة أخرى كذبت أن يكون الحسن منه في الساعة الأخرى الصدق أو ~~الكذب والأول ممتنع لما يلزمه من كذب الخبر الأول وهو قبيح وما لزم منه ~~القبيح فهو قبيح فلم يبق غير الثاني وهو المطلوب # الثانية لو كان قبح الخبر الكاذب ذاتيا فإذا قال القائل زيد في الدار ولم ~~يكن فيها فالمقتضي لقبحه إما نفس ذلك اللفظ وإما عدم المخبر عنه وإما مجموع ~~الأمرين وإما أمر خارج الأول يلزمه قبح ذلك الخبر وإن كان صادقا والثاني ~~يلزمه أن يكون العدم علة للأمر الثبوتي والثالث يلزمه أن يكون العدم جزء ~~علة الأمر الثبوتي والكل محال # وإن كان الرابع فذلك المقتضي الخارج إما لازم للخبر المفروض وإما غير ~~لازم # فإن كان الأول فإن كان لازما لنفس اللفظ لزم قبحه وإن كان صادقا وإن كان ~~لازما لعدم المخبر عنه أو لمجموع الأمرين كان العدم مؤثرا في الأمر الثبوتي ~~وهو محال # وإن كان لازما لأمر خارج عاد التقسيم في ذلك الخارج وهو تسلسل # وإن لم يكن ذلك المقتضي الخارج لازما للخبر الكاذب أمكن مفارقته له فلا ~~يكون الخبر الكاذب قبيحا # الثالثة لو كان الخبر الكاذب قبيحا لذاته فالمقتضي له لا بد وأن يكون ~~ثبوتيا ضرورة اقتضائه للقبح الثبوتي وهو إن كان صفة لمجموع حروف الخبر فهو ~~محال لاستحالة اجتماعها في الوجود وإن كان صفة لبعضها لزم أن تكون أجزاء ~~الخبر الكاذب كاذبة ضرورة كون المقتضي لقبح الخبر الكاذب إنما هو ms058 الكذب ~~وذلك محال # الرابعة أنه لو كان قبح الكذب وصفا حقيقيا لما اختلف باختلاف الأوضاع وقد ~~اختلف حيث إن الخبر الكاذب قد يخرج عن كونه كذبا وقبيحا بوضع الواضع له ~~أمرا أو نهيا # الخامسة لو كان الكذب قبيحا لذاته لما كان واجبا ولا حسنا عند ما إذا ~~استفيد به عصمة دم نبي عن ظالم يقصد قتله # السادسة لو كان الظلم قبيحا لكونه ظلما لكان المعلول متقدما على ~~PageV01P121 علته لأن قبح الظلم الذي هو معلول للظلم متقدم على الظلم ولهذا ~~ليس لفاعله أن يفعله وكان القبح مع كونه وصفا ثبوتيا ضرورة اتصاف العدم ~~بنقيضه معللا بما العدم جزء منه وذلك لأن مفهوم الظلم أنه إضرار غير مستحق ~~ولا استحقاق عدم وهو ممتنع # السابعة أن أفعال العبد غير مختارة له وما يكون كذلك لا يكون حسنا ولا ~~قبيحا لذاته إجماعا وبيان كونه غير مختار أن فعله إن كان لازما له لا يسعه ~~تركه فهو مضطر إليه لا مختار له وإن جاز تركه فإن افتقر في فعله إلى مرجح ~~عاد التقسيم وهو تسلسل ممتنع وإلا فهو اتفاقي لا اختياري # وهذه الحجج ضعيفة أما الأولى فلأنه أمكن أن يقال بأن صدقه في الساعة ~~الأخرى حسن ولا يلزم من ملازمة القبيح له قبحه وإن كان قبيحا من جهة ~~استلزامه للقبيح فلا يمتنع الحكم عليه بالحسن والقبح بالنظر إلى ما اختص به ~~من الوجوه والاعتبارات الموجبة للحسن والقبح كما هو مذهب الجبائية # وإن قدر امتناع ذلك فلا يمتنع الحكم بقبح صدقه لما ذكروه وقبح كذبه لكونه ~~كذبا # وأما الثانية فلأنه لا امتناع من القول بقبح الخبر مشروطا بعدم زيد في ~~الدار والشرط غير مؤثر # وأما الثالثة فلما يلزمها من امتناع اتصاف الخبر بكونه كاذبا وهو محال # وأما الرابعة فلأنه لا مانع من أن يكون قبح الخبر الكاذب مشروطا بالوضع ~~وعدم مطابقته للمخبر عنه مع علم المخبر به كما كان ذلك مشروطا في كونه كذبا # وأما الخامسة فلأن الكذب في الصورة المفروضة غير متعين لخلاص النبي ~~لإمكان ms059 الإتيان بصورة الخبر من غير قصد له أو مع التعريض وقصد الإخبار عن ~~الغير # وإذا لم يكن متعينا له كان قبيحا # وإن قدر تعيينه فالحسن والواجب ما لازمه من تخليص النبي لا نفس الكذب ~~واللازم غير الملزوم PageV01P122 وغايته أنه لا يأثم به مع قبحه ولا يحرم ~~شرعا لترجح المانع عليه # وأما السادسة فلأنه أمكن منع تقدم قبح الظلم عليه ضرورة كونه صفة له بل ~~المتقدم إنما هو الحكم على ما سيوجد من الظلم بكونه قبيحا شرعا وعرفا # وأمكن منع تعليل القبح بالعدم وعدم الاستحقاق وإن كان لازما للظلم فلا ~~يلزم أن يكون داخلا في مفهومه # فأمكن أن يكون الظلم علة القبح بما فيه من الأمر الوجودي والعدم شرطه # وأما السابعة فلأنه يلزم أن يكون الرب تعالى مضطرا إلى أفعاله غير مختار ~~فيها لتحقق عين ما ذكروه من القسمة في أفعاله وهو محال # ويلزم أيضا منها امتناع الحكم بالحسن والقبح الشرعي على الأفعال والجواب ~~يكون مشتركا # والمعتمد في ذلك أن يقال لو كان فعل من الأفعال حسنا أو قبيحا لذاته ~~فالمفهوم من كونه قبيحا وحسنا ليس هو نفس ذات الفعل وإلا كان من علم حقيقة ~~الفعل عالما بحسنه وقبحه وليس كذلك لجواز أن يعلم حقيقة الفعل ويتوقف العلم ~~بحسنه وقبحه على النظر كحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع # وإن كان مفهومه زائدا على مفهوم الفعل الموصوف به فهو صفة وجودية لأن ~~نقيضه وهو لا حسن ولا قبح صفة للعدم المحض فكان عدميا # ويلزم من ذلك كون الحسن والقبح وجوديا وهو قائم بالفعل لكونه صفة له ~~ويلزم من ذلك قيام العرض بالعرض وهو محال # وذلك لأن العرض الذي هو محل العرض لا بد وأن يكون قائما بالجوهر أو بما ~~هو في آخر الأمر قائم بالجوهر قطعا للتسلسل الممتنع وقيام العرض بالجوهر لا ~~معنى له غير وجوده في حيث الجوهر تبعا له فيه وقيام أحد العرضين بالآخر لا ~~معنى له سوى أنه في حيث العرض الذي قيل إنه قائم به وحيث ذلك العرض ms060 هو حيث ~~الجوهر فهما في حيث الجوهر وقائمان به ولا معنى لقيام أحدهما بالآخر وإن ~~كان قيام أحدهما بالآخر مشروطا بقيام العرض الآخر به فإن قيل ما ذكرتموه ~~يلزم منه امتناع اتصاف الفعل بكونه ممكنا ومعلوما ومقدورا ومذكورا وهو محال # ثم ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيض مدلوله PageV01P123 # وبيانه من جهة الاستدلال والإلزام أما الاستدلال فمن وجهين الأول اتفاق ~~العقلاء على حسن الصدق النافع وقبح الكذب المضر وكذلك حسن الإيمان وقبح ~~الكفران وغير ذلك مع قطع النظر عن كل حالة تقدر من عرف أو شريعة أو غير ذلك ~~فكان ذاتيا والعلم به ضروري # الثاني إنا نعلم أن من استوى في تحصيل غرضه الصدق والكذب وقطع النظر في ~~حقه عن الاعتقادات والشرائع وغير ذلك من الأحوال فإنه يميل إلى الصدق ~~ويؤثره وليس ذلك إلا لحسنه في نفسه وكذلك نعلم أن من رأى شخصا مشرفا على ~~الهلاك وهو قادر على إنقاذه فإنه يميل إليه وإن كان بحيث لا يتوقع في ~~مقابلة ذلك حصول غرض دنياوي ولا أخروي بل ربما كان يتضرر بالتعب والتعني # وليس ذلك إلا لحسنه في ذاته # وأما من جهة الإلزام فهو أنه لو كان السمع وورود الأمر والنهي هو مدرك ~~الحسن والقبح لما فرق العاقل بين من أحسن إليه وأساء ولما كان فعل الله ~~حسنا قبل ورود السمع ولجاز من الله الأمر بالمعصية والنهي عن الطاعة ولجاز ~~إظهار المعجزة على يد الكذاب ولا امتنع الحكم بقبح الكذب على الله تعالى ~~قبل ورود السمع ولكان الوجوب أيضا متوقفا على السمع # ويلزم من ذلك إفحام الرسل من حيث إن النبي إذا بعث وادعى الرسالة ودعا ~~إلى النظر في معجزته فللمدعو أن يقول لا أنظر في معجزتك ما لم يجب علي ~~النظر # ووجوب النظر متوقف على استقرار الشرع بالنظر في معجزتك وهو دور والجواب ~~عن الأول أن ما ذكروه من الصفات فأمور تقديرية فمفهوم نقائضها سلب التقدير ~~والأمور المقدرة ليست من الصفات العرضية فلا يلزم منه قيام العرض بالعرض # فإن قيل ms061 مثله في الحسن والقبح فقد خرج عن كونه من الصفات الثبوتية للذات ~~PageV01P124 وهو المطلوب وعن المعارضة الأولى بمنع إجماع العقلاء على الحسن ~~والقبح فيما ذكروه # فإن من العقلاء من لا يعتقد ذلك كبعض الملاحدة ونحن أيضا لا نوافق على ~~قبح إيلام البهائم من غير جرم ولا غرض وهو من صور النزاع وإن كان ذلك متفقا ~~عليه بين العقلاء فلا يلزم أن يكون العلم به ضروريا وإلا لما خالف فيه أكثر ~~العقلاء عادة # وإن كان ذلك معلوما ضرورة فلا يلزم من أن يكون ذاتيا إلا أن يكون مجردا ~~من أمر خارج وهو غير مسلم على ما يأتي # وعن المعارضة الثانية أنه لا يخلو إما أن يقال بالتفاوت بين الصدق والكذب ~~ولو بوجه أو لا يقال به # والأول يلزمه إبطال الاستدلال # والثاني يمنع معه إيثار أحد الأمرين دون الآخر # وعلى هذا إن كان ميله إلى الإنقاذ لتحقق أمر خارج فالاستدلال باطل وإن لم ~~يكن فالميل إلى الإنقاذ لا يكون مسلما وإن سلم دلالة ما ذكرتموه في حق ~~الشاهد فلا يلزم مثله في حق الغائب إلا بطريق قياسه على الشاهد وهو متعذر ~~لما بيناه في علم الكلام # ثم كيف يقاس والإجماع منعقد على التفرقة بتقبيح تمكين السيد لعبيده من ~~الفواحش مع العلم بهم والقدرة على منعهم دون تقبيح ذلك بالنسبة إلى الله ~~تعالى # فإن قيل إنما لم يقبح من الله ذلك لعدم قدرته على منع الخلق من المعاصي ~~وذلك لأن ما يقع من العبد من المعصية لا بد وأن يكون وقوعها معلوما للرب ~~وإلا كان جاهلا بعواقب الأمور وهو محال # ومنع الرب تعالى من وقوع ما هو معلوم الوقوع له لا يكون مقدورا كما ذهب ~~إليه النظام # قلنا فما قيل فهو بعينه لازم بالنسبة إلى السيد وأولى أن لا يكون السيد ~~PageV01P125 قيدا على المنع ومع ذلك فالفرق واقع # والجواب عن الإلزام الأول أن مفهوم الحسن والقبح بمعنى موافقة الغرض ~~ومخالفته وبمعنى ما للفاعل أن يفعله وأن لا يفعله متحقق قبل ورود الشرع لا ms062 ~~بالمعنى الذاتي # وعن الثاني أن فعل الله قبل ورود الشرع حسن بمعنى أن له فعله # وعن الثالث أنه لا معنى للطاعة عندنا إلا ما ورد الأمر به ولا معنى ~~للمعصية إلا ما ورد النهي عنه # وعلى هذا فلا يمتنع ورود الأمر بما كان منهيا والنهي بما كان مأمورا # وعن الرابع أنه إنما يلزم أن لو لم يكن لامتناع إظهار المعجزة على يد ~~الكاذب مدرك سوى القبح الذاتي وليس كذلك وبه اندفاع الإلزام الخامس أيضا # وعن السادس ما سيأتي في المسألة بعدها وإذا بطل معنى الحسن والقبح الذاتي ~~لزم منه امتناع وجوب شكر المنعم عقلا وامتناع حكم عقلي قبل ورود الشرع إذ ~~هما مبنيان على ذلك # غير أن عادة الأصوليين جارية لفرض الكلام في هاتين المسألتين إظهارا لما ~~يختص بكل واحد من الإشكالات والمناقضات # # | المسألة الثانية # مذهب أصحابنا وأهل السنة أن شكر المنعم واجب سمعا لا عقلا خلافا للمعتزلة ~~في الوجوب العقلي # احتج أصحابنا على امتناع إيجاب العقل لذلك بأن قالوا لو كان العقل موجبا ~~فلا بد وأن يوجب لفائدة وإلا كان إيجابه عبثا وهو قبيح # ويمتنع عود الفائدة إلى الله تعالى لتعاليه عنها وإن عادت إلى العبد # فإما أن تعود إليه في الدنيا أو في الأخرى PageV01P126 # الأول محال فإن شكر الله تعالى عند الخصوم ليس هو معرفة الله تعالى لأن ~~الشكر فرع المعرفة وإنما هو عبارة عن إتعاب النفس وإلزام المشقة لها ~~بتكليفها تجنب المستقبحات العقلية وفعل المستحسنات العقلية وهو فرع التحسين ~~والتقبيح العقلي وقد أبطلناه فلم يبق سوى التعب والعناء المحض الذي لا حظ ~~للنفس فيه # والثاني محال لعدم استقلال العقل بمعرفة الفائدة الأخروية دون إخبار ~~الشارع بها ولا إخبار وأيضا فإنه لا معنى لكون الشيء واجبا سوى ترجح فعله ~~على تركه # وبالعقل يعرف الترجيح لا أنه مرجح فلا يكون موجبا إذ الموجب هو المرجح # وإذا بطل الإيجاب العقلي تعين الإيجاب الشرعي ضرورة انعقاد الإجماع على ~~حصر الوجوب في الشرع والعقل # فإذا بطل أحد القسمين تعين الثاني منهما # فإن ms063 قيل شكر المنعم معلوم لكل أحد ضرورة فما ذكرتموه استدلال على إبطال ~~أمر ضروري فلا يقبل # وإن لم يكن كذلك فلم قلتم إن إيجاب العقل للشكر لا بد وأن يكون لفائدة ~~قولكم حتى لا يكون عبثا قبيحا # فهذا منكم لا يستقيم مع إنكار القبح العقلي كيف وإن تلك الفائدة إما أن ~~تكون واجبة التحصيل وإما أن لا تكون كذلك فإن كانت واجبة التحصيل استدعت ~~فائدة أخرى وهو تسلسل ممتنع # وإن لم تكن واجبة فما يوجبه العقل بها أولى أن لا يكون واجبا وإن كان ~~لفائدة فما المانع أن تكون الفائدة في الشكر نفس الشكر لا أمرا خارجا عنه ~~كما أن تحصيل المصلحة ودفع المفسدة عن النفس مطلوب PageV01P127 لنفسه لا ~~لغيره # وإن كان لا بد من فائدة خارجة عن كون الشكر شكرا فما المانع أن تكون ~~الفائدة الأمن من احتمال العقاب بتقدير عدم الشكر على ما أنعم الله به عليه ~~من النعم إذ هو محتمل ولا يخلو العاقل عن خطور هذا الاحتمال بباله وذلك من ~~أعظم الفوائد وإن سلم دلالة ما ذكرتموه على امتناع الإيجاب العقلي لكنه ~~بعينه دال على امتناع الإيجاب الشرعي # والجواب أن ذاك يكون مشتركا وإن لم يكن كذلك # ولكن ما ذكرتموه معارض بما يدل على جواز الإيجاب العقلي # وذلك إنه لم يكن العقل موجبا لانحصرت مدارك الوجوب في الشرع لما ذكرتموه ~~في الإجماع # وذلك محال لما يلزم عنه من إفحام الرسل وإبطال مقصود البعثة # وذلك أن النبي إذا ادعى الرسالة وتحدى بالمعجزة ودعا الناس إلى النظر ~~فيها لظهور صدقه فللمدعو أن يقول لا أنظر في معجزتك إلا أن يكون النظر ~~واجبا علي شرعا # ووجوب النظر شرعا متوقف على استقرار الشرع وذلك متوقف على وجوب النظر وهو ~~دور ممتنع # والجواب لا نسلم أن العلم الضروري بما ذكروه عقلا إذ هو دعوى محل النزاع ~~وإن سلم ذلك لكن بالنسبة إلى من ينتفع بالشكر ويتضرر بعدمه # وأما بالنسبة إلى الله تعالى مع استحالة ذلك في حقه فلا # قولهم لم قلتم ms064 برعاية الفائدة قلنا لما ذكرناه # قولهم هذا منكم لا يستقيم قلنا إنما ذكرنا ذلك بطريق الإلزام للخصم لكونه ~~قائلا به وبه يبطل ما ذكروه في إبطال رعاية الفائدة # كيف وقد أمكن أن يقال بوجوب تحصيل الحكمة لحكمة هي نفسها كما ذكروه من ~~جلب المصلحة ودفع المفسدة عن النفس # ولا يمكن أن يقال مثل ذلك في فعل الشكر # فإن نفس الفعل ليس هو الحكمة المطلوبة من إيجاده ولو أمكن ذلك لأمكن أن ~~يقال مثله في جميع الأفعال وهو خلاف الإجماع # وإذا لم تكن الفائدة PageV01P128 المطلوبة من إيجاده بقي التقسيم بحالة # قولهم ما المانع أن تكون الفائدة هي الأمن على ما ذكروه فهو مبني على ~~امتناع خلو العاقل عن خطور ما ذكروه من الاحتمال بباله وهو غير مسلم على ما ~~هو معلوم من أكثر العقلاء شاهدا وبتقدير صحة ذلك فما ذكروه معارض باحتمال ~~خطور العقاب بباله على شكر الله تعالى وإتعابه لنفسه وتصرفه فيها مع أنها ~~مملوكة لله تعالى دون إذنه من غير منفعة ترجع إليه ولا إلى الله تعالى # وليس أحدهما أولى من الآخر بل ربما كان هذا الاحتمال راجحا وذلك من جهة ~~أنه قد تقرر في العقول أن من أخذ في التقرب والخدمة إلى بعض الملوك العظماء ~~بتحريك أنملته في كسر بيته وإظهار شكره بين العباد في البلاد على إعطائه ~~لقمة من الخبز مع استغنائه واستغناء الملك عنها فإنه يعد مستهزئا بذلك ~~الملك مستحقا للعقاب على صنعه # ولا يخفى أن شكر الشاكرين بالنسبة إلى جلال الله تعالى دون تحريك الأنملة ~~بالنسبة إلى جلال الملك وأن ما أنعم الله به على العبيد لعدم تناهي ملكه ~~وتناهي ملك غيره دون تلك اللقمة فكان المتعاطي لخدمة الله وشكره على ما ~~أنعم به عليه به أولى بالذم واستحقاق العقاب # ولولا ورود الشرع بطلب ذلك من العبيد وحثهم عليه لما وقع الإقدام عليه # وما يقال من حال المشتغل بالشكر والخدمة أرجى حالا من المعرض عن ذلك عرفا ~~فكان أولى # فهو مسلم في حق من ينتفع ms065 بالخدمة والشكر ويتضرر بعدمهما # والباري تعالى منزه عن ذلك فلا يطرد ما ذكروه في حقه # قولهم ما ذكرتموه لازم عليكم في الإيجاب الشرعي ليس كذلك # فإن الفائدة الأخروية وإن لم يستقل العاقل بمعرفتها فالله تعالى عالم بها # كيف وإن ذلك إنما يلزم منا أن لو اعتبرنا الحكمة في الإيجاب الشرعي وليس ~~ذلك على ما عرف من أصلنا PageV01P129 # وأما المعارضة بما ذكروه من إفحام الرسل فجوابه من وجهين الأول منع توقف ~~استقرار الشرع على نظر المدعو في المعجزة بل مهما ظهرت المعجزة في نفسها ~~وكان صدق النبي فيما ادعاه ممكنا وكان المدعو عاقلا متمكنا من النظر ~~والمعرفة فقد استقر الشرع وثبت والمدعو مفرط في حق نفسه # الثاني إن الدور لازم على القائل بالإيجاب العقلي لأن العقل بجوهره غير ~~موجب دون النظر والاستدلال وإلا لما خلا عاقل عن ذلك # وعند ذلك فللمدعو أن يقول لا أنظر في معجزتك حتى أعرف وجوب النظر ولا ~~أعرف وجوب النظر حتى أنظر وهو دور مفحم # والجواب إذ ذاك يكون واحدا # وعلى كل تقدير فالمسألة ظنية لا قطعية # # | المسألة الثالثة # مذهب الأشاعرة وأهل الحق أنه لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود الشرع # وأما المعتزلة فإنهم قسموا الأفعال الخارجة عن الأفعال الاضطرارية إلى ما ~~حسنه العقل وإلى ما قبحه وإلى ما لم يقض العقل فيه بحسن ولا قبح فما حسنه ~~العقل إن استوى فعله وتركه في النفع والضرر سموه مباحا وإن ترجح فعله على ~~تركه فإن لحق الذم بتركه سموه واجبا وسواء كان مقصودا لنفسه كالإيمان أو ~~لغيره كالنظر المفضي إلى معرفة الله تعالى وإن لم يلحق الذم بتركه سموه ~~مندوبا # وما قبحه العقل فإن التحق الذم بفعله سموه حراما وإلا فمكروه # وما لم يقض العقل فيه بحسن ولا قبح فقد اختلفوا فيه فمنهم من حظره ومنهم ~~من أباحه ومنهم من وقف عن الأمرين # احتجت الأشاعرة بالمنقول والمعقول PageV01P130 أما المنقول فقول الله ~~تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ 17 الإسراء 15 ) ووجه ~~الدلالة منه أنه أمن من ms066 العذاب قبل بعثه الرسل # وذلك يستلزم انتفاء الوجوب والحرمة قبل البعثة # وإلا لما أمن من العذاب بتقدير ترك الواجب وفعل المحرم إذ هو لازم لهما # وأيضا قوله تعالى @QB@ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل @QE@ 4 ~~النساء 165 ) ومفهومه يدل على الاحتجاج قبل البعثة # ويلزم من ذلك نفي الموجب والمحرم # وأما من جهة المعقول فلأن ثبوت الحكم إما بالشرع أو بالعقل بالإجماع ولا ~~شرع قبل ورود الشرع والعقل غير موجب ولا محرم لما سبق في المسألة المتقدمة ~~فلا حكم # فإن قيل أما الآية الأولى فلا حجة فيها فإنه ليس العذاب من لوازم ترك ~~الواجب وفعل المحرم ولهذا يجوز انفكاكه عنهما بناء على عفو أو شفاعة فنفيه ~~قبل ورود الشرع لا يلزم منه نفيهما # سلمنا أنه لازم لهما لكن بعد ورود الشرع لا قبله # وعلى هذا فلا يلزم نفيهما من نفيه قبل ورود الشرع # سلمنا أنه لازم لهما لكنه لازم للواجب والمحرم شرعا أو عقلا الأول مسلم ~~والثاني ممنوع # وعلى هذا فاللازم من نفيه قبل الشرع نفي الواجب والمحرم شرعا لا عقلا ~~سلمنا ذلك ولكن ليس في الآية ما يدل على نفي الإباحة والوقف لعدم ملازمة ~~العذاب لشيء من ذلك إجماعا # وأما الآية الأخرى وإن سلمنا كون المفهوم حجة فالاعتراض على الآية ~~PageV01P131 الأولى بعينه وارد هاهنا # وأما ما ذكرتموه من المعقول فقد سبق ما فيه كيف وأن ما ذكرتموه من ~~الدلالة على نفي الحكم حكم بنفي الحكم فكان متناقضا # والجواب عن السؤال الأول أن وقوع العذاب بالفعل وإن لم يكن لازما من ترك ~~الواجب وفعل المحرم فلازمه عدم الأمن من ذلك لعدم تحقق الواجب والمحرم دونه # وهذا اللازم منتف قبل ورود الشرع على ما دلت عليه الآية فلا ملزوم # وبه يندفع ما ذكروه من السؤال الثاني والثالث # والتمسك بالآية إنما هو في نفي الوجوب والحرمة قبل لا غير ونفي ما سوى ~~ذلك فإنما يستفاد من دليل آخر على ما سنبينه وبه اندفع السؤال الرابع # وما ذكروه على الدليل العقلي فقد ms067 سبق أيضا جوابه ونفي الحكم وإن كان حكما ~~غير أن المنفي ليس هو الحكم مطلقا ليلزم التناقض بل نفي ما أثبتوه من ~~الأحكام المذكورة فلا تناقض # وأما القائلون بالإباحة إن فسروها بنفي الحرج عن الفعل والترك فلا نزاع ~~في هذا المعنى وإنما النزاع في صحة إطلاق لفظ الإباحة بإزائه # ولهذا فإنه يمتنع إطلاق لفظ الإباحة على أفعال الله تعالى مع تحقق ذلك ~~المعنى فيها وإن فسروها بتخيير الفاعل بين الفعل والترك فإما أن يكون ذلك ~~التخيير للفاعل من نفسه وإما من غيره فإن كان الأول فيلزم منه تسمية أفعال ~~الله مباحة لتحقق ذلك في حقه # وهو ممتنع بالإجماع # وإن كان الثاني فالمخير إما الشرع وإما العقل بالإجماع ولا شرع قبل ورود ~~الشرع وتخيير العقل عندهم إنما يكون فيما استوى فعله وتركه من الأفعال ~~الحسنة عقلا أو فيما لم يقض العقل فيه بحسن ولا قبح وهو فرع الحسن والقبح ~~العقلي وقد أبطلناه وإن فسروه بأمر آخر فلا بد من تصويره # فإن قيل المباح هو المأذون في فعله وقد ورد دليل الإذن من الله تعالى ~~PageV01P132 قبل ورود الشرع وإن لم ترد صورة الإذن # وبيانه من وجهين الأول هو أن الله تعالى خلق الطعوم من المأكولات والذوق ~~فينا وأقدرنا عليها وعرفنا بالأدلة العقلية أنها نافعة لنا غير مضرة ولا ~~ضرر عليه في الانتفاع بها وهو دليل الإذن منه لنا في ذلك # وصار هذا كما لو قدم إنسان طعاما بين يدي إنسان على هذه الصفات فإن ~~العقلاء يقضون بكونه قد أذن له فيه # الثاني أن خلقه للطعوم في الأجسام مع إمكان ألا يخلقها لا بد له من فائدة ~~نفيا للعبث عنه وليست تلك الفائدة عائدة إلى الله تعالى لتعاليه عنها فلا ~~بد من عودها إلى العبد وليست هي الإضرار ولا ما هو خارج عن الإضرار ~~والانتفاع إذ هو خلاف الإجماع فكانت فائدتها الانتفاع بها وهو دليل الإذن ~~في إدراكها # وسواء كان الانتفاع بها بجهة الالتذاذ بها وتقوم البنية أو بجهة تجنبها ~~لنيل الثواب أو ms068 الاستدلال بها على معرفة الله تعالى لتوقف ذلك كله على ~~إدراكها واحتمال وجود مفسدة فيه مع عدم الاطلاع عليها لا يكون مانعا من ~~الإذن والحكم بالإباحة بدليل الاستضاءة بسراج الغير والاستظلال بحائطه # وقلنا أما الوجه الأول فحاصله يرجع إلى قياس الغائب على الشاهد وقد ~~أبطلناه # وأما الثاني فمبني على وجوب رعاية الحكمة في أفعاله تعالى وهو ممنوع على ~~ما عرف من أصلنا # ثم إذا كان مأذونا فيه من جهة الشارع فإباحته شرعية لا عقلية # وأما القائلون بالوقف إن عنوا به توقف الحكم بهذه الأشياء على ورود السمع ~~فحق وإن عنوا به الإحجام عن الحكم بالوجوب أو الحظر أو الإباحة لتعارض ~~أدلتها ففاسد لما سبق PageV01P133 PageV01P134 # | الأصل الثاني في حقيقة الحكم الشرعي وأقسامه وما يتعلق به من المسائل # ويشتمل على مقدمة وستة فصول أما المقدمة ففي بيان حقيقة الحكم الشرعي ~~وأقسامه أما حقيقته فقد قال بعض الأصوليين إنه عبارة عن خطاب الشارع ~~المتعلق بأفعال المكلفين # وقيل إنه عبارة عن خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد وهما فاسدان لأن ~~قوله تعالى @QB@ والله خلقكم وما تعملون @QE@ 37 الصافات 96 ) وقوله تعالى ~~@QB@ خالق كل شيء @QE@ 6 الأنعام 102 ) خطاب من الشارع وله تعلق بأفعال ~~المكلفين والعباد وليس حكما شرعيا بالاتفاق # وقال آخرون إنه عبارة عن خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء ~~أو التخيير # وهو غير جامع فإن العلم بكون أنواع الأدلة حججا وكذلك الحكم بالملك ~~والعصمة ونحوه أحكام شرعية وليست على ما قيل # والواجب أن نعرف معنى الخطاب أولا ضرورة توقف معرفة الحكم الشرعي عليه ~~فنقول PageV01P135 قد قيل فيه هو الكلام الذي يفهم المستمع منه شيئا وهو ~~غير مانع فإنه يدخل فيه الكلام الذي لم يقصد التكلم به إفهام المستمع فإنه ~~على ما ذكر من الحد وليس خطابا # والحق إنه اللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيىء لفهمه # ( فاللفظ ) احتراز عما وقعت المواضعة عليه من الحركات والإشارات المفهمة # و ( المتواضع عليه ) احتراز عن الألفاظ المهملة # و ( المقصود بها الإفهام ) احتراز عما ورد على الحد ms069 الأول # وقولنا ( لمن هو متهيىء لفهمه ) احتراز عن الكلام لمن لا يفهم كالنائم ~~والمغمى عليه ونحوه # وإذا عرف معنى الخطاب فالأقرب أن يقال في حد الحكم الشرعي أنه خطاب ~~الشارع المفيد فائدة شرعية # فقولنا ( خطاب الشارع ) احتراز عن خطاب غيره # والقيد الثاني احتراز عن خطابه بما لا يفيد فائدة شرعية كالإخبار عن ~~المعقولات والمحسوسات ونحوها وهو مطرد منعكس لا غبار عليه # وإذا عرف معنى الحكم الشرعي فهو إما أن يكون متعلقا بخطاب الطلب ~~والاقتضاء أو لا يكون فإن كان الأول فالطلب إما للفعل أو للترك وكل واحد ~~منهما إما جازم أو غير جازم # فما تعلق بالطلب الجازم للفعل فهو الوجوب وما تعلق بغير الجازم منه فهو ~~الندب وما تعلق بالطلب الجازم للترك فهو الحرمة وما تعلق بغير الجازم منه ~~فهو الكراهة PageV01P136 # وإن لم يكن متعلقا بخطاب الاقتضاء فإما أن يكون متعلقا بخطاب التخيير أو ~~غيره # فإن كان الأول فهو الإباحة وإن كان الثاني فهو الحكم الوضعي كالصحة ~~والبطلان ونصب الشيء سببا أو مانعا أو شرطا وكون الفعل عبادة وقضاء وأداء ~~وعزيمة ورخصة إلى غير ذلك # فلنرسم في كل قسم منها فصلا وهي ستة فصول PageV01P137 # | الفصل الأول في حقيقة الوجوب وما يتعلق به من المسائل # أما حقيقة الوجوب فاعلم أن الوجوب في اللغة قد يطلق بمعنى السقوط ومنه ~~يقال وجبت الشمس إذا سقطت ووجب الحائط إذا سقط # وقد يطلق بمعنى الثبوت والاستقرار ومنه قوله عليه السلام إذا وجب المريض ~~فلا تبكين باكية أي استقر وزال عنه التزلزل والاضطراب # وأما في العرف الشرعي فقد قيل هو ما يستحق تاركه العقاب على تركه وهو إن ~~أريد ( بالاستحقاق ) ما يستدعي مستحقا عليه فباطل لعدم تحقق ذلك بالنسبة ~~إلى الله تعالى على ما بيناه في علم الكلام وبالنسبة إلى أحد من المخلوقين ~~بالإجماع # وإن أريد به أنه لو عوقب لكان ذلك ملائما لنظر الشارع فلا بأس به # وقيل هو ما توعد بالعقاب على تركه وهو باطل لأن التوعد بالعقاب على الترك ~~خبر ولو ورد لتحقق ms070 العقاب بتقدير الترك لاستحالة الخلف في خبر الصادق وإن ~~كان ذلك في حق غيره يعد كرما وفضيلة لما يلزمه من المصلحة الراجحة وليس ~~كذلك لجواز العفو عنه PageV01P138 # وقيل هو الذي يخاف العقاب على تركه ويبطل بالمشكوك في وجوبه كيف وإن هذه ~~الحدود ليست حدا للحكم الشرعي وهو الوجوب بل للفعل الذي هو متعلق الوجوب # والحق في ذلك أن يقال الوجوب الشرعي عبارة عن خطاب الشارع بما ينتهض تركه ~~سببا للذم شرعا في حالة ما # فالقيد الأول احتراز عن خطاب غير الشارع والثاني احتراز عن بقية الأحكام ~~والثالث احتراز عن ترك الواجب الموسع أول الوقت فإنه سبب للذم بتقدير إخلاء ~~جميع الوقت عنه وإخلاء أول الوقت من غير عزم على الفعل بعده وعن ترك الواجب ~~المخير فإنه سبب للذم بتقدير ترك البدل وليس سببا له بتقدير فعل البدل وعلى ~~هذا إن قلنا إن الأذان وصلاة العيد فرض كفاية واتفق أهل بلدة على تركه ~~قوتلوا # وإن قلنا إنه سنة فلا # وبالجملة فلا بد في الوجوب من ترجيح الفعل على الترك بما يتعلق به من ~~الذم أو الثواب الخاص به # فإنه لا تحقق للوجوب مع تساوي طرفي الفعل والترك في الغرض # وربما أشار القاضي أبو بكر إلى خلافه # وإذا عرف معنى الوجوب الشرعي فلا بد من الإشارة إلى ما يتعلق به من ~~المسائل وهي سبع # # | المسألة الأولى # هل الفرض غير الواجب أو هو هو أما في اللغة فالواجب هو الساقط والثابت ~~كما سبق تعريفه وأما الفرض فقد يطلق في اللغة بمعنى التقدير ومنه قولهم ~~فرضتا القوس للحزتين اللتين في سيتيه موضع الوتر وفرضة النهر وهو موضع ~~PageV01P139 اجتماع السفن ومنه قولهم فرض الحاكم النفقة أي قدرها # وقد يطلق بمعنى الإنزال # ومنه قوله تعالى @QB@ إن الذي فرض عليك القرآن @QE@ 28 القصص 85 ) أي ~~أنزل وقد يطلق بمعنى الحل ومنه قوله تعالى @QB@ ما كان على النبي من حرج ~~فيما فرض الله له @QE@ 33 الأحزاب 38 ) أي أحل له # وأما في الشرع فلا فرق بين الفرض والواجب ms071 عند أصحابنا إذ الواجب في الشرع ~~على ما ذكرناه عبارة عن خطاب الشارع بما ينتهض تركه سببا للذم شرعا في حالة ~~ما # وهذا المعنى بعينه متحقق في الفرض الشرعي # وخص أصحاب أبي حنيفة اسم الفرض بما كان من ذلك مقطوعا به # واسم الواجب بما كان مظنونا مصيرا منهم إلى أن الفرض هو التقدير والمظنون ~~لم يعلم كونه مقدرا علينا بخلاف المقطوع # فلذلك خص المقطوع باسم الفرض دون المظنون # والأشبه ما ذكره أصحابنا من حيث إن الاختلاف في طريق إثبات الحكم حتى ~~يكون هذا معلوما وهذا مظنونا غير موجب لاختلاف ما ثبت به # ولهذا فإن اختلاف طرق الواجبات في الظهور والخفاء والقوة والضعف بحيث إن ~~المكلف يقتل بترك البعض منها دون البعض لا يوجب اختلاف الواجب في حقيقته من ~~حيث هو واجب # وكذا اختلاف طرق النوافل غير موجب لاختلاف حقائقها # وكذلك اختلاف طرق الحرام بالقطع والظن غير موجب لاختلافه في نفسه من حيث ~~هو حرام كيف وإن الشارع قد أطلق اسم الفرض على الواجب في قوله تعالى @QB@ ~~فمن فرض فيهن الحج @QE@ 2 البقرة 197 ) أي أوجب # والأصل أن يكون مشعرا به حقيقة وأن لا يكون له مدلول سواه نفيا للتجوز ~~والاشتراك عن اللفظ # والذي يؤيد إخراج قيد القطع عن مفهوم الفرض PageV01P140 إجماع الأمة على ~~إطلاق اسم الفرض على ما أدى من الصلوات المختلف في صحتها بين الأئمة بقولهم ~~أد فرض الله تعالى # والأصل في الإطلاق الحقيقة وما ذكره الخصوم في تخصيص اسم الفرض المقطوع ~~به فمن باب التحكم حيث إن الفرض في اللغة هو التقدير مطلقا كان مقطوعا به ~~أو مظنونا # فتخصيص ذلك بأحد القسمين دون الآخر بغير دليل لا يكون مقبولا وبالجملة ~~فالمسألة لفظية # # | المسألة الثانية # لا فرق عند أصحابنا بين واجب العين والواجب على الكفاية من جهة الوجوب ~~لشمول حد الواجب لهما # خلافا لبعض الناس مصيرا منه إلى أن واجب العين لا يسقط بفعل الغير بخلاف ~~واجب الكفاية وغايته الاختلاف في طريق الإسقاط وذلك لا يوجب الاختلاف في ~~الحقيقة ms072 كالاختلاف في طريق الثبوت كما سبق # ولهذا فإن من ارتد وقتل فقتله بالردة وبالقتل واجب # ومع ذلك فأحد الواجبين يسقط بالتوبة دون الواجب الآخر # ولم يلزم من ذلك اختلافهما # # | المسألة الثالثة # اختلفوا في الواجب المخير كما في خصال الكفارة فمذهب الأشاعرة والفقهاء ~~أن الواجب منها واحد لا بعينه ويتعين بفعل المكلف PageV01P141 # وأطلق الجبائي وابنه القول بوجوب الجميع على التخيير # حجة أصحابنا أنه لا يخلو إما أن يقال بوجوب الجميع أو بوجوب واحد # والواحد إما معين وإما غير معين # لا جائز أن يقال بالأول لخمسة أوجه الأول أنه لو كان التخيير موجبا ~~للجميع لكان الأمر بإيجاب عتق عبد من العبيد على طريق التخيير موجبا للجميع ~~وهو محال # الثاني أن ذلك مما يمنع من التخيير ولهذا فإنه لا يحسن أن يقول القائل ~~لغيره أوجبت عليك صلاتين فصل أيهما شئت واترك أيهما شئت # كما لا يحسن أن يقول أوجبت عليك الصلاة وخيرتك في فعلها وتركها لما فيه ~~من رفع الواجب وليس ذلك من لغة العرب في شيء # الثالث أن الواجب ما لا يجوز تركه مع القدرة عليه والأمر فيما نحن فيه ~~بخلافه # الرابع أن الخصوم قد وافقوا على أنه لو أتى بالجميع أو ترك الجميع فإنه ~~لا يثاب ولا يعاقب على الجميع # الخامس أنه لو كان الجميع واجبا لنوى نية أداء الواجب في كل واحدة من ~~الخصال عندما إذا فعل الجميع وهو خلاف الإجماع # ولا جائز أن يقال بأن الواجب واحد معين إذ هو خلاف مقتضى التخيير ولأنه ~~كان يلزم أن PageV01P142 لا يحصل الإجزاء بتقدير أداء غيره مع القدرة عليه ~~وهو خلاف الإجماع # فلم يبق غير الإبهام # غير أن أبا الحسين البصري قد تكلف رد الخلاف في هذه المسألة إلى اللفظ ~~دون المعنى وذلك أنه قال معنى إيجاب الجميع أن الله تعالى حرم ترك الجميع ~~لا كل واحد واحد منها بتقدير فعل المكلف لواحد منها مع تفويض فعل أي واحد ~~منها كان إلى المكلف # وهذا هو بعينه مذهب الفقهاء # غير أن ما ذكره ms073 في تفسير وجوب الجميع وإن كان رافعا للخلاف غير أنه خلاف ~~ما نقله الأئمة عن الجبائي وابنه من إطلاق القول بوجوب الجميع والدلائل ~~المشعرة بذلك # فلننسج في الحجاج على منوالهم # فإن قيل ما ذكرتموه من الدليل إنما يلزم أن لو كانت آية التكفير وهي قوله ~~تعالى @QB@ فكفارته إطعام عشرة مساكين @QE@ 5 المائدة 89 ) الآية دالة على ~~تخيير كل واحد واحد من الأمة بين خصال الكفارة بجهة الإيجاب # وما المانع أن يكون ذلك إخبارا عما يوجد من الكفارة وتقديره فما يوجد من ~~الكفارة هو إطعام من حانث أو كسوة من حانث آخر أو عتق من حانث آخر # سلمنا دلالتها على الإيجاب لكن لا أنها خطاب بالتخيير لكل واحد واحد من ~~الأمة بل المراد بها إيجاب الإطعام على البعض والكسوة على البعض والعتق على ~~البعض # فكأنه قال فكفارته إطعام عشرة مساكين لبعضهم أو الكسوة لبعض آخر أو العتق ~~لبعض آخر سلمنا دلالة ما ذكرتموه لكنه معارض بما يدل على إبطال مدلوله # وبيانه من أحد عشر وجها الأول أن الخصال المذكورة إما أن تكون مستوية ~~فيما يرجع إلى الصفات المقتضية للوجوب أو أنها مختصة بالبعض دون البعض # فإن كان الأول فيلزم التسوية في الوجوب بين الكل # وإن كان الثاني كان ذلك البعض هو الواجب بعينه دون غيره PageV01P143 # الثاني أن الواجب ما تعلق به خطاب الشرع بالإيجاب وخطاب الشرع إنما يتعلق ~~بالمعين دون المبهم ولهذا فإنه يمتنع تعلق الإيجاب بأحد شخصين لا بعينه ~~فكذلك بفعل أحد أمرين لا يعينه وعند ذلك فيلزم تعلقه بالكل أو ببعض منه ~~معين # الثالث أن الإيجاب طلب والطلب يستدعي مطلوبا معينا لما تحقق قبل # والمعين إما الكل أو البعض # الرابع أنه لو فعل العبد الجميع فإنه يثاب ثواب من فعل واجبا فسببه يجب ~~أن يكون مقدورا للمكلف معينا لاستحالة الثواب على ما لا يكون من فعل العبد ~~واستحالة إسناد المعين إلى غير معين والمبهم ليس كذلك فلزم أن يكون الثواب ~~على الجملة أو بعض معين منها # الخامس أنه لو ms074 ترك الجميع فإنه يعاقب عقاب من ترك واجبا منها وذلك يدل ~~على أن الجميع واجب أو بعض منه معين كما سبق # السادس أنه كان الواجب واحدا لا بعينه من الخصال لكان منها شيء لا بعينه ~~غير واجب # والتخيير بين الواجب وما ليس بواجب محال لما فيه من رفع حقيقة الواجب # السابع أنه لو كان الواجب واحدا لا بعينه فعند التكفير بالجميع إما أن ~~يسقط الفرض بمجموعها أو بكل واحد منها أو بواحد منها فإن كان الأول أو ~~الثاني فالكل واجب وإن كان الثالث فذلك هو الفرض # الثامن ويخص إيجاب الجميع أنه لو كان الواجب واحدا لنصب الله عليه دليلا ~~ولم يكله إلى تعيين العبد لعدم معرفته بما فيه المصلحة كما في سائر ~~الواجبات # فحيث لم يعين دل على أن الكل واجب # التاسع أنه إذا كان الواجب واحدا لا بعينه ويتعين بفعل المكلف فالباري ~~تعالى يعلم ما سيعينه العبد فيكون الواجب معينا عند الله تعالى # وإن لم يكن معينا عند العبد قبل الفعل # ويلزم من ذلك التخيير بين الواجب المعين PageV01P144 وبين ما ليس واجبا ~~وهو محال # فثبت أن الجميع واجب # العاشر أنه لو كان الواجب واحدا لا بعينه فكفر ثلاثة كل واحد بواحد من ~~الخصال غير ما كفر به الآخر لكان الواحد منهم لا بعينه هو المكفر بالواجب ~~دون الباقين # وحيث وقع ما فعله كل واحد موقع الواجب كان الجميع واجبا # الحادي عشر أن الوجوب قد يعم عددا من المتعبدين ويسقط بفعل الواحد منهم ~~كفرض الكفاية فلا يمتنع أن يعم الوجوب عددا من العبادات ويسقط بفعل واحدة ~~منها # والجواب عن السؤال الأول أن الإجماع من الأمة منعقد على أن المراد من ~~الآية الوجوب لا نفس الإخبار # وعن الثاني أن حمل الآية على ما ذكروه مع مخالفته لإجماع السلف مما يحوج ~~إلى إضمارات كثيرة في الآية وهي ما قدروه من البعض في قولهم فكفارته إطعام ~~عشرة مساكين لبعضهم وكذلك في الكسوة والعتق وهو على خلاف الأصل من غير حاجة ~~كيف وإنه لو ms075 كان كما ذكروه لقال فكفارته إطعام عشرة مساكين وكسوتهم وتحرير ~~رقبة لوجوب الخصال الثلاث على الجميع بالنسبة إلى الحانثين المذكورين # وعن المعارض الأول أنه مبني على وجوب رعاية المصلحة في أحكام الله تعالى ~~وهو غير مسلم كيف وإنه يلزم منه أن يكون الأمر على ما ذكروه في عقد الإمامة ~~لأحد PageV01P145 الإمامين الصالحين وتزويج المرأة الطالبة للنكاح من أحد ~~الكفؤين الخاطبين وفي إيجاب عتق عبد من العبيد وهو مخالف للإجماع وحيث تعذر ~~الوجوب على أحد شخصين لا بعينه إنما كان لتوقف تحقق الوجوب على ارتباطه ~~بالذم والعقاب على ما سبق في تحديده وذم أحد شخصين لا بعينه متعذر بخلاف ~~الذم على أحد فعلين لا بعينه # وبهذه الصور يكون اندفاع ما ذكروه من المعارض الثاني وما بعده إلى آخر ~~التاسع # وعن العاشر أن الواجب على كل واحد من المكفرين خصلة من الخصال الثلاث لا ~~بعينها # وقد أتى بما وجب عليه وسقط به الفرض عنه فكان ما أتى به كل واحد واجبا لا ~~أن الواجب على الكل خصلة واحدة لا بعينها ليلزم ما قيل # وعن الحادي عشر أنا لا نمنع سقوط الواجب دون أدائه ولكن لا يلزم من ذلك ~~أن تكون خصال الكفارة كلها 2 واجبة كما كان الوجوب ثابتا على أعداد ~~المكلفين في فرض الكفاية لأن الإجماع منعقد على تأثيم الكل بتقدير اتفاقهم ~~على الترك ولا كذلك في خصال الكفارة # وعلى هذه القاعدة لو قال لزوجتيه إحداكما طالق # فالمطلقة منهما واحدة لا بعينها # وأن وجب الكف عنهما والتخيير في التعيين إلى المطلق كما لو قيل في خصال ~~الكفارة من غير فرق # ولا يخفى وجه الحجاج من الطرفين # # | المسألة الرابعة # إذا كان وقت الواجب فاضلا عنه كصلاة الظهر مثلا فمذهب أصحابنا وأكثر ~~الفقهاء وجماعة من المعتزلة كالجبائي وابنه وغيرهما أنه واجب موسع وأن جميع ~~أجزاء ذلك الوقت وقت لأداء ذلك الواجب فيه فيما يرجع إلى سقوط الفرض به ~~وحصول مصلحة الوجوب PageV01P146 # وهل للواجب في أول الوقت ووسطه بتقدير تأخير الواجب عنه إلى ما ms076 بعده بدل ~~اختلف هؤلاء فيه فأثبته أصحابنا والجبائي وابنه وهو العزم على الفعل # وأنكره بعض المعتزلة كأبي الحسين البصري وغيره # وقال قوم وقت الوجوب هو أول الوقت وفعل الواجب بعد ذلك يكون قضاء # وقال بعض أصحاب أبي حنيفة وقت الوجوب هو آخر الوقت لكن اختلفوا في وقوع ~~الفعل قبل ذلك فمنهم من قال هو نفل يسقط به الفرض # ومنهم من قال كالكرخي إن المكلف إذا بقي بنعت المكلفين إلى آخر الوقت كان ~~ما فعله واجبا وإلا فنفل # وحكي عنه أن الواجب يتعين بالفعل في أي وقت كان # حجة القائلين بالوجوب الموسع أن الأمر بصلاة الظهر وهو قوله تعالى @QB@ ~~أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل @QE@ 17 الإسراء 78 ) عام لجميع ~~أجزاء الوقت المذكور # وليس المراد به تطبيق أول فعل الصلاة على أول الوقت وآخره على آخره ولا ~~إقامة الصلاة في كل وقت من أوقاته حتى لا يخلو جزء منه عن صلاة إذ هو خلاف ~~الإجماع ولا تعيين جزء منه لاختصاصه بوقوع الواجب فيه إذ لا دلالة للفظ ~~عليه # فلم يبق إلا أنه أراد به أن كل جزء منه صالح لوقوع الواجب فيه # ويكون المكلف مخيرا في إيقاع الفعل في أي جزء شاء منه ضرورة امتناع قسم ~~آخر وهو المطلوب # ويدل على إرداة هذا الاحتمال حصول الإجزاء عن الواجب بأداء الصلاة في أي ~~وقت قدر منه فإنه يدل على حصول مقصود الواجب من الكل وأن الفعل في كل وقت ~~قائم مقامه في غيره من الأوقات فيكون واجبا وإلا فلو لم يكن محصلا لمقصود ~~الواجب فيلزم منه إما فوات مصلحة الواجب بتقدير فعل PageV01P147 الصلاة في ~~غير وقت الوجوب فتكون الصلاة حراما لكونها مفوتة لمصلحة الواجب وهو محال ~~وإما بقاء مصلحة الوجوب ويلزم منه وجوب فعل الصلاة لبقاء مقصودها الموجب ~~لها بعد فعل الصلاة في الوقت المفروض وهو خلاف الإجماع # فإن قيل ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيض مطلوبكم وذلك أنه لو كان ~~الفعل واجبا في أول الوقت أو وسطه لما جاز ms077 تركه مع القدرة عليه إذ هو حقيقة ~~الواجب # وإنما يتحقق ذلك بالنسبة إلى آخر الوقت لانعقاد الإجماع على لحوق الإثم ~~بتركه فيه بتقدير عدم فعله قبله # وأما قبل ذلك فالفعل فيه ندب لكونه مثابا مع جواز تركه # ويسقط الفرض به في آخر الوقت ولا يمتنع سقوط الفرض عن المكلف بفعل ما ليس ~~بفرض كالزكاة المعجلة قبل الحول سلمنا أنه ليس بنفل ولكن ما المانع من ~~القول بتعيين وقت الوجوب بالفعل أو تعيين الوقت الأول للوجوب وما بعده قضاء ~~أو الحكم بكونه واجبا بتقدير بقائه بصفة المكلفين إلى آخر الوقت كما قيل من ~~المذاهب السابقة # والجواب عن جواز ترك الفعل في أول الوقت أنه لا يدل على عدم الوجوب مطلقا ~~بل على عدم الوجوب المضيق # وأما الموسع فلا # والفرق بين المندوب والواجب الموسع جواز ترك المندوب مطلقا والموسع بشرط ~~الفعل بعده في الوقت الموسع # وحاصله راجع إلى أن الواجب على المكلف إيقاع الفعل في أي وقت شاء من ~~أجزاء ذلك الوقت الموسع على طريق الإبهام والتعيين إلى المكلف كما سبق في ~~خصال الكفارة أو بشرط العزم على الفعل بعده # ثم لو كان نفلا لما سقط به الفرض لما سبق # والزكاة المعجلة واجبة مؤجلة بعد انعقاد سببها وهو ملك النصاب لا أنها ~~نافلة ولكان ينبغي أن تصح الصلاة بنية النفل وليس كذلك PageV01P148 فإن قيل ~~لو كان العزم بدلا عن الفعل في أول الوقت لما وجب الفعل بعده ولما جاز ~~المصير إليه مع القدرة على المبدل كسائر الأبدال مع مبدلاتها ولكان من أخر ~~الصلاة عن أول الوقت مع الغفلة عن العزم يكون عاصيا لكونه تاركا للأصل ~~وبدله كيف وإن الأمر الوارد بإيجاب الصلاة في هذا الوقت ليس فيه تعرض للعزم ~~فإيجابه يكون زيادة على مقتضى الأمر # ثم جعل العزم بدلا من صفة الفعل أو عن أصل الفعل مع أنه من أفعال القلوب ~~بعيد إذ لا عهد لنا في الشرع بجعل أفعال القلوب أبدالا عن الأفعال # ولا يجعل صفة الفعل مبدلا # قلنا لم يكن ms078 بدلا عن أصل الفعل بل عن تقديم الفعل فلا يكون موجبا لسقوط ~~الفعل مطلقا # ومعنى كونه بدلا أنه مخير بينه وبين تقديم الفعل والمصير إلى أحد ~~المخيرين غير مشروط بالعجز عن الآخر # لا أنه من باب الوضوء من التيمم وإنما لم يعص مع تركه غافلا لعدم تكليف ~~الغافل والأمر وإن لم يكن متعرضا للعزم فلا يلزم منه امتناع جعله بدلا فإنه ~~لا يلزم من انتفاء بعض المدارك انتفاء الكل # وأما استبعاد كون العزم بدلا عن صفة الفعل على ما ذكروه فغير مستحق ~~للجواب # ثم كيف يستبعد ذلك والفدية في حق الحامل عند خوفها على جنينها وكذلك ~~المرضع على ولدها بدل عن تقديم الصوم في حقها وهو صفة الفعل # وكذلك الندم توبة وهو من أعمال القلوب # وقد جعل بدلا عما فرط من أفعال الطاعات الواجبة حالة الكفر الأصلي # والجواب عن القول بتعيين وقت الوجوب بالفعل أنه إن أريد به أنا نتبين ~~سقوط الغرض بالفعل في ذلك الوقت فهو مسلم ولا منافاة بينه وبين ما ذكرناه # وإن أرادوا به أنا نتبين أن غير ذلك الوقت لم يكن وقتا للوجوب بمعنى أنه ~~لو أدى فيه الفعل لم يقع الموقع فهو خلاف الإجماع # وإن أريد به غير ذلك فلا بد من تصويره PageV01P149 # وعن القول بتعين الوقت الأول للوجوب وما بعده للقضاء فيما سبق # كيف وأن الإجماع منعقد على أن ما يفعل بعد ذلك الوقت ليس بقضاء ولا يصح ~~بنية القضاء # وعن الوقت أنه خلاف الإجماع من السلف على أن من فعل الصلاة في أول الوقت ~~ومات فيه أثنائه أنه أدى فرض الله وأثبت ثواب الواجب وعلى ما حققناه من ~~الوجوب الموسع لو أخر المكلف الصلاة عن أول الوقت بشرط العزم ومات لم يلق ~~الله عاصيا نظرا إلى إجماع السلف على ذلك # وليس يلزم من ذلك إبطال معنى الوجوب حيث إنه لا يجوز تركه مطلقا بل بشرط ~~العزم على ما تقدم # ولا يمكن أن يقال جواز التأخير مشروط بسلامة العاقبة لكونها منطوية عنه ~~ولا بد ms079 من الحكم الجزم في هذه الحال إما بالبعضية وهو خلاف الإجماع وإما ~~بنفيها ضرورة امتناع التوقف على ظهور العاقبة بالإجماع من سلف الأمة وإذا ~~عرف معنى الواجب الموسع ففعله في وقته أول مرة يسمى أداء # وسواء كان فعله على نوع من الخلل لعذر أو لا على نوع من الخلل # وإن فعل على نوع من الخلل لعذر ثم فعل في ذلك الوقت مرة ثانية سمي إعادة ~~وإن لم يفعل في وقته المقدر وسواء كان ذلك بعذر أو بغير عذر ثم فعل بعد ~~خروج وقته سمي قضاء # # | المسألة الخامسة # اتفق الكل في الواجب الموسع على أن المكلف لو غلب على ظنه أنه يموت ~~بتقدير التأخير عن أول الوقت فأخره أنه يعصي وإن لم يمت # واختلفوا في فعله بعد ذلك في الوقت هل يكون قضاء أو أداء # فذهب القاضي أبو بكر إلى كونه قضاء وخالفه غيره في ذلك # حجة القاضي أن الوقت صار مقدرا مضيقا بما غلب على ظن المكلف أنه ~~PageV01P150 لا يعيش أكثر منه ولذلك عصى بالتأخير عنه # فإذا فعل الواجب بعد ذلك فقد فعله خارج وقته فكان قضاء كما في غيره من ~~العبادات الفائتة في أوقاتها المقدرة المحدودة # ولقائل أن يقول غاية ظن المكلف أنه أوجب العصيان بالتأخير عن الوقت الذي ~~ظن حياته فيه دون ما بعده فلا يلزم من ذلك تضييق الوقت بمعنى أنه إذا بقي ~~بعد ذلك الوقت كان فعله للواجب فيه قضاء وذلك لأنه كان وقتا للأداء # والأصل بقاء ما كان على ما كان # ولا يلزم من جعل ظن المكلف موجبا للعصيان بالتأخير مخالفة هذا الأصل أيضا # ولهذا فإنه لا يلزم من عصيان المكلف بتأخير الواجب الموسع عن أول الوقت ~~من غير عزم على الفعل عند القاضي أن يكون فعل الواجب بعد ذلك في الوقت قضاء ~~وهو في غاية الاتجاه # # | المسألة السادسة # اتفقوا على أن الواجب إذا لم يفعل في وقته المقدر وفعل بعده أنه يكون ~~قضاء وسواء تركه في وقته عمدا أو سهوا # واتفقوا على أن ما ms080 لم يجب ولم ينعقد سبب وجوبه في الأوقات المقدرة ففعله ~~بعد ذلك لا يكون قضاء لا حقيقة ولا مجازا كفوائت الصلوات في حالة الصبى ~~والجنون # واختلفوا فيما انعقد سبب وجوبه ولم يجب لمانع أو لفوات شرط من خارج وسواء ~~كان المكلف قادرا على الإتيان بالواجب في وقته كالصوم في حق المريض ~~والمسافر أو غير قادر عليه إما شرعا كالصوم في حق الحائض وإما عقلا كالنائم ~~أنه هل يسمى قضاء حقيقة أو مجازا PageV01P151 # منهم من مال إلى التجوز مصيرا منه إلى أن القضاء إنما يكون حقيقة عند ~~فوات ما وجب في الوقت استدراكا لمصلحة الواجب الفائت # وذلك غير متحقق فيما نحن فيه ووجوبه بعد ذلك الوقت بأمر مجدد لا ارتباط ~~له بالوقت الأول # فكان إطلاق القضاء عليه تجوزا # ومنهم من مال إلى أنه قضاء حقيقة لما فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب ~~وجوبه ولم يجب للمعارض وإطلاق اسم القضاء في هذه الصور في محل الوفاق إنما ~~كان باعتبار ما اشتركا فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب وجوبه لا استدراك ~~مصلحة ما وجب # وهذا هو الأشبه لما فيه من نفي التجوز والاشتراك عن اسم القضاء # # | المسألة السابعة # ما لا يتم الواجب إلا به هل يوصف بالوجوب # اختلفوا فيه ولا بد قبل الخوض في الحجاج من تلخيص محل النزاع فنقول ما لا ~~يتم الواجب إلا به إما أن يكون وجوبه مشروطا بذلك الشيء أو لا يكون مشروطا ~~به # فإن كان الأول فهو كما لو قال الشارع أوجبت عليك الصلاة إن كنت متطهرا ~~فلا خلاف في أن تحصيل الشرط ليس واجبا وإنما الواجب الصلاة إذا وجد الشرط ~~PageV01P152 # وإن كان الثاني وهو أن يكون وجوبه مطلقا غير مشروط الوجوب بذلك الغير بل ~~مشروط الوقوع فذلك هو محل النزاع إن كان الشرط مقدورا للمكلف وذلك كما لو ~~وجبت الصلاة وتعذر وقوعها دون الطهارة أو وجب غسل الوجه ولم يكن إلا بغسل ~~جزء من الرأس إلى غير ذلك # وإن لم يكن الشرط مقدورا للمكلف فلا ms081 إلا على رأي من يجوز تكليف ما لا ~~يطاق # وذلك كحضور الإمام الجمعة وحصول تمام العدد فيها فإن ذلك غير مقدور لآحاد ~~المكلفين # وإذا تلخص محل النزاع فنقول اتفق أصحابنا والمعتزلة على أن ما لا يتم ~~الواجب إلا به وهو مقدور للمكلف فهو واجب # خلافا لبعض الأصوليين # قال أبو الحسين البصري وإنما قلنا إن تحصيل الشرط واجب لأنه لو لم يجب بل ~~كان تركه مباحا لكان الآمر كأنه قال للمأمور لك مباح ألا تأتي بالشرط وأوجب ~~عليك الفعل مع عدم الإتيان بما لا يتم إلا به # وذلك تكليف بما لا يطاق وهو محال # وهذه الطريقة في غاية الفساد وذلك لأن وجوب المشروط إذا كان مطلقا فلا ~~يلزم من إباحة الشرط أن يكون التكليف بالمشروط حالة عدم الشرط فإن عدمه غير ~~لازم من إباحته بل حالة عدم وجوب الشرط # وفرق بين الأمرين # فلا يكون التكليف بالمشروط تكليفا بما لا PageV01P153 يطاق # ثم يقال له إن كان التكليف بالمشروط حالة عدم الشرط محالا فالتكليف ~~بالمشروط مشروط بوجود الشرط وكل ما وجوبه مشروط بشرط فالشرط لا يكون واجب ~~التحصيل لما سبق ولا جواب عنه # وإلا قرب في ذلك أن يقال انعقد إجماع الأمة على إطلاق القول بوجوب تحصيل ~~ما أوجبه الشارع # وتحصيله إنما هو بتعاطي الأمور الممكنة من الإتيان به # فإذا قيل يجب التحصيل بما لا يكون واجبا كان متناقضا # وبالجملة فالمسألة وعرة والطرق ضيقة فليقنع بمثل هذا في هذا المضيق # فإن قيل القول بوجوب الشرط زيادة على ما اقتضاه الأمر بالمشروط إذ لا ~~دلالة عليه والزيادة على النص نسخ ونسخ مدلول النص لا يكون إلا بنص آخر ولا ~~نص # ثم لو كان واجبا لكان مقدورا حذرا من التكليف بما لا يطاق # وما يجب غسله من الرأس وإمساكه من الليل غير مقدور ولكان مثابا عليه ~~ومعاقبا على تركه # والثواب والعقاب إنما هو على غسل الوجه وتركه وعلى صوم اليوم وتركه لا ~~على مسح بعض الرأس وإمساك شيء من الليل # ولهذا فإنه لو تصور الإتيان ms082 بالمشروط دون شرطه كان كذلك # قلنا جواب الأول أن النسخ إنما يلزم إن لو كان ما قيل بوجوبه رافعا ~~لمقتضى النص الوارد بالمشروط وليس كذلك فإن مقتضاه وجوبه ووجوبه باق بحاله # وجواب الثاني أنه مبني على القول بأن كل واجب لا يقدر بقدر محدود # فالزيادة على أقل ما ينطلق عليه الاسم هل توصف بالوجوب لكون نسبة الكل ~~إلى الوجوب نسبة واحدة أو الواجب أقل ما ينطلق عليه الاسم والزيادة ندب # فمن ذهب إلى القول الأول قال كل ما يأتي به من ذلك فهو واجب # والأصح PageV01P154 إنما هو القول الثاني وهو أن الواجب أقل ما ينطلق ~~عليه الاسم إذ هو مكتفي به من غير لوم على ترك الزيادة من غير بدل وهو ~~مقدور # وجواب الثالث بمنع ما ذكروه # وجواب الرابع بأن الوجوب إنما يتحقق بالنسبة إلى العاجز عن الإتيان ~~بالمشروط دون الشرط لا القادر PageV01P155 # # | الفصل الثاني في المحظور # وقد يطلق في اللغة على ما كثرت آفاته ومنه يقال لبن محظور أي كثير الآفة # وقد يطلق بمعنى المنع والقطع ومنه قولهم حظرت عليه كذا أي منعته منه ومنه ~~الحظيرة للبقعة المنقطعة تأتي إليها المواشي # وأما في الشرع فقد قيل فيه ضد ما قيل في الواجب من الحدود المزيفة السابق ~~ذكرها # ولا يخفى وجه الكلام عليها # والحق فيه أن يقال هو ما ينتهض فعله سببا للذم شرعا بوجه ما من حيث هو ~~فعل له # فالقيد الأول فاصل له عن الواجب والمندوب وسائر الأحكام والثاني فاصل له ~~عن المخير كما ذكرناه في الواجب # والثالث فاصل له عن المباح الذي يستلزم فعله ترك واجب فإنه يذم عليه لكن ~~لا من جهة فعله بل لما لزمه من ترك الواجب والحظر فهو خطاب الشارع بما فعله ~~سبب للذم شرعا بوجه ما من حيث هو فعله # ومن أسمائه أنه محرم ومعصية وذنب # وإذا عرف PageV01P156 معنى المحظور فلا بد من ذكر ما يختص به من المسائل ~~وهي ثلاث مسائل # | المسألة الأولى # يجوز أن يكون المحرم أحد أمرين لا بعينه ms083 عندنا خلافا للمعتزلة وذلك لأنه ~~لا مانع من ورود النهي بقوله لا تكلم زيدا أو عمرا # وقد حرمت عليك كلام أحدهما لا بعينه ولست أحرم عليك الجميع ولا واحدا ~~بعينه # فهذا الورود كان معقولا غير ممتنع # ولا شك أنه إذا كان كذلك فليس المحرم مجموع كلاميهما ولا كلام أحدهما على ~~التعيين لتصريحه بنقيضه فلم يبق إلا أن يكون المحرم أحدهما لا بعينه # ومنهج الخصم في الاعتراض ومنهجنا في الجواب فكما سبق في الواجب المخير ~~ولا يخفى وجهه # ولكن ربما تشبث الخصوم هاهنا بقولهم إن حرف أو إذا ورد في النهي اقتضى ~~الجمع دون التخيير ودليله قوله تعالى @QB@ ولا تطع منهم آثما أو كفورا @QE@ ~~76 الإنسان 24 ) فإن المراد به إنما هو النهي عن الطاعة لكل واحد منهما لا ~~النهي عن أحدهما # وجوابه أن يقال مقتضى الآية إنما هو التخيير وتحريم أحد الأمرين لا بعينه ~~والجمع في التحريم هاهنا إنما كان مستفادا من دليل آخر ويجب أن يكون كذلك ~~جمعا بين الآية وما ذكرناه من الدليل # # | المسألة الثانية # اتفق العقلاء على استحالة الجمع بين الحظر والوجوب في فعل واحد ~~PageV01P157 من جهة واحدة لتقابل حديهما كما سبق تعريفه إلا على رأي من ~~يجوز التكليف بالمحال # وإنما الخلاف في أنه هل يجوز انقسام النوع الواحد من الأفعال إلى واجب ~~وحرام كالسجود لله تعالى والسجود للصنم وأن يكون الفعل الواحد بالشخص واجبا ~~حراما من جهتين كوجوب الفعل المعين الواقع في الدار المغصوبة من حيث هو ~~صلاة وتحريمه من حيث هو غصب شاغل لملك الغير فذلك مما جوزه أصحابنا مطلقا ~~وأكثر الفقهاء # وخالف في الصورة الأولى بعض المعتزلة وقالوا السجود نوع واحد وهو مأمور ~~به لله تعالى فلا يكون حراما ولا منهيا بالنسبة إلى الصنم من حيث هو سجود ~~وإلا كان الشيء الواحد مأمورا منهيا وذلك محال وإنما المحرم المنهي قصد ~~تعظيم الصنم وهو غير السجود # وخالف في الصورة الثانية الجبائي وابنه وأحمد بن حنبل وأهل الظاهر ~~والزيدية # وقيل إنه رواية عن مالك # وقالوا الصلاة ms084 في الدار المغصوبة غير واجبة ولا صحيحة ولا يسقط بها الفرض ~~ولا عندها ووافقهم على ذلك القاضي أبو بكر إلا في سقوط الفرض فإنه قال يسقط ~~الفرض عندها لا بها مصيرا PageV01P158 منهم إلى أن الوجوب والتحريم إنما ~~يتعلق بفعل الملكف لا بما ليس من فعله والأفعال الموجودة من المصلي في ~~الدار المغصوبة أفعال اختيارية محرمة عليه وهو عاص بها مأثوم بفعلها وليس ~~له من الأفعال غير ما صدر عنه فلا يتصور أن تكون واجبة طاعة ولا مثابا ~~عليها متقربا بها إلى الله تعالى # لأن الحرام لا يكون واجبا والمعصية لا تكون طاعة ولا مثابا عليها ولا ~~متقربا بها مع أن التقرب شرط في صحة الصلاة والحق في ذلك ما قاله الأصحاب # أما في الصورة الأولى فلضرورة التغاير بالشخصية بين السجود لله تعالى ~~والسجود للصنم # ولا يلزم من تحريم أحد السجودين تحريم الآخر ولا من الوجوب الوجوب وما ~~قيل من أن السجود مأمور به لله تعالى فإن أريد به السجود من حيث هو كذلك ~~فهو غير مسلم بل السجود المقيد بقصد تعظيم الرب تعالى دون ما قصد به تعظيم ~~الصنم # ولهذا قال الله تعالى @QB@ لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله @QE@ ~~37 فصلت 41 ) ولو كان كما ذكروه لكان عين المأمور به منهيا عنه وهو محال # وأما في الصورة الثانية فلضرورة تغاير الفعل المحكوم عليه باعتبار اختلاف ~~جهتيه من الغصب والصلاة # وذلك لأن التغاير بين الشيئين كما أنه قد يقع بتعدد النوع تارة كالإنسان ~~والفرس وبتعدد الشخص تارة كزيد وعمرو # فقد يقع التغاير مع اتحاد الموضوع المحكوم عليه شخصا بسبب اختلاف صفاته ~~بأن يكون المحكوم عليه بأحد الحكمين المتقابلين هو الهيئة الاجتماعية من ~~ذاته وإحدى صفتيه والمحكوم عليه بالحكم الآخر بالهيئة الاجتماعية والصفة ~~الأخرى كالحكم على زيد بكونه PageV01P159 مذموما لفسقه ومشكورا لكرمه وذلك ~~مما لا يتحقق معه التقابل بين الحكمين والمنع منهما # وقولهم إن الفعل الموجود منه في الدار المغصوبة متحد وهو حرام فلا يكون ~~واجبا # قلنا المحكوم عليه بالحرمة ذات ms085 الفعل من حيث هو فعل أو من جهة كونه غصبا ~~الأول غير مسلم # والثاني فلا يلزم منه امتناع الحكم عليه بالوجوب من جهة كونه صلاة ضرورة ~~الاختلاف كما سبق # فإن قيل متعلق الوجوب إما أن يكون هو متعلق الحرمة أو هو مغاير له والأول ~~يلزم منه التكليف بما لا يطاق والخصم لا يقول بذلك فيما نحن فيه سواء قيل ~~بإحالته أو بجوازه # والثاني إما أن يكون متعلق الوجوب والتحريم متلازمين أو غير متلازمين لا ~~جائز أن يقال بالثاني فإن الغصب والصلاة وإن انفك أحدهما عن الآخر في غير ~~مسألة النزاع فهما متلازمان في مسألة النزاع # فلم يبق غير التلازم وعند ذلك فالواجب متوقف على فعل المحرم وما لا يتم ~~الواجب إلا به فهو واجب # فالمحرم الذي ذكرتموه يكون واجبا وهو تكليف بما لا يطاق # وأيضا فإن الحركات المخصوصة في الصلاة والسكنات داخلة في مفهومها ~~والحركات والسكنات تشغل الحيز إذ الحركة عبارة عن شغل الجوهر للحيز بعد أن ~~كان في غيره والسكون شغل الجوهر للحيز أكثر من زمان واحد # فشغل الحيز داخل في مفهوم الحركة والسكون الداخلين في مفهوم الصلاة فكان ~~داخلا في مفهوم الصلاة لأن جزء الجزء جزء وشغل الحيز فيما نحن فيه حرام # فالصلاة التي جزءها حرام لا تكون واجبة لأن وجوبها إما أن يستلزم إيجاب ~~جميع أجزائها أو لا يستلزم # والأول يلزم منه إيجاب ما كان من أجزائها محرما وهو تكليف بما لا يطاق # والثاني يلزم منه أن يكون الواجب بعض أجزاء الصلاة لا نفس الصلاة لأن ~~مفهوم الجزء مغاير لمفهوم الكل وذلك محال # قلنا أما الإشكال الأول فيلزم عليه ما لو قال السيد لعبده أوجبت عليك ~~PageV01P160 خياطة هذا الثوب وحرمت عليك السكن في هذا الدار فإن فعلت هذا ~~أثبتك وإن فعلت هذا عاقبتك فإنه إذا سكن الدار وخاط الثوب فإنه يصح أن يقال ~~فعل الواجب والمحرم ويحسن من السيد ثوابه له على الطاعة وعقابه له على ~~المعصية إجماعا # وعند ذلك فكل ما أوردوه من التقسيم فهو بعينه ms086 وارد هاهنا # وذلك أن يقال متعلق الوجوب إن كان هو متعلق الحرمة فهو تكليف بما لا يطاق ~~وليس كذلك فيما فرض من الصورة وإن تغايرا فهما في الصورة المفروضة متلازمان ~~وإن جاز انفكاكهما حسبما قيل في الصلاة في الدار المغصوبة # فالواجب متوقف على المحرم فيلزم أن يكون واجبا لا محرما لما قيل # وقد قيل بالجمع بين الواجب والمحرم فيها فما هو الجواب في هذه الصورة هو ~~الجواب في صورة محل النزاع # على هذا فقد اندفع الإشكال الثاني أيضا من حيث إن شغل الحيز داخل في ~~مفهوم الحركات المخصوصة الداخلة في مفهوم الخياطة # وشغل الحيز بالسكن محرم على ما قيل في صورة محل النزاع من غير فرق ~~والجواب يكون مشتركا كيف وإن إجماع سلف الأمة وهلم جرا منعقد على الكف عن ~~أمر الظلمة بقضاء الصلوات المؤدات في الدور المغصوبة مع كثرة وقوع ذلك منهم ~~ولو لم تكن صحيحة مع وجوبها عليهم لبقي الوجوب مستمرا وامتنع على الأمة عدم ~~الإنكار عادة وهو لازم على المعتزلة وأحمد بن حنبل حيث اعترفوا ببقاء الفرض ~~وعدم سقوطه # وأما القاضي أبو بكر فإنه قال إن الفرض يسقط عندها لا بها جمعا بين ~~الإجماع على عدم النكير على ترك القضاء وبين ما ظنه دليلا على امتناع صحة ~~الصلاة # وقد بينا إبطال مستنده # # | المسألة الثالثة # مذهب الشافعي أن المحرم بوصفه مضاد لوجوب أصله خلافا لأبي حنيفة # وصورة المسألة ما إذا أوجب الصوم وحرم إيقاعه في يوم العيد # وعلى هذا النحو فالشافعي اعتقد أن المحرم هو الصوم الواقع وألحقه بالمحرم ~~باعتبار أصله PageV01P161 فكان تحريمه مضادا لوجوبه # وأبو حنيفة اعتقد أن المحرم نفس الوقوع لا الواقع وهما غيران فلا تضاد ~~إلحاقا له بالمحرم باعتبار غيره وحيث قضى بتحريم صلاة المحدث وبطلانها إنما ~~كان لفوات شرطها من الطهارة لا للنهي عن إيقاعها مع الحدث بخلاف الطواف حيث ~~لا يقم الدليل عنده على اشتراط الطهارة فيه # وبالجملة فالمسألة اجتهادية ظنية لا حظ لها من اليقين وإن كان الأشبه ~~إنما هو مذهب الشافعي ms087 من حيث إن اللغوي لا يفرق عند سماعه لقول القائل حرمت ~~عليك الصوم في هذا اليوم مع كونه موجبا لتحريم الصوم وبين قوله حرمت عليك ~~إيقاع الصوم في هذا اليوم من جهة أنه لا معنى لإيقاع الصوم في اليوم سوى ~~فعل الصوم في اليوم # فإذا كان فعل الصوم فيه محرما كان ذلك مضادا لوجوبه لا محالة # فإن قيل لو كان تحريم إيقاع الفعل في الوقت تحريما للفعل الواقع لزم أن ~~يكون تحريم إيقاع الطلاق في زمن الحيض تحريما لنفس الطلاق ولو كان الطلاق ~~نفسه محرما لما كان معتبرا وكذلك وقوع الصلوات في الأوقات والأماكن المنهي ~~عن إيقاعها فيها # قلنا أما الطلاق في زمن الحيض إنما قضى الشافعي بصحته لظهور صرف التحريم ~~عنده عن أصل الطلاق وصفته إلى أمر خارج وهو ما يفضي إليه من تطويل العدة ~~لدليل دل عليه # وأما الصلوات في الأوقات والأماكن المنهي عنها فقد منع بعض أصحابنا صحتها ~~في الأوقات دون الأماكن # ومن عمم اعتقد صرف النهي فيها عن الصوم وصفته إلى أمر خارج لدليل دل عليه ~~أيضا بخلاف ما نحن فيه حتى لو قام الدليل فيه على ترك الظاهر لترك ~~PageV01P162 # # | الفصل الثالث في تحقيق معنى المندوب وما يتعلق به من المسائل # والمندوب في اللغة مأخوذ من الندب وهو الدعاء إلى أمر مهم ومنه قول ~~الشاعر ( لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا ) وأما ~~في الشرع فقد قيل هو ما فعله خير من تركه # ويبطل بالأكل قبل ورود الشرع فإنه خير من تركه لما فيه من اللذة واستبقاء ~~المهجة وليس مندوبا وقيل هو ما يمدح على فعله ولا يذم على تركه ويبطل ~~بأفعال الله تعالى فإنها كذلك وليست مندوبة # فالواجب أن يقال هو المطلوب فعله شرعا من غير ذم على تركه مطلقا # ( فالمطلوب فعله ) احتراز عن الحرام والمكروه والمباح وغيره من الأحكام ~~الثابتة بخطاب الوضع والأخبار # و ( نفي الذم ) احتراز عن الواجب المخير والموسع في أول الوقت # وإذا عرف معنى المندوب ففيه مسألتان ms088 # | المسألة الأولى # ذهب القاضي أبو بكر وجماعة من أصحابنا إلى أن المندوب مأمور به ~~PageV01P163 خلافا للكرخي وأبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة # احتج المثبتون بأن فعل المندوب يسمى طاعة بالاتفاق وليس ذلك لذات الفعل ~~المندوب إليه وخصوص نفسه وإلا كان طاعة بتقدير ورود النهي عنه ولا لصفة من ~~الصفات التي يشاركه فيها غيره من الحوادث وإلا كان كل حادث طاعة ولا لكونه ~~مرادا لله تعالى وإلا كان كل مراد الوقوع طاعة وليس كذلك ولا لكونه مثابا ~~عليه فإنه لا يخرج عن كونه طاعة وإن لم يثب عليه ولا لكونه موعودا بالثواب ~~عليه لأنه لو ورد فيه وعد لتحقق لاستحالة الخلف في خبر الشارع والثواب غير ~~لازم له بالإجماع والأصل عدم ما سوى ذلك # فتعين أن يكون طاعة لما فيه من امتثال الأمر فإن امتثال الأمر يسمى طاعة ~~ولهذا يقال فلان مطاع الأمر ومنه قول الشاعر ( ولو كنت ذا أمر مطاع لما بدا ~~توان من المأمور في كل أمركا ) كيف وقد شاع وذاع إطلاق أهل الأدب قولهم ~~بانقسام الأمر إلى أمر إيجاب وأمر ندب # فإن قيل أمكن أن يكون طاعة لكون مقتضى ومطلوبا ممن له الطلب والاقتضاء ~~ولا يلزم أن يكون ذلك لكونه مأمورا # ثم لو كان فعله طاعة لكونه مأمورا لكان تركه معصية لكونه مأمورا # ولذلك يقال أمر فعصى # ومنه قول الشاعر ( أمرتك أمرا جازما فعصيتني ) وليس كذلك بالإجماع # ويدل على أنه غير مأمور قوله عليه السلام لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم ~~بالسواك عند كل صلاة وقوله عليه السلام لبريرة وقد عتقت تحت عبد لو راجعتيه ~~فقالت بأمرك يا رسول الله فقال لا إنما أنا شافع نفى الأمر في الصورتين مع ~~أن الفعل فيهما مندوب # فدل على أن المندوب ليس مأمورا # قلنا أما الاقتضاء والطلب فهو الأمر عندنا على ما يأتي فتسليمه تسليم ~~لمحل النزاع PageV01P164 # قولهم لا يسمى تاركه عاصيا # قلنا لأن العصيان اسم ذم مختص بمخالفة أمر الإيجاب ولا بمخالفة مطلق أمر # ويجب أن يكون كذلك جمعا ms089 بين ما ذكروه من الإطلاق وما ذكرناه من الدليل # ولمثل هذا يجب حمل الحديثين على أمر الإيجاب دون الندب # ويخص الحديث الأول أنه قيده بالمشقة وهي لا تكون في غير أمر الإيجاب # وإذا ثبت كونه مأمورا فهو حسن بجميع الاعتبارات السابق ذكرها في مسألة ~~التحسين والتقبيح وهل هو داخل في مسمى الواجب فالكلام فيه على ما سيأتي في ~~الجائز نفيا وإثباتا # # | المسألة الثانية # اختلف أصحابنا في المندوب هل هو من أحكام التكاليف فأثبته الأستاذ أبو ~~إسحاق ونفاه الأكثرون وهو الحق # وحجة ذلك أن التكليف إنما يكون بما فيه كلفة ومشقة والمندوب مساو للمباح ~~في التخيير بين الفعل والترك من غير حرج مع زيادة الثواب على الفعل # والمباح ليس من أحكام التكليف على ما يأتي فالمندوب أولى # نعم إن قيل إنه تكليفي باعتبار وجوب اعتقاد كونه مندوبا فلا حرج فإن قيل ~~المندوب لا يخلو عن كلفة ومشقة فإنه سبب للثواب فإن فعله رغبة في الثواب ~~ففعله مشق كفعل الواجب وإن تركه شق عليه ما فاته من الثواب الجزيل بفعله ~~وربما كان ذلك أشق عليه من الفعل بخلاف ترك المباح # قلنا يلزم عليه أن يكون حكم الشارع على الفعل بكونه سببا للثواب حكما ~~تكليفيا لأنه إن أتى بالفعل رغبة في الثواب الذي هو مسببه فهو مشق وإن تركه ~~شق عليه ما فاته من الثواب # وهو خلاف الإجماع PageV01P165 # # | الفصل الرابع في المكروه # المكروه في اللغة مأخوذ من الكريهة وهي الشدة في الحرب ومنه قولهم جمل ~~كره أي شديد الرأس وفي معنى ذلك الكراهة والكراهية # وأما في الشرع فقد يطلق ويراد به الحرام وقد يراد به ترك ما مصلحته راجحة ~~وإن لم يكن منهيا عنه كترك المندوبات # وقد يراد به ما نهي عنه نهي تنزيه لا تحريم كالصلاة في الأوقات والأماكن ~~المخصوصة # وقد يراد به ما في القلب منه حزازة # وإن كان غالب الظن حله كأكل لحم الضبع # وعلى هذا فمن نظر إلى الاعتبار الأول حده بحد الحرام كما سبق # ومن نظر إلى الاعتبار ms090 الثاني حده بترك الأولى # ومن نظر إلى الاعتبار الثالث جده بالمنهي الذي لا ذم على فعله # ومن نظر إلى الاعتبار الرابع حده بأنه الذي فيه شبهة وتردد # وإذا عرف معنى المكروه فالخلاف في كونه منهيا عنه وفي كونه من أحكام ~~التكاليف فعلى نحو ما سبق في المندوب ولا يخفى وجه الكلام في الطرفين ~~تزييفا واختيارا PageV01P166 # # | الفصل الخامس في المباح وما يتعلق به من المسائل # أما المباح فهو في اللغة مشتق من الإباحة وهي الإظهار والإعلان # ومنه يقال باح بسره إذا أظهره # وقد يرد أيضا بمعنى الإطلاق والإذن ومنه يقال أبحته كذا أي أطلقته فيه ~~وأذنت له # وأما في الشرع فقد قال قوم هو ما خير المرء فيه بين فعله وتركه شرعا # وهو منقوض بخصال الكفارة المخيرة # فإنه ما من خصلة منها إلا والمكفر مخير بين فعلها وتركها وبتقدير فعلها ~~لا تكون مباحة بل واجبة # وكذلك الصلاة في أول وقتها الموسع مخير بين فعلها وتركها مع العزم وليست ~~مباحة بل واجبة # وقال قوم هو ما استوى جانباه في عدم الثواب والعقاب وهو منتقض بأفعال ~~الله تعالى فإنها كذلك وليست متصفة بكونها مباحة # ومنهم من قال هو ما أعلم فاعله أو دل أنه لا ضرر عليه في فعله ولا تركه ~~ولا نفع له في الآخرة وهو غير جامع لأنه يخرج منه الفعل الذي خير الشارع ~~فيه بين الفعل والترك مع إعلام فاعله أو دلالة الدليل السمعي على ~~PageV01P167 استواء فعله في المصلحة والمفسدة دنيا وأخرى فإنه مباح وإن ~~اشتمل فعله وتركه على الضرر # والأقرب في ذلك أن يقال هو ما دل الدليل السمعي على خطاب الشارع بالتخيير ~~فيه بين الفعل والترك من غير بدل # فالقيد الأول فاصل له عن فعل الله تعالى والثاني عن الواجب الموسع في أول ~~الوقت والواجب المخير # وإذا عرف معنى المباح ففيه خمس مسائل # | المسألة الأولى # اتفق المسلمون على أن الإباحة من الأحكام الشرعية خلافا لبعض المعتزلة ~~مصيرا منه إلى أن المباح لا معنى له سوى ما انتفى الحرج ms091 عن فعله وتركه # وذلك ثابت قبل ورود الشرع وهو مستمر بعده فلا يكون حكما شرعيا # ونحن لا ننكر أن انتفاء الحرج عن الفعل والترك ليس بإباحة شرعية وإنما ~~الإباحة الشرعية خطاب الشارع بالتخيير على ما قررناه # وذلك غير ثابت قبل ورود الشرع # ولا يخفى الفرق بين القسمين # فإذا ما أثبتناه من الإباحة الشرعية لم يتعرض لنفيها وما نفي غير ما ~~أثبتناه # # | المسألة الثانية # اتفق الفقهاء والأصوليون قاطبة على أن المباح غير مأمور به خلافا للكعبي ~~وأتباعه من المعتزلة في قولهم إنه لا مباح في الشرع بل كل فعل يفرض فو واجب ~~مأمور به PageV01P168 # احتج من قال إنه غير مأمور به أن الأمر طلب يستلزم ترجيح الفعل على الترك ~~وهو غير متصور في المباح لما سبق في تحديده ولأن الأمة مجمعة على انقسام ~~الأحكام إلى وجوب وندب وإباحة وغير ذلك # فمنكر المباح يكون خارقا للإجماع # وحجة الكعبي أنه ما من فعل يوصف بكونه مباحا إلا ويتحقق بالتلبس به ترك ~~حرام ما وترك الحرام واجب ولا يتم تركه دون التلبس بضد من أضداده وما لا ~~يتم الواجب إلا به فهو واجب لما سبق # ثم اعتذر عن الإجماع المحتج به بأن قال يجب حمله على ذات الفعل مع قطع ~~النظر عن تعلق الأمر به لسبب توقف ترك الحرام عليه # فإنه إذ ذاك لا يكون مأمورا به ضرورة الجمع بين الأدلة بأقصى الإمكان # وقد اعترض عليه من لا يعلم عور كلامه بأنه وإن كان ترك الحرام واجبا ~~فالمباح ليس هو نفس ترك الحرام بل شيء يترك به الحرام مع إمكان تحقق ترك ~~الحرام بغيره فلا يلزم أن يكون واجبا وهو غير سديد # فإنه إذا ثبت أن ترك الحرام واجب وأنه لا يتم بدون التلبس بضد من أضداده # وقد تقرر أن ما لا يتم الواحب دونه فهو واجب # فالتلبس بضد من أضداده واجب غايته أن الواجب من الأضداد غير معين قبل ~~تعيين المكلف له # ولكن لا خلاف في وجوبه بعد التعيين ولا خلاص عنه إلا ms092 بمنع وجوب ما لا يتم ~~الواجب إلا به وفيه خرق القاعدة الممهدة على أصول الأصحاب # وغاية ما ألزم عليه أنه لو كان الأمر على ما ذكرت لكان المندوب بل المحرم ~~إذا ترك به محرم آخر أن يكون واجبا وكان يجب أن تكون الصلاة حراما على هذه ~~القاعدة عندما إذا ترك بها واجبا آخر وهو محال فكان جوابه أنه لا مانع من ~~الحكم على الفعل الواحد بالوجوب والتحريم بالنظر إلى جهتين مختلفتين كما في ~~الصلاة في الدار المغصوبة ونحوه # وبالجملة وإن استبعده من استبعده فهو في غاية الغوص والإشكال وعسى أن ~~يكون عند غيري حله PageV01P169 # # | المسألة الثالثة # اختلفوا في المباح هل هو داخل في مسمى الواجب أم لا وحجة من قال بالدخول ~~أن المباح ما لا حرج على فعله # وهذا المعنى متحقق في الواجب والزيادة إلى اختص بها الواجب غير نافية ~~للاشتراك فيما قيل # وحجة من قال بالتباين أن المباح ما خير فيه بين الفعل والترك بالقيود ~~المذكورة وهو غير متحقق في الواجب وهو الحق # فإن قيل العادة مطردة بإطلاق الجائز على الصلاة الواجبة والصوم الواجب في ~~قولهم صلاة جائزة وصوم جائز ولو لم يكن مفهوم الجائز متحققا في الواجب لزم ~~منه إما الاشتراك وإما التجوز هو خلاف الأصل # قلنا ولو كان إطلاقه عليه حقيقة فلا مشترك بينهما سوى نفي الحرج عن الفعل ~~بدليل البحث والسير # فلو كان ذلك هو المسمى حقيقة فالعادة أيضا مطردة بإطلاق الجائز على ما ~~انتفى الحرج عن تركه ولهذا يقال المحرم جائز الترك # وما هو مسمى الجائز أولا غير متحقق هاهنا # ويلزم من ذلك أن يكون إطلاق اسم الجائز على ترك المحرم مجازا أو مشتركا ~~وهو خلاف الأصل # وليس أحد الأمرين أولى من الآخر بل احتمال التجوز فيما ذكرناه أولى لما ~~فيه من موافقة الإطلاق في قولهم هذا واجب وليس بجائز # وعلى كل تقدير فالمسألة لفظية وهي في محل الاجتهاد # # | المسألة الرابعة # اختلفوا في المباح هل هو داخل تحت التكليف # واتفاق جمهور من العلماء على النفي ms093 خلافا للاستاذ أبي إسحاق الإسفرايني # والحق أن الخلاف في هذه المسألة لفظي # فإن النافي يقول إن التكليف إنما يكون بطلب ما فيه كلفة ومشقة # ومنه قولهم كلفتك عظيما أي حملتك ما PageV01P170 فيه كلفة ومشقة # ولا طلب في المباح ولا كلفة لكونه مخيرا بين الفعل والترك # ومن أثبت ذلك لم يثبته بالنسبة إلى أصل الفعل بل بالنسبة إلى وجوب اعتقاد ~~كونه مباحا # والوجوب من خطاب التكليف فما التقيا على محز واحد # # | المسألة الخامسة # اختلفوا في المباح هل هو حسن أم لا والحق امتناع النفي والإثبات في ذلك ~~مطلقا بل الواجب أن يقال إنه حسن باعتبار أن لفاعله أن يفعله شرعا أو ~~باعتبار موافقته للغرض # وليس حسنا باعتبار أنه مأمور بالثناء على فاعله على ما تقرر في مسألة ~~التحسين والتقبيح PageV01P171 # # | الفصل السادس في الأحكام الثابتة بخطاب الوضع والأخبار وهي على أصناف # الصنف الأول الحكم على الوصف بكونه سببا والسبب في اللغة عبارة عما يمكن ~~التوصل به إلى مقصود ما ومنه سمي الحبل سببا والطريق سببا لإمكان التوصل ~~بهما إلى المقصود # وإطلاقه في اصطلاح المتشرعين على بعض مسمياته في اللغة # وهو كل وصف ظاهر منضبط دل الدليل السمعي على كونه معرفا لحكم شرعي # ولا يخفى ما فيه من الاحتراز وهو منقسم إلى ما لا يستلزم في تعريفة للحكم ~~حكمة باعثة عليه كجعل زوال الشمس أمارة معرفة لوجوب الصلاة في قوله تعالى ~~@QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس @QE@ 17 الإسراء 78 ) وفي قوله عليه السلام ~~إذا زالت الشمس فصلوا وكجعل طلوع هلال رمضان أمارة على وجوب صوم رمضان ~~بقوله تعالى @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ 2 البقرة 185 ) وقوله ~~عليه السلام صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ونحوه وإلى ما يستلزم حكمة باعثة ~~للشرع على شرع الحكم المسبب كالشدة المطربة المعرفة لتحريم شرب النبيذ لا ~~لتحريم شرب الخمر في الأصل المقيس عليه # فإن تحريم شرب الخمر معروف بالنص أو الإجماع لا بالشدة PageV01P172 ~~المطربة # ولأنها لو كانت معرفة له فهي لا يعرف كونها علة بالاستنباط # إلا بعد معرفة الحكم ms094 في الأصل # وذلك دور ممتنع # وعلى هذا فالحكم الشرعي ليس هو نفس الوصف المحكوم عليه بالسببية بل حكم ~~الشرع عليه بالسببية # وعلى هذا فكل واقعة عرف الحكم فيها بالسبب لا بدليل آخر من الأدلة ~~السمعية فلله تعالى فيها حكمان أحدهما الحكم المعرف بالسبب والآخر السببية ~~المحكوم بها على الوصف المعرف للحكم وفائدة نصبه سببا معرفا للحكم عسر وقوف ~~المكلفين على خطاب الشرع في كل واقعة من الوقائع بعد انقطاع الوحي حذرا من ~~تعطيل أكثر الوقائع عن الأحكام الشرعية # وسواء كان السبب مما يتكرر بتكرره الحكم كما ذكرناه من زوال الشمس وطلوع ~~الهلال وغيره من أسباب الضمانات والعقوبات والمعاملات أو غير متكرر به ~~كالاستطاعة في الحج ونحوه وسواء كان وصفا وجوديا أو عدميا شرعيا أو غير ~~شرعي ما يأتي تحقيقه في القياس # وإذا أطلق على السبب أنه موجب للحكم فليس معناه أنه يوجبه لذاته وصفة ~~نفسه وإلا كان موجبا له قبل ورود الشرع وإنما معناه أنه معرف للحكم لا غير ~~كما ذكرناه في تحديده # فإن قيل لو كانت السببية حكما شرعيا لافتقرت في معرفتها إلى سبب آخر ~~يعرفها # ويلزم من ذلك إما الدور إن افتقر كل واحد من السببين إلى الآخر وإما ~~التسلسل وهو محال # وأيضا فإن الوصف المعرف للحكم إما يعرفة بنفسه أو بصفة زائدة # فإن كان الأول لزم أن يكون معرفا له قبل ورود الشرع وهو محال # وإن كان بصفة زائدة عليه فالكلام في تلك الصفة كالكلام في الأول وهو ~~تسلسل ممتنع # وأيضا فإن الطريق إلى معرفة كون الوصف سببا للحكم إنما هو ما يستلزمه من ~~الحكمة المستدعية للحكم من جلب مصلحة أو دفع مفسدة # وذلك ممتنع لوجهين الأول أنه لو كانت الحكمة معرفة لحكم السببية لأمكن ~~PageV01P173 تعريف الحكم المسبب بها من غير حاجة إلى توسط الوصف # وليس كذلك بالإجماع # الثاني أن الحكمة إما أن تكون قديمة أو حادثة # فإن كان الأول لزم من قدمها قدم موجبها وهو معرفة السببية # وإن كان الثاني فلا بد لها من معرف آخر ms095 لخفائها # والتقسيم في ذلك المعرف عائد بعينه # قلنا معرفة السببية مستندة إلى الخطاب أو إلى الحكمة الملازمة للوصف مع ~~اقتران الحكم بها في صورة فلا تستدعي سببا آخر يعرفها حتى يلزم الدور أو ~~التسلسل وبما ذكرناه هاهنا يكون دفع إشكال الثاني أيضا # وأما الوجه الأول من الإشكال الثالث فالوجه في دفعه أن الحكمة المعرفة ~~للسببية ليس مطلق حكمة بل الحكمة المضبوطة بالوصف المقترن بالحكم فلا تكون ~~بمجردها معرفة للحكم فإنها إذا كانت خفية غير مضبوطة بنفسها ولا بملزومها ~~من الوصف فلا يمكن تعريف الحكم بها لعدم الوقوف على ما به التعريف ~~لاضطرابها واختلافها باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان وما هذا شأنه فدأب ~~الشارع فيه رد الناس إلى المظان الظاهرة المنضبطة المستلزمة لاحتمال الحكمة ~~دفعا للعسر والحرج عنهم # وأما الوجه الثاني منه فالوجه في دفعه أن يقال الحكمة إذا كانت مضبوطة ~~بالوصف فهي معروفة بنفسها غير مفتقرة إلى معرف آخر ولا يلزم من تقدمها على ~~ورود الشرع أن تكون معرفة للسببية لتوقف ذلك على اعتبارها في الشرع ولا ~~اعتبار لها قبل ورود الشرع # وإذا عرف معنى السبب شرعا فلو تخلف الحكم عنه في صورة من الصور فهل تبطل ~~سببيته أم لا # فسيأتي الكلام عليه في مسألة تخصيص العلة فيما بعد PageV01P174 # # | الصنف الثاني الحكم على الوصف بكونه مانعا # والمانع منقسم إلى مانع الحكم ومانع السبب # أما مانع الحكم فهو كل وصف وجودي ظاهر منضبط مستلزم لحكمة مقتضاها بقاء ~~نقيض حكم السبب مع بقاء حكمة السبب كالأبوة في باب القصاص مع القتل العمد ~~العدوان # وأما مانع السبب فهو كل وصف يخل وجوده بحكمة السبب يقينا كالدين في باب ~~الزكاة مع ملك النصاب # # | الصنف الثالث الشرط # والشرط ما كان عدمه مخلا بحكمة السبب فهو شرط السبب كالقدرة على التسليم ~~في باب البيع وما كان عدمه مشتملا على حكمة مقتضاها نقيض حكم السبب مع بقاء ~~حكمة السبب فهو شرط الحكم كعدم الطهارة في الصلاة مع الإتيان بمسمى الصلاة ~~والحكم الشرعي في ذلك إنما هو قضاء الشارع ms096 على الوصف بكونه مانعا أو شرطا ~~لا نفس الوصف المحكوم عليه # وقد يرد هاهنا من الإشكالات ما وردت على السبب والوجه في دفعها ما سبق # # | الصنف الرابع الحكم بالصحة # وهي في اللغة مقابل للسقم وهو المرض وأما في الشرع فقد تطلق الصحة على ~~العبادات تارة وعلى عقود المعاملات تارة # أما في العبادات فعند المتكلم الصحة عبارة عن موافقة أمر الشارع وجب ~~القضاء أو لم يجب # وعند الفقهاء الصحة عبارة عن سقوط القضاء بالفعل فمن صلى وهو يظن أنه ~~متطهر وتبين أنه لم يكن متطهرا فصلاته صحيحة عند المتكلم لموافقة أمر ~~الشارع بالصلاة على حسب حاله وغير صحيحة عند الفقهاء لكونها غير مسقطة ~~للقضاء PageV01P175 # وأما في عقود المعاملات فمعنى صحة العقد ترتب ثمرته المطلوبة منه عليه # ولو قيل للعبادة صحيحة بهذا التفسير فلا حرج # ومن فسر صحة العقد بإذن الشارع في الانتفاع بالمعقود عليه فهو فاسد # فإن البيع بشرط الخيار صحيح بالإجماع وإن لم يتحقق إذن الشارع بالانتفاع ~~بتقدير الفسخ قبل انقضاء المدة مع أنه لا يطرد هذا التفسير في صحة الصلاة ~~وغيرها من العبادات # وإن صح فالنزاع في أمر لفظي ولا بأس بتفسير كون العبادة مجزية بكونها ~~مسقطة لوجوب القضاء # وحيث لم تكن متصفة بكونها مجزية عند أدائها مع اختلال شرطها وسقوط القضاء ~~بالموت إنما كان لأنه لم يسقط القضاء بفعلها بل بالموت # # | الصنف الخامس الحكم بالبطلان # وهو نقيض الصحة بكل اعتبار من الاعتبارات السابقة # وأما الفاسد فمرادف للباطل عندنا وهو عند أبي حنيفة قسم ثالث مغاير ~~للصحيح والباطل وهو ما كان مشروعا بأصله ممنوعا بوصفه كبيع مال الربا بجنسه ~~متفاضلا ونحوه # وسيأتي تحقيق ذلك في المناهي # # | الصنف السادس العزيمة والرخصة # أما العزيمة ففي اللغة الرقية وهي مأخوذة من عقد القلب المؤكد على أمر ما ~~ومنه قوله تعالى @QB@ فنسي ولم نجد له عزما @QE@ 20 طه 115 ) أي قصدا مؤكدا # ومنه سمي بعض الرسل ألو العزم لتأكد قصدهم في إظهار الحق # وأما في الشرع فعبارة عما لزم العباد بإلزام الله تعالى ms097 كالعبادات الخمس ~~ونحوها # وأما الرخصة في اللغة بتسكين الخاء فعبارة عن التيسير والتسهيل ~~PageV01P176 ومنه يقال رخص السعر # إذا تيسر وسهل # وبفتح الخاء عبارة عن الأخذ بالرخص # وأما في الشرع فقد قيل الرخصة ما أبيح فعله مع كونه حراما وهو تناقض ظاهر # وقيل ما رخص فيه مع كونه حراما وهو مع ما فيه من تعريف الرخصة بالترخيص ~~المشتق من الرخصة غير خارج عن الإباحة # فكان في معنى الأول # وقال أصحابنا الرخصة ما جاز فعله لعذر مع قيام السبب المحرم وهو غير جامع # فإن الرخصة كما قد تكون بالفعل قد تكون بترك الفعل كإسقاط وجوب صوم رمضان ~~والركعتين من الرباعية في السفر # فكان من الواجب أن يقال الرخصة ما شرع من الأحكام لعذر إلى آخر الحد ~~المذكور حتى يعم النفي والإثبات # ثم العذر المرخص لا يخلو إما أن يكون راجحا على المحرم أو مساويا أو ~~مرجوحا # فإن كان الأول فموجبه لا يكون رخصة بل عزيمة وإلا كان كل حكم ثبت بدليل ~~راجح مع وجود المعارض المرجوح رخصة وهو خلاف الإجماع # وإن كان مساويا فإن قلنا بتساقط الدليلين المتعارضين من كل وجه والرجوع ~~إلى الأصل فلا يكون ذلك رخصة وإلا كان كل فعل يقينا فيه على PageV01P177 ~~النفي الأصلي قبل ورود الشرع رخصة وهو ممتنع # وإن لم نقل بالتساقط فالقائل قائلان قائل يقول بالوقف عن الحكم بالجواز ~~وعدمه إلى حين ظهور الترجيح وذلك عزيمة لا رخصة وقائل يقول بالتخيير بين ~~الحكم بالجواز والحكم بالتحريم # ويلزم من ذلك أن لا يكون أكل الميتة حالة الاضطرار رخصة # ضرورة عدم التخيير بين جواز الأكل والتحريم # لأن الأكل واجب جزما وقد قيل بكونه رخصة # فلم يبق إلا أن يكون الدليل المحرم راجحا على المستبيح # ويلزم من ذلك العلم بالمرجوح ومخالفة الراجح وهو في غاية الإشكال وإن كان ~~هذا القسم هو الأشبه بالرخصة لما فيها من التيسير والتسهيل بالعمل بالمرجوح ~~ومخالفة الراجح # وعلى هذا فإباحة شرب الخمر والتلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه وإسقاط صوم ~~رمضان والقصر في الرباعية في ms098 السفر والتيمم مع وجود الماء للجراحة أو لبعد ~~الماء أو لبيعه بأكثر من ثمن المثل رخصة حقيقة وأكل الميتة حالة الاضطرار ~~وإن كان عزيمة من حيث هو واجب استبقاء للمهجة فرخصة من حهة ما في الميتة من ~~الخبث المحرم وما لم يوجبه الله علينا وإن كان واجبا على من قبلنا فليس ~~رخصة حقيقة وإن سمي رخصة لعدم الدليل المحرم لتركه # وكذلك كل حكم ثبت جوازه على خلاف العموم للمخصص لا يكون رخصة لأن المخصص ~~بين لنا أن المتكلم لم يرد باللفظ العام لغة صورة التخصيص فلا يكون إثبات ~~الحكم فيها على خلاف الدليل لأن العموم إنما يكون دليلا على الحكم في آحاد ~~الصور الداخلة تحت العموم لغة مع إرداة المتكلم لها ومع المخصص فلا إرداة ~~PageV01P178 # # | الأصل الثالث في المحكوم فيه وهو الأفعال المكلف بها وفيه خمس مسائل # # | المسألة الأولى # اختلف قول أبي الحسن الأشعري في جواز التكليف بما لا يطاق نفيا وإثباتا ~~وذلك كالجمع بين الضدين وقلب الأجناس وإيجاد القديم وإعدامه ونحوه # وميله في أكثر أقواله إلى الجواز وهو لازم على أصله في اعتقاد وجوب ~~مقارنة القدرة الحادثة للمقدور بها مع تقدم التكليف بالفعل على PageV01P179 ~~الفعل وأن القدرة الحادثة غير مؤثرة في مقدورها بل مقدورها مخلوق لله تعالى ~~ولا يخفى أن التكليف بفعل الغير حالة عدم القدرة عليه تكليف بما لا يطاق # وهذا هو مذهب أكثر أصحابه وبعض معتزلة بغداد حيث قالوا بجواز تكليف العبد ~~بفعل في وقت علم الله تعالى أنه يكون ممنوعا عنه والبكرية حيث زعموا أن ~~الختم والطبع على الأفئدة مانعان من الإيمان مع التكليف به # غير أن من قال بجواز ذلك من أصحابه اختلفوا في وقوعه نفيا وإثباتا # ووافقه على القول بالنفي بعض الأصحاب وهو مذهب البصريين من المعتزلة ~~وأكثر البغداديين وأجمع الكل على جواز التكليف بما علم الله أنه لا يكون ~~عقلا وعلى وقوعه شرعا كالتكليف بالإيمان لمن علم الله أنه لا يؤمن كأبي جهل ~~خلافا لبعض الثنوية # والمختار إنما هو امتناع التكليف بالمستحيل لذاته ms099 كالجمع بين الضدين ~~ونحوه وجوازه في المستحيل باعتبار غيره وإليه ميل الغزالي رحمه الله ~~PageV01P180 # ولنفرض الكلام في الطرفين أما الطرف الأول وهو امتناع التكليف بالمستحيل ~~لذاته فيدل عليه أن التكليف طلب ما فيه كلفة # والطلب يستدعي مطلوبا متصورا في نفس الطالب # فإن طلب ما لا تصور له في النفس محال والمستحيل لذاته كالجمع بين الضدين ~~والنفي والإثبات معا في شيء واحد ونحوه لا تصور له في النفس # ولو تصور في النفس لما كان وقوعه في الخارج ممتنعا لذاته # وكما يمتنع التكليف بالجمع بين الضدين في طرف الوجود فكذلك يمتنع التكليف ~~بالجمع بين الضدين طرف السلب إذا لم يكن بينهما واسطة كالتكليف بسلب الحركة ~~والسكون معا في شيء واحد لاستحالة ذلك لذاتيهما # وعلى هذا فمن توسط مزرعة مغصوبة فلا يقال له لا تمكث ولا تخرج كما ذهب ~~إليه أبو هاشم وإن كان في كل واحد من المكث والخروج إفساد زرع الغير بل ~~يتعين التكليف بالخروج لما فيه من تقليل الضرر وتكثيره في المكث كما يكلف ~~المولج في الفرج الحرام بالنزع وإن كان به ماسا للفرج المحرم لأن ارتكاب ~~أدنى الضررين يصير واجبا نظرا إلى رفع أعلاهما كإيجاب شرب الخمر من غص ~~بلقمة ونحوه # ووجوب الضمان عليه بما يفسده عند الخروج لا يدل على حرمة الخروج كما يجب ~~الضمان على المضطر في المخمصة بما يتلفه بالأكل وإن كان الأكل واجبا وإن ~~قدر انتفاء الترجيح بين الطرفين وذلك كما إذا سقط إنسان من شاهق على صدر ~~صبي محفوف بصبيان وهو يعلم أنه إن استمر قتل من تحته وإن انتقل قتل من يليه ~~فيمكن أن يقال بالتخيير بينهما أو يخلو مثل هذه الواقعة عن حكم الشارع وهو ~~أولى من تكليفه طلب ما لا تصور له في نفس الطالب على ما حققناه # وهذا بخلاف ما إذا كان محالا باعتبار غيره فإنه يكون ممكنا باعتبار ذاته # فكان متصورا في نفس الطالب وهو واضح لا غبار عليه # فإن قيل ما ذكرتموه من إحالة طلب الجمع بين الضدين ms100 بناء على عدم تصوره في ~~نفس الطالب غير صحيح وذلك لأنه لو لم يكن متصورا في نفس الطالب لما علم ~~إحالته فإن العلم بصفة الشيء فرع تصور ذلك الشيء PageV01P181 واللازم ممتنع ~~وإن سلم دلالة ما ذكرتموه إلا أنه معارض بما يدل على جواز التكليف بالجمع ~~بين الضدين ووقوعه شرعا # وبيانه قوله تعالى لنوح @QB@ أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن @QE@ 1 ~~هود 36 ) أخبر أنه لا يؤمن غير من لم يؤمن مع أنهم كانوا مكلفين بتصديقه ~~فيما يخبر به ومن ضرورة ذلك تكليفهم بأن لا يصدقوه تصديقا له في خبره أنهم ~~لا يؤمنون # وأيضا فإن الله تعالى كلف أبا لهب بتصديق النبي عليه السلام في أخباره # ومن أخبار النبي عليه السلام أن أبا لهب لا يصدقه لإخبار الله تعالى ~~لنبيه بذلك فقد كلفه بتصديقه في إخباره بعدم تصديقه له وفي ذلك تكليفه ~~بتصديقه وعدم تصديقه وهو تكليف بالجمع بين الضدين # قلنا أما الإشكال الأول فمندفع # وذلك لأن الجمع المعلوم المتصور المحكوم بنفيه عن الضدين إنما هو الجمع ~~المعلوم بين المختلفات التي ليست متضادة ولا يلزم من تصوره منفيا عن الضدين ~~تصوره ثابتا لهما وهو دقيق فليتأمل وما ذكروه من المعارضة # فلا نسلم وجود الإخبار بعدم الإيمان في الآيتين مطلقا # أما في قصة أبي لهب فغاية ما ورد فيه قوله تعالى @QB@ سيصلى نارا ذات لهب ~~@QE@ 111 المسد 3 ) وليس في ذلك ما يدل على الإخبار بعدم تصديقه للنبي ~~مطلقا فإنه لا يمتنع تعذيب المؤمن وبتقدير امتناع ذلك أمكن حمل قوله تعالى ~~@QB@ سيصلى نارا ذات لهب @QE@ 111 المسد 3 ) على تقدير عدم إيمانه # وكذلك التأويل في قوله تعالى @QB@ أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ~~@QE@ 11 هود 36 ) أي بتقدير عدم هداية الله تعالى لهم إلى ذلك # وذلك لا يدل على الإخبار بعدم الإيمان مطلقا وإن سلمنا ذلك ولكن لا نسلم ~~أنهم كلفوا PageV01P182 بتصديق النبي عليه السلام فيما أخبر من عدم تصديقهم ~~بتكذيبه # وهذا مما اتفق عليه نفاة ms101 التكليف بالجمع بين الضدين # وأما الطرف الثاني وهو بيان جواز التكليف بالمستحيل لغيره فقد احتج ~~الأصحاب عليه بالنص والمعقول أما النص فقوله تعالى @QB@ ربنا ولا تحملنا ما ~~لا طاقة لنا به @QE@ 2 البقرة 286 ) سألوا دفع التكليف بما لا يطاق # ولو كان ذلك ممتنعا لكان مندفعا بنفسه ولم يكن إلى سؤال دفعه عنهم حاجة # فإن قيل إنما يمكن حمل الآية على سؤال دفع مالا يطاق أن لو كان ذلك ممكنا ~~وإلا لتعذر السؤال بدفع ما لا إمكان لوقوعه كما ذكرتموه وإمكانه متوقف على ~~كون الآية ظاهرة فيه فيكون دورا سلمنا كونها ظاهرة فيما ذكرتموه ولكن أمكن ~~تأويلها بالحمل على سؤال دفع ما فيه مشقة على النفس وإن كان مما يطاق ويجب ~~الحمل عليه لموافقته لما سنذكره من الدليل بعد هذا سلمنا إرادة دفع ما لا ~~يطاق لكنه حكاية حال الداعين ولا حجة فيه سلمنا صحة الاحتجاج بقول الداعين ~~لكن لا يخلو إما أن يقال بأن جميع التكاليف غير مطاقة أو البعض دون البعض # الأول يوجب إبطال فائدة تخصيصهم بذكر ما لا يطاق بل كان الواجب أن يقال ~~لا يكلفنا # وإن كان الثاني فهو خلاف أصلكم سلمنا دلالة ما ذكرتموه لكنه معارض بقوله ~~تعالى @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ 2 البقرة 286 ) وهو صريح في ~~الباب # وقوله تعالى @QB@ وما جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ PageV01P183 22 ~~الحج 87 ) ولا حرج أشد من التكليف بما لا يطاق # والجواب عن السؤال الأول أن الآية بوضعها ظاهرة فيما لا يطاق فيجب تقدير ~~إمكان التكليف به ضرورة حمل الآية على ما هي ظاهرة فيه حذرا من التأويل من ~~غير دليل # وعن الثاني أنه ترك الظاهر من غير دليل # وعن الثالث أن الآية إنما وردت في معرض التقرير لهم والحث على مثل هذه ~~الدعوات # فكان الاحتجاج بذلك لا بقولهم # وعن الرابع أنه وإن كان كل تكليف عندنا تكليفا بما لا يطاق غير أنه يجب ~~تنزيل السؤال على ما لا يطاق وهو ما يتعذر الإتيان به ms102 مطلقا في عرفهم دون ~~ما لا يتعذر لما فيه من إجراء اللفظ على حقيقته وموافقة أهل العرف في عرفهم ~~غايته إخراج ما لا يطاق مما هو مستحيل في نفسه لذاته من عموم الآية لما ~~ذكرنا من استحالة التكليف به وامتناع سؤال الدفع للتكليف بما لا تكليف به ~~ولا يخفى أنه تخصيص والتخصيص أولى من التأويل # وعن المعارضة بالآيتين أن غايتهما الدلالة على نفي وقوع التكليف بما لا ~~يطاق # ولا يلزم من ذلك نفي الجواز المدلول عليه من جانبنا كيف وإن الترجيح لما ~~ذكرناه من الآية لاعتضادها بالدليل العقلي على ما يأتي ومع ذلك فلا خروج ~~لها عن الظن والتخمين # وربما احتج بعض الأصحاب بقوله تعالى @QB@ يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى ~~السجود فلا يستطيعون @QE@ 68 القلم 42 ) وهو تكليف بالسجود مع عدم ~~الاستطاعة وإنما يصح الاحتجاج به أن لو أمكن أن يكون الدعاء في الآخرة ~~بمعنى التكليف وليس كذلك للإجماع على أن الدار الآخرة إنما هي دار مجازاة ~~لا دار تكليف PageV01P184 # وأما من جهة المعقول فقد احتج فيه بعضهم بحجج واهية الأولى منها هو أن ~~الفعل المكلف به إن كان مع استواء داعي العبد إلى الفعل والترك كان الفعل ~~ممتنعا لامتناع حصول الرجحان معه وإن كان مع الترجيح لأحد الطرفين كان ~~الراجح واجبا والمرجوح ممتنعا والتكليف بهما يكون محالا # الثانية أن الفعل الصادر من العبد إما أن يكون العبد متمكنا من فعله ~~وتركه أو لا يكون # فإن لم يكن متمكنا منه فالتكليف له بالفعل يكون تكليفا بما لا يطاق وإن ~~كان متمكنا منه فإما أن لا يتوقف ترجح فعله على تركه على مرجح أو يتوقف ~~الأول محال وإلا كان كل موجود حادثا هكذا ويلزم منه سد باب إثبات واجب ~~الوجود وإن توقف فذلك المرجح إن كان من فعل العبد عاد التقسيم وهو تسلسل ~~ممتنع # وإن كان من فعل غيره فإما أن يجب وقوع الفعل أو لا يجب # وإذا لم يجب كان ممتنعا أو جائزا # والأول محال وإلا كان المرجح مانعا ms103 وإن كان الثاني عاد التقسيم بعينه وهو ~~ممتنع فلم يبق سوى الوجوب # والعبد إذ ذاك يكون مجبورا لا مخيرا وهو عين التكليف بما لا يطاق # الثالثة أن قدرة العبد غير مؤثرة في فعله وإلا كانت مؤثرة فيه حال وجوده ~~وفيه إيجاد الموجود أو قبل وجوده ويلزم من ذلك أن يكون تأثير القدرة في ~~المقدور مغايرا له لتحقق التأثير في الزمن الأول دونه # والكلام في ذلك التأثير وتأثير مؤثره فيه كالأول وهو تسلسل ممتنع والقدرة ~~غير مؤثرة في الفعل وهو المطلوب # الرابعة أن العبد مكلف بالفعل قبل وجود الفعل والقدرة غير موجودة قبل ~~الفعل لأنها لو وجدت لكان لها متعلق ومتعلقها لا يكون عدما لأنه نفي محض ~~فلا يكون أثرا لها فكان وجودا ولزم من ذلك أن تكون موجودة مع الفعل لا قبله ~~PageV01P185 # الخامسة أن العبد مأمور بالنظر لقوله تعالى @QB@ قل انظروا @QE@ 10 يونس ~~101 ) والنظر متوقف على القضايا الضرورية قطعا للتسلسل وهي متوقفة على تصور ~~مفرداتها وهي غير مقدورة التحصيل لأنه إن كان عالما بها فتحصيل الحاصل محال ~~وإن لم يكن عالما بها فطلبها محال # فالنظر يكون ممتنع التحصيل # وهذه الحجج ضعيفة جدا أما الحجة الأولى فلقائل أن يقول ما المانع أن يكون ~~وجود الفعل مع رجحان الداعي إلى الفعل قوله لأنه صار الفعل واجبا # قلنا صار واجبا بالداعي إليه والاختيار له أو لذاته # الأول مسلم والثاني ممنوع # وعلى هذا خرج العبد عن كونه مكلفا بما لا يطاق ثم يلزم عليه أن تكون ~~أفعال الرب تعالى غير مقدورة بعين ما ذكروه وهو ممتنع # فما هو الجواب عن أفعال الله يكون مشتركا # وأما الثانية فهي بعينها أيضا لازمة على أفعال الله إذ أمكن أن يقال فعل ~~الله # إما أن لا يكون متمكنا منه أو يكون # وهو إما أن يفتقر إلى مرجح أو لا وإن افتقر إلى مرجح فإن كان من فعله عاد ~~التقسيم وإن لم يكن من فعله فإما أن يجب وقوع الفعل معه أو لا يجب وهلم جرا ~~إلى آخره ms104 والجواب يكون مشتركا # وكذلك الثالثة أيضا لازمة على أفعال الله مع أنها مقدورة له إجماعا # وأما الرابعة فيلزم منها أن تكون قدرة الرب تعالى حادثة موجودة مع فعله ~~لا قبله وهو مع إحالته فقائل هذه الطريقة غير قائل به وبيان ذلك أنه أمكن ~~أن يقال لو وجدت قدرة الرب قبل وجود فعله لكان لها متعلق وليس متعلقها ~~العدم # فلم يبق غير الوجود ويلزم أن لا يكون قبل الفعل بعين ما ذكروه # وأما الخامسة فأشد ضعفا مما قبلها إذ هي مبنية على امتناع اكتساب ~~التصورات وقد أبطلناه في كتاب دقائق الحقائق إبطالا لا ريبة فيه بما لا ~~يحتمله هذا الكتاب فعلى الناظر بمراجعته # وبتقدير أن لا تكون التصورات مكتسبة فالعلم بها يكون بالضرورة والتكليف ~~بالنظر المستند إلى ما PageV01P186 ينقطع التسلسل عنده من المعلومات ~~الضرورية لا يكون تكليفا بما لا يطاق وهو معلوم بالضرورة # والمعتمد في ذلك مسلكان المسلك الأول أن العبد غير خالق لفعله فكان مكلفا ~~بفعل غيره وهو تكليف بما لا يطاق # وبيان أنه غير خالق لفعله أنه لو كان خالقا لفعله فليس خالقا له بالذات ~~والطبع إجماعا بل بالاختيار # والخالق بالاختيار لا بد وأن يكون مخصصا لمخلوقه بالإرادة # ويلزم من كونه مريدا له أن يكون عالما به ضرورة # والعبد غير عالم بجميع أجزاء حركاته في جميع حالاته ولا سيما في حالة ~~إسراعه فلا يكون خالقا لها # المسلك الثاني إن إجماع السلف منعقد قبل وجود المخالفين من الثنوية على ~~أن الله تعالى مكلف بالإيمان لمن علم أنه لا يؤمن كمن مات على كفره وهو ~~تكليف بما يستحيل وقوعه لأنه لو وقع لزم أن يكون علم الباري تعالى جهلا وهو ~~محال فإن قيل أما المسلك الأول وإن سلمنا أن العبد لا بد وأن يكون عالما ~~بما يخلقه من أفعاله لكن من جهة الجملة أو من جهة التفصيل # الأول لا سبيل إلى نفيه والثاني ممنوع # وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن العبد غير خالق لفعله لكنه معارض بما ~~يدل على خلقه ms105 له # ودليله المعقول والمنقول أما المعقول فهو أن قدرة العبد ثابتة بالإجماع ~~منا ومنكم على فعله فلو لم تكن هي المؤثرة فيه لانتفى الفرق بين المقدور ~~وغيره وكان المؤثر فيه غير العبد ويلزم منه وجود مقدور بين قادرين ولما وقع ~~الاختلاف بين القوي والضعيف ولجاز أن يكون متعلقه بالجواهر والألوان كما في ~~العلم ولكان العبد مضطرا بما خلف فيه من الفعل لا مختارا ولجاز أن يصدر عن ~~العبد أفعال محكمة بديعة وهو لا يشعر بها ولما انقسم فعله إلى طاعة ومعصية ~~لأنه ليس من فعله PageV01P187 ولكان الرب تعالى أضر على العبد من إبليس حيث ~~إنه خلق فيه الكفر وعاقبه عليه وإبليس داع لا غير ولما حسن شكر العبد ولا ~~ذمه على أفعاله ولا أمره ولا نهيه ولا عقابه ولا ثوابه ولكان الرب تعالى ~~آمرا للعبد بفعل نفسه وهو قبيح معدود عند العقلاء من الجهل والحمق ولكان ~~الكفر والإيمان من قضاء الله تعالى وقدره وهو إما أن يكون حقا أو باطلا # فإن كان حقا فالكفر حق وإن كان باطلا فالإيمان باطل ولكان الرب تعالى إما ~~راضيا به أو غير راض والأول يلزم منه الرضى بالكفر والثاني يلزم منه عدم ~~الرضى بالإيمان والكل محال مخالف للإجماع # وأما النقل فقوله تعالى @QB@ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا @QE@ 20 ~~طه 82 ) وقوله تعالى @QB@ أم حسب الذين اجترحوا السيئات @QE@ 45 الجاثية 21 ~~) وقول النبي عليه السلام اعملوا وقاربوا وسددوا وقوله عليه السلام نية ~~المؤمن خير من عمله إلى غير ذلك من النصوص الدالة على نسبة العمل إلى العبد ~~والعقلاء متوافقون على إطلاق إضافة الفعل إلى العبد بقولهم فلان فعل كذا ~~وكذا # والأصل في الإطلاق الحقيقة # وأما المسلك الثاني فهو أن تعلق علم الباري تعالى بالفعل أو بعدمه ~~PageV01P188 إما أن يكون موجبا لوجود ما علم وجوده وامتناع وجود ما علم ~~عدمه أو لا يكون كذلك # فإن كان الأول فليزمه محالات وهو أن يكون العلم هو القدرة أو أن يستغنى ~~به عن القدرة ولا يكون الرب ms106 قادرا على إيجاد شيء أو عدمه وأن لا يكون للرب ~~اختيار ولا للعبد في وجود فعل من الأفعال لكونه واجبا بالعلم أو ممتنعا وإن ~~لم يكن موجبا للوجود ولا للعدم فقد بطل الاستدلال وإن سلم ذلك لكنه معارض ~~بما سبق من الأدلة العقلية والنقلية # والجواب عما ذكروه أولا على المسلك الأول بأن الفعل المخلوق للعبد بتقدير ~~خلقه له مخلوق بجميع أجزائه وكل جزء منه مخلوق له بانفراده فيجب أن يكون ~~عالما به لما سبق وهذا هو العلم بالتفصيل وهو غير عالم لما حققناه وعما ~~ذكروه من لإلزام الأول بمنع عدم الفرق بين المقدور وغيره # وعن الثاني أنه إنما يمتنع وجود مقدور بين قادرين خالقين أو مكتسبين أما ~~بين خالق ومكتسب فهو غير مسلم # وعن الثالث بأن الاختلاف بين القوي والضعيف إنما هو واقع في كثرة ما ~~يخلقه الله تعالى من القدر على المقدورات في أحد الشخصين دون الآخر لا في ~~التأثير # وعن الرابع أنه إنما يلزم أن لو كان تعلق العلم بالجواهر والأعراض من جهة ~~كونه غير مؤثر فيها وهو غير مسلم # وعن الخامس أنه إنما يلزم أن يكون العبد مضطرا أن لو لم يكن فعله مكتسبا ~~له ومقدورا ولا يلزم من عدم التأثير عدم الاكتساب # وعن السادس أنه لا مانع من تلازم القدرة على الشيء والعلم به # وعن السابع أنه لا معنى لانقسام فعل العبد إلى الطاعة والمعصية غير كونه ~~مأمورا بهذا ومنهيا عن هذا لكسبه وهو كذلك PageV01P189 # وعن الثامن أنه لازم على أصلهم أيضا فإن التمكن من الكفر بخلق القدرة ~~عليه أضر من الدعاء إليه # وقد فعل الله تعالى ذلك بالعبد فما هو جواب لهم هو جوابنا # وعما ذكروه من الأمر والنهي والشكر والذم والثواب والعقاب والأمر للعبد ~~بما هو من فعل الله تعالى بالمنع من تقبيح ذلك بتقدير أن يكون قادرا غير ~~مؤثر # كيف وإنه مبني على التحسين والتقبيح العقلي وقد أبطلناه # وعن الإلزام بالقضاء والقدر أن القضاء قد يطلق بمعنى الإعلام والأمر ~~والاختراع وانقضاء الأجل وإلزام ms107 الحكم وتوفية الحقوق والإرادة لغة # وعلى هذا فالإيمان من قضائه بجميع هذه الاعتبارات وهو حق وأما الكفر فليس ~~من قضائه بمعنى كونه مأمورا بل بمعنى خلقه وإرادة وقوعه وهو حق من هذا ~~الوجه أيضا # وعن الإلزام بالرضى أنه راض بالإيمان وغير راض بالكفر وعن المنقول بأن ما ~~ذكروه غايته إضافة إلى العبد حقيقية # ونحن نقول به فإن الفاعل عندنا على الحقيقة هو من وقع الفعل مقدورا له # وهو أعم من الموجد # والجواب عما ذكروه في المسلك الثاني بأن تعلق العلم بوجود الفعل ~~PageV01P190 بملازمة الوجود المقدور فإنه إنما يعلم وجوده مقدورا لا غير ~~مقدور وكذلك في العدم # وعلى هذا فلا يلزم منه عدم القدرة في حق الله تعالى ولا سلب اختياره في ~~فعله # وكذلك العبيد فإنه إنما علم وقوع فعل العبد مقدورا للعبد والمعارضات فقد ~~سبق الجواب عنها # # | المسألة الثانية # مذهب الجمهور من أصحابنا ومن المعتزلة أنه لا يشترط في التكليف بالفعل أن ~~يكون شرطه حاصلا حالة التكليف بل لا مانع من ورود التكليف بالمشروط وتقديم ~~شرطه عليه وهو جائز عقلا وواقع سمعا خلافا لأكثر أصحاب الرأي وأبي حامد ~~الأسفراني من أصحابنا وذلك كتكليف الكفار بفروع الإسلام حالة كفرهم # ودليل الجواز العقلي أنه لو خاطب الشارع الكافر المتمكن من فهم الخطاب ~~وقال له أوجبت عليك العبادات الخمس المشروط صحتها بالإيمان وأوجبت عليك ~~الإتيان بالإيمان مقدما عليها لم يلزم منه لذاته محال عقلا ولا معنى للجواز ~~العقلي سوى هذا # فإن قيل التكليف بالفروع المشروطة بالإيمان إما أن تكون حالة وجود ~~الإيمان أو حالة عدم # فإن كان الأول فلا تكليف قبل الإيمان وهو المطلوب # وإن كان حالة عدمه فهو تكليف بما هو غير جائز عقلا # وأيضا فإن التكليف بالفروع غير ممكن الامتثال لاستحالة أدائها حالة الكفر ~~وامتناع أدائها بعد الإيمان لكونه مسقطا لها بالإجماع # وما لا يمكن امتثاله فالتكليف به تكليف بما لا يطاق ولم يقل به قائل في ~~هذه المسألة PageV01P191 # قلنا أما الإشكال الأول فإنما يلزم منه التكليف بما لا يطاق بتقدير ms108 ~~تكليفه بالفروع حالة الكفر إن لو كان تكليفه بمعنى إلزامه الإتيان بها مع ~~الكفر وليس كذلك بل بمعنى أنه لو أصر على الكفر حتى مات ولم يأت بها مع ~~الإيمان فإنه يعاقب في الدار الآخرة ولا إحالة فيه # وبهذا الحرف يندفع ما ذكروه من الإشكال الثاني أيضا # كيف وإن الامتثال بعد الإسلام غير ممتنع # غير أن الشارع أسقطه ترغيبا في الدخول في الإسلام بقوله عليه السلام ~~الإسلام يجب ما قبله وهذا بخلاف المرتد حيث إنه أوجب عليه فعل ما فاته في ~~حال ردته ليكون ذلك مانعا من الردة # وأما الوقوع شرعا فيدل عليه النص والحكم # أما النص فمن وجوه الأول قوله تعالى @QB@ لم يكن الذين كفروا من أهل ~~الكتاب والمشركين @QE@ 98 البينة 1 ) إلى قوله تعالى @QB@ وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة @QE@ 98 ~~البينة 5 ) والضمير في قوله ( وما أمروا ) عائد إلى المذكورين أولا وهو ~~صريح في الباب # وأيضا قوله تعالى @QB@ فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى @QE@ 75 القيامة ~~31 ) ذم على ترك الجميع ولو لم يكن مكلفا بالكل لما ذم عليه # وأيضا قوله تعالى @QB@ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له ~~العذاب يوم القيامة @QE@ 25 الفرقان 68 ) حكم بمضاعفة العذاب على مجموع ~~المذكور والزنى من جملته # ولولا أنه محرم عليه ومنهي عنه لما أثمه به PageV01P192 وهذه حجة على من ~~نفى التكليف بالأمر والنهي دون من جوز التكليف بالنهي دون الأمر # وأيضا قوله تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ~~@QE@ 3 آل عمران 97 ) والكافر داخل فيه لكونه من الناس # وأيضا قوله تعالى @QB@ وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة @QE@ 41 فصلت ~~6 7 ) لكن قال المفسرون المراد بالزكاة في هذه الآية إنما هو قول @QB@ لا ~~إله إلا الله @QE@ وأيضا قوله تعالى @QB@ ما سلككم في سقر @QE@ # قالوا لم نك من المصلين ولم نك ms109 نطعم المسكين 74 المدثر 42 44 ) ولو لم ~~يكونوا قد كلفوا بالصلاة لما عوقبوا عليها # فإن قيل هذه حكاية قول الكفار ولا حجة فيها وإن كانت حجة لكن أمكن أن ~~يكون المراد من قولهم لم نك من المصلين أي من المؤمنين # ومنه قوله عليه السلام نهيت عن قتل المصلين وأراد به المؤمنين وإن كان ~~المراد الصلاة الشرعية حقيقة # غير أن العذاب إنما كان لتكذيبهم بيوم الدين غير أن غلظ بإضافة ترك ~~الطاعات إليه وأنه كان ذلك مضافا إلى الصلاة لكن لا إلى تركها بل إلى ~~إخراجهم أنفسهم عن العلم بقبح تركها بترك الإيمان وإن كان ذلك على ترك ~~الصلاة لكن أمكن أن يكون ذلك إخبارا عن جماعة من المرتدين تركوا الصلاة ~~حالة ردتهم وذلك محل الوفاق # والجواب عن قولهم إنه حكاية قول الكفار أن علماء الأمة من السلف وغيرهم ~~أجمعوا على أن المراد بذلك إنما هو تصديقهم فيما قالوه والتحذير لغيرهم من ~~ذلك PageV01P193 # ويدل على ذلك تعذيبهم بالتكذيب بيوم الدين وقد عطف على ما قبله # والأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في أصل الحكم # وعن حمل لفظ المصلين على المؤمنين أنه ترك للظاهر من غير دليل وإن أمكن ~~تأويل لفظ الصلاة فبماذا نتأول قوله @QB@ ولم نك نطعم المسكين @QE@ 74 ~~المدثر 44 ) فإن المراد به إنما هو الإطعام الواجب لا ستحالة التعذيب على ~~ترك إطعام ليس بواجب # وعن قولهم بتغليظ عذاب التكذيب بإضافة ترك الطاعات إليه إنها لو كانت ~~مباحة لما غلظ العذاب بها # وعن قولهم بالتعذيب بإخراج أنفسهم عن العلم بقبح ترك الصلاة أنه ترك ~~للظاهر من غير دليل وأنه يوجب التسوية بين كافر ارتكب جميع المحرمات وبين ~~من لم يباشر شيئا منها لاستوائهما فيما قيل وهو خلاف الإجماع # وعن الحمل على صلاة المرتدين أن الآية بلفظها عامة في كل المجرمين ~~المذكورين في قوله يتساءلون عن المجرمين وهو عام في المرتدين وغيرهم فلا ~~يجوز تخصيصها من غير دليل # هذا من جهة النصوص # وأما من جهة الإلزام فهو أنه لو امتنع الكتليف ms110 بالفعل مع عدم شرط الفعل ~~لامتنع التكليف بالصلاة مع عدم الطهارة ولكان من ترك الطهارة والصلاة أبدا ~~لا يعاقب ولا يذم إلا على ترك الطهارة بل ما لا تتم الطهارة إلا به # وذلك خلاف إجماع الأمة # # | المسألة الثالثة # اتفق أكثر المتكلمين على أن التكليف لا يتعلق إلا بما هو من كسب العبد ~~PageV01P194 من الفعل وكف النفس عن الفعل فإنه فعل خلافا لأبي هاشم في قوله ~~إن التكليف قد يكون بأن لا يفعل العبد مع قطع النظر عن التلبس بضد الفعل ~~وذلك ليس بفعل # احتج المتكلمون بأن ممتثل التكليف مطيع والطاعة حسنة والحسنة مستلزمة ~~للثواب على ما قال تعالى @QB@ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها @QE@ 6 ~~الأنعام 160 ) وقال تعالى @QB@ ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين ~~أحسنوا بالحسنى @QE@ 53 النجم 31 ) ولا فعل عدم محض وليس بشيء وما ليس بشيء ~~لا يكون من كسب العبد ولا متعلق القدرة وما لا يكون من كسب العبد لا يكون ~~مثابا عليه لقوله تعالى @QB@ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى @QE@ # فإن قيل عدم الفعل وإن لم يكن أمرا وجوديا ولا ذاتا ثابتة فإنما يمتنع ~~التكليف به ويمتنع أن يكون الامتثال به طاعة وحسنة مثابا عليها أن لو لم ~~يكن مقدورا للعبد ومكتسبا له وهو غير مسلم كما قاله القاضي أبو بكر في أحد ~~قوليه # قال المتكلمون عدم الفعل من حيث هو كذلك متحقق قبل قدرة العبد وهو غير ~~مقدور للعبد قبل خلق قدرته وهو مستمر إلى ما بعد خلق القدرة فلا يكون ~~مقدورا للعبد ولا مكتسبا له ويلزم من ذلك امتناع التكليف به على ما تقرر # إلا أن للخصم أن يقول لا يلزم من كون عدم الفعل السابق على خلق القدرة ~~غير مقدور أن يكون المقارن منه للقدرة غير مقدور # # | المسألة الرابعة # اتفق الناس على جواز التكليف بالفعل قبل حدوثه سوى شذوذ من أصحابنا وعلى ~~امتناعه بعد حدوث الفعل PageV01P195 واختلفوا في جواز تعلقه به في أول زمان ~~حدوثه فأثبته أصحابنا # ونفاه المعتزلة # احتج أصحابنا ms111 بأن الفعل في أول زمان حدوثه مقدور بالاتفاق وسواء قيل ~~بتقدم القدرة عليه كما هو مذهب المعتزلة أم بوجودها مع وجوده كما هو مذهب ~~أصحابنا # وإذا كان مقدورا أمكن تعلق التكليف به # فإن قيل القول بجواز تعلق التكليف به في أول زمان حدوثه يلزم منه الأمر ~~بإيجاد الموجود وهو محال # قلنا يلزم منه الأمر بإيجاد ما كان موجودا أو بما لم يكن موجودا # الأول ممنوع # والثاني فدعوى إحالته نفس محل النزاع ثم يلزمهم من ذلك أن لا يكون الفعل ~~في أول زمان حدوثه أثرا للقدرة القديمة ولا للحادثة على اختلاف المذهبين ~~ولا موجدة له لما فيه من إيجاد الموجود وهو محال # فما هو جوابهم في إيجاد القدرة له فهو جوابنا في تعلق الأمر به # # | المسألة الخامسة # اختلف أصحابنا والمعتزلة في جواز دخول النيابة فيما كلف به من الأفعال ~~البدنية فأثبته أصحابنا ونفاه المعتزلة # حجة أصحابنا على ذلك أنه لو قال القائل لغيره أوجبت عليك خياطة هذا الثوب ~~فإن خطته أو استنبت في خياطته أثبتك وإن تركت الأمرين عاقبتك كان معقولا ~~غير مردود # وما كان كذلك فوروده من الشارع لا يكون ممتنعا # ويدل على وقوعه ما روي عن النبي عليه السلام أنه رأى شخصا يحرم بالحج عن ~~شبرمة فقال له النبي عليه السلام أحججت عن نفسك فقال PageV01P196 لا فقال ~~له حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة # وهو صريح فيما نحن فيه # فإن قيل وجوب العبادات البدنية إنما كان ابتلاء وامتحانا من الله تعالى ~~للعبد فإنه مطلوب للشارع لما فيه من كسر النفس الأمارة بالسوء وقهرها ~~لكونها عدوة لله تعالى على ما قال عليه السلام حكاية عن ربه عاد نفسك فإنها ~~انتصبت لمعاداتي تحصيلا للثواب على ذلك # وذلك مما لا مدخل للنيابة فيه كما لا مدخل لها في باقي الصفات من الآلام ~~واللذات ونحوها # قلنا أما الابتلاء والامتحان بالتكليف لما ذكروه وإن كان مع تعيين المكلف ~~لأداء ما كلف به أشق مما كلف به مع تسويغ النيابة فيه فليس في ذلك ms112 مما يرفع ~~أصل الكلفة والامتحان فيما سوغ له فيه الاستنابة # فإن المشقة لازمة له بتقدير الإتيان به بنفسه وهو الغالب وبما يبذله من ~~العوض للنائب بتقدير النيابة ويلتزمه من المنة بتقدير عدم العوض وليس ~~المراعى في باب التكاليف أشقها وأعلاها رتبة ولذلك كانت متفاوتة # وأما الثواب والعقاب فليس مما يجب على الله تعالى في مقابلة الفعل بل إن ~~أثاب فبفضله وإن عاقب فبعدله كما عرف من أصلنا بل له أن يثيب العاصي ويعاقب ~~الطائع PageV01P197 PageV01P198 # | الأصل الرابع في المحكوم عليه وهو المكلف وفيه خمس مسائل # # | المسألة الأولى # اتفق العقلاء على أن شرط المكلف أن يكون عاقلا فاهما للتكليف لأن التكليف ~~خطاب وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال كالجماد والبهيمة # ومن وجد له أصل الفهم لأصل الخطاب # دون تفاصيله من كونه أمرا ونهيا ومقتضيا للثواب والعقاب ومن كون الآمر به ~~هو الله تعالى وأنه واجب الطاعة وكون المأمور به على صفة كذا وكذا كالمجنون ~~والصبي الذي لا يميز فهو بالنظر إلى فهم التفاصيل كالجماد والبهيمة بالنظر ~~إلى فهم أصل الخطاب ويتعذر تكليفه أيضا إلا على رأي من يجوز التكليف بما لا ~~يطاق لأن المقصود من التكليف كما يتوقف على فهم أصل الخطاب فهو متوقف على ~~فهم تفاصيله # وأما الصبي المميز وإن كان يفهم ما لا يفهمه غير المميز غير أنه أيضا غير ~~فاهم على الكمال ما يعرفه كامل العقل من وجود الله تعالى وكونه متكلما ~~مخاطبا مكلفا بالعبادة ومن وجود الرسول الصادق المبلغ عن الله تعالى وغير ~~ذلك مما يتوقف عليه مقصود التكليف # فنسبته إلى غير المميز كنسبة غير المميز إلى البهيمة فيما يتعلق بفوات ~~شرط التكليف وإن كان مقاربا لحالة البلوغ بحيث لم يبق بينه وبين البلوغ سوى ~~لحظة واحدة فإنه وإن كان فهمه كفهمه الموجب لتكليفه بعد لحظة غير أنه لما ~~كان PageV01P199 العقل والفهم فيه خفيا وظهوره فيه على التدريج ولم يكن له ~~ضابط يعرف به جعل له الشارع ضابطا وهو البلوغ وحط عنه التكليف قبله تخفيفا ~~عليه ms113 # ودليله قوله عليه السلام رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن ~~النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق # فإن قيل إذا كان الصبي والمجنون غير مكلف فكيف وجبت عليهما الزكاة ~~والنفقات والضمانات وكيف أمر الصبي المميز بالصلاة # قلنا هذه الواجبات ليست متعلقة بفعل الصبي والمجنون بل بماله أو بذمته # فإنه أهل للذمة بإنسانيته المتهيىء بها لقبول فهم الخطاب عند البلوغ ~~بخلاف البهيمة والمتولي لأدائها الولي عنهما أو هما بعد الإفاقة والبلوغ # وليس ذلك من باب التكليف في شيء # وأما الأمر بصلاة المميز فليس من جهة الشارع وإنما هو من جهة الولي لقوله ~~عليه السلام مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع وذلك لأنه يعرف الولي ويفهم خطابه ~~بخلاف خطاب الشارع على ما تقدم # وعلى هذا فالغافل عما كلف به والسكران المتخبط لا يكون خطابه وتكليفه في ~~حالة غفلته وسكره أيضا إذ هو في تلك الحالة أسوأ حالا من الصبي المميز فيما ~~يرجع إلى فهم خطاب الشارع وحصول مقصوده منه وما يجب عليه من الغرامات ~~والضمانات بفعله في تلك الحال # فتخريجه كما سبق في الصبي والمجنون ونفوذ طلاق السكران ففيه منع خطاب ~~الوضع والإخبار وإن نفذ فليس من باب التكليف في شيء بل من باب ما ثبت بخطاب ~~الوضع والإخبار يجعل تلفظه بالطلاق علامة على نفوذه كما جعل زوال الشمس ~~PageV01P200 وطلوع الهلال علامة على وجوب الصلاة والصوم # وكذلك الحكم في وجوب الحد عليه بالقتل والزنى وغيره # وقوله تعالى @QB@ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى @QE@ 4 النساء 43 ) وإن ~~كان من باب خطاب التكليف بنهي السكران فليس المقصود منه النهي عن الصلاة ~~حالة السكر بل النهي عن السكر في وقت إرادة الصلاة # وتقديره إذا أردتم الصلاة فلا تسكروا # كما يقال لمن أراد التهجد لا تقرب التهجد وأنت شبعان # أي لا تشبع إذا أردت التهجد حتى لا يشتغل عليك التهجد # وهو وإن دل بمفهومه على عدم النهي عن السكر في غير وقت الصلاة فغير مانع ~~لورود النهي عن ذلك في ابتداء الإسلام حيت لم ms114 يكن الشرب حراما وإن كان ~~وروده بعد التحريم وفي حالة السكر لكن يجب حمل لفظ السكران في الآية على من ~~دب الخمر في شؤونه وكان ثملا نشوانا وأصل عقله ثابت # لأن ذلك مما يؤول إلى السكر غالبا # والتعبير عن الشيء باسم ما يؤول إليه يكون تجوزا كما في قوله تعالى @QB@ ~~إنك ميت وإنهم ميتون @QE@ 4 النساء 43 ) وقوله تعالى @QB@ حتى تعلموا ما ~~تقولون @QE@ 4 النساء 43 ) فيجب حمله على كمال التثبت على ما يقال إذ هو ~~غير ثابت حالة الانتشاء وإن كان العقل والفهم حاصلا # وذلك كما يقال لمن أراد فعل أمر وهو غضبان لا تفعل حتى تعلم ما تفعل أي ~~حتى يزول عنك الغضب المانع من التثبت على ما تفعل # وإن كان عقله وفهمه حاصلا # ويجب المصير إلى هذه التأويلات جمعا بين هذه الآية وما ذكرناه من الدليل ~~المانع من التكليف PageV01P201 # # | المسألة الثانية # مذهب أصحابنا جواز تكليف المعدوم وربما أشكل فهم ذلك مع إحالتنا لتكليف ~~الصبي والمجنون والغافل والسكران لعدم الفهم للتكاليف # والمعدوم أسوأ حالا من هؤلاء في هذا المعنى لوجود أصل الفهم في حقهم ~~وعدمه بالكلية في حق المعدوم حتى أنكر ذلك جميع الطوائف # وكشف الغطاء عن ذلك أنا لا نقول بكون المعدوم مكلفا بالإتيان بالفعل حالة ~~عدمه بل معنى كونه مكلفا حالة العدم قيام الطلب القديم بذات الرب تعالى ~~للفعل من المعدوم بتقدير وجوده وتهيئته لفهم الخطاب # فإذا وجدوا مهيأ للتكليف صار مكلفا بذلك الطلب والاقتضاء القديم # فإن الوالد لو وصى عند موته لمن سيوجد بعده من أولاده بوصية فإن الولد ~~بتقدير وجوده وفهمه يصير مكلفا بوصية والده حتى أنه يوصف بالطاعة والعصيان ~~بتقدير المخالفة والامتثال # وأيضا فإننا في وقتنا هذا نوصف بكوننا مأمورين بأمر النبي عليه السلام ~~وإن كان أمره في الحال معدوما # وليس ذلك إلا بما وجد منه من الأمر حال وجوده # ومثل هذا التكليف ثابت بالنسبة إلى الصبي والمجنون بتقدير فهمه أيضا بل ~~أولى من حيث إن المشترط في حقه الفهم لا غير وفي ms115 حق المعدوم الفهم والوجود # وهل يسمى التكليف بهذا التفسير في الأزل خطابا للمعدوم وأمرا له عرفا # الحق أنه يسمى أمرا ولا يسمى خطابا # ولهذا فإنه يحسن أن يقال للوالد إذا وصى بأمر لمن سيوجد من أولاده بفعل ~~من الأفعال أنه أمر أولاده ولا يحسن أن يقال خاطبهم # لكن تمام فهم هذه القاعدة موقوف على إثبات كلام النفس وتحقيق كون الأمر ~~بمعنى الطلب والاقتضاء # وقد حققنا ذلك في الكلاميات بما يجب على الأصولي تقليد المتكلم فيه ~~PageV01P202 # | المسألة الثالثة # اختلفوا في الملجىء إلى الفعل بالإكراه بحيث لا يسعه تركه في جواز تكليفه ~~بذلك الفعل إيجادا وعدما # والحق أنه إذا خرج بالإكراه إلى حد الاضطرار وصار نسبة ما يصدر عنه من ~~الفعل إليه نسبة حركة المرتعش إليه أن تكليفه به إيجادا وعدما غير جائز إلا ~~على القول بتكليف ما لا يطاق وإن كان ذلك جائزا عقلا لكنه ممتنع الوقوع ~~سمعا لقوله عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ~~والمراد منه لا رفع المؤاخذة وهو مستلزم لرفع التكليف وما يلزمه من ~~الغرامات فقد سبق جوابه غير مرة # وأما إن لم ينته إلى حد الاضطرار فهو مختار وتكليفه جائز عقلا وشرعا # وأما الخاطىء فغير مكلف إجماعا فيما هو مخطىء ولقوله عليه السلام رفع عن ~~أمتي الخطأ والنسيان الحديث # # | المسألة الرابعة #اختلفوا في تكليف الحائض بالصوم فنفاه أصحابنا وأثبته آخرون # والحق في ذلك أنه إن أريد بكونها مكلفة به بتقدير زوال الحيض المانع فهو ~~حق وإن أريد به أنها مكلفة بالإتيان بالصوم حال الحيض فهو ممتنع # وذلك لأن فعلها للصوم في حالة الحيض حرام ومنهي عنه فيمتنع أن يكون واجبا ~~ومأمورا به لما بينهما من التضاد الممتنع إلا على القول بجواز التكليف بما ~~لا يطاق # فإن قيل فلو لم يكن الصوم واجبا عليها فلم وجب عليها قضاؤه # قلنا القضاء عندنا إنما يجب بأمر مجدد فلا يستدعي أمرا سابقا PageV01P203 # وإنما سمي قضاء لما فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب وجوبه من الصوم ~~ولم ms116 يجب لمانع الحيض # # | المسألة الخامسة # في أن المكلف بالفعل أو الترك هل يعلم كونه مكلفا قبل التمكن من الامتثال ~~أم لا والذي عليه إجماع الأصوليين أنه يعلم ذلك إذا كان المأمور والآمر له ~~جاهلا بعاقبة أمره وأنه يتمكن بما كلف به أم لا كأمر السيد لعبده بخياطة ~~الثوب في الغد PageV01P204 # ومحل الخلاف فيما إذا كان الآمر عالما بعاقبة الأمر دون المأمور كأمر ~~الله تعالى بالصوم لزيد في الغد # فأثبت ذلك القاضي أبو بكر والجم الغفير من الأصوليين ونفاه المعتزلة # احتج المثبتون بأن الأمر بالطاعات والنهي عن المعاصي متحقق مع جهل المكلف ~~بعاقبة الأمر فكان ذلك معلوما ويدل على تحققه إجماع الأمة من السلف قبل ~~ظهور المخالفين على أن كل بالغ عاقل مأمور بالطاعات منهي عن المعاصي قبل ~~التمكن مما أمر به ونهي عنه وأنه يعد متقربا بالعزم على فعل الطاعة وترك ~~المعصية وأنه يجب عليه الشروع في العبادات الخمس في أوقاتها بنية الفرض وإن ~~المانع له من ذلك بالحبس والصد عن فعلها آثم عاص بصده عن امتثال أمر الشارع # وذلك كله مع عدم النهي والأمر محال # وأيضا فإنه لو لم يكن الأمر معلوما له في الحال لتعذر قصد الامتثال في ~~الواجبات المضيقة لاستحالة العلم بتمام التمكن إلا بعد انقضاء الوقت وهو ~~محال # فإن قيل لا خفاء بأن تعليق الأمر على شرط معلوم الوقوع وسواء كان وقوعه ~~حاليا كما إذا قال صم إن كان الله موجودا أو مآليا كما إذا قال صم إن صعدت ~~الشمس غدا # أو معلوم الانتفاء كما إذا قال صم إن اجتمع الضدان وهو محال بل الأول أمر ~~جازم غير مشروط # كيف وإنه يمتنع تعليق الأمر بشرط مستقبل لأن الشرط لا بد وأن يكون حاصلا ~~مع المشروط أو قبله # والثاني وإن كان فيه صيغة افعل فليس بأمر لما فيه من التكليف بما لا يطاق ~~والباري تعالى عالم بعواقب الأمور # فإن كان عالما بتمكن العبد مما كلف به وأنه سيأتي به فهو أمر جزم لا شرط ~~فيه وإن كان ms117 عالما بعدم تمكنه مما قيل له افعله أو لا تفعله فلا يكون ذلك ~~أمرا ولا PageV01P205 نهيا # وإذا كان كذلك فالأمر والنهي قبل التمكن من الامتثال لا يكون معلوما ~~للعبد لتجويزه عدم الشرط وهو التمكن في علم الله تعالى # وعلى هذا فيجب حمل الإجماع فيما ذكرتموه على ظن الأمر بناء على أن الغالب ~~من المكلف بقاؤه وتمكنه لا على يقين الأمر والعلم به # قلنا أما امتناع تعليق الأمر بشرط معلوم الوقوع أو الانتفاء عند المأمور ~~فلا نزاع فيه إلا على رأي من يجوز تكليف ما لا يطاق وإنما النزاع إذا كان ~~ذلك معلوما للآمر دون المأمور # فإنه لا يبعد أمر السيد لعبده بفعل شيء في الغد مع علمه برفع ذلك في الغد ~~عنه استصلاحا للعبد باستعداده في الحال للقيام بأمر سيده واشتغاله بذلك عن ~~معاصيه أو امتحانه بما يظهر عليه من أمارات البشر والكراهة حتى يثيبه على ~~هذا ويعاقبه على هذا لا لقصد الإتيان بما أمره به أم الانتهاء عما نهاه عنه # ولا يكون ذلك من باب التكليف بما لا يطاق # وإذا كان ذلك معقولا مفيدا أمكن مثله في أمر الباري تعالى # قولهم إن شرط الأمر لا يكون متأخرا عنه مسلم لما فيه من استحالة وجود ~~المشروط بدون شرطه غير أن الشرط المتأخر عن الأمر وهو التمكن من الفعل ليس ~~شرطا في تحقق الأمر وقيامه بنفس الأمر حتى يقال بتأخير شرط وجوده عن وجوده ~~بل هو شرط الامتثال # والأمر عندنا لا يتوقف تحققه على الامتثال كما علم من أصلنا # وعلى هذا فقد بطل قولهم إن الأمر والنهي قبل التمكن من الامتثال يمتنع أن ~~يكون معلوما للعبد # ووجب حمل الإجماع فيما ذكروه من الأحكام على وجود الأمر حقيقة لا على ظن ~~وجوده # لأن احتمال الخطإ في الظن قائم وهو ممتنع في حق الإجماع # وإذا عرف ما حققناه فمن أفسد صوم رمضان بالوقاع ثم مات أوجن بعد ذلك في ~~أثناء النهار وجبت عليه الكفارة على أحد قولينا وعلى القول الآخر لا لأنها ~~إنما ms118 تجب بإفساد صوم واجب لا يتعرض للانقطاع في اليوم لا لعدم قيام الأمر ~~بالصوم ووجوبه PageV01P206 وكذلك يجب على الحائض الشروع في صوم يوم علم ~~الله أنها تحيض فيه # وأنه لو قال إن شرعت في الصوم أو الصلاة الواجبين فزوجتي طالق ثم شرع ~~ومات في أثنائها حنث ولزمه الطلاق ولا كذلك عند المعتزلة وعلى هذا كل ما ~~يرد من هذا القبيل # # | القاعدة الثانية في بيان الدليل الشرعي وأقسامه وما يتعلق به من أحكامه ~~ويشتمل على مقدمة وأصول # أما المقدمة ففي بيان الدليل الشرعي وأقسامه # فنقول كما بينا في القاعدة الأولى حد الدليل وانقسامه إلى عقلي وشرعي # وليس من غرضنا هاهنا تعريف الدليل العقلي بل الشرعي # والمسمى بالدليل الشرعي منقسم إلى ما هو صحيح في نفسه ويجب العمل به وإلى ~~ما ظن أنه دليل صحيح وليس هو كذلك # أما القسم الأول فهو خمسة أنواع PageV01P207 # وذلك أنه إما أن يكون واردا من جهة الرسول أو لا من جهته # فإن كان الأول فلا يخلو إما أن يكون من قبيل ما يتلى # أو لا من قبيل ما يتلى # فإن كان من قبيل ما يتلى فهو الكتاب # وإن كان من قبيل ما لا يتلى فهو السنة # وإن لم يكن واردا من جهة الرسول فلا يخلو إما أن يشترط فيه عصمة من صدر ~~عنه أو لا يشترط ذلك فإن كان الأول فهو الإجماع وإن كان الثاني فلا يخلو ~~إما أن تكون صورته بحمل معلوم على معلوم في حكم بناء على جامع أو لا يكون ~~كذلك # فإن كان الأول فهو القياس وإن كان الثاني فهو الاستدلال # وكل واحد من هذه الأنواع فهو دليل لظهور الحكم الشرعي عندنا به # والأصل فيها إنما هو الكتاب لأنه راجع إلى قول الله تعالى المشرع للأحكام ~~والسنة مخبرة عن قوله تعالى وحكمه # ومستند الإجماع فراجع إليهما # وأما القياس والاستدلال فحاصله يرجع إلى التمسك بمعقول النص أو الإجماع ~~فالنص والإجماع أصل والقياس والاستدلال فرع تابع لهما # وأما القسم الثاني وهو ما ظن أنه دليل ms119 وليس بدليل فكشرع من قبلنا ومذهب ~~الصحابي والاستحسان والمصلحة المرسلة على ما سيأتي تحقيق الكلام فيه ~~PageV01P208 # # | القسم الأول فيما يجب العمل به مما يسمى دليلا شرعيا # ولما بان أنه على خمسة أنواع فالنظر المتعلق بها منه ما هو مختص بكل واحد ~~منها بخصوصه ومنها ما هو مشترك بينها # فلنرسم في كل واحد منها أصلا وهي ستة أصول PageV01P209 PageV01P210 # # | الأصل الأول في تحقيق معنى الكتاب وما يتعلق به من المسائل لأنه الأول ~~والأولى بتقديم النظر فيه # أما حقيقة الكتاب فقد قيل فيه هو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف بالأحرف ~~السبعة المشهورة نقلا متواترا وفيه نظر # فإنه لا معنى للكتاب سوى القرآن المنزل علينا على لسان جبريل وذلك مما لا ~~يخرج عن حقيقته بتقدير عدم نقله إلينا متواترا بل ولا بعدم نقله إلينا ~~بالكلية بل غايته جهلنا بوجود القرآن بتقدير عدم نقله إلينا وعدم علمنا ~~بكونه قرآنا بتقدير عدم تواتره وعلمنا بوجوده غير مأخوذ في حقيقته فلا يمكن ~~أخذه في تحديده # والأقرب في ذلك أن يقال الكتاب هو القرآن المنزل PageV01P211 # فقولنا ( القرآن ) احتراز عن سائر الكتب المنزلة من التوراة والإنجيل ~~وغيرهما فإنها وإن كانت كتبا لله تعالى فليست هي الكتاب المعهود لنا المحتج ~~به في شرعنا على الأحكام الشرعية الذي نحن بصدد تعريفه وفيه احتراز عن ~~الكلام المنزل على النبي عليه السلام مما ليس بمتلو # وقولنا ( المنزل ) احتراز عن كلام النفس فإنه ليس بكتاب بل الكتاب هو ~~الكلام المعبر عن الكلام النفساني ولذلك لم نقل هو الكلام القديم ولم نقل ~~هو المعجز لأن المعجز أعم من الكتاب ولم نقل هو الكلام المعجز لأنه يخرج ~~منه الآية وبعض الآية مع أنها من الكتاب وإن لم تكن معجزة # وإذا أتينا على تعريف حقيقة الكتاب فلا بد من النظر فيما يختص به من ~~المسائل وهي خمس مسائل # | المسألة الأولى # اتفقوا على أن ما نقل إلينا من القرآن نقلا متواترا وعلمنا أنه من القرآن ~~أنه حجة واختلفوا فيما نقل إلينا منه آحادا كمصحف ابن مسعود وغيره ms120 أنه هل ~~يكون حجة أم لا PageV01P212 فنفاه الشافعي وأثبته أبو حنيفة وبنى عليه وجوب ~~التتابع في صوم اليمين بما نقله ابن مسعود في مصحفه من قوله فصيام ثلاثة ~~أيام متتابعات # والمختار إنما هو مذهب الشافعي # وحجته أن النبي عليه السلام كان مكلفا بإلقاء ما أنزل عليه من القرآن على ~~طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم ومن تقوم الحجة القاطعة بقولهم لا يتصور ~~عليهم التوافق على عدم نقل ما سمعوه منه # فالراوي له إذا كان واحدا إن ذكره على أنه قرآن فهو خطأ وإن لم يذكره على ~~أنه قرآن فقد تردد بين أن يكون خبرا عن النبي عليه السلام وبين أن يكون ذلك ~~مذهبا له فلا يكون حجة # وهذا بخلاف خبر الواحد عن النبي عليه السلام وعلى هذا منع من وجوب ~~التتابع في صوم اليمين على أحد قوليه # فإن قيل قولكم إن النبي عليه السلام كان يجب عليه إلقاء القرآن إلى عدد ~~تقوم الحجة القاطعة بقولهم لا نسلم ذلك وكيف يمكن دعواه مع أن حفاظ القرآن ~~في زمانه عليه السلام لم يبلغوا عدد التواتر لقلتهم وإن جمعه إنما كان ~~بطريق تلقي آحاد # آياته من الآحاد # ولذلك اختلفت مصاحف الصحابة # ولو كان قد ألقاه إلى جماعة تقوم الحجة بقولهم لما كان كذلك # ولهذا أيضا اختلفوا في البسملة أنها من القرآن # وأنكر ابن مسعود كون الفاتحة والمعوذتين من القرآن # سلمنا وجوب ذلك على النبي عليه السلام وأنه سمعه منه جمع تقوم الحجة ~~بقولهم ولكن إنما يمتنع السكوت عن نقله على الكل لعصمتهم عن الخطإ ولا ~~يمتنع ذلك بالنسبة إلى بضعهم وإذا كان ابن مسعود من جملتهم وقد روى ما رواه ~~فلم يقع الاتفاق من الكل على الخطإ بالسكوت # وعند ذلك فيتعين حمل روايته لذلك في مصحفه على أنه من PageV01P213 القرآن ~~لأن الظاهر من حاله الصدق ولم يوجد ما يعارضه غايته أنه غير مجمع على العمل ~~به لعدم تواتره وإن لم يصرح بكونه قرآنا أمكن أن يكون من القرآن وأمكن أن ~~لا يكون لكونه خبرا ms121 عن النبي عليه السلام وأمكن أن يكون لكونه مذهبا له كما ~~ذكرتموه وهو حجة بتقدير كونه قرآنا وبتقدير كونه خبرا عن النبي عليه السلام # وهما احتمالان وإنما لا يكون حجة بتقدير كونه مذهبا له وهو احتمال واحد ~~ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه # سلمنا أنه ليس بقرآن وأنه متردد بين الخبر وبين كونه مذهبا له # إلا أن احتمال كونه خبرا راجح لأن روايته له موهم بالاحتجاج به # ولو كان مذهبا له لصرح به نفيا للتلبيس عن السامع المعتقد كونه حجة مع ~~الاختلاف في مذهب الصحابي هل هو حجة أم لا # والجواب أما وجوب إلقائه على عدد تقوم الحجة بقولهم فذلك مما لم يخالف ~~فيه أحد من المسلمين لأن القرآن هو المعجزة الدالة على صدقه عليه السلام ~~قطعا ومع عدم بلوغه إلى من لم يشاهده بخبر التواتر لا يكون حجة قاطعة ~~بالنسبة إليه فلا يكون حجة عليه في تصديق النبي عليه السلام ولا يلزم من ~~عدم بلوغ حفاظ القرآن في زمن النبي عليه السلام عدد التواتر أن يكون الحفاظ ~~لآحاد آياته كذلك # وأما التوقف في جمع آيات القرآن على أخبار الآحاد فلم يكن في كونها قرآنا ~~بل في تقديمها وتأخيرها بالنسبة إلى غيرها وفي طولها وقصرها # وأما ما اختلت به المصاحف فما كان من الآحاد فليس من القرآن وما كان ~~متواترا فهو منه # وأما الاختلاف في التسمية إنما كان في وضعها في أول كل سورة لا في كونها ~~من القرآن # وأما إنكار ابن مسعود فلم يكن لإنزال هذه السور على النبي عليه ~~PageV01P214 السلام بل لإجرائها مجرى القرآن في حكمه قولهم إذا رواه ابن ~~مسعود لم يتفق الكل على الخطإ # قلنا وإن كان كذلك إلا أن سكوت من سكت وإن لم يكن ممتنعا إلا أنه حرام ~~لوجوب نقله عليه # وعند ذلك فلو قلنا إن ما نقله ابن مسعود قرآن لزم ارتكاب من عداه من ~~الصحابة للحرام بالسكوت # ولو قلنا إنه ليس بقرآن لم يلزم منه ms122 ذلك لا بالنسبة إلى الراوي ولا ~~بالنسبة إلى من عداه من الساكتين وبتقدير ارتكاب ابن مسعود للحرام مع كونه ~~واحدا أولى من ارتكاب الجماعة له وعلى هذا فقد بطل قولهم بظهور صدقه فيما ~~نقله من غير معارض وتعين تردد نقله بين الخبر والمذهب # قولهم حمله على الخبر راجح لا نسلم ذلك # قولهم لو كان مذهبا لصرح به نفيا للتلبيس قلنا أجمع المسلمون على أن كل ~~خبر لم يصرح بكونه خبرا عن النبي عليه السلام ليس بحجة وما نحن فيه كذلك ~~ولا يخفى أن الحمل على المذهب مع أنه مختلف في الاحتجاج به أولى من حمله ~~على الخبر الذي ما صرح فيه بالخبرية مع أنه ليس بحجة بالاتفاق # كيف وفيه موافقة النفي الأصلي وبراءة الذمة من التتابع بخلاف مقابله فكان ~~أولى # # | المسألة الثانية # اتفقوا على أن التسمية آية من القرآن في سورة النمل وإنما اختلفوا في ~~كونها آية من القرآن في أول كل سورة فنقل عن الشافعي في ذلك قولان # لكن من الأصحاب من حمل القولين على أنها من القرآن في أول كل PageV01P215 ~~سورة كتبت مع القرآن بخط القرآن أم لا # ومنهم من حمل القولين على أنها هل هي آية برأسها في أول كل سورة أو هي مع ~~أول آية من كل سورة آية وهو الأصح # وذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الأصوليين إلى أنها ليست آية من القرآن في ~~غير سورة النمل # وقضى بتخطئة من قال بأنها آية من القرآن في غير سورة النمل لكن من غير ~~تكفير له لعدم ورود النص القاطع بإنكار ذلك # والحجة لمذهب الشافعي من ثلاثة أوجه الأول أنها أنزلت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مع أول كل سورة # ولذلك نقل عن ابن عباس أنه قال كان رسول الله لا يعرف ختم سورة وابتداء ~~أخرى حتى ينزل عليه جبريل ببسم الله الرحمن الرحيم # وذلك يدل على أنها من القرآن حيث أنزلت # الثاني أنها كانت تكتب بخط القرآن في أول كل سورة بأمر رسول الله ms123 وأنه لم ~~ينكر أحد من الصحابة على من كتبها بخط القرآن في أول كل سورة مع تخشنهم في ~~الدين وتحرزهم في صيانة القرآن عما ليس منه حتى أنهم PageV01P216 أنكروا ~~على من أثبت أوائل السور والتعشير والنقط # وذلك كله يغلب على الظن أنها حيث كتبت مع القرآن بخط القرآن أنها منه # الثالث ما روي عن ابن عباس أنه قال سرق الشيطان من الناس آية من القرآن ~~لما أن ترك بعضهم قراءة التسمية في أول السورة ولم ينكر عليه منكر فدل على ~~كونها من القرآن في أول كل سورة # فإن قيل لو كانت التسمية آية من القرآن في أول كل سورة لم يخل إما أن ~~يشترط القطع في إثباتها أو لا يشترط # فإن كان الأول فما ذكرتموه من الوجوه الدالة غير قطعية بل ظنية فلا تصلح ~~للإثبات وأيضا فإنه كان يجب على النبي عليه السلام أن يبين كونها من القرآن ~~حيث كتبت معه بيانا شافيا شائعا قاطعا للشك كما فعل في سائر الآيات وإن كان ~~الثاني فليثبت التتابع في صوم اليمين بما نقله ابن مسعود في مصحفه # قلنا الاختلاف فيما نحن فيه لم يقع في إثبات كون التسمية من القرآن في ~~الجملة حتى يشترط القطع في طريق إثباتها وإنما وقع في وضعها آية في أوائل ~~السور والقطع غير مشترط فيه # ولهذا وقع الخلاف في ذلك من غير تكفير من أحد الخصمين للآخر كما وقع ~~الخلاف في عدد الآيات ومقاديرها # قولهم كان يجب على النبي عليه السلام بيان ذلك بيانا قاطعا للشك # قلنا ولو لم تكن من القرآن لتبين ذلك أيضا بيانا قاطعا للشك كما فعل ذلك ~~في التعوذ بل أولى من حيث إن التسمية مكتوبة بخط القرآن في أول كل سورة ~~ومنزلة على النبي عليه السلام مع أول كل سورة كما سبق بيانه وذلك مما يوهم ~~أنها من القرآن مع علم النبي عليه السلام بذلك وقدرته على البيان بخلاف ~~التعوذ # فإن قيل كل ما هو من القرآن فهو منحصر يمكن بيانه بخلاف ms124 ما ليس من القرآن ~~فإنه غير منحصر فلا يمكن بيان أنه ليس من القرآن فلهذا قيل بوجوب بيان ما ~~هو من القرآن دون ما ليس من القرآن PageV01P217 # قلنا نحن لم نوجب بيان كل ما ليس من القرآن أنه ليس من القرآن بل إنما ~~أوجبنا بيان ما يسبق إلى الأفهام أنه من القرآن بتقدير أن لا يكون منه كما ~~في التسمية # ولا يخفى أنه منحصر بل هو أقل من بيان ما هو من القرآن # وعلى هذا فلا يلزم من وضع كون التسمية آية مع أول كل سورة بالاجتهاد ~~والظن # وقد ثبت كونها آية من القرآن في سورة النمل قطعا أن يقال مثله في ثبوت ~~قراءة ابن مسعود في التتابع مع أنها لم يثبت كونها من القرآن قطعا ولا ظنا # # | المسألة الثالثة # القرآن مشتمل على آيات محكمة ومتشابهة على ما قال تعالى @QB@ منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات @QE@ 3 آل عمران 7 ) أما المحكم فأصح ما ~~قيل فيه قولان الأول أن المحكم ما ظهر معناه وانكشف كشفا يزيل الإشكال ~~ويرفع الاحتمال وهو موجود في كلام الله تعالى # والمتشابه المقابل له ما تعارض فيه الاحتمال إما بجهة التساوي كالألفاظ ~~المجملة كما في قوله تعالى @QB@ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء @QE@ ~~2 البقرة 228 ) لاحتماله زمن الحيض والطهر على السوية # وقوله تعالى @QB@ أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح @QE@ 2 البقرة 237 ) ~~لتردده بين الزوج والولي # وقوله @QB@ أو لامستم النساء @QE@ 2 النساء 43 ) لتردده بين اللمس باليد ~~والوطء أو لا على جهة التساوي كالأسماء المجازية وما ظاهره موهم للتشبيه ~~وهو مفتقر إلى تأويل كقوله تعالى PageV01P218 @QB@ ويبقى وجه ربك @QE@ 55 ~~@QB@ الرحمن @QE@ @QB@ ونفخت فيه من روحي @QE@ 15 @QB@ الحجر @QE@ @QB@ مما ~~عملت أيدينا @QE@ 36 @QB@ يس @QE@ @QB@ الله يستهزئ بهم @QE@ 2 البقرة 15 ) ~~@QB@ ومكروا ومكر الله @QE@ 3 آل عمران 54 ) @QB@ والسماوات مطويات بيمينه ~~@QE@ 39 الزمر 67 ) ونحوه من الكنايات والاستعارات المؤولة بتأويلات مناسبة ~~لإفهام العرب # وإنما سمي متشابها لاشتباه معناه على السامع # وهذا أيضا موجود في كلام الله تعالى # القول ms125 الثاني إن المحكم ما انتظم وترتب على وجه يفيد إما من غير تأويل أو ~~مع التأويل من غير تناقض واختلاف فيه # وهذا أيضا متحقق في كلام الله تعالى # والمقابل له ما فسد نظمه واختل لفظه ويقال فاسد لا متشابه # وهذا غير متصور الوجود في كلام الله تعالى # وربما قيل المحكم ما ثبت حكمه من الحلال والحرام والوعد والوعيد ونحوه # والمتشابه ما كان من القصص والأمثال وهو بعيد عما يعرفه أهل اللغة وعن ~~مناسبة اللفظ له لغة # # | المسألة الرابعة # القرآن لا يتصور اشتماله على ما لا معنى له في نفسه لكونه هذيانا ونقصا ~~يتعالى كلام الرب عنه خلافا لمن لا يؤبه له في قوله # كيف يقال PageV01P219 ذلك وكلام الرب تعالى مشتمل على ما لا معنى له ~~كحروف المعجم التي في أوائل السور إذ هي غير موضوعة في اللغة لمعنى وعلى ~~التناقض الذي لا يفهم كقوله تعالى @QB@ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ~~@QE@ 55 الرحمن 39 ) وقوله @QB@ فوربك لنسألنهم أجمعين @QE@ 15 الحجر 92 ) ~~وعلى الزيادة التي لا فائدة فيها كقوله تعالى @QB@ فصيام ثلاثة أيام في ~~الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة @QE@ 2 البقرة 196 ) وقوله ( كاملة ) ~~غير مفيد لمعنى # وكذك قوله تعالى @QB@ فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة @QE@ 69 الحاقة 13 ) ~~وقوله تعالى @QB@ لا تتخذوا إلهين اثنين @QE@ 16 النحل 51 ) إلى غير ذلك # قلنا أما حروف المعجم فلا نسلم أنه لا معنى لها بل هي أسامي السور ومعرفة ~~لها # وأما التناقض فغير صحيح إذ التناقض لا بد فيه من اتحاد جهة السلب ~~والإيجاب والزمان # وزمان إيجابه وسلبه غير متحد بل مختلف # وأما الزيادات المذكورة فهي للتأكيد لا أنها غير معقولة المعنى # فإن قيل وإن كان ليس في القرآن ما لا معنى له إلا أن فيه ما لا يفهم ~~معناه # وهو في معنى ما لا معنى له # وذلك كقوله تعالى @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به @QE@ 3 آل عمران 7 ) والواو في قوله @QB@ والراسخون في ms126 ~~العلم @QE@ 3 آل عمران 7 ) ليست للعطف وإلا كان الضمير في قوله @QB@ يقولون ~~آمنا به كل من عند ربنا @QE@ 3 آل عمران 7 ) عائدا إلى جملة المذكور السابق ~~من الله تعالى والراسخين في PageV01P220 العلم وهو محال في حق الله تعالى # فلم يبق إلا أن يكون للابتداء # ويلزم من ذلك أن لا يكون ما علمه الرب تعالى معلوما لهم # وأيضا فإن الآيات الدالة على اليد واليمين والوجه والروح ومكر الله ~~والاستواء على العرش وغير ذلك غير محمول على ما هو مفهوم منه في اللغة # وما هو المراد منه غير معلوم # وأيضا فإن الخطاب بالقرآن كما هو خطاب مع العرب فهو خطاب مع العجم ومعناه ~~غير مفهوم لهم # قلنا من قال بجواز التكليف بما لا يطاق جوز أن يكون في القرآن ما له معنى ~~وإن لم يكن معلوما للمخاطب ولا له بيان ولا كذلك فيما لا معنى له أصلا ~~لكونه هذيانا # ومن لم يجوز التكليف بما لا يطاق منع من ذلك لكونه تكليفا بما لا يطاق ~~ولما فيه من إخراج القرآن عن كونه بيانا للناس ضرورة كونه غير مفهوم # وهو خلاف قوله تعالى @QB@ هذا بيان للناس @QE@ 3 آل عمران 138 ) ولأن ذلك ~~مما يجر إلى عدم الوثوق بشيء من أخبار الله تعالى ورسوله ضرورة أنه ما من ~~خبر إلا ويجوز أن يكون المراد به ما لم يظهر منه # وذلك مبطل للشريعة مطلقا # وأجاب عن الآية الأولى بأن الواو فيها للعطف وأن الضمير في قوله @QB@ ~~يقولون آمنا به @QE@ 3 آل عمران 7 ) وإن كان ظاهرا في العود إلى جملة ~~المذكور غير أنه لا بعد في تخصيصه بإخراج الرب تعالى عنه بدليل العقل ~~المحيل لعود الضمير إليه PageV01P221 # وأما باقي الآيات المذكورة فكلها كنايات وتجوزات مفهومة للعرب بأدلة ~~صارفة إليها على ما بيناه في الكلاميات # # | المسألة الخامسة # اختلفوا في اشتمال القرآن على ألفاظ مجازية وكلمات غير عربية # وقد استقصينا الكلام فيهما في القاعدة الأولى في المبادىء اللغوية ~~PageV01P222 # # | الأصل الثاني في السنة # وهي في اللغة عبارة ms127 عن الطريقة فسنة كل أحد ما عهدت منه المحافظة عليه ~~والإكثار منه كان ذلك من الأمور الحميدة أو غيرها # وأما في الشرع فقد تطلق على ما كان من العبادات نافلة منقولة عن النبي ~~عليه السلام وقد تطلق على ما صدر عن الرسول من الأدلة الشرعية مما ليس ~~بمتلو ولا هو معجز ولا داخل في المعجز وهذا النوع هو المقصود بالبيان هاهنا # ويدخل في ذلك أقوال النبي عليه السلام وأفعاله وتقاريره # أما الأقوال من الأمر والنهي والتخيير والخبر وجهات دلالتها فسيأتي ~~إيضاحها في الأصل الرابع المخصوص ببيان ما تشترك فيه الأدلة المنقولة ~~الشرعية # وليكن البيان هاهنا مخصوصا بما يخص النبي عليه السلام من الأفعال ~~PageV01P223 والتقارير ويشتمل على مقدمتين وخمس مسائل # # | المقدمة الأولى في عصمة الأنبياء عليهم السلام وشرح الاختلاف في ذلك # وما وقع الاتفاق من أهل الشرائع على عصمتهم عنه من المعاصي وما فيه ~~الاختلاف أما قبل النبوة فقد ذهب القاضي أبو بكر وأكثر أصحابنا وكثير من ~~المعتزلة إلى أنه لا يمتنع عليهم المعصية كبيرة كانت أو صغيرة بل ولا يمتنع ~~عقلا إرسال من أسلم وآمن بعد كفره # وذهبت الروافض إلى امتناع ذلك كله منهم قبل النبوة لأن ذلك مما يوجب ~~هضمهم في النفوس واحتقارهم والنفرة عن اتباعهم وهو خلاف مقتضى الحكمة من ~~بعثة الرسل ووافقهم على ذلك أكثر المعتزلة إلا في الصغائر # والحق ما ذكره القاضي لأنه لا سمع قبل البعثة يدل على عصمتهم عن ذلك ~~والعقل دلالته مبنية على التحسين والتقبيح العقلي ووجوب رعاية الحكمة في ~~أفعال الله تعالى وذلك كله مما أبطلناه في كتبنا الكلامية # وأما بعد النبوة فالاتفاق من أهل الشرائع قاطبة على عصمتهم عن تعمد كل ما ~~يخل بصدقهم فيما دلت المعجزة القاطعة على صدقهم فيه من دعوى الرسالة ~~والتبليغ عن الله تعالى # واختلفوا في جواز ذلك عليهم بطريق الغلط والنسيان فمنع منه الأستاذ أبو ~~إسحاق وكثير من الأئمة لما فيه من مناقضة دلالة المعجزة القاطعة # وجوزه القاضي أبو بكر مصيرا منه إلى أن ما كان ms128 من النسيان وفلتات اللسان ~~غير داخل تحت التصديق المقصود بالمعجزة وهو الأشبه # وأما ما كان من المعاصي القولية والفعلية التي لا دلالة للمعجزة على ~~PageV01P224 عصمتهم عنها فما كان منها كفرا فلا نعرف خلافا بين أرباب ~~الشرائع في عصمتهم عنه إلا ما نقل عن الأزارقة من الخوارج أنهم قالوا بجواز ~~بعثة نبي علم الله أنه يكفر بعد نبوته وما نقل عن الفضلية من الخوارج أنهم ~~قضوا بأن كل ذنب يوجد فهو كفر مع تجويزهم صدور الذنوب عن الأنبياء # فكانت كفرا # وأما ما ليس بكفر فإما أن يكون من الكبائر أو ليس منها # فإن كان من الكبائر فقد اتفقت الأمة سوى الحشوية ومن جوز الكفر على ~~الأنبياء على عصمتهم عن تعمده من غير نسيان ولا تأويل وإن اختلفوا في أن ~~مدرك العصمة السمع كما ذهب إليه القاضي أبو بكر والمحققون من أصحابنا أو ~~العقل كما ذهب إليه المعتزلة # وأما إن كان فعل الكبيرة عن نسيان أو تأويل خطإ فقد اتفق الكل على جوازه ~~سوى الرافضة # وأما ما ليس بكبيرة فإما أن يكون من قبيل ما يوجب الحكم على فاعله بالخسة ~~ودناءة الهمة وسقوط المروءة كسرقة خبة أو كسرة فالحكم فيه كالحكم في ~~الكبيرة # وأما ما لا يكون من هذا القبيل كنظرة أو كلمة سفه نادرة في حالة غضب فقد ~~اتفق أكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة على جوازه عمدا وسهوا خلافا للشيعة مطلقا ~~وخلافا للجبائي والنظام وجعفر بن مبشر في العمد PageV01P225 # وبالجملة فالكلام فيما وقع فيه الاختلاف في هذه التفاصيل غير بالغ مبلغ ~~القطع بل هو من باب الظنون # والاعتماد فيه على ما يساعد فيه من الأدلة الظنية نفيا وإثباتا # وقد أتينا في كل موضع من المواضع المتفق عليها والمختلف فيها تزييفا ~~واختيارا بأبلغ بيان وأوضح برهان في كتبنا الكلامية # فعلى الناظر الالتفات إليها # # | المقدمة الثانية في معنى التأسي والمتابعة والموافقة والمخالفة إذ ~~الحاجة داعية إلى معرفة ذلك فيما نرومه من النظر في مسائل الأفعال # أما التأسي بالغير فقد يكون في الفعل والترك # أما ms129 التأسي في الفعل فهو أن تفعل مثل فعله على وجهه من أجل فعله # فقولنا ( مثل فعله ) لأنه لا تأسي مع اختلاف صورة الفعل كالقيام والقعود # وقولنا ( على وجهه ) معناه المشاركة في غرض ذلك الفعل ونيته لأنه لا تأسي ~~مع اختلاف الفعلين في كون أحدهما واجبا والآخر ليس بواجب وإن اتحدت الصورة # وقولنا ( من أجل فعله ) لأنه لو اتفق فعل شخصين في الصورة والصفة ولم يكن ~~أحدهما من أجل الآخر كاتفاق جماعة في صلاة الظهر مثلا أو صوم رمضان اتباعا ~~لأمر الله تعالى فإنه لا يقال بتأسي البعض بالبعض # وعلى هذا فلو وقع فعله في مكان أو زمان مخصوص فلا مدخل له في المتابعة ~~والتأسي # وسواء تكرر أو لم يتكرر إلا أن يدل الدليل على اختصاص العبادة به كاختصاص ~~الحج بعرفات واختصاص الصلوات بأوقاتها وصوم رمضان # وأما التأسي في الترك فهو ترك أحد الشخصين مثل ما ترك الآخر من ~~PageV01P226 الأفعال على وجهه وصفته من أجل أنه ترك # ولا يخفى وجه ما فيه من القيود # وأما المتابعة فقد تكون في القول وقد تكون في الفعل والترك فاتباع القول ~~هو امتثاله على الوجه الذي اقتضاه القول # والاتباع في الفعل هو التأسي بعينه # وأما الموافقة فمشاركة أحد الشخصين للآخر في صورة قول أو فعل أو ترك أو ~~اعتقاد أو غير ذلك # وسواء كان ذلك من أجل ذلك الآخر أو لا من أجله # وأما المخالفة فقد تكون في القول وقد تكون في الفعل والترك فالمخالفة في ~~القول ترك امتثال ما اقتضاه القول # وأما المخالفة في الفعل فهو العدول عن فعل مثل ما فعله الغير مع وجوبه # ولهذا فإن من فعل فعلا ولم يجب على غيره مثل فعله لا يقال له إنه مخالف ~~في الفعل بتقدير الترك # ولذلك لم تكن الحائض مخالفة بترك الصلاة لغيرها # وعلى هذا فلا يخفى وجوه المخالفة في الترك # وإذ أتينا على ما أردناه من ذكر المقدمتين فلنرجع إلى المقصود من المسائل ~~المتعلقة بأفعال الرسول عليه السلام # # | المسألة الأولى # اختلف الأصوليون في ms130 أفعال النبي عليه السلام هل هي دليل لشرع مثل ذلك ~~الفعل بالنسبة إلينا أم لا وقبل النظر في الحجاج لا بد من تلخيص محل النزاع ~~فنقول أما ما كان من الأفعال الجبلية كالقيام والقعود والأكل والشرب ونحوه ~~PageV01P227 فلا نزاع في كونه على الإباحة بالنسبة إليه وإلى أمته # وأما ما سوى ذلك مما ثبت كونه من خواصه التى لا يشاركه فيها أحد فلا يدل ~~ذلك على التشريك بيننا وبينه فيه إجماعا # وذلك كاختصاصه بوجوب الضحى والأضحى والوتر والتهجد بالليل والمشاورة ~~والتخيير لنسائه وكاختصاصه بإباحة الوصال في الصوم وصفية المغنم والاستبداد ~~بخمس الخمس ودخول مكة بغير إحرام والزيادة في النكاح على أربع نسوة إلى غير ~~ذلك من خصائصه # وأما ما عرف كون فعله بيانا لنا فهو دليل من غير خلاف وذلك إما بصريح ~~مقاله كقوله صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم أو بقرائن الأحوال ~~وذلك كما إذا ورد لفظ مجمل أو عام أريد به الخصوص أو مطلق أريد به التقييد ~~ولم يبينه قبل الحاجة إليه ثم فعل عند الحاجة فعلا صالحا للبيان فإنه يكون ~~بيانا حتى لا يكون مؤخرا للبيان عن وقت الحاجة وذلك كقطعه يد السارق من ~~الكوع بيانا لقوله تعالى @QB@ فاقطعوا أيديهما @QE@ 5 المائدة 38 ) وكتيممه ~~إلى المرفقين بيانا لقوله تعالى @QB@ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم @QE@ 4 ~~النساء 43 ) ونحوه # والبيان تابع للمبين في الوجوب والندب والإباحة # وأما ما لم يقترن به ما يدل على أنه للبيان لا نفيا ولا إثباتا فإما أن ~~يظهر فيه قصد القربة أو لم يظهر # فإن ظهر فيه قصد القربة فقد اختلفوا فيه فمنهم من قال إن فعله عليه ~~السلام محمول على الوجوب في حقه PageV01P228 وفي حقنا كابن سريج والاصطخري ~~وابن أبي هريرة وابن خيران والحنابلة وجماعة من المعتزلة # ومنهم من صار إلى أنه للندب # وقد قيل إنه قول الشافعي وهو اختيار إمام الحرمين # ومنهم من قال إنه للإباحة وهو مذهب مالك ومنهم من قال بالوقف وهو مذهب ~~جماعة من أصحاب الشافعي كالصيرفي والغزالي وجماعة من ms131 المعتزلة # وأما ما لم يظهر فيه قصد القربة فقد اختلفوا أيضا فيه على نحو اختلافهم ~~فيما ظهر فيه قصد القربة غير أن القول بالوجوب والندب فيه أبعد مما ظهر فيه ~~قصد القربة والوقف والإباحة أقرب # وبعض من جوز على الأنبياء المعاصي قال إنها على الخطر # والمختار أن كل فعل لم يقترن به دليل يدل على أنه قصد به بيان خطاب سابق ~~فإن ظهر فيه قصد القربة إلى الله تعالى فهو دليل في حقه عليه السلام على ~~القدر المشترك بين الواجب والمندوب وهو ترجيح الفعل على الترك لا غير وأن ~~الإباحة وهي استواء الفعل والترك في رفع الحرج خارجة عنه وكذلك في حق أمته # وما لم يظهر فيه قصد القربة فهو دليل في حقه على القدر المشترك بين ~~الواجب والمندوب والمباح وهو رفع الحرج عن الفعل لا غير وكذلك عن أمته # وأما إذا ظهر من فعله قصد القربة فلأن القربة غير خارجة عن الواجب ~~PageV01P229 والمندوب والقدر المشترك بينهما إنما هو ترجيح الفعل على الترك # والفعل دليل قاطع عليه # وأما ما اختص به الواجب من الذم على الترك وما اختص به المندوب من عدم ~~اللوم على الترك فمشكوك فيه وليس أحدهما أولى من الآخر # وأما إذا لم يظهر من فعله قصد القربة فهو وإن جوزنا عليه فعل الصغيرة غير ~~أن احتمال وقوعها من آحاد عدول المسلمين نادر فكيف من النبي عليه السلام # بل الغالب من فعله انه لا يكون معصية ولا منهيا عنه # وعند ذلك فما من فعل من احاد أفعاله إلا واحتمال دخوله تحت الغالب أغلب # وإذا كان الغالب من فعله أنه لا يكون معصية ولا منهيا عنه فكل فعل لا ~~يكون منهيا عنه لا يخرج عن الواجب والمندوب والمباح والقدر المشترك بين ~~الكل إنما هو رفع الحرج عن الفعل دون الترك # والفعل دليل قاطع عليه # وأما ما اختص به الوجوب والندب عن المباح من ترجح الفعل على الترك وما ~~اختص به المباح عنهما من استواء الطرفين فمشكوك فيه # هذا بالنسبة ms132 إلى النبي عليه السلام # وأما بالنسبة إلى أمته فلأنه وإن كان عليه السلام قد اختص عنهم بخصائص لا ~~يشاركونه فيها غير أنها نادرة بل أندر من النادر بالنسبة إلى الأحكام ~~المشترك فيها # وعند ذلك فما من واحد من آحاد الأفعال إلا واحتمال مشاركة الأمة للنبي ~~عليه السلام فيه أغلب من احتمال عدم المشاركة إدراجا للنادر تحت الأعم ~~الأغلب فكانت المشاركة أظهر # وإذ أتينا على تفصيل المذاهب وتقرير ما هو المختار فلا بد من ذكر شبه ~~المخالفين ووجه الانفصال عنها # وأما شبه القائلين بالوجوب فمن جهة النص والإجماع والمعقول # أما من جهة النص فمن جهة الكتاب والسنة PageV01P230 # أما من جهة الكتاب فقوله تعالى @QB@ فاتبعوه واتقوا @QE@ 6 الأنعام 155 ) ~~أمر بمتابعته ومتابعته امتثال القول والإتيان بمثل فعله # والأمر ظاهر في الوجوب # وأيضا قوله تعالى @QB@ فليحذر الذين يخالفون عن أمره @QE@ 24 النور 63 ) ~~حذر من مخالفة أمره والتحذير دليل الوجوب # واسم الأمر يطلق على الفعل كما سيأتي تقريره والأصل في الإطلاق الحقيقة # وغايته أن يكون مشتركا بينه وبين القول المخصوص وسيأتي أن الاسم المشترك ~~من قبيل الأسماء العامة # فكان متناولا للفعل # وأيضا قوله تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه @QE@ 56 الحشر 7 ) وفعله ~~من جملة ما يأتي به فكان الأخذ به واجبا # وأيضا قوله تعالى @QB@ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو ~~الله واليوم الآخر @QE@ 33 الأحزاب 21 ) وهذا زجر في طي أمر # وتقديره من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فله فيه إسوة حسنة # ومن لم يتأس به فلا يكون مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر # وهو دليل الوجوب # وأيضا قوله تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني @QE@ 3 آل عمران ~~31 ) ومحبه الله واجبة والآية دلت على أن متابعة النبي عليه السلام لازمة ~~لمحبة الله الواجبة # ويلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم # وهو ممتنع # وأيضا قوله تعالى @QB@ قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول @QE@ 24 النور 54 ) ~~أمر بطاعة PageV01P231 الرسول # والأمر ظاهر في الوجوب # ومن أتى بمثل فعل الغير على قصد إعظامه ms133 فهو مطيع له وأيضا قوله تعالى ~~@QB@ فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في ~~أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا @QE@ 33 الأحزاب 37 ) وذلك يدل على أن ~~فعله تشريع وواجب الاتباع وإلا لما كان تزويجه مزيلا عن المؤمنين الحرج في ~~أزواج أدعيائهم # وأما من جهة السنة فما روي أن الصحابة رضي الله عنهم خلعوا نعالهم في ~~الصلاة لما خلع نعله ففهموا وجوب المتابعة له في فعله # والنبي عليه السلام أقرهم على ذلك ثم بين لهم علة انفراده بذلك # وأيضا ما روي عنه أنه أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة ولم يفسخ # فقالوا له ما لك أمرتنا بفسخ الحج ولم تفسخ ففهموا أن حكمهم كحكمه # والنبي عليه السلام لم ينكر عليهم ولم يقل لي حكمي ولكم حكمكم بل أبدى ~~عذرا يختص به # وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه نهى الصحابة عن الوصال في الصوم وواصل # فقالوا له نهيتنا عن الوصال وواصلت فقال لست كأحدكم إني أظل عند ربي ~~يطعمني ويسقيني فأقرهم على ما فهموه من مشاركتهم له في الحكم واعتذر بعذر ~~يختص به # وأيضا ما روي عنه أنه لما سألته أم سلمة عن قبلة الصائم فقال لها لم لم ~~تقولي لهم إني أقبل وأنا صائم ولو لم يكن متبعا في أفعاله لما كان لذلك ~~معنى # وأيضا ما روي عنه أنه لما سألته أم سلمة عن بل الشعر في الاغتسال ~~PageV01P232 قال أما أنا فيكفيني أن أحثو على رأسي ثلاث حثيات من ماء وكان ~~ذلك جوابا لها # ولولا أنه متبع في فعله لما كان جوابا لها # وأيضا ما روي عنه أنه أمر الصحابة بالتحلل بالحلق والذبح فتوقفوا فشكا ~~ذلك إلى أم سلمة فأشارت إليه بأن يخرج وينحر ويحلق ففعل ذلك فذبحوا وحلقوا # ولولا أن فعله متبع لما كان كذلك # وأما من جهة الإجماع فما روي عن الصحابة أنهم لما اختلفوا في الغسل من ~~غير إنزال أنفذ عمر إلى عائشة رضي الله عنها وسألها عن ذلك فقالت فعلته أنا ms134 ~~ورسول الله واغتسلنا فأخذ عمر والناس بذلك # ولولا أن فعله متبع لما ساغ ذلك # وأيضا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقبل الحجر الأسود ويقول إني ~~أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أنني رأيت رسول الله يقبلك لما قبلتك ~~وكان ذلك شائعا فيما بين الصحابة من غير نكير فكان إجماعا على اتباعه في ~~فعله # وأما من جهة المعقول فمن خمسة أوجه الأول هو أن فعله احتمل أن يكون موجبا ~~للفعل علينا واحتمل أن لا يكون موجبا # والحمل على الإيجاب أولى لما فيه من الأمن والتحرز عن ترك الواجب # ولذلك فإنه لو نسي صلاة من خمس صلوات من يوم فإنه يجب عليه إعادة الكل ~~حذرا من الإخلال بالواجب # وكذلك من طلق واحدة من نسائه ثم نسيها فإنه يحرم عليه جميعهن نظرا إلى ~~الاحتياط # الثاني أن النبوة من الرتب العلية والأوصاف السنية ولا يخفى أن متابعة ~~العظيم في أفعاله من أتم الأمور في تعظيمه وإجلاله وأن عدم متابعته في ~~PageV01P233 أفعاله بأن صلى وهم جلوس أو قام يطوف وهم يتسامرون من أعظم ~~الأمور في إسقاط حرمته والإخلال بعظمته وهو حرام ممتنع # الثالث أن أفعاله عليه السلام قائمة مقام أقواله في بيان المجمل وتخصيص ~~العموم وتقييد المطلق من الكتاب والسنة فكان فعله محمولا على الوجوب كالقول # الرابع أن ما فعله النبي عليه السلام يجب أن يكون حقا وصوابا وترك الحق ~~والصواب يكون خطأ وباطلا وهو ممتنع # الخامس أن فعله احتمل أن يكون واجبا واحتمل أن لا يكون واجبا # واحتمال كونه واجبا أظهر من احتمال كونه ليس بواجب لأن الظاهر من النبي ~~عليه السلام أنه لا يختار لنفسه سوى الأكمل والأفضل والواجب أكمل مما ليس ~~بواجب وإذا كان واجبا فيجب اعتقاد مشاركة الأمة له فيه لما قررتموه في ~~طريقتكم # وأما شبه القائلين بالندب فنقلية وعقلية أيضا # أما النقلية فقوله تعالى @QB@ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة @QE@ ~~33 الأحزاب 21 ) جعل التأسي به حسنة وأدنى درجات الحسنة المندوب فكان ms135 ~~محمولا عليه وما زاد فهو مشكوك فيه # وأما العقلية فهو أن فعله وإن احتمل أن يكون معصية إلا أنه خلاف الظاهر ~~والظاهر من فعله أنه لا يكون إلا حسنة والحسنة لا تخرج عن الواجب والمندوب ~~وحمله على فعل المندوب أولى لوجهين # الأول أن غالب أفعال النبي عليه السلام كانت هي المندوبات # الثاني أن كل واجب مندوب وزيادة وليس كل مندوب واجبا # فكان PageV01P234 فعل المندوب لعمومه أغلب ويلزم من ذلك مشاركة أمته له ~~فيه لما ذكرتموه في طريقتكم # وأما شبه القائلين بالإباحة فهي أن الأصل في الأفعال كلها إنما هو ~~الإباحة ورفع الحرج عن الفعل والترك إلا ما دل الدليل على تغييره # والأصل عدم المغير # وأما شبه القائلين بالوقف فإنهم قالوا فعله عليه السلام متردد بين أن ~~يكون خاصا به وبين أن لا يكون خاصا به # وما ليس خاصا به متردد بين الواجب والمندوب والمباح والفعل لا صيغة له ~~ليدل على البعض دون البعض وليس البعض أولى من البعض فلزم الوقف إلى أن يقوم ~~الدليل على التعيين # والجواب عن شبه القائلين بالوجوب أما عن الآية الأولى فلا نسلم أن قوله ~~فاتبعوه يدل على الوجوب وإن سلمنا ذلك ولكن قوله فاتبعوه صريح في ابتاع شخص ~~النبي عليه السلام وهو غير مراد # فلا بد من إضمار المتابعة في أقواله وأفعاله # والإضمار على خلاف الأصل فتمتنع الزيادة فيه من غير حاجة # وقد أمكن دفع الضرورة بإضمار أحد الأمرين # وليس إضمار المتابعة في الفعل أولى من القول بل إضمار المتابعة في القول ~~أولى لكونه متفقا عليه ومختلفا في الفعل PageV01P235 # كيف وأن المتابعة في الفعل إنما يتحقق وجوبها أن لو علم كون الفعل المتبع ~~واجبا وإلا فبتقدير أن يكون غير واجب فمتابعة ما ليس بواجب لا تكون واجبة ~~ولم يتحقق كون فعله واجبا فلا تكون متابعته واجبة # وعن الآية الثانية أن يقال اسم الأمر وإن أطلق على الفعل والقول المخصوص ~~لكنه يجب اعتقاد كونه حقيقة في أمر مشترك بينهما وهو الشأن والصفة نفيا ~~للتجوز والاشتراك عن ms136 اللفظ لكونهما على خلاف الأصل # وعند ذلك فلفظ الأمر المحذر من مخالفته يكون مطلقا # والمطلق إذا عمل به في صورة فقد خرج عن كونه حجة ضرورة توفية العمل ~~بدلالته # وقد عمل به في القول المخصوص فلا يبقى حجة في الفعل سلمنا أنه غير ~~متواطىء ولكنه مجمع على كونه حقيقة في القول المخصوص ومختلف في الفعل فكان ~~حمله على المتفق عليه دون المختلف فيه # أولا سلمنا أنه حقيقة في الفعل لكنه يكون مشتركا وعند ذلك إن قيل بأن ~~اللفظ المشترك يمتنع حمله على جميع مدلولاته فليس حمله على التحذير من ~~مخالفة الأمر بمعنى الفعل أولى من القول وإن قيل بحمل اللفظ المشترك على ~~جميع محامله فالتحذير عن مخالفة الأمر يتوقف على كون المحذر منه واجبا ~~لاستحالة التحذير من ترك ما ليس واجبا # وعند ذلك فالقول بالتحذير من مخالفة الفعل يستدعي وجوب ذلك الفعل ووجوبه ~~إذا كان لا يعرف إلا من التحذير كان دورا # كيف وإنه قد تقدم في الآية ذكر دعاء الرسول بقوله @QB@ لا تجعلوا دعاء ~~الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا @QE@ 24 النور 63 ) والمراد بالدعاء إنما هو ~~القول # فكان الأمر المذكور بعده عائدا إلى قوله # ثم قد أمكن عود الضمير في أمره إلى الله تعالى إذ هو أقرب مذكور حيث قال ~~بعد ذكر الرسول @QB@ قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا @QE@ 24 النور ~~63 ) فكان عوده إليه أولى # وعن الآية الثالثة بمنع دلالة الأمر على الوجوب وإن سلمنا ذلك # ولكن PageV01P236 إنما يكون أخذ ما أتانا به واجبا إذا كان ما أتى به ~~واجبا # وأما إذا لم يكن واجبا فأخذه لا يكون واجبا فإن القول بوجوب فعل لا يكون ~~واجبا تناقض في اللفظ والمعنى # وعند ذلك فيتوقف دلالة الآية على الوجوب على كون الفعل المأتي به واجبا ~~ووجوبه إذا توقف على دلالة الآية على وجوبه كان دورا # كيف وإن في الآية ما يدل على أن المراد بوجوب أخذه إنما هو الأمر بمعنى ~~القول حيث إنه قابله بالنهي بقوله وما نهاكم عنه ms137 فانتهوا والنهي لا يكون ~~إلا بالقول # وكذلك الأمر المقابل له # وعن الآية الرابعة من وجهين الوجه الأول إنا نقول المراد بالتأسي به في ~~فعله أن نستخير لأنفسنا ما استخاره لنفسه وأن لا نعترض عليه فيما يفعله أو ~~معنى آخر # الأول مسلم ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون ما استخاره لنفسه واجبا حتى يكون ~~ما نستخيره نحن لأنفسنا واجبا # والثاني ممنوع # الوجه الثاني أن المراد بالتأسي به في فعله أن نوقع الفعل على الوجه الذي ~~أوقعه هو عليه السلام حتى أنه لو صلى واجبا وصلينا متنفلين أو بالعكس فإن ~~ذلك لا يكون تأسيا به ولم يثبت كون ما فعله واجبا حتى يكون ما نفعله نحن ~~واجبا # وعلى هذين الجوابين يخرج الجواب عن الآية الخامسة # وعن الآية السادسة أن المراد من الطاعة إنما هو امتثال أمره ومتابعته في ~~فعله على الوجه الذي فعله إن كان واجبا فواجبا وإن كان ندبا فندبا # ونحن نقول به ولم يثبت أن ما فعله واجب حتى تكون متابعتنا له فيه واجبة # وعن الآية السابعة إن غايتها الدلالة على أن حكم أمته مساو لحكمه في ~~الوجوب والندب والإباحة ولا يلزم من ذلك أن يكون كل ما فعله واجبا ليكون ~~فعلنا له واجبا PageV01P237 # وعن الخبر الأول من السنة من وجهين الأول أن ذلك لا يدل على أنهم فعلوا ~~ذلك بجهة الوجوب بل لعلهم رأوا متابعته في خلع النعل مبالغة في موافقته # والذي يدل على أن الخلع بطريق المتابعة له لم يكن واجبا إنكاره عليهم ذلك ~~وقوله لم خلعتم نعالكم ولو كانت متابعته في فعله واجبة على الإطلاق لما ~~أنكر ذلك # الوجه الثاني أنه وإن ظنوا وجوب المتابعة لكن لا من الفعل بل لقيام دليل ~~أوجب عليهم ذلك وبيانه من وجهين الأول أنه عليه السلام كان قد قال لهم صلوا ~~كما رأيتموني أصلي ففهموا أن صلاته بيان لصلاتهم فلما رأوه قد خلع نعله ~~تابعوه فيه لظنهم أن ذلك من هيئات الصلاة # الثاني أنهم كانوا مأمورين بأخد زينتهم عند كل ms138 مسجد بقوله تعالى @QB@ ~~خذوا زينتكم عند كل مسجد @QE@ 7 الأعراف 31 ) فلما رأوه قد خلع نعله ظنوا ~~وجوبه وأنه لا يترك الأمر المسنون المأمور إلا لواجب # ونحن لا ننكر وجوب المتابعة عند قيام الدليل # وعن الخبر الثاني أن فهمهم لوجوب متابعته في أفعال الحج إنما كان مستندا ~~إلى قوله عليه السلام خذوا عني مناسككم لا إلى فعله # وعن الخبر الثالث أن الوصال للنبي عليه السلام لم يكن واجبا عليه بل ~~غايته أنه كان مباحا له # ووجوب المتابعة فيما أصله غير واجب ممتنع كما سبق بل ظنهم إنما كان ~~مشاركته في إباحة الوصال # ونحن نقول به وهذا هو الجواب عن الخبر الرابع # وعن الخبر الخامس أنه لا دلالة له على وجوب بل الشعر في حقه عليه السلام ~~ولا حق غيره # ولعله أراد بذلك الكفاية في الكمال لا في الوجوب PageV01P238 بل وجوب ~~البل إنما هو مستفاد من قوله عليه السلام بلوا الشعر وانقوا البشرة # وعن الخبر السادس من وجهين الأول أن فعله وقع بيانا لقوله عليه السلام ~~خذوا عني مناسككم ولا نزاع في وجوب اتباع فعله إذا ورد بيانا لخطاب سابق بل ~~وهو أبلغ من دلالة القول المجرد عن الفعل لكون الفعل ينبىء عن المقصود ~~عيانا بخلاف القول فإنه لا يدل عليه عيانا # الثاني أن وجوب التحلل وقع مستفادا من أمر النبي عليه السلام لهم بذلك # غير أنهم كانوا يرتقبون إنجاز ما وعدهم الله به من الفتح والظهور على ~~قريش في تلك السنة وأن ينسخ الله عنهم الأمر بالتحلل وأداء ما كانوا فيه من ~~الحج # فلما تحلل عليه السلام آيسوا من ذلك فتحللوا # وعن الاحتجاج بالإجماع الأول لا نسلم أن وجوب الغسل من التقاء الختانين ~~كان مستفادا من فعل رسول الله بل من قوله عليه السلام إذا التقى الختانان ~~وجب الغسل وسؤال عمر لعائشة إنما كان ليعلم أن فعل النبي هل وقع موافقا ~~لأمره أم لا # وعن الثاني أن تقبيل عمر الحجر إنما كان مستفادا من فعل رسول الله المبين ~~لقوله خذوا ms139 عني مناسككم كيف وأن تقبيل الحجر غير واجب على النبي عليه ~~السلام ولا على غيره PageV01P239 بل غايته أن فعل النبي عليه السلام يدل ~~على ترجيح فعله على تركه من غير وجوب # وذلك مما لا ننكره ولا ننكر مشاركة الأمة له في ذلك # وعن الشبهة الأولى من المعقول فقد قيل في دفعها إن الاحتياط إنما يمكن أن ~~يقال به إذا خلا عن احتمال الضرر قطعا وفيما نحن فيه يحتمل أن يكون الفعل ~~حراما على الأمة وهو غير صحيح فإنه لو غم الهلال ليلة الثلاثين من رمضان ~~فإنه يحتمل أن يكون يوم الثلاثين منه يوم العيد واحتمل أن لا يكون يوم ~~اليعد # ومع ذلك يجب صومه احتياطا للواجب وإن احتمل أن يكون حراما لكونه من يوم ~~العيد # والحق في ذلك أن يقال إنما يكون الاحتياط أولى لما ثبت وجوبه كالصلاة ~~الفائتة من صلوات يوم وليلة أو كان الأصل وجوبه كما في صوم يوم الثلاثين من ~~رمضان إذا كانت ليلته مغيمة # وأما ما عساه أن يكون واجبا وغير واجب فلا # وما نحن فيه كذلك حيث لم يتحقق وجوب الفعل ولا الأصل وجوبه # وعن الشبهة الثانية لا نسلم أن الإتيان بمثل ما يفعله العظيم يكون تعظيما ~~له وأن تركه يكون إهانة له وحطا من قدره بل ربما كان تعاطي الأدنى لمساواته ~~الأعلى فعله حطا من منزلته وغضا من منصبه # ولهذا يقبح من العبد الجلوس على سرير سيده في مرتبته والركوب على مركبه ~~ولو فعل ذلك استحق اللوم والتوبيخ # ثم لو كانت متابعة النبي في أفعاله موجبة لتعظيمه وترك المتابعة موجبة ~~لإهانته لوجب متابعته عندما إذا ترك بعض ما تعبدنا به من العبادات ولم يعلم ~~سبب تركه وهو خلاف الإجماع # وعن الشبهة الثالثة إنه لا يلزم من كون الفعل بيانا للقول أن يكون موجبا ~~لما يوجبه القول # فإن الخطاب القولي يستدعي وجوب الجواب ولا كذلك الفعل # وعن الشبهة الرابعة أن فعل النبي عليه السلام وإن كان حقا وصوابا ~~PageV01P240 بالنسبة إليه فلا يلزم أن يكون حقا ms140 وصوابا بالنسبة إلى أمته # إلا أن يكون فعله مما يوجب مشاركتهم له في ذلك الفعل # وهو محل النزاع # وعن الشبهة الخامسة إنه وإن كان فعل الواجب أفضل مما ليس بواجب فلا يلزم ~~أن يكون كل ما يفعله النبي عليه السلام واجبا # ولهذا فإن فعله للمندوبات كان أغلب من فعله للواجبات بل فعله للمباحات ~~كان أغلب من فعله للمندوبات # وعن ذلك فليس حمل فعله على النادر من أفعاله أولى من حمله على الغالب ~~منها وعن شبه القائلين بالندب # أما الآية فجوابها مثل ما سبق في الاحتجاج بها على الوجوب # وأما الشبهة العقلية فلا نسلم أن غالب فعله المندوبات بل المباح # ولا نسلم أن المندوب داخل في الواجب على ما سبق تقريره # وأما شبهة الإباحة فنحن قائلون بها في كل فعل لم يظهر من النبي عليه ~~السلام قصد التقرب به وأما ما ظهر معه قصد التقرب به فيمتنع أن يكون مباحا ~~بمعنى نفي الحرج عن فعله وتركه # فإن مثل ذلك لا يتقرب به # وذلك مما يجب حمله على ترجيح جانب الفعل على الترك على ماقررناه # وأما الواقفية فإن أرادوا بالوقف أنا لا نحكم بإيجاب ولا ندب إلا أن يقوم ~~الدليل على ذلك فهو الحق وهو عين ما قررناه # وإن أرادوا به أن الثابت أحد هذه الأمور لكنا لا نعرفه بعينه فخطأ # فإن ذلك يستدعي دليلا وقد بينا أنه لا دلالة للفعل على شيء سوى ترجيح ~~الفعل على الترك عندما إذا ظهر من النبي عليه السلام قصد التقرب بفعله أو ~~نفي الحرج مطلقا عندما إذا لم يظهر منه قصد القربة # والأصل عدم دليل سوى الفعل # والله أعلم PageV01P241 # # | المسألة الثانية # إذا فعل النبي عليه السلام فعلا ولم يكن بيانا لخطاب سابق ولا قام الدليل ~~على أنه من خواصه وعلمت لنا صفته من الوجوب أو الندب أو الإباحة إما بنصه ~~عليه السلام على ذلك وتعريفه لنا أو بغير ذلك من الأدلة فمعظم الأئمة من ~~الفقهاء والمتكلمين متفقون على أننا متعبدون بالتأسي به في فعله واجبا ms141 كان ~~أو مندوبا أو مباحا # ومنهم من منع من ذلك مطلقا ومنهم من فصل كأبي علي بن خلاد وقال بالتأسي ~~في العبادات دون غيرها # والمختار إنما هو المذهب الجمهوري ودليله النص والإجماع # أما النص فقوله تعالى @QB@ فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون ~~على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا @QE@ 33 الأحزاب 37 ~~) ولولا أنه متأسي به في فعله ومتبعا لما كان للآية معنى # وهذا من أقوى ما يستدل به هاهنا # وأيضا قوله تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني @QE@ 3 آل عمران ~~31 ) ووجه الاستدلال به أنه جعل المتابعة له لازمة من محبة الله الواجبة ~~فلو لم تكن المتابعة له لازمة لزم من عدمها عدم المحبة الواجبة وذلك حرام ~~بالإجماع # وأيضا قوله تعالى @QB@ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو ~~الله واليوم الآخر @QE@ 33 الأحزاب 21 ) ووجه الاحتجاج به أنه جعل التأسي ~~بالنبي عليه السلام من لوازم رجاء الله تعالى واليوم الآخر # ويلزم من عدم التأسي عدم الملزوم وهو الرجاء لله واليوم الآخر # وذلك كفر PageV01P242 # والمتابعة والتأسي في الفعل على ما بيناه في المقدمة هو أن يفعل مثل ما ~~فعل على الوجه الذي فعل من أجل أنه فعل # وأما الإجماع فهو أن الصحابة كانوا مجمعين على الرجوع إلى أفعاله كرجوعهم ~~إلى تزويجه لميمونة وهو حرام وفي تقبيله عليه السلام للحجر الأسود وجواز ~~تقبيله وهو صائم إلى غير ذلك من الوقائع الكثيرة التي لا تحصى # فإن قيل أما الآية الأولى وإن دلت على التأسي به والمتابعة في التزويج من ~~إزواج الأدعياء إذا قضوا منهن وطرا فليس فيها ما يدل على التأسي والمتابعة ~~في كل فعل # وأما الأخيرتان فلا نسلم عموم دلالتها على المتابعة والتأسي في كل شيء إذ ~~لا عموم لهما في ذلك # ولهذا فإنه يحسن أن يقال لك في فلان أسوة في كل شيء ويقال لك في فلان ~~أسوة حسنة في هذا الشيء دون غيره ولو كان لفظ ( الأسوة ) عاما ms142 في كل شيء ~~لكان قوله ( في كل شيء ) تكرارا وقوله ( في هذا الشيء دون غيره ) مناقضة بل ~~غايتها الدلالة على المتابعة والتأسي في بعض الأشياء # ونحن قائلون بذلك في اتباع أقواله والتأسي بما دل الدليل القولي على ~~التأسي به في أفعاله كقوله صلوا كما رأيتوني أصلي و خذوا عني مناسككم ونحوه # وأما ما ذكرتموه من الإجماع فلا نسلم أن المستند فيما كانوا يفعلونه ~~التأسي بالنبي في فعله وإنما كان مستندهم في ذلك غيره أما فيما كان مباحا ~~فالبقاء على الأصل أما فيما كان واجبا أو مندوبا فالأقوال الدالة على ذلك # والجواب عن الاعتراض على الآية الأولى أن الآية ليس فيها دلالة على خصوص ~~متابعة المؤمنين للنبي عليه السلام في ذلك # ولولا أن التأسي PageV01P243 بالنبي عليه السلام في جميع أفعاله لازم لما ~~فهم المؤمنون من إباحة ذلك للنبي عليه السلام إباحة ذلك لهم ولا يمكن أن ~~يقال بأن فهم الإباحة إنما كان مستندا إلى الإباحة الأصلية وإلا لما كان ~~لتعليل تزويج النبي عليه السلام بنفي الحرج عن المؤمنين معنى لكونه مدفوعا ~~بغيره # وعن الاعتراض الثاني على الآيتين الأخريين أن مقصودهما إنما هو بيان كون ~~النبي عليه السلام أسوة لنا ومتبعا إظهارا لشرفه وإبانة لخطره # وذلك إنما يكون في شيء واحد أو في جميع الأشياء # فإن كان في شيء واحد فإما أن يكون معينا أو مبهما القول بالتعيين ممتنع ~~لعدم دلالة اللفظ عليه والقول بالإبهام ممتنع لأنه على خلاف الغالب من خطاب ~~الشرع ولكونه أبعد إظهار شرف النبي عليه السلام # فلم يبق إلا أن يكون في جميع الأشياء # وإذا قال لك أسوة في فلان في جميع الأشياء فهو مفيد للتأكيد ولي تكرارا ~~خليا عن الفائدة وإذا قال لك أسوة في فلان في هذا الشيء دون غيره فلا يكون ~~مناقضة لأن العموم إنما هو مستفاد من التأسي والمتابعة المطلقة وهذا ليس ~~بمطلق بل الكل جملة واحدة مفيدة لشيء معين # وأما ما ذكروه على الإجماع فهو خلاف المشهور المأثور عنهم عند اتفاقهم ~~بعد اختلافهم ms143 في التمسك بأفعال النبي عليه السلام والرجوع إليها وسؤال ~~زوجاته والبحث عن أفعاله في ذلك وسكون أنفسهم إليها والاعتماد عليها ~~واحتجاج بعضهم على بعض بها # ولو كان ثم دليل يدل على المتابعة والتأسي غير النظر إلى أفعاله لبادروا ~~إليه من غير توقف على البحث عن فعله عليه السلام وعلى ما ذكرناه في فعله ~~يكون الحكم في تركه # # | المسألة الثالثة # إذا فعل واحد بين يدى النبي عليه السلام فعلا أو في عصره وهو عالم به ~~قادر على إنكاره فسكت عنه وقرره عليه من غير نكير عليه فلا يخلو ~~PageV01P244 إما أن يكون النبي عليه السلام قد عرف قبح ذلك الفعل وتحريمه ~~من قبل أو لم يكن كذلك # فإن كان الأول فإما أن يكون قد علم إصرار ذلك الفاعل على فعله وعلم من ~~النبي عليه السلام الإصرار على قبح ذلك الفعل وتحريمه كاختلاف أهل الذمة ~~إلى كنائسهم أو لم يكن كذلك # فإن كان الأول فالسكوت عنه لا يدل على جوازه وإباحته إجماعا ولا يوهم ~~كونه منسوخا # وإن كان الثاني فالسكوت عنه وتقريره له من غير إنكار يدل على نسخه عن ذلك ~~الشخص # وإلا لما ساغ السكوت حتى لا يتوهم أنه منسوخ عنه فيقع في المحذور وفيه ~~تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو غير جائز بالإجماع إلا على رأي من يجوز ~~التكليف بما لا يطاق # وأما إن لم يكن النبي عليه السلام قد سبق منه النهي عن ذلك الفعل ولا عرف ~~تحريمه فسكوته عن فاعله وتقريره له عليه ولا سيما إن وجد منه استبشار وثناء ~~على الفاعل فإنه يدل على جوازه ورفع الحرج عنه وذلك لأنه لو لم يكن فعله ~~جائزا لكان تقريره له عليه مع القدرة على إنكاره وكان استبشاره وثناؤه عليه ~~حراما على النبي عليه السلام # وهو وإن كان من الصغائر الجائزة على النبي عليه السلام عند قوم إلا أنه ~~في غاية البعد لا سيما فيما يتعلق ببيان الأحكام الشرعية # وإذا كان كذلك فالإنكار هو الغالب # فحيث لم يوجد ذلك منه دل ms144 على الجواز غالبا # فإن قيل يحتمل أنه لم ينكر عليه إما لعلمه بأنه لم يبلغه التحريم فلم يكن ~~الفعل عليه حراما إذ ذاك أو لأنه علم بلوغ التحريم إليه ولم ينجع فيه وأصر ~~على ما هو عليه أو لأنه منعه مانع من الإنكار # قلنا عدم بلوغ التحريم إليه غير مانع من الإنكار والإعلام بأن ذلك الفعل ~~حرام بل الإعلام بالتحريم واجب حتى لا يعود إليه ثانيا وإلا كان السكوت مما ~~يوهم إما عدم دخوله في عموم التحريم أو النسخ # وأما إذا علم PageV01P245 ذلك الشخص التحريم وأصر على فعله مع كونه مسلما ~~متبعا للنبي عليه السلام فلا بد من تجديد الإنكار حتى لا يتوهم نسخه # ولا يلزم على هذا تجديد الإنكار على اختلاف أهل الذمة إلى كنائسهم إذ هم ~~غير متبعين له ولا يعتقدون تحريم ذلك حتى يقال يتوهم نسخ ذلك بسكوت النبي ~~عليه السلام عن الإنكار عليهم # وما ذكروه من احتمال المانع وإن كان قائما عقلا غير أن الأصل عدمه وهو في ~~غاية البعد ولا سيما بعد ظهور شوكته واستيلائه وقهره لمن سواه # # | المسألة الرابعة # لا يتصور التعارض بين أفعال رسول الله بحيث يكون البعض منها ناسخا للآخر ~~أو مخصصا له وذلك لأنهما إما من قبيل المتماثلين كفعل صلاة الظهر مثلا في ~~وقتين متماثلين أو في وقتين مختلفين وإما من قبيل المختلفين # والفعلان المختلفان إما أن يتصور اجتماعهما كالصوم والصلاة أو لا يتصور ~~اجتماعهما # وما لا يتصور اجتماعهما إما أن لا تتناقض أحكامهما كصلاة الظهر والعصر ~~مثلا أو تتناقض كما لو صام في وقت معين وأكل في مثل ذلك الوقت # فإن كان من القسم الأول أو الثاني أو الثالث فلا خفاء بعدم التعارض ~~بينهما لإمكان الجمع # وإن كان من القسم الرابع فلا تعارض أيضا إذ أمكن أن يكون الفعل في وقت ~~واجبا أو مندوبا أوجائزا وفي وقت آخر بخلافه ولا يكون أحدهما رافعا ولا ~~مبطلا لحكم الآخر إذا لا عموم للفعلين ولا لأحدهما PageV01P246 # نعم إن دل الدليل على أن ما ms145 فعله النبي عليه السلام من الصوم كان يجب ~~تكريره عليه في مثل الوقت أو دل الدليل على لزوم وجوب تأسي أمته به في ذلك ~~الوقت # فإذا ترك ذلك الفعل في مثل ذلك الوقت بالتلبس بضده كالأكل مع الذكر للصوم ~~والقدرة عليه فإن أكله يدل على نسخ حكم ذلك الدليل الدال على تكرار الصوم ~~في حقه لا نسخ حكم ذلك الصوم المتقدم لعدم اقتضائه للتكرار ورفع حكم وجد ~~محال أو أنه رأى بعض الأمة في مثل ذلك الوقت يأكل فأقره عليه ولم ينكر مع ~~الذكر للصوم والقدرة على الإنكار فإن ذلك يدل على نسخ حكم ذلك الدليل ~~المقتضي لتعميم الصوم على الأمة في حق ذلك الشخص أو تخصيصه لا نسخ حكم فعل ~~الرسول ولا تخصيصه # وإن قيل بنسخ فعل الرسول وتخصيصه فلا يكون إلا بمعنى أنه قد زال التعبد ~~بمثله عن الرسول أو الواحد من الأمة وذلك من باب التجوز والتوسع لا أنه ~~حقيقة # # | المسألة الخامسة # إذا تعارض فعل النبي وقوله فإما أن يكون فعله لم يدل الدليل على تكرره في ~~حقه ولا على تأسي الأمة به فيه أو دل # فإن كان الأول فقوله إما أن يكون خاصا به أو بنا أو هو عام له ولنا ~~PageV01P247 # فإن كان خاصا به فإما أن يعلم تقدم أحدهما أو يجهل التاريخ فإن علم تقدم ~~أحدهما وتأخر الآخر فإما أن يكون المتقدم هو الفعل أو القول # فإن كان المتقدم هو الفعل مثل أن يفعل فعلا في وقت ويقول بعده إما على ~~الفور أو التراخي لا يجوز لي مثل هذا الفعل في مثل هذا الوقت فلا تعارض ~~بينهما لأن القول لم يرفع حكم ما تقدم من الفعل في الماضي ولا في المستقبل # لأن الفعل غير مقتض للتكرار على ما وقع به الغرض وقد أمكن الجمع بين حكم ~~القول والفعل وأن كان المتقدم هو القول مثل أن يقول الفعل الفلاني واجب علي ~~في الوقت الفلاني ثم يتلبس بضده في ذلك الوقت # فمن جوز نسخ الحكم قبل االتمكن ms146 من الامتثال قال إن الفعل ناسخ لحكم القول # ومن لم يجوز ذلك منع كون الفعل رافعا لحكم القول وقال لا يتصور وجود مثل ~~ذلك الفعل مع العمد إن لم نجوز على النبي عليه السلام # وإلا فهو معصية # وأما إن كان قوله خاصا بنا فلا تعارض أيضا لعدم اجتماعهما في محل واحد من ~~جهة واحدة PageV01P248 # وأما إن كان قوله عاما لنا وله فإن كان الفعل متقدما فلا معارضة أيضا بين ~~قوله وفعله # أما بالنسبة إليه عليه السلام فلما تقدم فيما إذا كان قوله خاصا به وأما ~~إلينا فلأن فعله غير متعلق بنا على ما وقع به الغرض # وإن كان القول هو المتقدم فالحكم في التعارض بين قوله وفعله بالنسبة إليه ~~كما تقدم أيضا فيما إذا كان قوله خاصا به ولا معارضة بالنسبة إلينا لعدم ~~توارد قوله وفعله علينا على ما وقع به الغرض # هذا كله فيما إذا لم يدل الدليل على تكرر ذلك الفعل في حقه ولا تأسي ~~الأمة به # وأما إن دل الدليل على تكرره في حقه وعلى تأسي الأمة به أو على تكرره في ~~حقه دون تأسي الأمة به أو على تأسي الأمة به دون تكرره في حقه # فالحكم مختلف في هذه الصور # فإن دل الدليل على تكرره في حقه وعلى تأسي الأمة به فلا يخلو قوله إما أن ~~يكون خاصا به أو بنا أو هو عام له ولنا فإن كان قوله خاصا به فإما أن يعلم ~~تقدم الفعل أو القول أو يجهل التاريخ فإن علم تقدم فالقول المتأخر يكون ~~ناسخا لحكم الفعل في حقه في المستقبل دون أمته لعدم تناول القول لهم # وإن كان القول هو المتقدم ففعله يكون ناسخا لحكم القول في حقه أن كان بعد ~~التمكن من الامتثال أو قبله على رأي من يجوزه وموجبا للفعل على أمته # وأما إن جهل التاريخ فلا معارضة بين فعله وقوله بالنسبة إلى الأمة لعدم ~~تناول قوله لهم # وأما بالنسبة إليه فقد اختلف فيه فمنهم من قال بوجوب العمل بالقول ms147 ومنهم ~~من قال بالعكس ومنهم من أوجب المعارضة والوقف إلى حين قيام دليل التاريخ ~~PageV01P249 # والمختار إنما هو العمل بالقول لوجوه أربعة الأول أن القول يدل بنفسه من ~~غير واسطة # والفعل إنما يدل على الجواز بواسطه أن النبي عليه السلام لا يفعل المحرم ~~وذلك مما يتوقف على الدلائل الغامضة البعيدة # الثاني أن القول مما يمكن التعبير به عما ليس بمحسوس كالمعقولات الصرفة ~~وعن المحسوس والفعل لا ينبىء عن غير محسوس فكانت دلالة القول أقوى وأتم # الثالث أن القول قابل للتأكيد بقول آخر ولا كذلك الفعل # القول # فكان القول لذلك أولى # الرابع أن العمل بالقول ههنا مما يفضي إلى نسخ مقتضى الفعل في حق النبي ~~عليه السلام دون الأمة # والعمل بالفعل يفضي إلى إبطال مقتضى القول بالكلية فكان الجمع بينهما ولو ~~من وجه أولى # فإن قيل بل الفعل آكد في الدلالة فإنه يبين به القول والمبين للشيء آكد ~~في الدلالة من ذلك الشيء # وبيانه أن جبريل عليه السلام بين للنبي عيله السلام كيفية الصلاة المأمور ~~بها وبين مواقيتها حيث صلى به في اليومين وقال يا محمد الوقت ما بين هذين ~~والنبي عليه السلام بين الصلاة للأمة بفعله حيث قال صلوا كما رأيتموني أصلي ~~وبين المراد من قوله تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت @QE@ 3 آل عمران ~~97 ) بفعله حيث قال خذوا عني مناسككم وقال للذي سأله عن مواقيت الصلاة صل ~~معنا وبين الشهر بأصابعه حيث قال إنما الشهر هكذا وهكذا وأيضا فإن كل من ~~رام تعليم غيره إذا أراد المبالغة في إيصال معنى ما PageV01P250 يقوله إلى ~~فهمه استعان في ذلك بالإشارة بيده والتخطيط وتشكيل الأشكال ولولا أن الفعل ~~أدل لما كان كذلك # قلنا غاية ما ذكرتموه وجود البيان بالفعل وكما وجد البيان بالفعل فقد وجد ~~بالقول أغلب من البيان بالفعل # فإن أكثر الأحكام مستندها إنما هو الأقوال دون الأفعال وغايته أنهما ~~يتساويان في ذلك ويبقى ما ذكرناه من الترجيحات الأولى بحالها # هذا كله إذا كان قوله خاصا به # وأما إن كان قوله ms148 خاصا بنا دونه فإما أن يعلم تقدم الفعل أو القول أو ~~يجهل التاريخ # فإن علم تقدم الفعل فالقول المتأخر يكون ناسخا للحكم في حقنا دونه وإن ~~كان القول هو المتقدم فالحكم في كون الفعل ناسخا لحكم القول في حقنا دون ~~النبي فكما ذكرناه فيما إذا كان القول خاصا به # وأما إن جهل التاريخ فالخلاف كالخلاف فيما إذا كان القول خاصا به ~~والمختار إنما هو العمل بالقول لما علم # وأما إن كان القول عاما له ولنا فأيهما تأخر كان ناسخا لحكم المتقدم في ~~حقه وحقنا على ما ذكرناه من التفصيل في التعقيب والتراخي # وإن جهل التاريخ فالخلاف كالخلاف # والمختار كالمختار # وهذا كله فيما إذا دل الدليل على تكرر الفعل في حقه وعلى تأسي الأمة به # وأما إن دل الدليل على تكرره في حقه دون تأسي الأمة به فالقول إن كان ~~خاصا بالأمة فلا تعارض لعدم المزاحمة بينهما # وإن كان خاصا بالنبي أو هو عام له وللأمة فالتعارض بين القول PageV01P251 ~~والفعل إنما يتحقق بالنسبة إليه دون أمته لعدم قيام الدليل على تأسي الأمة ~~به في فعله ولا يخفى الحكم سواء تقدم الفعل أو تأخر أو جهل التاريخ # وأما إن دل الدليل على تأسي الأمة به في فعله دون تكرره في حقه # فالقول إن كان خاصا به فإن كان متأخرا عن الفعل فلا معارضة لا في حقه ولا ~~في حق أمته وإن كان متقدما فالفعل المتأخر عنه يكون ناسخا لحكم القول في ~~حقه على ما ذكرناه من التفصيل دون أمته # وإن جهل التاريخ فالخلاف على ما تقدم # وإن كان القول خاصا بأمته فلا معارضة بين القول والفعل بالنسبة إلى النبي ~~عليه السلام لعدم المزاحمة # وأما إن تحققت المعارضة بين القول والفعل بالنسبة إلى الأمة فأيهما كان ~~متأخرا فهو الناسخ وإن جهل التاريخ فالخلاف على ما سبق وكذلك المختار # وإن كان القول عاما له ولأمته فإن تقدم الفعل فالقول المتأخر لا معارضة ~~بينه وبين الفعل في حق النبي عليه السلام # وإنما هو ناسخ لحكم ms149 الفعل في حق الأمة # وإن تقدم القول فالفعل ناسخ لحكم القول في حق النبي والأمة # وإن جهل التاريخ فالخلاف كالخلاف والمختار كالمختار # والله أعلم PageV01P252 # # | الأصل الثالث في الإجماع # ويشتمل على مقدمة ومسائل # أما المقدمة ففي تعريف الإجماع # وهو في اللغة باعتبارين أحدهما العزم على الشيء والتصميم عليه ومنه يقال ~~أجمع فلان على كذا إذا عزم عليه وإليه الإشارة بقوله تعالى @QB@ فأجمعوا ~~أمركم @QE@ 10 يونس 71 ) أي اعزموا وبقوله عليه السلام لا صيام لمن لم يجمع ~~الصيام من الليل أي يعزم # وعلى هذا فيصح إطلاق اسم الإجماع على عزم الواحد # الثاني الاتفاق ومنه يقال أجمع القوم على كذا إذا اتفقوا عليه ~~PageV01P253 # وعلى هذا فاتفاق كل طائفة على أمر من الأمور دينيا كان أو دنيويا يسمى ~~إجماعا حتى اتفاق اليهود والنصارى # وأما في اصطلاح الأصوليين فقد قال النظام هو كل قول قامت حجته حتى قول ~~الواحد # وقصد بذلك الجمع بين إنكاره كون إجماع أهل الحل والعقد حجة وبين موافقته ~~لما اشتهر بين العلماء من تحريم مخالفة الإجماع والنزاع معه في إطلاق اسم ~~الإجماع على ذلك مع كونه مخالفا للوضع اللغوي والعرف الأصولي آيل إلى اللفظ # وقال الغزالي الإجماع عبارة عن اتفاق أمة محمد خاصة على أمر من الأمور ~~الدينية # وهو مدخول من ثلاثة أوجه الأول أن ما ذكره يشعر بعدم انعقاد الإجماع إلى ~~يوم القيامة # فإن أمة محمد جملة من اتبعه إلى يوم القيامة ومن وجد في بعض الأعصار منهم ~~إنما يعم بعض الأمة لا كلها وليس ذلك مذهبا له ولا لمن اعترف بوجود الإجماع # الثاني أنه وإن صدق على الموجودين منهم في بعض الأعصار أنهم أمة محمد غير ~~أنه يلزم مما ذكره أنه لو خلا عصر من الأعصار عن أهل الحل والعقد وكان كل ~~من فيه عاميا واتفقوا على أمر ديني أن يكون إجماعا شرعيا # وليس كذلك # الثالث أنه يلزم من تقييده للإجماع بالاتفاق على أمر من الأمور الدينية ~~أن لا يكون إجماع الأمة على قضية عقلية أو عرفية حجة شرعية ms150 # وليس كذلك لما يأتي بيانه # والحق في ذلك أن يقال الإجماع عبارة عن اتفاق جملة أهل الحل والعقد من ~~أمة محمد في عصر من الأعصار على حكم واقعة من الوقائع # هذا إن قلنا إن العامي لا يعتبر في الإجماع # وإلا فالواجب أن يقال الإجماع عبارة عن اتفاق المكلفين من أمة محمد إلى ~~آخر الحد المذكور PageV01P254 # فقولنا ( اتفاق ) يعم الأقوال والأفعال والسكوت والتقرير # وقولنا ( جملة أهل الحل والعقد ) احتراز عن اتفاق بعضهم وعن اتفاق العامة # وقولنا ( من أمة محمد ) احتراز عن اتفاق أهل الحل والعقد من أرباب ~~الشرائع السالفة # وقولنا في ( عصر من الأعصار ) حتى يندرج فيه إجماع أهل كل عصر # وإلا أوهم ذلك أن الإجماع لا يتم إلا باتفاق أهل الحل والعقد في جميع ~~الأعصار إلى يوم القيامة # وقولنا ( على حكم واقعة ) ليعم الإثبات والنفي والأحكام العقلية والشرعية # وإذا عرف معنى الإجماع فلنرجع إلى المسائل المتعلقة به # # | المسألة الأولى # اختلفوا في تصور اتفاق أهل الحل والعقد على حكم واحد غير معلوم بالضرورة ~~فأثبته الأكثرون ونفاه الأقلون مصيرا منهم إلى أن اتفاقهم على ذلك الحكم ~~إما أن يكون عن دليل قاطع لا يحتمل التأويل أو عن دليل ظني # لا جائز أن يقال بالأول وإلا لكانت العادة محيلة لعدم نقله وتواطي الجمع ~~الكثير على إخفائه فحيث لم ينقل دل على عدمه # كيف وأنه لو نقل لكان كافيا في الدلالة عن إجماعهم ولا جائز أن يقال ~~بالثاني لأنهم مع كثرتهم واختلاف أذهانهم ودواعيهم في الاعتراف بالحق ~~والعناد فالعادة أيضا تحيل اتفاقهم على الحكم الواحد كما أنها تحيل ~~PageV01P255 اتفاقهم على أكل طعام واحد معين في يوم واحد وهو باطل فأنه إن ~~كان إجماعهم عن دليل قاطع فإنما يمتنع عدم نقله أن لو دعت الحاجة إليه ~~وإنما تدعو الحاجة إليه أن لو لم يكن الإجماع على ذلك الحكم كافيا عنه # وهو محل النزاع # وإن كان ذلك عن دليل ظني فلا يمتنع معه اتفاق الجمع الكبير على حكمه ~~بدليل اتفاق أهل الشبه على أحكامها مع الأدلة ms151 القاطعة على مناقضتها كاتفاق ~~اليهود والنصارى على إنكار بعثة محمد صلى الله عليه وسلم واتفاق الفلاسفة ~~على قدم العالم والمجوس على التثنية مع كثرة عددهم كثرة لا تحصى فالاتفاق ~~على الدليل الظنى الخالي عن معارضة القاطع له أولى أن لا يمتنع عادة وخرج ~~عليه امتناع اتفاق الجمع الكثير على أكل طعام معين في وقت واحد في العادة ~~لعدم الصارف إليه كيف وأن جميع ما ذكروه منتقض بما وجد من اتفاق جميع ~~المسلمين فضلا عن اتفاق أهل الحل والعقد مع خروج عددهم عن الحصر على وجوب ~~الصلوات الخمس وصوم رمضان ووجوب الزكاة والحج وغير ذلك من الأحكام التى لم ~~يكن طريق العلم بها الضرورة والوقوع دليل التصور وزيادة # # | المسألة الثانية # المتفقون على تصور انعقاد الإجماع اختلفوا في إمكان معرفته والاطلاع عليه ~~فأثبته الأكثرون أيضا ونفاه الأقلون ومنهم أحمد بن حنبل في أحدى الروايتين ~~عنه # ولهذا نقل عنه أنه قال من ادعى وجود الإجماع فهو كاذب اعتمادا منهم على ~~أن معرفة اتفاقهم على اعتقاد الحكم الواحد متوقف على سماع PageV01P256 ~~الإخبار بذلك من كل واحد من أهل الحل والعقد أو مشاهدة فعل أو ترك منه يدل ~~عليه # وذلك كله يتوقف على معرفة كل واحد منهم وذلك مع كثرتهم وتفرقهم في البلاد ~~النائية والأماكن البعيدة متعذر عادة # وبتقدير المعرفة بكل واحد منهم فمعرفة معتقده إنما تكون بالوصول إليه ~~والاجتماع به وهو أيضا متعذر # وبتقدير الاجتماع به وسماع قوله ورؤية فعله أو تركه قد لا يفيد ذلك ~~اليقين بأنه معتقده لجواز أن يكون إخباره وما يشاهد من فعله أو تركه على ~~خلاف معتقده لغرض من الأغراض # وبتقدير حصول العلم بمعتقده فلعله يرجع عنه قبل الوصول إلى الباقين وحصول ~~العلم بمعتقدهم ومع الاختلاف فلا إجماع # وطريق الرد عليهم أن يقال جميع ما ذكرتموه باطل بالواقع ودليل الوقوع ما ~~علمناه علما لا مراء فيه من أن مذهب جميع الشافعية امتناع قتل المسلم ~~بالذمي وبطلان النكاح بلا ولي وأن مذهب جميع الحنفية نقيض ذلك مع وجود جميع ~~ما ms152 ذكروه من التشكيكات والوقوع في هذه الصور دليل الجواز العادي وزيادة # فإن قيل إنما علمنا أن مذهب أصحاب الشافعي وأبي حنيفة ذلك لأنا علمنا قول ~~الشافعي وقول أبي حنيفة في ذلك وهو قول واحد يمكن الاطلاع عليه # فعلمنا أن مذهب كل من يتبعه وهو مقلد له ذلك ولا كذلك في الإجماع لأنه لم ~~يظهر لنا نص عن الله والرسول يكون مستند إجماعهم # ولو عرف ذلك لكان هو الحجة # قلنا هذا وإن استمر لكم هاهنا فلا يستمر فيما نقله قطعا من اعتقاد ~~النصارى واليهود من إنكار بعثة النبي عليه السلام # فإن ذلك لم يظهر لنا فيه أنه قول موسى ولا عيسى ولا قول واحد معين حتى ~~يكون اعتقادهم ذلك لاتباعهم له # فما هو الجواب هاهنا فهو الجواب في محل النزاع # # | المسألة الثالثة # اتفق أكثر المسلمين على أن الإجماع حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم ~~خلافا للشيعة والخوارج والنظام من المعتزلة PageV01P257 # وقد احتج أهل الحق في ذلك بالكتاب والسنة والمعقول أما الكتاب فخمس آيات ~~الآية الأولى وهي أقواها وبها تمسك الشافعي رضي الله عنه وهي قوله تعالى ~~@QB@ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ~~نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا @QE@ 4 النساء 115 ) ووجه الاحتجاج ~~بالآية أنه تعالى توعد على متابعة غير سبيل المؤمنين ولو لم يكن ذلك محرما ~~لما توعد عليه ولما حسن الجمع بينه وبين المحرم من مشاقة الرسول عليه ~~السلام في التوعد كما لا يحسن التوعد على الجمع بين الكفر واكل الخبز ~~المباح # فإن قيل لا نسلم أن من للعموم على ما سيأتي في مسائل العموم حتى يتناول ~~كل من اتبع غير سبيل المؤمنين # سلمنا أنها للعموم غير أن التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين إنما وقع ~~مشروطا بمشاقة الرسول والمشروط على العدم عند عدم الشرط # سلمنا لحوق الذم باتباع غير سبيل المؤمنين على انفراده لكنه متردد بين أن ~~يراد به عدم متابعة سبيل المؤمنين وتكون ( غير ) بمعنى إلا وبين ms153 أن يراد به ~~متابعة سبيل غير المؤمنين وتكون ( غير ) هنها صفة لسبيل غير المؤمنين # وليس أحد الأمرين أولى من الآخر وبتقدير أن تكون ( غير ) صفة لسبيل غير ~~المؤمنين فسبيل غير المؤمنين هو الكفر # ونحن نسلم أن من شاقق الرسول وكفر فإنه يكون متوعدا بالعقاب وذلك لا يدل ~~على وجوب اتباع سبيل المؤمنين # سلمنا أن سبيل غير المؤمنين ليس هو الكفر ولكن ذلك لا يدل على التوعد على ~~عدم اتباع سبيل المؤمنين بل غاية ما يلزم من تخصيص اتباع سبيل غير المؤمنين ~~بالتوعد عدم التوعد على اتباع سبيل المؤمنين بمفهومه # ولا PageV01P258 نسلم أن المفهوم حجة # وإن سلمنا أنه حجة لكن في عدم التوعد على متابعة سبيل المؤمنين # ونحن نقول به # ولا يلزم من ذلك وجوب اتباعهم # سلمنا أن المراد به عدم اتباع سبيل المؤمنين لكنه يتناول سبيل جميع ~~المؤمنين وجميع المؤمنين كل من آمن بالله ورسوله إلى يوم القيامة # وذلك لا يدل على أن ما وجد من الإجماع في بعض الأعصار حجة # سلمنا أن المراد منه سبيل المؤمنين في كل عصر لكنه عام في كل مؤمن عالم ~~وجاهل # والجهال غير داخلين في الإجماع المتبع # وما دون ذلك فالآية غير دالة عليه # سلمنا أن المراد بالمؤمنين أهل الحل والعقد في أي عصر اتفق لكن لفظ ( ~~السبيل ) مفرد لا عموم فيه فلا يقتضي اتباع كل سبيل سلمنا عمومه لكنه مما ~~يمتنع حمله على متابعة كل سبيل وإلا لوجب متابعة أهل الإجماع فيما فعلوه من ~~المباحات لأنهم فعلوه ولا يجب لحكمهم عليه بالإباحة # ولوجب اتباعهم في إجماعهم قبل الاتفاق على حكم من الأحكام على جواز ~~الاجتهاد فيه لكل أحد واتباعهم في امتناع الاجتهاد فيه بعد اتفاقهم عليه # وذلك تناقض محض # وعند ذلك فيحتمل أنه أراد به متابعة سبيلهم في متابعتهم للنبي عليه ~~السلام وترك مشاقته # ويحتمل أنه أراد به اتباع سبيلهم في الإيمان واعتقاد دين الإسلام ويحتمل ~~أنه أراد اتباع سبيلهم في الاجتهاد دون التقليد # ونحن نقول بذلك كله # كيف ويجب الحمل على ذلك ms154 لما فيه من العمل باللفظ في زمن PageV01P259 ~~النبي وفيما بعده # ولو كان محمولا على متابعتهم فيما اتفقوا عليه من الأحكام الشرعية لكان ~~ذلك خاصا بما بعد وفاة النبي عليه السلام لاستحالة الاحتجاج بالإجماع في ~~زمانه سلمنا أن المراد به متابعتهم فيما أجمعوا عليه من الأحكام الشرعية ~~لكنه مشروط بسابقة تبين الهدى بدليل قوله تعالى @QB@ من بعد ما تبين له ~~الهدى @QE@ والهدى مذكور بالألف واللام المستغرقة فيدخل فيه كل هدى حتى ~~إجماعهم على الحكم الشرعي وإنما يتبين الهدى بدليله وإذا كان الإجماع من ~~جملة الهدى فلا بد من تقدم بيانه بدليله # ودليل كون الإجماع هدى لا يكون هو نفس الإجماع بل هو غيره # وعند ذلك فظهور ذلك الدليل كاف في اتباعه عن اتباع الإجماع # سلمنا وجوب اتباع سبيل المؤمنين مطلقا لكن المراد بالمؤمنين الأئمة ~~المعصومون لأن سبيلهم لا يكون إلا حقا أو المؤمنين إذا كان فيهم الإمام ~~المعصوم لأن سبيلهم سبيله وسبيل المعصوم لا يكون إلا حقا # فكان واجب الاتباع # والثاني ممنوع # سلمنا وجوب إتباع سبيل المؤمنين وإن لم يكن فيهم الإمام المعصوم ولكن إذا ~~علم كونهم مؤمنين والإيمان هو التصديق وهو باطن لا سبيل إلى معرفته # وإذا لم يعلم كونهم مؤمنين فالاتباع لا يكون واجبا لفوات شرطه # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على كون الإجماع حجة ولكنه معارض بالكتاب والسنة ~~والمعقول # أما الكتاب فقوله تعالى @QB@ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء @QE@ 16 ~~النحل 89 ) وذلك يدل على عدم الحاجة إلى الإجماع # وقوله تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ 4 ~~النساء 59 ) اقتصر على الكتاب والسنة # وذلك يدل على عدم الحاجة إلى الإجماع PageV01P260 # وقوله تعالى @QB@ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل @QE@ 2 البقرة 188 ) ~~وقوله @QB@ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ 2 البقرة 169 ) نهى كل ~~الأمة عن هاتين المعصيتين وذلك يدل على تصورهما منهم ومن تتصور منه المعصية ~~لا يكون قوله ولا فعله موجبا للقطع # وأما السنة فهو أن النبي عليه السلام أقر معاذا لما سأله عن الأدلة ms155 ~~المعمول بها على إهماله لذكر الإجماع ولو كان الإجماع دليلا لما ساغ ذلك مع ~~الحاجة إليه # وأيضا فإنه قد ورد عن النبي عليه السلام ما يدل على جواز خلو العصر عمن ~~تقوم الحجة بقوله # فمن ذلك قوله عليه السلام بدىء الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ وأيضا قوله ~~لا ترجعوا بعدي كفارا نهى الكل عن الكفر وهو دليل جواز وقوعه منهم # وقوله إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ولكن بقبض العلماء حتى إذا يبق عالم ~~اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا وقوله تعلموا ~~الفرائض وعلموها الناس فإنها أول ما ينسى وقوله عليه السلام لتركبن سنن من ~~كان قبلكم حذو القذة بالقذة وقوله خير القرون القرن الذي أنا فيه ثم الذي ~~يليه ثم الذي يليه ثم تبقى حثالة كحثالة التمر لا يعبأ الله بهم ~~PageV01P261 # وأما المعقول فما ذكرناه في المسألتين الأوليين # وأيضا فإن أمة محمد أمة من الأمم فلا يكون إجماعهم حجة كغيرهم من الأمم # وأيضا فإن الأحكام الشرعية لا يصح إثباتها إلا بدليل فلا يكون إجماع ~~الأمة دليلا عليها كالتوحيد وسائر المسائل العقلية # والجواب قولهم لا نسلم أن ( من ) للعموم سيأتي بيان ذلك في مسائل العموم # قولهم إن التوعد إنما وقع على الجمع بين المشاقة واتباع غير سبيل ~~المؤمنين فقد أجاب عنه بعض أصحابنا بأن التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين ~~إن لم يكن مشروطا بمشاقة الرسول فهو المطلوب وإن كان مشروطا به فيكون اتباع ~~غير سبيل المؤمنين غير متوعد عليه عند عدم المشاقة مطلقا وذلك باطل لأن ~~مخالفة الإجماع وإن لم تكن خطأ لكن لا يلزم أن تكون صوابا مطلقا وما لا ~~يكون صوابا مطلقا لا يكون جائزا مطلقا وليس بحق لأنه إذا سلم أن مخالفة ~~الإجماع عند عدم المشاقة ليست خطأ فقوله لا يلزم أن تكون صوابا مطلقا # قلنا إن لم تكن صوابا فإما أن يكون عدم الصواب خطأ أو لا يكون خطأ فإن ~~كان الأول فقد ناقض وإن كان الثاني # فما لا يكون خطأ ms156 لا يلزم التوعد عليه وقال أبو الحسين البصري هذا يقتضي ~~أن من شاق الرسول يجب عليه اتباع سبيل المؤمنين مع مشاقته للرسول ومشاقة ~~الرسول ليست معصية فقط وإنما هي معصية على سبيل الرد عليه لأن من صدق النبي ~~عليه السلام وفعل بعض المعاصي لا يقال إنه مشاق للرسول # ومن كذب النبي عليه السلام لا يصح أن يعلم صحة الإجماع بالسمع ومن لا يصح ~~عليه ذلك لا يصح أن يكون مأمورا باتباعه في تلك الحال وهو غير سديد # فإن لقائل أن يقول وإن سلمنا أن المفهوم من المشاقة للنبي تكذيبه ~~PageV01P262 وأن من كذب النبي لا يعلم بالسمع صحة الإجماع ولكن القول بأنه ~~لا يكون مأمورا باتباع الإجماع مبني على أن الكفار غير مخاطبين بفروع ~~الإسلام وهو باطل بما سبق تقريره # وقيل في جوابه أيضا إن الوعيد إذا علق على أمرين اقتضى ذلك التوعد بكل ~~واحد من الأمرين جملة وإفرادا # ويدل عليه قوله تعالى @QB@ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما @QE@ 25 ~~الفرقان 68 ) فإنه يقتضي لحوق المأثم بكل واحد من هذه الأمور جملة وبكل ~~واحد على انفراده # ولقائل أن يقول لا نسلم ثبوت الإثم في كل واحد من هذه الأمور على انفراده ~~بهذه الآية وإنما كان ذلك مستفادا من الأدلة الخاصة الدالة على لزوم المأثم ~~بكل واحد من هذه الأمور بخصوصه # ولهذا فإنه لما لم يدل الدليل الخاص على مضاعفة العذاب بكل واحد من هذ ~~الأمور لم تكن الآية مقتضية لتضاعف العذاب على كل واحد بتقدير الانفراد ~~إجماعا ولو كانت مقتضية لذلك لكان نفي المتضاعف بقوله @QB@ يضاعف له العذاب ~~يوم القيامة ويخلد فيه مهانا @QE@ 25 الفرقان 69 ) على خلاف الدليل # ولهذا فإنه لو قال لزوجته إن كلمت زيدا وعمرا أو إن كلمت زيدا ودخلت ~~الدار فأنت طالق فإنه لا يقع الطلاق بوجود أحد الأمرين ولولا أن الحكم ~~المعلق على أمرين على العدم عند عدم أحدهما لكان ms157 انتفاء الحكم في هذه ~~الصورة على خلاف الدليل وهو ممتنع والأقرب في ذلك أن يقال لا خلاف في ~~التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين عند المشاقة # وعند ذلك إما أن يكون لمفسدة متعلقة أو لا لمفسدة # لا جائز أن يقال بالثاني فإن ما لا مفسدة فيه لا توعد عليه من غير ~~PageV01P263 خلاف وإن كان الأول فالمفسدة في اتباع غير سبيل المؤمنين إما ~~أن تكون من جهة مشاقة الرسول أو لا من جهة مشاقته # فإن كان الأول فذكر المشاقة كاف في التوعد كما قيل ولا حاجة إلى قوله ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين وإن كان الثاني لزم التوعد لتحقق المفسدة سواء ~~وجدت المشاقة أو لم توجد # قولهم إن ( غير ) مترددة بين أن تكون بمعنى إلا أو بمعنى الصفة قلنا لا ~~يمكن أن تكون ( غير ) هاهنا صفة لأنه يلزم من ذلك تحريم متابعة سبيل غير ~~المؤمنين # ويلزم من ذلك أن الأمة إذا أجمعت على إباحة فعل من الأفعال أن يحرم على ~~المكلف أن يقول بحظره أو وجوبه والمخالف لا يقول بذلك # وبتقدير أن يكون المراد منه تحريم اتباع سبيل غير المؤمنين فذلك يعم ~~تحريم كل سبيل هو غير سبيل المؤمنين لأنه سبيل غير المؤمنين # ولهذا فإن من اختار لنفسه حالة وتمسك بها وكان معروفا بها يقال إنها ~~سبيلة سواء تعددت الأحوال أو اتحدت # وإذا قيل فلان سلك سبيل التجار فهم منه أنه يفعل أفعالهم ويتزي بزيهم ~~ويتخلق بأخلاقهم ويجر على عاداتهم # وعلى هذا فيمتنع تخصيص السبيل المتوعد على اتباعه إذا كان غير سبيل ~~المؤمنين بشيء معين من كفر أو غيره بل يعم ذلك ما كان مخالفا لطريق الأمة ~~وسبيلهم # كيف وإنا لو لم نعتقد ذلك لزم منه أن يكون لفظ ( السبيل ) مبهما وهو خلاف ~~الأصل على ما سبق PageV01P264 # قولهم إنه إنما يدل على عدم التوعد على متابعة سبيل المؤمنين بمفهومه ~~قلنا إذا سلم أنه يحرم اتباع كل سبيل سوى سبيل المؤمنين فلا نريد بكون ~~الإجماع حجة سوى هذا # قولهم المراد من ( سبيل المؤمنين ms158 ) كل من آمن به إلى يوم القيامة لا يصح ~~لوجهين الأول أن الأصل تنزيل اللفظ على حقيقته # ولفظ ( المؤمنين ) حقيقة يكون لمن هو متصف بالإيمان والاتصاف بالإيمان ~~مشروط بالوجود والحياة ومن لا حياة له ممن مات أو لم يوجد بعد لا يكون ~~مؤمنا حقيقة # فلفظ ( المؤمنين ) حقيقة إنما يصدق على أهل كل عصر دون من تقدم أو تأخر # وهذا وإن منع من الاحتجاج بإجماع أهل العصر على من بعدهم فلا يمنع من ~~الاحتجاج به على من في عصرهم وهو خلاف مذهب الخصوم # الثاني أن المقصود من الآية إنما هو الزجر عن مخالفة المؤمنين والحث على ~~متابعتهم وذلك غير متصور عند حمل المؤمنين على كل من آمن إلى يوم القيامة ~~إذ لا زجر ولا حث في يوم القيامة # قولهم الآية وإن دلت على وجوب اتباع سبيل المؤمنين في أي عصر كان غير ~~أنها عامة في العالم والجاهل والجاهل غير مراد بالاتفاق # ولا نسلم ذلك على ما يأتي وإن سلمنا ذلك غير أن الآية حجة في اتباع جملة ~~المؤمنين إلا ما خصه الدليل فتبقى الآية حجة في الباقي # قولهم لفظ ( السبيل ) مفرد لا عموم فيه عنه جوابان الأول أنه يجب اعتقاد ~~عمومه لما سبق تقريره # الثاني أنه إما أن يكون عاما بلفظه أو لا يكون عاما بلفظه # فإن كان الأول فهو المطلوب وإن كان الثاني فهو إن لم يكن عاما بلفظه فهو ~~عام بمعناه وإيمائه ذلك لأن اتباع سبيل المؤمنين أي سبيل كان PageV01P265 ~~مناسب لكونه مصلحيا # وقد رتب الحكم على وفقه في كلام الشارع فكان علة لوجوب الاتباع مهما تحقق # قولهم يلزم من ذلك وجوب متابعة أهل الإجماع فيما فعلوه وحكموا بكونه ~~مباحا وهو تناقض # قلنا الآية وإن دلت على وجوب اتباع المؤمنين في كل سبيل لهم ففعلهم ~~للمباح سبيل وحكمهم بجواز الترك سبيل # ولا يلزم من مخالفة الآية في إيجاب الفعل اتباعا لفعلهم له مخالفتها في ~~اتباعهم في اعتقاد جواز تركه # قولهم يلزم من ذلك وجوب متابعة أهل الإجماع في جواز ms159 الاجتهاد وتحريمه ~~قلنا سنبين أنه مهما انعقد إجماع الأمة على حكم أنه يستحيل انعقاد إجماعهم ~~على مخالفته # قولهم يحتمل أنه أراد متابعتهم في متابعتهم للنبي عليه السلام وترك ~~مشاقته أو اتباعهم في الإيمان أو في الاجتهاد قلنا اللفظ يعم كل سبيل على ~~ما قررناه # وما ذكروه تخصيص لعموم الاتباع من غير دليل فلا يقبل قولهم إنه مشروط ~~بسابقة تبين الهدى إلى آخره فجوابه من ثلاثة أوجه # الأول أن تبين الهدى إنما هو مشروط في الوعيد على المشاقة لا في الوعيد ~~على اتباع غير سبيل المؤمنين وذلك لأن المشاقة لا تكون إلا بعد تبين الهدى ~~ومعرفته بدليله ومن لم يعرف ذلك لا يوصف بالمشاقة # الثاني أن تبين الأحكام الفروعية ليس شرطا في مشاقة الرسول بدليل أن من ~~تبين صدق النبي وحاد عنه ورد عليه فإنه يوصف بالمشاقة وإن كان جاهلا ~~بالفروع غير متبين لها # وإذا لم تكن معرفة أحكام الفروع شرطا في المشاقة فلا تكون مشترطة في لحوق ~~الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين فيها PageV01P266 # الثالث هو أن الآية إنما خرجت مخرج التعظيم والتبجيل للمؤمنين بإلحاق ~~الذم باتباع غير سبيلهم # فلو كان ذلك مشروطا بتبين كونه هدى ولم يكن اتباعهم في سبيلهم لأجل أنه ~~سبيل لهم بل لمشاركتهم فيما ذهبوا إليه لتبين كونه هدى لبطلت فائدة تعظيم ~~الأمة الإسلامية وتميزهم بذلك # فإن كل من ظهر الهدى في قوله واعتقاده فالوعيد حاصل بمخالفته وإن لم يكن ~~من المسلمين # وذلك كالوعيد على عدم مشاركة اليهود فيما ظهر كون معتقدهم فيه هدى كإثبات ~~الصانع واعتقاد كون موسى رسولا كريما # قولهم المراد من ( المؤمنين ) الأئمة المعصومون أو من كان فيهم الإمام ~~المعصوم عنه جوابان الأول أنه مبني على وجود الإمام المعصوم وهو باطل بما ~~حققناه في علم الكلام # الثاني أن الآية عامة فتخصيصها بالأئمة وبالمؤمنين الذين فيهم الإمام ~~المعصوم من غير دليل غير مقبول # كيف وأن الآية دالة على الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين وعندهم التوعد ~~إنما هو بسبب اتباع غير سبيل الإمام وحده دون غيره ms160 وهو خلاف الظاهر # قولهم سلمنا وجوب اتباع سبيل المؤمنين لكن إذا علم أنهم مؤمنون قلنا ~~المقصود من الآية إنما هو الحث على متابعة سبيل المؤمنين والزجر عن مخالفته ~~فإن كان سبيلهم معلوما فلا إشكال وإن لم يكن معلوما فالتكليف باتباع ما لا ~~يكون معلوما إما أن لا يكتفى فيه بالظن أو يكتفى فيه بالظن # فإن كان الأول فهو تكليف بما لا يطاق وهو خلاف الأصل وإن كان الثاني فهو ~~المطلوب # وأما ما ذكروه من المعارضة بالآية الأولى فليس في بيان كون الإجماع ~~PageV01P267 حجة متبعة بالآية التي ذكرها ما ينافي كون الكتاب تبيانا لكل ~~شيء وأصلا له وأما الآية الثانية فهي دليل عليهم لأنها دليل على وجوب الرد ~~إلى الله والرسول في كل متنازع فيه وكون الإجماع حجة متبعة مما وقع النزاع ~~فيه # وقد رددناه إلى الله تعالى حيث أثبتناه بالقرآن # وهم مخالفون في ذلك # وأما الآية الثالثة والرابعة فلا نسلم أن النهي فيهما راجع إلى اجتماع ~~الأمة على ما نهوا عنه بل هو راجع إلى كل واحد على انفراده ولا يلزم من ~~جواز المعصية على كل واحد جوازها على الجملة # سلمنا أن النهي لجملة الأمة عن الإجتماع على المعصية ولكن غاية ذلك جواز ~~وقوعها منهم عقلا # ولا يلزم من الجواز الوقوع # ولهذا فإن النبي عليه السلام قد نهي عن أن يكون من الجاهلين بقوله تعالى ~~@QB@ فلا تكونن من الجاهلين @QE@ 6 الأنعام 35 ) وقال تعالى لنبيه @QB@ لئن ~~أشركت ليحبطن عملك @QE@ 39 الزمر 65 ) إذ ورد ذلك في معرض النهي مع العلم ~~بكونه معصوما من ذلك # وأيضا فإنا نعلم أن كل أحد منهي عن الزنى وشرب الخمر وقتل النفس بغير حق ~~إلى غير ذلك من المعاصي # ومع ذكل فإن من مات ولم يصدر عنه بعض المعاصي نعلم أن الله قد علم منه ~~أنه لا يأتي بتلك المعصية فكان معصوما عنها ضرورة تعلق علم الله بأنه لا ~~يأتي بها ومع ذلك فهو منهي عنها # وأما خبر معاذ فإنما لم يذكر فيه الإجماع لأنه ms161 ليس بحجة في زمن النبي ~~عليه السلام فلم يكن مؤخرا لبيانه مع الحاجة إليه # وقوله عليه السلام بدىء الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ لا يدل على أنه لا ~~يبقى من تقوم الحجة بقوله بل غايته أن أهل الإسلام هم الأقلون PageV01P268 # وقوله لا ترجعوا بعدي كفارا فيحتمل أنه خطاب مع جماعة معينين وإن كان ~~خطابا مع الكل فجوابه ما سبق في آيات المناهي للأمة # وقوله حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا الحديث إلى آخره غايته ~~الدلالة على جواز انقراض العلماء ونحن لا ننكر امتناع وجود الإجماع مع ~~انقراض العلماء وإنما الكلام في اجتماع من كان من العلماء # وعلى هذا يكون الجواب عن باقي الأحاديث الدالة على خلو الزمان من العلماء # كيف وأن ما ذكروه معارض بما يدل على امتناع خلو عصر من الأعصار عمن تقوم ~~الحجة بقوله # وهو قوله عليه السلام لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله ~~وحتى يظهر الدجال وأيضا ما روي أنه قال واشوقاه إلى إخواني قالوا يا رسول ~~الله ألسنا إخوانك فقال أنتم أصحابي إخواني قوم يأتون من بعدي يهربون ~~بدينهم من شاهق إلى شاهق ويصلحون إذا فسد الناس # وما ذكروه من المعقول في المسألتين السابقتين فقد سبق جوابه # قولهم إنها أمة من الأمم فلا يكون إجماعهم حجة كغيرهم من الأمم فقد ذهب ~~أبو إسحاق الأسفرايني وغيره من أصحابنا وجماعة من العلماء إلى أن إجماع ~~علماء من تقدم من الملل أيضا حجة قبل النسخ # وإن سلمنا أنه ليس بحجة فلأنه لم يرد في حقهم من الدلالة الدالة على ~~الاحتجاج بإجماعهم ما ورد في علماء هذه الأمة فافترقا وأما الحجة الأخيرة ~~فلا نسلم أنه إذا كان الحكم ثبت بالدليل لا يجوز إثباته بالإجماع ~~PageV01P269 وأما التوحيد فلا نسلم أن الإجماع فيه ليس بحجة وإن سلمنا أنه ~~لا يكون حجة فيه بل في الأحكام الشرعية لاغير غير أن الفرق بينهما أن ~~التوحيد لا يجوز فيه تقليد العامي للعالم وإنما يرجع إلى أدلة يشترك ms162 فيها ~~الكل وهي أدلة العقل بخلاف الأحكام الشرعية فإنه يجب على العامي الأخذ بقول ~~العالم فيها # وإذا جاز أو وجب الأخذ بقول الواحد كان الأخذ بقول الجماعة أولى # الآية الثانية قوله تعالى @QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على ~~الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا @QE@ 2 البقرة 143 ) وصف الأمة بكونهم وسطا ~~والوسط هو العدل # ويدل عليه النص واللغة # أما النص فقوله تعالى @QB@ قال أوسطهم ألم أقل لكم @QE@ 68 القلم 28 ) ~~أعدلهم وقال عليه السلام خير الأمور أوساطها # وأما اللغة فقول الشاعر هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي ~~بمعظم أي عدول # ووجه الاحتجاج بالآية أنه عدلهم وجعلهم حجة على الناس في قبول أقوالهم ~~كما جعل الرسول حجة علينا في قبول قوله علينا # ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى كون أقوالهم حجة على غيرهم # فإن قيل # إنما وصفهم بالعدالة ليكونوا شهداء في الآخرة على الناس بتبليغ الأنبياء ~~إليهم الرسالة وذلك يقتضي عدالتهم وقبول شهادتهم في يوم القيامة حالة ما ~~يشهدون دون حالة التحمل في الدنيا # سلمنا أنه وصفهم بذلك في الدنيا # ولكن ليس في قوله @QB@ لتكونوا شهداء على الناس @QE@ PageV01P270 2 ~~البقرة 143 ) لفظ عموم يدل على قبول شهادتهم في كل شيء بل هو مطلق في ~~المشهود به وهو غير معين فكانت الآية مجملة ولا حجة في المجمل سلمنا أنها ~~ليست مجملة # ولكنا قد عملنا بها في قبول شهادتهم على من بعدهم بإيجاب النبي عليه ~~السلام العبادات عليهم وتكليفهم بما كلفهم به فلا يبقى حجة في غيره لتوفية ~~العمل بدلالة الآية # سلمنا قبول شهادتهم في كل شيء غير أن الآية تدل على عدالة كل واحد من ~~الأمة وقبول شهادته وهو مخصص بالإجماع بالفساق والنساء والصبيان والمجانين # والعام بعد التخصيص # لا يبقى حجة على ماسيأتي # لكن ليس في ذلك ما يدل سلمنا أنها تبقى حجة بعد التخصيص على عدالتهم ~~وعصمتهم عن الخطإ باطنا بل ظاهرا فإن ذلك كان في قبول الشهادة # سلمنا أن ذلك يدل على عصمتهم عن الخطإ مطلقا لكن ms163 فيما يشهدون به لا فيما ~~يحكمون به من الأحكام الشرعية بطريق الاجتهاد # فإن ذلك ليس من باب الشهادة في شيء وهو محل النزاع # سلمنا قبول قولهم مطلقا غير أن الخطاب إما أن يكون مع جميع أمة محمد إلى ~~يوم القيامة وإما مع الموجودين في وقت الخطاب # فإن كان الأول فلا حجة في إجماع كل عصر إذ ليسوا كل الأمة # وإن كان الثاني فلا يكون إجماع من بعدهم حجة # وإجماع الموجودين في زمن الوحي ليس بحجة في زمن الوحي بالإجماع وإنما ~~يكون حجة بعد النبي عليه السلام # وذلك يتوقف على بقاء كل من كان من المخاطبين بذلك في زمن النبي بعد النبي ~~وأن يعرف مقاله كل واحد فيما ذهب إليه وهو متعذر جدا # والجواب عن السؤال الأول أن وصف أمة محمد بالعدالة إنما كان في ~~PageV01P271 معرض الامتنان والإنعام عليهم وتعظيم شأنهم # وذلك إما أن يكون في الدنيا أو في الأخرى أو فيهما لاجائز أن يكون في ~~الأخرى لا غير لوجهين الأول أن جميع الامم عدول يوم القيامة بل معصومون عن ~~الخطإ لاستحالة ذلك منهم وفيه إبطال فائدة التخصيص # الثاني أنه لو كان كذلك لقال سنجعلكم عدولا لا أن يقول جعلناكم # وإن كان القسم الثاني والثالث فهو المطلوب # وعن الثاني من وجهين الأول أنه يجب اعتقاد العموم في قبول الشهادة نفيا ~~للإجمال عن الكلام # الثاني إن الاحتجاج ليس في قوله @QB@ لتكونوا شهداء على الناس @QE@ 2 ~~البقرة 143 ) بل في وصفهم بالعدالة ومهما كانوا عدولا وجب قبول قولهم في كل ~~شيء وبه يخرج الجواب عن السؤال الثالث # وأما الرابع فجوابه أن الآية تدل على وصف جملة الأمة بالعدالة ومقتضى ذلك ~~عدالتهم فيما يقولونه جملة وآحادا غير أنا خالفناه في بعض الآحاد فتبقى ~~الآية حجة في عدالتهم فيما يقولونه جملة وهو المطلوب # قولهم العام بعد التخصيص لا يبقى حجة سنبطله فيما يأتي # وأما السؤال الخامس فجوابه أن الله تعالى أخبر عنهم بكونهم عدولا والأصل ~~أن يكون كذلك حقيقة في نفس الأمر لكونه عالما بالخفيات ms164 فإن الحكيم إذا علم ~~من حال شخص أنه غير عدل في نفس الأمر لا يخبر عنه بأنه عدل # وجواب السادس أنه إذا ثبت وصفهم بالعدالة في نفس الأمر فيما يخبرون به ~~مما يرونه من الأحكام الشرعية يجب صدقهم فيه وإلا لما كانوا عدولا في نفس ~~الأمر وإذا كانوا صادقين فيه فهو صواب لكونه حسنا فهو حسن عند PageV01P272 ~~الله لقوله عليه السلام ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن عند الله وإذا كان ~~صوابا كان خلافة خطأ وهو المطلوب # وجواب السابع أنه لا سبيل إلى حمل لفظ الأمة على كل من آمن بالرسول إلى ~~يوم القيامة لما سبق في الآية الأولى ولا على من كان موجودا في زمن النبي ~~عليه السلام لا غير لأن أقوالهم غير محتج بها في زمنه ولا وجود لهم بعد ~~وفاته فإن كثيرا منهم مات بعد الخطاب بهذه الآية قبل وفاة النبي عليه ~~السلام فلا يبقى لقوله تعالى @QB@ لتكونوا شهداء على الناس @QE@ 2 البقرة ~~143 ) فائدة فيجب حمله على أهل كل عصر عصر تحقيقا لفائدة كونهم شهداء # الآية الثالثة قوله تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر @QE@ 3 آل عمران 110 ) والألف واللام إذا دخلت على اسم ~~الجنس عمت على ما سيأتي ومقتضى صدق الخبر بذلك أمرهم بكل معروف ونهيهم عن ~~كل منكر فإذا أمروا بشيء إما أن يكون معروفا أو منكرا لا جائز أن يكون ~~منكرا وإلا لكانوا ناهين عنه ضرورة العمل بالعموم الذي ذكرناه لا أمرين به ~~وإن كان معروفا فخلافه يكون منكرا وهو المطلوب وإذا نهوا عن شيء فإما أن ~~يكون منكرا أو معروفا لا جائز أن يكون معروفا وإلا لكانوا أمرين به ضرورة ~~ما ذكرناه من العموم لا ناهين عنه # وإن كان منكرا فخلافه يكون معروفا وهو المطلوب # فإن قيل لا نسلم أن الألف واللام الداخلة على اسم الجنس للاستغراق على ما ~~سيأتي وعلى هذا فلا تكون الآية عامة في الأمر بكل معروف ولا النهي عن كل ~~منكر سلمنا أنها ms165 للعموم لكن قوله ( كنتم ) يدل على كونهم متصفين بهذه الصفة ~~في الماضي ولا يلزم من ذلك اتصافهم بذلك في الحال بل ربما دل PageV01P273 ~~على عدم اتصافهم بذلك في الحال نظرا إلى قاعدة المفهوم # وعلى هذا فما وجد من أمرهم ونهيهم لا نعلم أنه كان قبل نزول الآية فيكون ~~حجة أو بعدها فلا يكون حجة # سلمنا اتصافهم بذلك في الماضي والحال ولكن ليس فيه ما يدل على استدامتهم ~~لذلك في المستقبل وعلى هذا فما وجد من أمرهم ونهيهم مما لا يعلم أنه كان في ~~حالة كونه حجة أو في غيرها سلمنا دلالة الآية على ذلك في جميع الأزمان لكنه ~~خطاب مع الموجودين في زمن النبي عليه السلام ولا يلزم مثله في حق من بعدهم ~~سلمنا أنه خطاب مع الكل لكن ذلك يستدعي كون كل واحد منهم على هذه الصفة ~~ونحن نعلم خلاف ذلك ضرورة # وإذا كان المراد بالآية بعض الأمة فذلك البعض غير معين ولا معلوم فلا ~~يكون قوله حجة # والجواب عن السؤال الأول ما سيأتي في العمومات كيف وأن الآية إنما وردت ~~في معرض التعظيم لهذه الأمة وتمييزها على غيرها من الأمم فلو كانت الآية ~~محمولة على البعض دون البعض لبطلت فائدة التخصيص فإنه ما من أمة إلا وقد ~~أمرت بالمعروف كاتباع أنبيائهم وشرائعهم ونهت عن المنكر كنهيهم عن الإلحاد ~~وتكذيب أنبيائهم # وعن الثاني إنه إما أن تكون ( كان ) هاهنا زائدة أو تامة أو زمانية # فإن كانت زائدة كما في قول الفرزدق فكيف إذا مررت بدار قوم وجيران لنا ~~كانوا كراما فإنه جعل ( كراما ) نعتا للجيران وألغى ( كان ) فهي دالة على ~~اتصافهم بذلك حالا لا في الماضي وإن أفادت نصب خير أمة كما في قوله تعالى ~~@QB@ كيف نكلم من كان في المهد صبيا @QE@ PageV01P274 # وإن كانت تامة وهي التي تكون بمعنى الوقوع والحدوث ويكتفى فيها باسم واحد ~~لا خبر فيه كما في قوله تعالى @QB@ وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة @QE@ 2 ~~البقرة 280 ) معناه حضر أو وقع ذو عسرة وكقول ms166 الشاعر إذا كان الشتاء ~~فأدفئوني فإن الشيخ يهدمه الشتاء فيكون معنى قوله @QB@ كنتم خير أمة @QE@ 3 ~~آل عمران 110 ) أي وجدتم ويكون قوله خير أمة نصبا على الحال فيكون ذلك ~~دليلا على اتصافهم بذلك في الحال لا في الماضي # وإن كانت زمانية وهي الناقصة التي تحتاج إلى اسم وخبر فكان وإن دلت على ~~الماضي فقوله @QB@ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر @QE@ 3 آل عمران 110 ) ~~يقتضي كونهم كذلك في كل حال لورود ذلك في معرض التعظيم لهذه الأمة على ما ~~سبق تقريره في جواب السؤال الذي قبله # وعن الثالث أن قوله @QB@ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر @QE@ 3 آل ~~عمران 110 ) فعل مضارع صالح للحال والاستقبال # ويجب أن يكون حقيقة فيهما على العموم نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ # وعن الرابع إنه إذا سلم كون الآية حجة في إجماع الصحابة فهو كاف إذ هو من ~~جملة صور النزاع # وعن الخامس إن الخطاب إذا كان مع الأمة كان ذلك حجة في ما وجد من أمرهم ~~ونهيهم جملة وذلك هو المطلوب وإن لم يكن ذلك حجة في الأفراد # الآية الرابعة قوله تعالى @QB@ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا @QE@ ~~PageV01P275 ووجه الاحتجاج بها أنه تعالى نهى عن التفرق ومخالفة الإجماع ~~تفرق فكان منهيا عنه # ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى النهي عن مخالفته # فإن قيل لا نسلم وجود صيغة النهي وإن سلمناها ولكن لا نسلم أن النهي يدل ~~على التحريم كما سيأتي تقريره في النواهي سلمنا دلالة النهي على التحريم ~~ولكن لا نسلم عموم النهي عن التفرق في كل شيء بل التفرق في الاعتصام بحبل ~~الله إذ هو المفهوم من الآية ولهذا فإنه لو قال القائل لعبيده ادخلوا البلد ~~أجمعين ولا تتفرقوا فإنه يفهم منه النهي عن التفرق في دخول البلد وما لم ~~يعلم أن ما أجمع عليه أهل العصر اعتصام بحبل الله فلا يكون التفرق منهيا ~~عنه # سلمنا أن النهي عام في كل تفرق ولكنه مخصوص بما قبل الإجماع # فإن كل واحد من المجتهدين مأمور باتباع ms167 ما أوجبه ظنه وإذا كانت الظنون ~~والآراء مختلفة كان التفرق مأمورا به لا منهيا عنه # والعام بعد التخصيص لا يبقى حجة على ما سيأتي سلمنا صحة الاحتجاج به لكنه ~~خطاب مع الموجودين في زمن النبي عليه السلام فلا يكون متناولا لمن بعدهم # وإجماع الموجودين في زمن النبي غير محج به في زمانه إجماعا ولا تحقق ~~لوجودهم بجملتهم بعد وفاته حتى يكون إجماعهم حجة على ما سبق تقريره # والجواب عن السؤال الأول والثاني ما سيأتي في النواهي # وعن الثالث أن قوله @QB@ واعتصموا بحبل الله جميعا @QE@ 3 آل عمران 103 ) ~~أمر بالاعتصام بحبل الله # وقوله @QB@ ولا تفرقوا @QE@ 3 آل عمران 103 ) نهي عن التفرق في كل شيء ~~ويجب الحمل عليه وإلا كان النهي عن التفرق في الاعتصام بحبل الله مفيدا لما ~~أفاده الأمر بالاعتصام به فكان تأكيدا # والأصل في الكلام التأسيس دون التأكيد PageV01P276 # وعن الرابع بيان كون العام حجة بعد التخصيص كما يأتي في العمومات وعلى ~~هذا فيبقى حجة في امتناع التفرق بعد الإجماع وفي امتناع مخالفة من وجد بعد ~~أهل الإجماع لهم وهو المطلوب # وعن الخامس بأن الأمر والنهي إنما هو مع أهل كل عصر بتقدير وجودهم وفهمهم ~~على ما سيأتي تقريره في الأوامر # الآية الخامسة قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ 4 ~~النساء 59 ) ووجه الاحتجاج بالآية أنه شرط التنازع في وجوب الرد إلى الكتاب ~~والسنة والمشروط على العدم عند عدم الشرط # وذلك يدل على أنه إذا لم يوجد التنازع فالاتفاق على الحكم كاف عن الكتاب ~~والسنة # ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى هذا # فإن قيل سقوط وجوب الرد إلى الكتاب والسنة عند الاتفاق على الحكم بناء ~~على الكتاب والسنة أو من غير بناء عليهما فإن كان الأول فالكتاب والسنة ~~كافيان في الحكم ولا حاجة إلى الإجماع # وإن كان الثاني ففيه تجويز وقوع الإجماع من غير دليل وذلك محال مانع من ~~صحة الإجماع # كيف وإنا ms168 لا نسلم انتفاء الشرط فإن الكلام إنما هو مفروض فيما إذا وجد ~~التنازع ممن تأخر من المجتهدين لإجماع المتقدمين # قلنا وإن كان الإجماع لا بد له من دليل فلا نسلم انحصار دليله في الكتاب ~~والسنة ليصح ما ذكروه لجواز أن يكون مستندهم في ذلك إنما هو القياس ~~والاستنباط على ما يأتي بيانه # وإن سلمنا انحصار دليل الإجماع في PageV01P277 الكتاب والسنة ولكن ليس في ~~ذلك ما يدل على عدم اكتفاء من وجد بعد أهل الإجماع أو اكتفاء من وجد في ~~عصرهم من المقلدة بإجماعهم عن معرفة الكتاب والسنة # وأما السؤال الثاني فمشكل جدا # واعلم أن التمسك بهذه الآيات وإن كانت مفيدة للظن فغير مفيدة للقطع # ومن زعم أن المسألة قطعية فاحتجاجه فيها بأمر ظني غير مفيد للمطلوب وإنما ~~يصح ذلك على رأي من يزعم أنها اجتهادية ظنية # هذا ما يتعلق بالكتاب وأما السنة وهي أقرب الطرق في إثبات كون الإجماع ~~حجة قاطعة فمن ذلك ما روى أجلاء الصحابة كعمر وابن مسعود وأبي سعيد الخدري ~~وأنس بن مالك وابن عمر وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان وغيرهم # بروايات مختلفة الألفاظ متفقة المعنى في الدلالة على عصمة هذه الأمة عن ~~الخطإ والضلالة كقوله عليه السلام أمتى لا تجتمع على الخطإ أمتي لا تجتمع ~~على الضلالة ولم يكن الله بالذي يجمع أمتي على الضلالة لم يكن الله ليجمع ~~أمتي على الخطإ وسألت الله أن لا يجمع أمتي على الضلالة فأعطانيه وقوله ما ~~رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن # يد الله على الجماعة ولا يبالي بشذود من شذ ومن سره بحبوحة الجنة فليلزم ~~الجماعة فإن دعوتهم لتحيط من ورائهم وإن الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين ~~أبعد # ولا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يظهر أمر الله ولا تزال طائفة من ~~أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم خلاف من خالفهم # ومن خرج عن الجماعة وفارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه # ومن فارق الجماعة ومات فميتته جاهلية # عليكم بالسواد الأعظم PageV01P278 وقوله ms169 تفترق أمتي نيفا وسبعين فرقة ~~كلها في النار إلا فرقة واحدة قيل يا رسول الله ومن تلك الفرقة قال هي ~~الجماعة إلى غير ذلك من الأحاديث التي لا تحصى كثيرة # ولم تزل ظاهرة مشهورة بين الصحابة معمولا بها لم ينكرها منكر ولا دفعها ~~دفع # فإن قيل هذه كلها أخبار آحاد تبلغ مبلغ التواتر ولا تفيد اليقين # وإن سلمنا التواتر ولكن يحتمل أنه أراد به الخطأ والضلالة عن الأمة عصمة ~~جميعهم عن الكفر لا بتأويل ولا شبهة # ويحتمل أنه أراد بهم عصمتهم عن الخطإ في الشهادة في الآخرة أو فيما يوافق ~~النص المتواتر أو دليل العقل دون ما يكون بالاجتهاد # سلمنا دلالة هذه الأخبار على عصمتهم عن كل خطإ وضلال لكن يحتمل أنه أراد ~~بالأمة كل من آمن به إلى يوم القيامة وأهل كل عصر عصر ليسوا كل الأمة فلا ~~يلزم امتناع الخطإ والضلال عليهم # سلمنا انتفاء الخطإ والضلال عن الإجماع في كل واحد من الأعصار ولكن لم ~~قلتم إنه يكون حجة على المجتهدين وأنه لا تجوز مخالفته مع أن كل مجتهد في ~~الفرعيات مصيب على ما يأتي تحقيقه # ولا يجب على أحد المصيبين اتباع المصيب الآخر # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على كون الإجماع حجة ولكنه معارض بما يدل على أنه ~~ليس بحجة ودليله ما سبق من الآيات والأخبار والمعقول في الآية الأولى # والجواب عن السؤال الأول من وجهين الأول أن كل واحد من هذ الأخبار وإن ~~كان خبر واحد يجوز تطرق الكذب إليه إلا أن كل عاقل يجد من نفسه العلم ~~الضروري من جملتها قصد رسول الله عليه السلام تعظيم هذه الأمة وعصمتها عن ~~الخطإ كما علم PageV01P279 بالضرورة سخاء حاتم وشجاعة علي وفقه الشافعي ~~ومالك وأبي حنيفة رضي الله عنهم وميل رسول الله إلى عائشة دون باقي نسائه ~~بالأخبار التي آحادها آحاد غير أنها نازلة منزلة التواتر # الوجه الثاني أن هذه الأحاديث لم تزل ظاهرة مشهورة بين الصحابة ومن بعدهم ~~متمسكا بها فيما بينهم في إثبات الإجماع من غير خلاف ms170 فيها ولا نكير إلى ~~زمان وجود المخالفين والعادة جارية بإحالة اجتماع الخلق الكثير والجم ~~الغفير مع تكرر الأزمان واختلاف هممهم ودواعيهم ومذاهبهم على الاحتجاج بما ~~لا أصل له في إثبات أصل من أصول الشريعة # وهو الإجماع المحكوم به على الكتاب والسنة من غير أن ينبه أحد على فساده ~~وإبطاله وإظهار النكير فيه # فإن قيل من المحتمل أن أحدا أنكر هذه الأخبار ولم ينقل إلينا ومع هذا ~~الاحتمال فلا قطع # قولكم إن الصحابة والتابعين استدلوا بها على الإجماع لا نسلم ذلك وما ~~المانع أن يكون استدلالهم على الإجماع لا بهذه الأحاديث بل بغيرها سلمنا ~~استدلالهم بها على ذلك لكنه دور لما فيه من الاستدلال بالأحاديث على ~~الإجماع والاستدلال على صحة الأحاديث بالإجماع # ثم ما ذكرتموه في الدلالة على صحتها من عدم النكير معارض بما يدل على عدم ~~صحتها # وذلك أنها لو كانت معلومة الصحة مع أن الحاجة داعية إلى معرفتها لبناء ~~هذا الأصل العظيم عليها لإحالة العادة أن لا تعرف الصحابة للتابعين طريق ~~صحتها قطعا للشك والارتياب # قلنا جواب الأول أن الإجماع من أعظم أصول الدين فلو وجد فيما يستدل به ~~عليه نكير لاشتهر ذلك فيما بينهم وعظم الخلاف فيه كاشتهار خلافهم فيما هو ~~دونه من مسائل الفروع كاختلافهم في دية الجنين # وقوله أنت علي حرام وحد الشرب ومسائل الجد والإخوة إلى غير ذلك ولو كان ~~PageV01P280 كذلك لكانت العادة تحيل عدم نقله بل كان نقله أولى من نقل ما ~~خولف فيه من مسائل الفروع بل أولى من نقل خلاف النظام في ذلك مع خفائه وقلة ~~الاعتبار بقوله # وجواب الثاني ما ظهر واشتهر من تمسك الصحابة والتابعين والاحتجاج بهذه ~~الأخبار في معرض التهديد لمخالف الجماعة والزجر عن الخروج عنهم ظهورا لا ~~ريب فيه # وجواب الثالث أن الاستدلال على صحة الأخبار لم يكن بالإجماع بل بالعادة ~~المحيلة لعدم الإنكار على الاستدلال بما لا صحة له فيما هو من أعظم أصول ~~الأحكام # والاستدلال بالعادة غير الاستدلال بالإجماع وذلك كالاستدلال بالعادة على ~~إحالة دعوى وجود ms171 معارض للقرآن واندراسه ووجود دليل يدل على إيجاب صلاة ~~الضحى وصوم شوال ونحوه # وجواب الرابع أنه يحتمل أن تكون الصحابة قد علمت صحة الأخبار المذكورة ~~وكونها مفيدة للعلم بعصمة الأمة لا بصريح مقال بل بقرائن أحوال وأمارات ~~دالة على ذلك لا سبيل إلى نقلها ولو نقلت لتطرق إليها التأويل والاحتمال ~~واكتفوا بما يعلمه التابعون من أن العادة تحيل الاعتماد على ما لا أصل له ~~فيما هو من أعظم الأصول # قولهم يحتمل أنه نفى عنهم الضلال والخطأ بمعنى الكفر # قلنا هذه الأخبار نعلم أنها إنما وردت تعظيما لشأن هذه الأمة في معرض ~~الامتنان والإنعام عليهم وفي حملها على نفي الكفر عنهم خاصة إبطال فائدة ~~اختصاصهم بذلك لمشاركة بعض آحاد الناس للأمة في ذلك # وإنما يصح ذلك أن لو أراد بها العصمة عما لا يعصم عنه الآحاد من أنواع ~~الخطإ والكذب ونحوه # وما ذكروه من باقي التأويلات فباطل # فإن فائدة هذه الأخبار إنما وردت لإيجاب متابعة الأمة والحث عليه والزجر ~~عن مخالفته # ولو لم يكن ذلك محمولا على جميع أنواع الخطإ # بل على بعض غير معلوم من ألفاظ الأخبار PageV01P281 لامتنع إيجاب ~~متابعتهم فيه لكنه غير معلوم ولبطلت فائدة تخصيص الأمة بما ظهر منه قصد ~~تعظيمها لمشاركة آحاد الناس لهم في نفي بعض أنواع الخطإ عنهم على ما سبق ~~تعريفه # وعن السؤال الثالث ما سبق في المسائل المتقدمة # وعن الرابع أنه إذا ثبت انتقاء الخطإ عن الإجماع فيما ذهبوا إليه قطعا ~~فمخالفه يكون مخطئا قطعا # والمخطىء # قطعا في أمور الدين إذا كان عالما به لا يخرج عن التبديع والتفسيق # ولا معنى لكون الإجماع حجة على الغير سوى ذلك # كيف وإنه إذا ثبت انتفاء الخطإ عن أهل الإجماع فيما ذهبوا إليه فقد ~~أجمعوا على وجوب اتباعهم فيما ذهبوا إليه فكان واجبا نفيا للخطإ عنهم وعن ~~المعارضات النقلية ما سبق في أول المسألة # وأما المعقول فهو أن الخلق الكثير وهم أهل كل عصر إذا اتفقوا على حكم ~~قضية وجزموا به جزما قاطعا فالعادة تحيل على ms172 مثلهم الحكم الجزم بذلك والقطع ~~به وليس له مستند قاطع بحيث لا يتنبه واحد منهم إلى الخطإ في القطع بما ليس ~~بقاطع # ولهذا وجدنا أهل كل عصر قاطعين بتخطئة مخالف ما تقدم من إجماع من قبلهم ~~ولولا أن يكون ذلك عن دليل قاطع لاستحال في العادة اتفاقهم على القطع ~~بتخطئة المخالف ولا يقف واحد منهم على وجه الحق في ذلك # ومن سلك هذه الطريقة المعنوية لم ير انعقاد الإجماع عندما إذا كان عدد ~~المجمعين ينقص عن عدد التواتر # ويلزمه أن لا يكون الإجماع المحتج به خصيصا بإجماع أهل الحل والعقد من ~~المسلمين بل هو عام في إجماع كل من بلغ عددهم عدد التواتر وإن لم يكونوا ~~مسلمين فضلا عن أهل الحل والعقد # وقد احتج الشيعة على صحة الإجماع بأن ما من عصر إلا ولا بد فيه من إمام ~~معصوم على ما قررناه من قاعدتهم في ذلك في أبكار الأفكار فإذا أجمع ~~PageV01P282 أهل الحل والعقد من أهل العصر على حكم حادثة فلا بد وأن يكون ~~فيهم الإمام المعصوم لكونه سيد العلماء وإلا لما كان الاتفاق من جميع أهل ~~الحل والعقد وهو خلاف الفرض # وإذا كان كذلك فالإمام المعصوم لا يقول إلا حقا مقطعوعا به وما وافقه من ~~قول باقي الأمة أيضا يكون مقطوعا به لكونه موافقا للمقطوع به ومخالف القاطع ~~مخط لا محالة # ولقائل أن يقول أما الحجة الأولى فالعادة لا تحيل الخطأ على الخلق الكثير ~~بظنهم ما ليس قاطعا قاطعا # ولهذا فإن اليهود والنصارى مع كثرتهم كثرة تخرج عن حد التواتر قد أجمعوا ~~على تكذيب محمد عليه السلام وإنكار رسالته # وليس ذلك إلا لخطئهم في ظن ما ليس قاطعا قاطعا # وبالجملة فإما أن يقال باستحالة الخطإ عليهم فيما ذهبوا إليه أو لا يقال ~~باستحالته فإن كان الأول لزم أن لا يكون محمد نبيا حقا لإجماعهم على تكذيبه ~~وإن كان الثاني فهو المطلوب # فإن قيل ما ذكرتموه في إبطال التمسك هاهنا بالعادة لازم عليكم فيما ~~ذكرتموه في الاحتجاج بالسنة على كون ms173 الإجماع حجة فإن حاصله آئل إلى ~~الاحتجاج بالعادة وفيه إبطال ما قررتموه # قلنا الذي تمسكنا به من العادة إحالة اتفاق الأمة على إسناد المقطوع إلى ~~الأخبار التي مستند العلم بها وبمدلولها السماع المحسوس أو قرائن الأحوال ~~والذي لا نحيله في العادة ههنا إنما هو الغلط بظن ما ليس مقطوعا مقطوعا به ~~فيما هو نظري وطرقه مختلفة وهو غير محسوس ولا مستند العلم به قرائن الأحوال ~~فافترق البابان # وأما حجة الشيعة فمبنية على وجود الإمام المعصوم في كل عصر # وقد أبطلنا ذلك بالاعتراضات القادحة والإشكالات المشكلة على جهة الوفاء ~~والاستقصاء في موضعه اللائق به من الإمامة في علم الكلام فعليك بمراجعته ~~PageV01P283 # # | المسألة الرابعة # اتفق القائلون بكون الإجماع حجة على أنه لا اعتبار بموافقة من هو خارج عن ~~الملة ولا بمخالفته وأنه لا يشترط فيه اتفاق كل أهل الملة إلى يوم القيامة # أما الأول فلأن الإجماع إنما عرف كونه حجة بالأدلة السمعية على ما سبق # وهي مع اختلاف ألفاظها لا إشعار لها بإدراج من ليس من أهل الملة في ~~الإجماع ولا دلالة لها إلا على عصمة أهل الملة ولأن الكافر غير مقبول القول ~~فلا يكون قوله معتبرا في إثبات حجة شرعية ولا إبطالها # وإذا تم الإجماع دونه # فلا اعتبار بمخالفته # وأما الثاني فلأن الإجماع حجة شرعية يستدل به على الأحكام الشرعية فلو ~~اعتبر فيه إجماع كل أهل الملة إلى يوم القيامة لما أمكن الاحتجاج به أما ~~قبل يوم القيامة فلعدم كمال المجمعين وأما يوم القيامة فلأنه لا تكليف ولا ~~استدلال # # | المسألة الخامسة # ذهب الأكثرون إلى أنه لا اعتبار بموافقة العامي من أهل الملة في انعقاد ~~الإجماع ولا بمخالفته واعتبره الأقلون وإليه ميل القاضي أبي بكر وهو ~~المختار # وذلك لأن قول الأمة إنما كان حجة لعصمتها عن الخطإ بما دلت عليه الدلائل ~~السمعية من قبل ولا يمتنع أن تكون العصمة من صفات الهيئة الاجتماعية من ~~الخاصة والعامة # وإذا كان كذلك فلا يلزم أن تكون العصمة الثابتة للكل ثابتة للبعض لأن ~~الحكم الثابت للجملة ms174 لا يلزم أن يكون ثابتا للأفراد # فإن قيل يجب تخصيص ما ورد من النصوص الدالة على عصمة الأمة بأهل الحل ~~والعقد منهم دون غيرهم لستة أوجه PageV01P284 # الأول أن العامي يلزمه المصير إلى أقوال العلماء بالإجماع فلا تكون ~~مخالفته معتبرة فيما يجب عليه التقليد فيه # الثاني أن الأمة إنما كان قولها حجة إذا كان ذلك مستندا إلى الاستدلال ~~لأن إثبات الأحكام من غير دليل محال # والعامي ليس أهلا للاستدلال والنظر فلا يكون قوله معتبرا كالصبي والمجنون # الثالث أن قول العامي في الدين من غير دليل خطأ مقطوع به والمقطوع بخطئه ~~لا تأثير لموافقته ولا لمخالفته # الرابع أن أهل العصر الأول من الصحابة علماؤهم وعوامهم أجمعوا على أنه لا ~~عبرة بموافقة العامي ولا بمخالفته # الخامس أن الأمة إنما عصمت عن الخطإ في استدلالها لأن إثبات الأحكام ~~الشرعية من غير استدلال ودليل خطأ والعامي ليس هو من أهل الاستدلال فلا ~~يتصور ثبوت عصمة الاستدلال في حقه # السادس هو أن العامي لا يتصور منه الإصابة إذا كان قائلا بالحكم من غير ~~دليل فلا يتصور عصمته لأن العصمة مستلزمة للإصابة # والجواب عن الوجه الأول أنه وإن كان يجب على العامي الرجوع إلى أقوال ~~العلماء فليس في ذلك ما يدل على أن أقوال العلماء دونه حجة قاطعة على غيرهم ~~من المجتهدين من بعدهم لجواز أن يكون الاحتجاج بأقوالهم على من بعدهم ~~مشروطا بموافقة العامة لهم وإن لم يكن ذلك شرطا في وجوب اتباع العامة فيما ~~لهم يفتون به # وعن الثاني أنه وإن كان لا بد في الإجماع من الاستدلال لكن من أهل ~~الاستدلال أو مطلقا الأول مسلم والثاني ممنوع وعلى هذا فلا يمتنع أن تكون ~~موافقه العامة للعلماء المستدلين شرطا في جعل الإجماع حجة وإن لم يكن ~~العامي مستدلا ولا يلزم من عدم اشتراط موافقة الصبيان والمجانين عدم اشتراط ~~موافقة العامة لما بينهما من PageV01P285 التفاوت في قرب وإنما المؤثر في ~~حق العامة الموجب للتكليف وبعده في حق الصبيان والمجانين المانع من التكليف # وعن الثالث أنه وإن ms175 كان قول العامي في الدين من غير دليل خطأ فلا يمنع ~~ذلك من كون موافقته للعلماء في أقوالهم شرطا في الاحتجاج بها على غيرهم # وعن الرابع أنه دعوى لم يقم عليها دليل # وعن الخامس أن العامي وإن لم يكن من أهل الاجتهاد فلا يمتنع أن تكون ~~موافقته من غير استدلال شرطا في كون الإجماع حجة # وعن السادس أنه وإن كان العامي إذا انفرد بالحكم لا يتصور منه الإصابة ~~فما المانع من تصويبه مع الجماعة بتقدير موافقته لهم في أقوالهم ولا شك أن ~~العامي مصيب في موافتقته للعلماء # وعلى هذا جاز أن تكون موافقته شرطا في جعل الإجماع حجة على ما سبق تقريره # وبالجملة فهذه المسألة اجتهادية غير أن الاحتجاج بالإجماع عند دخول ~~العوام فيه يكون قطعيا وبدونهم يكون ظنيا # وعلى هذا فمن قال بإدخال العوام في الإجماع قال بإدخال الفقيه الحافظ ~~لأحكام الفروع فيه وإن لم يكن أصوليا وبإدخال الأصولي الذي ليس بفقيه بطريق ~~الأولى لما بينهما وبين العامة من التفاوت في الأهلية وصحة النظر هذا في ~~الأحكام وهذا في الأصول # ومن قال بأنه لا مدخل للعوام في الإجماع اختلفوا في الفقيه والأصولي نفيا ~~وإثباتا فمن أثبت نظر إلى ما اشتملا عليه من الأهلية التي لا وجود لها في ~~العامي ودخولهما في عموم لفظ الأمة في الأحاديث السابق ذكرها # ومن نفى نظر إلى عدم الأهلية المعتبرة في أئمة أهل الحل والعقد من ~~المجتهدين كالشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم PageV01P286 ومنهم من ~~فصل بين الفقيه والأصولي وهؤلاء اختلفوا فمنهم من اعتبر قول الفقيه الذي ~~ليس بأصولي وألغى قول الأصولي الذي ليس بفقيه # ومنهم من عكس الحال واعتبر قول الأصولي دون الفقيه لكونه أقرب إلى مقصود ~~الاجتهاد لعمله بمدارك الأحكام على اختلاف أقسامها وكيفية دلالاتها وكيفية ~~تلقي الأحكام من منطوقها ومفهومها ومعقولها بخلاف الفقيه # ومن اعتبر قول الأصولي والفقيه اعتبر قول من بلغ رتبة الاجتهاد وإن لم ~~يكن مشتهرا بالفتوى بطريق الأولى وذلك كواصل بن عطاء ونحوه # وفيه خلاف والمتبع في ذلك ms176 كله ما غلب على ظن المجتهد # # | المسألة السادسة # المجتهد المطلق إذا كان مبتدعا لا يخلو إما أن لا يكفر ببدعته أو يكفر # فإن كان الأول فقد اختلفوا في انعقاد الإجماع مع مخالفته نفيا وإثباتا # ومنهم من قال الإجماع لا ينعقد عليه بل على غيره فيجوز له مخالفة إجماع ~~من عداه # ولا يجوز ذلك لغيره # والمختار أنه لا ينعقد الإجماع دونه لكونه من أهل الحل والعقد وداخلا في ~~مفهوم لفظ الأمة المشهود لهم بالعصمة # وغايته أن يكون فاسقا وفسقه غير مخل بأهلية الاجتهاد # والظاهر من حاله فيما يخبر به عن اجتهاده الصدق كإخبار غيره من المجتهدين # كيف وإنه قد يعلم صدق الفاسق بقرائن أحواله في مباحثاته وفلتات لسانه ~~وإذا علم صدقه وهو مجتهد كان كغيره من المجتهدين # فإن قيل إذا كان فاسقا فالفاسق غير مقبول القول إجماعا فيما يخبر ~~PageV01P287 به فكان كالكافر والصبي ولأنه لا يجوز تقليده فيما يفتي به فلا ~~يعتبر خلافه كالصبي # قلنا إنما لا يقبل قوله فيما يخبر به إذا لم يكن متأولا وكان عالما بفسقه # وأما إذا لم يكن كذلك فلا # وعلى هذا فلا نسلم امتناع قبول فتواه بالنسبة إلى من ظهر صدقه عنده # وأما الصبي فإنما لم يعتبر قوله لعدم أهليته بخلاف ما نحن فيه وإن كان ~~الثاني فلا خلاف في أنه غير داخل في الإجماع لعدم دخوله في مسمى الأمة ~~المشهود لهم بالعصمة وإن لم يعلم هو كفر نفسه # وعلى هذا فلو خالف في مسألة فرعية وبقي مصرا على المخالفة حتى تاب عن ~~بدعته فلا أثر لمخالفته لانعقاد إجماع جميع الأمة الإسلامية قبل إسلامه كما ~~لو أسلم ثم خالف إلا على رأي من يشترط في الإجماع انقراض عصر المجمعين ولو ~~ترك بعض الفقهاء العمل بالإجماع بخلاف هذا المبتدع المكفر فهو معذور إن لم ~~يعلم ببدعته ولا يؤاخذ بالمخالفة كما إذا عمل الحاكم بشهادة شاهد الزور من ~~غير علم بتزويره وإن علم ببدعته وخالف الإجماع لجهله بأن تلك البدعة مكفرة ~~فهو غير معذور لتقصيره عن البحث ms177 والسؤال عن ذلك لعلماء الأصول العارفين ~~بأدلة الإيمان والتكفير حتى يحصل له العلم بذلك بدليله إن كانت له أهلية ~~فهمه وإلا قلدهم فيما يخبرون به من التكفير وأما ماذا يكفر به من البدع فقد ~~استقصينا الكلام فيه في حكايات مذاهب أهل الملل والنحل في أبكار الأفكار ~~فعليك بمراجعته # # | المسألة السابعة # ذهب الأكثرون من القائلين بالإجماع إلى أن الإجماع المحتج به غير مختص ~~بإجماع الصحابة بل إجماع أهل كل عصر حجة خلافا لداود وشيعته من أهل الظاهر ~~ولأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه PageV01P288 # والأول هو المختار ويدل عليه أن حجة كون الإجماع حجة غير خارجة كما ~~ذكرناه من الكتاب والسنة والمعقول # وكل واحد منها لا يفرق بين أهل عصر وعصر بل هو متناول لأهل كل عصر حسب ~~تناوله لأهل عصر الصحابة فكان إجماع أهل كل عصر حجة # فإن قيل حجة كون الإجماع حجة غير خارجة عن الآيات والأخبار السابق ذكرها ~~وقوله تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس @QE@ 3 آل عمران 110 ) وقوله ~~@QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا @QE@ 2 البقرة 143 ) خطاب مع الموجودين في زمن ~~النبي عليه السلام فلا يكون متناولا لغيرهم وقوله تعالى @QB@ ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين @QE@ 4 النساء 115 ) والأخبار الدالة على عصمة الأمة خاصة ~~بالصحابة الموجودين في زمن النبي عليه السلام إذا هم كل المؤمنين وكل الأمة ~~فإن من لم يوجد بعد لا يكون موصوفا بالإيمان وبكونه من الأمة # وأما التابعون وكذلك من بعدهم إذا أجمعوا على حكم فليس هم كل المؤمنين ~~ولا كل الأمة فلا يكون الخطاب متناولا لهم وحدهم بل مع من تقدم من المؤمنين ~~قبلهم ضرورة اتصافهم بذلك حالة وجودهم وبموتهم لم يخرجوا عن كونهم من ~~المؤمنين ومن الأمة # وكذلك فإنه لو ذهب واحد من الصحابة إلى حكم واتفق التابعون على خلافه لم ~~يكن إجماعهم منعقدا ولو خرج بموته عن الأمة والمؤمنين لما كان كذلك # وإذا لم يكن التابعون كل الأمة ولا كل المؤمنين فما اتفقوا عليه لا يكون ~~هو قول كل الأمة ولا كل ms178 المؤمنين فلا يكون حجة # وسواء وجد لمن تقدم قول أو لم يوجد فمخالفهم لا يكون مخالفا لكل الأمة ~~ولا لكل المؤمنين فلا يكون بذلك مستحقا للذم والتوعد PageV01P289 سلمنا ~~دلالة الآيات والأخبار على انعقاد إجماع من بعد الصحابة حجة لكنه معارض بما ~~بدل على عدمه وبيانه من ستة أوجه الأول أن إجماع التابعين لا بد له من دليل ~~وذلك الدليل إما أن يكون نصا أو إجماعا أو قياسا # فإن كان إجماع من تقدم فالحكم ثابت بإجماع الصحابة لا بإجماع التابعين # وإن كان قياسا فيستدعي أن يكون متفقا عليه بين جميع التابعين ليكون مناط ~~إجماعهم وليس كذلك لوقوع الخلاف فيه فيما بينهم # وإن كان نصا فلا بد وأن تكون الصحابة عالمة به ضرورة أنه لا طريق إلى ~~معرفة التابعين به إلا من جهة الصحابة ولو كان ذلك دليلا يمكن التمسك به في ~~إثبات الحكم لما تصور تواطىء الصحابة على تركه وإهماله # الثاني هو أن الأصل أن لا يرجع إلى قول أحد سوى الصادق المؤيد بالمعجزة ~~لتطرق الخطإ والكذب إلى من عداه # غير أنه لما ورد الثناء من النبي عليه السلام على الصحابة بقوله أصحابي ~~كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وقوله عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من ~~بعدي والذم لأهل الأعصار المتأخرة بقوله عليه السلام ثم يفشو الكذب وأن ~~الرجل يصبح مؤمنا ويمسي كافرا وأن الواحد منهم يحلف على ما لا يعلم ويشهد ~~قبل أن يستشهد وأن الناس يكونون كالذئاب إلى غير ذلك من أنواع الذم التي ~~سبق ذكرها أوجب قصر الاحتجاج على إجماع الصحابة دون غيرهم # الثالث أن الاحتجاج بالإجماع إنما يمكن بعد الاطلاع على قول كل واحد من ~~أهل الحل والعقد ومعرفته في نفسه # وذلك إنما يتصور في حق PageV01P290 الصحابة لأن أهل الحل والعقد منهم ~~كانوا معروفين مشهورين محصورين لقلتهم وانحصارهم في قطر واحد بخلاف ~~التابعين ومن بعدهم لكثرتهم وتشتتهم في البلاد المتباعدة # الرابع أن الإجماع من الصحابة واقع على أن كل مسألة لا تكون مجمعا عليها ~~ولا فيها نص قاطع أنه ms179 يجوز الاجتهاد فيها # فإذا لم يكن إجماع من الصحابة ولا ثم نص قاطع وإلا لما ساغ من الصحابة ~~تركه وإهماله فتكون المسألة مجمعا على جواز الاجتهاد فيها منهم فلو أجمع ~~التابعون على حكم تلك المسألة فإن منعنا من اجتهاد غيرهم فيها فقد خرقنا ~~إجماع الصحابة وإن جوزنا فإجماع التابعين لا يكون حجة وهو المطلوب # الخامس أنه لو كان في الأمة من هو غائب فإنه وإن لم يكن له في المسألة ~~قول بنفي ولا إثبات لا ينعقد الإجماع دونه في تلك المسألة لكونه لو كان ~~حاضرا لكان له فيها قول فكذلك الميت من الصحابة قبل التابعين # السادس أنه لو كان قد خالف واحد من الصحابة فإن إجماع التابعين بعده لا ~~ينعقد وإذا لم ينقل خلاف من تقدم لا ينعقد الإجماع لاحتمال أن أحدا ممن ~~تقدم خالف ولم ينقل خلافه وإذا احتمل واحتمل فالإجماع لا يكون متيقنا # والجواب عن السؤال الأول قولهم في الآيات إنها خطاب مع الموجودين في زمن ~~النبي عليه السلام يلزمهم عليه أن لا ينعقد إجماع الصحابة بعد موت من كان ~~موجودا عند نزول هذه الآيات لأن إجماعهم ليس إجماع جميع المخاطبين وقت ~~نزولها وأن لا يعتد بخلاف من أسلم بعد نزولها لكونه خارجا عن المخاطبين # وقد أجمعنا على أن إجماع من بقي من الصحابة بعد رسول الله يكون حجة # قولهم التابعون ليس هم كل الأمة ولا كل المؤمنين يلزم عليه أن لا ينعقد ~~إجماع من بقي من الصحابة بعد موت رسول الله لأن من مات من الصحابة أو ~~استشهد في حياة رسول الله داخل في مسمى المؤمنين والأمة PageV01P291 وهو ~~خلاف المجمع عليه بين القائلين بالإجماع وليس ذلك إلا لأن الماضي إذا لم ~~يكن له قول غير معتبر كما أن المستقبل غير منتظر # وعلى هذا فنقول إنه إذا ذهب واحد من الصحابة إلى حكم في مسألة ثم مات ~~وأجمع التابعون على خلافه في تلك المسألة فقد قال بعض الأصوليين إنه ينعقد ~~إجماع التابعين ولا اعتبار بقول الماضي وليس بحق ms180 لأنه يلزم منه أنه إذا ~~أجمعت الصحابة على حكم ثم ماتوا وأجمع التابعون على خلاف إجماع الماضين أنه ~~ينعقد وهو محال مخالف لإجماع القائلين بالإجماع # وإنما الحق في ذلك أن يقال إذا حكم الواحد من الصحابة بحكم ثم حكم ~~التابعون بخلافه فحكم التابعين ليس هو حكم جميع الأمة المعتبرين في تلك ~~المسألة التي وقع الخوض فيها # وإن كان حكمهم في مسألة لم يتقدم فيها خلاف بعض الصحابة فهو حكم كل الأمة ~~المعتبرين وهذا كما لو أفتى الصحابي بحكم ثم مات وأجمع باقي الصحابة على ~~خلافه فإنه لا ينعقد إجماعهم وإن انعقد إجماعهم إذا مات من غير مخالفة لأن ~~حكمهم في الأول ليس هو حكم كل الأمة المعتبرين بخلاف حكمهم في الثاني # والجواب عن المعارضة الأولى أنه وإن كان دليل التابعين معلوما للصحابة ~~غير أنه لا يمتنع أن تكون واقعة الحكم لم تقع في زمن الصحابة فلم يتعرضوا ~~لحكمها وإنما وقعت في زمن التابعين فتعرضوا لإثبات حكمها بناء على ما وجدوه ~~من الدليل الذي كان معلوما للصحابة # وعن الثانية أن الأدلة الدالة على كون الإجماع حجة لا تفرق بين أهل عصر ~~وعصر # وقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم لا يدل على عدم ~~الاهتداء بغيرهم إلا بطريق مفهوم اللقب والمفهوم ليس بحجة فضلا عن مفهوم ~~اللقب على ما سيأتي في مسائل المفهوم PageV01P292 # وكذلك الكلام في قوله اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر كيف وأن ذلك ~~مما يوجب كون إجماع أبي بكر وعمر مع مخالفة باقي الصحابة لهم حجة قاطعة وهو ~~خلاف الإجماع من الصحابة # قولهم إنه ذم أهل الأعصار المتأخرة # قلنا غاية ما في ذلك غلبة ظهور الفساد والكذب وليس فيه ما يدل على خلو كل ~~عصر ممن تقوم الحجة بقوله وأنه إذا اتفق أهل ذلك العصر على حكم لا يكونون ~~معصومين عن الخطإ فيه # وعن الثالثة ما سبق في مسألة تصور الاطلاع على إجماعهم ومعرفتهم # وعن الرابعة أنه إن أجمع الصحابة على تجوير الخلاف مطلقا فلا يتصور ~~انعقاد ms181 إجماع التابعين على الحكم في تلك المسألة لما فيه من التعارض بين ~~الإجماعين القاطعين # وإن أجمعوا على تسويغ الاجتهاد مشروطا بعدم الإجماع فلا تناقض # وعن الخامسة أنها منتقضة بالواحد من الصحابة فإنه لو مات انعقد الإجماع ~~من باقي الصحابة دونه ولو كان غائبا لم ينعقد # وإنما كان كذلك لأن الغائب في الحال له أهلية القول والحكم والموافقة ~~والمخالفة بخلاف الميت # وعن السادسة أنها باطلة بالميت الأول من الصحابة فإنه يحتمل أنه خالف ولم ~~ينقل خلافه # ومع ذلك فإن إجماع باقي الصحابة بعده يكون منعقدا # كيف وأن النظر إلى مثل هذه الاحتمالات البعيدة مما لا التفات إليه # وإلا لما انعقد إجماع الصحابة لاحتمال أن يكون واحد منهم قد أظهر ~~الموافقة وأبطن المخالفة لأمر من الأمور كما نقل عن ابن عباس في موافقته ~~لعمر في مسألة العول وإظهار النكير بعده PageV01P293 # # | المسألة الثامنة # اختلفوا في انعقاد إجماع الأكثر مع مخالفة الأقل فذهب الأكثرون إلى أنه ~~لا ينعقد # وذهب محمد بن جرير الطبري وأبو بكر الرازي وأبو الحسين الخياط من ~~المعتزلة وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه إلى انعقاده # وذهب قوم إلى أن عدد الأقل إن بلغ التواتر لم يعتد بالإجماع دونه وإلا ~~كان معتدا به # وقال أبو عبد الله الجرجاني إن سوغت الجماعة الاجتهاد في مذهب المخالف ~~كان خلافه معتدا به كخلاف ابن عباس في مسألة العول # وإن أنكرت الجماعة عليه ذلك كخلاف ابن عباس في المتعة والمنع من تحريم ~~ربا الفضل لم يكن خلافه معتدا به # ومنهم من قال أن قول الأكثر يكون حجة وليس بإجماع ومنهم من قال أن اتباع ~~الأكثر أولى وإن جاز خلافه # والمختار مذهب الأكثرين # ويدل عليه أمران الأول أن التمسك في إثبات الإجماع حجة إنما هو بالأخبار ~~الواردة في السنة الدالة على عصمة الأمة على ما سبق تقريره # وعند ذلك فلفظ ( الأمة ) في الأخبار يحتمل أنه أراد به كل الموجودين # من المسلمين في أي عصر كان PageV01P294 # ويحتمل أنه أراد به الأكثر كما يقال بنو تميم يحمون ms182 الجار ويكرمون الضيف ~~والمراد به الأكثر منهم غير أن حمله على الجميع مما يوجب العمل بالإجماع ~~قطعا لدخول العدد الأكثر في الكل ولا كذلك إذا حمل على الأكثر فإنه لا يكون ~~الإجماع مقطوعا به لاحتمال إرادة الكل والأكثر ليس هو الكل # الثاني أنه قد جرى مثل ذلك في زمن الصحابة ولم ينكر أحد منهم على خلاف ~~الواحد بل سوغوا له الاجتهاد فيما ذهب إليه مع مخالفة الأكثر # ولو كان إجماع الأكثر حجة ملزمة للغير الأخذ به لما كان كذلك # فمن ذلك اتفاق أكثر الصحابة على امتناع قتال ما نعي الزكاة مع خلاف أبي ~~بكر لهم # وكذلك خلاف أكثر الصحابة لما انفرد به ابن عباس في مسألة العول وتحليل ~~المتعة وأنه لا ربا إلا في النسيئة # وكذلك خلافهم لابن مسعود فيما انفرد به في مسائل الفرائض ولزيد بن أرقم ~~في مسألة العينة ولأبي موسى في قوله النوم لا ينقض الوضوء ولأبي طلحة في ~~قوله بأن أكل البرد لا يفطر إلى غير ذلك # ولو كان إجماع الأكثر حجة لبادروا بالإنكار والتخطئة وما وجد منهم من ~~الإنكار في هذه الصور لم يكن إنكار تخطئة بل إنكار مناظرة في المأخذ كما ~~جرت عادة المجتهدين بعضهم مع بعض # ولذلك بقي الخلاف الذي ذهب إليه الأقلون جائزا إلى وقتنا هذا # وربما كان ما ذهب إليه الأقل هو المعول عليه الآن كقتال مانعي الزكاة # ولو كان ذلك مخالفا للإجماع المقطوع به لما كان ذلك سائغا # وقد تمسك بعضهم هاهنا بطريقة أخرى فقال إنه لو انعقد إجماع الأكثر مع ~~مخالفة الأقل فإما أن ينعقد الإجماع عليه فيلزم منه ترك ما علمه بالدليل ~~والرجوع إلى التقليد وذلك في حق المجتهد ممتنع وإن لم ينعقد الإجماع عليه ~~فلا يكون الإجماع حجة مقطوعا بها فإنه لو كان مقطوعا به لما ساغت مخالفته ~~بالاجتهاد PageV01P295 ولقائل أن يقول إذا فرضنا أن انعقاد الإجماع من ~~الأكثر دون الأقل حجة قاطعة فالقول برجوع المجتهد الواحد إليه # وإن كان على خلاف ما أوجبه اجتهاده لا يكون ms183 منكرا لما فيه من ترك ~~الاجتهاد بالرجوع إلى الإجماع القاطع # ولهذا فإنه لو أجمعت الأمة على حكم ثم جاء من بعدهم مجتهد يرى في اجتهاده ~~ما يخالف إجماع الأمة السابقة لم يجز له الحكم به بل وجب عليه الرجوع إلى ~~الأمة # احتج المخالفون بالنصوص والإجماع والمعقول أما من جهة النصوص فمنها ما ~~ورد من الأخبار الدالة على عصمة الأمة عن الخطإ # ولفظ ( الأمة ) يصح إطلاقه على أهل العصر وإن شذ منهم الواحد والاثنان ~~كما يقال بنو تميم يحمون الجار ويكرمون الضيف # والمراد به الأكثر # فكان إجماعهم حجة لدلالة النصوص عليه # ومنها قوله عليه السلام عليكم بالسواد الأعظم عليكم بالجماعة يد الله مع ~~الجماعة إياكم والشذوذ والواحد والاثنان بالنسبة إلى الخلق الكثير شذوذ # الشيطان مع الواحد وهو عن الاثنين أبعد ونحو ذلك من الأخبار # وأما الإجماع فهو أن الأمة اعتمدت في خلافة أبي بكر على انعقاد الإجماع ~~عليه لما اتفق عليه الأكثرون وإن خالف في ذلك جماعة كعلي وسعد بن عبادة # ولولا أن إجماع الأكثر حجة مع مخالفة الأقل لما كانت إمامة أبي بكر ثابتة ~~بالإجماع # وأما من جهة المعقول فمن خمسة أوجه الأول أن خبر الواحد بأمر لا يفيد ~~العلم # وخبر الجماعة إذا بلغ عددهم عدد التواتر يفيد العلم # فليكن مثله في باب الاجتهاد والإجماع # الثاني أن الكثرة يحصل بها الترجيح في رواية الخبر فليكن مثله في ~~الاجتهاد PageV01P296 # الثالث أنه لو اعتبرت مخالفة الواحد والاثنين لما انعقد الإجماع أصلا ~~لأنه ما من إجماع إلا ويمكن مخالفة الواحد والاثنين فيه إما سرا وإما ~~علانية # الرابع أن الإجماع حجة في العصر الذي هم فيه وفيما بعد وذلك يقتضي أن ~~يكون فيهم مخالف حتى يكون حجة عليه # الخامس أن الصحابة أنكرت على ابن عباس خلافه في ربا الفضل في النقود ~~وتحليل المتعة والعول # ولولا أن اتفاق الأكثر حجة لما أنكروا عليه فإنه ليس للمجتهد الإنكار على ~~المجتهد # والجواب قولهم لفظ ( الأمة ) يصح إطلاقه على الأكثر # قلنا بطريق المجاز ولهذا يصح أن يقال إذا ms184 شذ عن الجماعة واحد ليس هم كل ~~الأمة ولا كل المؤمنين بخلاف ما إذا لم يشذ منهم أحد # وعلى هذا فيجب حمل لفظ ( الأمة ) على الكل لكون الحجة فيه قطعية لما ~~بيناه في حجتنا # وعلى هذا فيجب حمل قوله عليه السلام عليكم بالسواد الأعظم على جميع أهل ~~العصر لأنه لا أعظم منه # فإن قيل فظاهر هذا الخبر يقتضي أن يكون السواد الأعظم حجة على من ليس من ~~السواد الأعظم وذلك لا يتم إلا بأن يكون في عصرهم مخالف لهم # قلنا هو حجة على من يأتي بعدهم أقل عددا منهم # وعلى هذا يكون الجواب عن قوله عليكم بالجماعة يد الله على الجماعة وحيث ~~قال عليه السلام الاثنان فما فوقهما جماعة إنما أراد به انعقاد جماعة ~~الصلاة بهما وقوله إياكم والشذوذ PageV01P297 # قلنا الشاذ هو المخالف بعد الموافقة لا من خالف قبل الموافقة وقوله ~~الشيطان مع الواحد وهو عن الاثنين أبعد أراد به الحث على طلب الرفيق في ~~الطريق ولهذا قال والثلاثة ركب # وما ذكروه في عقد الإمامة لأبي بكر فلا نسلم أن الإجماع معتبر في انعقاد ~~الإمامة بل البيعة بمحضر من عدلين كافية # كيف وإنا لا نسلم عدم انعقاد إجماع الكل على بيعة أبي بكر فإن كل من تأخر ~~عن البيعة إنما تأخر لعذر وطرؤ أمر مع ظهور الموافقة منه بعد ذلك # وقد استقصينا الكلام في هذا المعنى في الإمامة من علم الكلام # والجواب عن الحجة الأولى من المعقول أنه إن كان صدق الأكثر فيما يخبرون ~~به عن أمر محسوس مفيد للعلم فلا يلزم مثله في الإجماع الصادر عن الاجتهاد ~~مع أن الاحتجاج فيه إنما هو بقول الأمة والأكثر ليس هم كل الأمة على ما سبق # ثم لو كان كل من أفاد خبره اليقين يكون قوله إجماعا محتجا به لوجب أن ~~يكون إجماع كل أهل بلد محتجا به مع مخالفة أهل البلد الآخر لهم لأن خبر أهل ~~كل بلد يفيد العلم # وعن الثانية أنه لا يلزم من الترجيح بالكثرة في الرواية التي ms185 يطلب منها ~~غلبة الظن دون اليقين مثله في الإجماع مع كونه يقينيا كيف وإنه لو اعتبر في ~~الإجماع ما يعتبر في الرواية لكان مصير الواحد إلى الحكم وحده إجماعا كما ~~أن روايته وحده مقبولة # وليس كذلك # وعن الثالثة أن الاحتجاج بالإجماع إنما يكون حيث علم الاتفاق من الكل إما ~~بصريح المقال أو قرائن الأحوال وذلك ممكن حسب إمكان العلم باتفاق الأكثر ~~وأما حيث لا يعلم فلا # وإن قيل إن ذلك غير ممكن فمثله أيضا جار في الأكثر # ويلزم من ذلك أن لا ينعقد الإجماع أصلا وهو خلاف الأصلين # وعن الرابعة أنه يكون حجة على من خالف منهم بعد الوفاق في زمنهم وعلى من ~~يوجد بعدهم ثم إن كان الإجماع لا يكون حجة إلا مع الخلاف PageV01P298 فليزم ~~منه أنه إذا لم يكن خلاف لا يكون إجماع وهو ظاهر الإحالة # وعن الخامسة أن إنكار الصحابة على ابن عباس فيما ذهب إليه لم يكن بناء ~~على إجماعهم واجتهادهم بل بناء على مخالفة ما رووه له من الأخبار الدالة ~~على تحريم ربا الفضل ونسخ المتعة على ما جرت به عادة المجتهدين في ~~مناظراتهم والإنكار على مخالفة ما ظهر لهم من الدليل حتى يبين لهم المأخذ ~~من جانب الخصم وذلك كما قال ابن عباس من شاء باهلني باهلته والذي أحصى رمل ~~عالج عددا ما جعل الله في الفريضة نصفا ونصفا وثلثا هذان نصفان ذهبا بالمال ~~فأين موضع الثلث وقال آخر ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل ~~أب الأب أبا # وليس ذلك لأن العود إلى قوله واجب على من خالفه بل بمعنى طلب الكشف عن ~~مأخذ المخالفة # وإذا عرف أنه لا يكون اتفاق الأكثر إجماعا فيمتنع أن يكون حجة لخروجه عن ~~الأدلة المتفق عليها # وهي النص من الكتاب والسنة وإجماع الأمة والقياس وعدم دليل يدل على صحة ~~الاحتجاج به # ولذلك لا يكون أولى بالاتباع لأن الترجيح بالكثرة وإن كان حقا في باب ~~رواية الأخبار لما فيه من ظهور أحد الظنين على الآخر ms186 فلا يلزم مثله في باب ~~الاجتهاد لما فيه من ترك ما ظهر له من الدليل لما لم يظهر له فيه دليل أو ~~ظهر غير أنه مرجوح في نظره # # | المسألة التاسعة # اختلفوا في التابعي إذا كان من أهل الاجتهاد في عصر الصحابة هل ينعقد ~~إجماع الصحابة مع مخالفته أم لا # فمنهم من قال لا ينعقد بإجماعهم مع مخالفته ثم اختلف هؤلاء # فمن لم يشترط انقراض العصر قال إن كان من أهل الاجتهاد قبل انعقاد إجماع ~~الصحابة فلا يعتد بإجماعهم مع مخالفته وإن بلغ رتبة الاجتهاد بعد انعقاد ~~إجماع الصحابة لا يعتد بخلافه # وهذا هو مذهب أصحاب الشافعي وأكثر المتكلمين وأصحاب أبي حنيفة ومذهب أحمد ~~بن حنبل في أحدى الروايتين عنه # ومن شرط انقراض العصر قال لا ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفته PageV01P299 ~~سواء كان من أهل الاجتهاد حالة إجماعهم أو صار مجتهدا بعد إجماعهم لكن في ~~عصرهم # وذهب قوم إلى أنه لا عبرة بمخالفته أصلا وهو مذهب بعض المتكلمين وأحمد بن ~~حنبل في رواية # والمختار أنه إن كان من أهل الاجتهاد حالة إجماع الصحابة لا ينعقد ~~إجماعهم دون موافقته # وقد استدل كثير من أصحابنا بقولهم إن الصحابة سوغت للتابعين المعاصرين ~~لهم الاجتهاد معهم في الوقائع الحادثة في عصرهم كسعيد بن المسيب وشريح ~~القاضي والحسن البصري ومسروق وأبي وائل والشعبي وسعيد بن جبير وغيرهم حتى ~~إن عمر وعليا وليا شريحا القضاء ولم يعترضا عليه فيما خالفهما فيه وحكم على ~~علي في خصومة عرضت له عنده على خلاف رأي علي ولم ينكر عليه # وروي عن ابن عمر أنه سئل عن فريضة فقال اسألوا سعيد بن جبير فإنه أعلم ~~بها مني # وسئل الحسين بن علي كرم الله وجهه عن مسألة فقال اسألوا الحسن البصري # وسئل ابن عباس عن نذر ذبح الولد فقال اسألوا مسروقا # فلما أتاه السائل بجوابه اتبعه # وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال تذاكرت أنا وابن عباس ~~وأبو هريرة في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها فقال ابن عباس ms187 عدتها أبعد ~~الأجلين # وقلت أنا عدتها أن تضع حملها # وقال أبو هريرة أنا مع ابن أخي # فسوغ ابن عباس لأبي سلمة أن يخالفه مع أبي هريرة إلى غير ذلك من الوقائع # ولو كان قول التابعي باطلا لما ساغ للصحابة تجويزه والرجوع إليه # وفي هذه الحجة نظر PageV01P300 فإن لقائل أن يقول إنما كان الاجتهاد ~~مسوغا للتابعي عند اختلاف الصحابة ولا يلزم من الاعتداد بقوله مع الاختلاف ~~الاعتداد بقوله مع الاتفاق وهو محل النزاع # ولهذا فإن قول التابعي معتبر بعد انقراض عصر الصحابة إذا لم يكن منهم ~~اتفاق وغير معتبر إذا كان على خلاف اتفاقهم # والمعتمد في ذلك أن يقال الأدلة الدالة على كون الإجماع حجة إنما هي ~~الأخبار الدالة على عصمة الأمة عن الخطإ على ما سبق # وهذا الاسم لا يصدق عليهم مع خروج التابعين المجتهدين عنهم # فإنه لا يقال إجماع جميع الأمة بل إجماع بعضهم فلا يكون حجة # احتج الخصوم بالنص والمعقول والآثار أما النص فقوله عليه السلام عليكم ~~بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وقوله اقتدوا ~~بالذين من بعدي أبي بكر وعمر وقوله أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم # وأما المعقول فهو أن الصحابة لهم مزية الصحبة وشهادة التنزيل وسماع ~~التأويل وأنهم مرضي عنهم على ما قال تعالى @QB@ لقد رضي الله عن المؤمنين ~~إذ يبايعونك تحت الشجرة @QE@ 48 الفتح 18 ) وقد قال النبي في حقهم لو أنفق ~~غيرهم ملء الأرض ذهبا لما بلغ مد أحدهم # وذلك يدل على أن الحق معهم لا مع مخالفهم # وأما الآثار فمنها أن عليا عليه السلام نقض على شريح حكمه في ابني عم ~~أحدهما أخ لأم لما جعل المال كله للأخ # ومنها ما روي عن عائشة أنها أنكرت على أبي سلمة بن عبد الرحمن بن ~~PageV01P301 عوف مجاراته للصحابة وكلامه فيما بينهم وزجرته عن ذلك وقالت ~~فروج يصيح مع الديكة # والجواب عن النصوص ما سبق في مسألة انعقاد إجماع غير الصحابة # وعن المعقول قولهم إن الصحابة لهم مزية الصحبة والفضيلة والدرجة الرفيعة # قلنا ms188 لو كان ذلك مما يوجب اختصاص الإجماع بهم لما اعتبر قول الأنصار مع ~~المهاجرين ولا قول المهاجرين مع قول العشرة ولا قول باقي العشرة مع قول ~~الخلفاء الأربعة ولا قول عثمان وعلي مع قول أبي بكر وعمر ولا قول غير الأهل ~~مع الأهل ولا قول غير الزوجات مع الزوجات لوقوع التفاوت والتفاضل # ولم يقل به قائل # وعن الآثار أما نقض علي على شريح حكمه فليس لأن قوله غير معتبر # ولهذا فإنه لما حكم عليه في مخاصمته بخلاف رأيه لم ينكر عليه وإنما نقض ~~حكمه بمعنى أنه رد عليه بطريق الاستدلال والاعتراض كما يقال نقض فلان كتاب ~~فلان وكلامه إذا اعترض عليه # ويحتمل أنه نقضه بنص اطلع عليه أوجب نقض حكمه # وأما إنكار عائشة على أبي سلمة فيحتمل أنه كان ذلك بخلافه فيما سبق فيه ~~إجماع الصحابة أو لأنه لم يكن قد بلغ رتبة الاجتهاد أو بطريق التأديب مع ~~الصحابة أو لأنها رأت ذلك مذهبا لها فلا حجة فيه # # | المسألة العاشرة # اتفق الأكثرون على أن إجماع أهل المدينة وحدهم لا يكون حجة على من خالفهم ~~في حالة انعقاد إجماعهم خلافا لمالك فإنه قال يكون حجة PageV01P302 # ومن أصحابه من قال إنما أراد بذلك ترجيح روايتهم على رواية غيرهم # ومنهم من قال أراد به أن يكون إجماعهم أولى # ولا تمتنع مخالفته # ومنهم من قال أراد بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم # والمختار مذهب الأكثرين # وذلك أن الأدلة الدالة على كون الإجماع حجة متناولة لأهل المدينة والخارج ~~عن أهلها وبدونه لا يكونون كل الأمة ولا كل المؤمنين فلا يكون إجماعهم حجة ~~على ما عرف في المسائل المتقدمة # احتج من نصر مذهب مالك بالنص والمعقول أما النص فقوله عليه السلام إن ~~المدينة طيبة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد والخطأ من الخبث فكان ~~منفيا عنها # وقال عليه السلام إن الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها ~~وقال عليه السلام لا يكايد أحد أهل المدينة إلا انماع كما ينماع الملح في ms189 ~~الماء # وأما المعقول فمن ثلاثة أوجه الأول هو أن المدينة دار هجرة النبي عليه ~~السلام وموضع قبره ومهبط الوحي ومستقر الإسلام ومجمع الصحابة فلا يجوز أن ~~يخرج الحق عن قول أهلها # الثاني أن أهل المدينة شاهدوا التنزيل وسمعوا التأويل وكانوا أعرف بأحوال ~~الرسول من غيرهم فوجب أن لا يخرج الحق عنهم # الثالث أن رواية أهل المدينة مقدمة على رواية غيرهم فكان إجماعهم حجة على ~~غيرهم PageV01P303 # والجواب عن النص الأول أنه وإن دل على خلوص المدينة عن الخبث فليس فيه ما ~~يدل على أن من كان خارجا عنها لا يكون خالصا عن الخبث ولا على كون إجماع ~~أهل المدينة دونه حجة # وتخصيصه للمدينة بالذكر إنما كان إظهارا لشرفها وإبانة لخطرها وتمييزا ~~لها عن غيرها لما اشتملت عليه من الصفات المذكورة في الوجه الأول من ~~المعقول # وهو الجواب عن باقي النصوص # وعن الوجه الأول من المعقول أن غايته اشتمال المدينة على صفات موجبة ~~لفضلها وليس في ذلك ما يدل على انتفاء الفضيلة عن غيرها ولا على الاحتجاج ~~بإجماع أهلها # ولهذا فإن مكة أيضا مشتملة على أمور موجبة لفضلها كالبيت المحترم والمقام ~~وزمزم والحجر المستلم والصفا والمروة ومواضع المناسك وهي مولد النبي عليه ~~السلام ومبعثه ومولد إسماعيل ومنزل إبراهيم # ولم يدل ذلك على الاحتجاج بإجماع أهلها على مخالفيهم إذ لا قائل به # وإنما الاعتبار بعلم العلماء واجتهاد المجتهدين ولا أثر للبقاع في ذلك # وعن الوجه الثاني أن ذلك لا يدل على انحصار أهل العلم فيها والمعتبرين من ~~أهل الحل والعقد ومن تقوم الحجة بقولهم فإنهم كانوا منتشرين في البلاد ~~متفرقين في الأمصار وكلهم فيما يرجع إلى النظر والاعتبار سواء # ولهذا قال عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ولم يخصص ~~ذلك بموضع دون موضع لعدم تأثير المواضع في ذلك # وعن الوجه الثالث أنه تمثيل من غير دليل موجب للجمع بين الرواية والدراية # كيف وإن الفرق حاصل وذلك من جهة الإجمال والتفصيل وأما الإجمال فهو أن ~~الرواية يرجح فيها بكثرة الرواة حتى إنه يجب ms190 على كل PageV01P304 مجتهد ~~الأخذ بقول الأكثر بعد التساوي في جميع الصفات المعتبرة في قبول الرواية ~~ولا كذلك في الاجتهاد فإنه لا يجب على أحد من المجتهدين الأخذ بقول الأكثر ~~من المجتهدين ولا بقول الواحد أيضا # وأما من جهة التفصيل فهو أن الرواية مستندها السماع ووقوع الحوادث ~~المروية في زمن النبي عليه السلام وبحضرته # ولما كان أهل المدينة أعرف بذلك وأقرب إلى معرفة المروي كانت روايتهم ~~أرجح # وأما الاجتهاد فإن طريقه النظر والبحث بالقلب والاستدلال على الحكم # وذلك مما لا يختلف بالقرب والبعد ولا يختلف باختلاف الأماكن # وعلى ما ذكرناه فلا يكون إجماع أهل الحرمين مكة والمدينة والمصرين الكوفة ~~والبصرة حجة على مخالفيهم وإن خالف فيه قوم لما ذكرناه من الدليل # # | المسألة الحادية عشرة # لا يكفي في انعقاد الإجماع اتفاق أهل البيت مع مخالفة غيرهم لهم خلافا ~~للشيعة للدليل السابق في المسائل المتقدمة # احتج المثبتون بالكتاب والسنة والمعقول أما الكتاب فقوله تعالى @QB@ إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا @QE@ 33 الأحزاب 33 ) ~~أخبر بذهاب الرجس عن أهل البيت بإنما وهي للحصر فيهم وأهل البيت علي وفاطمة ~~والحسن والحسين # ويدل على هذا أنه لما نزلت هذه الآية أدار النبي عليه السلام الكساء على ~~هؤلاء وقال هؤلاء أهل بيتي والخطأ والضلال من الرجس فكان منتفيا عنهم ~~PageV01P305 # وأما السنة فقوله عليه السلام إني تارك فيكم الثقلين فإن تمسكتم ~~PageV01P306 بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي حصر التمسك بهما فلا تقف الحجة ~~على غيرهما # وأما المعقول فهو أن أهل البيت اختصوا بالشرف والنسب وأنهم أهل بيت ~~الرسالة ومعدن النبوة والوقوف على أسباب التنزيل ومعرفة التأويل وأفعال ~~الرسول وأقواله لكثرة مخالطتهم له عليه السلام وأنهم معصومون عن الخطإ على ~~ما عرف في موضعه من الإمامة والآية المذكورة أولا فكانت أقوالهم وأفعالهم ~~حجة على غيرهم بل قول الواحد منهم ضرورة عصمته عن الخطإ كما في أقوال النبي ~~عليه السلام وأفعاله # والجواب عن التمسك بالآية أنها إنما نزلت في زوجات النبي عليه السلام ~~لقصد دفع التهمة ms191 عنهن وامتداد الأعين بالنظر إليهن # ويدل على ذلك أول الآية وآخرها وهو قوله تعالى @QB@ يا نساء النبي لستن ~~كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن ~~قولا معروفا @QE@ 33 الأحزاب 32 ) إلى قوله @QB@ وقرن في بيوتكن ولا تبرجن ~~تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت @QE@ 33 الأحزاب 33 ) وقوله عليه ~~السلام هؤلاء أهل بيتي لا ينافي كون الزوجات من أهل البيت ويدل عليه الآية ~~المخاطبة لهم بأهل البيت # والخبر وهو ما روي عن أم سلمة أنها قالت للنبي عليه السلام ألست من أهل ~~البيت قال بلى إن شاء الله # فإن قيل لو كان المراد بقوله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت الزوجات لقال ( ~~عنكن ) # قلنا إنما قال ( عنكم ) لأن أول الآية وإن كان خطابا مع الزوجات ~~PageV01P307 غير أنه لما خاطبهن بأهل البيت أدخل معهن غيرهن من الذكور كعلي ~~والحسن والحسين فجاء بخطاب التذكير لأن الجمع إذا اشتمل على مذكر ومؤنث غلب ~~جمع التذكير وصار كما في قوله تعالى في حق زوجه إبراهيم @QB@ فبشرناها ~~بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا ~~إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل ~~البيت @QE@ 11 هود 71 73 ) فكان ذلك عائدا إليها وإلى من حواه بيت إبراهيم ~~من ذكر وأنثى # وعن الخبر أنه من باب الآحاد # وعندهم أنه ليس بحجة وإن كان حجة ولكن لا نسلم أن المراد بالثقلين الكتاب ~~والعترة بل الكتاب والسنة على ما روي أنه قال كتاب الله وسنتي وإن كان كما ~~ذكروه غير أنه أمكن حمله على الرواية عنه عليه السلام وروايتهم حجة # ويجب الحمل على ذلك جمعا بين الأدلة وإنما خصهم بذلك لأنهم أخبر بحاله من ~~أقواله وأفعاله # ثم ما ذكروه معارض بقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ~~وبقوله ms192 اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وبقوله خذوا شطر دينكم عن ~~الحميراء وليس العمل بما ذكرتموه أولى مما ذكرناه # وعن المعقول أما اختصاصهم بالشرف والنسب فلا أثر له في الاجتهاد واستنباط ~~الأحكام من مداركها بل المعول في ذلك إنما هو على الأهلية للنظر والاستدلال ~~ومعرفة المدارك الشرعية وكيفية استثمار الأحكام منها وذلك مما لا يؤثر فيه ~~الشرف ولا قرب القرابة # وأما كثرة المخالطة للنبي عليه السلام فذلك مما يشارك العترة فيه ~~PageV01P308 الزوجات ومن كان يصحبه من الصحابة في السفر والحضر من خدمه ~~وغيرهم # وأما العصمة فلا يمكن التمسك بها لما بيناه في الكتب الكلامية # وأما الآية فقد بينا أن المراد بنفي الرجس إنما هو نفي الظنة والتهمة عن ~~زوجات النبي عليه السلام وذلك بمعزل عن الخطإ والضلال في الاجتهاد والنظر ~~في الأحكام الشرعية # وعلى هذا فقد بطل أن يكون قول الواحد منهم أيضا حجة # ويؤيد ذلك أن عليا عليه السلام لم ينكر على أحد ممن خالفه فيما ذهب إليه ~~من الأحكام ولم يقل له إن الحجة فيما أقول مع كثرة مخالفيه # ولو كان ذلك منكرا فقد كان متمكنا من الإنكار فيما خولف فيه في زمن ~~ولايته وظهور شوكته فتركه لذلك يكون خطأ منه ويخرج بذلك عن العصمة وعن وجوب ~~اتباعه فيما ذهب إليه # # | المسألة الثانية عشرة # لا ينعقد إجماع الأئمة الأربعة مع وجود المخالف لهم من الصحابة عند ~~الأكثرين خلافا لأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه وللقاضي أبي حازم من ~~أصحاب أبي حنيفة # وكذلك لا ينعقد إجماع الشيخين أبي بكر وعمر مع مخالفة غيرهما لهما خلافا ~~لبعض الناس # ودليل ذلك ما سبق في المسائل المتقدمة # حجة من قال بانعقاد إجماع الأئمة الأربعة قوله عليه السلام عليكم بسنتي ~~وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ أوجب اتباع سنتهم كما ~~أوجب اتباع سنته # والمخالف لسنته لا يعتد بقوله فكذلك المخالف لسنتهم PageV01P309 # وحجة من قال بانعقاد إجماع الشيخين قوله عليه السلام اقتدوا باللذين من ~~بعدي أبي بكر وعمر # والجواب عن ms193 الخبر الأول أنه عام في كل الخلفاء الراشدين ولا دلالة فيه ~~على الحصر في الأئمة الأربعة وإن دل على الحصر فهو معارض بقوله عليه السلام ~~أصابي كالنجوم الحديث # وليس العمل بأحد الخبرين أولى من الآخر # وإذا تعارض الخبران سلم لنا ما ذكرناه وبهذا يبطل الاستدلال بالخبر الآخر ~~أيضا # # | المسألة الثالثة عشرة # اختلفوا في اشتراط عدد التواتر في الإجماع فمن استدل على كون الإجماع حجة ~~بدلالة العقل وهو أن الجمع الكثير لا يتصور تواطئهم على الخطإ كإمام ~~الحرمين وغيره فلا بد من اشتراط ذلك عنده لتصور الخطإ على من دون عدد ~~التواتر وأما من احتج على ذلك بالأدلة السمعية فقد اختلفوا فمنهم من شرطه ~~ومنهم من لم يشترطه # والحق أنه غير مشترط لما بيناه من أن إثبات الإجماع بطريق العقل غير ~~متصور وأنه لا طريق إليه سوى الأدلة السمعية من الكتاب والسنة # وعلى هذا فمهما كان عدد الإجماع أنقص من عدد التواتر صدق عليهم لفظ ( ~~الأمة ) و ( المؤمنين ) وكانت الأدلة السمعية موجبة لعصمتهم عن الخطإ عليهم ~~ووجب اتباعهم # فإن قيل ما ذكرتموه إنما يصح بتقدير عود عدد المسلمين إلى ما دون عدد ~~التواتر وذلك غير متصور مهما دام التكليف من الله تعالى بدين الإسلام وذلك ~~لأن التكليف به إنما يكون مع قيام الحجة على ذلك والحجة على ذلك إنما تكون ~~بالنقل المفيد لوجود محمد وتحديه بالرسالة وما ورد على PageV01P310 لسانه ~~من معجز الكتاب والسنة وأدلة الأحكام يقينا ولا يفيد ذلك غير التواتر من ~~أخبار المسلمين لعدم نقل غيرهم لذلك ومبالغتهم في محو ذلك وإعدامه # سلمنا إمكان انتفاء التكليف مع عود عدد المجمعين إلى ما دون عدد التواتر ~~ولكن ما دون عدد التواتر مما لا يعلم إسلامهم وإيمانهم بأقوالهم ومن لا ~~يعلم إيمانه لا يعلم صدقه في الخبر عن الدين # سلمنا إمكان حصول العلم بأقوال من عددهم دون عدد التواتر فلو لم يبق من ~~الأمة سوى واحد هل تقوم الحجة بقوله أم لا والجواب عن الأول أنا إن قلنا إن ~~أهل الإجماع ms194 هم أهل الحل والعقد فلا يلزم من نقصان عددهم عن عدد التواتر ~~انقطاع الحجة بالتكليف لإمكان حصول المعرفة بذلك من أخبار المجتهدين ~~والعامة جميعا فإنه ليس من شرط التواتر أن يكون ناقله مجتهدا # وإن قلنا إن العوام داخلة في الإجماع ومع ذلك فعدد الجميع دون عدد ~~التواتر فلا يلزم أيضا انقطاع ذلك لإمكان إدامة الله ذلك بأخبار المسلمين ~~وأخبار الكفار معهم وإن كانوا لا يعترفون بنبوة محمد عليه السلام وبخبر ~~العدد القليل لاحتفاف القرائن المفيدة للعلم بأخبارهم ويدل على ذلك قوله ~~عليه السلام لا تزال طائفة من أمتي تقوم بالحق حتى يأتي أمر الله وبتقدير ~~عدم ذلك كله فانقطاع التكليف وانتهاء الإسلام غير ممتنع عقلا ولا شرعا # ولذلك قال عليه السلام أول ما يفقد من دينكم الأمانة وآخر ما يفقد الصلاة ~~وقال عليه السلام إن الله لا ينزع العلم من صدور الرجال ولكن ينزع العلم ~~بقبض العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فإذا سئلوا أفتوا ~~بغير علم فضلوا وأضلوا # وعن السؤال الثاني انه لا بعد في حصول العلم بخبرهم بما يحتف به من ~~PageV01P311 القرائن بل ولا بعد في ذلك وأن كان المخبر واحدا وأن يخلق الله ~~لنا العلم الضروري بذلك # وعن السؤال الثالث أن ذلك مما اختلف فيه جواب الأصحاب فمنهم من قال إن ~~قوله يكون حجة متبعة لأنه إذا لم يوجد من الأمة سواه صدق عليه إطلاق لفظ ( ~~الأمة ) ودليله قوله تعالى @QB@ إن إبراهيم كان أمة قانتا @QE@ 16 النحل ~~120 ) أطلق لفظ ( الأمة ) عليه وهو واحد # والأصل في الإطلاق الحقيقة وإذا كان أمة كانت النصوص السابق ذكرها ~~متناولة له حسب تناولها للجمع الكثير # ومنهم من أنكر ذلك مصيرا منه إلى أن لفظ ( الإجماع ) مشعر بالاجتماع وأقل ~~ما يكون ذلك من اثنين فصاعدا # # | المسألة الرابعة عشرة # اختلفوا فيما إذا ذهب واحد من أهل الحل والعقد إلى حكم وعرف به أهل عصره # ولم ينكر عليه منكر هل يكون ذلك إجماعا فذهب أحمد بن حنبل وأكثر أصحاب ~~أبي حنيفة ms195 وبعض أصحاب الشافعي والجبائي إلى أنه إجماع وحجة # لكن من هؤلاء من شرط في ذلك انقراض العصر كالجبائي # وذهب الشافعي إلى نفي الأمرين وهو منقول عن داود وبعض أصحاب أبي حنيفة # وذهب أبو هاشم إلى أنه حجة وليس بإجماع # وذهب أبو علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي إلى أنه إن كان ذلك حكما من ~~حاكم لم يكن إجماعا وإن كان فتيا كان إجماعا وقد احتج النافون لكونه إجماعا ~~بأن سكوت من سكت PageV01P312 يحتمل أن يكون لأنه موافق # ويحتمل أنه لم يجتهد بعد في حكم الواقعة ويحتمل أنه اجتهد لكن لم يؤده ~~اجتهاده إلى شيء وإن أدى اجتهاده إلى شيء فيحتمل أن يكون ذلك الشيء مخالفا ~~للقول الذي ظهر # لكنه لم يظهره إما للتروي والتفكر في ارتياد وقت يتمكن من إظهاره وإما ~~لاعتقاده أن القائل بذلك مجتهد ولم ير الإنكار على المجتهد لاعتقاده أن كل ~~مجتهد مصيب أو لأنه سكت خشية ومهابة وخوف ثوران فتنة كما نقل عن ابن عباس ~~أنه وافق عمر في مسألة العول وأظهر النكير بعده وقال هبته وكان رجلا مهيبا ~~وإما لظنه أن غيره قد كفاه مؤنة الإنكار وهو مخطىء فيه # ومع هذه الاحتمالات فلا يكون سكوتهم مع انتشار قول المجتهد فيما بينهم ~~إجماعا ولا حجة # وأما حجة ابن أبي هريرة أن العادة جارية بأن الحاضر مجالس الحكام يحضر ~~على بصيرة من خلافهم له فيما ذهب إليه من غير إنكار لما في الإنكار من ~~الافتيات عليهم ولأن حكم الحاكم يقطع الخلاف ويسقط الاعتراض بخلاف قول ~~المفتي فإن فتواه غير لازمة ولا مانعة من الاجتهاد # وفي هاتين الحجتين نظر أما الأولى فما ذكر فيها من الاحتمالات وإن كانت ~~منقدحة عقلا فهي خلاف الظاهر من أحوال أرباب الدين وأهل الحل والعقد # أما احتمال عدم الاجتهاد في الواقعة فبعيد من الخلق الكثير والجم الغفير ~~لما فيه من إهمال حكم الله تعالى فيما حدث مع وجوبه عليهم PageV01P313 ~~وإلزامهم به وامتناع تقليدهم لغيرهم مع كونهم من المجتهدين فإنه معصية # والظاهر عدم ms196 ارتكابها من المتدين المسلم # وأما احتمال عدم تأدية الاجتهاد إلى شيء من الأحكام فبعيد أيضا لأن ~~الظاهر أنه ما من حكم إلا ولله تعالى عليه دلائل وأمارات تدل عليه # والظاهر ممن له أهلية الاجتهاد إنما هو الاطلاع عليها والظفر بها # وأما احتمال تأخير الإنكار للتروي والتفكر وإن كان جائزا غير أن العادة ~~تحيل ذلك في حق الجميع ولا سيما إذا مضت عليهم أزمنة كثيرة حتى انقرض العمر ~~من غير نكير # وأما احتمال السكوت عنه لكونه مجتهدا فذلك مما لا يمنع من مباحثته ~~ومناظرته وطلب الكشف عن مأخذه لا بطريق كالعادة الجارية من زمن الصحابة إلى ~~زمننا هذا بمناظرة المجتهدين وأئمة الدين فيما بينهم لتحقيق الحق وإبطال ~~الباطل كمناظرتهم في مسائل الجد والإخوة وقوله أنت علي حرام والعول ودية ~~الجنين ونحو ذلك من المسائل # وأما احتمال التقية فبعيد أيضا وذلك لأن التقية إنما يكون فيما يحتمل ~~المخافة ظاهرا وليس كذلك لوجهين # الأول أن مباحث المجتهدين غير مستلزمة لذلك وذلك لأن الغالب من حال ~~المجتهد وهو من سادات أرباب الدين أن مباحثته فيما ذهب إليه لا توجب خيفة ~~على نفسه ولا حقدا في صدره تخاف عاقبته إذ هو خلاف مقتضى الدين # الثاني أنه إما أن يكون خاملا غير مخوف فلا تقية بالنسبة إليه وإن كان ذا ~~شوكة وقوة كالإمام الأعظم فمحاباته في ذلك تكون غشا في الدين والكلام معه ~~فيه يعد نصحا # والغالب إنما هو سلوك طريق النصح وترك الغش من أرباب الدين كما نقل عن ~~علي في رده على عمر في عزمه على إعادة الجلد على أحد الشهود على المغيرة ~~بقوله إن PageV01P314 جلدته فأرجم صاحبك # ورد معاذ عليه في عزمه على جلد الحامل بقوله إن جعل الله لك على ظهرها ~~سبيلا فما جعل لك على ما في بطنها سبيلا حتى قال عمر لولا معاذ لهلك عمر # ومن ذلك رد المرأة على عمر لما نهى عن المغالاة في مهور النساء بقولها ~~أيعطينا الله تعالى بقوله @QB@ وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ms197 ~~@QE@ 4 النساء 20 ) ويمنعنا عمر حتى قال عمر امرأة خاصمت عمر فخصمته # ومن ذلك قول عبيدة السلماني لعلي عليه السلام لما ذكر أنه قد تجدد له رأي ~~في بيع أمهات الأولاد رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك إلى غير ذلك ~~من الوقائع # وأما حجة ابن أبي هريرة فإنما تصح بعد استقرار المذاهب # وأما قبل ذلك فلا نسلم أن السكوت لا يكون إلا عن رضى وعلى هذا فالإجماع ~~السكوتي ظني والاحتجاج به ظاهر لا قطعي # # | المسألة الخامسة # عشرة إذا ذهب واحد من أهل الحل والعقد إلى حكم في مسألة # ولم ينتشر بين أهل عصره لكنه يعرف له مخالف هل يكون إجماعا اختلفوا فيه ~~والأكثر على أنه ليس بإجماع وهو المختار # وذلك لأنه إنما يتخيل كونه إجماعا من أهل العصر إذا علموا بقوله وسكتوا ~~عن الإنكار على ما تقدم في المسألة التي قبلها # وأما إذا لم يعلموا به فيمتنع رضاهم به أو سخطهم # ومع ذلك فيحتمل أن لا يكون لهم في تلك المسألة قول لعدم خطورها ببالهم # وإن كان لهم فيها قول احتمل أن يكون موافقا للمنقول إلينا واحتمل أن يكون ~~مخالفا له احتمالا على السواء # ومن لا قول له في PageV01P315 نفس الأمر في المسألة أو له قول لكنه متردد ~~بين الموافقة والمخالفة فلا تتحقق منه الموافقة والإجماع # وإذا لم يكن ذلك إجماعا فهل يكون ما نقل إلينا من قول الصحابي حجة متبعة ~~أو لا # فسيأتي الكلام فيه فيما بعد # # | المسألة السادسة عشرة # اختلفوا في انقراض العصر هل هو شرط في انعقاد الإجماع أو لا PageV01P316 ~~فذهب أكثر أصحاب الشافعي وأبي حنيفة والأشاعرة والمعتزلة إلى أنه ليس بشرط # وذهب أحمد بن حنبل والأستاذ أبو بكر بن فورك إلى اعتباره شرطا # ومن الناس من فصل وقال إن كان قد اتفقوا بأقوالهم أو أفعالهم أو بهما لا ~~يكون انقراض العصر شرطا # وإن كان الإجماع بذهاب واحد من أهل الحل والعقد إلى حكم وسكت الباقون عن ~~الإنكار مع اشتهاره فيما بينهم فهو شرط # وهذا ms198 هو المختار # لكن قد احتج القائلون بعدم الاشتراط بمسلكين ضعيفين لا بد من الإشارة ~~إليهما ووجه ضعفهما # ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار # المسلك الأول أنهم قالوا وقع الإجماع على كون الإجماع حجة بعد انقراض ~~العصر إذا لم يوجد لهم مخالف فالحجة إما أن تكون في نفس الاتفاق أو نفس ~~انقراض العصر أو مجموع الأمرين # لا جائز أن يقال بالثاني وإلا كان انقراض العصر دون الاتفاق حجة وهو محال ~~ولا جائز أن يقال بالثالث وإلا كان موتهم مؤثرا في جعل أقوالهم حجة وهو ~~محال كما في موت النبي عليه السلام # فلم يبق سوى الأول وهو ثابت قبل انقراض العصر وذلك هو المطلوب # ولقائل أن يقول ما المانع أن تكون الحجة في اتفاقهم مشروطا بعدم المخالف ~~لهم في عصرهم # ولا يخفى أن دعوى إحالة ذلك غير محل النزاع ولا يلزم من عدم اشتراط عدم ~~مخالفة النبي عليه السلام في صحة الاحتجاج بقوله عدم اشتراط ذلك فيما نحن ~~فيه إذ هو تمثيل من غير جامع صحيح كيف والفرف حاصل من جهة أن قول النبي ~~مستند إلى الوحي على ما قال PageV01P317 تعالى @QB@ وما ينطق عن الهوى إن ~~هو إلا وحي يوحى @QE@ 53 النجم 34 ) وقول غيره ليس عن وحي حتى يقع في ~~مقابلة قوله وأما قول غيره فمستند إلى الاجتهاد وقول المخالف له أيضا مستند ~~إلى الاجتهاد وليس أحدهما أولى من الآخر فافترقا # المسك الثاني هو أن القول باشتراط انقراض العصر يفضي إلى عدم تحقق ~~الإجماع مطلقا مع كونه حجة متبعة # وكل شرط أفضى إلى إبطال المشروط المتفق على تحقيقه كان باطلا # وبيان ذلك أن من اشترط انقراض العصر جوز لمن حدث من التابعين لأهل ذلك ~~العصر إذا كان من أهل الاجتهاد مخالفتهم وشرط في صحة إجماعهم موافقته لهم ~~وإذا صار التابعي من أهل الإجماع فقد لا ينقرض عصرهم حتى يحدث تابع التابعي # والكلام فيه كالكلام في الأول وهلم جرا إلى يوم القيامة # ومع ذلك فلا يكون الإجماع متحققا في عصر من ms199 الأعصار # ولقائل أن يقول القائلون باشتراط انقراض العصر اختلفوا في إدخال من أدرك ~~المجمعين من التابعين لهم في إجماعهم فذهب أحمد بن حنبل إلى أنه لا مدخل ~~للتابعي في إجماع أهل ذلك العصر في إحدى الروايتين عنه مع أنه يشترط انقراض ~~العصر # وفائدة اشتراطه لذلك إمكان رجوع المجمعين أو بعضهم عما حكموا به أولا لا ~~لجواز وجود مجتهد آخر وعلى هذا فالإشكال يكون مندفعا # وبتقدير تسليم دخول التابع لهم في إجماعهم فلا يمتنع أن يكون الشرط هو ~~انقراض عصر المجمعين عند حدوث الحادثة واعتبار موافقة من أدرك ذلك العصر من ~~المجتهدين لا عصر من أدرك عصرهم # وعلى هذا فالإشكال لا يكون متجها # والمعتمد في ذلك أن يقال إذا اتفق إجماع أمة عصر من الأعصار PageV01P318 ~~على حكم حادثة فهم كل الأمة بالنسبة إلى تلك المسألة وتجب عصمتهم في ذلك عن ~~الخطإ على ما سبق من النصوص في مسألة إثبات كون الإجماع حجة وذلك غير متوقف ~~على انقراض عصرهم # هذا فيما إذا اتفقوا على الحكم بأقوالهم أو أفعالهم أو بهما وأما إن حكم ~~واحد بحكم وانتشر حكمه فيما بينهم وسكتوا عن الإنكار وإن كان الظاهر ~~الموافقة على ما سبق تقريره فذلك مما لا يمنع من إظهار بعضهم المخالفة في ~~وقت آخر لاحتمال أن يكون في مهلة النظر # وقد ظهر له الدليل عند ذلك # ويدل على ظهور هذا الاحتمال إظهاره للمخالفة # فإنه لو كان سكوته عن موافقة ودليل لكان الظاهر عدم مخالفته لذلك الدليل # وأما إن حدث تابعي مخالف مع إصرار الباقين على السكوت فالظاهر أنه لا ~~يعتد بمخالفته في مقابلة الإجماع الظاهر # احتج المخالفون بالنص والآثار والمعقول أما النص فقوله تعالى @QB@ وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس @QE@ 2 البقرة 143 ) ووجه ~~الدلالة أنه جعلهم حجة على الناس ومن جعل إجماعهم مانعا لهم من الرجوع فقد ~~جعلهم حجة على أنفسهم # وأما الآثار فمنها ما روي عن علي عليه السلام أنه قال اتفق رأيي ورأي عمر ~~على أن لا تباع أمهات الأولاد ms200 والآن فقد رأيت بيعهن أظهر الخلاف بعد الوفاق ~~ودليله قول عبيدة السلماني رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك # وقول عبيدة دليل سبق الإجماع # ومنها أن عمر خالف ما كان عليه أبو بكر والصحابة في زمانه من التسوية في ~~القسم وأقره الصحابة أيضا على ذلك PageV01P319 # ومنها أن عمر حد الشارب ثمانين وخالف ما كان أبو بكر والصحابة عليه من ~~الحد أربعين # وأما المعقول فمن أربعة أوجه # الأول أن إجماعهم ربما كان عن اجتهاد وظن ولا حجر على المجتهد إذا تغير ~~اجتهاده وإلا كان الاجتهاد مانعا من الاجتهاد وهو ممتنع # وذلك لأن العادة جارية بأن الرأي والنظر عند المراجعة وتكرر النظر يكون ~~أوضح وأصح # ويدل عليه قوله تعالى @QB@ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي ~~الرأي @QE@ 11 هود 27 ) جعلوا بادي الرأي ذما وطعنا فلا يجوز أن يكون محكما ~~على الرأي الثاني # الوجه الثاني أنه لو لم تعتبر المخالفة في عصرهم لبطل مذهب المخالف لهم ~~في عصرهم بموته لأن من بقي بعده كل الأمة وذلك خلاف الإجماع # الوجه الثالث أن قول الجماعة لا يزيد على قول النبي عليه السلام ووفاة ~~النبي شرط في استقرار الحجة فيما يقوله # فاشتراط ذاك في استقرار قول الجماعة أولى # الوجه الرابع أنه لو لم يشترط انقراض العصر وإلا فبتقدير أن يتذكر واحد ~~منهم أو جماعة منهم أوجملتهم حديثا عن رسول الله على خلاف إجماعهم # فإن جاز رجوعهم إليه كان الإجماع الأول خطأ وإن لم يجز الرجوع كان ~~استمرارهم على الحكم مع ظهور دليل يناقضه وهو أيضا خطأ ولا مخلص منه إلا ~~باشتراط انقراض العصر # والجواب عن الآية من وجهين PageV01P320 الأول أنه لا يلزم من وصفهم بأنهم ~~شهداء على الناس وحجة على غيرهم امتناع كون أقوالهم حجة على أنفسهم إلا ~~بطريق المفهوم ولا حجة فيه على ما يأتي بل ربما كان قبول قولهم على أنفسهم ~~أولى من قبوله على غيرهم لعدم التهمة وتكون فائدة التخصيص التنبيه بالأدنى ~~على الأعلى # ولهذا فإنه قد يقبل إقرار المرء ms201 على نفسه وإن كان لا تقبل شهادته على ~~غيره # الثاني أن المراد بجعلهم شهداء على الناس في يوم القيامة بإبلاغ الأنبياء ~~إليهم فلا يكون ذلك حجة فيما نحن فيه # وعن الآثار أما قول علي فليس فيه ما يدل على اتفاق الأمة وإلا قال رأيي ~~ورأي الأمة # والذي يدل على ذلك أنه قد نقل أن جابر بن عبد الله كان يرى جواز بيعهن في ~~زمن عمر ومع مخالفته فلا إجماع # وقول السلماني ليس فيه أيضا ما يدل على اتفاق الجماعة على ذلك # لأنه يحتمل أنه أراد به رأيك مع رأي الجماعة ويحتمل أنه أراد به رأيك في ~~زمن الجماعة والإلفة والطاعة للإمام أحب إلينا من رأيك في زمن الفتنة ~~وتشتيت الكلمة نفيا للتهمة عن علي في تطرقها إليه في مخالفة الشيخين ~~وبتقدير أن يكون علي قد خالف بعد انعقاد الإجماع فلعله كان ممن يرى اشتراط ~~انقراض العصر # ولا حجة في قول المجتهد الواحد في محل النزاع # وأما قضية التسوية فلا نسلم أن عمر خالف فيها بعد الوفاق فإنه روي أنه ~~خالف أبا بكر في ذلك في زمانه وقال له أتجعل من جاهد في سبيل الله بنفسه ~~وماله كمن دخل في الإسلام كرها فقال أبو بكر إنما عملوا لله وإنما أجرهم ~~على الله وإنما الدنيا بلاغ # ولم يرو أن عمر رجع إلى قول أبي بكر وإنما فضل في زمانه وعود الأمر إليه ~~لأنه كان مصرا على المخالفة # وأما حده للشارب ثمانين فغايته أنه خالف الإجماع السكوتي ونحن ~~PageV01P321 نقول بجواز ذلك لكونه كان من جملة الساكتين على ما بيناه في ~~المسألة المتقدمة # وعن الحجة الأولى من المعقول أنه وإن كان مصير كل واحد من المجتهدين إلى ~~الحكم عن اجتهاد وظن ولكن بعد اتفاقهم على الحكم إنما يجوز الرجوع عنه ~~بالاجتهاد أن لو لم يصر الحكم بإجماعهم قطعيا # وأما إذا صار قطعيا فيمتنع العود عنه وتركه بالاجتهاد الظني # وهذا بخلاف العود عن الاجتهاد الظني بالاجتهاد الظني # وعن الثانية أنه قد ذهب بعض من نص ms202 هذا المذهب إلى إبطال مذهب المخالف ~~بموته وقال بانعقاد إجماع من بقي ومنهم من قال إنما لم يبطل مذهبه ولا ~~ينعقد الإجماع بعده لأن من بعده ليس هم كل الأمة بالنسبة إلى هذه المسألة ~~التي خالف فيها الميت فإن فتواه لا تبطل بموته وهو الحق # وعن الثالثة بالفرق بين النبي عليه السلام والأمة أن قوله إنما لم يستقر ~~قبل موته لإمكان نسخه من الله تعالى وهو مرتقب # وذلك إنما هو بالوحي القاطع ورفع القاطع بالقاطع على طريق النسخ غير ~~ممتنع بخلاف رفع حكم الإجماع القاطع بطريق الاجتهاد # وعن الرابعة أن ما فرضوه من تذكر الخبر المخالف لإجماعهم فهو فرض محال بل ~~الله تعالى يعصم الأمة عن الإجماع على خلاف الخبر وذلك يوجب إما عدم الخبر ~~المخالف أو أن يعصم الراوي له عن النسيان إلى تمام انعقاد الإجماع # وعلى هذا يكون الحكم فيما يقال من اطلاع التابعين على خبر مخالف للإجماع ~~السابق # # | المسألة السابعة # عشرة اتفق الكل على أن الأمة لا تجتمع على الحكم إلا عن مأخذ ومستند ~~PageV01P322 يوجب اجتماعها خلافا لطائفة شاذة فإنهم قالوا بجواز انعقاد ~~الإجماع عن توفيق لا توقيف بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب من غير ~~مستند # وقد احتج النافون لذلك بمسالك المسلك الأول إنهم قالوا مع فقد الدليل ~~والمستند لا يجب الوصول إلى الحق أي لا يلزم # ولقائل أن يقول متى لا يلزم ذلك إذا لم تجمع الأمة على الحكم أو إذا ~~أجمعت الأول مسلم والثاني دعوى محل النزاع فإنه ما المانع أنهم إذا اتفق ~~إجماعهم أن يوفقهم الله تعالى للصواب ضرورة استحالة إجماعهم على الخطإ لما ~~سبق في المسالك السمعية والكلام إنما هو في جواز ذلك لا في وقوعه # المسلك الثاني إن الصحابة ليسوا بآكد حالا من النبي عليه السلام # ومعلوم أنه لا يقول ولا يحكم إلا عن وحي على ما نطق به النص فالأمة أولى ~~أن لا تقول إلا عن دليل # ولقائل أن يقول إذا دل الدليل على امتناع الخطإ على الرسول فيما يقول ms203 ~~وكذلك الأمة فلو قال الرسول قولا # وحكم بحكم عن غير دليل لما كان إلا حقا ضرورة استحالة الخطإ عليه غير أنه ~~امتنع منه الحكم والقول من غير دليل لقوله تعالى @QB@ وما ينطق عن الهوى إن ~~هو إلا وحي يوحى @QE@ 53 النجم 3 4 ) وأما الأمة فقد دل الدليل على استحالة ~~الخطإ عليهم فيما أجمعوا عليه ولم يدل على أنهم لا يحكمون إلا عن دليل ~~فافترقا # المسلك الثالث إنه لو جاز أن يحكموا من غير مستند لجاز ذلك لكل واحد منهم ~~فإنهم إنما يجمعون على الحكم بأن يقول كل واحد به ولو جاز ذلك لآحادهم لم ~~يكن للجمع في ذلك مزية على الآحاد # ولقائل أن يقول المزية للجمع على الآحاد من وجهين PageV01P323 الأول أن ~~إجماعهم يكون حجة بخلاف قول كل واحد من الآحاد # الثاني أن جواز ذلك للآحاد مشروط بضم قول الباقي إليه لا أنه جائز من غير ~~ضم ولا كذلك قول الجميع فإنه جائز على الإطلاق # المسلك الرابع إن القول في الدين من غير دلالة ولا أمارة خطأ فلو اتفقوا ~~عليه كانوا مجمعين على الخطإ وذلك محال قادح في الإجماع # ولقائل أن يقول متى يكون ذلك خطأ إذا لم تجمع الأمة عليه أو إذا أجمعت ~~الأول مسلم والثاني دعوى محل النزاع # المسلك الخامس إن المقالة إذا لم تستند إلى دليل لا يعلم انتسابها إلى ~~وضع الشارع وما يكون كذلك لا يجوز الأخذ به # ولقائل أن يقول إما أن يراد بأنه لا يعرف انتسابها إلى وضع الشارع أنه لا ~~يعرف ذلك عن دليل شرعي أو أنه لا يعلم كونها مصيبة لحكم الشارع أو معنى آخر ~~الأول مسلم وهذا هو عين صورة الواقع المختلف فيه # والثاني دعوى محل النزاع والثالث فلا بد من تصويره والدلالة عليه # المسلك السادس أنه لو جاز انعقاد الإجماع من غير دليل لم يكن لاشتراط ~~الاجتهاد في قول المجمعين معنى وهو محال لأن اشتراط الاجتهاد مجمع عليه # ولقائل أن يقول الاجتهاد مشترط لا حالة الإجماع أو حالة الإجماع ms204 الأول ~~مسلم والثاني دعوى محل النزاع # فإن الخصم إذا قال بجواز الإصابة وامتناع الخطإ على الإجماع من غير دليل ~~كيف يسلم اشتراط الاجتهاد في مثل هذه الصورة # فهذه جملة ما ظفرت به من مسالك النافين وليس شيء منها موجبا لاستبعاد ~~مقالة المخالف والحكم ببعده عن الصواب # وأما المثبتون فقد احتجوا بمسلكين PageV01P324 الأول أن الإجماع حجة فلو ~~افتقر في جعله حجة إلى دليل لكان ذلك الدليل هو الحجة في إثبات الحكم ~~المجمع عليه ولم يكن في إثبات كون الإجماع حجة فائدة وهو باطل من ثلاثة ~~أوجه # الأول أنه أمكن أن يقال فائدة كون الإجماع حجة جواز الأخذ به وإسقاط ~~البحث عن ذلك الدليل وحرمة المخالفة الجائزة قبل الاتفاق # الثاني أن ما ذكروه يوجب عدم انعقاد الإجماع عن الدليل ولم يقولوا به # الثالث أنه ينتقض بقول الرسول فإنه حجة بالاتفاق مع أنه لا يقول ما يقوله ~~إلا عن دليل وهو ما يوحى به إليه على ما نطق به النص # المسلك الثاني استدلالهم بالواقع وهو أنهم قالوا قد انعقد الإجماع من غير ~~دليل كإجماعهم على أجرة الحمام وناصب الحباب على الطريق وأجرة الحلاق وأخذ ~~الخراج ونحوه # ولقائل أن يقول لا نسلم وقوع شيء من الإجماعات إلا عن دليل غايته أنه لم ~~ينقل الاكتفاء بالإجماع عنه وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين فالواجب أن ~~يقال إنهم إن أجمعوا عن غير دليل فلا يكون إجماعهم إلا حقا ضرورة استحالة ~~الخطإ عليهم # وأما أن يقال إنه لا يتصور إجماعهم إلا عن دليل أو يتصور فذلك مما قد ظهر ~~ضعف المأخذ فيه من الجانبين # # | المسألة الثامنة عشرة # القائلون بأنه لا ينعقد الإجماع إلا عن مستند اختلفوا في جواز انعقاده عن ~~الاجتهاد والقياس # فجوزه الأكثرون لكن اختلفوا في الوقوع نفيا وإثباتا # والقائلون بثبوته اختلفوا فمنهم من قال إن الإجماع مع ذلك يكون حجة تحرم ~~مخالفته وهم الأكثرون PageV01P325 ومنهم من قال لا تحرم مخالفته لأن القول ~~بالاجتهاد في ذلك يفتح باب الاجتهاد ولا يحرمه # وذهبت الشيعة وداود الظاهري وابن ms205 جرير الطبري إلى المنع من ذلك # ومن الناس من قال بجواز ذلك بالقياس الجلي دون الخفي # والمختار جوازه ووقوعه # وأنه حجة تمتنع مخالفته # أما دليل الجواز العقلي فهو أنا قد وجدنا الخلق الكثير الزائد على عدد ~~التواتر مجمعين على أحكام باطلة لا تستند إلى دليل قطعي ولا دليل ظني كما ~~ذكرناه في مسألة تصور انعقاد الإجماع # فجواز انعقاد الإجماع عن الدليل الظني الظاهر أولى كيف وأنا لو قدرنا ~~وقوع ذلك لما لزم عنه لذاته محال عقلا ولا معنى للجائز سوى هذا # وأما دليل الوقوع فهو أن الصحابة أجمعت على إمامة أبي بكر من طريق ~~الاجتهاد والرأي حتى قال جماعة منهم رضيه رسول الله لديننا أفلا نرضاه ~~لدنيانا وقال بعضهم إن تولوها أبا بكر تجدوه قويا في أمر الله ضعيفا في ~~بدنه وأيضا فإنهم اتفقوا على قتال مانعي الزكاة بطريق الاجتهاد حتى قال أبو ~~بكر والله لا فرقت بين ما جمع الله قال الله أقيموا الصلاة وآتو الزكاة # وأجمعوا على تحريم شحم الخنزير قياسا على تحريم لحمه وأجمعوا على إراقة ~~الشيرج والدبس السيال إذا وقعت فيه فأرة وماتت قياسا على فأرة السمن وعلى ~~تأمير خالد بن الوليد في موضع كانوا فيه باجتهادهم # وأجمعوا في زمن عمر على حد شارب الخمر ثمانين بالاجتهاد حتى قال علي عليه ~~السلام إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى PageV01P326 افترى فأرى أن ~~يقام عليه حد المفترين # وقال عبد الرحمن بن عوف هذا حد وأقل الحدود ثمانون # وأجمعوا أيضا بطريق الاجتهاد على جزاء الصيد ومقدار أرش الجناية ومقدار ~~نفقة القريب وعدالة الأئمة والقضاة ونحو ذلك # وإذا ثبت الجواز والوقوع وجب أن يكون حجة متبعة لما ثبت في مسألة كون ~~الإجماع حجة # فإن قيل ما ذكرتموه من دليل الجواز معارض بما يدل على عدمه وبيانه من ~~خمسة أوجه الأول أنه ما من عصر إلا وفيه جماعة من نفاة القياس وذلك مما ~~يمنع من انعقاد الإجماع مستندا إلى القياس # الثاني أن القياس أمر ظني # وقوى الناس وأفهامهم ms206 مختلفة في إدراك الوقوف عليه وذلك مما يحيل اتفاقهم ~~على إثبات الحكم به عادة كما يستحيل اتفاقهم على أكل طعام واحد في وقت واحد ~~لاختلاف أمزجتهم # الثالث أن الإجماع دليل مقطوع به حتى إن مخالفه يبدع ويفسق والدليل ~~المظنون الثابت بالاجتهاد على ضده وذلك مما يمنع إسناد الإجماع إليه # الرابع أن الإجماع أصل من أصول الأدلة وهو معصوم عن الخطإ # والقياس فرع وعرضة للخطإ # واستناد الأصل وما هو معصوم عن الخطإ إلى الفرع وما هو عرضة للخطإ ممتنع # الخامس أن الإجماع منعقد على جواز مخالفة المجتهد فلو انعقد الإجماع عن ~~اجتهاد أو قياس لحرمت المخالفة الجائزة بالإجماع وذلك تناقض # وأما ما ذكرتموه من دليل الوقوع فلا نسلم أن إجماعهم في جميع صور الإجماع ~~كان عن القياس والاجتهاد بل إنما كان ذلك عن نصوص ظهرت PageV01P327 ~~للمجمعين منها ما ظهر لنا وذلك كتمسك أبي بكر في قتال مانعي الزكاة بقوله ~~تعالى @QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ 2 البقرة 43 ) وباستثناء ~~النبي عليه السلام وهو قوله ( إلا ) بحقها من قوله أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله وكاستدلال الصحابة على تقديم أبي بكر بفعل النبي ~~عليه السلام حيث قالوا أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله ~~ومنها ما لم يظهر لنا للاكتفاء بالإجماع عن نقله # والجواب عن الوجه الأول أنا لا نسلم وقوع الخلاف في القياس في العصر ~~الأول ليصح ما ذكروه # ووجدوه الخلاف بعده في القياس غايته المنع من وقوع انعقاد الإجماع على ~~القياس بعد ظهور الخلاف فيه ولا يمنع من ذلك مطلقا # كيف وهو منقوض بخبر الواحد فإنه مختلف فيه وفي أسباب تزكيته ومع ذلك فقد ~~وافقوا على انعقاد الإجماع بناء عليه # وعن الثاني أن القياس إذا ظهر وعدم الميل والهوى فلا يبعد اتفاق العقلاء ~~عليه ويكون داعيا إلى الحكم به # وإن تعذر ذلك في وقت معين لتفاوت أفهامهم وجدهم في النظر والاجتهاد فلا ~~يتعذر ذلك في أزمنة متطاولة كما لا يتعذر اتفاقهم على العمل بخبر الواحد ms207 مع ~~أن عدالته مظنونة بما يظهر من الأمارات الدالة عليها والأسباب الموجبة ~~لتزكيته # وهذا بخلاف اتفاق الكافة على أكل طعام واحد # فإن اختلاف أمزجتهم موجب لاختلاف أغراضهم وشهواتهم ولا داعي لهم إلى ~~الاجتماع عليه كما وجد الداعي لهم عند ظهور القياس إلى الحكم بمقتضاه # وعن الثالث من وجهين الأول أن الأمة إذا اتفقت على ثبوت حكم القياس ~~فإجماعهم على ذلك يسبقه إجماعهم على صحة ذلك القياس وبذلك يخرج عن كونه ~~ظنيا فإذا استناد الإجماع القطعي إنما هو إلى قطعي لا إلى ظني PageV01P328 ~~الثاني أن ما ذكروه ينتقض بما وافقوا عليه من انعقاد الإجماع # بناء على خبر الواحد مع كونه ظنيا والإجماع المستند إليه قطعي فما هو ~~الجواب في صورة الإلزام يكون جوابا في محل النزاع # وعن الرابع أن القياس الذي هو مستند الإجماع ليس هو فرعا للإجماع بل ~~لغيره من الكتاب والسنة وذلك لا يتحقق معه بناء الإجماع على فرعه # قولهم إن القياس عرضة للخطإ بخلاف بالإجماع فجوابه ما سبق في جواب الوجه ~~الذي قبله # وعن الخامس أن الإجماع إنما انعقد على جواز مخالفة المجتهد المنفرد ~~باجتهاده كالواحد والاثنين دون اجتهاد الأمة # قولهم الأمة في الصورة المذكورة إنما أجمعت على نصوص # قلنا وإن أمكن التشبث بما أوردوه من النصوص في بعض الصور فما العذر فيما ~~لا يظهر فيه نص مع تصريحهم بالقياس وإلحاق صورة بصورة فيما ذكرناه ولو كان ~~لهم فيها نص لما عدلوا عنه إلى التصريح بالقياس وإذا ثبت جواز انعقاد ~~الإجماع عن القياس وعن غيره من الأدلة الظنية فلو ظهر دليل من الأدلة ~~الظنية ورأينا الأمة قد حكمت بمقتضاه وإن غلب على الظن كونه هو المستند فلا ~~يجب تعينه لجواز أن المستند غيره لتكثر الأدلة في نفس الأمر خلافا لأبي عبد ~~الله البصري # # | المسألة التاسعة # عشرة إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين هل يجوز لمن بعدهم إحداث ~~قول ثالث PageV01P329 اختلفوا فيه فذهب الجمهور إلى المنع من ذلك خلافا ~~لبعض الشيعة وبعض الحنفية وبعض أهل الظاهر وذلك ms208 كما لو قال بعض أهل العصر ~~إن الجارية الثيب إذا وطئها المشتري ثم وجد بها عيبا يمنع الرد وقال بعضهم ~~بالرد مع العقر فالقول بالرد مجانا قول ثالث # وكذلك لو قال بعضهم الجد يرث جميع المال مع الأخ وقال بعضهم بالمقاسمة ~~فالقول بأنه لا يرث شيئا قول ثالث # وكذلك إذا قال بعضهم النية معتبرة في جميع الطهارات وقال البعض النية ~~معتبرة في البعض دون البعض فالقول بأنها لا تعتبر في شيء من الطهارات قول ~~ثالث # وفي معنى هذا ما لو قال بعضهم بجواز فسخ النكاح بالعيوب الخمسة وقال ~~البعض لا يجوز الفسخ بشيء منها فالقول بالفسخ بالبعض دون البعض قول ثالث # وكذلك إذا قال بعضهم في زوج وأبوين أو زوجة وأبوين للأم ثلث الأصل في ~~المسألتين وقال بعضهم لها ثلث ما يبقى بعد نصيب الزوج والزوجة فالقول بأن ~~لها ثلث الأصل في إحدى المسألتين وثلث ما يبقى في المسألة الأخرى قول ثالث # احتج الغزالي على امتناع القول الثالث بأنه لو جاز القول الثالث فإما أن ~~لا يكون له دليل أو له دليل # فإن كان الأول فالقول به ممتنع وإن كان الثاني يلزم منه نسبته الخطأ إلى ~~الأمة بنسبتهم إلى تضييعه والغفلة عنه وهو محال وهو ضعيف PageV01P330 # فإنه إنما يلزم من ذلك نسبة الأمة إلى الخطإ أن لو كان الحق في المسألة ~~معينا وهو ليس كذلك على ما سيأتي وإذا كان كل مجتهد مصيبا فالتخطئة تكون ~~ممتنعة # واحتج القاضي عبد الجبار على ذلك بأن الأمة إذا اختلفت على قولين فقد ~~أجمعت من جهة المعنى على المنع من إحداث قول ثالث لأن كل طائفة توجب الأخذ ~~بقولها أو بقول مخالفها ويحرم الأخذ بغير ذلك وهو ضعيف أيضا وذلك لأن الخصم ~~إنما يسلم إيجاب كل واحدة من الطائفتين الأخذ بقولها أو قول مخالفها بتقدير ~~أن لا يكون اجتهاد الغير قد يفضي إلى القول الثالث # والمختار في ذلك إنما هو التفصيل # وهو أنه إن كان القول الثالث مما يرفع ما اتفق عليه القولان فهو ms209 ممتنع ~~لما فيه من مخالفة الإجماع وذلك كما في مسألة الجارية المشتراة فإنه إذا ~~اتفقت الأمة فيها على قولين وهما امتناع الرد والرد مع العقر فالقولان ~~متفقان على امتناع الرد مجانا فالقول به يكون خرقا للإجماع السابق # وكذلك في مسألة الجد فإنه إذا اتفقت الأمة على قولين وهما استقلاله ~~بالميراث ومقاسمته للأخ فقد اتفق الفريقان على أن للجد قسطا من المال ~~فالقول الحادث أنه لا يرث شيئا يكون خرقا للإجماع # وكذلك في مسألة النية في الطهارة إذا اتفقت الأمة فيها على قولين وهما ~~اعتبار النية في جميع الطهارات وعلى اعتبارها في البعض دون البعض فقد اتفق ~~القولان على اعتبارها في البعض فالقول المحدث النافي لاعتبارها مطلقا يكون ~~خرقا للإجماع السابق # وأما إن كان القول الثالث لا يرفع ما اتفق عليه القولان بل وافق كل واحد ~~من القولين من وجه وخالفه من وجه فهو جائز إذ ليس فيه خرق الإجماع ~~PageV01P331 وذلك كما لو قال بعضهم باعتبار النية في جميع الطهارات وقال ~~البعض بنفي اعتبارها في جميع الطهارات فالقول الثالث وهو اعتبارها في البعض ~~دون البعض لا يكون خرقا للإجماع # لأن خرق الإجماع إنما هو القول بما يخالف ما اتفق عليه أهل الإجماع # وهاهنا ليس كذلك فإن القائل بالنفي في البعض والإثبات في البعض قد وافق ~~في كل صورة مذهب ذي مذهب فلم يكن مخالفا للإجماع لا في صورة اعتبار النية ~~لكونه موافقا لقول من قال باعتبارها في الكل ولا في صورة النفي لكونه ~~موافقا لمن قال بنفي الاعتبار في الكل # وكدلك لو قال بعضهم بأنه لا يقتل المسلم بالذمي ولا يصح بيع الغائب وقال ~~بعضهم بجواز قتل المسلم بالذمي وبصحة بيع الغائب فمن قال بجواز قتل المسلم ~~بالذمي وبنفي صحة بيع الغائب أو بالعكس لم يكن خارقا للإجماع من غير خلاف ~~وكان ذلك جائزا له # وعلى هذا يكون الحكم في مسألة فسخ النكاح بالعيوب الخمسة # فإن قيل فمن قال بالإثبات مطلقا لم يقل بالتفصيل # وكذلك من قال بالنفي مطلقا فالقول بالتفصيل ms210 قول لم يقل به قائل # قلنا وعدم القائل به مما لا يمنع من القول به وإلا لما جاز أن يحكم واقعة ~~متجددة بحكم إذا لم يكن قد سبق فيها لأحد قول وهو خلاف الإجماع # فإن قيل فكل من القائلين بالنفي والإثبات مطلقا قائل بنفي التفصيل فالقول ~~بالتفصيل يكون خرقا للإجماع # قلنا لا نسلم ذلك فإن قول كل واحد منهما بنفي التفصيل إما أن يعرف من ~~صريح مقاله أو من قوله بالنفي أو الإثبات مطلقا الأول ممنوع حتى أن كل واحد ~~من الفريقين لو صرح بنفي التفصيل لما ساغ القول بالتفصيل والثاني غير ~~مستلزم للقول بنفي التفصيل وإلا لامتنع القول بالتفصيل فيما ذكرناه من ~~مسألة المسلم بالذمي وبيع الغائب وهو ممتنع PageV01P332 # فإن قيل القول بالتفصيل فيه تخطئة كل واحد من الفريقين في بعض ما ذهب ~~إليه وتخطئة الفريقين تخطئة للأمة وذلك محال # قلنا المحال إنما هو تخطئة الأمة فيما اتفقوا عليه # وأما تخطئة كل بعض فيما لم يتفق عليه لا يكون محالا # وعلى هذا يجوز انقسام الأمة إلى قسمين وكل قسم مخطىء في مسألة لما ذكرناه ~~وإن خالف فيه الأكثرون # # | ( شبه المخالفين ) # الأولى أن اختلاف الأمة على قولين دليل تسويغ الاجتهاد والقول الثالث ~~حادث عن الاجتهاد فكان جائزا # الثانية أنهم قالوا أجمعنا على أن الصحابة لو انقرض عصرهم وكانوا قد ~~استدلوا في مسألة من المسائل بدليلين فإنه يجوز للتابعي الاستدلال بدليل ~~ثالث فكذلك القول الثالث # الثالثة أنهم قالوا دليل جواز إحداث قول ثالث الوقوع من غير إنكار من ~~الأمة فمن ذلك أن الصحابة اختلفوا في مسألة زوج وأبوين وزوجة وأبوين فقال ~~ابن عباس للأم ثلث الأصل بعد فرض الزوج والزوجة وقال الباقون للأم ثلث ~~الباقي بعد فرض الزوج والزوجة وقد أحدث التابعون قولا ثالثا فقال ابن سيرين ~~بقول ابن عباس في زوج وأبوين دون الزوجة والأبوين وقال تابعي آخر بالعكس # ومن ذلك أن الصحابة اختلفوا في قوله أنت علي حرام على ستة أوجه فأحدث ~~مسروق وهو من التابعين مذهبا سابعا وهو ms211 أنه لا يتعلق بقوله حكم # والجواب عن الشبهة الأولى أن ذلك يدل على تسويغ الاجتهاد منهم أو من ~~غيرهم الأول مسلم والثاني ممنوع # وعن الثانية بالفرق وبيانه من وجهين PageV01P333 الأول أن الاستدلال ~~بدليل ثالث يؤكد ما صارت إليه الأمة من الحكم ولا يبطله بخلاف القول الثالث ~~على ما حققناه # الثاني أن اتفاقهم على دليل واحد لا يمنع من دليل آخر # ومع ذلك فإن اتفاقهم على حكم واحد مانع من إبداع حكم آخر مخالف له ~~فافترقا # وعن الثالثة أما مسألة الزوج والزوجة مع الأبوين فهي من قبيل ما لا يرفع ~~ما اتفق عليه الفريقان بل قول ابن سيرين وغيره من التابعين فيما ذهبا إليه ~~غير مخالف للإجماع بل هو قائل في كل صورة بمذهب ذي مذهب كما قررناه # وبتقدير أن يكون رافعا لما اتفق عليه الفريقان فلا يخلو إما أن يكون لم ~~يستقر قول جميع الصحابة على القولين بل قول البعض أو قد استقر عليهما قول ~~جميع الصحابة فإن كان الأول فليس فيه مخالفة الإجماع بل مخالفة البعض وإن ~~كان الثاني فإما أن يكون قد خالفهم في وقت اتفاقهم على القولين أو بعد ذلك ~~فإن كان الأول فهو من أهل الإجماع وقد خالفهم حالة اتفاقهم على القولين فلا ~~يكون بذلك خارقا للإجماع وإن قدر إحداث قوله بعد ذلك فهو مردود غير مقبول ~~وعدم نقل الإنكار لا يدل على عدمه في نفسه # وعلى هذا يكون الجواب في مسألة أنت علي حرام # # | المسألة العشرون # إذا استدل أهل العصر في مسألة بدليل أو تأولوا تأويلا فهل يجوز لمن بعدهم ~~إحداث دليل أو تأويل آخر لا يخلو إما أن يكون أهل ذلك العصر قد نصوا على ~~إبطال ذلك الدليل وذلك التأويل أو على صحته أو سكتوا عن الأمرين # فإن كان الأول لم يجز إحداثه لما فيه من تخطئة الأمة فيما أجمعوا عليه ~~PageV01P334 # وإن كان الثاني جاز إحداثه إذ لا تخطئة فيه # وإن كان الثالث فقد ذهب الجمهور إلى جوازه ومنع منه الأقلون # والمختار جوازه إلا ms212 إذا لزم من ذلك القدح فيما أجمع عليه أهل العصر # ودليل ذلك أنه إذا لم يلزم منه القدح فيما أجمعوا عليه كان ذلك جائزا كما ~~لو لم يسبقه تأويل أو دليل آخر # ولهذا فإن الناس في كل عصر لم يزالوا يستخرجون الأدلة والتأويلات ~~المغايرة لأدلة من تقدم وتأويلاته ولم ينكر عليهم أحد فكان ذلك إجماعا # فإن قيل ما ذكرتموه معارض بالكتاب والسنة والمعقول أما الكتاب فقوله ~~تعالى @QB@ ويتبع غير سبيل المؤمنين @QE@ 4 النساء 115 ) والدليل والتأويل ~~الثاني ليس هو سبيل المؤمنين # وأيضا قوله تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف @QE@ 3 ~~آل عمران 110 ) دل على أنهم يأمرون بكل معروف لأنه ذكر المعروف بالألف ~~واللام المستغرقة للجنس ولو كان الدليل والتأويل الثاني معروفا لأمروا به ~~وحيث لم يأمروا به لم يكن معروفا فكان منكرا # وأما السنة فقوله عليه السلام أمتي لا تجتمع على الخطإ وقد ذهبوا عن ~~الدليل والتأويل الثاني فلا يكون ذهابهم عنه خطأ # ولو كان دليلا صحيحا أو تأويلا صحيحا لكان الذهاب عنه خطأ وهو محال # وأما المعقول فهو أنه لو جاز أن يذهب على أهل العصر الأول الدليل الثاني ~~لجاز أن يوحي الله تعالى إلى النبي عليه السلام بدليلين على حكم واحد ~~والنبي عليه السلام يشرع الحكم لأحد الدليلين ويذهب عن الآخر وهو ممتنع ~~PageV01P335 والجواب عن الآية الأولى أن الذم فيها إما أن يكون على ترك ~~العمل بما اتفقوا عليه من إثبات أو نفي وإما بسلوك ما لم يتعرضوا له بنفي ~~ولا إثبات الأول مسلم غير أنه لا تحقق له فيما نحن فيه فإن المحدث للدليل ~~والتأويل الثاني غير تارك لدليل أهل العصر الأول ولا لتأويلهم بل غايته ضم ~~دليل إلى دليل وتأويل إلى تأويل ولا هو تارك لما نهوا عنه من الدليل ~~والتأويل الثاني إذ الكلام فيما إذا لم يكن قد نهوا عنه # والثاني مما لا سبيل إلى حمل الآية عليه لما فيه من إلحاق الذم بما لا ~~تعرض فيه لإبطال الإجماع لا بنفي ولا ms213 إثبات # وعن الآية الثانية أنها مشتركة الدلالة وذلك لأن قوله @QB@ وتنهون عن ~~المنكر @QE@ يقتضي كونهم ناهين عن كل منكر لما ذكروه من لام الاستغراق # ولو كان الدليل والتأويل الثاني منكرا لنهوا عنه ولم ينهوا عنه فلا يكون ~~منكرا # وعن السنة أن ذهابهم عن الدليل والتأويل الثاني مع صحته إنما يكون خطأ أن ~~لو لم يستغنوا عنه بدليلهم وتأويلهم # وعن المعقول أنه قياس من غير جامع صحيح فلا يقبل كيف وإنه لا يخلو إما أن ~~يكون مع تعريفه الحكم الواحد بدليلين قد كلف إثبات الحكم بهما أو بأحدهما ~~فإن كان الثاني فلا مانع من إثباته للحكم بأحدهما دون الآخر وإن كان الأول ~~فلا يلزم من امتناع إثباته للحكم بأحد الدليلين مع تكليفه إثبات الحكم بهما ~~امتناع إثبات الأمة للحكم بأحد الدليلين دون الآخر إلا أن يكونوا قد كلفوا ~~بذلك وهو غير مسلم # # | المسألة الحادية والعشرون # إذا اختلف أهل عصر من الأعصار في مسألة من المسائل على قولين واستقر ~~خلافهم في ذلك ولم يوجد له نكير فهل يتصور انعقاد إجماع من PageV01P336 ~~بعدهم على أحد القولين بحيث يمتنع على المجتهد المصير إلى القول الآخر أم ~~لا ذهب أبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو الحسن الأشعري ~~وإمام الحرمين والغزالي وجماعة من الأصوليين إلى امتناعه # وذهب المعتزلة وكثير من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة إلى جوازه # والأول هو المختار وذلك لأن الأمة إذا اختلفت على القولين واستقر خلافهم ~~في ذلك بعد تمام النظر والاجتهاد فقد انعقد إجماعهم على تسويغ الأخذ بكل ~~واحد من القولين باجتهاد أو تقليد وهم معصومون من الخطإ فيما أجمعوا عليه ~~على ما سبق من الأدلة السمعية # فلو أجمع من بعدهم على أحد القولين على وجه يمتنع على المجتهد المصير إلى ~~القول الآخر مع أن الأمة في العصر الأول مجمعة على جواز الأخذ به ففيه ~~تخطئة أهل العصر الأول فيما ذهبوا إليه # ويستحيل أن يكون الحق في جواز الأخذ بذلك القول والمنع PageV01P337 من ~~الأخذ به معا فلا بد وأن ms214 يكون أحد الأمرين خطأ أو يلزمه تخطئة أحد ~~الإجماعين القاطعين وهو محال فثبت أن إجماع التابعين على أحد قولي أهل ~~العصر الأول يفضي إلى أمر ممتنع فكان ممتنعا # لكن ليس هذا الامتناع عقليا بل سمعيا # فإن قيل اتفاق أهل العصر على قولين لا يلزم منه اتفاقهم على تجويز الأخذ ~~بكل واحد منهما لأن أحد القولين لا بد وأن يكون خطأ لقوله عليه السلام إذا ~~اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران وإجماع الأمة على تجويز ~~الأخذ بالخطإ خطأ وإن سلمنا إجماعهم على ذلك ولكن ما المانع أن يقال بأن ~~أهل العصر الأول إنما اتفقوا على تسويغ الاجتهاد والأخد بكل واحد من ~~القولين بشرط أن لا يظهر إجماع كاتفاقهم على أن فرض العادم للماء هو التيمم ~~مشروطا بعدم الماء # فإذا وجد الماء زال حكم ذلك الإجماع # سلمنا أن إجماعهم على ذلك غير مشروط ولكن إجماعهم على ذلك يدل على جواز ~~الأخذ بأحد القولين # فإذا أجمع أهل العصر الثاني على أحد القولين فإجماعهم عليه موافق لإجماع ~~أهل العصر الأول على جواز الأخذ به إلا أنه مخالف لإجماعهم وما يكون موافقا ~~للإجماع لا يكون ممتنعا سمعا # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على الامتناع لكنه معارض بما يدل على جوازه ~~وبيانه بالوقوع وذلك أن الصحابة اتفقوا على دفن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في بيت عائشة بعد اختلافهم في موضع دفنه واتفقوا على إمامة أبي بكر ~~بعد اختلافهم في من يكون إماما واتفقوا على قتال مانعي الزكاة بعد اختلافهم ~~في ذلك واتفق التابعون على منع بيع أمهات الأولاد بعد اختلاف الصحابة في ~~ذلك ولو كان الاتفاق بعد الخلاف ممتنعا لما كان ذلك واقعا # والجواب عن السؤال الأول لا نسلم أن أحد القولين لا بد وأن يكون خطأ بل ~~كل مجتهد في مسائل الاجتهاد مصيب على ما يأتي تحقيقه PageV01P338 # وما ذكروه من الخبر فسيأتي تأويله كيف وإنه يجب اعتقاد الإصابة نظرا إلى ~~إجماع الأمة على جواز الأخذ بكل واحد من أقوال المجتهدين ولو ms215 لم يكن صوابا ~~وإلا كان إجماعهم على تجويز الأخذ بالخطإ وهو محال # وعن السؤال الثاني أنه لو جوز مثل هذا الاشتراط في إجماعهم على مثل هذا ~~الحكم مع أن الأمة أطلقوا ولم يشترطوا لساغ مثل ذلك في كل إجماع ولساغ أن ~~تتفق الأمة على قول واحد ومن بعدهم على خلافه لجواز أن يكون إجماعهم مشروطا ~~بأن لا يظهر إجماع مخالف له بل ولجاز للواحد من المجتهدين من بعدهم ~~المخالفة لما قيل من الشرط وهو محال لأن الإجماع منعقد على أن كل من خالف ~~الإجماع المطلق الذي لم يظهر فيه ما ذكروه من الشرط فهو مخطىء آثم وبه ~~إبطال ما صار إليه أبو عبد الله البصري من جواز انعقاد الإجماع على خلاف ~~الإجماع السابق # وعن السؤال الثالث أن إجماع أهل العصر الثاني لم يكن محالا لنفس إجماعهم ~~على أحد القولين بل لما يستلزمه من امتناع الأخذ بالقول الآخر # وعن السؤال الرابع أن الاتفاق فيما ذكروه من مسألة الدفن والإمامة وقتال ~~مانعي الزكاة لم يكن بعد استقرار الخلاف فيما بينهم واستمرار كل واحد من ~~المجتهدين على الجزم بما ذهب إليه بل إنما كان ذلك الخلاف على طريق المشورة ~~كما جرت به العادة في حالة البحث عما ينبغي أن يعمل بين العقلاء بخلاف ما ~~وقع النزاع فيه # سلمنا أنه كان ذلك الاتفاق بعد استقرار الخلاف غير أنه اتفاق من ~~المختلفين بأعيانهم ومن شرط في الإجماع انقراض عصر المجتهدين لم يمنع من ~~رجوعهم أو رجوع بعضهم عما أجمعوا عليه والخلاف معه إنما يتصور في المجمعين # على خلافهم بعد انقراض عصر الأولين # غير أن الجواب الأول هو المختار # وأما مسألة أمهات الأولاد وإن كان خلاف الصحابة قد استقر واستمر إلى ~~انقراض عصرهم فلا نسلم إجماع التابعين قاطبة على امتناع بيعهن # فإن مذهب PageV01P339 علي في جواز بيعهن لم يزل بل جميع الشيعة وكل من هو ~~من أهل الحل والعقد على مذهبه قائل به وإلى الآن وهو مذهب الشافعي في أحد ~~قوليه # # | المسألة الثانية والعشرون # إذا اختلف ms216 الصحابة أو أهل أي عصر كان في المسألة على قولين فهل يجوز ~~اتفاقهم بعد استقرار خلافهم على أحد القولين والمنع من جواز المصير إلى ~~القول الآخر # اختلفوا فيه فمن اعتبر انقراض العصر في الإجماع قطع بجوازه ومن لم يعتبر ~~انقراض العصر اختلفوا فمنهم من جوزه بشرط أن يكون مستند اتفاقهم على الخلاف ~~القياس والاجتهاد لا دليلا قاطعا ومنهم من منع ذلك مطلقا ولم يجوز انعقاد ~~إجماعهم على أحد أقوالهم وهو المختار # وذلك لأنا بينا أن اتفاق الأمة على الحكم ولو في لحظة واحدة كان ذلك ~~مستند إلى دليل ظني أو قطعي أنه يكون حجة قاطعة مانعة من مخالفته # وقد بينا في المسألة المتقدمة أن الأمة إذا استقر خلافهم في المسألة على ~~قولين فهو إجماع منهم على تجويز الأخذ بكل واحد من القولين # فلو تصور إجماعهم على أحد القولين بعد ذلك لزم منه المحال الذي بيناه في ~~تقرير المسألة التي قبلها # وكل ما ورد في المسألة المتقدمة من الاعتراض والانفصال فهو بعينه متوجه ~~هاهنا فعليك باعتباره ونقله إلى هاهنا # غير أن هذه المسألة تختص بسؤال آخر وهو أن يقال إذا اتفق جميع الصحابة أو ~~أهل أي عصر كان على حكم وخالفهم واحد منهم فإنه لا يمتنع أن يظهر لذلك ~~الواحد ما ظهر لباقي الأمة ومع ظهور ذلك له إن منعناه من PageV01P340 ~~المصير إلى مقتضاه فقد منعناه من الحكم بالدليل الذي ظهر له ولباقي الأمة ~~معه وأوجبنا عليه الحكم بما يخالف ذلك ويقطع ببطلانه وهو محال # وإن لم نمنعه من العمل به فقد حصل الوفاق منهم بعد الخلاف وهو المطلوب # قلنا لو ظهر له ما ظهر للأمة فنحن لا نحيل عليه الرجوع إليه ولكنا نقول ~~باستحالة ظهوره عليه لا من جهة العقل بل من جهة السمع وهو ما يفضي إليه من ~~تعارض الإجماعين ولزوم الخطإ في أحدهما كما بيناه في المسألة المتقدمة # ولا فارق بينهما إلا من جهة أن أهل الإجماع في هذه المسألة هم الراجعون ~~بأعيانهم عما أجمعوا عليه والمخالفون لأنفسهم ms217 بخلاف المسألة الأولى وأن ~~المخالف في المسألة الأولى قد يتوهم أن بعض الأمة الخائضين في تلك المسألة ~~التي اتفقوا عليها وفي هذه السألة المجمعون هم كل الأمة # ولذلك كان الإشكال في هذه المسألة أعظم منه في الأولى # وعلى هذا نقول إنه إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين ثم مات أحد ~~القسمين وبقي القسم الآخر فإنه لا يكون قولهم إجماعا مانعا من الأخذ بالقول ~~الآخر # والوجه في تقريره ما سبق وإن خالف فيه قوم # # | المسألة الثالثة والعشرون # هل يمكن وجود خبر أو دليل ولا معارض له وتشترك الأمة في عدم العلم به ~~اختلفوا فيه فمنهم من جوزه مصيرا منه إلى أنهم غير مكلفين بالعمل بما لم ~~يظهر لهم ولم يبلغهم فاشتراكهم في عدم العلم به لا يكون خطأ فإن عدم العلم ~~ليس من فعلهم وخطأ المكلف من أوصاف فعله # ومنهم من أحاله مصيرا منه إلى أنهم لو اشتركوا في عدم العلم به لكان ذلك ~~سبيلا لهم ولوجب على غيرهم اتباعه وامتنع تحصيل العلم به لقوله تعالى @QB@ ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين @QE@ الآية # والمختار أنه لا مانع من اشتراكهم في عدم العلم به وإن كان عملهم موافقا ~~لمقتضاه لعدم تكليفهم بمعرفة ما لم يبلغهم ولم يظهر لهم # وأما الآية PageV01P341 فلا حجة فيها هاهنا لأن سبيل كل طائفة ما كان من ~~الأفعال المقصودة لهم المتداولة فيما بينهم باتفاق منهم على ما هو المتبادر ~~إلى الفهم من قول القائل سبيل فلان كذا وسبيل فلان كذا # وعدم العلم ليس من فعل الأمة فلا يكون سبيلا لهم # كيف وإنا نعلم أن المقصود من الآية إنما هو الحث على متابعة سبيل ~~المؤمنين ولو كان عدم العلم بالدليل سبيلا لهم لكانت الآية حاثة على ~~متابعته والشارع لا يحث على الجهل بأدلته الشرعية إجماعا # وأما إن كان عملهم على خلافه فهو محال لما فيه من إجماع الأمة على الخطإ ~~المنفي بالأدلة السمعية # # | المسألة الرابعة والعشرون # اختلفوا في تصور ارتداد أمة محمد عليه السلام في عصر من الأعصار نفيا ms218 ~~وإثباتا # ولا شك في تصور ذلك عقلا # وإنما الخلاف في امتناعه سمعا # والمختار امتناعه لقوله عليه السلام أمتي لا تجتمع على ضلالة أمتي لا ~~تجتمع على الخطإ إلى غير ذلك من الأحاديث السابقة الدالة على عصمة الأمة عن ~~فعل الخطإ والضلال # فإن قيل حال ارتدادهم ليس هم من أمته عليه السلام فلا تكون الأخبار ~~متناولة لهم # قلنا الأخبار دالة على أن أمة محمد لا يصدق عليهم الاتفاق على الخطإ وإذا ~~ارتدت الأمة صدق قول القائل إن أمة محمد قد اتفقت على الردة والردة عين ~~الخطإ # وذلك ممتنع # # | المسألة الخامسة والعشرون # اختلف العلماء في دية اليهودي فمنهم من قال إنها مثل دية المسلم ~~PageV01P342 ومنهم من قال إنها على النصف منها ومنهم من قال إنها على الثلث # فمن حصرها في الثلث كالشافعي رحمة الله عليه اختلفوا فيه فظن بعض الفقهاء ~~أنه متمسك في ذلك بالإجماع وليس كذلك بل الحصر في الثلث مشتمل على وجوب ~~الثلث ونفي الزيادة فوجوب الثلث مجمع عليه ولا خلاف فيه # وأما نفي الزيادة فغير مجمع عليه لوقوع الخلاف فيه بل نفيه عند من نفى ~~إنما هو مستند إما إلى ظهور دليل في نظره بنفيه من وجود مانع أو فوات شرط ~~أو عدم المدارك والاعتماد على استصحاب النفي الأصلي # وليس ذلك من الإجماع في شيء # # | المسألة السادسة والعشرون # اختلفوا في ثبوت الإجماع بخبر الواحد فأجازه جماعة من أصحابنا وأصحاب أبي ~~حنيفة رحمه الله والحنابلة وأنكره جماعة من أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحابنا ~~كالغزالي مع اتفاق الكل على أن ما ثبت بخبر الواحد لا يكون إلا ظنيا في ~~سنده وإن كان قطعيا في متنه # وحجة من قال بجوازه النص والقياس أما النص فقوله عليه السلام نحن نحكم ~~بالظاهر والله يتولى السرائر ذكر ( الظاهر ) بالألف واللام المستغرقة فدخل ~~فيه الإجماع الثابت بخبر الواحد لكونه ظاهرا ظنيا # وأما القياس فهو أن خبر الواحد عن الإجماع مفيد للظن فكان حجة كخبره عن ~~نص الرسول # وحجة المانعين من ذلك أن كون الإجماع المنقول على ms219 لسان الآحاد أصل من ~~أصول الفقه كالقياس وخبر الواحد عن الرسول وذلك مما لم يرد من الأمة فيه ~~إجماع قاطع يدل على جواز الاحتجاج به ولا نص قاطع من كتاب أو سنة وما عدا ~~ذلك من الظواهر فغير محتج بها في الأصول وإن احتج بها في الفروع # وبالجملة فالمسألة دائرة على اشتراط كون دليل الأصل مقطوعا به وعلى ~~PageV01P343 عدم اشتراطه # فمن اشترط القطع منع أن يكون خبر الواحد مفيدا في نقل الإجماع ومن لم ~~يشترط ذلك كان الإجماع المنقول على لسان الآحاد عنده حجة والظهور في هذه ~~المسألة للمعترض من الحانبين دون المستدل فيها # # | المسألة السابعة والعشرون # اختلفوا في تكفير جاحد الحكم المجمع عليه فأثبته بعض الفقهاء وأنكره ~~الباقون مع اتفاقهم على أن إنكار حكم الإجماع الظني غير موجب للتكفير # والمختار إنما هو التفصيل # وهو أن حكم الإجماع إما أن يكون داخلا في مفهوم اسم الإسلام كالعبادات ~~الخمس ووجوب اعتقاد التوحيد والرسالة أو لا يكون كذلك كالحكم بحل البيع ~~وصحة الإجازة ونحوه # فإن كان الأول فجاحده كافر لمزايلة حقيقة الإسلام له وإن كان الثاني فلا ~~PageV01P344 # خاتمة فيما يكون الإجماع حجة فيه وما لا يكون وأن الإجماع في الأديان ~~السالفة كان حجة أم لا # أما الأول فهو أن المجمع عليه لا يخلو إما أن تكون صحة الإجماع متوقفة ~~عليه أو لا يكون كذلك # فإن كان الأول فالاحتجاج بالإجماع على ذلك الشيء يكون ممتنعا لتوقف صحة ~~كل واحد منهما على الآخر وهو دور وذلك كالاستدلال على وجود الرب تعالى وصحة ~~رسالة النبي عليه السلام من حيث إن صحة الإجماع متوقفة على النصوص الدالة ~~على عصمة الأمة عن الخطإ كما سبق تقريره وصحة النصوص متوقفة على وجود الرب ~~المرسل وكون محمد رسولا # فإذا توقفت معرفة وجود الرب ورسالة رسوله محمد على صحة الإجماع كان دورا # وإن كان من القسم الثاني فالمجمع عليه إما أن يكون من أمور الدين أو ~~الدنيا # فإن كان من أمور الدين فهو حجة مانعة من المخالفة إن كان قطعيا ms220 من غير ~~خلاف عند القائلين بالإجماع # وسواء كان ذلك المتفق عليه عقليا كرؤية الرب لا PageV01P345 في جهة ونفي ~~الشريك لله تعالى أو شرعيا كوجوب الصلاة والزكاة ونحوه # وأما إن كان المجمع عليه من أمور الدنيا كالإجماع على ما يتفق من الأراء ~~في الحروب وترتيب الجيوش وتدبير أمور الرعية فقد اختلف فيه قول القاضي عبد ~~الجبار بالنفي والإثبات فقال تارة بامتناع مخالفته وتارة بالجواز # وتابعه على كل واحد من القولين جماعة # والمختار إنما هو المنع من المخالفة وإنه حجة لازمة لأن العمومات الدالة ~~على عصمة الأمة عن الخطإ ووجوب اتباعهم فيما أجمعوا عليه عامة في كل ما ~~أجمعوا عليه # وأما أن الإجماع في الأديان السالفة كان حجة أم لا فقد اختلف فيه ~~الأصوليون # والحق في ذلك أن إثبات ذلك أو نفيه مع الاستغناء عنه لم يدل عليه عقل ولا ~~نقل # فالحكم بنفيه أو إثباته متعذر # وهذا آخر في الكلام الإجماع PageV01P346 الأصل الرابع فيما يشترك فيه ~~الكتاب والسنة والإجماع وهو نوعان يتعلق أحدهما بالنظر في السند والآخر ~~بالنظر في المتن النوع الأول النظر في السند وهو الإخبار عن المتن ويشتمل ~~على ثلاثة أبواب PageV02P005 PageV02P006 الباب الأول في حقيقة الخبر ~~وأقسامه PageV02P007 PageV02P008 # | الباب الأول في حقيقة الخبر وأقسامه # أما حقيقة الخبر فاعلم أولا أن اسم الخبر قد يطلق على الإشارات الحالية ~~والدلائل المعنوية كما في قولهم عيناك تخبرني بكذا والغراب يخبر بكذا # ومنه قول الشاعر وكم لظلام الليل عندك من يد تخبر أن المانوية تكذب وقد ~~يطلق على قول مخصوص لكنه مجاز في الأول وحقيقة في الثاني بدليل تبادره إلى ~~الفهم من إطلاق لفظ الخبر والغالب إنما هو اشتهار استعمال اللفظ في حقيقته ~~دون مجازه # ثم القول المخصوص قد يطلق على الصيغة كقول القائل قام زيد وقعد عمرو # وقد يطلق على المعنى القائم بالنفس المعبر عنه بالصيغة كما قررناه في ~~الكلاميات والأشبه أنه في اللغة حقيقة في الصيغة لتبادرها إلى الفهم من ~~إطلاق لفظ الخبر وإذا عرف مسمى الخبر حقيقة فما حده PageV02P009 اختلفوا ~~فيه فمن ms221 أصحابنا من قال لا سبيل إلى تحديده بل معناه معلوم بضرورة العقل # ودل على ذلك بأمرين # الأول أن كل أحد يعلم بالضرورة أنه موجود وأنه ليس بمعدوم وأن الشيء ~~الواحد لا يكون موجودا معدوما # ومطلق الخبر جزء من معنى الخبر الخاص والعلم بالكل موقوف على العلم ~~بالجزء # فلو كان تصور ماهية مطلق الخبر موقوفا على الاكتساب لكان تصور الخبر ~~الخاص أولى أن يكون كذلك # الثاني أن كل أحد يعلم بالضرورة الموضع الذي يحسن فيه الخبر عن الموضع ~~الذي يحسن فيه الأمر ولولا أن هذه الحقائق متصورة لما كان كذلك # وهو ضعيف # أما قوله إنه معلوم بالضرورة فدعوى مجردة وهي مقابلة بنقيضها # وما ذكره من الدلالة على ذلك فهو دليل على أن العلم به غير ضروري لأن ~~الضروري هو الذي لا يفتقر في العلم به إلى نظر ودليل يوصل إليه وما يفتقر ~~إلى ذلك فهو نظري لا ضروري # فإن قيل ما ذكرناه إنما هو بطريق التنبيه لا بطريق الدلالة لأن من ~~الضروريات ما يفتقر إلى نوع تذكير وتنبيه على ما علم في مواضعه فهو باطل من ~~وجهين الأول أنه لو قيل ذلك لأمكن دعوى الضرورة في كل علم نظري # وأن ما ذكروه من الدليل إنما هو بطريق التنبيه دون الدلالة وهو محال # الثاني أن ما ذكره في معرض التنبيه غير مفيد أما الوجه الأول فهو باطل من ~~وجهين الأول أن علم الإنسان بوجود نفسه وإن كان ضروريا وكذلك العلم ~~باستحالة كون الشيء الواحد موجودا معدوما معا فغايته أنه علم ضروري بنسبة ~~PageV02P010 خاصة أو بسلب نسبة خاصة ولا يلزم منه أن يكون ذلك علما بحقيقة ~~الخبر من حيث هو خبر وهو محل النزاع # فإن قيل إذا كانت تلك النسبة الخاصة معلومة بالضرورة فلا معنى لكون ذلك ~~المعلوم خبرا سوى تلك النسبة الخاصة فهو عود إلى التحديد وترك لما قيل # الثاني إنا وإن سلمنا أن مثل هذه الأخبار الخاصة معلومة بالضرورة فلا ~~يلزم أن يكون الخبر المطلق من حيث هو خبر كذلك قوله ms222 لأن الخبر المطلق جزء ~~من الخبر الخاص ليس كذلك لأن الخبر المطلق أعم من الخبر الخاص # فلو كان جزءا من معنى الخبر الخاص لكان الأعم منحصرا في الأخص وهو محال # فإن قيل الأعم لا بد وأن يكون مشتركا فيه بين الأمور الخاصة التي تحته ~~ولا معنى لاشتراكها فيه سوى كونه جزءا من معناها # قلنا أما أولا فإنه لا معنى لكون الأعم مشتركا فيه أنه موجود في الأنواع ~~أو الأشخاص التي هي أخص منه بل بمعنى لحد أن حد الطبيعة التي عرض لها إن ~~كانت كلية مطلقة مطابق طبائع الأمور الخاصة تحتها # وأما ثانيا فلأنه ليس كل عام يكون جزءا من معنى الخاص ومقوما له بجواز أن ~~يكون من الأعراض العامة الخارجة عن مفهوم المعنى الخاص كالأسود والأبيض ~~بالنسبة إلى ما تحتهما من معنى الإنسان والفرس ونحوه # وأما الوجه الثاني فباطل أيضا من جهة أن العلم الضروري إنما هو واقع ~~بالتفرقة بين ما يحسن فيه بيان الأمر وبيان ما يحسن فيه الخبر بعد معرفة ~~الأمر والخبر أما قبل ذلك فهو غير مسلم # نعم غاية ما في ذلك أنه يعلم التفرقة بين ما يجده في نفسه من طلب الفعل ~~والنسبة بين أمرين على وجه خاص وليس هو العلم بحقيقة الأمر والخبر # فإن قيل إنه لا معنى للأمر والخبر سوى ذلك المعلوم الخاص فهو PageV02P011 ~~أيضا عود إلى التحديد # كيف وإن ما ذكره يوجب أن يكون الأمر أيضا مستغنيا عن التحديد كاستغناء ~~الخبر # وهذا القائل بعينه قد عرف الأمر بالتحديد حيث قال الأمر هو طلب الفعل ~~بالقول على سبيل الاستعلاء # وأيضا فإن الكلام إنما هو واقع في مفهوم الخبر اللفظي # وحقائق أنواع الألفاظ وانقسامها إلى أمر ونهى وخبر وغير ذلك مما لا سبيل ~~إلى القول بكونه معلوما بالضرورة لكونه مبنيا على الوضع والاصطلاح # ولهذا فإن العرب لو أطلقوا اسم الأمر على المفهوم من الخبر الآن واسم ~~الخبر على مفهوم الأمر لما كان ممتنعا وما يتبدل ويختلف باختلاف الاصطلاحات # فالعلم بمعناه لا يكون ضروريا # وإذا ms223 عرف ذلك فقد أجمع الباقون على أن العلم بمفهوم الخبر إنما يعرف ~~بالحد والنظر لكن اختلفوا في حده فقالت المعتزلة كالجبائي وابنه وأبي عبد ~~الله البصري والقاضي عبد الجبار وغيرهم إن الخبر هو الكلام الذي يدخله ~~الصدق والكذب # وقد أورد عليه إشكالات أربعة الأول أنه منتقض بقول القائل محمد ومسيلمة ~~صادقان في دعوى النبوة ولا يدخله الصدق وإلا كان مسيلمة صادقا ولا الكذب ~~وإلا كان محمد كاذبا وهو خبر وكذلك فإن من كذب في جميع أخباره فقال جميع ~~أخباري كذب فإن قوله هذا خبر ولا يدخله الصدق # وإلا كانت جميع أخباره كذبا وهو من جملة أخباره ولا يدخله الكذب وإلا ~~كانت جميع أخباره مع هذا الخبر كذبا وصدق في قوله جميع أخباري كذب # الثاني أن تعريف الخبر بما يدخله الصدق والكذب يفضي إلى الدور لأن تعريف ~~الصدق والكذب متوقف على معرفة الخبر من حيث إن الصدق هو الخبر الموافق ~~للمخبر والكذب بضده وهو ممتنع # الثالث إن الصدق والكذب متقابلان ولا يتصور اجتماعهما في خبر واحد # ويلزم من ذلك إما امتناع وجود الخبر مطلقا وهو محال وإما وجود ~~PageV02P012 الخبر مع امتناع اجتماع دخول الصدق والكذب فيه فيكون المحدود ~~متحققا دون ما قيل بكونه حدا له وهو أيضا محال # الرابع أن الباري تعالى له خبر ولا يتصور دخول الكذب فيه # وقد أجاب الجبائي عن قول القائل محمد ومسيلمة صادقان بأن هذا الكلام يفيد ~~صدق أحدهما في حال صدق الآخر فكأنه قال أحدهما صادق حال صدق الآخر # ولو قال ذلك كان قوله كاذبا فكذلك إذا قال هما صادقان وهو إنما يصح أن لو ~~كان معنى هذا الكلام ما قيل وليس كذلك بل قوله # هما صادقان أعم من كون أحدهما صادقا حال صدق الآخر وقبله وبعده # والأعم غير مشعر بالأخص ولا يلزم من كذب الأخص كذب الأعم # وأجاب أبو هاشم بأن هذا الخبر جار مجرى خبرين أحدهما خبر بصدق الرسول ~~والآخر خبر بصدق مسيلمة # والخبران لا يوصفان بالصدق ولا بالكذب فكذلك هاهنا # وإنما الذي ms224 يوصف بالصدق والكذب الخبر الواحد من حيث هو خبر وليس بحق أيضا ~~فإنه إنما ينزل منزلة الخبر من حيث إنه أفاد حكما واحدا لشخصين وهو غير ~~مانع من وصفه بالصدق والكذب بدليل الكذب في قول القائل كل موجود حادث وإن ~~كان يفيد حكما واحدا لأشخاص متعددة # وأجاب عنه القاضي عبد الجبار بأن قال المراد من قولنا ما دخله الصدق ~~والكذب أن اللغة لا تحرم أن يقال للمتكلم به صدقت أو كذبت # وهو أيضا غير صحيح # فإن حاصله يرجع إلى التصديق والتكذيب وهو غير الصدق والكذب في نفس الخبر # وأجاب عنه أبو عبد الله البصري بأنه كذب لأنه يفيد إضافة الصدق إليهما ~~معا وهو الحق # وإن كان كما ذكر غير أنه إذا كان كاذبا فلا يدخله الصدق وقد قيل الخبر ما ~~يدخله الصدق والكذب والحق في الجواب أن يقال حاصل هذا وإن كانت صورته صورة ~~خبر واحد يرجع إلى خبرين PageV02P013 أحدهما صادق وهو إضافة الصدق إلى محمد ~~والثاني كاذب وهو إضافته إلى مسيلمة # وأما الإلزام الثاني فلا يخلو الخبر فيه إما أن يكون مطابقا للمخبر عنه ~~أو غير مطابق # فإن كان الأول فهو صدق وإن كان الثاني فهو كذب لاستحالة الجمع بين ~~المتناقضين في السلب أو الإيجاب # وأما الإشكال الثاني فقد أجاب عنه القاضي عبد الجبار بأن الخبر معلوم لنا ~~وما ذكرناه لم نقصد به تعريف الخبر بل فصله وتمييزه عن غيره فإذا عرفنا ~~الصدق والكذب بالخبر فلا يكون دورا وهو غير صحيح لأنه إذا كان تمييز الخبر ~~عن غيره إنما يكون بالنظر إلى الصدق والكذب # فتمييز الصدق والكذب بالخبر يوجب توقف كل واحد من الأمرين في تمييزه عن ~~غيره على الآخر وهو عين الدور بل لو قيل إن الصدق والكذب وإن كان داخلا في ~~حد الخبر ومميزا له فلا نسلم أن الصدق والكذب مفتقر في معرفته إلى الخبر بل ~~الصدق والكذب معلوم لنا بالضرورة لكان أولى # وأما الإشكال الثالث فقد قيل في جوابه إن المحدود إنما هو جنس الخبر وهو ms225 ~~قابل لدخول الصدق والكذب فيه كاجتماع السواد والبياض في جنس اللون وهو غير ~~صحيح فإن الحد وإن كان لجنس الخبر فلا بد وأن يكون الحد موجودا في كل واحد ~~من آحاد الأخبار وإلا لزم منه وجود الخبر دون حد الخبر وهو ممتنع # ولا يخفى أن آحاد الأخبار الشخصية مما لا يجتمع فيه الصدق والكذب # والحق في ذلك أن ( الواو ) وإن كانت ظاهرة في الجمع المطلق غير أن المراد ~~بها الترديد بين القسمين تجوزا # وأما الإشكال الرابع فقد قيل في جوابه مثل جواب الإشكال الذي قبله # وقد عرف ما فيه # ومن الناس من قال الخبر ما دخله الصدق أو الكذب ويرد عليه الإشكالان ~~الأولان من الإشكالات الواردة على الحد الأول دون الأخيرين # وقد عرف ما فيهما # ويرد عليه إشكال آخر خاص به وهو أن الحد معروف PageV02P014 للمحدود وحرف ~~( أو ) للترديد وهو مناف للتعريف # ويمكن أن يقال في جوابه إن الحكم بقبول الخبر لأحد هذين الأمرين من غير ~~تعيين جازم لا تردد فيه وهو المأخوذ في التحديد # وإنما التردد في اتصافه بأحدهما عينا وهو غير داخل في الحد # ومنهم من قال هو ما يدخله التصديق والتكذيب وقيل ما يدخله التصديق أو ~~التكذيب ويرد عليهما تعريف الخبر بالتصديق والتكذيب المتوقف على معرفة ~~الصدق والكذب المتوقف على معرفة الخبر والترديد # وقد عرف ما في كل واحد منهما # وقال أبو الحسين البصري الخبر كلام يفيد بنفسه إضافة أمر إلى أمر نفيا أو ~~إثباتا # واحترز بقوله ( بنفسه ) عن الأمر فإنه يستدعي كون الفعل المأمور به واجبا ~~لكن لا بنفسه بل بواسطة ما استدعاه الأمر بنفسه من طلب الفعل الصادر من ~~الحكم وهو منتقض بالنسب التقييدية كقول القائل حيوان ناطق فإنه أفاد بنفسه ~~إثبات النطق للحيوان وليس بخبر # فإن قال إن ذلك ليس بكلام ونحن فقد قيدنا الحد بالكلام # قلنا هذا منه لا يصح فإن حد الكلام بما انتظم من الحروف المسموعة المميزة ~~من غير اعتبار قيد آخر # وحد الكلام بهذا الاعتبار متحقق فيما نحن فيه فكان ms226 على أصله كلاما # والمختار فيه أن يقال الخبر عبارة عن اللفظ الدال بالوضع على نسبة معلوم ~~إلى معلوم أو سلبها على وجه يحسن السكوت عليه من غير حاجة إلى تمام مع قصد ~~المتكلم به الدلالة على النسبة أو سلبها # أما قولنا ( اللفظ ) فهو كالجنس للخبر وغيره من أقسام الكلام ويمكن ~~PageV02P015 أن يحترز به عن الخبر المجازي مما ذكرناه أولا # وقولنا ( الدال ) احتراز عن اللفظ المهمل # وقولنا ( بالوضع ) احتراز عن اللفظ الدال بجهة الملازمة # وقولنا ( على نسبة ) احتراز عن أسماء الأعلام وعن كل ما ليس له دلالة على ~~نسبة # وقولنا ( معلوم إلى معلوم ) حتى يدخل فيه الموجود والمعدوم # وقولنا ( سلبا أو إيجابا ) حتى يعم ما مثل قولنا زيد في الدار ليس في ~~الدار # وقولنا ( يحسن السكوت عليه من غير حاجة إلى تمام ) احتراز عن اللفظ الدال ~~على النسب التقييدية # وقولنا ( مع قصد المتكلم به الدلالة على النسبة أو سلبها ) احتراز عن ~~صيغة الخبر إذا وردت ولا تكون خبرا كالواردة على لسان النائم والساهي ~~والحاكي لها أو لقصد الأمر مجازا كقوله تعالى @QB@ والجروح قصاص @QE@ 5 ~~المائدة 45 ) وقوله @QB@ والوالدات يرضعن أولادهن @QE@ 2 البقرة 233 ) @QB@ ~~والمطلقات يتربصن @QE@ 2 البقرة 228 ) @QB@ ومن دخله كان آمنا @QE@ 3 آل ~~عمران 97 ) ونحوه حيث إنه لم يقصد بها الدلالة على النسبة ولا سلبها # وإذا عرف معنى الخبر فهو ينقسم ثلاث قسم # القسمة الأولى إن الخبر ينقسم إلى صادق وكاذب لأنه لا يخلو إما أن يكون ~~مطابقا للمخبر به أو غير مطابق فإن كان الأول فهو الصادق وإن كان الثاني ~~فهو PageV02P016 الكاذب # وقال الجاحظ الخبر ينقسم ثلاثة أقسام صادق وكاذب وما ليس بصادق ولا كاذب # وقد احتج على ذلك بالنص والمعقول # أما النص فحكاية القرآن عن الكفار قولهم عن النبي عليه السلام @QB@ أفترى ~~على الله كذبا أم به جنة @QE@ 24 سبأ 8 ) حصروا دعواه النبوة في الكذب ~~والجنة وليس إخباره بالنبوة حالة جنونه كذبا لأنهم جعلوها في مقابلة الكذب ~~ولا صدقا لأنهم لم يعتقدوا صدقه على كل تقدير ms227 # فإخباره حالة جنة ليس بصدق ولا كذب وأما المعقول فمن وجهين الأول أنه ليس ~~الصادق هو الخبر المطابق للمخبر # فإن من أخبر بأن زيدا في الدار على اعتقاد أنه ليس فيها وكان فيها فإنه ~~لا يوصف بكونه صادقا ولا يستحق المدح على ذلك وإن كان خبره مطابقا للمخبر ~~ولا يوصف بكونه كاذبا لمطابقة خبره للمخبر # وكذلك ليس الكذب هو عدم مطابقة الخبر للمخبر لوجهين الأول أنه كان يلزم ~~منه الكذب في كلام الله تعالى بتخصيص عموم خبره وتقييد مطلقه لعدم المطابقة ~~وهو محال # الثاني أنه لو أخبر مخبر أن زيدا في الدار على اعتقاد كونه فيها ولم يكن ~~فيها فإنه لا يوصف بكونه كاذبا ولا يستحق الذم على ذلك # ولا يوصف بكونه صادقا لعدم مطابقة الخبر للمخبر # وإنما الصادق ما طابق المخبر مع اعتقاد المخبر أنه كذلك # والكذب ما لم يطابق المخبر مع اعتقاده أنه كذلك الثاني أنه إذا جاز أن ~~يفرض في الإعتقاد واسطة بين كونه علما أو جهلا لا يوصف بكونه علما ولا جهلا ~~مركبا كاعتقاد العامي المقلد وجود الإله تعالى جاز أن يفرض بين الصادق ~~والكاذب خبر ليس بصادق ولا كاذب # والجواب عن الآية أنهم إنما حصروا أمره بين الكذب والجنة لأن قصد ~~PageV02P017 الدلالة به على مدلوله شرط في كونه خبرا والمجنون ليس له قصد ~~صحيح فصار كالنائم والساهي إذا صدرت منه صيغة الخبر فإنه لا يكون خبرا وحيث ~~لم يعتقدوا صدقه لم يبق إلا أن يكون كاذبا أو لا يكون ما أتى به خبرا وإن ~~كانت صورته صورة الخبر أما أن يكون خبرا وليس صادقا فيه ولا كاذبا فلا # وعن الوجه الأول من المعقول أنا لا نسلم أن من أخبر عن كون زيد في الدار ~~على اعتقاد أنه ليس فيها وهو فيها أن خبره لا يكون صادقا وإن كان لا يستحق ~~المدح على الصدق # وكذلك لا نسلم أن من أخبر بأن زيدا في الدار على اعتقاد كونه فيها ولم ~~يكن فيها أنه ليس كاذبا وإن كان ms228 لا يستحق الذم على كذبه # لأن المدح والذم ليس على نفس الصدق والكذب لا غير بل على الصدق مع قصده ~~والكذب مع قصده # ولهذا فإن الأمة حاكمة بأن الكافر الذي علم منه اعتقاد بطلان رسالة محمد ~~عليه السلام صادق بإخباره بنبوة محمد لما كان خبره مطابقا للمخبر وإن لم ~~يكن معتقدا لذلك ولا قاصدا للصدق وحاكمة بكذبه في إخباره أنه ليس برسول وإن ~~كان معتقدا لما أخبر به لما كان خبره غير مطابق للمخبر # وأما تخصيص عموم خبر القرآن وتقييد مطلقه فإنما لم يكن كذبا وإن لم يكن ~~الخبر محمولا على ظاهره من العموم والإطلاق لأنه مصروف عن حقيقته إلى مجازه ~~وصرف اللفظ عن أحد مدلوليه إلى الآخر لا يكون كذبا وسواء كان ذلك اللفظ من ~~قبيل الألفاظ المشتركة أو المجازية # ولهذا فإن من أخبر بلفظ مشترك وأراد به بعض مدلولاته دون البعض كما لو ~~قال رأيت عينا وأراد به العين الجارية دون الباصرة وبالعكس فإنه لا يعد ~~كاذبا # وكذلك من أخبر بلفظ هو حقيقة في شيء ومجاز في شيء وأراد جهة المجاز دون ~~الحقيقة فإنه لا يعد كاذبا وذلك كما لو قال رأيت أسدا وأراد به المحمل ~~المجازي دون الحقيقي وهو الإنسان # وعن الوجه الثاني أنه لا يلزم من انقسام # الإعتقاد إلى علم وجهل مركب وحالة متوسطة ليست علما ولا جهلا مركبا ~~انقسام الخبر إلى صدق وكذب وما ليس بصدق ولا كذب إذ هو قياس تمثيلي من غير ~~جامع # ولو كان ذلك PageV02P018 كافيا لوجب أن يقال إنه أيضا يلزم من ذلك أن ~~يكون بين النفي والإثبات واسطة وهو محال # وبالجملة فالنزاع في هذه المسألة لفظي حيث إن أحد الخصمين يطلق اسم الصدق ~~والكذب على ما لا يطلقه الآخر إلا بشرط زائد # # | القسمة الثانية # إن الخبر ينقسم إلى ما يعلم صدقه وإلى ما يعلم كذبه وإلى ما لا يعلم صدقه ~~ولا كذبه # فأما ما يعلم صدقه فمنه ما يعلم صدقه بمجرد الخبر كخبر التواتر وما ~~PageV02P019 يعلم صدقه لا بنفس الخبر ms229 بل بدليل يدل على كونه صادقا كخبر ~~الله وخبر الرسول فيما يخبر به عن الله تعالى وخبر أهل الإجماع وخبر من ~~أخبر الله تعالى عنه أو رسوله أو أهل الإجماع أنه صادق وخبر من وافق خبره ~~خبر الصادق أو دليل العقل وأما ما وراء ذلك مما ادعي أنه معلوم الصدق ففيه ~~اختلاف وتفصيل يأتي ذكره في أخبار الآحاد # وأما ما يعلم كذبه فما كان مخالفا لضرورة العقل أو النظر أو الحس أو ~~أخبار التواتر أو النص القاطع أو الإجماع القاطع أو ما صرح الجمع الذين لا ~~يتصور تواطؤهم على الكذب بتكذيبه ومن ذلك قول من لم يكذب قط فيما أخبر به ~~أنا كاذب فخبره ذلك كاذب لأن المخبر عنه ليس هو نفس هذا الخبر لأن الخبر ~~يجب أن يكون غير المخبر عنه ولا ما لم يوجد من أخباره فإنها لا توصف بصدق ~~ولا كذب فلم يبق غير الأخبار السالفة # وقد كان صادقا فيها فخبره عنها بأنه كاذب فيها يكون كذبا # وقد اختلف في أخبار قيل إنها معلومة الكذب وسيأتي الكلام فيها بعد هذا في ~~أخبار الآحاد # وأما ما لا يعلم صدقه ولا كذبه فمنه ما يظن صدقه ككثير من الأخبار ~~الواردة في أحكام الشرائع والعادات ممن هو مشهور بالعدالة والصدق ومنه ما ~~يظن كذبه كخبر من اشتهر بالكذب ومنه ما هو غير مظنون الصدق ولا الكذب بل ~~مشكوك فيه كخبر من لم يعلم حاله ولم يشتهر أمره بصدق ولا كذب فإن قيل كل ~~خبر لم يقم الدليل على صدقه قطعا فهو كاذب لأنه لو كان صادقا لما أخلانا ~~الله تعالى عن نصب دليل يدل عليه ولهذا فإن المتحدي بالنبوة إذا لم تظهر ~~على يده معجزة تدل على صدقه فإنا نقطع بكذبه # قلنا جوابه من ثلاثة أوجه الأول لا نسلم امتناع الخلو من نصب دليل يدل ~~على صدقه بتقدير أن يكون صادقا في نفس الأمر # ومن أوجب ذلك فإنما بناه على وجوب رعاية الصلاح أو الأصلح وقد أبطلناه في ~~علم الكلام ms230 PageV02P020 # الثاني أنه مقابل بمثله وهو أن يقال ولو كان كاذبا لما أخلانا الله تعالى ~~عن نصب دليل يدل على كذبه # الثالث أنه يلزم مما ذكروه أن يقطع بكذب كل شاهد لم يقم الدليل القاطع ~~على صدقه وكفر كل مسلم وفسقه إذا لم يقم دليل قاطع على إيمانه وعدالته وهو ~~محال # وأما المتحدي بالرسالة إذا لم تظهر المعجزة الدالة على صدقه إنما قطعنا ~~بكذبه بالنظر إلى العادة لا بالنظر إلى العقل وذلك لأن الرسالة عن الله ~~تعالى على خلاف العادة والعادة تقضي بكذب من يدعي ما يخالف العادة من غير ~~دليل ولا كذلك الصدق في الأخبار عن الأمور المحسوسة لأنه غير مخالف للعادة # # | القسمة الثالثة # إن الخبر ينقسم إلى متواتر وآحاد # ولما كان النظر في كل واحد من هذين القسمين هو المقصود الأعظم من هذا ~~النوع وجب رسم الباب الثاني في المتواتر والباب الثالث في الآحاد ~~PageV02P021 PageV02P022 # | الباب الثاني في المتواتر # PageV02P023 ويشتمل على مقدمة ومسائل # أما المقدمة ففي بيان معنى التواتر والمتواتر # أما التواتر في اللغة فعبارة عن تتابع أشياء واحدا بعد واحد بينهما مهلة # ومنه قوله تعالى @QB@ ثم أرسلنا رسلنا تترا @QE@ 23 المؤمنون 44 ) أي ~~واحدا بعد واحد بمهلة # وأما في اصطلاح الأصوليين فقد قال بعض أصحابنا إنه عبارة عن خبر جماعة ~~بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم # وهو غلط فإن ما ذكره إنما هو حد الخبر المتواتر لا حد نفس التواتر وفرق ~~بين التواتر والمتواتر # وإنما التواتر في اصطلاح المتشرعة عبارة عن تتابع الخبر عن جماعة مفيد ~~للعلم بمخبره # وأما المتواتر فقد قال بعض أصحابنا أيضا إنه الخبر المفيد للعلم اليقيني ~~بمخبره وهو غير مانع لدخول خبر الواحد الصادق فيه # كيف وفيه زيادة لا حاجة إليها وهي قوله ( العلم اليقيني ) فإن أحدهما كاف ~~عن الآخر # والحق أن المتواتر في اصطلاح المتشرعة عبارة عن خبر جماعة مفيد بنفسه ~~للعلم بمخبره # PageV02P024 أما حقيقة الخبر فاعلم أولا أن اسم الخبر قد يطلق على ~~الإشارات الحالية والدلائل المعنوية كما في قولهم عيناك ms231 تخبرني بكذا ~~والغراب يخبر بكذا # ومنه قول الشاعر وكم لظلام الليل عندك من يد تخبر أن المانوية تكذب وقد ~~يطلق على قول مخصوص لكنه مجاز في الأول وحقيقة في الثاني بدليل تبادره إلى ~~الفهم من إطلاق لفظ الخبر والغالب إنما هو اشتهار استعمال اللفظ في حقيقته ~~دون مجازه # ثم القول المخصوص قد يطلق على الصيغة كقول القائل قام زيد وقعد عمرو # وقد يطلق على المعنى القائم بالنفس المعبر عنه بالصيغة كما قررناه في ~~الكلاميات والأشبه أنه في اللغة حقيقة في الصيغة لتبادرها إلى الفهم من ~~إطلاق لفظ الخبر وإذا عرف مسمى الخبر حقيقة فما حده PageV02P025 فقولنا ( ~~خبر ) كالجنس للمتواتر والآحاد وقولنا ( جماعة ) احتراز عن خبر الواحد ~~وقولنا ( مفيد للعلم ) احتراز عن خبر جماعة لا يفيد العلم فإنه لا يكون ~~متواترا وقولنا ( بنفسه ) احتراز عن خبر جماعة وافق دليل العقل أو دل قول ~~الصادق على صدقهم كما سبق وقولنا ( بمخبره ) احتراز عن خبر جماعة أفاد ~~العلم بخبرهم لا ( بمخبره ) فإنه لا يسمى متواترا # وإذ أتينا على بيان المقدمة فلا بد من ذكر المسائل المتعلقة بخبر التواتر ~~وهي ست مسائل # # | المسألة الأولى # اتفق الكل على أن خبر التواتر مفيد للعلمبمخبره خلافا للسمنية والبراهمة ~~في قولهم لا علم في غير الضروريات إلا بالحواس دون الأخبار وغيرها ودليل ~~ذلك ما يجده كل عاقل من نفسه من العلم الضروري بالبلاد PageV02P026 النائية ~~والأمم السالفة والقرون الخالية والملوك والأنبياء والأئمة والفضلاء ~~المشهورين والوقائع الجارية بين السلف الماضين بما يرد علينا من الأخبار ~~حسب وجداننا كالعلم بالمحسوسات عند إدراكنا لها بالحواس # ومن أنكر ذلك فقد سقطت مكالمته وظهر جنونه أو مجاحدته # فإن قيل ما ذكرتموه فرع تصور اجتماع الخلق الكثير والجم الغفير على ~~الإخبار بخبر واحد وذلك غير مسلم مع اختلافهم في الأمزجة والآراء والأغراض ~~وقصد الصدق والكذب كما لا يتصور اتفاق أهل بلد من البلاد على حب طعام واحد ~~معين وحب الخير أو الشر # وإن سلمنا تصور اتفاق الخلق الكثير على الإخبار بشيء واحد إلا أن كل ms232 واحد ~~منهم يجوز أن يكون كاذبا في خبره بتقدير انفراده كما يجوز عليه الصدق # فلو امتنع ذلك عليه حالة الاجتماع لانقلب الجائز ممتنعا وهو محال وإذا ~~جاز ذلك على كل واحد واحد # والجملة لا تخرج عن الآحاد كان خبر الجملة جائز الكذب وما يجوز أن يكون ~~كاذبا لا يكون العلم بما يخبر به واقعا # وإن سلمنا أنه لا يلزم أن ما ثبت للآحاد يكون ثابتا للجملة غير أن القول ~~بحصول العلم بخبر التواتر يلزم منه أمر ممتنع فيمتنع وبيانه من ستة أوجه # الأول أنه لو جاز أن تخبر جماعة بما يفيد العلم لجاز على مثلهم الخبر ~~بنقيض خبرهم كما لو أخبر الأولون بأن زيدا كان في وقت كذا ميتا ونقل ~~الآخرون حياته في ذلك الوقت بعينه فإن حصل العلم بالخبرين لزم اجتماع العلم ~~الضروري بموته وحياته في وقت واحد معين وهو محال وإن حصل العلم بأحد ~~الخبرين دون الآخر فلا أولوية مع فرض تساوي المخبرين في الكمية والكيفية # الثاني أنه لو حصل العلم بخبر الجماعة الكثيرة لحصل العلم بما ينقله ~~اليهود عن موسى والنصارى عن عيسى من الأمور المكذبة لرسالة نبينا ~~PageV02P027 التي دلت المعجزة القاطعة على صدقه فيها ووجوب علمنا بها ~~واجتماع علمين متناقضين محال # الثالث أنه لو حصل العلم الضروري بخبر التواتر لما خالف في نبوة نبينا ~~أحد لأن ما علم بالضرورة لا يخالف وحيث وقع الخلاف في ذلك من الخلق الكثير ~~علمنا أن خبر التواتر لا يفيد العلم # الرابع أنه لو كان العلم الضروري حاصلا بخبر التواتر لما وقع التفاوت بين ~~علمنا بما أخبر به أهل التواتر من وجود بعض الملوك وعلمنا بأنه لا واسطة ~~بين النفي والإثبات واستحالة اجتماع الضدين وأن الجسم الواحد لا يكون في آن ~~واحد في مكانين لأن الضروريات لا تختلف ولا يخفى وجه الاختلاف في سكون ~~النفس إليهما # الخامس هو أن ما يحصل من الإعتقاد الجازم بما يخبر به أهل التواتر لا ~~يزيد على الإعتقاد الجازم بأن ما شاهدناه بالأمس من وجود الأفلاك ms233 الدائرة ~~والكواكب السيارة والجبال الشامخة أنه الذي نشاهده اليوم مع جواز أن يكون ~~الله تعالى قد أعدم ذلك وما نشاهده الآن قد خلقه الله تعالى على مثاله فإذا ~~لم يكن هذا يقينيا فما لا يزيد عليه في الجزم والاعتقاد أيضا لا يكون ~~يقينيا # السادس أنه لو كان العلم الضروري حاصلا من خبر التواتر لما خالفناكم فيه ~~لأن الضروري لا يخالف # والجواب من جهة الإجمال والتفصيل # أما الإجمال فهو أن ما ذكروه تشكيك على ما علم بالضرورة فلا يكون مقبولا ~~وأما التفصيل فأما السؤال الأول فجوابه بما سبق في بيان تصور الإجماع فيما ~~تقدم # وأما السؤال الثاني فلأنه لا يلزم أن ما كان ثابتا لآحاد الجملة وجائزا ~~عليها PageV02P028 أن يكون ثابتا للجملة وجائزا عليها # ولهذا فإنه ما من واحد من معلومات الله إلا وهو متناه وجملة معلوماته غير ~~متناهية # وكذلك كل واحد من آحاد الجملة فإنه جزء من الجملة والجملة ليست جزءا من ~~الجملة # وكذلك كل لبنة أو خشبة داخلة في مسمى الدار وهي جزء منها وليست دارا ~~والمجتمع من الكل دار # وكذلك العشرة مركبة من خمسة وخمسة وكل واحدة من الخمستين ليست عشرة ~~والمجموع منهما عشرة ونحوه # وأما ما ذكروه في السؤال الثالث من الإلزام الأول فهو فرض محال فإنه مهما ~~أخبر جمع بما يحصل منه العلم بالمخبر فيمتنع إخبار مثلهم في الكمية ~~والكيفية وقرائن الأحوال بما يناقض ذلك # وأما الإلزام الثاني فإنما يصح أن لو قلنا إن العلم يحصل من خبر كل جماعة ~~وإن خبر كل جماعة تواتر وليس كذلك وإنما دعوانا أن العلم قد يحصل من خبر ~~الجماعة ولا يلزم أن يكون خبر كل جماعة محصلا للعلم # وأما الإلزام الثالث فغير صحيح لأن التواتر إنما يفيد العلم في الإخبار ~~عن المحسوسات والمشاهدات والنبوة حكم فلذلك لم يثبت بخبر التواتر كيف وإنا ~~لا ندعي أن كل تواتر يجب حصول العلم بمخبره مطلقا لكل أحد لتفاوت الناس في ~~السماع وقوة الفهم والاطلاع على القرائن المقترنة بالأخبار المفيدة للعلم ~~فمخالفة من ms234 يخالف غير قادحة فيما ندعيه من حصول العلم به لبعض الناس # وأما الإلزام الرابع والخامس فإنما يصح أن لو ادعينا أن ما يحصل من العلم ~~بخبر التواتر من الأمور البديهية وليس كذلك بل إنما ندعي العلم العادي # وعلى هذا فلا يخرج عن كونه علما بتقاصره عن العلوم البديهية ولا بمساواته ~~لما قيل من العلوم العادية # وأما الإلزام السادس فحاصله يرجع إلى المكابرة والمجاحدة وذلك ~~PageV02P029 غير متصور في العادة في خلق لا يتصور عليهم التواطؤ على الخطإ # ثم لو كان الخلاف مما يمنع من كونه علما ضروريا لكان خلاف السوفسطائية في ~~حصول العلم بالمحسوسات مما يخرجه عن كونه علما ضروريا وهو خلاف مذهب ~~السمنية # وما هو اعتذارهم في خلاف السوفسطائية في العلم بالمحسوسات يكون عذرا لنا ~~في خلافهم لنا في المتواترات # # | المسألة الثانية # اتفق الجمهور من الفقهاء والمتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة على أن العلم ~~الحاصل عن خبر التواتر ضروري # وقال الكعبي وأبو الحسين البصري من المعتزلة والدقاق من أصحاب الشافعي ~~أنه نظري # وقال الغزالي إنه ضروري بمعنى أنه لا يحتاج في حصوله إلى الشعور بتوسط ~~واسطة مفضية إليه مع أن الواسطة حاضرة في الذهن وليس ضروريا بمعنى أنه حاصل ~~من غير واسطة كقولنا القديم لا يكون محدثا والموجود لا يكون معدوما فإنه لا ~~بد فيه من حصول مقدمتين في النفس إحداهما أن هؤلاء مع كثرتهم واختلاف ~~أحوالهم لا يجمعهم على الكذب جامع # الثانية أنهم قد اتفقوا على الإخبار عن الواقعة ولكنه لا يفتقر إلى ترتيب ~~المقدمتين بلفظ منظوم ولا إلى الشعور بتوسطهما وإفضائهما إليه # ومنهم من توقف في ذلك كالشريف المرتضى من الشيعة PageV02P030 # وإذ أتينا على تفصيل المذاهب فلا بد من ذكر حججها والتنبيه على ما فيها ~~ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار # أما حجج القائلين بالضرورة فأولها وهي الأقوى أنه لو كان حصول العلم بخبر ~~التواتر بطريق الاستدلال والنظر لما وقع ذلك لمن ليس له أهلية النظر ~~والاستدلال كالصبيان والعوام وهو واقع لهم لا محالة # ولقائل أن يقول لا ms235 نسلم أن الصبيان والعوام الذين يحصل لهم العلم بخبر ~~التواتر ليس لهم أهلية النظر في مثل هذا العلم وإن لم يكونوا من أهل النظر ~~فيما عداه من المسائل الغامضة كحدوث العالم ووجود الصانع ونحوه # وذلك لأن العلم النظري منقسم إلى ما مقدماته المفضية إليه نظرية فيكون ~~خفيا وإلى ما مقدماته المفضية إليه نظرية فيكون خفيا وإلى ما مقدماته ~~المفضية إليه ضرورية غير نظرية وعند ذلك فلا يمتنع أن يكون العلم بخبر ~~التواتر من القبيل الثاني دون الأول # وعلى هذا فلا يمتنع أن يكون العلم بأحوال المخبرين التي يتوقف عليها ~~العلم بمخبرهم حاصلة بالضرورة للصبيان والعوام ويكون العلم بالنتيجة ~~اللازمة عنها ضروريا # وإنما تتم الحجة المذكورة أن لو بين أن العلم بمخبرهم من قبيل ما مقدماته ~~نظرية لا ضرورية وذلك مما لا سبيل إلى بيانه # الحجة الثانية أن كل عاقل يجد من نفسه العلم بوجود مكة وبغداد والبلاد ~~النائية عند خبر التواتر بها مع أنه لا يجد من نفسه سابقة فكر ولا نظر فيما ~~يناسبه من العلوم المتقدمة عليه ولا في ترتيبها المفضي إليه # ولو كان نظريا لما كان كذلك # ولقائل أن يقول إنما يحتاج ذلك إلى الفكر والنظر في المقدمات وترتيبها إن ~~لو لم يكن العلم بتلك الأمور حاصلا بالضرورة على ما بيناه في إبطال الحجة ~~الأولى # وأما إذا كان حاصلا بالضرورة فلا # الحجة الثالثة أن العلم بخبر التواتر لا ينتفي بالشبهة وهذه هي أمارة ~~الضرورة # ولقائل أن يقول المنفي بالشبهة العلم النظري الذي مقدماته نظرية أو الذي ~~مقدماته ضرورية # الأول مسلم والثاني ممنوع PageV02P031 # الحجة الرابعة أنه لو كان نظريا لأمكن الإضراب عنه كما في سائر النظريات # وحيث لم يمكن ذلك دل على كونه ضروريا # ولقائل أن يقول الذي يمكن الإضراب عنه من العلوم النظرية إنما هو العلم ~~المفتقر إلى المقدمات النظرية # وأما ما لزمه من مقدمات حاصلة بالضرورة فلا # الحجة الخامسة أنه لو كان نظريا لوقع الخلاف فيه بين العقلاء وحيث لم يقع ~~إلا من معاند كما سبق كان ms236 ضروريا كالعلم بالمحسات ونحوه # ولقائل أن يقول تسويغ الخلاف عقلا إنما يكون في العلوم النظرية التي ~~مقدماتها نظرية # وأما مقدماتها ضرورية فلا كما في المحسات # وأما حجج القائلين بالنظر فأولها وهي ما استدل بها أبو الحسين البصري أن ~~قال الاستدلال ترتيب علوم يتوصل بها إلى علم آخر فكلما وقف وجوده عل ترتيب ~~فهو نظري والعلم الواقع بخبر التواتر كذلك فكان نظريا # وذلك لأنا إنما نعلم ذلك إذا علمنا أن المخبر لم يخبر عن رواية بل عن أمر ~~محسوس لا لبس فيه وأنه لا داعي له إلى الكذب فيعلم أنه لا يكون كذبا # وإذا لم يكن كذبا تعين كونه صدقا # ومهما اختل شيء من هذه الأمور لم نعلم صحة الخبر ولا معنى لكونه نظريا ~~سوى ذلك # ولقائل أن يقول سلمنا أن النظر عبارة عما ذكر لكن لا نسلم تحققه فيما نحن ~~فيه # وما المانع أن يكون اتفاقهم على الكذب لا لغرض مع كونه مقدورا لهم فإن ~~قال بأن العادة تحيل اتفاق الجمع الكثير على الكذب لا لغرض ومقصود # قلنا والعادة أيضا تحيل اتفاقهم على الصدق لا لغرض ومقصود فلم قلت بعدم ~~الغرض في الصدق دون الكذب وإذا لم يكن غرض فليس الصدق أولى من الكذب # فإن قلنا الغرض في الصدق كونه صدقا لكونه حسنا ولا كذلك PageV02P032 ~~الكذب لكونه قبيحا فهو مبني على التحسين والتقبيح العقلي وقد أبطلناه # فإن قال المراد إنما هو التحسين والتقبيح العرفي دون العقلي ولا شك أن ~~أهل العرف يعدون الكذب قبيحا والصدق حسنا # قلنا التحسين والتقبيح العرفي راجع إلى موافقة الغرض ومخالفته # وعلى هذا فلعل الكذب من حيث هو كذب فيما أخبروا به موافق لأغراضهم دون ~~الصدق فكان حسنا كما في اتفاقهم على الصدق في بعض ما أخبروا به سلمنا أنهم ~~لا يجمعون على الكذب إلا لغرض ولكن ما المانع منه فإنا قد نجد الجمع الكثير ~~متفقين على وضع الأحاديث والأخبار لحكمة عائدة إليهم وذلك كأهل مدينة أو ~~جيش عظيم اتفقوا على وضع خبر لا أصل له ms237 إما لدفع مفسدة عنهم لا سبيل إلى ~~دفعها إلا به وإما لجلب مصلحة لا تحصل إلا به # وهذا مما يغلب مثله في كل عصر وزمان حتى إن أكثر الأخبار العامة الشائعة ~~الواقعة في المعتاد كذلك # فإن قال بأن ذلك وإن كان واقعا إلا أن العادة تحيل دوامه وتوجب انكشافه ~~عن قرب من الزمان # قلنا فإذا آل الأمر إلى التمسك بالعادة في استحالة اتفاقهم على الكذب ~~دائما فما المانع أن يقال بأن العادة موجبة لصدق المخبرين إذا كانوا جمعا ~~كثيرا وحصول العلم بخبرهم وليس القول بأن العادة تحيل اتفاقهم على الكذب ~~ويلزم من ذلك الصدق أولى من أن يقال العادة توجب اتفاقهم على الصدق ويلزم ~~من ذلك امتناع اتفاقهم على الكذب وعند ذلك فيخرج العلم بخبر التواتر عن ~~كونه نظريا # سلمنا أنه لا بد في حصول العلم بخبر التواتر من حصول العلم بامتناع الكذب ~~على المخبرين ولكن لا نسلم أن ذلك يكون كافيا في كون العلم الحاصل من ~~التواتر نظريا إلا أن يكون العلم بالمقدمات قد علم معه أنها مرتبطة بالعلم ~~الحاصل بخبر التواتر وأنها الواسطة المفضية إليه وذلك غير مسلم الوجود فيما ~~نحن فيه كما ذهب إليه الغزالي PageV02P033 # الحجة الثانية أنه لو كان العلم بخبر التواتر ضروريا لنا لكنا عالمين ~~بذلك العلم على ما هو عليه كما في سائر العلوم الضرورية # وذلك لأن حصول علم للإنسان وهو لا يشعر به محال # فإذا كان ذلك العلم ضروريا وجب أن يعلم كونه ضروريا وليس كذلك # ولقائل أن يقول لا نسلم أنه إذا كان ضروريا لا بد وأن يعلم أنه ضروري بل ~~جاز أن يكون أصل العلم بالمخبر بالضرورة والعلم بصفته وهي الضرورة غير ~~ضروري # كيف وأنه معارض بأنه لو كان نظريا لعلمناه على صفته نظريا على ما قرروه ~~وليس كذلك وليس أحد الأمرين أولى من الآخر # الحجة الثالثة أنه لو كان العلم بخبر التواتر ضروريا لما اختلف العقلاء ~~فيه كما في غيره من الضروريات # ولقائل أن يقول الاختلاف فيه لا يدل على ms238 أنه غير ضروري وإلا كان خلاف ~~السوفسطانية في حصول العلم بالضروريات مانعا من كونها ضرورية وليس كذلك ~~بالاتفاق من الخصمين هاهنا بل ولكان خلاف السمنية في حصول أصل العلم بخبر ~~التواتر مانعا منه وليس كذلك # الحجة الرابعة أن خبر التواتر لا يزيد في القوة على خبر الله تعالى وخبر ~~رسوله بل هو مماثل أو أدنى والعلم بخبر الله ورسوله غير حاصل بالضرورة بل ~~بالاستدلال فما هو مثله كذلك والأدنى أولى # ولقائل أن يقول حاصل ما ذكر راجع إلى التمثيل وهو غير مفيد لليقين كما ~~عرفناه في مواضعه # كيف وإن العلم بخبر التواتر من حيث هو علم وإن كان لا يقع التفاوت بينه ~~وبين العلم الحاصل من خبر الله والرسول فكذلك لا تفاوت بين العلوم الضرورية ~~المتفق على ضروريتها كالعلم بأن لا واسطة بين النفي والإثبات والعلم بأن ~~الواحد أقل من الاثنين ونحوه وبين العلم الحاصل بخبر الله وخبر رسوله من ~~حيث إن كل واحد منهما علم # ومع ذلك ما لزم من كون العلوم الضرورية ضرورية أن يكون العلم الحاصل من ~~خبر الله PageV02P034 وخبر رسوله ضروريا ولا من كون خبر الله ورسوله غير ~~ضروري أن تكون العلوم الضرورية غير ضرورية # وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين وتفاوت الكلام بين الطرفين فقد ظهر أن ~~الواجب إنما هو الوقف عن الجزم بأحد الأمرين # # | المسألة الثالثة # اتفقت الأشاعرة والمعتزلة وجميع الفقهاء على القائلون بامتناع ذلك على ~~مسلكين ضعيفين الأول أنهم قالوا لو كان خبر التواتر مولدا للعلم فالعلم إما ~~أن يكون متولدا من الخبر الأخير أو منه ومن جملة الأخبار المتقضية فإن كان ~~الأول فهو محال وإلا لتولد منه بتقدير انفراده # وإن كان الثاني فهو ممتنع لأن الأخبار متعددة والمسبب الواحد لا يصدر عن ~~سببين كما لا يكون مخلوق بين خالقين # ولقائل أن يقول ما المانع أن يكون متولدا عن الخبر الأخير مشروطا بتقدم ~~ما وجد من الأخبار قبله وعدمت وإن كان متولدا عن الجميع فما المانع أن يكون ~~متولدا عن الهيئة الاجتماعية وهي ms239 شيء واحد لا أنه متولد عن كل واحد واحد من ~~تلك الأخبار # وهذا مما لا مدفع له # نعم لو قيل إن تولده من جميع الأخبار ممتنع ضرورة أن ما تقضى من الأخبار ~~معدوم ولا تولد عن المعدوم كان متجها # المسلك الثاني أنهم قالوا # قد استقر من مذهب القائلين بالتولد أن كل ما هو طالب لجهة من الجهات فإنه ~~يجوز أن يتولد عنه شيء في غير محله كالاعتمادات والحركات وما ليس كذلك لا ~~يتولد عنه شيء في غير محله # والقول والخبر ليس له جهة فلا يتولد عنه العلم لأنه لو تولد عنه العلم ~~لتولد في غير محله وهو ممتنع # وذلك مما لا اتجاه له مهما عرف من مذاهب PageV02P035 الخصوم أن إرعاب ~~الإنسان لغيره مما يولد فيه الوجل المولد للاصفرار بعد الاحمرار وأن تهجينه ~~له مما يولد فيه الخجل المولد للاحمرار بعد الاصفرار وإن كان ما تولد عن ~~القول المرهب والمهجن في غير محله # والمعتمد في إبطال ذلك ليس إلا ما حققناه في أبكار الأفكار من الدليل ~~الدال على امتناع موجود غير الله تعالى وأن كل موجود ممكن فوجوده ليس إلا ~~بالله تعالى فعليك باعتباره ونقله إلى هاهنا # فإن قيل اختياركم في المسألة المتقدمة إنما هو الوقف عن الجزم بكون ~~الحاصل عن خبر التواتر ضروريا أو نظريا وما ذكرتموه هاهنا من كونه مخلوقا ~~لله تعالى يوجب كونه اضطراريا للعبد وهو تناقض # كيف وإنه لو كان مخلوقا لله تعالى لأمكن حصوله عن خبر الجماعة المفروضين ~~بسبب خلق الله تعالى له وأمكن أن لا يحصل بسبب عدم خلقه # فلما كان ذلك واجب الحصول بخبر التواتر علم أنه غير موجود بالاختيار ~~مباشرة بل بالتولد عما هو مباشر بالقدرة # قلنا أما التناقض فمندفع فإنا سواء قلنا إن العلم مكتسب للعبد أو هو حاصل ~~له ضروريا فلا يخرج بذلك عن كونه مخلوقا لله تعالى على ما عرف من أصلنا # قولهم لو كان مخلوقا لله تعالى لأمكن أن يحصل وأن لا يحصل قلنا ذلك ممكن ~~عقلا غير أن ms240 الله تعالى قد أجرى العادة بخلقه للعلم عند خبر التواتر كما ~~أجرى العادة بالشبع عند أكل الخبز والري عند شرب الماء ونحوه # # | المسألة الرابعة # اتفق القائلون بحصول العلم عن الخبر المتواتر على شروط واختلفوا في شروط ~~PageV02P036 # فأما المتفق عليه فمنها ما يرجع إلى المخبر ومنها ما يرجع إلى المستمعين # فأما ما يرجع إلى المخبرين فأربعة شروط الأول أن يكونوا قد انتهوا في ~~الكثرة إلى حد يمتنع معه تواطؤهم على الكذب # الثاني أن يكونوا عالمين بما أخبروا به لا ظانين # الثالث أن يكون علمهم مستندا إلى الحس لا إلى دليل العقل # الرابع أن يستوي طرفا الخبر ووسطه في هذه الشروط لأن خبر أهل كل عصر ~~مستقل بنفسه فكانت هذه الشروط معتبرة فيه # وأما ما يرجع إلى المستمعين فأن يكون المستمع متأهلا لقبول العلم بما ~~أخبر به غير عالم به قبل ذلك وإلا كان فيه تحصيل الحاصل # غير أن من زعم أن حصول العلم بخبر التواتر نظري شرط تقدم العلم بهذه ~~الامور على حصول العلم بخبر التواتر ومن زعم أنه ضروري لم يشترط سبق العلم ~~بهذه الامور لأن العلم عنده حاصل عند خبر التواتر بخلق الله تعالى فإن خلق ~~العلم له علم أن الخبر مشتمل على هذه الشروط وإن لم يخلق له العلم علم ~~اختلال هذه الشروط أو بعضها فضابط العلم بتكامل هذه الشروط حصول العلم بخبر ~~التواتر عنده لا أن ضابط حصول العلم بخبر التواتر سابقة حصول العلم بهذه ~~الشروط # ثم اختلف هؤلاء في أقل عدد يحصل معه العلم فقال بعضهم هو خمسة # لأن ما دون ذلك كالأربعة بينة شرعية يجوز للقاضي عرضها على المزكين ~~بالإجماع لتحصيل غلبة الظن ولو كان العلم PageV02P037 حاصلا بقول الأربعة ~~لما كان كذلك # وقد قطع القاضي أبو بكر بأن الأربعة عدد ناقص وتشكك في الخمسة # ومنهم من قال أقل ذلك اثنا عشر بعدد النقباء من بني إسرائيل على ما قال ~~تعالى @QB@ وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا @QE@ 5 المائدة 12 ) وإنما خصهم ~~بذلك العدد لحصول العلم بخبرهم ms241 ومنهم من قال أقله عشرون تمسكا بقوله تعالى ~~@QB@ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين @QE@ 8 الأنفال 65 ) وإنما ~~خصهم بذلك لحصول العلم بما يخبرون به # ومنهم من قال أقل ذلك أربعون أخذا من عدد أهل الجمعة # ومنهم من قال أقلهم سبعون تمسكا بقوله تعالى @QB@ واختار موسى قومه سبعين ~~رجلا لميقاتنا @QE@ 7 الأعراف 155 ) وإنما خصهم بذلك لحصول العلم بما ~~يخبرون به # ومنهم من قال أقله ثلاثمائة وثلاثة عشر نظرا إلى عدد أهل بدر إنما خصوا ~~بذلك ليعلم ما يخبرون به للمشركين # ومنهم من قال أقل عدد يحصل به العلم معلوم لله تعالى غير معلوم لنا وهذا ~~هو المختار # وذلك لأنا لا نجد من أنفسنا معرفة العدد الذي حصل علمنا بوجود مكة وبغداد ~~وغير ذلك من المتواترات عنده # ولو كلفنا أنفسنا معرفة ذلك عند توارد المخبرين بأمر من الأمور بترقب ~~الحالة التي يكمل علمنا فيها بعد تزايد ظننا بخبر واحد بعد واحد لم نجد ~~إليه سبيلا عادة كما لم نجد من أنفسنا العلم بالحالة التي يحصل فيها كمال ~~عقولنا بعد نقصها بالتدريج الخفي لقصور القوة البشرية عن الوقوف على ذلك بل ~~يحصل لنا العلم بخبر التواتر وإن كنا لا نقف على أقل عدد أفاده كما نعلم ~~حصول الشبع بأكل الخبز والري بشرب الماء وإن كنا لا نقف على المقدار الذي ~~حصل به الشبع والري PageV02P038 # وما قيل من الأقاويل في ضبط عدد التواتر فهي مع اختلافها وتعارضها وعدم ~~مناسبتها وملائمتها للمطلوب مضطربة فإنه ما من عدد يفرض حصول العلم به لقوم ~~إلا وقد يمكن فرض خبرهم بعينه غير مفيد للعلم بالنظر إلى آخرين بل ولو ~~أخبروا بأعيانهم بواقعة أخرى لم يحصل بها العلم لمن حصل له العلم بخبرهم ~~الأول ولو كان ذلك العدد هو الضابط لحصول العلم لما اختلف وإنما وقع ~~الاختلاف بسبب الاختلاف في القرائن المقترنة بالخبر وقوة سماع المستمع ~~وفهمه وإدراكه للقرائن # وبالجملة فضابط التواتر ما حصل العلم عنده من أقوال المخبرين لا أن العلم ~~مضبوط بعدد مخصوص وعلى ms242 هذا فما من عدد يفرض كان أربعة أو ما زاد إلا ويمكن ~~أن يحصل به العلم ويمكن أن لا يحصل # ويختلف ذلك باختلاف القرائن # وما ذكر في كل صورة من أن تعيين ذلك العدد فيها إنما كان لحصول العلم ~~بخبرهم تحكم لا دليل عليه بل أمكن أن يكون لأغراض أخر غير ذلك أو أن ذلك ~~واقع بحكم الاتفاق # وعلى قولنا بأن ضابط التواتر حصول العلم عنده يمتنع الاستدلال بالتواتر ~~على من لم يحصل له العلم منه وإنما المرجع فيه إلى الوجدان هذا ما يرجع إلى ~~الشرائط المعتبرة المتفق عليها # وأما الشروط المختلف فيها فستة الأول ذهب قوم إلى أن شرط عدد التواتر أن ~~لا يحويهم بلد ولا يحصرهم عدد ومذهب الباقين خلافه وهو الحق # وذلك لأنه قد يحصل العلم بخبر أهل بلد من البلاد بل بخبر الحجيج أو أهل ~~الجامع بواقعة وقعت وحادثة حدثت مع أنهم محصورون # الثاني ذهب قوم إلى اشتراط اختلاف أنساب المخبرين وأوطانهم وأديانهم وهو ~~فاسد لأنا لو قدرنا أهل بلد اتفقت أديانهم وأنسابهم وأخبروا بقضية شاهدوها ~~لم يمتنع حصول العلم بخبرهم PageV02P039 # الثالث ذهب بعضهم إلى أن شرط المخبرين أن يكونوا مسلمين عدولا لأن الكفر ~~عرضة للكذب والتحريف والإسلام والعدالة ضابط الصدق والتحقيق في القول ولهذه ~~العلة اختص المسلمون بدلالة إجماعهم على القطع ولأنه لو وقع العلم بتواتر ~~خبر الكفار لوقع العلم بما أخبر به النصارى مع كثرة عددهم عن قتل المسيح ~~وصلبه وما نقلوه عنه من كلمة التثليث وهو باطل # فإنا نجد من أنفسنا العلم بأخبار العدد الكثير وإن كانوا كفارا كما لو ~~أخبر أهل قسطنطينية بقتل ملكهم # وليس ذلك إلا لأن الكثرة مانعة من التواطىء على الكذب وإن لم يكن ذلك ~~ممتنعا فيما كان دون تلك الكثرة # وأما الإجماع فإنما اختص علماء الإسلام بالاحتجاج به للأدلة السمعية دون ~~الأدلة العقلية كما سبق بخلاف التواتر وأما أنه لم يحصل لنا العلم بما أخبر ~~به النصارى من قتل المسيح وصلبه وكلمة التثليث فيجب أن يكون ذلك محالا ms243 على ~~عدم شرط من شروط التواتر وهو إما اختلال استواء طرفي الخبر ووسطه فيما ~~ذكرناه من الشروط قبل أو لأنهم ما سمعوا كلمة التثليث صريحا بل سمعوا كلمة ~~موهمة لذلك فنقلوا التثليث ويجب اعتقاد ذلك نفيا للكفر عن المسيح على ما ~~قال تعالى @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة @QE@ 5 المائدة 73 ~~) أو لأن المسيح شبه لهم فنقلوا قتله وصلبه ولا بعد في ذلك وإن كان الغلط ~~فيه غير معتاد إذا وقع في زمان خرق العوائد وهو زمان النبوة وإن كان بعيدا ~~في غير زمانه # ويجب اعتقاد ذلك عملا بقوله تعالى @QB@ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ~~@QE@ 4 النساء 157 ) # فإن قيل فخرق العوائد جائز في غير زمان النبوة بكرامات الأولياء فليجز في ~~كل ما أخبر به أهل ذلك العصر عن المحسات ووقوع الغلط فيه PageV02P040 # قلنا إن حصل لنا العلم بخبرهم علمنا استحالة الغلط عليهم وإن لم يحصل لنا ~~العلم به علمنا أنه قد اختل شرط من شرائط التواتر وإن لم يكن ذلك الشرط ~~معينا عندنا # الرابع ذهب قوم إلى أن شرطه أن لا يكونوا محمولين على أخبارهم بالسيف وهو ~~باطل فإنهم إن حملوا على الصدق لم يمتنع حصول العلم بقولهم كما لو لم ~~يحملوا عليه # ولهذا فإنه لو حمل الملك أهل مدينة عظيمة على الإخبار عن أمر محس # وجدنا أنفسنا عالمة بخبرهم حسب علمنا بخبرهم من غير حمل وإن حملوا على ~~الكذب فيمتنع حصول العلم بخبرهم لفوات شرط وهو إخبارهم عن معلوم محس # الخامس شرطت الشيعة وابن الراوندي وجود المعصوم في خبر التواتر حتى لا ~~يتفقوا على الكذب و هو باطل أيضا لما بيناه من أنه لو اتفق أهل بلد من بلاد ~~الكفار على الأخبار عن قتل ملكهم أو أخذ مدينة فإن العلم يحصل بخبرهم مع ~~كونهم كفارا فضلا عن كون الإمام المعصوم ليس فيهم # ثم لو كان كذلك فالعلم يكون حاصلا بقول الإمام المعصوم بالنسبة إلى من ~~سمعه لا بخبر التواتر # السادس شرطت اليهود في ms244 خبر التواتر أن يكون مشتملا على أخبار أهل الذلة ~~والمسكنة لأنه إذا لم يكن فيهم مثل هؤلاء فلا يؤمن تواطيهم على الكذب لغرض ~~من الأغراض بخلاف ما إذا كانوا أهل ذلة ومسكنة فإن خوف مؤاخذتهم بالكذب ~~يمنعهم من الكذب # ولو صح لهم هذا الشرط لثبت غرضهم من إبطال العلم بخبر التواتر بمعجزات ~~عيسى ونبينا عليه السلام حيث إنهم لم يدخلوا في الأخبار بها وهم أهل الذلة ~~والمسكنة لكنه باطل بما نجده من أنفسنا من العلم بأخبار الأكابر والشرفاء ~~العظماء إذا أخبروا بأمر محس وكانوا خلقا كثيرا بل ربما كان حصول العلم من ~~خبرهم PageV02P041 أسرع من حصول العلم بخبر أهل المسكنة والذلة لترفع هؤلاء ~~عن رذيلة الكذب لشرفهم وقلة مبالاة هؤلاء به لخستهم # وبالجملة لا يمتنع أن يكون شيء من هذه الشروط إذا تحقق كان حصول العلم ~~بخبر التواتر معه أسرع من غيره # أما أن يكون ذلك شرطا ينتفي العلم بخبر التواتر عند انتفائه فلا # # | المسألة الخامسة # ذهب القاضي أبو بكر وأبو الحسين البصري إلى أن كل عدد وقع العلم بخبره في ~~واقعة لشخص لا بد وأن يكون مفيدا للعلم بغير تلك الواقعة لغير ذلك الشخص ~~إذا سمعه وهذا إنما يصح على إطلاقه إذا كان العلم قد حصل من نفس خبر ذلك ~~العدد مجردا عما احتف به من القرائن العائدة إلى أخبار المخبرين وأحوالهم ~~واستواء السامعين في قوة السماع للخبر والفهم لمدلوله مع فرض التساوي في ~~القرائن مع أن القرائن قد تفيد آحادها الظن وبتضافرها واجتماعها العلم كما ~~سنبينه # فلا يمتنع أن يحصل العلم بمثل ذلك العدد في بعض الوقائع للمستمع دون ~~البعض لما اختص به من القرائن التي لا وجود لها في غيره وبتقدير اتحاد ~~الواقعة وقرانها لا يلزم من حصول العلم بذلك العدد لبعض الأشخاص حصوله لشخص ~~آخر لتفاوتهما في قوة الإدراك والفهم للقرائن إذ التفاوت فيما بين الناس في ~~ذلك ظاهر جدا حتى أن منهم من له قوة فهم أدق المعاني وأغمضها في أدنى دقيقة ~~من غير كد ms245 ولا تعب ومنهم من انتهى في البلادة إلى حد لا قدرة له على فهم ~~أظهر ما يكون من المعاني مع الجد والاجتهاد في ذلك ومنهم من حاله متوسطة ~~بين الدرجتين # وهذا أمر واضح لا مراء فيه ومع التفاوت في هذه الأمور يظهر أن ما ذكره ~~القاضي وأبو الحسين البصري مما لا سبيل إلى تصحيحه على إطلاقه PageV02P042 # # | المسألة السادسة # إذا عرف أن التواتر يفيد العلم بالخبر الواحد كالإخبار عن قتل ملك أو ~~هجوم بلد كما ذكرناه فلو بلغ عدد المخبرين إلى حد التواتر لكن اختلفت ~~أخبارهم والوقائع التي أخبروا عنها مع اشتراك جميع أخبارهم في معنى كلي ~~مشترك بين مخبراتهم فالكل مخبرون عن ذلك المعنى المشترك ضرورة إخبارهم عن ~~جريانه إما بجهة التضمن أو الالتزام فكان معلوما من أخبارهم وذلك كالأخبار ~~التي وردت خارجة عن الحصر عن وقائع عنتر في حروبه ووقائع حاتم في هباته ~~وضيافاته وإن اختلفت وقائع هذه الأخبار فكلها دالة على القدر المشترك من ~~شجاعة هذا وكرم هذا # غير أنه ربما كان حصول العلم بها مثل التواتر الأول لاتحاد لفظه ومعناه ~~أسرع حصولا من الثاني لاختلاف ألفاظه وما طابقها من المعاني وإن اتد ~~مدلولها من جهة التضمن أو الالتزام وهذا آخر باب التواتر PageV02P043 ~~PageV02P044 # | الباب الثالث في أخبار الآحاد # ويشتمل على أربعة أقسام أولها النظر في حقيقة خبر الواحد وما يتعلق به من ~~المسائل # وثانيها النظر في شرائط وجوب العمل بخبر الواحد وما يتعلق به من المسائل # وثالثها النظر في مستند الراوي وكيفية روايته وما يتعلق به من المسائل # ورابعها النظر فيما اختلف في رد خبر الواحد به ومسائله PageV02P045 ~~PageV02P046 # | القسم الثاني في حقيقة خبر الواحد ويشتمل على مقدمة ومسائل # أما المقدمة ففي حقيقة خبر الواحد وشرح معناه # قال بعض أصحابنا خبر الواحد ما أفاد الظن وهو غير مطرد ولا منعكس # أما أنه غير مطرد فلأن القياس مفيد للظن وليس هو خبر واحد فقد وجد الحد ~~ولا محدود # وأما أنه غير منعكس فهو أن الواحد إذا أخبر بخبر ولم يفد ms246 الظن فإنه خبر ~~واحد وإن لم يفد الظن فقد وجد المحدود ولا حد # كيف وإن التعريف بما أفاد الظن تعريف بلفظ متردد بين العلم كما في قول ~~الله تعالى @QB@ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم @QE@ 2 البقرة 46 ) أي يعلمون ~~وبين ترجح أحد الاحتمالين PageV02P047 على الآخر في النفس من غير قطع # والحدود مما يجب صيانتها عن الألفاظ المشتركة لإخلالها بالتفاهم ~~وافتقارها إلى القرينة # والأقرب في ذلك أن يقال خبر الآحاد ما كان من الأخبار غير منته إلى حد ~~التواتر # وهو منقسم إلى ما لا يفيد الظن أصلا وهو ما تقابلت فيه الاحتمالات على ~~السواء وإلى ما يفيد الظن وهو ترجح أحد الاحتمالين الممكنين على الآخر في ~~النفس من غير قطع # فإن نقله جماعة تزيد على الثلاثة والأربعة سمي مستفيضا مشهورا # وإذا عرف ذلك فلنذكر ما يتعلق به من المسائل وهي سبع # | المسألة الأولى # اختلفوا في الواحد العدل إذا أخبر بخبر هل يفيد خبره العلم فذهب قوم إلى ~~أنه يفيد العلم ثم اختلف هؤلاء فمنهم من قال إنه يفيد العلم بمعنى الظن لا ~~بمعنى اليقين فإن العلم قد يطلق ويراد به الظن كما في قوله تعالى @QB@ فإن ~~علمتموهن مؤمنات @QE@ 60 الممتحنة 10 ) أي ظننتموهن # ومنهم من قال إنه يفيد العلم اليقيني من غير قرينة لكن من هؤلاء من قال ~~ذلك مطرد في خبر كل واحد كبعض أهل الظاهر وهو مذهب أحمد بن حنبل في إحدى ~~الروايتين عنه # ومنهم من قال إنما يوجد ذلك في بعض أخبار الآحاد لا في الكل وإليه ذهب ~~بعض أصحاب الحديث # ومنهم من قال إنه يفيد العلم إذا اقترنت به قرينة كالنظام ومن تابعه في ~~مقالته # وذهب الباقون إلى أنه لا يفيد العلم اليقيني مطلقا لا بقرينة ولا بغير ~~قرينة # والمختار حصول العلم بخبره إذا احتفت به القرائن # ويمتنع ذلك عادة PageV02P048 دون القرائن وإن كان لا يمتنع خرق العادة ~~بأن يخلق الله تعالى لنا العلم بخبره من غير قرينة # أما أنه لا يفيد العلم بمجرده فقد احتج القائلون ms247 بذلك بحجج واهية لا بد ~~من التنبيه عليها والإشارة بعد ذلك إلى ما هو المعتمد في ذلك # الحجة الأولى من الحجج الواهية قولهم لو كان خبر الواحد مفيدا للعلم ~~لأفاد كل خبر واحد كما أن خبر التواتر لما كان موجبا كان كل خبر متواتر ~~كذلك # ولقائل أن يقول هذا قياس تمثيلي وهو غير مفيد للعلم # كيف وإن خبر التواتر قبل العلم به ضروري غير مكتسب فلا يمتنع أن يخلقه ~~الله تعالى عند كل تواتر لعلمه بما يشتمل عليه من مصلحة مختصة به أو لا ~~لمصلحة كما يشاء ويختار ومثل ذلك غير لازم في أخبار الآحاد # وإن قيل إنه نظري مكتسب # فلا مانع من استواء جميع أخبار التواتر فيما لا بد منه في حصول العلم # ولا يلزم من ذلك استواء جميع أخبار الآحاد في ذلك # الحجة الثانية أن تأثيرات الأدلة في النفوس بحسب المؤثر ولا نجد من ~~أنفسنا من خبر الواحد وإن بلغ الغاية في العدالة سوى ترجح صدقه على كذبه من ~~غير قطع وذلك غير موجب للعلم # وهذه الحجة في غاية الضعف لأن حاصلها يرجع إلى محض الدعوى في موضع الخلاف ~~من غير دلالة ومع ذلك فهي مقابلة بمثلها وهو أن يقول الخصم وأنا أجد في ~~نفسي العلم بذلك # وليس أحد الأمرين أولى من الآخر # الحجة الثالثة أنه لو كان خبر الواحد يوجب العلم لما روعي فيه شرط ~~الإسلام والعدالة كما في خبر التواتر PageV02P049 # وحاصل هذه الحجة أيضا يرجع إلى التمثيل وهو غير مفيد لليقين # ثم ما المانع أن يكون حصول العلم بخبر التواتر لأن الله تعالى أجرى ~~العادة بخلق العلم عنده إن قيل إن العلم بخبر التواتر ضروري وذلك غير لازم ~~في خلقه عند خبر من ليس بمسلم ولا عدل أو أن يكون التواتر من حيث هو تواتر ~~مشتمل على ما يوجب العلم # إن قيل بأن العلم بخبر التواتر كسبي وخبر من ليس بمسلم ولا عدل غير مشتمل ~~على ذلك # والمعتمد في ذلك أربع حجج الحجة الأولى أنه لو ms248 كان خبر الواحد الثقة ~~مفيدا للعلم بمجرده فلو أخبر ثقة آخر بضد خبره فإن قلنا خبر كل واحد يكون ~~مفيدا للعلم لزم اجتماع العلم بالشيء وبنقيضه وهو محال # وإن قلنا خبر أحدهما يفيد العلم دون الآخر فإما أن يكون معينا أو غير ~~معين # فإن كان الأول فليس أحدهما أولى من الآخر ضرورة تساويهما في العدالة ~~والخبر # وإن لم يكن معينا فلم يحصل العلم بخبر واحد منهما على التعيين بل كل واحد ~~منهما إذا جردنا النظر إليه كان خبره غير مفيد للعلم لجواز أن يكون المفيد ~~للعلم هو خبر الآخر # كيف وأنه لا مزية لأحدهما على الآخر حتى يقال بحصول العلم بخبره دون خبر ~~الآخر # الحجة الثانية إن كل عاقل يجد من نفسه عند ما إذا أخبره واحد بعد واحد ~~بمخبر واحد يزيد اعتقاده بذلك المخبر # ولو كان الخبر الأول والثاني مفيدا للعلم فالعلم غير قابل للتزيد ~~والنقصان # فإن قيل كيف يقال بأن العلم غير قابل للزيادة والنقصان مع أن بعض العلوم ~~قد يكون أجلى من بعض وأظهر كالعلم الضروري فإنه أقوى من العلم المكتسب ~~والعلم بالعيان أقوى من العلم بالخبر # قلنا لا نسلم تصور التفاوت بين العلوم من حيث هي علوم بزيادة ولا نقصان ~~لانتفاء احتمال النقيض عنها قطعا ولو لم يكن كذلك لما كانت علوما بل ظنونا # والتفاوت الواقع بين العلم النظري والعلم الضروري ليس في PageV02P050 نفس ~~العلم بالمعلوم بل من جهة أن أحدهما مفتقر في حصوله إلى النظر دون الآخر أو ~~أن أحدهما أسرع حصولا من الآخر لتوقفه على النظر # والتفاوت الواقع بين العلم بالخبر والعلم بالنظر غير متصور فيما تعلقا به ~~وإنما التفاوت بينهما من جهة أن ما لا يدرك بالخبر يكون مدركا بالعيان ~~والنظر # الحجة الثالثة أنه لو كان الخبر الواحد بمجرده موجبا للعلم لكان العلم ~~حاصلا بنبوة من أخبر بكونه نبيا من غير حاجة إلى معجزة دالة على صدقه ولوجب ~~أن يحصل للحاكم العلم بشهادة الشاهد الواحد وأن لا يفتقر معه إلى شاهد آخر ~~ولا ms249 إلى تزكيته لما فيه من طلب تحصيل الحاصل إذ العلم غير قابل للزيادة ~~والنقصان كما سبق تقريره # الحجة الرابعة أنه لو حصل العلم بخبر الواحد بمجرده لوجب تخطئة مخالفه ~~بالاجتهاد وتفسيقه وتبديعه إن كان ذلك فيما يبدع بمخالفته ويفسق ولكان مما ~~يصح معارضته بخبر التواتر وأن يمتنع التشكيك بما يعارضه كما في خبر التواتر ~~وكل ذلك خلاف الإجماع # فإن قيل ما ذكرتموه معارض بالنص والمعقول والأثر أما النص فقوله تعالى ~~@QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ نهى عن اتباع غير العلم # وقد أجمعنا على جواز اتباع خبر الواحد في أحكام الشرع ولزوم العلم به فلو ~~لم يكن خبر الواحد مفيدا للعلم لكان الإجماع منعقدا على مخالفة النص وهو ~~ممتنع # وأيضا فإن الله تعالى قد ذم على اتباع الظن بقوله تعالى @QB@ إن يتبعون ~~إلا الظن @QE@ 6 الأنعام 116 ) وقوله تعالى @QB@ وما يتبع أكثرهم إلا ظنا ~~إن الظن لا يغني من الحق شيئا @QE@ 10 يونس 36 ) فلو لم يكن خبر الواحد ~~مفيدا للعلم بل للظن لكنا مذمومين على اتباعه وهو خلاف الإجماع وأما من جهة ~~المعقول فمن وجهين PageV02P051 الأول أنه لو لم يكن خبر الواحد مفيدا للعلم ~~لما أوجبه وإن كثر العدد إلى حد التواتر لأن ما جاز على الأول جاز على من ~~بعده # الثاني أنه لو لم يكن خبره موجبا للعلم لما أبيح قتل المقر بالقتل على ~~نفسه ولا بشهادة اثنين عليه ولا وجبت الحدود بأخبار الآحاد لكون ذلك قاضيا ~~على دليل العقل وبراءة الذمة # وأما من جهة الأثر ونخص مذهب من فرق بين خبر وخبر كبعض المحدثين فهو أن ~~عليا كرم الله وجه قال ما حدثنى أحد بحديث إلا استحلفته سوى أبي بكر صدق ~~أبا بكر وقطع بصدقه وهو واحد # قلنا أما الآيات فالجواب عنها من وجهين الأول أن وجوب العمل بخبر الواحد ~~واتباعه في الشرعيات إنما كان بناء على انعقاد الإجماع على ذلك والإجماع ~~قاطع # فاتباعه لا يكون اتباعا لما ليس بعلم ولا اتباعا للظن # الثاني أنه يحتمل ms250 أن يكون المراد من الآيات إنما هو المنع من اتباع غير ~~العلم فيما المطلوب منه العلم كالاعتقادات في أصول الدين من اعتقاد وجود ~~الله تعالى وما يجوز عليه وما لا يجوز ويجب الحمل على ذلك عملا بما ذكرناه ~~من الأدلة # وأما ما ذكروه من الوجه الأول من جهة المعقول فغير لازم لأن حكم الجملة ~~قد يغاير حكم الآحاد على ما سبق مرارا # وأما الوجه الثاني فمبني على أن أحكام الشرع لا تبنى على غير العلم وهو ~~غير مسلم وعلى خلاف إجماع السلف قبل وجود المخالفين # وما ذكروه من الأثر فغايته أن يدل على أن عليا صدق أبا بكر رضي الله ~~عنهما من غير يمين لحصول ظنه بخبره من غير يمين دون خبر غيره لكون ما اختص ~~به من زيادة الرتبة وعلو الشأن في العدالة والثقة في مقابلة يمين ~~PageV02P052 غيره # والتصديق بناء على غلبة الظن جائز في باب الظنون وإن لم يكن الصدق معلوما # وأما جواز وقوع العلم بخبر الواحد إذا احتفت به القرائن فيدل عليه أن ~~القرينة قد تفيد الظن مجردة عن الخبر # وذلك كما إذا رأينا إنسانا يكثر من النظر إلى شخص مستحسن فإنا نظن حبه له # فإذا اقترن بذلك ملازمته له زاد ذلك الظن ولا يزال في التزايد بزيادة ~~خدمته له وبذل ما له وتغير حاله إلى غير ذلك من القرائن حتى يحصل العلم ~~بحبه له كما في تزايد الظن بأخبار الآحاد حتى يصير تواترا # وكذلك علمنا بخجل من هجن ووجل من خوف باحمرار هذا واصفرار هذا # وبهذا الطريق نعلم عند ارتضاع الطفل وصول اللبن إلى جوفه بكثرة امتصاصه ~~وازدراده وحركة حلقه مع كون المرأة شابة نفساء وبسكون الصبي بعد بكائه إلى ~~غير ذلك من القرائن # وإذا كانت القرائن المتضافرة بمجردها مفيدة للعلم فلا يبعد أن تقترن ~~بالخبر المفيد للظن قرينة مفيدة للظن قائمة مقام اقتران خبر آخر به # ثم لا يزال التزايد في الظن بزيادة اقتران القرائن إلى أن يحصل العلم كما ~~في خبر التواتر # وإذا ثبت ms251 الجواز فبيان الوقوع أنه لو أخبر واحد أن ولد الملك قد مات ~~واقترن بذلك علمنا بمرضه وأنه لا مريض في دار الملك سواه وما شاهدناه من ~~الصراخ العالي في داره والنحيب الخارج عن العادة وخروج الجنازة محتفة ~~بالخدم والجواري حاسرات مبرحات يلطمن خدودهن وينقضن شعورهن والملك ممزق ~~الثوب حاسر الرأس يلطم وجهه وهو مضطرب البال مشوش الحال على خلاف ما كان من ~~عادته من التزام الوقار والهيبة والمحافظة على أسباب المروءة فإن كل عاقل ~~سمع ذلك الخبر وشاهد هذه القرائن يعلم صدق ذلك المخبر ويحصل له العلم ~~بمخبره كما يعلم صدق خبر التواتر ووقوع مخبره # وكذلك إذا أخبر واحد مع كمال عقله وحسه بحياة نفسه وكراهته PageV02P053 ~~للألم وهو في أرغد عيشة نافذ الأمر قائم الجاه أنه قتل من يكافئه عمدا ~~عدوانا بآلة يقتل مثلها غالبا من غير شبهة له في قتله ولا مانع له من ~~القصاص كان خبره مع هذه القرائن موجبا للعلم بصدقه عادة # وكذلك إذا كان في جوار إنسان امرأة حامل وقد انتهت مدة حملها فسمع الطلق ~~من وراء الجدار وضجة النسوان حول تلك الحامل ثم سمع صراخ الطفل وخرج نسوة ~~يقلن إنها قد ولدت فإنه لا يستريب في ذلك ويحصل له العلم به قطعا # وإنكار ذلك مما يخرج المناظرة إلى المكابرة # فإن قيل العلم الحاصل بموت ولد الملك في الصورة المفروضة إما أن يكون ~~حاصلا من نفس الخبر أو من نفس القرائن أو من الخبر مشروطا بالقرائن أو ~~بالقرائن مشروطا بالخبر الأول أو من الأمرين معا لا جائز أن يكون من مجرد ~~الخبر لما ذكرتموه أولا ولا جائز أن يكون من الخبر مشروطا بالقرائن ولا من ~~القرائن بشرط الخبر ولا من الخبر والقرائن معا لاستقلال تلك القرائن ~~المذكورة بإفادة العلم بالموت سواء وجد الخبر أو لم يوجد # فلم يبق إلا أن يكون حاصلا من نفس القرائن ولا أثر للخبر # ثم ما ذكرتموه معارض بما ذكرتموه من الحجج الدالة على امتناع وقوع العلم ~~بخبر الواحد مجردا عن القرائن ms252 فإنها متجهة بعينها هاهنا # والجواب عن السؤال الأول أنه لا يمتنع أن يكون سبب ما وجد من القرائن موت ~~غير ولد الملك فجأة # فإذا انضم إليها الخبر بموت ذلك المريض بعينه كان اعتقاد موته آكد من ~~اعتقاد موته مع القرائن دون الخبر # وعن المعارضات أنها غير لازمة فيما نحن فيه # أما الحجة الأولى فلأنا إذا فرضنا حصول العلم بخبر من احتفت بخبره ~~القرائن فيمتنع تصور اقتران مثل تلك القرائن أو ما يقوم مقامها بالخبر ~~المناقض له وإن كان نفس الخبر مناقضا بخلاف ما إذا كان الخبر بمجرده ~~PageV02P054 مفيدا للعلم فإن ذلك غير مانع من خبر آخر مناقض له على ما هو ~~معلوم في الشاهد # وأما الحجة الثانية فلأن ما نجده من التزيد عند أخبار الآحاد إنما يكون ~~فيما لم يحصل العلم فيه بخبر الأول والثاني وأما متى كان العلم قد حصل بخبر ~~الأول فالتزيد من ذلك يكون ممتنعا ولا كذلك فيما إذا أخبر واحد بخبر فإنا ~~إذا جردنا النظر إلى خبره من غير قرينة وجدنا أنفسنا مما يزيد فيها الظن ~~بما أخبر به باقتران خبر غيره بخبره # وأما الحجة الثالثة فلأنا إذا قلنا إن خبر الواحد يفيد العلم بمخبره لزم ~~تصديق مدعي النبوة في خبره ولا كذلك إذا قلنا إن الخبر لا يفيد العلم إلا ~~بالقرائن # فخبر الواحد بنبوته لا يكون مفيدا للعلم بصدقه دون اقتران القرائن بقوله ~~والمعجزة من القرائن # وأما الحجة الرابعة فغايتها أنها تدل على أنه لم يوجد خبر من أخبار ~~الآحاد في الشرعيات موجبا للعلم بمجرده ولا يلزم منه انتفاء ذلك مطلقا # # | المسألة الثانية # إذا أخبر واحد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر ولم ينكر عليه ~~هل يعلم كونه صادقا فيه منهم من قال بأن ذلك دليل العلم بصدقه فيما أخبر به ~~فإنه لو كان كاذبا لأنكر النبي عليه السلام عليه وإلا كان مقرا له على ~~الكذب مع كونه محرما وذلك محال في حق النبي صلى الله عليه وسلم وهو غير ~~صحيح فإنه ms253 من الجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم غير سامع له بل هو ~~ذاهل عنه PageV02P055 وإن غلب على الظن السماع وعدم الغفلة وبتقدير أن يعلم ~~سماعه له وعدم غفلته عنه فمن الجائز أن لا يكون فاهما لما يقول وإن غلب على ~~الظن فهمه له وبتقدير أن يكون فاهما له فلا يخلو إما أن يكون ما أخبر به ~~متعلقا بالدين أو الدنيا فإن كان متعلقا بالدين وقدر كونه كاذبا فيه فيحتمل ~~أن يكون قد بينه له وعلم أن إنكاره عليه ثانيا غير منجع فيه فلم ير في ~~الإنكار عليه فائدة ورأى المصلحة في إهماله إلى وقت آخر # وبتقدير عدم ذلك كله احتمل أن يكون كذبه في ذلك صغيرة وعدم الإنكار عليه ~~في ذلك غايته أن يكون صغيرة في حق النبي صلى الله عليه وسلم وانتفاء ~~الصغائر عن النبي صلى الله عليه وسلم غير مقطوع به على ما بيناه في كتبنا ~~الكلامية # هذا إن كان إخباره بأمر ديني # وأما إن كان إخباره بأمر دنيوي فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يعلم بكونه كاذبا فيما أخبر به وإن ظن علمه به وبتقدير أن يكون عالما بكذبه ~~فيحتمل أنه امتنع من الإنكار لمانع أو لعلمه بأنه لا فائدة في إنكاره ~~وبتقدير عدم ذلك كله فيحتمل أن يكون ذلك من الصغائر والصغائر غير ممتنعة ~~على الأنبياء كما علم # وعلى هذا فعدم الإنكار لا يدل على صدقه قطعا وإن دل عليه ظنا # # | المسألة الثالثة # إذا أخبر واحد بخبر عن أمر محس بين يدي جماعة عظيمة وسكتوا عن تكذيبه قال ~~قوم علم من ذلك صدقه لأنه يمتنع عادة أن لا يطلع واحد منهم على كذبه ~~وبتقدير الاطلاع يمتنع عادة سكوت الجمع العظيم عن التكذيب مع اختلاف ~~أمزجتهم وطباعهم واختلاف دواعيهم فحيث سكتوا عن التكذيب دل على صدقه وليس ~~بحق لأنه من الجائز أن لا يكون لهم اطلاع على ما أخبر به ولا يعلمون كونه ~~صادقا ولا كاذبا ولا واحد منهم ولا العادة مما تحيل ms254 اطلاع بعض الناس على ~~أمر لم يطلع عليه غيره # وبتقدير أن يعلم واحد منهم أو اثنان كذبه فالعادة لا تحيل سكوت الواحد ~~والاثنين عن تكذيبه وبتقدير أن PageV02P056 يعلم الكل بكذبه فيحتمل أن ~~مانعا منعهم من تكذيبه ومع هذه الاحتمالات يمتنع القطع بتصديقه وإن كان ~~صدقه مظنونا # # | المسألة الرابعة # إذا روى واحد خبرا ورأينا الأمة مجمعة على العمل بمقتضاه قال جماعة من ~~المعتزلة كأبي هاشم وأبي عبد الله البصري وغيرهما إن ذلك يدل على صدقه قطعا ~~وإلا كان عملهم بمقتضاه خطأ والأمة لا تجتمع على الخطإ وهو باطل # وذلك لأنه من المحتمل أنهم لم يعملوا به بل بغيره من الأدلة أو بعضهم به ~~وبعضهم بغيره # وبتقدير عمل الكل به فلا يدل ذلك على صدقه قطعا لأنه إذا كان مظنون الصدق ~~فالأمة مكلفة بالعمل بموجبه وعملهم بموجبه مع تكليفهم بذلك لا يكون خطأ لأن ~~خطأهم إنما يكون بتركهم لما كلفوا به أو العمل بما نهوا عنه # ومع هذه الاحتمالات فصدقه لا يكون مقطوعا وإن كان مظنونا # وعلى هذا لو روى واحد خبرا واتفق أهل الإجماع فيه على قولين فطائفة عملت ~~بمقتضاه وطائفة اشتغلت بتأويله فلا يدل ذلك على صدقه قطعا وذلك لأن الطائفة ~~التي عملت بمقتضاه لعلها لم تعمل به بل بغيره كما سبق # وبتقدير أن تكون عاملة به فاتفاقهم على قبوله لا يوجب كونه صادقا قطعا ~~لما ذكرناه من تكليفهم باتباع الظني # # | المسألة الخامسة # اختلفوا فيما لو وجد شيء بمشهد من الخلق الكثير لتوفرت الدواعي على نقله ~~إذا انفرد الواحد بروايته عن باقي الخلق كما إذا أخبر بأن الخليفة ببغداد ~~قتل في وسط الجامع يوم الجمعة بمشهد من الخلق ولم يخبر بذلك أحد سواه فذهب ~~الكل إلى أن ذلك يدل على كذبه خلافا للشيعة وهو الحق # وذلك لأن الله تعالى قد ركز في طباع الخلق من توفير الدواعي على نقل ما ~~علموه والتحدث بما عرفوه حتى إن العادة لتحيل كتمان ما لا يؤبه له مما جرى ~~من صغار الأمور على الجمع ms255 القليل فكيف على الجمع الكثير فيما PageV02P057 ~~هو من عظائم الأمور ومهماتها والنفوس مشرئبة إلى معرفته وفي نقله صلاح ~~للخلق بل السكوت عن نقل ذلك وإشاعته في إحالة العادة له أشد من إحالة ~~العادة لسكوتهم وتواطيهم على عدم نقل وجود مكة وبغداد # فلو جاز كتمان ذلك لجاز أن يوجد مثل مصر وبغداد ولم يخبر أحد عنهما وذلك ~~محال عادة # وبمثل هذا عرفنا كذب من ادعى معارضة القرآن والتنصيص على إمام بعينه من ~~حيث إنه لو وجد ذلك لشاع وتوفرت الدواعي على نقله # فإن قيل العادة إنما تحيل اتفاق الجمع الكثير على كتمان ما جرى بمشهد ~~منهم من الأمور العظيمة إذا لم يتحقق الداعي إلى الكتمان معارضا لداعي ~~الإظهار ولا بعد في ذلك إما لغرض واحد يعم الكل نظرا إلى مصلحة تتعلق بالكل ~~في أمر الولاية وإصلاح المعيشة أو خوف ورهبة من عدو غالب وملك قاهر أو ~~لأغراض متعددة كل غرض لواحد ويدل على ذلك الوقوع # وهو أن النصارى مع كثرتهم كثرة تخرج عن الحصر لم ينقلوا كلام المسيح في ~~المهد مع أنه من أعجب حادث حدث في الأرض ومن أعظم ما تتوفر الدواعي على ~~نقله وإشاعته ونقلوا ما دون ذلك من معجزاته # وأيضا فإن الناس نقلوا أعلام الرسل ولم ينقلوا أعلام شعيب وغيره من الرسل # وأيضا فإن آحاد المسلمين قد انفردوا بنقل ما تتوفر الدواعي على نقله مع ~~شيوعه فيما بين الصحابة والجمع الكثير كنقل ما عدا القرآن من معجزاته ~~كانشقاق القمر وتسبيح الحصا في يده ونبع الماء من بين أصابعه وحنين الجذع ~~إليه وتسليم الغزالة عليه وكدخول مكة عنوة أو صلحا وتثنية الإقامة وإفرادها ~~وإفراده في الحج وقرانه ونكاحه لميمونة وهو حرام وقبوله لشهادة الأعرابي ~~وحده في هلال رمضان ورفع اليدين في الصلاة والجهر بالتسمية إلى غير ذلك من ~~الوقائع التي لا تحصى PageV02P058 # قلنا قد بينا أن العادة تحيل اتفاق الجمع الكثير على كتمان ما يجري بينهم ~~من الوقائع العظيمة # قولهم ذلك إنما يصح أن لو لم يوجد الداعي إلى ms256 الكتمان # قلنا والكلام فيه وذلك أن العادة أيضا تحيل اشتراك الخلق الكثير في ~~الداعي إلى الكتمان كما يستحيل اشتراكهم في الداعي إلى الكذب وإلى أكل طعام ~~واحد في يوم واحد وما ذكروه من صور الاستشهاد # أما كلام عيسى في المهد فإنما تولى نقله الآحاد لأنه لم يتكلم إلا بحضرة ~~نفر يسير حيث لم يكن أمره قد ظهر ولا شأنه قد اشتهر ولا عرف برسالة ولا ~~نبوة وذلك بخلاف إحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص فإنه كان وقت اشتهاره ~~ودعواه الرسالة مستدلا بذلك على صدقه وتطلع الناس إليه وامتداد الأعين إلى ~~ما يدعيه # فلذلك لم يقع اتفاقهم على كتمانه وأما أعلام شعيب وغيره من الأنبياء ~~فإنما لم ينقل لأنهم لم يدعوا الرسالة حتى يستدلوا عليها بالمعجزات ولا كان ~~لهم شريعة انفردوا بها بل كانوا يدعون إلى شريعة من قبلهم من الرسل كدعوى ~~غيرهم من الأئمة وآحاد العلماء # وأما نقل باقي معجزات الرسول غير القرآن فإنما تولاه الآحاد لأنه لم يوجد ~~شيء من ذلك بمشهد من الخلق العظيم بل إنما جرى ما جرى منهم بحضور طائفة ~~يسيرة ولا سيما انشقاق القمر فإنه كان من الآيات الليلية وقعت والناس بين ~~نائم وغافل في لمح البصر ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعاهم إلى ~~رؤيته ولا نبههم على ذلك سوى من رآه من النفر اليسير # ولهذا فإنه كم من أمر مهول يقع في الليل من زلزلة أو صاعقة أو ريح عاصف ~~أو انقضاض شهاب عظيم ولا يشعر به سوى الآحاد # وهذا بخلاف القرآن فإنه كان صلى الله عليه وسلم يردده بين الخلق في جميع ~~عمره فلم يبق أحد PageV02P059 من الجمع العظيم في زمانه إلا وقد علمه ~~وشاهده # فلذلك استحال تواطؤهم على عدم نقله # وأما دخول مكة فقد نقله الجمع الكثير وهو مستفيض مشهور أنه دخلها عنوة ~~متسلحا بالألوية والأعلام على سبيل القهر والغلبة مع بذل الأمان لمن ألقى ~~سلاحه واعتصم بالكعبة ودار أبي سفيان # وإنما خالف بعض الفقهاء لما اشتبه عليه ذلك بأداء ms257 دية من قتله خالد بن ~~الوليد # ولا يبعد ظن ذلك من الآحاد وأما تثنية الإقامة وإفرادها فإنما اختلفوا ~~فيه لاحتمال أن المؤذن كان يفرد تارة ويثني أخرى فنقل كل بعض ما سمعه وأهمل ~~الباقي لعلمه بأنه من الفروع المتسامح فيها وهو الجواب عن الجهر بالتسمية ~~ورفع اليدين في الصلاة # وأما إفراد النبي وقرانه في الحج فإنما نقله الآحاد لأن ذلك مما يتعلق ~~بالنية وليس ذلك مما يجب ظهوره ومناداة النبي صلى الله عليه وسلم به # وأما نكاحه ميمونة وهو حرام فليس ذلك أيضا مما يجب إظهاره بل جاز أن يكون ~~قد وقع ذلك بمحضر جماعة يسيرة # فلذلك انفرد به الآحاد # وهو الجواب عن قبول شهادة الأعرابي وحده # # | المسألة السادسة # مذهب الأكثرين جواز التعبد بخبر الواحد العدل عقلا خلافا للجبائي وجماعة ~~من المتكلمين # ودليل جوازه عقلا أنا لو فرضنا ورود الشارع بالتعبد بالعمل بخبر الواحد ~~إذا غلب على الظن صدقه لم يلزم عنه لذاته محال في العقل ولا معنى للجائز ~~العقلي سوى ذلك # وغاية ما يقدر في اتباعه احتمال كونه كاذبا أو مخطئا # وذلك لا يمنع من التعبد به بدليل اتفاقنا على التعبد بالعمل بقول المفتي ~~والعمل بقول الشاهدين مع احتمال الكذب والخطإ على المفتي والشاهد فيما ~~أخبرا به PageV02P060 # فإن قيل وإن سلمنا أنه لو ورد الشرع بذلك لم يلزم عنه لذاته محال وأنه ~~ليس محالا لذاته عقلا لكنه محال عقلا باعتبار أمر خارج عن ذاته وذلك لأن ~~التكاليف مبنية على المصالح ودفع المفاسد فلو تعبدنا باتباع خبر الواحد ~~والعمل به فإذا أخبر بخبر عن رسول الله بسفك دم واستحلال بضع محرم مع ~~احتمال كونه كاذبا فلا يكون في العمل بمقتضى قوله مصلحة بل محض مفسدة وهو ~~خلاف وضع الشرع # ولهذا امتنع ورود التعبد بالعمل بخبر الفاسق والصبي فيما يتعلق بالأحكام ~~الشرعية إجماعا # وأما ما ذكرتموه من التعبد بالعمل بقول الشاهدين فالفرق بين الشهادة ~~والخبر من ثلاثة أوجه الأول أن الشهادة إنما تقبل فيما يجوز فيه الصلح ولا ~~كذلك الخبر عن ms258 الله تعالى والرسول # فكانت المفسدة في الشهادة أبعد # الثاني أن الخبر يقتضي إثبات شرع بخلاف الشهادة # الثالث هو أن الحكم عند الشهادة إنما يثبت بدليل قاطع وهو الإجماع ~~والشهادة شرط لا مثبت بخلاف خبر الواحد فإنه عندكم دليل مثبت للحكم الشرعي # ثم وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على جواز التعبد بخبر الواحد إلا أنه ~~معارض بما يدل على نقيضه # وبيانه من جهة المنقول والمعقول # أما المنقول فقوله تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ 17 الإسراء ~~36 ) وقوله تعالى @QB@ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ 2 البقرة 169 ~~) وقوله تعالى @QB@ وإن الظن لا يغني من الحق شيئا @QE@ 10 يونس 36 ) # وأما المعقول فمن أربعة أوجه الأول أنه لو جاز ورود التعبد بقبول خبر ~~الواحد في الأحكام الشرعية عن الرسول عند ظننا بصدقه لاحتمال كونه مصلحة ~~لجاز ورود التعبد بقبول خبر الواحد عن الله تعالى بالأحكام الشرعية وذلك ~~دون اقتران المعجزة بقوله محال PageV02P061 # الثاني أنه لو جاز ورود التعبد بخبر الواحد في الفروع لجاز ورود التعبد ~~به في الأصول وليس كذلك # الثالث أنه لو جاز التعبد بقبول خبر الواحد لجاز التعبد به في نقل القرآن ~~وهو محال # الرابع أن أخبار الآحاد قد تتعارض فلو ورد التعبد بالعمل بها لكان واردا ~~بالعمل بما لا يكن العمل به ضرورة التعارض وهو ممتنع على الشارع # والجواب عن السؤال الأول من وجهين الأول أنه مبني على وجوب رعاية المصالح ~~في أحكام الشرع وأفعاله وهو غير مسلم على ما عرفناه في الكلاميات # الثاني أن ما ذكروه منتقض بورود التعبد بقبول شهادة الشهود وقول المفتي ~~وما ذكروه من الفروق فباطلة # أما الفرق الأول فمن وجهين الأول أنه لا يطرد في الأخبار المتعلقة بأنواع ~~المعاملات # الثاني أنه ينتقض بالشهادة فيما لا يجري فيه الصلح كالدماء والفروج # وأما الفرق الثاني فمن جهة أن الخبر كما يستلزم إثبات أمر شرعي كالشهادة ~~على القتل والسرقة وغير ذلك يستلزم إثبات أمر شرعي وهو وجوب القتل والقطع # وأما الثالث فمن جهة ms259 أنه لا فرق بين الخبر والشهادة من حيث إنه لا بد عند ~~الشهادة من دليل يوجب العمل بها كما في العمل بالخبر # وأما المعارضة بالآيات فجوابها من وجهين الأول أنا نقول بموجبها وذلك أن ~~العمل بخبر الواحد ووجوب اتباعه إنما هو بدليل مقطوع به مفيد للعلم بذلك ~~وهو الإجماع PageV02P062 # الثاني أنه لازم على الخصوم في اعتقادهم امتناع التعبد بخبر الواحد إذ هو ~~غير معلوم بدليل قاطع بل غايته أن يكون مظنونا لهم # فالآيات مشتركة الدلالة فكما تدل على امتناع اتباع خبر الواحد تدل على ~~امتناع القول بعدم اتباعه # وإذا تعارضت جهات الدلالة فيها امتنع العمل بها وسلم لنا ما ذكرناه # وعلى هذا نقول بجواز ورود التعبد بقبول خبر الفاسق والصبي عقلا إذا غلب ~~على الظن صدقه وإن كان ذلك غير واقع # وما ذكروه من المعارضات العقلية فجوابها من وجهين أحدهما عام للكل ~~والثاني خاص بكل واحد منها # أما العام فهو أن ما ذكروه إلزاما علينا في خبر الواحد فهو لازم عليهم في ~~ورود التعبد بقبول قول الشاهدين والمفتي فما هو جوابهم عنه يكون جوابا لنا ~~في خبر الواحد # وأما ما يخص كل معارضة أما الأولى فالجواب عنها من وجهين الأول هو أن ~~دعوى الواحد للرسالة ونزول الوحي إليه من أندر الأشياء فإذا لم يقترن ~~بدعواه ما يوجب القطع بصدقه فلا يتصور حصول الظن بصدقه بل الذي يجزم به ~~إنما هو كذبه # ونحن وإن قلنا بجواز ورود التعبد بخبر من يغلب على الظن صدقه فقد لا نسلم ~~جواز ورود التعبد بقول من غلب على الظن كذبه # الثاني هو أنا إذا جوزنا ورود التعبد بخبر الواحد فوجوب العمل به لا بد ~~وأن يستند إلى دليل قاطع من كتاب أو سنة أو إجماع ولا كذلك المدعي للرسالة ~~إذا لم تقترن بقوله معجزة تدل على وجوب العمل بقوله # فإن قيل فلو بعث رسول وظهرت المعجزة القاطعة الدالة على صدقه ثم قال مهما ~~أخبركم إنسان بأن الله تعالى أرسله بشريعة وظننتم صدقه فاعملوا بقوله فقد ms260 ~~استند وجوب العمل بقوله إلى دليل قاطع وهو قول النبي الصادق # ومع ذلك فإنه لا يجوز PageV02P063 # قلنا لا نسلم مع فرض هذا التقدير أنه لا يجوز الأخذ بقوله ثم الفرق بين ~~الأمرين هو أن المفسدة اللازمة من قبول قول المدعي للرسالة من غير معجزة ~~أعظم من مفسدة قبول خبر الواحد في الأحكام الشرعية # وذلك لأن رئاسة النبوة أعظم من كل رئاسة ورتبتها أعلى من كل رتبة فلو ورد ~~التعبد باتباع كل مدع للرسالة إذا غلب على الظن صدقه من غير معجزة دالة على ~~صدقه فما من أحد من الناس إلا وقد يسلك المسالك المغلبة على الظن صدقه ~~ويتوخى من الأفعال والأقوال ما تظهر به عدالته طمعا في نيل مثل هذه الرئاسة ~~العظمى بمجرد دعواه # وذلك يفضي إلى أن كل واحد يدعي نسخ شريعة الآخر ورفعها على قرب من الزمان ~~ولا يخفى ما في ذلك من المفسدة التي لا تحقق لمثلها في خبر الواحد # وأما المعارضة الثانية فجوابها أن المعتبر في الأصول القطع واليقين ولا ~~قطع في خبر الواحد بخلاف الفروع فإنها مبنية على الظنون # وأما المعارضة الثالثة فجوابها أن القرآن معجزة الرسول الدالة على صدقه ~~ولا بد وأن يكون طريق إثباته قاطعا وخبر الواحد ليس بقاطع بخلاف أحكام ~~الشرع فإن ما يثبت منها بخبر الواحد ظنية غير قطعية # وأما المعارضة الرابعة فجوابها أن التعارض بين الخبرين لا يمنع من العمل ~~بما يرجح منها # وبتقدير عدم الترجيح مطلقا فقد يمكن أن يقال التخيير بينهما على ما هو ~~مذهب الشافعي # وبتقدير امتناع التخيير فغايته امتناع ورود PageV02P064 التعبد بمثل ~~الأخبار التي لا يمكن العمل بها ولا يلزم منه امتناع ورود التعبد بما أمكن ~~العمل بمقتضاه # # | المسألة السابعة # الذين قالوا بجواز التعبد بخبر الواحد عقلا اختلفوا في وجوب العمل به ~~فمنهم من نفاه كالقاساني والرافضة وابن داود # ومنهم من أثبته # والقائلون بثبوته اتفقوا على أن أدلة السمع دلت عليه واختلفوا في وجوب ~~وقوعه بدليل العقل فأثبته أحمد بن حنبل والقفال وابن سريج من أصحاب ms261 الشافعي ~~وأبو الحسين البصري من المعتزلة وجماعة كثيرة # ونفاه الباقون # وفصل أبو عبد الله البصري بين الخبر الدال على ما يسقط بالشبهة وما لا ~~يسقط بها فمنع منه في الأول وجوزه في الثاني # فأما من قال بكونه حجة فقد احتجوا بحجج ضعيفة لا بد من ذكرها والتنبيه ~~على ما فيها ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار # الحجة الأولى من جهة المعقول وهي ما اعتمد عليها أبو الحسين البصري ~~وجماعة من المعتزلة وهي أنهم قالوا العقلاء يعلمون وجوب العلم بخبر الواحد ~~في العقليات ولا يجوز أن يعلموا وجوب ذلك إلا وقد علموا علة وجوبه ولا علة ~~لذلك سوى أنهم ظنوا بخبر الواحد تفصيل جملة معلومة بالعقل # وبيان ذلك أنه قد علم بالعقل وجوب التحرز من المضار وحسن اجتلاب ~~PageV02P065 المنافع # فإذا ظننا صدق من أخبرنا بمضرة يلزمنا أن لا نشرب الدواء الفلاني وأن لا ~~نفصد وأن لا نقوم من تحت حائط مستهدم فقد ظننا تفصيلا لما علمناه جملة من ~~وجوب التحرز عن المضار # وبيان أن العلة للوجوب ما ذكره دورانها معها وجودا وعدما وذلك بعينه ~~موجود في خبر الواحد في الشرعيات فوجب العمل به # وذلك لأنا قد علمنا في الجملة وجوب الانقياد للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فيما يخبرنا به من مصالحنا ودفع المضار عنا فإذا ظننا بخبر الواحد أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد دعانا إلى الانقياد له في فعل أخبر أنه مصلحة وخلافه ~~مضرة فقد ظننا تفصيل ما علمناه في الجملة فوجب العمل به # ولقائل أن يقول أما أولا فلا نسلم وجوب العمل بخبر الواحد في العقليات بل ~~غايته إذا ظننا صدقه أن يكون العمل بخبره أولى من تركه # وكون الفعل أولى من الترك أمر أعم من الواجب لشموله للمندوب فلا يلزم منه ~~الوجوب # سلمنا أن العمل بخبره واجب في العقليات ولكن لا نسلم أن علة الوجوب ما ~~ذكرتموه # وما ذكرتموه من الدوران فلا يدل على أن المدار علة للدائر لجواز أن تكون ~~علة الوجوب غير ما ذكرتموه ms262 من ظن تفصيل جملة معلومة بالعقل وذلك بأن تكون ~~العلة معنى ملازما لما ذكرتموه لا نفس ما ذكرتموه # ولا يلزم من التلازم بينهما في العقليات التلازم بينهما في الشرعيات ~~بجواز أن يكون ذلك التلازم في العقليات اتفاقيا # وإن سلمنا أن علة الوجوب ما ذكرتموه لكن لا يلزم أن يكون ذلك علة في ~~الشرعيات لجواز أن يكون خصوص ما ظن تفصيل جملته في العقليات داخلا في ~~التعليل وتلك الخصوصية غير محققة في الشرعيات PageV02P066 سلمنا دلالة ما ~~ذكرتموه على أنه علة بجهة عمومه لكن قطعا أو ظنا الأول ممنوع والثاني مسلم # غير أنه منقوض بخبر الفاسق والصبي إذا غلب على الظن صدقه # فإن ما ذكرتموه من الوصف الجامع متحقق فيه وقد انعقد الإجماع على أنه لا ~~يجب العمل به في الشرعيات # سلمنا عدم الانتقاض لكن غاية ما ذكرتموه أنه استعمال لقياس ظني في إفادة ~~كون خبر الواحد حجة في الشرعيات مع كونه أصلا من أصول الفقه وإنما يصح ذلك ~~أن لو لم يكن التعبد في إثبات مثل ذلك بالطرق اليقينية وهو غير مسلم # الحجة الثانية أنهم قالوا صدق الواحد في خبره ممكن فلو لم يعمل به لكنا ~~تاركين لأمر الله تعالى وأمر رسوله وهو خلاف ما يقتضيه الاحتياط # ولقائل أن يقول صدق الراوي وإن كان ممكنا وراجحا فلم قلتم بوجوب العمل به ~~والاحتياط بالأخذ بقوله # وإن كان مناسبا ولكن لا بد له من شاهد بالاعتبار ولا شاهد له سوى خبر ~~التواتر وقول الواحد في الفتوى والشهادة # ولا يمكن القياس على الأول لأن ذلك مفيد للعلم ولا يلزم من إفادته للوجوب ~~إفادة الخبر الظني له ولا يمكن قياسه على الثاني وذلك لأن براءة الذمة ~~معلومة وهي الأصل # وغاية قول الشاهد والمفتي إذا غلب على الظن صدقه مخالفة البراءة الأصلية ~~بالنظر إلى شخص واحد ولا يلزم من العمل بخبر الشاهد والمفتي مع مخالفته ~~للبراءة الأصلية بالنظر إلى شخص واحد العمل بخبر الواحد المخالف لبراءة ~~الذمة بالنظر إلى جميع الناس وإن سلمنا صحة القياس فغايته ms263 أنه مفيد لظن ~~الإلحاق وهو غير معتبر في إثبات الأصول كما تقدم في الحجة التي قبلها كيف ~~وأنه منقوض بخبر الفاسق والصبي إذا غلب على الظن صدقه # الحجة الثالثة أنهم قالوا إذا وقعت واقعة ولم يجد المفتي سوى خبر الواحد ~~فلو لم يحكم به لتعطلت الواقعة عن حكم الشارع وذلك ممتنع # ولقائل أن يقول خلو الواقعة عن الحكم الشرعي إنما يمتنع مع وجود ~~PageV02P067 دليله وأما مع عدم الدليل فلا # ولهذا فإنه لو لم يظفر المفتي في الواقعة بدليل ولا خبر الواحد فإنه لا ~~يمتنع خلو الواقعة عن الحكم الشرعي والمصير إلى البراءة الأصلية # وعلى هذا فامتناع خلو الواقعة عن الحكم الشرعي عند الظفر بخبر الواحد ~~يتوقف على كون خبر الواحد حجة ودليلا وكونه حجة يتوقف على امتناع خلو ~~الواقعة مع وجوده عن الحكم وهو دور ممتنع # كيف وإنا لا نسلم خلو الواقعة عن الحكم الشرعي فإن حكم الله تعالى في حق ~~المكلف عند عدم الأدلة # المقتضية لإثبات الحكم الشرعي نفي ذلك الحكم ومدركه شرعي فإن انتفاء ~~مدارك الشرع بعد ورود الشرع مدرك شرعي لنفي الحكم # الحجة الرابعة أنه لو لم يكن خبر الواحد واجب القبول لتعذر تحقيق بعثة ~~الرسول إلى كل أهل عصره وذلك ممتنع # وبيان ذلك أنه لا طريق إلى تعريف أهل عصره إلا بالمشافهة أو الرسل ولا ~~سبيل له إلى المشافهة للكل لتعذره # والرسالة منحصرة في عدد التواتر والآحاد # والتواتر إلى كل أحد متعذر # فلو لم يكن خبر الواحد مقبولا لما تحقق معنى التبليغ والرسالة إلى جميع ~~الخلق فيما أرسل به وهو محال مخالف لقوله تعالى @QB@ لتبين للناس ما نزل ~~إليهم @QE@ PageV02P068 ولقائل أن يقول إنما يمتنع ذلك أن لو كان التبليغ ~~إلى كل من في عصره واجبا وأن كل من في عصره مكلف بما بعث به وليس كذلك بل ~~إنما هو مكلف بالتبليغ إلى من يقدر على إبلاغه إما بالمشافهة أو بخبر ~~التواتر # وكذلك كل واحد من الأمة إنما كلف بما أرسل به الرسول إذا علمه # وإما مع ms264 عدم علمه به فلا # ولهذا فإن من كان في زمن الرسول في البلاد النائية والجزائر المنقطعة ولا ~~سبيل إلى إعلامه فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مكلفا بتبليغه ولا ~~ذلك الشخص كان مكلفا بما أرسل به # الحجة الخامسة قالوا قد ثبت أن مخالفة أمر الرسول سبب لاستحقاق العقاب ~~فإذا أخبر الواحد بذلك عن الرسول وغلب على الظن صدقه فإما أن يجب العمل ~~بالاحتمال الراجح والمرجوح معا أو تركهما معا أو العمل بالمرجوح دون الراجح ~~أو بالعكس لا سبيل إلى الأول والثاني والثالث لأنه محال فلم يبق سوى الرابع ~~وهو المطلوب # ولقائل أن يقول ما المانع من القول بأنه لا يجب العمل بقوله ولا يجب تركه ~~بل هو جائز الترك والقول بأن مخالفة أمر الرسول موجبة لاستحقاق العقاب مسلم ~~فيما علم فيه أمر الرسول وأما مع عدم العلم به فهو محل النزاع # هذا ما قيل من الحجج العقلية # وأما ما قيل من الحجج النقلية الواهية فمنها قوله تعالى @QB@ فلولا نفر ~~من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ~~لعلهم يحذرون @QE@ 9 التوبة 122 ) ووجه الاحتجاج بها أن الله تعالى أوجب ~~الإنذار على كل طائفة من فرقة خرجت للتفقه في الدين عند رجوعهم إلى قومهم ~~بقوله تعالى @QB@ ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم @QE@ 9 التوبة 122 ) أمر ~~بالإنذار والإنذار هو الإخبار والأمر للوجوب # وإنما أمر بالإنذار طلبا للحذر بدليل قوله تعالى @QB@ لعلهم يحذرون @QE@ ~~PageV02P069 و ( لعل ) ظاهرة في الترجي وهو مستحيل في حق الله تعالى فتعين ~~حمل ذلك على ما هو ملازم للترجي وهو الطلب فكان الأمر بالإنذار طلبا ~~للتحذير فكان أمرا بالتحذير فكان الحذر واجبا # وإذا ثبت أن إخبار كل طائفة موجب للحذر فالمراد من لفظ الطائفة إنما هو ~~العدد الذي لا ينتهي إلى حد التواتر # وبيانه من ثلاثة أوجه الأول أن لفظ ( الطائفة ) قد يطلق على عدد لا ينتهي ~~إلى حد التواتر كالاثنين والثلاثة وعلى العدد المنتهي إلى حد التواتر ~~والأصل في الإطلاق الحقيقة ويجب ms265 اعتقاد اتحاد المسمى نفيا للتجوز والاشتراك ~~عن اللفظ # والقدر المشترك لا يخرج عن العدد القليل وما لازمه فكان هو المسمى # الثاني أن الثلاثة فرقة فالطائفة الخارجة منها إما واحد أو اثنان # الثالث أنه لا يخلو إما أن يكون المراد من لفظ ( الطائفة ) التي وجب ~~عليها الخروج للتفقه والإنذار العدد الذي ينتهي إلى حد التواتر أو ما دونه ~~لا جائز أن يقال بالأول وإلا لوجب على كل طائفة وأهل بلدة إذا كان ما دونهم ~~لا ينتهون إلى حد التواتر أن يخرجوا بأجمعهم للتفقه والإنذار وذلك لا قائل ~~به في عصر النبي ولا في عصر من بعده فلم يبق غير الثاني # وإذا ثبت أن إخبار العدد الذي لا ينتهي إلى حد التواتر حجة موجبة في هذه ~~الصورة لزم أن يكون حجة في غيرها ضرورة أن لا قائل بالفرق وذلك هو المطلوب ~~ولقائل أن يقول لا نسلم أنه أوجب الإنذار على كل طائفة كما ذكرتموه # وصيغة قوله ( لينذروا ) لا نسلم أنها للأمر # وإن كانت للأمر فلا نسلم للوجوب على ما يأتي # سلمنا أنها للوجوب ولكن لا نسلم أن الإنذار هو الإخبار بل أمكن أن يكون ~~المراد به التخويف من فعل شيء أو تركه بناء على العلم بما فيه من المصلحة ~~أو المفسدة # والتخويف خارج عن الإخبار # سلمنا أن المراد به الإخبار ولكن أمكن أن يكون ذلك بطريق الفتوى في ~~الفروع والأصول ونحن نقول به PageV02P070 # سلمنا أن المراد به الإخبار عن الرسول بما سمع عنه ومنه ولكن لا نسلم أنه ~~يلزم من إيجاب الإخبار بذلك إيجاب الحذر على من أخبر # قولكم يجب حمل قوله تعالى ( لعل ) على طلب الحذر لكونه ملازما للترجي # قلنا الطلب الملازم للترجي الطلب الذي هو بمعنى ميل النفس أو بمعنى الأمر # الأول مسلم ولكنه مستحيل في حق الله تعالى # والثاني ممنوع # وإذا لم يكن الحذر مأمورا به لا يكون واجبا # ومع تطرق هذه الاحتمالات فالاستدلال بالآية على كون خبر الواحد حجة في ~~الشرعيات غير خارج عن باب الظنون فيما هو ms266 من جملة الأصول # والخصم مانع لصحته # ومنها قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ~~@QE@ 49 الحجرات 6 ) ووجه الاحتجاج بهذه الآية من وجهين الأول أنه علق وجوب ~~التثبت على خبر الفاسق فدل على أن خبر غير الفاسق بخلافه وذلك إما أن يكون ~~بالجزم برده أو بقبوله لاجائز أن يقال الأول وإلا كان خبر العدل أنزل درجة ~~من خبر الفاسق وهو محال فلم يبق غير الثاني # وهو المطلوب # الثاني أن سبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن ~~عقبة بن أبي معيط ساعيا إلى قوم فعاد وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~الذين بعثه إليهم قد ارتدوا وأرادوا قتله فأجمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~على غزوهم وقتلهم # وذلك حكم شرعي # وكان النبي قد أراد العمل فيه بخبر الواحد ولو لم يكن جائزا لما أراده ~~ولا نكره الله تعالى عليه # وهذه الحجة أيضا ضعيفة أما الوجه الأول فلأن الاستدلال بهذه الآية غير ~~خارج عن مفهوم المخالفة وسنبين أنه ليس بحجة وإن كان حجة لكنه حجة ظنية فلا ~~يصح الاستدلال به في باب الأصول # وأما الوجه الثاني فمن وجهين الأول لا نسلم أن النبي أجمع على قتلهم ~~وقتالهم بخبر الوليد بن عقبة فإنه قد روي أنه بعث خالد بن الوليد وأمره ~~بالتثبت في أمرهم فانطلق حتى أتاهم ليلا فبعث عيونه فعادوا إليه وأخبروه ~~PageV02P071 بأنهم على الإسلام وأنهم سمعوا أذانهم وصلاتهم فلما أصبحوا ~~أتاهم خالد بن الوليد ورأى ما يعجبه منهم فرجع إلى النبي وأخبره بذلك # الثاني أن ما ذكروه من سبب النزول من أخبار الآحاد فلا يكون حجة في ~~الأصول # ومنها قوله تعالى @QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ~~@QE@ 2 البقرة 143 ) ووجه الحجة من ذلك أن المخبر بخبر لنا عن الرسول شاهد ~~على الناس ولا يجوز أن يجعله الله شاهدا على الناس وهو غير مقبول القول # ولقائل أن يقول الآية خطاب مع الأمة لا مع الآحاد فلا تكون حجة ms267 في محل ~~النزاع # ومنها قوله تعالى @QB@ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى @QE@ ~~2 البقرة 159 ) الآية # ووجه الحجة بها أن الله تعالى توعد على كتمان الهدى وذلك يدل على إيجاب ~~إظهار الهدى وما يسمعه الواحد من النبي صلى الله عليه وسلم فهو من الهدى # فيجب عليه إظهاره # فلو لم يجب علينا قبوله لكان الإظهار كعدمه فلا يجب # ولقائل أن يقول يحتمل أن يكون المراد من قوله @QB@ إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات والهدى @QE@ 2 البقرة 159 ) العدد الذي تقوم به الحجة ~~ويحتمل أنه أراد به ما دون ذلك # وبتقدير إرادة ما دون ذلك فيحتمل أن يكون المراد بما أنزل من البينات ~~والهدى الكتاب العزيز وهو الظاهر المتبادر إلى الفهم منه عند الإطلاق ~~وبتقدير أن يكون المراد به كل ما أنزل على الرسول حتى السنة فغاية التهديد ~~على كتمان ذلك الدلالة على وجوب إظهار ما سمع من الرسول على من سمعه # وليس في ذلك ما يدل على وجوب قبوله على من بلغه على لسان الآحاد # ولهذا فإنه بمقتضى الآية يجب على الفاسق إظهار ما سمعه PageV02P072 وإن ~~كان لا يجب على سامعه قبوله # وذلك لأنه من المحتمل أن يكون وجوب الإظهار على كل واحد واحد حتى يتألف ~~من خبر المجموع التواتر المفيد للعلم # ومع ذلك كله فدلالة الآية على وجوب قبول خبر الواحد ظنية فلا تكون حجة في ~~الأصول لما سبق # ومنها قوله تعالى @QB@ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون @QE@ 16 ~~النحل 43 ) أمر بسؤال أهل الذكر والأمر للوجوب ولم يفرق بين المجتهد وغيره # وسؤال المجتهد لغيره منحصر في طلب الإخبار بما سمعه دون الفتوى ولو لم ~~يكن القبول واجبا لما كان السؤال واجبا # ولقائل أن يقول لا نسلم أن قوله فاسألوا صيغة أمر وإن كانت أمرا فلا نسلم ~~أنها للوجوب كما يأتي # وإن كانت للوجوب فيحتمل أن يكون المراد من أهل الذكر أهل العلم وأن يكون ~~المراد من المسؤول عنه الفتوى # وبتقدير أن يكون المراد السؤال عن ms268 الخبر فيحتمل أن يكون المراد من السؤال ~~العلم بالمخبر عنه وهو الظاهر وذلك لأنه أوجب السؤال عند عدم العلم # فلو لم يكن المطلوب حصول العلم بالسؤال لكان السؤال واجبا بعد حصول خبر ~~الواحد لعدم حصول العلم بخبره فإنه لا يفيد غيرالظن # وذلك يدل على أن العمل بخبر الواحد غير واجب لأنه لا قائل بوجوب العمل ~~بخبره مع وجوب السؤال عن غيره # وإذا كان المطلوب إنما هو حصول العلم من السؤال فذلك إنما يتم بخبر ~~التواتر لا بما دونه # وإن سلمنا أن السؤال واجب على الإطلاق فلا يلزم أن يكون العمل بخبر ~~الواحد واجبا بدليل ما ذكرناه في الحجة المتقدمة # وبتقدير دلالة ذلك على وجوب القبول لكنها دلالة ظنية فلا يحتج بها في ~~الأصول # ومنها قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء ~~لله @QE@ 4 النساء 135 ) أمر بالقيام بالقسط والشهادة لله والأمر للوجوب # ومن أخبر عن PageV02P073 الرسول بما سمعه منه فقد قام بالقسط وشهد لله ~~فكان ذلك واجبا عليه وإنما يكون ذلك واجبا إن لو كان القبول واجبا وإلا كان ~~وجود الشهادة كعدمها وهو ممتنع # ولقائل أن يقول لا أسلم دلالة الآية على وجوب القيام بالقسط والشهادة لله ~~على ما يأتي # وإن سلمنا دلالتها على وجوب ذلك غير أنا نقول بموجب الآية فإن الشهادة ~~لله والقيام بالقسط إنما يكون فيما يجوز العمل به # وأما ما لا يجوز العمل به فلا يكون قياما بالقسط ولا شهادة لله # وعند ذلك فيتوقف العمل بالآية في وجوب قبول خبر الواحد # على أنه قام بالقسط وأنه شاهد لله وقيامه بالقسط وشهادته لله متوقف عل ~~قبول خبره وجواز العمل به وهو دور ممتنع # وإن سلمنا أنه شهد لله وقام بالقسط ولكن لا نسلم أنه واجب القبول ودليله ~~ما سبق وبتقدير دلالة الآية على وجوب القبول ولكن لجهة الظن فلا يصح # ومنها ما اشتهر واستفاض بالنقل المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان ينفذ آحاد الصحابة إلى النواحي والقبائل والبلاد بالدعاء إلى الإسلام ms269 ~~وتبليغ الأخبار والأحكام وفصل الخصومات وقبض الزكوات ونحو ذلك مع علمنا ~~بتكليف المبعوث إليه بالطاعة والانقياد لقبول قول المبعوث إليهم والعمل ~~بمقتضى ما يقول مع كون المنفذ من الآحاد # ولو لم يكن خبر الواحد حجة لما كان كذلك # ولقائل أن يقول وإن سلمنا تنفيذ الآحاد بطريق الرسالة والقضاء وأخذ ~~الزكوات والفتوى وتعليم الأحكام فلا نسلم وقوع تنفيذ الآحاد بالأخبار التي ~~هي مدارك الأحكام الشرعية ليجتهدوا فيها وذلك محل النزاع # سلمنا صحة التنفيد بالأخبار الدالة على الأحكام الشرعية وتعريفهم إياها ~~ولكن لا نسلم أن ذلك يدل على كون خبر الواحد في ذلك حجة بل جاز أن يكون ذلك ~~لفائدة حصول العلم للمبعوث إليهم بما تواتر بضم خبر غير ذلك PageV02P074 ~~الواحد إليه # ومع هذه الاحتمالات فلا يثبت كون خبر الواحد حجة فيما نحن فيه # وقد أورد على هذه الحجة سؤالان آخران لا وجه لهما الأول أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كما أنه كان ينفذ الآحاد لتبليغ الأخبار كان ينفذهم لتعريف ~~وحدانية الله تعالى وتعريف الرسالة # فلو كان خبر الواحد حجة في الإخبار بالأحكام الشرعية لكان حجة في تعريف ~~التوحيد والرسالة وهو خلاف الإجماع # الثاني أن من الجائز أن يكون تنفيذ الآحاد بالإخبار عن أحكام شرعية كانت ~~معلومة للمبعوث لهم قبل إرسال ذلك الواحد بها كما أنهم علموا وجوب العمل ~~بخبر الواحد قبل إرسال ذلك الواحد إليهم على أصلكم # والجواب عن الأول أن إنفاذ الآحاد لتعريف التوحيد والرسالة لم يكن واجب ~~القبول لكونه خبر واحد بل إنما كان واجب القبول من جهة ما يخبرهم به من ~~الأدلة العقلية ويعرفهم من الدلائل اليقينية التي تشهد بصحتها عقولهم ولا ~~كذلك فيما يخبر به من الأخبار الدالة على الأحكام الشرعية # وعن الثاني أنهم لو كانوا عالمين بالأحكام الشرعية التي دل عليها خبر ~~الواحد لما احتيج إلى إرساله لتعريفهم لما قد عرفوه لما فيه من تحصيل ~~الحاصل # كيف وإن تعريف المعلوم بالخبر المظنون محال وهذا بخلاف ما إذا علم كون ~~خبر الواحد مما يجب العمل به ms270 في الجملة فإن تنفيذ الواحد لا يعرف وجوب ~~العمل بقوله بل إنما يعرف المخبر به على ما هو عليه وذلك لم يكن معروفا قبل ~~خبره فكان تنفيذه لتعريف ذلك مفيدا # والأقرب في هذه المسألة إنما هو التمسك بإجماع الصحابة # ويدل على ذلك ما نقل عن الصحابة من الوقائع المختلفة الخارجة عن العد ~~والحصر المتفقة على العمل بخبر الواحد ووجوب العمل به # فمن ذلك ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه عمل بخبر PageV02P075 ~~المغيرة ومحمد بن مسلمة في ميراث الجدة أن النبي أطعمها السدس فجعل لها ~~السدس ومن ذلك عمل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بخبر عبد الرحمن بن عوف في ~~أخذ الجزية من المجوس وهو قوله صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب ~~وعمل أيضا بخبر حمل ابن مالك في الجنين وهو قوله كنت بين جاريتين لي ( يعني ~~ضرتين ) فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فألقت جنينا ميتا فقضى فيه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بغرة فقال عمر لو لم نسمع بهذا لقضينا فيه بغير هذا # وروي عنه أنه قال كدنا نقضي فيه برأينا # وأيضا فإنه كان لا يرى توريث المرأة من دية زوجها فأخبره الضحاك بن سفيان ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ~~ديته فرجع إليه # وأيضا فإنه كان يرى في الأصابع نصف الدية ويفاضل بينها فيجعل في الخنصر ~~ستة وفي البنصر تسعة وفي الوسطى والسبابة عشرة عشرة وفي الأبهام خمسة عشرة # ثم رجع إلى خبر عمرو بن جزم أن في كل أصبع عشرة # ومن ذلك عمل عثمان وعلي رضي الله عنهما بخبر فريعة بنت مالك في اعتداد ~~المتوفى عنها زوجها في منزل زوجها وهو أنها قالت جئت إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعد وفاة زوجي أستأذنه في موضع العدة فقال صلى الله عليه وسلم ~~امكثي حتى تنقضي عدتك # ومن ذلك ما اشتهر من عمل علي عليه السلام بخبر الواحد وقوله كنت إذا سمعت ms271 ~~من رسول الله حديثا نفعني الله بما شاء منه وإذا حدثني غيره حلفته فإذا حلف ~~صدقته # ومن ذلك عمل ابن عباس بخبر أبي سعيد الخدري في الربا في النقد بعد أن كان ~~لا يحكم بالربا في غير النسيئة # ومن ذلك عمل زيد بن ثابت بخبر PageV02P076 امرأة من الأنصار أن الحائض ~~تنفر بلا وداع # ومن ذلك ما روي عن أنس بن مالك أنه قال كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة ~~وأبي بن كعب شرابا من فضيخ التمر إذ أتانا آت فقال إن الخمر قد حرمت # فقال أبو طلحة قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها # قال فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت # ومن ذلك عمل أهل قبا في التحول من القبلة بخبر الواحد أن القبلة قد نسخت ~~فالتفتوا إلى الكعبة بخبره # ومن ذلك ما روي عن ابن عباس أنه بلغه عن رجل أنه قال إن موسى صاحب الخضر ~~ليس هو موسى بني إسرائيل فقال ابن عباس كذب عدو الله # أخبرني أبي بن كعب قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر موسى ~~والخضر بشيء يدل على أن موسى بني إسرائيل صاحب الخضر فعمل بخبر أبي حتى كذب ~~الرجل وسماه عدوا لله # ومن ذلك ما روي أنه لما باع معاوية شيئا من أواني ذهب وورق بأكثر من وزنه ~~أنه قال له أبو الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن ذلك # فقال له معاوية لا أرى بذلك بأسا # فقال أبو الدرداء من يعذرني من معاوية أخبره عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ويخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض أبدا # ومن ذلك عمل جميع الصحابة بما رواه أبو بكر الصديق من قوله الأئمة من ~~قريش ومن قوله الأنبياء يدفنون حيث يموتون ومن قوله نحن معاشر الأنبياء لا ~~نورث ما تركناه صدقة # وعملهم بأجمعهم في الرجوع عن سقوط فرض الغسل بالتقاء الختانين بقول عائشة ~~فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم واغتلسنا # وعمل جميعهم بخبر رافع ms272 بن خديج في المخابرة # وذلك ما روي عن ابن عمر أنه قال كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأسا ~~حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك فانتهينا ~~وإلى غير ذلك من الوقائع التي لا تحصى عددا وكان ذلك شائعا ذائعا فيما ~~بينهم من غير نكير # وعلى هذا جرت سنة التابعين كعلي بن الحسين PageV02P077 ومحمد بن علي ~~وجبير بن مطعم ونافع ابن جبير وخارجة بن زيد وأبي سلمة بن عبد الرحمن ~~وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار وطاوس وعطاء بن مجاهد وسعيد بن المسيب ~~وفقهاء الحرمين والمصرين ( يعني الكوفة والبصرة ) إلى حين ظهور المخالفين # فإن قيل ما ذكرتموه من الأخبار في إثبات كون خبر الواحد حجة أخبار آحاد ~~وذلك يتوقف على كونها حجة وهو دور ممتنع # سلمنا عدم الدور ولكن لا نسلم أن الصحابة عملوا بها بل من الجائز أنهم ~~عملوا بنصوص متواترة أو بها مع ما اقترن بها من المقاييس أو قرائن الأحوال ~~أو غير ذلك من الأسباب # سلمنا أنهم عملوا بها لا غير لكن كل الصحابة أو بعضهم الأول ممنوع ولا ~~سبيل إلى الدلالة عليه والثاني مسلم لكن لا حجة فيه # قولكم لم يوجد له نكير لا نسلم ذلك # وبيانه من وجوه منها رد أبي بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة حتى انضم ~~إليه خبر محمد بن مسلمة # ومنها رد أبي بكر وعمر خبر عثمان في إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~رد الحكم بن أبي العاص # ومنها رد عمر خبر أبي موسى الأشعري في الاستيذان وهو قوله سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول إذا استأذن أحدكم على صاحبه ثلاثا فلم يؤذن له ~~فلينصرف حتى روى معه أبو سعيد الخدري # ومنها رد علي رضي الله عنه خبر أبي سنان الأشجعي في المفوضة وأنه كان لا ~~يقبل خبر أحد حتى يحلفه سوى أبي بكر # ومنها رد عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه # سلمنا ms273 عدم الرد والإنكار ظاهرا غير أن سكوت الباقين عن الإنكار لا ~~PageV02P078 يدل على الموافقة لما سبق في مسائل الإجماع # سلمنا دلالة ذلك على الموافقة فيما تلقوه بالقبول وعملوا بموجبه أو مطلقا ~~في كل خبر الأول مسلم # وذلك لان اتفاقهم عليه يدل على صحته قطعا نفيا للخطإ عن الإجماع # والثاني ممنوع # وعلى هذا فيمتنع الاستدلال بكل خبر لم يقبلوه # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على كون خبر الواحد حجة # لكنه معارض بما يدل على أنه ليس بحجة # وبيانه من جهة المعقول والمنقول أما المنقول فمن جهة الكتاب والسنة أما ~~الكتاب فقوله تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ 17 الإسراء 36 ) ~~وقوله تعالى @QB@ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ 7 الأعراف 33 ) ~~وقوله تعالى @QB@ إن يتبعون إلا الظن @QE@ 53 النجم 23 ) ذكر ذلك في معرض ~~الذم والعمل بخبر الواحد عمل بغير علم وبالظن فكان ممتنعا # وأما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توقف في خبر ذي ~~اليدين حين سلم النبي صلى الله عليه وسلم عن اثنتين وهو قوله أقصرت الصلاة ~~أم نسيت حتى أخبر أبو بكر وعمر ومن كان في الصف بصدقه فأتم وسجد للسهو وأما ~~المعقول فمن وجوه # الأول أنه لو جاز التعبد بخبر الواحد إذا ظن صدقه في الفروع لجاز ذلك في ~~الرسالة والأصول وهو ممتنع # الثاني أن الأصل براءة الذمة من الحقوق والعبادات وتحمل المشاق وهو ~~PageV02P079 مقطوع به فلا تجوز مخالفته بخبر الواحد مع كونه مظنونا # الثالث أن العمل بخبر الواحد يفضي إلى ترك العمل بخبر الواحد لأنه ما من ~~خبر إلا ويجوز أن يكون معه خبر آخر مقابل له # الرابع أن قبول خبر الواحد تقليد لذلك الواحد فلا يجوز للمجتهد ذلك كما ~~لا يجوز تقليده لمجتهد آخر # والجواب عن السؤال الأول أن ما ذكرناه من الأخبار وإن كانت آحادها آحادا ~~فهي متواترة من جهة الجملة كالأخبار الواردة بسخاء حاتم وشجاعة عنترة # وعن الثاني أنهم لو عملوا بغير الأخبار المروية لكانت العادة تحيل ms274 ~~تواطؤهم على عدم نقله ولا سيما في موضع الإشكال وظهور استنادهم في العمل ~~إلى ما ظهر من الأخبار # كيف والمنقول عنهم خلاف ذلك حيث قال عمر لو لم نسمع هذا لقضينا فيه بغير ~~هذا وقول ابن عمر حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن ذلك فانتهينا وكذلك ما ظهر منهم من رجوعهم إلى خبر عائشة في التقاء ~~الختانين إلى غير ذلك # وجدهم في طلب الأخبار والسؤال عنها عند وقوع الوقائع دليل العمل بها # وعن الثالث أن عمل بعض الصحابة بل الأكثر من المجتهدين منهم بأخبار ~~الآحاد مع سكوت الباقين عن النكير دليل الإجماع على ذلك كما سبق تقريره في ~~مسائل الإجماع # وما رووه من الأخبار أو توقفوا فيه إنما كان لأمور اقتضت ذلك من وجود ~~معارض أو فوات شرط لا لعدم الاحتجاج بها في جنسها مع كونهم متفقين على ~~العمل بها # ولهذا أجمعنا على أن ظواهر الكتاب والسنة حجة وإن جاز تركها والتوقف فيها ~~لأمور خارجة عنها # وعن الرابع أن اتفاقهم على العمل بخبر الواحد إنما يوجب العلم بصدقه أن ~~لو لم يكونوا متعبدين باتباع الظن وليس كذلك بدليل تعبدهم باتباع ظواهر ~~الكتاب والسنة المتواترة والعمل بالقياس على ما يأتي # وإذا كان PageV02P080 اتباعهم لخبر الواحد لكونه ظنيا مضبوطا بالعدالة ~~كان خبر الواحد من تلك الجهة حجة معمولا بها ضرورة بالاتفاق عليه من تلك ~~الجهة وذلك يعم خبر كل عدل # وأما المعارضة بالآيات فجوابها ما سبق في بيان جواز التعبد بخبر الواحد ~~عقلا # وعن السنة أنه عليه السلام إنما توقف في خبر ذي اليدين لتوهمه غلطه لبعد ~~انفراده بمعرفة ذلك دون من حضره من الجمع الكثير # ومع ظهور أمارة الوهم في خبر الواحد يجب التوقف فيه فحيث وافقه الباقون ~~على ذلك ارتفع حكم الأمارة الدالة على وهم ذي اليدين وعمل بموجب خبره # كيف وإن عمل النبي صلى الله عليه وسلم بخبر أبي بكر وعمر وغيرهما مع خبر ~~ذي اليدين عمل بخبر لم ينته إلى ms275 حد التواتر وهو موضع النزاع # وفي تسليمه تسليم المطلوب # وعن المعارضة الأولى من المعقول أنها منتقضة بخبر الواحد في الفتوى ~~والشهادة # كيف والفرق حاصل # وذلك أن المشترط في إثبات الرسالة والأصول الدليل القطعي فلم يكن الدليل ~~الظني معتبرا فيها بخلاف الفروع # وعن الثانية من وجهين الأول أن براءة الذمة غير مقطوع بها بعد الوجود ~~والتكليف في نفس الأمر بل الشغل محتمل وإن لم يظهر لنا سبب الشغل فمخالفة ~~براءة الذمة بخبر الواحد لا يكون رفع مقطوع بمظنون # الثاني أنه منتقض بالشهادة والفتوى # وعن الثالث أن تجويز وجود خبر معارض للخبر الذي ظهر لا يمنع من الاحتجاج ~~به وإلا لما ساغ التمسك بدليل من ظواهر الكتاب والسنة المتواترة لأنه ما من ~~واحد منها إلا ويجوز ورود ناسخ له أو مخصص له بل PageV02P081 ولما جاز ~~التمسك بدليل مستنبط معارض له ولما ساغ أيضا للقاضي الحكم بشهادة الشاهدين ~~ولا للعامي الأخذ بفتوى المجتهد له لجواز وجود ما يعارضه وذلك خلاف الإجماع # وعن الرابع أنه إنما لم يجز تقليد العالم للعالم لاستوائهما في درجة ~~الاجتهاد وليس تقليد أحدهما للآخر أولى من العكس ولا كذلك المجتهد مع ~~الراوي فإنهما لم يستويا في معرفة ما استبد بمعرفته الراوي من الخبر فلذلك ~~وجب عليه تقليده فيما رواه # وبالجملة فالاحتجاج بمسلك الإجماع في هذه المسألة غير خارج عن مسالك ~~الظنون وإن كان التمسك به أقرب مما سبق من المسالك # وعلى هذا فمن اعتقد كون المسألة قطعية فقد تعذر عليه النفي والإثبات لعدم ~~مساعدة الدليل القاطع على ذلك # ومن اعتقد كونها ظنية فليتمسك بما شاء من المسالك المتقدمة # والله أعلم بالصواب PageV02P082 # # | القسم الثاني في شرائط وجوب العمل بخبر الواحد # وما يتشعب عنها من المسائل أما الشروط فمنها ما لا بد منها ومنها ما ظن ~~أنها شروط وليست كذلك # أما الشروط المعتبرة فهي أربعة الشرط الأول أن يكون الراوي مكلفا # وذلك لأن من لا يكون مكلفا إما أن يكون بحيث لا يقدر على الضبط والاحتراز ~~فيما يتحمله ويؤديه كالمجنون والصبي ms276 غير المميز فلا تقبل روايته لتمكن ~~الخلل فيها # وإما أن يكون بحيث يقدر على الضبط والمعرفة كالصبي المميز والمراهق الذي ~~لم يبق بينه وبين البلوغ سوى الزمان اليسير فلا تقبل روايته لا لعدم ضبطه ~~فإنه قادر عليه متمكن منه ولا لما قيل من أنه لا يقبل إقراره على نفسه فلا ~~يقبل قوله على غيره بطريق الأولى لأنه منتقض بالعبد وبالمحجور عليه فإنه لا ~~يقبل إقراره على نفسه وروايته مقبولة بالإجماع بل لأنا أجمعنا على عدم قبول ~~رواية الفاسق لاحتمال كذبه مع أنه يخاف الله تعالى لكونه مكلفا فاحتمال ~~الكذب من الصبي مع أنه لا يخاف الله تعالى لعدم تكليفه يكون أظهر من احتمال ~~الكذب في حق الفاسق فكان أولى بالرد ولا يلزم من قبول قوله في إخباره أنه ~~متطهر حتى إنه يصح الاقتداء به في الصلاة مع أن PageV02P083 الظن بكونه ~~متطهرا شرط في صحة الاقتداء به وقبول روايته لأن الاحتياط والتحفظ في ~~الرواية أشد منه في الاقتداء به في الصلاة # ولهذا صح الاقتداء بالفاسق عند ظن طهارته ولا تقبل روايته وإن ظن صدقه ~~ومن قال بقبول شهادة الصبيان فيما يجري بينهم من الجنايات فإنما كان ~~اعتماده في ذلك على أن الجنايات فيما بينهم مما تكثر وأن الحاجة ماسة إلى ~~معرفة ذلك بالقرائن وهي شهادتهم مع كثرتهم قبل تفرقهم # وليس ذلك جاريا على منهاج الشهادة ولا الرواية # وهذا بخلاف ما إذا تحمل الرواية قبل البلوغ وكان ضابطا لها وأداها بعد ~~البلوغ وظهور رشده في دينه فإنها تكون مقبولة لأنه لا خلل في تحمله ولا في ~~أدائه ويدل على قبول روايته الإجماع والمعقول # أما الإجماع فمن وجهين # الأول أن الصحابة أجمعت على قبول رواية ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن ~~بشير وغيرهم من أحداث الصحابة مطلقا من غير فرق بين ما تحملوه في حالة ~~الصغر وبعد البلوغ # الثاني إجماع السلف والخلف على إحضار الصبيان مجالس الحديث وقبول روايتهم ~~لما تحملوه في حالة الصبا بعد البلوغ # وأما المعقول فهو أن التحرز في أمر ms277 الشهادة أكثر منه في الرواية # ولهذا اختلف في قبول شهادة العبد والأكثر على ردها # ولم يختلف في قبول رواية العبد واعتبر العدد في الشهادة بالإجماع واختلف ~~في اعتباره في الرواية # وقد أجمعنا على أن ما تحمله الصبي من الشهادة قبل البلوغ إذا شهد به بعد ~~البلوغ قبلت شهادته # فالرواية أولى بالقبول # الشرط الثاني أن يكون مسلما # وذلك لأن الكافر إما أن لا يكون منتميا إلى الملة الإسلامية كاليهودي ~~والنصراني ونحوه أو هو منتم إليها كالمجسم PageV02P084 # فإن كان الأول فلا خلاف في امتناع قبول روايته لا لما قيل من أن الكفر ~~أعظم أنواع الفسق والفاسق غير مقبول الرواية فالكافر أولى وذلك لأن الفاسق ~~إنما لم تقبل روايته لما علم من جرأته على فعل المحرمات مع اعتقاد تحريمها # وهذا المعنى غير متحقق في حق الكافر إذا كان مترهبا عدلا في دينه معتقدا ~~لتحريم الكذب ممتنعا منه حسب امتناع العدل المسلم # وإنما الاعتماد في امتناع قبول روايته على إجماع الأمة الإسلامية على ~~ردها سلبا لأهلية هذا المنصب الشريف عنه لخسته # وإن كان الثاني فقد اختلفوا فيه فمذهب أكثر أصحابنا كالقاضي أبي بكر ~~والغزالي والقاضي عبد الجبار من المعتزلة أنه مردود الرواية # وقال أبو الحسين البصري إن كان ذلك فيمن اشتهر بالكذب والتدين به لنصرة ~~مذهبه فلا تقبل روايته لعدم الوثوق بصدقه وإن كان متحرجا في مذهبه متحرزا ~~عن الكذب حسب احتراز العدل عنه فهو مقبول الرواية لأن صدقه ظاهر مظنون # والمختار رده لا لما قيل من إجماع الأمة على رده ولا لقياسه على الكافر ~~الخارج عن الملة بواسطة اشتراكهما في الكفر المناسب لسلب أهلية هذا المنصب ~~عنه إذلالا له # أما الأول فلأن للخصم منع اتفاق الأمة على رد قول الكافر مطلقا ولا سبيل ~~إلى الدلالة عليه والقياس على الكافر الخارج عن الملة متعذر من جهة أن كفره ~~أشد وأغلظ وأظهر من كفر من هو من أهل القبلة لكثرة مخالفته للقاعدة ~~الإسلامية أصولا وفروعا بالنسبة إلى مخالفة المتأول لها # فكان إذلاله بسلب هذا المنصب ms278 عنه أولى # ومع هذه الأولوية فلا قياس بل الواجب الاعتماد في ذلك على قوله تعالى ~~@QB@ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة @QE@ 49 الحجرات 6 ~~) أمر بالتثبت عند إخبار الفاسق والكافر PageV02P085 فاسق لأن الكفر أعلى ~~درجات الفسق # وإذا كان فاسقا فالآية إن كانت عامة بلفظها في كل فاسق فالكافر داخل ~~تحتها وإن لم تكن عامة بلفظها في كل فاسق فهي عامة بالنظر إلى المعنى ~~المومى إليه وهو الفسق من حيث إنه رتب رد الخبر على كون الآتي به فاسقا ~~مطلقا في كلام الشارع مع مناسبته له فكان ذلك علة للرد وهو متحقق فيما نحن ~~فيه # فإن قيل المرتب عليه رد الأخبار إنما هو مسمى الفاسق وهو في عرف الشرع ~~خاص بمن هو مسلم صدرت منه كبيرة أو واظب على صغيرة فلا يكون متناولا للكافر # وإن سلمنا تناوله للكافر غير أنه معارض بقوله صلى الله عليه وسلم نحن ~~نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر والكافر المتأول إذا كان متحرزا عن الكذب ~~فقد ظهر صدقه فوجب العمل به للخبر # والجواب عن السؤال الأول بمنع اختصاص اسم الفاسق في الشرع بالمسلم وإن ~~كان ذلك عرفا للمتأخرين من الفقهاء وكلام الشارع إنما ينزل على عرفه لا على ~~ما صار عرفا للفقهاء # كيف وإن حمل الآية على الفاسق المسلم مما يوهم قبول خبر الفاسق الكافر ~~على الإطلاق نظرا إلى قضية المفهوم وهو خلاف الإجماع # ولا يخفى أن حمل اللفظ على ما يلزم منه مخالفة دليل أو ما اختلف في كونه ~~دليلا على خلاف الأصل # وعن السؤال الثاني أن العمل بما ذكرناه أولى لتواتره وخصوصه بالفاسق وأنه ~~غير متفق على تخصيصه ومخالفته # وما ذكروه آحاد وهو متناول للكافر بعموم كون خبره ظاهرا أو هو مخالف لخبر ~~الكافر الخارج عن الملة والفاسق إذا ظن صدقه فإن خبره لا يكون مقبولا ~~بالإجماع # الشرط الثالث أن يكون ضبطه لما يسمعه أرجح من عدم ضبطه وذكره له أرجح من ~~سهوه لحصول غلبة الظن بصدقه فيما يرويه PageV02P086 # وإلا فبتقدير رجحان ms279 مقابل كل واحد من الأمرين عليه أو معادلته له فروايته ~~لا تكون مقبولة لعدم حصول الظن بصدقه أما على أحد التقديرين فلكون صدقه ~~مرجوحا وأما على التقدير الآخر فلضرورة التساوي # وإن جهل حال الراوي في ذلك كان الاعتماد على ما هو الأغلب من حال الرواة ~~وإن لم يعلم الأغلب من ذلك فلا بد من الاختبار والامتحان # فإن قيل إنه وإن غلب السهو على الذكر أو تعادلا فالراوي عدل والظاهر منه ~~أنه لا يروي إلا ما يثق من نفسه بذكره له وضبطه # ولهذا فإن الصحابة أنكرت على أبي هريرة كثرة روايته حتى قالت عائشة رضي ~~الله عنها رحم الله أبا هريرة لقد كان رجلا مهزارا في حديث المهراس ومع ذلك ~~قبلوا أخباره لما كان الظاهر من حاله أنه لا يروي إلا ما يثق من نفسه بضبطه ~~وذكره # وأيضا فإن الخبر دليل والأصل فيه الصحة فتساوي الضبط والاختلال والذكر ~~والنسيان غايته أنه موجب للشك في الصحة والشك في ذلك لا يقدح في الأصل كما ~~إذا كان متطهرا ثم شك بعد ذلك أنه محدث أو طاهر فإن الأصل هاهنا لا يترك ~~بهذا الشك # قلنا إذا كان الغرض إنما هو غلبة السهو أو التعادل فالراوي وإن كان ~~الغالب من حاله أنه لا يروي إلا ما يظن أنه ذاكر له فذلك لا يوجب حصول الظن ~~بصحة روايته لأن من شأنه النسيان يظن أنه ما نسي وإن كان ناسيا # وأما إنكار الصحابة على أبي هريرة كثرة الرواية فلم يكن ذلك لاختلال ضبطه ~~وغلبة النسيان عليه بل لأن الإكثار مما لا يؤمن معه اختلال الضبط الذي لا ~~يعرض لمن قلت روايته وإن كان ذلك بعيدا # وما قيل من أن الخبر دليل والأصل فيه الصحة فلا يترك بالشك # قلنا إنما يكون دليلا والأصل فيه الصحة إذا كان مغلبا على الظن ومع عدم ~~ترجيح ذكر الراوي على نسيانه لا يكون مغلبا على الظن فلا يكون PageV02P087 ~~دليلا لوقوع التردد في كونه دليلا لا في أمر خارج عنه ولا كذلك فيما ms280 إذا شك ~~في الحديث ثم تيقن سابقة الطهارة فإن تيقن الطهارة السابقة لا يقدح فيه ~~الشك الطارىء وبالنظر إليه يترجح إليه أحد الاحتمالين فلا يبقى معه الشك في ~~الدوام حتى إنه لو بقي الشك مع النظر إلى الأصل لما حكم بالطهارة # الشرط الرابع أن يكون الراوي متصفا بصفة العدالة وذلك يتوقف على معرفة ( ~~العدل ) لغة وشرعا # أما العدل في اللغة فهو عبارة عن المتوسط في الأمور من غير إفراط في طرفي ~~الزيادة والنقصان ومنه قوله تعالى @QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا @QE@ 2 ~~البقرة 143 ) أي عدلا # فالوسط والعدل بمعنى واحد # وقد يطلق في اللغة ويراد به المصدر المقابل للجور وهو اتصاف الغير بفعل ~~ما يجب له وترك ما لا يجب والجور في مقابلته # وقد يطلق ويراد به ما كان من الأفعال الحسنة يتعدى الفاعل إلى غيره ومنه ~~يقال للملك المحسن إلى رعيته عادل # وأما في لسان المتشرعة فقد يطلق ويراد به أهلية قبول الشهادة والرواية عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم # وقد قال الغزالي في معنى هذه الأهلية إنها عبارة عن استقامة السيرة ~~والدين # وحاصلها يرجع إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة ~~جميعا حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه # وذلك إنما يتحقق باجتناب الكبائر وبعض الصغائر وبعض المباحات # أما الكبائر فقد روى ابن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~PageV02P088 قال الكبائر تسع الشرك بالله تعالى وقتل النفس المؤمنة وقذف ~~المحصنة والزنى والفرار من الزحف والسحر وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين ~~المسلمين والإلحاد بالبيت الحرام # وروى أبو هريرة مع ذلك أكل الربا والانقلاب إلى الأعراب بعد هجرة # وروي عن علي عليه السلام أنه أضاف إلى ذلك السرقة وشرب الخمر # وأما بعض الصغائر فما يدل فعله على نقض الدين وعدم الترفع عن الكذب وذلك ~~كسرقة لقمة والتطفيف بحبة واشتراط أخذ الأجرة على إسماع الحديث ونحوه # وأما بعض المباحات فما يدل على نقص المروءة ودناءة الهمة كالأكل في السوق ~~والبول في الشوارع وصحبة الأراذل والإفراط في المزح ms281 ونحو ذلك مما يدل على ~~سرعة الإقدام على الكذب وعدم الاكتراث به # ولا خلاف في اعتبار اجتناب هذه الأمور في العدالة المعتبرة في قبول ~~الشهادة والرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم لأن من لا يجتنب هذه الأمور ~~أحرى أن لا يجتنب الكذب فلا يكون موثوقا بقوله # ولا خلاف أيضا في اشتراط هذه الأمور الأربعة في الشهادة # وتختص الشهادة بشروط أخر كالحرية والذكورة والعدد والبصر وعدم القرابة ~~والعداوة # وإذ أتينا على تحقيق شروط الرواية فلا بد من الإشارة إلى ذكر مسائل ~~متشعبة عن شروط العدالة جرت العادة بذكرها وهي ثمان مسائل PageV02P089 # | المسألة الأولى # مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر أهل العلم أن مجهول الحال غير مقبول ~~الرواية بل لا بد من خبرة باطنة بحاله ومعرفة سيرته وكشف سريرته أو تزكية ~~من عرفت عدالته وتعديله له # وقال أبو حنيفة وأتباعه يكتفى في قبول الرواية بظهور الإسلام والسلامة عن ~~الفسق ظاهرا # وقد احتج النافون بحجج الأولى أن الدليل بنفي قبول خبر الفاسق وهو قوله ~~تعالى @QB@ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا @QE@ 49 الحجرات 6 ) غير أنا ~~خالفناه فيمن ظهرت عدالته بالاختبار بمعنى لا وجود له في محل النزاع وهو ما ~~اختص به من زيادة ظهور الثقة بقوله فوجب أن لا يقبل # ولقائل أن يقول الآية إنما دلت على امتناع قبول خبر الفاسق ومن ظهر ~~إسلامه وسلم من الفسق ظاهرا لا نسلم أنه فاسق حتى يندرج تحت عموم الآية # واحتمال وجود الفسق فيه لا يوجب كونه فاسقا بدليل العدل المتفق على ~~عدالته # الحجة الثانية أنه مجهول الحال فلا يقبل إخباره في الرواية دفعا لاحتمال ~~مفسدة الكذب كالشهادة في العقوبات # ولقائل أن يقول وإن كان احتمال الكذب قائما ظاهرا غير أن أحتمال الصدق مع ~~ظهور الإسلام والسلامة من الفسق ظاهرا أظهر من احتمال الكذب # ومع ذلك فاحتمال القبول يكون أولى من احتمال الرد ولا يمكن القياس على ~~الشهادة لأن الاحتياط في باب الشهادة أتم منه في باب الرواية # ولهذا كان العدد والحرية مشترطا في الشهادة ms282 دون الرواية ومتعبدا فيها ~~بألفاظ خاصة غير معتبرة في الرواية حتى إنه لو قال أعلم بدل قوله ~~PageV02P090 أشهد لم يكن مقبولا # وعلى هذا فلا يلزم من اشتراط ظهور العدالة في الشهادة بالخبرة الباطنة ~~اشتراط ذلك في الرواية # الحجة الثالثة قالوا أجمعنا على أن العدالة شرط في قبول الرواية عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعلى أن بلوغ رتبة الاجتهاد في الفقه شرط في قبول ~~الفتوى فإذا لم يظهر حال الراوي بالاختبار فلا تقبل أخباره دفعا للمفسدة ~~اللازمة من فوات الشرط كما إذا لم يظهر بالاختبار بلوغ المفتي رتبة ~~الاجتهاد فإنه لا يجب على المقلد اتباعه إجماعا # ولقائل أن يقول المجمع على اشتراطه في الرواية العدالة بمعنى ظهور ~~الإسلام والسلامة من الفسق ظاهرا أو بمعنى آخر والأول مسلم غير أن ما هو ~~الشرط متحقق فيما نحن فيه # والثاني ممنوع # كيف وإن ما ذكرتموه من الوصف الجامع غير مناسب لما سبق في الحجة المتقدمة # وبتقدير ظهور مناسبة الوصف الجامع فالاعتبار بالمفتي غير ممكن # وذلك لأن بلوغ رتبة الاجتهاد أبعد في الحصول من حصول صفة العدالة ولهذا ~~كانت العدالة أغلب وقوعا من رتبة الاجتهاد في الأحكام الشرعية وعند ذلك ~~فاحتمال عدم صفة الاجتهاد يكون أغلب من عدم صفة العدالة فلا يلزم من عدم ~~قبول قول المفتي مع الجهل بحاله القول بعدم قبول الراوي مع الجهل بحاله # الحجة الرابعة أن عدم الفسق شرط في قبول الرواية فاعتبر فيه الخبرة ~~الباطنية مبالغة في دفع الضرر كما في عدم الصبي والرق والكفر في قبول ~~الشهادة # ولقائل أن يقول ما ذكرتموه من الوصف الجامع غير مناسب لما سبق تقريره في ~~الحجة الثانية # وبتقدير مناسبته فالقياس على الشهادة غير ممكن لما تقدم # الحجة الخامسة قالوا رد عمر رواية فاطمة بنت قيس لما كانت PageV02P091 ~~مجهولة الحال وعلي عليه السلام رد قول الأشجعي في المفوضة واشتهر ذلك فيما ~~بين الصحابة ولم ينكره منكر فكان إجماعا # ولقائل أن يقول أما رد عمر لخبر فاطمة إنما كان لأنه لم يظهر له صدقها ms283 # ولهذا قال كيف نقبل قول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت # وما نحن فيه ليس كذلك فإن من ظهر إسلامه وسلامته من الفسق ظاهرا فاحتمال ~~صدقه لا محالة أظهر من احتمال كذبه # وأما رد علي عليه السلام لخبر الأشجعي فإنما كان أيضا لعدم ظهور صدقه ~~عنده # ولهذا وصفه بكونه بوالا على عقبيه أي غير محترز في أمور دينه # ويجب أن يكون كذلك وإلا كان مخالفا لقوله صلى الله عليه وسلم نحن نحكم ~~بالظاهر والله يتولى السرائر # والمعتمد في المسألة أنا نقول القول بوجوب قبول رواية مجهول الحال يستدعي ~~دليلا # والأصل عدم ذلك الدليل # والمسألة اجتهادية ظنية # فكان ذلك كافيا فيها # فإن قيل بيان وجود الدليل من جهة النص والإجماع والمعقول أما النص فمن ~~جهة الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى @QB@ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ~~@QE@ 49 الحجرات 6 ) أمر بالتثبت مشروطا بالفسق فما لم يظهر الفسق لا يجب ~~التثبت فيه # وأما السنة فمن وجهين الأول قوله عليه السلام إنما أحكم بالظاهر والله ~~يتولى السرائر وما نحن فيه فالظاهر من حاله الصدق فكان داخلا تحت عموم ~~الخبر PageV02P092 # الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه الأعرابي وقال أشهد أن لا ~~إله إلا الله وشهد برؤية الهلال عنده قبل شهادته وأمر بالنداء بالصوم لما ~~ثبت عنده إسلامه ولم يعلم منه ما يوجب فسقا فالرواية أولى # وأما الإجماع فهو أن الصحابة كانوا متفقين على قبول أقوال العبيد ~~والنسوان والأعراب المجاهيل لما ظهر إسلامهم وسلامتهم من الفسق ظاهرا # وأما المعقول فمن وجهين الأول أن الراوي مسلم لم يظهر منه فسق فكان خبره ~~مقبولا كإخباره بكون اللحم لحم مذكى وكون الماء طاهرا أو نجسا وكون الجارية ~~المبيعة رقيقة وكونه متطهرا عن الحدثين حتى يصح الاقتداء به ونحوه # والثاني أنه لو أسلم كافر وروى عقيب إسلامه خبرا من غير مهلة فمع ظهور ~~إسلامه وعدم وجود ما يوجب فسقه بعد إسلامه يمتنع رد روايته # وإذا قبلت روايته حال إسلامه فطول مدته في الإسلام أولى أن لا ms284 توجب رده # والجواب عن الآية أن العمل بموجبها نفيا وإثباتا متوقف على معرفة كونه ~~فاسقا أو ليس فاسقا لا على عدم علمنا بفسقه # وذلك لا يتم دون البحث والكشف عن حاله # وعن الخبر الأول من ثلاثة أوجه الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم أضاف ~~الحكم بالظاهر إلى نفسه ولا يلزم مثله في حق غيره إلا بطريق القياس عليه لا ~~بنفس النص المذكور # والقياس عليه ممتنع لأن ما للنبي صلى الله عليه وسلم من الاطلاع والمعرفة ~~بأحوال المخبر لصفاء جوهر نفسه واختصاصه عن الخلق بمعرفة ما لا يعرفه أحد ~~منهم من الأمور الغيبية غير متحقق في حق غيره # الثاني أنه رتب الحكم على الظاهر وذلك وإن كان يدل على كونه علة ~~PageV02P093 لقبوله والعمل به فتخلف الحكم عنه في الشهادة على العقوبات ~~والفتوى يدل على أنه ليس بعلة # الثالث المعارضة بقوله تعالى @QB@ إن الظن لا يغني من الحق شيئا @QE@ 53 ~~النجم 28 ) وليس العمل بعموم أحد النصين وتأويل الآخر أولى من الآخر بل ~~العمل بالآية أولى لأنها متواترة وما ذكروه آحاد # وعن الخبر الثاني لا نسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم من حال ~~الأعرابي سوى الإسلام # وعن الإجماع لا نسلم أن الصحابة قبلوا رواية أحد من المجاهيل فيما يتعلق ~~بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم # ولهذا ردوا رواية من جهلوه كرد عمر شهادة فاطمة بنت قيس ورد علي شهادة ~~الأعرابي # وعن الوجه الأول من المعقول بالفرق بين صور الاستشهاد ومحل النزاع # وذلك من وجهين الأول أن الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أعلى رتبة ~~وأشرف منصبا من الإخبار فيما ذكروه من الصور فلا يلزم من القبول مع الجهل ~~بحال الراوي فيما هو أدنى الرتبتين قبوله في أعلاهما # الثاني أن الإخبار فيما ذكروه من الصور مقبول مع ظهور الفسق ولا كذلك ~~فيما نحن فيه # وعن الوجه الثاني من المعقول بمنع قبول روايته دون الخبرة بحاله لاحتمال ~~أن يكون كذوبا وهو باق على طبعه # وإن قلنا روايته في مبدإ ms285 إسلامه فلا يلزم ذلك في حالة دوامه لما بين ~~ابتداء الإسلام ودوامه من رقة القلب وشدة الأخذ بموجباته والحرص على امتثال ~~مأموراته واجتناب PageV02P094 منهياته على ما يشهد به العرف والعادة في حق ~~كل من دخل في أمر محبوب والتزمه فإن غرامه به في الابتداء يكون أشد منه في ~~دوامه # # | المسألة الثانية # الفاسق المتأول الذي لا يعلم فسق نفسه لا يخلو إما أن يكون فسقه مظنونا ~~أو مقطوعا به # فإن كان مظنونا كفسق الحنفي إذا شرب النبيذ فالأظهر قبول روايته وشهادته # وقد قال الشافعي رضي الله عنه إذا شرب الحنفي النبيذ أحده وأقبل شهادته # وإن كان فسقه مقطوعا به فإما أن يكون ممن يرى الكذب ويتدين به أو لا يكون ~~كذلك فإن كان الأول فلا نعرف خلافا في امتناع قبول شهادته كالخطابية من ~~الرافضة لأنهم يرون شهادة الزور لموافقهم في المذهب # وإن كان الثاني كفسق الخوارج الذين استباحوا الدار وقتلوا الأطفال ~~والنسوان فهو موضع الخلاف فمذهب الشافعي وأتباعه وأكثر الفقهاء أن روايته ~~وشهادته مقبولة # وهو اختيار الغزالي وأبي الحسين البصري وكثير من الأصوليين # وذهب القاضي أبو بكر والجبائي وأبو هاشم وجماعة من الأصوليين إلى امتناع ~~قبول شهادته وروايته # وهو المختار # وقد احتج النافون بحجة ضعيفة # وذلك أنهم قالوا أجمعنا على أن الفاسق المفروض لو كان عالما بفسقه لم ~~يقبل خبره # فإذا كان جاهلا بفسقه معتقدا أنه ليس بفاسق فقد انضم إلى فسقه فسق آخر ~~وخطيئة أخرى وهو اعتقاده في الفسق أنه ليس بفسق فكان أولى أن لا يقبل خبره # ولقائل أن يقول إذا لم يعتقد أنه فاسق PageV02P095 وكان متحرجا محترزا في ~~دينه عن الكذب وارتكاب المعصية فكان إخباره مغلبا على الظن صدقه بخلاف ما ~~إذا علم أن ما يأتى به فسقا فذلك يدل على قلة مبالاته بالمعصية وعدم تحرزه ~~عن الكذب فافترقا # والمعتمد في ذلك النص والمعقول # أما النص فقوله تعالى @QB@ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا @QE@ 49 الحجرات 6 ~~) أمر برد نبإ الفاسق # والخلاف إنما هو فيمن قطع بفسقه فكان مندرجا ms286 تحت عموم الآية # غير أنا خالفناه فيمن كان فسقه مظنونا وما نحن فيه مقطوع بفسقه فلا يكون ~~في معنى صورة المخالفة # وأيضا قوله تعالى @QB@ إن الظن لا يغني من الحق شيئا @QE@ 53 النجم 28 ) ~~غير أنا خالفناه في خبر من ظهرت عدالته وفيمن كان فسقه مظنونا فيبقى فيما ~~عداه على مقتضى الدليل # وأما المعقول فهو أن القول بقبول خبره يستدعي دليلا والأصل عدمه # فإن قيل بيان وجود الدليل النص والإجماع والقياس أما النص فقوله صلى الله ~~عليه وسلم إنما أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر والفاسق فيما نحن فيه ~~محترز عن الكذب متدين بتحريمه فكان صدقه في خبره ظاهرا فكان مندرجا تحت ~~عموم الخبر # وأما الإجماع فهو أن عليا عليه السلام والصحابة قبلوا أقوال قتلة عثمان ~~والخوارج مع فسقهم ولم ينكر ذلك منكر فكان ذلك إجماعا # وأما القياس فهو أن الظن بصدقه موجود فكان واجب القبول مبالغة في تحصيل ~~مقصوده قياسا على العدل والمظنون فسقه PageV02P096 والجواب عن الخبر ما سبق ~~في المسألة التي قبلها # وعن الإجماع أنا لا نسلم أن كل من قبل شهادة الخوارج وقتلة عثمان كانوا ~~يعتقدون فسقهم فإن الخوارج من جملة المسلمين والصحابة ولم يكونوا معتقدين ~~فسق أنفسهم # ومع عدم اعتقاد الجميع لفسقهم وإن قبلوا شهادتهم فلا يتحقق انعقاد ~~الإجماع على قبول خبر الفاسق # وعن القياس بالفرق في الأصول المستشهد بها # أما في العدل فلظهور عدالته واستحقاقه لمنصب الشهادة والرواية # وذلك يناسب قبوله إعظاما له وإجلالا بخلاف الفاسق # وأما في مظنون الفسق فلأن حاله في استحقاق منصب الشهادة والرواية أقرب من ~~حال من كان فسقه مقطوعا به فلا يلزم من القبول ثم القبول هاهنا # # | المسألة الثالثة # اختلفوا في الجرح والتعديل هل يثبت بقول الواحد أو لا فذهب قوم إلى أنه ~~لا بد في التعديل والجرح من اعتبار العدد في الرواية والشهادة # وذهب آخرون إلى الاكتفاء بالواحد فيهما وهو اختيار القاضي أبي بكر # والذي عليه الأكثر إنما هو الاكتفاء بالواحد في باب الرواية دون الشهادة ~~وهو الأشبه # وذلك لأنه ms287 لا نص ولا إجماع في هذه المسألة يدل على تعيين أحد هذه المذاهب # فلم يبق غير التشبيه والقياس # ولا يخفى أن العدالة شرط في قبول الشهادة والرواية والشرط لا يزيد في ~~إثباته على مشروطه فكان إلحاق الشرط بالمشروط في طريق إثباته أولى من ~~إلحاقه بغيره # وقد اعتبر العدد في قبول الشهادة دون قبول الرواية فكان الحكم في شرط كل ~~واحد منهما ما هو الحكم في مشروطه PageV02P097 فإن قيل التزكية والتعديل ~~شهادة فكان العدد معتبرا فيهما كالشهادة على الحقوق # قلنا ليس ذلك أولى من قول القائل بأنها إخبار فلا يعتبر العدد في قبولها ~~كنفس الرواية # فإن قيل إلا أن ما ذكرناه أولى لما فيه من زيادة الاحتياط # قلنا بل ما يقوله الخصم أولى حذرا من تضييع أوامر الله تعالى ونواهيه # كيف وأن اعتبار قول الواحد في الجرح والتعديل أصل متفق عليه واعتبار ضم ~~قول غيره إليه يستدعي دليلا # والأصل عدمه # ولا يخفى أن ما يلزم منه موافقة النفي الأصلي أولى مما يلزم منه مخالفته # # | المسألة الرابعة # اختلفوا في قبول الجرح والتعديل دون ذكر سببهما به فلعله اعتقده جارحا ~~وغيره لا يراه جارحا وأما في العدالة فلأن مطلق التعديل لا يكون محصلا ~~للثقة بالعدالة لجري العادة بتسارع الناس إلى ذلك بناء على الظاهر # وقال قوم لا حاجة إلى ذلك فيهما اكتفاء ببصيرة المزكي والجارح وهو اختيار ~~القاضي أبى بكر # وقال الشافعي رضي الله عنه لا بد من ذكر سبب الجرح لاختلاف الناس فيما ~~يجرح به بخلاف العدالة فإن سببها واحد لا اختلاف فيه # ومنهم من عكس الحال واعتبر ذكر سبب العدالة دون الجرح والمختار إنما هو ~~مذهب القاضي أبي بكر # وذلك لأنه إما أن يكون المزكي والجارح عدلا بصيرا بما يجرح به ويعدل أو ~~لا يكون كذلك # فإن لم يكن عدلا أو كان عدلا وليس بصيرا فلا اعتبار بقوله وإن كان عدلا ~~بصيرا وجب الاكتفاء بمطلق جرحه وتعديله إذا الغالب مع كونه عدلا بصيرا أنه ~~ما أخبر بالعدالة PageV02P098 والجرح إلا وهو صادق ms288 في مقاله # فلا معنى لاشتراط إظهار السبب مع ذلك # والقول بأن الناس قد اختلفوا فيما يجرح به وإن كان حقا إلا أن الظاهر من ~~حال العدل البصير بجهات الجرح والتعديل أنه أيضا يكون عارفا بمواقع الخلاف ~~في ذلك # والظاهر أنه لا يطلق الجرح إلا في صورة علم الوفاق عليها وإلا كان مدلسا ~~ملبسا بما يوهم الجرح على من لا يعتقده وهو خلاف مقتضى العدالة والدين # وبمثل هذا يظهر أنه ما أطلق التعديل إلا بعد الخبرة الباطنة والإحاطة ~~بسريرة المخبر عنه ومعرفة اشتماله على سبب العدالة دون البناء على ظاهر ~~الحال # # | المسألة الخامسة # إذا تعارض الجرح والتعديل فلا يخلو إما أن يكون الجارح قد عين السبب أو ~~لم يعينه فإن لم يعينه فقول الجارح يكون مقدما لاطلاعه على ما لم يعرفه ~~العدل ولا نفاه لامتناع الشهادة على النفي # وإن عين السبب بأن يقول تقديرا رأيته وقد قتل فلانا فلا يخلو إما أن لا ~~يتعرض المعدل لنفي ذلك أو يتعرض لنفيه # فإن كان الأول فقول الجارح يكون مقدما لما سبق # وإن تعرض لنفيه بأن قال رأيت فلانا المدعي قتله حيا بعد ذلك فهاهنا ~~يتعارضان ويصح ترجيح أحدهما على الآخر بكثرة العدد وشدة الورع والتحفظ ~~وزيادة البصيرة إلى غير ذلك مما ترجح به إحدى الروايتين على الأخرى كما ~~سيأتي تحقيقه # # | المسألة السادسة # في طرق الجرح والتعديل أما طرق التعديل فمتفاوتة في القوة والضعف # وذلك لأنه لا يخلو إما أن يصرح المزكي بالتعديل قولا أو لا يصرح به ~~PageV02P099 فإن صرح به بأن يقول هو عدل رضا فإما أن يذكر مع ذلك السبب بأن ~~يقول لأني عرفت منه كذا وكذ أو لا يذكر السبب # فإن كان الأول فهو تعديل متفق عليه # وإن كان الثاني فمختلف فيه # والأظهر منه التعديل كما سبق في المسألة المتقدمة # فهذا الطريق مرجوح بالنسبة إلى الأول للاختلاف فيه ولنقصان البيان فيه ~~بخلاف الأول # وأما إن لم يصرح بالتعديل قولا لكن حكم بشهادته أو عمل بروايته أو روى ~~عنه خبرا # فإن حكم ms289 بشهادته فهو أيضا تعديل متفق عليه # وإلا كان الحاكم فاسقا بشهادة من ليس بعدل عنده # وهذه الطريق أعلى من التزكية بالقول من غير ذكر سبب لتفاوتهما في الاتفاق ~~والاختلاف اللهم إلا أن يكون الحاكم ممن يرى الحكم بشهادة الفاسق # وأما بالنسبة إلى التزكية بالقول مع ذكر السبب فالأشبه التعادل بينهما ~~لاستوائهما في الاتفاق عليهما # والأول وإن اختص بذكر السبب فهذا مختص بإلزام الغير بقبول الشاهد بخلاف ~~الأول # وأما إن عمل بروايته على وجه علم أنه لا مستند له في العمل سواها ولا ~~يكون ذلك من باب الاحتياط فهو أيضا تعديل متفق عليه وإلا كان عمله برواية ~~من ليس بعدل فسقا # وهذا الطريق وإن احتمل أن يكون العمل فيه مستندا إلى ظهور الإسلام ~~والسلامة من الفسق ظاهرا كما في التعديل بالقول من غير ذكر السبب فهو راجح ~~على التعديل بالقول من غير ذكر السبب للاتفاق عليه والاختلاف في ذلك ومرجوح ~~بالنسبة إلى التزكية بالقول مع ذكر السبب وبالنسبة إلى الحكم بالشهادة لأن ~~باب الشهادة أعلى من باب بالرواية # ولذلك اشترط فيه ما لم يشترط في باب الرواية كما سيأتي تعريفه فكان ~~الاحتياط والاحتراز فيها أتم وأوفى # وأما إن روى عنه فهذا مما اختلف فيه هل هو تعديل أو لا # ومنهم من فصل وقال إن عرف من قول المزكي أو عادته أنه لا يروي إلا ~~PageV02P100 عن العدل فهو تعديل وإلا فلا # وهو المختار # وذلك لأن العادة جارية بالرواية عمن لو سئل عن عدالته لتوقف فيها # ولا يلزم من روايته عنه # مع عدم معرفته بعدالته أن يكون ملبسا مدلسا في الدين كما قيل # لأنه إنما يكون كذلك إن لو أوجبت روايته عنه على الغير العمل بها وليس ~~كذلك بل غايته أنه قال سمعته يقول كذا فعلى السامع بالكشف عن حال المروي ~~عنه إن رام العمل بمقتضى روايته # وإلا كان مقصرا # وهذا الطريق يشبه أن يكون مرجوحا بالنسبة إلى باقي الطرق # أما بالنسبة إلى التصريح بالتعديل فظاهر ولا سيما إن اقترن بذكر السبب ~~للاتفاق ms290 عليه والاختلاف في هذا الطريق # ولهذا يكون مرجوحا بالنسبة إلى الحكم بالشهادة للاتفاق عليه ولاختصاص ~~الشهادة بما ذكرناه قبل # وأما بالنسبة إلى العمل بالرواية فلاشتراكهما في أصل الرواية واختصاص ~~أحدهما بالعمل بها # وأما طرق الجرح فهو أن يصرح بكونه مجروجا ويذكر مع ذلك سبب الجرح # وإن لم يذكر معه سبب الجرح فهو جرح كما سبق في المسألة المتقدمة لكنه دون ~~الأول للاختلاف فيه وللاتفاق على الأول # وليس من الجرح ترك العمل بروايته والحكم بشهادته لجواز أن يكون ذلك بسبب ~~غير الجرح # وذلك إما لمعارض وإما لأنه غير ضابط أو لغلبة النسيان والغفلة عليه ونحوه ~~ولا الشهادة بالزنى وكل ما يوجب الحد على المشهود عليه إذا لم يكمل نصاب ~~الشهادة لأنه لم يأت بصريح القذف وإنما جاء ذلك محيي الشهادة ولا بما يسوغ ~~فيه الاجتهاد وقد قال به بعض الأئمة المجتهدين كاللعب بالشطرنج وشرب النبيذ ~~ونحوه ولا بالتدليس وذلك كقول من لم يعاصر الزهري مثلا ولكنه روى عمن لقيه ~~قولا يوهم أنه لقيه ولقوله حدثنا فلان وراء النهر موهما أنه يريد جيحان ~~وإنما يشير به إلى نهر عيسى مثلا لأنه ليس بكذب وإنما هو من المعاريض ~~المغنية عن الكذب PageV02P101 # # | المسألة السابعة # اتفق الجمهور من الأئمة على عدالة الصحابة # وقال قوم إن حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند ~~الرواية # ومنهم من قال إنهم لم يزالوا عدولا إلى حين ما وقع من الاختلاف والفتن ~~فيما بينهم وبعد ذلك فلا بد من البحث في العدالة عن الراوي أو الشاهد منهم ~~إذا لم يكن ظاهر العدالة ومنهم من قال بأن كل من قاتل عليا عالما منهم فهو ~~فاسق مردود الرواية والشهادة لخروجهم عن الإمام الحق # ومنهم من قال برد رواية الكل وشهادتهم لأن أحد الفريقين فاسق وهو غير ~~معلوم ولا معين # ومنهم من قال بقبول رواية كل واحد منهم وشهادته إذا انفرد لأن الأصل فيه ~~العدالة وقد شككنا في فسقه ولا يقبل ذلك منه مع مخالفة التحقق فسق أحدهما ms291 ~~من غير تعيين # والمختار إنما هو مذهب الجمهور من الأئمة وذلك بما تحقق من الأدلة الدالة ~~على عدالتهم ونزاهتهم وتخييرهم على من بعدهم # فمن ذلك قوله تعالى @QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا @QE@ 2 البقرة 143 ) أي ~~عدولا # وقوله تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس @QE@ 3 آل عمران 110 ) وهو ~~خطاب مع الصحابة الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم # ومنها قوله صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ~~والاهتداء بغير عدل محال # وقوله صلى الله عليه وسلم إن الله اختار لي أصحابا وأصهارا وأنصارا ~~واختيار الله تعالى لا يكون لمن ليس PageV02P102 بعدل # ومنها ما ظهر واشتهر بالنقل المتواتر الذي لا مراء فيه من مناصرتهم ~~للرسول والهجرة إليه والجهاد بين يديه والمحافظة على أمور الدين وإقامة ~~القوانين والتشدد في امتثال أوامر الشرع ونواهيه والقيام بحدوده ومراسيمه ~~حتى إنهم قتلوا الأهل والأولاد حتى قام الدين واستقام ولا أدل على العدالة ~~أكثر من ذلك # وعند ذلك فالواجب أن يحمل كل ما جرى بينهم من الفتن على أحسن حال وإن كان ~~ذلك إنما لما أدى إليه اجتهاد كل فريق من اعتقاده أن الواجب ما صار إليه ~~وأنه أوفق للدين وأصلح للمسلمين # وعلى هذا فإما أن يكون كل مجتهد مصيبا أو أن المصيب واحد والآخر مخطء في ~~اجتهاده # وعلى كلا التقديرين فالشهادة والرواية من الفريقين لا تكون مردودة أما ~~بتقدير الإصابة فظاهر وأما بتقدير الخطإ مع الاجتهاد فبالإجماع # وإذ أتينا على ما أردناه من بيان عدالة الصحابة فلا بد من الإشارة إلى ~~بيان من يقع عليه اسم الصحابي # # | المسألة الثامنة # اختلفوا في مسمى الصحابي فذهب أكثر أصحابنا وأحمد بن حنبل إلى أن الصحابي ~~من رأى النبي PageV02P103 صلى الله عليه وسلم وإن لم يختص به اختصاص ~~المصحوب ولا روى عنه ولاطالت مدة صحبته # وذهب آخرون إلى أن الصحابي إنما يطلق على من رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم واختص به اختصاص المصحوب وطالت مدة صحبته وإن لم يرو عنه # وذهب عمر بن يحيى إلى ms292 أن هذا الاسم إنما يسمى به من طالت صحبته للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وأخذ عنه العلم # والخلاف في هذه المسألة وإن كان آيلا إلى النزاع في الإطلاق اللفظي ~~فالأشبه إنما هو الأول # ويدل على ذلك ثلاثة أمور # الأول أن الصاحب اسم مشتق من الصحبة والصحبة تعم القليل والكثير ومنه ~~يقال صحبته ساعة وصحبته يوما وشهرا وأكثر من ذلك كما يقال فلان كلمني ~~وحدثني وزارني وإن كان لم يكلمه ولم يحدثه ولم يزره سوى مرة واحدة # الثاني أنه لو حلف أنه لا يصحب فلانا في السفر أو ليصحبنه فإنه يبر ويحنث ~~بصحبته ساعة # الثالث أنه لو قال قائل صحبت فلانا فيصح أن يقال صحبته ساعة أو يوما أو ~~أكثر من ذلك وهل أخذت عنه العلم ورويت عنه أو لا ولولا أن الصحبة شاملة ~~لجميع هذه الصور ولم تكن مختصة بحالة منها لما احتيج إلى الاستفهام # فإن قيل إن الصاحب في العرف إنما يطلق على المكاثر الملازم ومنه ~~PageV02P104 يقال أصحاب القرية وأصحاب الكهف والرقيم وأصحاب الرسول وأصحاب ~~الجنة للملازمين لذلك وأصحاب الحديث للملازمين لدراسته وملازمته دون غيرهم # ويدل على ذلك أيضا أنه يصح أن يقال فلان لم يصحب فلانا لكنه وفد عليه أو ~~رآه أو عامله # والأصل في النفي أن يكون محمولا على حقيقته بل ولا يكفي ذلك بل لا بد مع ~~طول المدة من أخذ العلم والرواية عنه ولهذا يصح أن يقال المزني صاحب ~~الشافعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة ولا يصح أن يقال لمن ~~رآهما وعاشرهما طويلا ولم يأخذ عنهما أنه صاحب لهما # والجواب عن الشبهة الأولى أنا لا نسلم أن اسم الصاحب لا يطلق إلا على ~~المكاثر الملازم ولا يلزم من صحة إطلاق اسم الصاحب على الملازم المكاثر كما ~~في الصور المستشهد بها امتناع إطلاقه على غيره بل يجب أن يقال بصحة إطلاق ~~ذلك على المكاثر وغيره حقيقة نظرا إلى ما وقع به الاشتراك نفيا للتجوز ~~والاشتراك عن اللفظ وصحة النفي إنما كان لأن الصاحب ms293 في أصل الوضع وإن كان ~~لمن قلت صحبته أو كثرت غير أنه في عرف الاستعمال لمن طالت صحبته # فإن أريد نفي الصحبة بالمعنى العرفي فحق # وإن أريد نفيها بالمعنى الأصلي فلا يصح # وهذا هو الجواب عما قيل من اشتراط أخذ العلم والرواية عنه أيضا # وإذا عرف ذلك فلو قال من عاصر النبي صلى الله عليه وسلم أنا صحابي مع ~~إسلامه وعدالته فالظاهر صدقه # ويحتمل أن لا يصدق في ذلك لكونه متهما بدعوى رتبة يثبتها لنفسه كما لو ~~قال أنا عدل أو شهد لنفسه بحق # هذا ما أردناه من الشروط المعتبرة # وأما الشروط التي ظن أنها شروط وليست كذلك PageV02P105 فشروط منها أنه ~~ليس من شرط قبول الخبر العدد بل يكفي في القبول خبر العدل الواحد خلافا ~~للجبائي فإنه قال لا يقبل إلا أن يضاف إليه خبر عدل آخر أو موافقة ظاهرا ~~وإن يكون منتشرا فيما بين الصحابة أو عمل به بعض الصحابة # ونقل عنه أيضا أنه لا يقبل الخبر في الزنى إلا من أربعة # والوجه في الاحتجاج والانفصال ما سبق في مسألة وجوب التعبد بخبر الواحد # وأيضا فليس من شرطه الذكورة لما اشتهر من أخذ الصحابة بأخبار النساء كما ~~سبق بيانه ولا البصر بل يجوز قبول رواية الضرير إذا كان حافظا لما يسمعه ~~وله آلة إدائه # ولهذا كانت الصحابة تروي عن عائشة ما تسمعه من صوتها مع أنهم لا يرون ~~شخصها ولا عدم القرابة بل تجوز رواية الولد عن الوالد وبالعكس لاتفاق ~~الصحابة على ذلك ولا عدم العداوة لأن حكم الرواية عام فلا يختص بواحد معين ~~حتى تكون العداوة مؤثرة فيه ولا الحرية بل هذه الأمور إنما تشترط في ~~الشهادة # ولا يشترط أيضا في الراوي أن يكون مكثرا من سماع الأحاديث مشهور النسب ~~لاتفاق الصحابة على قبول رواية من لم يرو سوى خبر واحد وعلى قبول رواية من ~~لا يعرف نسبه إذا كان مشتملا على الشرائط المعتبرة # ولا يشترط أيضا أن يكون فقيها عالما بالعربية وبمعنى الخبر وسواء كانت ~~روايته موافقة ms294 للقياس أو مخالفة خلافا لأبي حنيفة فيما يخالف القياس لقوله ~~صلى الله عليه وسلم نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها إلى قوله فرب حامل فقه ~~ليس بفقيه دعا له وأقره على الرواية ولو لم يكن مقبول القول لما كان كذلك ~~ولأن الصحابة سمعوا أخبار آحاد لم يكونوا فقهاء كما ذكرناه فيما تقدم ولأن ~~الاعتماد على خبر النبي صلى الله عليه وسلم # والظاهر من الراوي إذا كان عدلا متدينا أنه لا يروي إلا ما يتحققه على ~~الوجه الذي سمعه PageV02P106 # # | القسم الثالث في مستندات الراوي وكيفية روايته # الراوي لا يخلو إما أن يكون صحابيا أو غير صحابي # فإن كان صحابيا فقد اتفقوا على أنه إذا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول كذا أو أخبرني أو حدثني أو شافهني رسول الله بكذا فهو خبر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم واجب القبول واختلفوا في مسائل # # | المسألة الأولى # إذا قال الصحابي قال رسول الله كذا وسلم فيكون حجة من غير خلاف وقال ~~القاضي أبو بكر لا يحكم بذلك بل هو متردد بين أن يكون قد سمعه من النبي ~~عليه السلام وبين أن يكون قد سمعه من غيره # وبتقدير أن يكون قد سمعه من غير النبي صلى الله عليه وسلم فمن قال بعدالة ~~جميع الصحابة فحكمه حكم ما لو سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ومن قال ~~بأن حكم الراوي من الصحابة حكم غيرهم في وجوب الكشف عن حال الراوي منهم ~~فحكمه حكم مراسيل تابع التابعين وسيأتي تفصيل القول فيه PageV02P107 # والظاهر أن ذلك محمول على سماعه من غير واسطة مع إمكان سماعه من الواسطة ~~لأن قوله قال يوهم السماع من النبي صلى الله عليه وسلم من غير واسطة إيهاما ~~ظاهرا # والظاهر من حال الصحابي العدل العارف بأوضاع اللغة أنه لا يأتي بلفظ يوهم ~~معنى ويريد غيره # # | المسألة الثانية # إذا قال الصحابي سمعت رسول الله عن كذا اختلفوا في كونه حجة # فذهب قوم إلى أنه ليس بحجة لأن الاحتجاج إنما هو بلفظ ms295 النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقول الصحابي سمعته يأمر وينهى لا يدل على وجود الأمر والنهي من ~~النبي صلى الله عليه وسلم لاختلاف الناس في صيغ الأمر والنهي فلعله سمع ~~صيغة اعتقد أنها أمر أو نهي وليست كذلك عند غيره ويحتمل أنه سمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم يأمر بشيء أو ينهى عن شيء وهو ممن يعتقد أن الأمر بالشيء ~~نهي عن جميع أضداده وأن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده فنقل الأمر والنهي ~~وليس بأمر ولا نهي عند غيره # والذي عليه اعتماد الأكثرين أنه حجة وهو الأظهر # وذلك لأن الظاهر من حال الصحابي مع عدالته ومعرفته بأوضاع اللغة أن يكون ~~عارفا بمواقع الخلاف والوفاق # وعند ذلك # فالظاهر من حاله أنه لا ينقل إلا ما تحقق أنه أمر أو نهي من غير خلاف ~~نفيا للتدليس والتلبيس عنه بنقل ما يوجب على سامعه اعتقاد الأمر والنهي ~~فيما لا يعتقده أمرا ولا نهيا # # | المسألة الثالثة # إذا قال الصحابي أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا وأوجب علينا كذا وحرم علينا ~~كذا أو أبيح لنا كذا PageV02P108 فمذهب الشافعي وأكثر الأئمة أنه يجب إضافة ~~ذلك إلى النبي عليه السلام # وذهب جماعة من الأصوليين والكرخي من أصحاب أبي حنيفة إلى المنع من ذلك ~~مصيرا منهم إلى أن ذلك متردد بين كونه مضافا إلى النبي عليه السلام وبين ~~كونه مضافا إلى أمر الكتاب أو الأمة أو بعض الأئمة وبين أن يكون قد قال ذلك ~~عن الاستنباط والقياس وأضافه إلى صاحب الشرع بناء على أن موجب القياس مأمور ~~باتباعه من الشارع # وإذا احتمل واحتمل لا يكون مضافا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بل ولا ~~يكون حجة # والظاهر مذهب الشافعي وذلك لأن من كان مقدما على جماعة وهم بصدد امتثال ~~أوامره ونواهيه فإذا قال الواحد منهم أمرنا بكذا ونهينا عن كذا فالظاهر أنه ~~يريد أمر ذلك المقدم ونهيه والصحابة بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~على هذا النحو # فإذا قال الصحابي منهم أمرنا أو نهينا كان الظاهر ms296 منه أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم ونهيه # ولا يمكن حمله على أمر الكتاب ونهيه لأنه لو كان كذلك لكان ظاهرا للكل ~~فلا يختص بمعرفته الواحد منهم ولا على أمر الأمة ونهيها لأن قول الصحابي ~~أمرنا ونهينا قول الأمة وهم لا يأمرون وينهون أنفسهم ولا على أمر الواحد من ~~الصحابة إذ ليس أمر البعض للبعض أولى من العكس # كيف وإن الظاهر من الصحابي أنه إنما يقصد بذلك تعريف الشرع # وذلك لا يكون ثابتا بأمر الواحد من الصحابة ونهيه ولا أن يكون ذلك بناء ~~على ما قيل من القياس والاستنباط لوجهين الأول أن قول الصحابي أمرنا ونهينا ~~خطاب مع الجماعة وما ظهر لبعض PageV02P109 المجتهدين من القياس وإن كان ~~مأمورا باتباع حكمه فذلك غير موجب للأمر باتباع من لم يظهر له ذلك القياس # الثاني أن قوله أمرنا ونهينا بكذا عن كذا إنما يفهم منه مطلق الأمر ~~والنهي لا الأمر باتباع حكم القياس # # | المسألة الرابعة # اختلفوا في قول الصحابي من السنة كذا # فذهب الأكثرون إلى أن ذلك محمول على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خلافا لأبي الحسن الكرخي من أصحاب أبي حنيفة # والمختار مذهب الأكثرين وذلك لما ذكرناه في المسألة المتقدمة # فإن قيل اسم السنة متردد بين سنة النبي وسنة الخلفاء الراشدين على ما قال ~~صلى الله عليه وسلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها ~~بالنواجذ وإذا كان اللفظ مترددا بين احتمالين فلا يكون صرفه إلى أحدهما دون ~~الآخر أولى من العكس # قلنا وإن سلمنا صحة إطلاق السنة على ما ذكروه غير أن احتمال إرادة سنة ~~النبي صلى الله عليه وسلم أولى لوجهين الأول أن سنة النبي صلى الله عليه ~~وسلم أصل وسنة الخلفاء الراشدين تبع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ومقصود ~~الصحابي إنما هو بيان الشرعية # ولا يخفى أن إسناد ما قصد بيانه إلى الأصل أولى من إسناده إلى التابع # الثاني أن ذلك هو المتبادر إلى الفهم من إطلاق لفظ السنة في كلام الصحابي ~~لما ذكرناه ms297 في المسألة المتقدمة فكان الحمل عليه أولى PageV02P110 # # | المسألة الخامسة # إذا قال الصحابي كنا نفعل كذا وكانوا يفعلون كذا وذلك كقول عائشة كانوا ~~لا يقطعون في الشيء التافه وكقول إبراهيم النخعي كانوا يحذفون التكبير حذفا ~~فهو عند الأكثرين محمول على فعل الجماعة دون بعضهم خلافا لبعض الأصوليين # ويدل على مذهب الأكثرين أن الظاهر من الصحابي أنه إنما أورد ذلك في معرض ~~الاحتجاج وإنما يكون ذلك حجة إن لو كان ما نقله مستندا إلى فعل الجميع لأن ~~فعل البعض لا يكون حجة على البعض الآخر ولا على غيرهم فإن قيل لو كان ذلك ~~مستندا إلى فعل الجميع لكان إجماعا ولما ساغ مخالفته بطريق الاجتهاد فيه ~~وحيث سوغتم ذلك دل على عوده إلى البعض دون الكل # قلنا تسويغ الاجتهاد فيه إنما كان لأن إضافة ذلك إلى الجميع وقع ظنا لا ~~قطعا وذلك كما يسوغ الاجتهاد فيما يرويه الواحد من الألفاظ القاطعة في ~~الدلالة عن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان طريق اتباعه ظنيا وإن كان لا ~~يسوغ فيه الاجتهاد عندما إذا ثبت بطريق قاطع وأما إن كان الراوي غير صحابي ~~فمستنده في الرواية إما قراءة الشيخ لما يرويه عنه أو القراءة على الشيخ أو ~~إجازة الشيخ له أو أن يكتب له كتابا بما يرويه عنه أو يناوله الكتاب الذي ~~يرويه عنه أو أن يرى خطا يظنه خط الشيخ بأني سمعت عن فلان كذا # فإن كان مستنده في الرواية قراءة الشيخ فإما أن يكون الشيخ قد قصد إسماعه ~~بالقراءة أو لم يقصد إسماعه بطريق من الطرق فإن قصد إسماعه بالقراءة أو مع ~~غيره فهذا هو أعلى الرتب في الرواية وللراوي عنه أن يقول حدثنا وأخبرنا ~~وقال فلان وسمعته يقول كذا وإن لم يقصد إسماعه فليس له أن يقول حدثنا ~~وأخبرنا لأنه يكون PageV02P111 كاذبا في ذلك بل له أن يقول قال فلان كذا ~~وسمعته يقول كذا ويحدث بكذا ويخبر بكذا # وأما القراءة على الشيخ مع سكوت الشيخ من غير ما يوجب السكوت عن الإنكار ms298 ~~من إكراه أو غفلة أو غير ذلك فقد اتفقوا على وجوب العمل به خلافا لبعض أهل ~~الظاهر لأنه لو لم تكن روايته صحيحة لكان سكوته عن الإنكار مع القدرة عليه ~~فسقا لما فيه من إيهام صحة ما ليس بصحيح وذلك بعيد عن العدل المتدين # ثم اتفق القائلون بالصحة على تسليط الراوي على قوله أخبرنا وحدثنا فلان ~~قراءة عليه واختلفوا في جواز قوله حدثنا وأخبرنا مطلقا والأظهر امتناعه لأن ~~ذلك يشعر بنطق الشيخ وذلك من غير نطق منه كذب # وأما إجازة الشيخ وذلك بأن يقول أجزت لك أن تروي عني الكتاب الفلاني أو ~~ما صح عندك من مسموعاتي فقد اختلفوا في جواز الرواية بالإجازة فجوزه أصحاب ~~الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر المحدثين واتفق هؤلاء على تسليط الراوي على ~~قوله أجازني فلان كذا وحدثني وأخبرني إجازة # واختلفوا في قوله حدثني وأخبرني مطلقا # والذي عليه الأكثر وهو الأظهر أنه لا يجوز لأن ذلك يشعر بنطق الشيخ بذلك ~~وهو كذب وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا تجوز الرواية بالإجازة مطلقا # وقال أبو بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة إنه إن كان المجيز والمجاز له قد ~~علما ما في الكتاب الذي أجاز روايته جازت روايته بقوله أخبرني وحدثني # وذلك كما لو كتب إنسان صكا والشهود يرونه ثم قال لهم اشهدوا علي بجميع ما ~~في هذا الصك فإنه يجوز لهم إقامة الشهادة عليه بما في ذلك الكتاب وإلا فلا ~~PageV02P112 # والمختار إنما هو جواز الرواية بالإجازة وذلك لأن المجيز عدل ثقة والظاهر ~~أنه لم يجز إلا ما علم صحته وإلا كان بإجازته رواية ما لم يروه فاسقا وهو ~~بعيد عن العدل # وإذا علمت الرواية أو ظنت بإجازته جازت الرواية عنه كما لو كان هو ~~القارىء أو قرىء عليه وهو ساكت # فإن قيل إنه لم يوجد من المحدث فعل الحديث ولا ما يجري مجرى فعله فلم يجز ~~أن يقول الراوي عنه أخبرني ولا حدثني لأنه يكون كذبا ولأنه قادر على أن ~~يحدث به # فحيث لم يحدث به دل ms299 على أنه غير صحيح عنده # قلنا هذا باطل بما إذا كان الراوي عن الشيخ هو القارىء فإنه لم يوجد من ~~الشيخ فعل الحديث ولا ما يجري مجراه وهو قادر على القراءة بنفسه # ومع ذلك # فإنه يجوز للراوي أن يقول أخبرني وحدثني حيث كانت قراءته عليه مع السكوت ~~دليل صحة الحديث # وعلى ما ذكرناه من الخلاف في الإجازة والخريف والمختار يكون الكلام فيما ~~إذا ناوله كتابا فيه حديث هو سماعه وقال له قد أجزت لك أن تروي عني ما فيه ~~وله أن يقول ناولني فلان كذا وأخبرني وحدثني مناولة # وكذلك الحكم أيضا إذا كتب إليه بحديث وقال أجزت لك روايته عني فإنه يدل ~~على صحته ويسلط الراوي على أن يقول كاتبني بكذا وحدثني أو أخبرني بكذا ~~كتابة # ولو اقتصر على المناولة أو الكتابة دون لفظ الإجازة لم تجز له الرواية إذ ~~ليس في الكتابة والمناولة ما يدل على تسويغ الرواية عنه ولا على صحة الحديث ~~في نفسه # وأما رؤية خط الشيخ بأني سمعت من فلان كذا فلا يجوز مع ذلك الرواية عنه ~~وسواء قال هذا خطي أو لم يقل لأنه قد يكتب ما سمعه # ثم يشكك فيه فلا بد من التسليط من قبل الشيخ على الرواية عنه بطريقة إذ ~~ليس لأحد رواية ما شك في روايته إجماعا # وعلى هذا فلو روى كتابا عن بعض المحدثين وشك في حديث واحد منه غير معين ~~لم تجز له رواية PageV02P113 شيء منه لأنه ما من واحد ومن تلك الأحاديث إلا ~~ويجوز أن يكون هو المشكوك فيه # وكذلك لو روى عن جماعة حديثا وشك في روايته عن بعضهم من غير تعيين فليس ~~له الرواية عن واحد منهم لأنه ما من واحد إلا ويجوز أن يكون هو المشكوك في ~~الرواية عنه # والرواية مع الشك ممتنعة # نعم لو غلب على ظنه رواية الحديث عن بعض المشايخ وسماعه منه فهذا مما ~~اختلف فيه # فقال أبو حنيفة لا تجوز روايته ولا العمل به لأنه حكم على المروي عنه ~~بأنه حدثه ms300 به فلا يجوز مع عدم العلم كما في الشهادة وقال الشافعي وأبو يوسف ~~ومحمد بن الحسن تجوز له الرواية والعمل به لأن ذلك مما يغلب على الظن صحته # ولهذا فإن آحاد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يحملون كتب ~~الرسول إلى أطراف البلاد في أمور الصدقات وغيرها وكان يجب على كل أحد الأخذ ~~بها بإخبار حاملها أنها من كتب الرسول وإن لم يكن ما فيها مما سمعه الحامل ~~ولا المحمول إليه لكونها مغلبة على الظن # ولا كذلك في الشهادة لأنه قد اعتبر فيها من الاحتياط ما لم يعتبر مثله في ~~الرواية كما ذكرناه فيما تقدم # وعلى هذا فلو قال عدل من عدول المحدثين عن كتاب من كتب الحديث إنه صحيح ~~فالحكم في جواز الأخذ به والخلاف فيه كما سبق فيما إذا ظن أنه يرويه مع ~~الاتفاق على أنه لا تجوز روايته عنه بخلاف ما إذا ظن الرواية عنه ~~PageV02P114 # # | القسم الرابع فيما اختلف في رد خبر الواحد به وفيه عشر مسائل # # | المسألة الأولى # اختلفوا في نقل حديث النبي صلى الله عليه وسلم بالمعنى دون اللفظ # والذي عليه اتفاق الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل والحسن البصري ~~وأكثر الأئمة أنه يحرم ذلك على الناقل إذا كان غير عارف بدلالات الألفاظ ~~واختلاف مواقعها وإن كان عالما بذلك فالأولى له النقل بنفس اللفظ إذ هو ~~أبعد عن التغيير والتبديل وسوء التأويل # وإن نقله بالمعنى من غير زيادة في المعنى ولا نقصان منه فهو جائز # ونقل عن ابن سيرين وجماعة من السلف وجوب نقل اللفظ على صورته # وهو اختيار أبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة # ومنهم من فصل وقال بجواز إبدال اللفظ بما يرادفه ولا يشتبه الحال فيه ولا ~~يجوز بما عدا ذلك # والمختار مذهب الجمهور # ويدل عليه النص والإجماع والأثر والمعقول # أما النص فما روي ابن مسعود أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه PageV02P115 ~~وسلم وقال له يا رسول الله تحدثنا بحديث لا نقدر أن نسوقه كما سمعناه فقال ~~صلى ms301 الله عليه وسلم إذا أصاب أحدكم المعنى فليحدث وأيضا فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان مقررا لآحاد رسله إلى البلاد في إبلاغ أوامره ونواهيه بلغة ~~المبعوث إليهم دون لفظ النبي صلى الله عليه وسلم وهو دليل الجواز # وأما الإجماع فما روي عن ابن مسعود أنه كان إذا حدث قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هكذا أو نحوه # ولم ينكر عليه منكر فكان إجماعا # وأما الأثر فما روي عن مكحول أنه قال دخلنا على واثلة بن الأسقع فقلنا ~~حدثنا حديثا ليس فيه تقديم ولا تأخير فغضب وقال لا بأس إذا قدمت وأخرت إذا ~~أصبت المعنى # وأما المعقول فمن وجهين الأول أن الإجماع منعقد على جواز شرح الشرع للعجم ~~بلسانهم وإذا جاز الإبدال بغير العربية في تفهيم المعنى فالعربية أولى # الثاني هو أنا نعلم أن اللفظ غير مقصود لذاته ونفسه ولهذا فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يذكر المعنى في الكرات المتعددة بألفاظ مختلفة بل ~~المقصود إنما هو المعنى ومع حصول المعنى فلا أثر لاختلاف اللفظ # فإن قيل ما ذكرتموه معارض بالنص والمعقول أما النص فقوله صلى الله عليه ~~وسلم نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها فرب حامل فقه إلى ~~غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه # وأما المعقول فمن وجهين الأول أن العلماء بالعربية وأهل الاجتهاد قد ~~يختلفون في معنى اللفظ الوارد مع اتحاده PageV02P116 حتى إن كل واحد منهم ~~قد يتنبه منه على ما لا يتنبه عليه الآخر # وعند ذلك فالراوي وإن كان عالما بالعربية واختلاف دلالات الألفاظ فقد ~~يحمل اللفظ على معنى فهمه من الحديث مع الغفلة عن غير ذلك # فإذا أتى بلفظ يؤدي المعنى الذي فهمه من اللفظ النبوي دون غيره مع احتمال ~~أن يكون ما أخل به هو المقصود أو بعض المقصود فلا يكون وافيا بالغرض من ~~اللفظ وربما اختل المقصود من اللفظ بالكلية بتقدير تعدد النقلة بأن ينقل كل ~~واحد ما سمعه من الراوي الذي قبله بألفاظ ms302 غير ألفاظه على حسب ما يعقله من ~~لفظه مع التفاوت اليسير في المعنى حتى ينتهي المعنى الأخير إلى مخالفة ~~المعنى المقصود باللفظ النبوي بالكلية وهو ممتنع # الثاني أن خبر النبي صلى الله عليه وسلم قول تعبدنا باتباعه فلا يجوز ~~تبديله بغيره كالقرآن وكلمات الأذان والتشهد والتكبير # والجواب عن النص من وجهين الأول القول بموجبه وذلك لأن من نقل معنى اللفظ ~~من غير زيادة ولا نقصان يصح أن يقال أدى ما سمع كما سمع ولهذا يقال لمن ~~ترجم لغة إلى لغة ولم يغير المعنى أدى ما سمع كما سمع # ويدل على أن المراد من الخبر إنما هو نقل المعنى دون اللفظ ما ذكره من ~~التعليل وهو اختلاف الناس في الفقه إذ هو المؤثر في اختلاف المعنى # وأما الألفاظ التي لا يختلف اجتهاد الناس في قيام بعضها مقام بعض فذلك ~~مما يستوي فيه الفقيه والأفقه ومن ليس بفقيه ولا يكون مؤثرا في تغيير ~~المعنى # الثاني أن هذا الخبر بعينه يدل على جواز نقل الخبر بالمعنى دون اللفظ ~~وذلك لأن الظاهر أن الخبر المروي حديث واحد والأصل عدم تكرره من النبي صلى ~~الله عليه وسلم # ومع ذلك فقد روي بألفاظ مختلفة فإنه قد روي نضر الله امرا ورحم الله امرأ ~~ورب حامل فقه غير فقيه وروي لا PageV02P117 وعن المعنى الأول من المعقول أن ~~الكلام إنما هو مفروض في نقل المعنى من غير زيادة ولا نقصان حتى إنه لو ~~ظهرت فيه الزيادة والنقصان لم يكن جائزا # وعن الثاني بالفرق بين ما نحن فيه وما ذكروه من الأصول المقيس عليها # أما القرآن فلأن المقصود من ألفاظه الإعجاز فتغييره مما يخرجه عن الإعجاز ~~فلا يجوز # ولا كذلك الخبر فإن المقصود منه المعنى دون اللفظ # ولهذا فإنه لا يجوز التقديم والتأخير في القرآن وإن لم يختلف المعنى كما ~~لو قال بدل اسجدي واركعي اركعي واسجدي # ولا كذلك في الخبر # وأما كلمات الأذان والتشهد والتكبير فالمقصود منها إنما هو التعبد بها # وذلك لا يحصل بمعناها والمقصود من الخبر ms303 هو المعنى دون اللفظ # كيف وإنه ليس قياس الخبر على ما ذكروه أولى من قياسه على الشهادة حيث ~~تجوز الشهادة على شهادة الغير مع اتحاد المعنى وإن كان اللفظ مختلفا # # | المسألة الثانية # إذا أنكر الشيخ رواية الفرع عنه فلا يخلو إما أن يكون إنكاره لذلك إنكار ~~جحود وتكذيب للفرع أو إنكار نسيان وتوقف # فإن كان الأول فلا خلاف في امتناع العمل بالخبر لأن كل واحد منهما مكذب ~~للآخر فيما يدعيه ولا بد من كذب أحدهما وهو موجب للقدح في الحديث # غير أن ذلك لا يوجب جرح واحد منهما على التعيين لأن كل واحد منهما عدل ~~وقد وقع الشك في كذبه # والأصل العدالة فلا تترك بالشك # وتظهر فائدة ذلك في قبول رواية كل واحد منهما في غير ذلك الخبر # وأما إن كان الثاني فقد اختلفوا في قبول ذلك الخبر والعمل به فذهب ~~الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل في أصح الروايتين عنه وأكثر المتكلمين إلى ~~وجوب العمل به خلافا للكرخي وجماعة من أصحاب أبي حنيفة PageV02P118 ولأحمد ~~بن حنبل في الرواية الأخرى عنه # ودليله الإجماع والمعقول # أما الإجماع فما روي أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن روى عن سهيل بن أبي صالح ~~عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى باليمين مع ~~الشاهد ثم نسيه سهيل فكان يقول # حدثني ربيعة عني أني حدثته عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويرويه هكذا # ولم ينكر عليه أحد من التابعين ذلك # فكان إجماعا منهم على جوازه # وأما المعقول فمن وجهين الأول أن الفرع عدل وهو جازم بروايته عن الأصل ~~والأصل غير مكذب له وهما عدلان فوجب قبول الرواية والعمل بها # الثاني أن نسيان الأصل للرواية لا تزيد على موته وجنونه ولو مات أو جن ~~كانت رواية الفرع عنه مقبولة ويجب العمل بها إجماعا فكذلك إذا نسي # فإن قيل أما الاستدلال بقضية ربيعة فلا حجة فيه لاحتمال أن سهيلا ذكر ~~الرواية برواية ربيعة عنه ومع الذكر فالرواية تكون مقبولة ms304 # ثم هو معارض بما روي أن عمار بن ياسر قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~أما تذكر يا أمير المؤمنين لما كنا في الأبل فأجنبت فتمعكت في التراب ثم ~~سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال إنما يكفيك أن تضرب بيديك فلم يقبل عمر ~~من عمار ما رواه مع كونه عدلا عنده لما كان ناسيا له # وأما ما ذكرتموه من المعقول فالأصل وإن لم يكن مكذبا للفرع غير أن نسيانه ~~لما نسب إليه يجب أن يكون مانعا من العمل به كما لو ادعى مدع أن الحاكم حكم ~~له بشيء فقال الحاكم لا أذكر ذلك فأقام المدعي شاهدين شهدا بذلك فإنه لا ~~يقبل # وكذلك إذا أنكر شاهد الأصل PageV02P119 شهادة الفرع عليه على سبيل ~~النسيان فإن الشهادة لا تقبل # والجواب عن قولهم إن سهيلا ذكر الرواية # قلنا لو كان كذلك لانطوى ذكر ربيعة وكان يروي عن شيخه كما لو نسي ثم تذكر ~~بنفسه وأما رد عمر لرواية عمار عند نسيانه فليس نظيرا لما نحن فيه # فإن عمارا لم يكن راويا عن عمر بل عن النبي صلى الله عليه وسلم # وحيث لم يعمل عمر بروايته فلعله كان شاكا في روايته أو كأن ذلك كان مذهبا ~~له فلا يكون حجة على غيره من المجتهدين على ما سيأتي تقريره # وأما الحاكم إذا نسي ما حكم به وشهد شاهدان بحكمه فقد قال مالك وأبو يوسف ~~يلزمه الحكم بشهادتهما # وعندنا وإن لم يجب عليه ذلك فهو واجب على غيره من القضاة # وأما القياس على الشهادة فلا يصح لأن باب الشهادة أضيق من باب الرواية ~~وقد اعتبر فيها من الشروط والقيود ما لم يعتبر في الرواية وذلك كاعتبار ~~العدد والحرية والذكورة ولا يقبل فيها العنعنة ولا تصح الشهادة على الشهادة ~~من وراء حجاب # ولو قال أعلم بدل قوله أشهد لا يصح ولا كذلك في الرواية فامتنع القياس # # | المسألة الثالثة # إذا روى جماعة من الثقات حديثا وانفرد واحد منهم بزيادة في الحديث لا ~~تخالف المزيد عليه كما لو ms305 روى جماعة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل البيت ~~وانفرد واحد منهم بزيادة فقال دخل البيت وصلى فلا يخلو إما أن يكون مجلس ~~الرواية مختلفا بأن يكون المنفرد بالزيادة روايته عن مجلس غير مجلس الباقين ~~أو أن مجلس الرواية متحد أو يجهل الأمران # فإن كان المجلس مختلفا فلا نعرف خلافا في قبول الزيادة لاحتمال أن يكون ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل الزيادة في أحد المجلسين دون الآخر ~~والراوي عدل ثقة ولم PageV02P120 يوجد ما يقدح في روايته فكانت روايته ~~مقبولة # ولهذا فإنه لو روى حديثا لم ينقله غيره مع عدم حضوره لم يقدح ذلك في ~~روايته وكذلك لو شهد اثنان على شخص بألفي درهم لزيد في مجلس وشهدت بينة ~~أخرى عليه في مجلس آخر بألف لا يكون ذلك قادحا في الألف الزائدة مع أن باب ~~الشهادة أضيق من باب الرواية كما قررنا # وأما إن اتحد المجلس فإن كان من لم يرو الزيادة قد انتهوا إلى عدد لا ~~يتصور في العادة غفلة مثلهم عن سماع تلك الزيادة وفهمها فلا يخفى أن تطرق ~~الغلط والسهو إلى الواحد فيما نقله من الزيادة يكون أولى من تطرق ذلك إلى ~~العدد المفروض فيجب ردها وإن لم ينتهوا إلى هذا الحد فقد اتفق جماعة ~~الفقهاء والمتكلمين على وجوب قبول الزيادة خلافا لجماعة من المحدثين ولأحمد ~~بن حنبل في إحدى الروايتين عنه # ودليل ذلك أن الراوي عدل ثقة وقد جزم بالرواية وعدم نقل الغير لها ~~فلاحتمال أن يكون من لم ينقل الزيادة قد دخل في أثناء المجلس وسمع بعض ~~الحديث أو خرج في أثناء المجلس لطارىء أوجب له الخروج قبل سماع الزيادة # وبتقدير أن يكون حاضرا من أول المجلس إلى آخره فلاحتمال أن يكون قد طرأ ~~ما شغله عن سماع الزيادة وفهمها من سهو أو ألم أو جوع أو عطش مفرط أو فكرة ~~في أمر مهم أو اشتغال بحديث مع غيره والتفات إليه أو أنه نسيها بعد ما ~~سمعها # ومع تطرق هذه الاحتمالات وجزم العدل ms306 بالرواية لا يكون عدم نقل غيره ~~للزيادة قادحا في روايته # فإن قيل هذه الاحتمالات وإن كانت منقدحة في حق من لم يرو الزيادة فاحتمال ~~الغلط والسهو على الناقل للزيادة أيضا منقدح # وذلك بأن يتوهم أنه سمع تلك الزيادة ولم يكن قد سمعها أو أنه سمعها من ~~غير الرسول وتوهم سماعها من الرسول أو أنه ذكرها على سبيل التفسير والتأويل ~~فظن السامع أنها زيادة في الحديث المروي وذلك كما روى ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفى # قال ابن عباس ولا أحسب غير الطعام إلا كالطعام فأدرجه بعض الرواة في ~~الحديث PageV02P121 # وكذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فإذا زادت الإبل على ~~مائة وعشرين استؤنفت الفريضة فظن الراوي أن الاستئناف إعادة للفرض الأول في ~~المائة الأولى فقال في كل خمس شاة # وأدرج ذلك في كلام النبي صلى الله عليه وسلم # ومع تعارض الاحتمالات فليس العمل بالزيادة أولى من تركها بل الترجيح ~~بجانب الترك لوجهين الأول أن احتمال تطرق الغلط والسهو على الواحد أكثر من ~~احتمال تطرقه إلى الجماعة # الثاني أن الترك على وفق النفي الأصلي والإثبات على خلافه فكان أولى ~~ولهذا فإنه لو اجتمع المقومون على قيمة متلف وخالفهم واحد بزيادة في تقويمه ~~في القيمة فإن الزيادة تلغى بالإجماع # والجواب عما عارضوا به من السهو في حق راوي الزيادة أنه وإن كان منقدحا ~~غير أن ما ذكرناه من الاحتمالات في حق من لم يرو الزيادة أكثر ولأن سهو ~~الإنسان عما سمعه يكون أكثر من سهوه فيما لم يسمعه أنه سمعه # وما ذكروه من الزيادة بناء على احتمال التفسير والتأويل وإن كان قائما ~~غير أنه في غاية البعد إذ الظاهر من حال العدل الثقة أنه لا يدرج في كلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس فيه لما فيه من التدليس والتلبيس # ولو جوز مثل ذلك فما من حديث إلا ويمكن أن يتطرق إليه هذا الاحتمال # ويلزم من ذلك ms307 إبطال جميع الأحاديث # وما ذكروه من الترجيح الأول فغير مطرد فيما إذا كان عدد الناقل للزيادة ~~مساويا لعدد الآخرين وهو من جملة صور النزاع وبتقدير أن يكون أكثر فقد بينا ~~أن الترجيح بجانب الواحد # وما ذكروه من الترجيح الثاني فهو معارض بما إذا كانت الزيادة مقتضية لنفي ~~حكم لولاها لثبت # وأما التقويم فحاصله يرجع إلى ظن وتخمين بطريق الاجتهاد # ولا يخفى أن تطرق الخطأ في ذلك إلى الواحد أكثر من تطرقه إلى PageV02P122 ~~الجميع بخلاف الرواية فإنها لا تكون إلا بنقل ما هو محسوس بالسمع وتطرق ~~الخطأ إليه بعيد # وأما إن جهل الحال في أن الرواية عن مجلس واحد أو مجالس مختلفة فالحكم ~~على ما سبق فيما إذا اتحد المجلس وقبول الزيادة فيه أولى نظرا إلى احتمال ~~اختلاف مجلس الرواية # هذا كله فيما إذا لم تكن الزيادة مخالفة للمزيد عليه وأما إن كانت مخالفة ~~له بحيث لا يمكن الجمع بينهما فالظاهر التعارض خلافا لبعض المعتزلة # وعلى هذا لو روى الواحد الزيادة مرة وأهملها مرة في حديث واحد فالتفصيل ~~والحكم على ما تقدم فيما إذا تعددت الرواة # فعليك بالاعتبار # وكذلك الخلاف فيما إذا أسند الخبر واحد وأرسله الباقون أو رفعه إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأوقفه الباقون على بعض الصحابة # # | المسألة الرابعة # إذا سمع الراوي خبرا وأراد نقل بعضه وحذف بعضه فلا يخلو إما أن يكون ~~الخبر متضمنا لأحكام لا يتعلق بعضها ببعض أو يتعلق بعضها ببعض # فإن كان الأول كقوله المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويرد ~~عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم فلا نعرف خلافا في جواز نقل البعض وترك ~~البعض # فإن ذلك بمنزلة أخبار متعددة ومن سمع أخبارا متعددة فله رواية البعض دون ~~البعض وإن كان الأولى إنما هو نقل الخبر بتمامه لقوله صلى الله عليه وسلم ~~نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها # وإن كان الثاني وذلك بأن يكون الخبر مشتملا على ذكر غاية # كنهيه PageV02P123 صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى تحوزه ms308 التجار ~~إلى رحالهم وكنهيه عن بيع الثمار حتى تزهى أو شرط كقوله من قاء أو رعف أو ~~أمذى فليتوضأ وضوءه للصلاة أو استثناء كقوله لا تبيعوا البر بالبر إلى قوله ~~إلا سواء بسواء مثلا بمثل فإذا ذكر بعض الخبر # وقطعه عن الغاية أو الشرط أو الاستثناء فهو غير جائز لما فيه من تغيير ~~الحكم وتبديل الشرع # # | المسألة الخامسة # خبر الواحد إذا ورد موجبا للعمل فيما تعم به البلوى كخبر ابن مسعود في ~~نقض الوضوء بمس الذكر وخبر أبي هريرة في غسل اليدين عند القيام من نوم ~~الليل وخبره في رفع اليدين في الركوع والأكل في الصوم ناسيا ونحوه مقبول ~~عند الأكثرين خلافا للكرخي وبعض أصحاب أبي حنيفة # ودليل ذلك النص والإجماع والمعقول والإلزام أما النص فقوله تعالى @QB@ ~~فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم لعلهم يحذرون @QE@ 9 التوبة 122 ) أوجب الإنذار على كل طائفة ~~خرجت للتفقه في الدين وإن كانت آحادا وهو مطلق فيما تعم به البلوى وما لا ~~تعم # ولولا أنه واجب القبول لما كان لوجوبه فائدة وتقريره كما سبق وأما ~~الإجماع فهو أن الصحابة اتفقت على العمل بخبر الواحد فيما تعم به البلوى # فمن ذلك ما روي عن ابن عمر أنه قال كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك ~~PageV02P124 بأسا حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن ذلك فانتهينا ومن ذلك رجوع الصحابة بعد اختلافهم في وجوب الغسل ~~بالتقاء الختانين من غير إنزال إلى خبر عائشة وهو قولها إذا التقى الختانان ~~وجب الغسل أنزل أو لم ينزل فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واغتسلنا ومن ذلك رجوع أبي بكر وعمر في سدس الجدة لما قال لها لا أجد لك في ~~كتاب الله شيئا إلى خبر المغيرة وهو قوله إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أطعمها السدس وصار ذلك إجماعا # وأما المعقول فمن وجهين الأول أن الراوي عدل ثقة وهو جازم بالرواية ms309 فيما ~~يمكن فيه صدقه وذلك يغلب على الظن صدقه فوجب تصديقه كخبره فيما لا تعم به ~~البلوى # الثاني أنه يغلب على الظن فكان واجب الاتباع كالقياس والمسألة ظنية فكان ~~الظن فيها حجة # وأما الإلزام فهو أن الوتر وحكم الفصد والحجامة والقهقهة في الصلاة ووجوب ~~الغسل من غسل الميت وإفراد الإقامة وتثنيتها فمن قبيل ما تعم به البلوى ومع ~~ذلك فقد أثبتها الخصوم بأخبار الآحاد فإن قيل لا نسلم إجماع الصحابة على ~~العمل بخبر الواحد فيما تعم به البلوى فإن أبا بكر رد خبر المغيرة في الجدة # وما ذكرتموه من المعقول فمبني على أن خبر الواحد فيما تعم به البلوى ~~PageV02P125 مظنون وليس كذلك # وبيانه من وجهين # الأول أن ما تعم به البلوى كخروج الخارج من السبيلين ومس الذكر مما يتكرر ~~في كل وقت # فلو كانت الطهارة مما تنتقض به لوجب على النبي صلى الله عليه وسلم إشاعته ~~وأن لا يقتصر على مخاطبة الآحاد به بل يلقيه على عدد التواتر مبالغة في ~~إشاعته حتى لا يفضي ذلك إلى إبطال صلاة أكثر الخلق وهم لا يشعرون فحيث لم ~~ينقله سوى الواحد دل على كذبه # الثاني أن ذلك مما يكثر السؤال عنه والجواب والدواعي متوفرة على نقله # فحيث انفرد به الواحد دل على كذبه كانفراد الواحد بنقل قتل أمير البلد في ~~السوق بمشهد من الخلق وطروء حادثة منعت الناس من صلاة الجمعة وإن الخطيب سب ~~الله ورسوله على رأس المنبر إلى غير ذلك من الوقائع # ولهذا فإنه لما كان القرآن مما تعم به البلوى بمعرفته امتنع إثباته بخبر ~~الواحد # وأما ما ذكرتموه من الإلزامات فغير مساوية في عموم البلوى لمس الذكر فلا ~~تكون في معناه # والجواب عن رد أبي بكر بخبر المغيرة في الجدة أنه لم يكن مطلقا # ولهذا عمل به لما تابعه على ذلك محمد بن مسلمة وخبرهما غير خارج عن ~~الآحاد # وما ذكروه في الوجه الأول من التكذيب فإنما يصح أن لو كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم مكلفا بالإشاعة على لسان ms310 أهل التواتر وهو غير مسلم # قولهم إنه يلزم من عدم ذلك إبطال صلاة أكثر الخلق لا نسلم فإن من لم ~~يبلغه ذلك فالنقض غير ثابت في حقه # ولا تكليف بمعرفة ما لم يقم عليه دليل # وما ذكروه في الوجه الثاني فإنما يلزم توفر الدواعي على نقله إن لو كان ~~لا PageV02P126 طريق إلى إثباته سوى النقل المتواتر # وأما إذا كان طريق معرفة ذلك إنما هو الظن فخبر الواحد كاف فيه # ولهذا جاز إثباته بالقياس إجماعا وما استشهدوا به من الوقائع فغير مناظرة ~~لما نحن فيه إذ الطباع مما تتوفر على نقلها وإشاعتها عادة فانفراد الواحد ~~يدل على كذبه # ثم ما ذكروه من الوجهين منتقض عليهم حيث عملوا بأخبار الآحاد فيما ذكرناه ~~من صور الإلزام ومس الذكر وإن كان أعم في الوقوع من تلك الصور فذلك لا يخرج ~~تلك الصورة عن كونها واقعة في عموم البلوى # وأما القرآن فإنما امتنع إثباته بخبر الواحد لا لأنه مما تعم به البلوى ~~بل لأنه المعجز في إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وطريق معرفته متوقف ~~على القطع # ولذلك وجب على النبي إشاعته وإلقاؤه على عدد التواتر # ولا كذلك ما نحن فيه # فإن الظن كاف فيه # ولذلك يجوز إثباته بالقياس وما عدا القرآن مما أشيع إشاعة اشترك فيها ~~الخاص والعام كالعبادات الخمس وأصول المعاملات كالبيع والنكاح والطلاق ~~والعتاق وغير ذلك من الأحكام مما كان يجوز أن لا يشيع فذلك إما بحكم ~~الاتفاق وإما لأنه صلى الله عليه وسلم كان متعبدا بإشاعته # والله أعلم # # | المسألة السادسة # إذا روى الصحابي خبرا فلا يخلو إما أن يكون مجملا أو ظاهرا أو نصا قاطعا ~~في متنه # فإن كان مجملا مشتركا بين محامل على السوية كلفظ القروء ونحوه فإن حمله ~~الراوي على بعض محامله فإن قلنا إن اللفظ المشترك ظاهر العموم في جميع ~~محامله كما سيأتي تقريره فهو القسم الثاني وسيأتي الكلام فيه # وإن قلنا بامتناع حمله على جميع محامله فلا نعرف خلافا في وجوب حمل الخبر ~~على ما حمله ms311 الراوي عليه لأن الظاهر من حال النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~لا ينطق باللفظ المجمل لقصد التشريع وتعريف الأحكام ويخليه عن قرينة حالية ~~أو مقالية تعين المقصود من الكلام # والصحابي الراوي PageV02P127 المشاهد للحال أعرف بذلك من غيره فوجب الحمل ~~عليه # ولا يبعد أن يقال بأن تعيينه لا يكون حجة على غيره من المجتهدين حتى ينظر ~~فإن انقدح له وجه يوجب تعيين غير ذلك الاحتمال وجب عليه اتباعه وإلا فتعيين ~~الراوي صالح للترجيح فيجب اتباعه # وأما إن كان اللفظ ظاهرا في معنى وحمله الراوي على غيره فمذهب الشافعي ~~وأبي الحسين الكرخي وأكثر الفقهاء أنه يجب الحمل على ظاهر الخبر دون تأويل ~~الراوي ولهذا قال الشافعي كيف أترك الخبر لأقوال أقوام لو عاصرتهم لحاججتهم ~~بالحديث وذهب بعض أصحاب أبي حنيفة وغيرهم إلى وجوب العمل بمذهب الراوي # وقال القاضي عبد الجبار إن لم يكن لمذهب الراوي وتأويله وجه سوى علمه ~~بقصد النبي صلى الله عليه وسلم لذلك التأويل وجب المصير إليه # وإن لم يعلم ذلك بل جوز أن يكون قد صار إليه لدليل ظهر له من نص أو قياس ~~وجب النظر إلى ذلك الدليل فإن كان مقتضيا لما ذهب إليه وجب المصير إليه ~~وإلا فلا # وهذا اختيار أبي الحسين البصري # والمختار أنه إن علم مأخذه في المخالفة وكان ذلك مما يوجب حمل الخبر على ~~ما ذهب إليه الراوي وجب اتباع ذلك الدليل لا لأن الراوي عمل به فإنه ليس ~~عمل أحد المجتهدين حجة على الآخر # وإن جهل مأخذه فالواجب العمل بظاهر اللفظ وذلك لأن الراوي عدل وقد جزم ~~بالرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الأصل في وجوب العمل بالخبر ~~ومخالفة الراوي له فيحتمل أنه كان لنسيان طرأ عليه ويحتمل أنه كان لدليل ~~اجتهد فيه وهو مخطىء فيه أو هو مما يقول به دون غيره من المجتهدين كما عرف ~~من مخالفة مالك لخبر خيار المجلس بما رآه من إجماع أهل المدينة على خلافه # ويحتمل أنه علم ذلك علما لا مراء فيه ms312 من قصد النبي له # وإذا تردد بين هذه الاحتمالات فالظاهر لا يترك بالشك والاحتمال ~~PageV02P128 # وعلى كل تقدير فبمخالفته للخبر لا يكون فاسقا حتى يمتنع العمل بروايته # وبهذا يندفع قول الخصم إنه إن أحسن الظن بالراوي وجب حمل الخبر على ما ~~حمله عليه وإن أسيىء به الظن امتنع العمل بروايته # وأما إن كان الخبر نصا في دلالته غير محتمل للتأويل والمخالفة فلا وجه ~~لمخالفة الراوي له سوى احتمال اطلاعه على ناسخ ولعله يكون ناسخا في نظره ~~ولا يكون ناسخا عند غيره من المجتهدين # وما ظهر في نظره لا يكون حجة على غيره # وإذا كان ذلك محتملا فلا يترك النص الذي لا احتمال فيه لأمر يحتمل # # | المسألة السابعة # خبر الواحد العدل إذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم عمل بخلافه فلا ~~يرد له الخبر إن لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم داخلا تحت عمومه أو كان ~~داخلا تحت عمومه لكنه قام الدليل على أن ما فعله من خواصه التي لا يشاركه ~~فيها أحد وإن لم يكن من خواصه فيجب العمل بالراجح من الفعل أو الخبر إن ~~تعذر تخصيص أحدهما بالآخر # وإن عمل بخلافه أكثر الأمة فهم بعض الأمة فلا يرد الخبر بذلك إجماعا وإن ~~خالف باقي الحفاظ للراوي فيما نقله # فالمختار الوقف في ذلك نظرا إلى أن تطرق السهو والخطإ إلى الجماعة وإن ~~كان أبعد من تطرقه إلى الواحد غير أن تطرق السهو إلى ما لم يسمع أنه سمع ~~أبعد من تطرق السهو إلى ما سمع أنه لم يسمع # # | المسألة الثامنة # اتفقت الشافعية والحنابلة وأبو يوسف وأبو بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة ~~وأكثر الناس على قبول خبر الواحد فيما يوجب الحد وفي كل ما يسقط بالشبهة ~~خلافا لأبي عبد الله البصري والكرخي # ودليل ذلك أنه يغلب PageV02P129 على الظن فوجب قبوله لقوله صلى الله عليه ~~وسلم نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ولأنه حكم يجوز إثباته بالظن ~~بدليل ثبوته بالشهادة وبظاهر الكتاب فجاز إثباته بخبر الواحد كسائر الأحكام ~~الظنية والمسألة ms313 ظنية فكان الظن كافيا فيها # وسقوطه بالشبهة لو كان لكان مانعا من الأعمال والأصل عدم ذلك وعلى من ~~يدعيه بيانه # فإن قيل خبر الواحد مما يدخله احتمال الكذب فكان ذلك شبهة في درء الحد ~~لقوله صلى الله عليه وسلم ادرؤوا الحدود بالشبهات فهو باطل بإثباته ~~بالشهادة فإنها محتملة للكذب ومع ذلك يثبت بها # # | المسألة التاسعة # خبر الواحد إذا خالف القياس فإما أن يتعارضا من كل وجه بأن يكون أحدهما ~~مثبتا لما نفاه الآخر أو من وجه دون وجه بأن يكون أحدهما مخصصا للآخر # فإن كان الأول فقد قال الشافعي رضي الله عنه وأحمد بن حنبل والكرخي وكثير ~~من الفقهاء أن الخبر مقدم على القياس # وقال أصحاب مالك يقدم القياس # وقال عيسى بن أبان إن كان الراوي ضابطا عالما غير متساهل فيما يرويه قدم ~~خبره على القياس وإلا فهو موضع اجتهاد # وفضل أبو الحسين البصري فقال علة القياس الجامعة أن تكون منصوصة أو ~~مستنبطة فإن كانت منصوصة فالنص عليها إما أن يكون مقطوعا به أو غير مقطوع ~~فإن كان مقطوعا به وتعذر الجمع بينهما وجب العمل بالعلة لأن النص على العلة ~~كالنص على حكمها وهو مقطوع به وخبر الواحد مظنون فكانت مقدمة # وإن لم يكن النص على العلة مقطوعا به ولا حكمها في الأصل مقطوعا به فيجب ~~الرجوع إلى خبر الواحد لاستواء النصين في الظن واختصاص PageV02P130 خبر ~~الواحد بالدلالة على الحكم بصريحه من غير واسطة بخلاف النص الدال على العلة ~~فإنه إنما يدل على الحكم بواسطة العلة وإن كان حكمها ثابتا قطعا فذلك موضع ~~الاجتهاد # وإن كانت العلة مستنبطة فحكم الأصل إما أن يكون ثابتا بخبر واحد أو بدليل ~~مقطوع به فإن كان ثابتا بخبر واحد فالأخذ بالخبر أولى وإن كان ثابتا قطعا ~~قال فينبغي أن يكون هذا موضع الاختلاف بين الناس # ومختاره أنه مجتهد فيه وقال القاضي أبو بكر بالوقف # والمختار في ذلك أن يقال إما أن يكون متن خبر الواحد قطعيا أو ظنيا فإن ~~كان متنه قطعيا فعلة القياس ms314 إما أن تكون منصوصة أو مستنبطة فإن كانت منصوصة ~~وقلنا إن التنصيص على علة القياس لا يخرجه عن القياس فالنص الدال عليها إما ~~أن يكون مساويا في الدلالة لخبر الواحد أو راجحا عليه أو مرجوحا فإن كان ~~مساويا فخبر الواحد أولى لدلالته على الحكم من غير واسطة ودلالة نص العلة ~~على حكمها بواسطة # وإن كان مرجوحا فخبر الواحد أولى مع دلالته على الحكم من غير واسطة وإن ~~كان راجحا على خبر الواحد فوجود العلة في الفزع إما أن يكون مقطوعا به أو ~~مظنونا فإن كان مقطوعا فالمصير إلى القياس أولى وإن كان وجودها فيه مظنونا ~~فالظاهر الوقف لأن نص العلة وإن كان في دلالته على العلة راجحا غير أنه ~~إنما يدل على الحكم بواسطة العلة وخبر الواحد لا بواسطة فاعتدلا # وأما إن كانت العلة مستنبطة فالخبر مقدم على القياس مطلقا # ودليله النص والإجماع والمعقول # أما النص فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ حيث ~~PageV02P131 بعثه إلى اليمن قاضيا بم تحكم قال بكتاب الله قال فإن لم تجد ~~قال بسنة رسول الله قال فإن لم تجد قال أجتهد رأيي ولا آلو أخر العمل ~~بالقياس عن السنة من غير تفصيل بين المتواتر والآحاد # والنبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك وقال الحمد لله الذي وفق رسول ~~رسول الله لما يرضاه الله ورسوله # وإما الإجماع فهو أن عمر رضي الله عنه ترك القياس في الجنين لخبر حمل ابن ~~مالك وقال لولا هذا لقضينا فيه برأينا وأيضا ما روي عنه أنه ترك القياس في ~~تفريق دية الأصابع على قدر منافعها بخبر الواحد الذي روى في كل إصبع عشر من ~~الإبل وترك اجتهاده # وأيضا فإنه ترك اجتهاده في منع ميراث المرأة من دية زوجها بخبر الواحد ~~وقال أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا وكان ذلك ~~مشهورا فيما بين الصحابة ولم ينكر عليه منكر فصار إجماعا # وأما المعقول فهو أن خبر الواحد راجح على القياس وأغلب على الظن فكان ms315 ~~مقدما عليه # وبيان ذلك أن الاجتهاد في الخبر واحتمال الخطإ فيه أقل من القياس لأن خبر ~~الواحد لا يخرج الاجتهاد فيه عن عدالة الراوي وعن دلالته على الحكم وعن ~~كونه حجة معمولا بها فهذه ثلاثة أمور # وأما القياس فإنه إن كان حكم أصله ثابتا بخبر الواحد فهو مفتقر إلى ~~الاجتهاد في الأمور الثلاثة # وبتقدير أن يكون ثابتا بدليل مقطوع به فيفتقر إلى الاجتهاد في كون الحكم ~~في الأصل مما يمكن تعليله أو لا # وبتقدير إمكان تعليله فيفتقر إلى الاجتهاد في إظهار وصف صالح للتعليل # وبتقدير ظهور وصف صالح يفتقر إلى الاجتهاد في نفي المعارض له في الأصل # وبتقدير سلامته عن ذلك يفتقر إلى الاجتهاد في وجوده في الفرع # وبتقدير وجوده PageV02P132 فيه يفتقر إلى الاجتهاد في نفي المعارض في ~~الفرع من وجود مانع أو فوات شرط # وبتقدير انتفاء ذلك يحتاج إلى النظر في كونه حجة # فهذه سبعة أمور لا بد من النظر فيها # وما يفتقر في دلالته إلى بيان ثلاثة أمور لا غير فاحتمال الخطإ فيه يكون ~~أقل احتمالا من احتمال الخطإ فيما يفتقر في بيانه إلى سبعة أمور # فكان خبر الواحد أولى # وربما قيل في ترجيح خبر الواحد هاهنا وجوه أخر واهية آثرنا الإعراض عن ~~ذكرها لظهور فسادها بأول نظر # فإن قيل أما ما ذكرتموه من خبر معاذ فقد خالفتموه فيما إذا كانت العلة ~~الجامعة في القياس مقطوعا بعليتها وبوجودها في الفرع كما تقدم # وما ذكرتموه من الإجماع على تقديم خبر الواحد على القياس فغير مسلم # فإن ابن عباس قد خالف في ذلك حيث إنه لم يقبل خبر أبي هريرة فيما رواه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من قوله إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده ~~في الإناء حتى يغسلها ثلاثا لكونه مخالفا للقياس # وأيضا فإنه رد خبر أبي هريرة في التوضي مما مست النار بالقياس وقال ألسنا ~~نتوضأ بماء الحميم فكيف نتوضأ بما عنه نتوضأ # وأما ما ذكرتموه من الترجيح فهو معارض لما يتطرق إلى الخبر من ms316 احتمال كذب ~~الراوي وأن يكون في نفسه كافرا أو فاسقا أو مخطئا # واحتمال الإجمال في دلالة الخبر والتجوز والإضمار والنسخ وكل ذلك غير ~~متطرق إلى القياس # وأيضا فإن القياس يجوز به تخصيص عموم الكتاب وهو أقوى من خبر الواحد فكان ~~ترك خبر الواحد بالقياس أولى وأيضا فإن الظن بالقياس يحصل للمجتهد من جهة ~~نفسه واجتهاده والظن الحاصل من خبر الواحد يحصل له من جهة غيره # وثقة الإنسان بنفسه أتم من ثقته بغيره PageV02P133 # وأيضا فإن خبر الواحد بتقدير إكذاب المخبر لنفسه يخرج الخبر عن كونه ~~شرعيا ولا كذلك القياس # والجواب قولهم إنكم خالفتم خبر معاذ قلنا غايته أنا خصصناه في صورة لمعنى ~~لم يوجد فيما نحن فيه فبقينا عاملين بعمومه فيما عدا تلك الصورة # قولهم إن ابن عباس قد رد خبر أبي هريرة بالقياس فيما ذكروه ليس كذلك # أما رده لخبر غسل اليدين فإنما يمكن الاحتجاج به أن لو كان قد رده ~~لمخالفة القياس المقتضي لجواز غسل اليدين من ذلك الإناء وليس كذلك # أما أولا فلأنا لا نسلم وجود القياس المقتضي لذلك # وبتقدير تسليمه فهو إنما رده لا للقياس بل لأنه لا يمكن الأخذ به # ولهذا قال ابن عباس فماذا تصنع بالمهراس # والمهراس كان حجرا عظيما يصب فيه الماء لأجل الوضوء # فاستبعد الأخذ بالخبر لاستبعاده صب الماء من المهراس على اليد # وقد وافق ابن عباس على ما تخيله من الاستبعاد عائشة حيث قالت رحم الله ~~أبا هريرة لقد كان رجلا مهذارا فماذا يصنع بالمهراس # وأما تركه لخبر التوضي مما مست النار فلم يكن بالقياس بل بما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل كتف شاة مصلية وصلى ولم يتوضأ # ثم ذكر القياس بعد معارضته بالخبر # وأما ما ذكروه من ترجيحات القياس على خبر الواحد فمندفعة # أما تطرق احتمال الكذب والكفر والفسق والخطإ إلى الراوي وإن كان منقدحا ~~فمثله متطرق إلى دليل حكم الأصل إذا كان ثابتا بخبر الواحد # وهو من جملة صور النزاع # وبتقدير ثبوته بدليل مقطوع به فلا ms317 يخفى أن تطرق PageV02P134 ذلك إلى من ~~ظهرت عدالته وإسلامه أبعد من تطرق الخطإ إلى القياس في اجتهاده فيما ذكرناه ~~من احتمالات الخطإ في القياس لكونه معاقبا على الكذب والكفر والفسق بخلاف ~~الخطإ في الاجتهاد فإنه غير معاقب عليه بل مثاب # وما ذكروه من تطرق التجوز والاشتراك والنسخ إلى خبر الواحد فذلك مما لا ~~يوجب ترجيح القياس عليه بدليل الظاهر من الكتاب والسنة المتواترة # فإن جميع ذلك متطرق إليه وهو مقدم على القياس # قولهم إن القياس يجوز تخصيص عموم الكتاب به قلنا وكذلك خبر الواحد فلا ~~ترجيح من هذه الجهة # كيف وإنه لا يلزم من تخصيص الكتاب بالقياس مع أنه غير معطل للكتاب أن ~~يكون معطلا لخبر الواحد بالكلية إذ الكلام مفروض فيما إذا تعارضا وتعذر ~~الجمع بينهما وقولهم إن الظن من القياس يحصل له من جهة نفسه بخلاف خبر ~~الواحد قلنا إلا أن تطرق الخطإ إليه أقرب من تطرقه إلى خبر الواحد لما سبق ~~تقريره # وقولهم إن الخبر يخرج عن كونه شرعيا بإكذاب المخبر لنفسه بخلاف القياس # قلنا وبتقدير الخطإ في القياس يخرج عن كونه قياسيا شرعيا فاستويا # كيف وإن الترجيح للخبر من جهات أخرى غير ما ذكرناها أولا وهو أنه مستند ~~إلى كلام المعصوم بخلاف القياس فإنه مستند إلى اجتهاد المجتهد وهو غير ~~معصوم # وأيضا فإن القياس مفتقر إلى جنس النص في إثبات حكم الأصل وفي كونه حجة ~~وخبر الواحد يصير قطعيا بما يعتضد به من جنسه حتى يصير PageV02P135 متواترا # ولا كذلك القياس فإنه لا ينتهي إلى القطع بما يعتضد به من جنس الأقيسة ~~أصلا فكان أولى # هذا كله فيما إذا تعارضا وتعذر الجمع بينهما # وأما إن كان أحدهما أعم من الآخر فإن كان الخبر هو الأعم جاز أن يكون ~~القياس مخصصا له على ما سيأتي في تخصيص العموم # وإن كان القياس أعم من خبر الواحد فإن قلنا إن العلة لا تبطل بتقدير ~~تخصيصها وجب العمل بخبر الواحد فيما دل عليه وبالقياس فيما عدا ذلك جمعا ~~بينهما # وإن قلنا ms318 بأن العلة تبطل بتقدير تخصيصها فالحكم فيها على ما عرف فيما إذا ~~تعذر الجمع بين القياس وخبر الواحد # # | المسألة العاشرة # اختلفوا في قبول الخبر المرسل وصورته ما إذا قال من لم يلق النبي صلى ~~الله عليه وسلم وكان عدلا قال رسول الله فقبله أبو حنيفة ومالك وأحمد بن ~~حنبل في أشهر الروايتين عنه وجماهير المعتزلة كأبي هاشم # وفصل عيسى بن أبان فقبل مراسيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن هو ~~من أئمة النقل مطلقا دون من عدا هؤلاء # وأما الشافعي رضي الله عنه فإنه قال إن كان المرسل من مراسيل الصحابة أو ~~مرسلا قد أسنده غير مرسله أو أرسله راو آخر يروي عن غير شيوخ الأول أو عضده ~~قول صحابي أو قول أكثر أهل العلم أو أن يكون المرسل قد عرف من حاله أنه لا ~~يرسل عمن فيه علة من جهالة أو غيرها كمراسيل ابن المسيب فهو مقبول وإلا فلا # ووافقه على ذلك أكثر أصحابه والقاضي أبو بكر وجماعة من الفقهاء # والمختار قبول مراسيل العدل مطلقا # ودليله الإجماع والمعقول PageV02P136 أما الإجماع فهو أن الصحابة ~~والتابعين أجمعوا على قبول المراسيل من العدل أما الصحابة فإنهم قبلوا ~~أخبار عبد الله بن عباس مع كثرة روايته # وقد قيل إنه لم يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم # سوى أربعة أحاديث لصغر سنه # ولما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما الربا في النسيئة وأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى حجر العقبة # قال في الخبر الأول لما روجع فيه أخبرني به أسامة بن زيد # وقال في الخبر الثاني أخبرني به أخي الفضل بن عباس # وأيضا ما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من صلى على ~~جنازة فله قيراط وأسنده بعد ذلك إلى أبي هريرة # وأيضا ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أصبح ~~جنبا في رمضان فلا صوم له وقال ما أنا قلته ورب الكعبة ولكن محمد ms319 قاله فلما ~~روجع فيه قال حدثني به الفضل بن عباس # وأيضا ما روي عن البراء بن عازب أنه قال ما كل ما نحدثكم به سمعناه من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن سمعنا بعضه وحدثنا أصحابنا ببعضه # وأما التابعون فقد كان من عادتهم إرسال الأخبار # ويدل على ذلك ما روي عن الأعمش أنه قال قلت لإبراهيم النخعي إذا حدثتني ~~فأسند # فقال إذا قلت لك حدثني فلان عن عبد الله فهو الذي حدثني وإذا قلت لك ~~حدثني عبد الله فقد حدثني جماعة عنه PageV02P137 وأيضا ما روي عن الحسن أنه ~~روى حديثا فلما روجع فيه قال أخبرني به سبعون بدريا ويدل على ذلك ما اشتهر ~~من إرسال ابن المسيب والشعبي وغيرهما # ولم يزل ذلك مشهورا فيما بين الصحابة والتابعين من غير نكير # فكان إجماعا # وأما المعقول فهو أن العدل الثقة إذا قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كذا مظهرا للجزم بذلك فالظاهر من حاله أنه لا يستجيز ذلك إلا وهو عالم ~~أو ظان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك # فإنه لو كان ظانا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله أو كان شاكا فيه ~~لما استجاز في دينه النقل الجازم عنه لما فيه من الكذب والتدليس على ~~المستمعين # وذلك يستلزم تعديل من روى عنه # وإلا لما كان عالما ولا ظانا بصدقه في خبره # فإن قيل لا نسلم الإجماع ودليله من جهة الإجمال والتفصيل أما الإجمال فهو ~~أن المسألة اجتهادية والإجماع قاطع فلا يساعد في مسائل الاجتهاد # وأما من جهة التفصيل فهو أن غاية ما ذكر مصير بعض الصحابة أو التابعين ~~إلى الإرسال وليس في ذلك ما يدل على إجماع الكل # قولكم لم ينكر ذلك منكر لا نسلم ذلك # ولهذا باحثوا ابن عباس وابن عمر وأبا هريرة في ذلك حتى أسند كل واحد ما ~~أخبر به # وقال ابن سيرين لا نأخذ بمراسيل الحسن وأبي العالية # وإن سلمنا عدم النكير فغايته أنهم سكتوا # والسكوت لا يدل على الموافقة ms320 لما سبق تقريره في مسائل الإجماع # سلمنا الموافقة غير أن الإرسال المحتج بوقوعه إنما وقع من الصحابة ~~والتابعين # ونحن نقول بذلك لأن الصحابي والتابعي إنما يروي عن الصحابي والصحابة عدول ~~على ما سبق تحقيقه # وأما ما ذكرتموه من المعقول فلا نسلم أن قول الراوي قال رسول الله تعديل ~~للمروي عنه وذلك لأنه قد يروي الشخص عمن لو سئل عنه PageV02P138 لجرحه أو ~~توقف فيه فالراوي ساكت عن التعديل والجرح والسكوت عن الجرح لا يكون تعديلا ~~وإلا كان السكوت عن التعديل جرحا # ولهذا فإن شاهد الفرع لو أرسل شهادة الاصل فإنه لا يكون تعديلا لشاهد ~~الأصل لما ذكرناه # قولكم لو لم يكن ظانا لعدالة المروي عنه أو عالما بها لما جاز له أن يجزم ~~بالرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم قلنا قد بينا إمكان الرواية عن ~~الكاذب والجزم بالرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم مع تجويز كذب الراوي ~~وذلك قادح في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم # وإذا تعذر الجزم فليس حمل قوله ( قال ) على معنى ( أظن أنه قال ) أولى من ~~حمله على ( أني سمعت أنه قال ) ولو حمل على ( أني سمعت أنه قال ) لم يكن ~~ذلك تعديلا وعلى هذا فلا يكون بروايته مدلسا ولا ملبسا # سلمنا أن الإرسال تعديل للمروي عنه ولكن لا نسلم أن مطلق التعديل مع قطع ~~النظر عن ذكر أسباب العدالة كاف في التعديل كما سبق # سلمنا أن مطلق التعديل كاف لكن إذا عين المروي عنه ولم يعرف بفسق # وأما إذا لم يعينه فلعله اعتقده عدلا في نظره ولو عينه لعرفنا فيه فسقا ~~لم يطلع المعدل عليه # ولهذا لم يقبل تعديل شاهد الفرع لشاهد الأصل مع عدم تعيينه # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على التعديل لكنه معارض بما يدل على عدم التعديل ~~وبيانه من ستة أوجه # الأول أن الجهالة بعين الراوي آكد من الجهل بصفته وذلك لأن من جهلت ذاته ~~فقد جهلت صفته ولا كذلك بالعكس # ولو كان معلوم العين مجهول الصفة لم يكن خبره مقبولا ms321 فإذا كان مجهول ~~العين والصفة أولى أن لا يكون خبره مقبولا # الثاني أن من شرط قبول الرواية المعرفة بعدالة الراوي والمرسل لا يعرف ~~عدالة الراوي له فلا يكون خبره مقبولا لفوات الشرط PageV02P139 # الثالث هو أن الخبر كالشهادة في اعتبار العدالة # وقد ثبت أن الإرسال في الشهادة مانع من قبولها فكذلك الخبر # الرابع أنه لو جاز العمل بالمراسيل لم يكن لذكر أسماء الرواة والبحث عن ~~عدالتهم معنى # الخامس أنه لو وجب العمل بالمراسيل لزم في عصرنا هذا أن يعمل بقول ~~الإنسان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وإن لم يذكر الرواة وهو ~~ممتنع # السادس أن الخبر خبران تواتر وآحاد # ولو قال الراوي أخبرني من لا أحصيهم عددا لا يقبل قوله في التواتر # فكذلك في الآحاد # والجواب قولهم الإجماع لا يساعد في مسائل الاجتهاد قلنا الذي لا يساعد ~~إنما هو الإجماع القاطع في متنه وسنده وما ذكرناه من الإجماع السكوتي فظني ~~فلا يمتنع التمسك به في مسائل الاجتهاد كالظاهر من الكتاب والسنة # قولهم لا نسلم عدم الإنكار قلنا الأصل عدمه # قولهم إنهم باحثوا ابن عباس وابن عمر وأبا هريرة قلنا المراجعة في ذلك لا ~~تدل على إنكار الإرسال بل غايته طلب زيادة علم لم تكن حاصلة بالإرسال وقول ~~ابن سيرين ليس إنكارا للإرسال مطلقا بل إرسال الحسن وأبي العالية لا غير ~~لظنه أنهما لم يلتزما في ذلك تعديل المروي عنه # ولهذا قال فإنهما لا يباليان عمن أخذا الحديث منه لا على الإرسال # قولهم السكوت لا يدل على الموافقة قلنا وإن لم يدل عليها قطعا فهو دليل ~~عليها ظنا كما سبق تقريره في الإجماع # قولهم نحن لا ننكر أن إرسال الصحابة والتابعين حجة قلنا إنما يصح ذلك أن ~~لو كانوا لا يروون إلا عن الصحابي العدل وليس كذلك # ولهذا قال الزهري بعد الإرسال حدثني به رجل على باب عبد الملك # وقال عروة بن PageV02P140 الزبير فيما أرسله حدثني به بعض الحرسية # قولهم لا نسلم أن قول الراوي قال رسول الله تعديل للمروي ms322 عنه قلنا دليله ~~ما سبق # قولهم إن الراوي قد يروي عمن لو سئل عنه لجرحه أو عدله قلنا ذلك إنما ~~يكون فيما إذا كان قد عين الراوي ووكل النظر فيه إلى المجتهدين ولم يجزم ~~بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا بل غايته أنه قال قال فلان إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال كذا وأما إذا لم يعين فالظاهر أنه لا يجزم بقوله ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد علم أو ظن عدالة الراوي على ما سبق # وأما إرسال الشهادة فلا يلزم من عدم قبولها عدم قبول الإرسال في الرواية ~~لأن الشهادة قد اعتبر فيها من الاحتياط ما لم يعتبر في الرواية كما سبق ~~تقريره # قولهم إن الجزم مع تجويز كذب من روي عنه كذب قلنا إنما يكون كذبا إن لو ~~ظن أو علم أنه كاذب # وأما إذا قال ذلك مع ظن الصدق فلا يكون كاذبا وإن احتمل في نفس الأمر أن ~~يكون المروي عنه كاذبا كما لو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ~~العنعنة # قولهم سلمنا أن الإرسال من الراوي تعديل للمروي عنه لكنه تعديل مطلق فلا ~~يكون حجة موجبة للعمل به على الغير قلنا قد بينا أن التعديل المطلق دون ~~تعيين سببه كاف فيما تقدم # قولهم لعله اعتقده عدلا ولو عينه لعرفنا فيه فسقا لم يعرفه المعدل قلنا ~~وإن كان ذلك محتملا غير أن الظاهر عدمه ولا سيما مع تعديل العدل العالم ~~بأحوال الجرح والتعديل وعدم الظفر بما يوجب الجرح # وأما اعتبار الرواية بالشهادة فقد عرف وجه الفارق فيهما PageV02P141 # وما ذكروه من المعارضة الأولى فإنما يصح أن لو كان يلزم من الجهل بعين ~~الراوي الجهل بصفته مطلقا وليس كذلك مما بيناه من أن الإرسال يدل على ~~تعديله من جهة الجملة وإن جهلت عينه وبهذا يبطل ما ذكروه من المعارضة ~~الثانية # وأما المعارضة الثالثة فقد عرف جوابها بالفرق بين الرواية والشهادة # وأما المعارضة الرابعة فجوابها ببيان فائدة ذكر الراوي وذلك من وجهين ms323 ~~الأول أن الراوي قد يشتبه عليه حال المروي عنه فيعينه ليكل النظر في أمره ~~إلى المجتهد بخلاف ما إذا أرسل # الثاني أنه إذا عين الراوي فالظن الحاصل للمجتهد بفحصه بنفسه عن حاله ~~يكون أقوى من الظن الحاصل له بفحص غيره # وأما المعارضة الخامسة فمندفعة أيضا فإنه مهما كان المرسل للخبر في ~~زماننا عدلا ولم يكذبه الحفاظ فهو حجة # وأما المعارضة السادسة فإنما لم يصر الخبر بقول الواحد متواترا لأن ~~المتواتر يشترط فيه استواء طرفيه ووسطه والواحد ليس كذلك فلا يحصل بخبره ~~التواتر # وإذا عرف أن المرسل مقبول من العدل فمن لم يقل به كالشافعي فقد قيل إنه ~~لا معنى لقوله إنه يكون مقبولا إذا أسنده غير المرسل أو أسنده المرسل مرة ~~لأن الاعتماد في ذلك إنما هو على الإسناد لا على الإرسال ولا معنى لقوله ~~إنه يكون مقبولا إذا أرسله اثنان وكانت مشايخهما مختلفة لأن ضم الباطل إلى ~~الباطل غير موجب للقبول وليس بحق لأن الظن الحاصل بصدق الراوي من الإرسال ~~مع هذه الأمور أقوى منه عند عدمها PageV02P142 وعلى هذا فلا يلزم من عدم ~~الاحتجاج بأضعف الظنين عدم الاحتجاج بأقواهما # وإذا عرف الخبر المقبول وغير المقبول فإذا تعارض خبران مقبولان فالعمل ~~بأحدهما متوقف على الترجيح وسيأتي في قاعدة الترجيحات بأقصى الممكن إن شاء ~~الله تعالى PageV02P143 PageV02P144 # | النوع الثاني فيما يتعلق بالنظر في المتن # وفيه بابان أولهما فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والإجماع # وثانيهما فيما يشترك فيه الكتاب والسنة دون ما عداهما من الأدلة # # | الباب الأول فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والإجماع # وكل واحد من هذه الأصول الثلاثة إما أن يدل على المطلوب بمنظومه أو لا ~~بمنظومه # فلنفرض في كل واحد منها قسما PageV02P145 PageV02P146 # | القسم الأول في دلالات المنظوم وهي تسعة أصناف الصنف الأول في الأمر ~~وفيه أربعة أبحاث # أولها فيما يدل اسم الأمر عليه حقيقة # وثانيها في حد الأمر الحقيقي # وثالثها في صيغة الأمر الدالة عليه # ورابعها في مقتضاه # # | البحث الأول فيما يطلق عليه اسم الأمر حقيقة # فنقول اتفق الأصوليون على أن ms324 اسم الأمر حقيقة في القول المخصوص وهو قسم ~~من أقسام الكلام # ولذلك قسمت العرب الكلام إلى أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ووعيد ونداء # وسواء قلنا إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس أو العبارة الدالة بالوضع ~~والاصطلاح على اختلاف المذاهب والكلام القديم النفساني عندنا وإن كان صفة ~~واحدة لا تعدد فيه في ذاته غير أنه يسمى أمرا ونهيا وخبرا إلى غير ذلك من ~~أقسام الكلام بسبب اختلاف تعلقاته ومتعلقاته كما سبق تقريره في أبكار ~~الأفكار فلا يمتنع أن يكون الأمر قسما من أقسامه بهذا التفسير # وإنما وقع الخلاف بينهم في إطلاق اسم الأمر على الفعل هل هو حقيقة أو لا ~~والأكثرون على أنه مجاز # واختيار أبي الحسين البصري أنه PageV02P147 مشترك بين الشيء والصفة وبين ~~جملة الشأن والطرائق ووافق على أنه ليس حقيقة في نفس الفعل من حيث هو فعل ~~بل من حيث هو شيء # وها نحن نذكر حجج كل فريق وننبه على ما فيها ونذكر بعد ذلك ما هو المختار # أما حجة أبي الحسين البصري على ما ذهب إليه أن الإنسان إذا قال هذا أمر ~~لم يدر السامع مراده من قوله إلا بقرينة وهو غير صحيح لكونه مصادرا بدعوى ~~التردد في إطلاق اسم الأمر # ولا يخفى ظهور المنع من مدعي الحقيقة في القول المخصوص وأنه مهما أطلق ~~اسم الأمر عنده كان المتبادر إلى فهمه القول المخصوص وأنه لا ينصرف إلى ~~غيره إلا بقرينة ولا يخفى امتناع تقرير التردد مع هذا المنع # وأما حجج القائلين بكونه مجازا في الفعل فكثيرة # الأولى منها أنه لو كان حقيقة في الفعل مع كونه حقيقة في القول لزم منه ~~الاشتراك في اللفظ وهو خلاف الأصل لكونه مخلا بالتفاهم لاحتياجه في فهم ~~المدلول المعين منه إلى قرينة # وعلى تقدير خفائها لا يحصل المقصود من الكلام # الثاني أنه لو كان حقيقة في الفعل لاطرد في كل فعل إذ هو لازم الحقيقة # ولهذا فإنه لما كان إطلاق اسم العالم على من قام به العلم حقيقة اطرد في ~~كل من ms325 قام به العلم ولما كان قوله @QB@ واسأل القرية @QE@ 12 يوسف 82 ) ~~مجازا عن أهلها لما بينهما من المجاورة لم يصح التجوز بلفظ السؤال للبساط ~~والكوز عن صاحبه وإن كانت الملازمة بينهما أشد وهو غير مطرد إذ لا يقال ~~للأكل والشرب أمر # الثالثة أنه لو كان حقيقة في الفعل لاشتق لمن قام به منه اسم الأمر كما ~~في القول المخصوص إذ هو الأصل إلا أن يمنع مانع من جهة أهل اللغة كما ~~اشتقوا اسم القارورة للزجاجة المخصوصة من قرار المائع فيها ومنعوا من ذلك ~~في الجرة والكوز ولم يرد مثله فيما نحن فيه PageV02P148 الرابعة أن جمع ~~الأمر الحقيقي في القول المخصوص بأوامر وهو لازم له لنفس الأمر لا للمسمى ~~وهو غير متحقق في الفعل بل إن جمع فإنما يجمع بأمور # الخامسة أن الأمر الحقيقي له متعلق وهو المأمور وهو غير متحقق في الفعل ~~فإنه وإن سمي أمرا فلا يقال له مأمور # ويلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم # السادسة أن من لوازم الأمر الحقيقي وصفه بكونه مطاعا أو مخالفا ولا كذلك ~~الفعل # وفي هذه الحجج نظر أما الأولى فلقائل أن يقول لا نسلم أنه يلزم من كونه ~~حقيقة في الفعل أن يكون مشتركا إذا أمكن أن يكون حقيقة فيهما باعتبار معنى ~~مشترك بين القول المخصوص والفعل فيكون متواطئا # فإن قيل الأصل عدم ذلك المسمى المشترك فلاتواطؤ قيل لا خفاء باشتراكهما ~~في صفات وافتراقهما في صفات فأمكن أن يكون بعض الصفات المشتركة هو المسمى ~~كيف وإن الأصل أن لا يكون اللفظ مشتركا ولا مجازا لما فيه من الافتقار إلى ~~القرينة المخلة بالتفاهم # وليس أحد الأمرين أولى من الآخر # فإن قيل ما وقع به الاشتراك لا يخرج عن الموجود والصفة والشيئية وغير ذلك ~~وأي أمر قدر الاشتراك فيه فهو متحقق في النهي وسائر أقسام الكلام ولا يسمى ~~أمرا # والقول بأنه متواطىء ممتنع # كيف وإن القائل قائلان قائل إنه مشترك وقائل إنه مجاز في الفعل # فإحداث قول ثالث يكون خرقا للإجماع وهو ممتنع # قلنا أما ms326 الأول فغير صحيح وذلك أن مسمى اسم الأمر إنما هو الشأن والصفة ~~وكل ما صدق عليه ذلك كان نهيا أو غيره فإنه يسمى أمرا حقيقة # وعلى هذا فقد اندفع ما ذكروه من خرق الإجماع فإن ما ذكرناه من جعل الشأن ~~PageV02P149 والصفة مدلولا لاسم الأمر فمن جملة ما قيل وإن سلمنا أن ذلك ~~يفضي إلى الاشتراك ولكن لم قيل بامتناعه # والقول بأنه مجاز مخل بالتفاهم لافتقاره إلى القرينة وإنما يصح أن لو لم ~~يكن اللفظ المشترك عند إطلاقه محمولا على جميع محامله وليس كذلك على ما ~~سيأتي تقديره في مذهب الشافعي والقاضي أبي بكر سلمنا أنه خلاف الأصل غير أن ~~التجوز أيضا خلاف الأصل وليس أحد الأمرين أولى من الآخر # فإن قيل إلا أن محذور الاشتراك أعظم من محذور التجوز فكان المجاز أولى ~~وبيانه من جهة الإجمال والتفصيل أما الإجمال فهو أن المجاز أغلب في لغة ~~العرب من الاشتراك ولولا أنه أوفى بتحصيل مقصود الوضع لما كان كذلك وأما ~~التفصيل فمن وجهين الأول أن المحذور اللازم من الاشتراك بافتقاره إلى ~~القرينة لازم له أبدا بخلاف المجاز فإن المحذور إنما يلزمه بتقدير إرادة ~~جهة المجاز وهو احتمال نادر إذ الغالب إنما هو إرادة جهة الحقيقة # الثاني أن المحذور لازم في المشترك في كل محمل من محامله لافتقاره إلى ~~القرينة في كل واحد منها بخلاف المجاز فإنه إنما يفتقر إلى القرينة بتقدير ~~إرادة جهة المجاز لا بتقدير إرادة جهة الحقيقة # قيل هذا معارض من عشرة أوجه الأول أن المشترك لكونه حقيقة في كل واحد من ~~مسمياته مما يطرد بخلاف المجاز كما سبق وما يطرد أولى لقلة اضطرابه # الثاني أنه يصح منه الاشتقاق لكونه حقيقة بخلاف المجاز فكان أوسع في ~~اللغة وأكثر فائدة PageV02P150 # الثالث أنه لكونه حقيقيا مما يصح التجوز به في غير محله الحقيقي بخلاف ~~المجاز فكان أولى لكثرة فائدته # الرابع أنه وإن افتقر إلى قرينة لكن يكفي أن يكون أدنى ما يغلب على الظن ~~بخلاف المجاز لافتقاره إلى قرينة مغلبة على الظن ms327 وأن تكون راجحة على جهة ~~ظهور اللفظ في حقيقته فكان تمكن الخلل منه لذلك أكثر # الخامس أن المجاز لا بد فيه من علاقة بينه وبين محل الحقيقة تكون مصححة ~~للتجوز باللفظ على ما سلف بخلاف المشترك # السادس أن المجاز لا يتم فهمه دون فهم محل الحقيقة ضرورة كونه مستعارا ~~منه # وفهم كل واحد من مدلولات اللفظ المشترك غير متوقف على فهم غيره فكان أولى # السابع أن المجاز متوقف على تصرف من قبلنا في تحقيق العلاقة التي هي شرط ~~في التجوز وربما وقع الخطأ فيه بخلاف اللفظ المشترك # الثامن أنه يلزم من العمل باللفظ في جهة المجاز مخالفة الظهور في جهة ~~الحقيقة بخلاف اللفظ المشترك إذ لا يلزم من العمل به في أحد مدلوليه مخالفة ~~ظاهر أصلا # التاسع أن المجاز تابع للحقيقة ولا عكس فكان المشترك أولى # العاشر أن السامع للمجاز بتقدير عدم معرفته بالقرينة الصارفة إلى المجاز ~~إذا كان هو مراد المتكلم فقد يبادر إلى العمل بالحقيقة ويلزم منه ترك ~~المراد وفعل ما ليس بمراد بخلاف المشترك فإنه بتقدير عدم ظهور القرينة ~~مطلقا لا يفعل شيئا فلا يلزم سوى عدم المقصود # فإن قيل إلا أن المجاز يتعلق به فوائد فإنه ربما كان أبلغ وأوجز وأوقف في ~~بديع الكلام ونظمه ونثره للسجع والمطابقة والمجانسة واتحاد الروي في الشعر ~~إلى غير ذلك # قلنا ومثل هذا الاحتمال أيضا منقدح في اللفظ المشترك مع كونه PageV02P151 ~~حقيقة فكان اللفظ المشترك أولى # وإن لم يكن أولى فلا أقل من المساواة وهي كافية في مقام المعارضة # وأما الحجة الثانية فلا نسلم امتناع إطلاق الأمر على الأكل والشرب وإن ~~سلم ذلك فعدم اطراده في كل وقت مما يمنع من كونه حقيقة في القول المخصوص ~~وهو غير مطرد في كل قول على ما لا يخفى # وإن كان لا يمنع من ذلك في القول فكذلك في الفعل # فإن قيل إنما يجب اطراد الاسم في المعنى الذي كان الاسم حقيقة فيه لا في ~~غيره والأمر إنما كان حقيقة في القول المخصوص ms328 لا في مطلق قول وذلك مطرد في ~~ذلك القول فمثله لازم في الأفعال إذ للخصم أن يقول إنما هو حقيقة في بعض ~~الأفعال لا في كل فعل # أما الحجة الثالثة أنه لو كان الأصل في الحقائق الاشتقاق لكان المنع من ~~اشتقاق اسم القارورة للجرة والكوز من قرار المائع فيها على خلاف الأصل # فإن قيل ولو لم يكن على وفق الأصل لكان الاشتقاق في صور الاشتقاق على ~~خلاف الأصل والمحذور اللازم منه أكثر لأن صور الاشتقاق أغلب وأكثر من صور ~~عدم الاشتقاق # قيل لا يلزم من عدم الأصالة في الاشتقاق أن يكون الاشتقاق على خلاف الأصل ~~لجواز أن يكون الاشتقاق وعدمه لا على وفق أصل فيقتضيه بل هما تابعان للنقل ~~والوضع # كيف وإنه إذا جاز أن يكون الاشتقاق من توابع الحقيقة جاز أن يكون من ~~توابع بعض المسميات وليس أحد الأمرين أولى من الآخر # وعلى هذا فلا يلزم من الاشتقاق في بعض المسميات الاشتقاق في غيره لعدم ~~الاشتراك في ذلك المسمى # وبهذا يندفع ما ذكروه من الحجة الرابعة والخامسة والسادسة # كيف وقد قيل في الحجة الرابعة إن ( أوامر ) ليست جمع ( أمر ) بل جمع ( ~~أمره ) PageV02P152 وأما القائلون بكونه مشتركا بين القول المخصوص والفعل ~~فقد احتجوا بثلاث حجج # الأولى أن المسمى في نفسه مختلف وكما قد أطلق اسم الأمر على القول ~~المخصوص فقد أطلق على الفعل # والأصل في الإطلاق الحقيقة # ويدل على الإطلاق قول العرب أمر فلان بكذا مستقيم أي عمله # وإليه الإشارة بقوله تعالى @QB@ وما أمرنا إلا واحدة @QE@ 54 القمر 50 ) ~~أي فعلنا @QB@ وما أمر فرعون برشيد @QE@ 11 هود 97 ) # الحجة الثانية أن اسم الأمر في الفعل قد جمع بأمور والجمع علامة الحقيقة # والحجة الثالثة أنه لو كان اسم الأمر في الفعل مجازا لم يخل إما أن يكون ~~مجازا بالزيادة أو بالنقصان أو لمشابهته لمحل الحقيقة أو لمجاور له أو لأنه ~~كان عليه أو سيؤول إليه ولم يتحقق شيء من ذلك في الفعل # وإذا لم يكن مجازا كان حقيقة # وهذه الحجج ضعيفة ms329 أيضا # أما الحجة الأولى فلقائل أن يقول لا نسلم صحة إطلاق اسم الأمر على الفعل # وقولهم أمر فلان مستقيم ليس مسماه الفعل بل شأنه وصفته وهو المراد من ~~قوله تعالى @QB@ وما أمرنا إلا واحدة @QE@ 54 القمر 50 ) ومن قوله @QB@ وما ~~أمر فرعون برشيد @QE@ 11 هود 97 ) وأما الحجة الثانية فلا نسلم أن الجمع ~~دليل الحقيقة بدليل قولهم في جمع من سمي ( حمارا ) لبلادته ( حمر ) وهو ~~مجاز # وإن سلمنا بأن الجمع يدل على الحقيقة ولكن لا نسلم أن ( أمور ) جمع ( أمر ~~) بل الأمر والأمور كل واحد منهما يقع موقع الآخر وليس أحدهما جمعا للآخر # ولهذا يقال أمر فلان مستقيم فيفهم منه ما يفهم من قولهم أمور فلان ~~مستقيمة PageV02P153 # وأما الحجة الثالثة فهو أنه لا يلزم من كون الامر ليس مجازا في الفعل أن ~~يكون حقيقة فيه من حيث هو فعل وإنما هو حقيقة فيه من جهة ما اشتمل عليه من ~~معنى الشأن والصفة كما سبق # وعلى هذا فالمختار إنما هو كون الاسم اسم الأمر متواطئا في القول المخصوص ~~والفعل لا أنه مشترك ولا مجاز في أحدهما # # | البحث الثاني في حد الأمر # وقد اختلفت المعتزلة فيه بناء على إنكارهم لكلام النفس فذهب البلخي وأكثر ~~المعتزلة إلى أن الأمر هو قول القائل لمن دونه افعل أو ما يقوم مقامه # وأراد بقوله ( يقوم مقامه ) أي في الدلالة على مدلوله وقصد بذلك إدراج ~~صيغة الأمر من غير العربي في الحد # وهو فاسد من ثلاثة أوجه الأول أن مثل ذلك قد يوجد فيما ليس بأمر بالاتفاق ~~كالتهديد في قوله تعالى @QB@ اعملوا ما شئتم @QE@ 41 فصلت 40 ) والإباحة في ~~قوله @QB@ وإذا حللتم فاصطادوا @QE@ 5 المائدة 2 ) والإرشاد في قوله @QB@ ~~فاستشهدوا @QE@ 6 النساء 15 ) والامتنان كقوله @QB@ كلوا مما رزقكم الله ~~@QE@ 6 الأنعام 142 ) والإكرام كقوله @QB@ ادخلوها بسلام آمنين @QE@ 15 ~~الحجر 46 ) والتسخير والتعجيز إلى غير ذلك من المحامل التي يأتي ذكرها ~~PageV02P154 # الثاني أنه يلزم من ذلك أن تكون صيغة افعل الواردة من النبي صلى الله ~~عليه وسلم نحونا ms330 أمرا حقيقة لتحقق ما ذكروه من شروط الأمر فيها # ويلزم من ذلك أن يكون هو الآمر لنا بها ويخرج بذلك عن كونه رسولا لأنه لا ~~معنى للرسول غير المبلغ لكلام المرسل لا أن يكون هو الآمر والناهي كالسيد ~~إذا أمر عبده وسواء كانت صيغته مخلوقة له كما هو مذهبهم أو لله تعالى كما ~~هو مذهبنا # الثالث أنه قد يرد مثل هذه الصيغة من الأعلى نحو الأدنى ولا يكون أمرا ~~بأن يكون ذلك على سبيل التضرع والخضوع وقد يرد من الأدنى نحو الأعلى ويكون ~~أمرا إذا كانت على سبيل الاستعلاء لا على سبيل الخضوع والتذلل ولذلك يوصف ~~قائلها بالجهل والحمق بأمره لمن هو أعلى رتبة منه # ومنهم من قال الأمر صيغة افعل على تجردها من القرائن الصارفة لها عن جهة ~~الأمر إلى التهديد وما عداه من المحامل # وهو أيضا فاسد من حيث إنه أخذ الأمر في تعريف الأمر وتعريف الشيء بنفسه ~~محال # وإن اقتصروا في التحديد على القول بأن الأمر صيغة افعل المجردة عن ~~القرائن لا غير وزعموا أن صيغة افعل فيما ليس بأمر لا تكون مجردة عن ~~القرائن فليس ما ذكروه أولى من قول القائل التهديد عبارة عن صيغة افعل ~~المجردة عن القرائن إلا أن يدل عليه دليل من جهة السمع وهو غير متحقق # ومنهم من قال الأمر صيغة افعل بشرط إرادات ثلاث إرادة إحداث الصيغة ~~وإرادة الدلالة بها على الأمر وإرادة الامتثال فإرادة إحداث الصيغة احتراز ~~عن النائم إذا وجدت هذه الصيغة منه وإرادة الدلالة بها على الأمر احتراز ~~عما إذا أريد بها التهديد أو ما سواه من المحامل وإرادة الامتثال احتراز عن ~~الرسول الحاكي المبلغ فإنه وإن أراد إحداث الصيغة والدلالة بها على الأمر ~~فقد لا يريد بها الامتثال # وهو أيضا فاسد من وجهين الأول أنه أخذ الأمر في حد الأمر وتعريف الشيء ~~بنفسه محال ممتنع PageV02P155 # الثاني هو أن الأمر الذي هو مدلول الصيغة إما أن يكون هو الصيغة أو غير ~~الصيغة فإن كان هو نفس الصيغة كان ms331 الكلام متهافتا من حيث إن حاصله يرجع إلى ~~أن الصيغة دالة على الصيغة والدال غير المدلول # وإن كان هو غير الصيغة فيمتنع أن يكون الأمر هو الصيغة وقد قال بأن الأمر ~~هو صيغة افعل بشرط الدلالة على الأمر فإن الشرط غير المشروط # وإذا كان الأمر غير الصيغة فلا بد من تعريفه والكشف عنه إذ هو المقصود في ~~هذا المقام # ولما انحسمت عليهم طرق التعريف قال قائلون منهم الأمر هو إرادة الفعل وقد ~~احتج الأصحاب على إبطاله بأن السيد المعاتب من جهة السلطان على ضرب عبده ~~إذا اعتذر عن ذلك قصد إظهار أمره وأمره بين يدي السلطان قصدا لإظهار ~~مخالفته لبسط عذره والخلاص من عقاب السلطان له فإنه يعد آمرا والعبد مأمورا ~~ومطيعا بتقدير الامتثال وعاصيا بتقدير المخالفة مع علمنا بأنه لا يريد منه ~~الامتثال لما فيه من ظهور كذبه وتحقيق عقاب السلطان له والعاقل لا يقصد ذلك # غير أن مثل هذا لازم على أصحابنا إن كان صحيحا في تفسيرهم الأمر بطلب ~~الفعل من جهة أن السيد أيضا آمر في مثل هذه الصورة لعبده مع علمنا بأنه ~~يستحيل منه طلب الفعل من عبده لما فيه من تحقيق عقابه وكذبه والعاقل لا ~~يطلب ما فيه مضرته وإظهار كذبه # وعند ذلك فما هو جواب أصحابنا في تفسير الأمر بالطلب يكون جوابا للخصم في ~~تفسيره بالإرادة # وإن زعم بعض أصحابنا أن الأمر ليس هو الطلب بل الإخبار باستحقاق الثواب ~~على الفعل فيلزمه أن يكون الآمر لعبده مما يصح تصديقه وتكذيبه في أمره ~~لعبده ضرورة كون الأمر خبرا وهو ممتنع # كيف وإنه على خلاف تقسيم أهل اللغة الكلام إلى أمر وخبر # والحق في ذلك أن يقال # أجمع المسلمون من غير مخالفة من الخصوم على أن من علم الله تعالى أنه ~~يموت على كفره أنه مأمور بالإيمان PageV02P156 وليس الإيمان منه مراد الله ~~تعالى لأنه لا معنى لكونه مرادا لله تعالى سوى تعلق الإرادة به ولا معنى ~~لتعلق الإرادة بالفعل سوى تخصيصها له بحالة حدوثه فلا يعقل ms332 تعلقها به دون ~~تخصيصها له بحالة حدوثه وما لم يوجد لم تكن الإرادة مخصصة له بحالة حدوثه ~~فلا تكون متعلقة به # وليقنع بهذا هاهنا عما استقصيناه من الوجوه الكثيرة في علم الكلام # وأما أصحابنا فمنهم من قال الأمر عبارة عن الخبر على الثواب على الفعل ~~تارة والعقاب على الترك تارة وهو فاسد لما سبق من امتناع تصديق الآمر ~~وتكذيبه ولأنه يلزم منه لزوم الثواب على فعل ما أمر به والعقاب على تركه من ~~جهة الشارع حذرا من الخلف في خبر الصادق وليس كذلك بالإجماع # أما الثواب فلجواز إحباط العمل بالردة وأما العقاب فلجواز العفو والشفاعة # ويمكن أن يحترز عن هذا الإشكال بأن يقال هو الإخبار باستحقاق الثواب ~~والعقاب غير أنه يبقى عليه الإشكال الأول من غير دافع # ومنهم من قال وهم الأكثرون كالقاضي أبي بكر وإمام الحرمين والغزالي ~~وغيرهم الأمر هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به # فقولهم ( القول ) كالجنس للأمر وغيره من أقسام الكلام # وقولهم ( المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به ) للفصل بين الأمر وغيره ~~من أقسام الكلام ولفصل الأمر عن الدعاء والسؤال # ومنهم من زاد في الحد ( بنفسه ) احترازا عن الصيغة فإنها لا تقتضي الطاعة ~~بنفسها بل بالتوقيف والاصطلاح وعلى كل تقدير فهو باطل لما فيه من تعريف ~~الأمر بالمأمور والمأمور به وهما مشتقان من الأمر والمشتق من الشيء أخفى من ~~ذلك الشيء وتعريف الشيء بما لا يعرف إلا بعد معرفة ذلك الشيء محال # ومنهم من قال الأمر هو طلب الفعل على وجه يعد فاعله مطيعا # وهو أيضا باطل لما فيه من تعريف الأمر بالطاعة المتعلقة بالفعل والطاعة ~~المتعلقة PageV02P157 بالفعل لا تعرف إلا بموافقة الأمر وهو دور ممتنع # كيف وإن فعل الرب تعالى لما طلبه العبد منه بالسؤال يقال له باعتبار ~~موافقة طلب للعبد مطيعا بدليل قوله عليه السلام إن أطعت الله أطاعك أي إن ~~فعلت ما أراد فعل ما تريد # وليس طلب العبد من الله تعالى بجهة السؤال لله أمرا إذ الأمر لله قبيح ~~شرعا بخلاف ms333 السؤال # ويمكن الاحتراز عنه بما يعد فاعله مطيعا في العرف العام والباري تعالى ~~ليس كذلك # والأقرب في ذلك إنما هو القول الجاري على قاعدة الأصحاب وهو أن يقال ~~الأمر طلب الفعل على جهة الاستعلاء # فقولنا ( طلب الفعل ) احتراز عن النهي وغيره من أقسام الكلام وقولنا ( ~~على جهة الاستعلاء ) احتراز عن الطلب بجهة الدعاء والالتماس # فإن قيل قولكم ( الأمر هو طلب الفعل ) إن أردتم به الإرادة فهو مذهب ~~المعتزلة وليس مذهبا لكم وإن أردتم غيره فلا بد من تصويره وإلا كان فيه ~~تعريف الأمر بما هو أخفى من الأمر # قلنا إجماع العقلاء منعقد على أن الأمر قسم من أقسام الكلام وأنه واقع ~~موجود لا ريب فيه وقد بينا امتناع تفسيره بالصيغة والإرادة بما سبق فما ~~وراء ذلك هو المعني بالطلب والنزاع في تسميته بالطلب بعد الموافقة على ~~وجوده فآيل إلى خلاف لفظي # # | البحث الثالث في الصيغة الدالة على الأمر # وقد اختلف القائلون بكلام النفس هل للأمر صيغة تخصه وتدل عليه دون غيره ~~في اللغة أم لا فذهب الشيخ أبو الحسن رحمه الله ومن تابعه إلى النفي وذهب ~~من عداهم إلى الإثبات PageV02P158 # قال إمام الحرمين والغزالي والذي نراه أن هذه الترجمة عن الأشعري خطأ # فإن قول القائل لغيره أمرتك وأنت مأمور صيغة خاصة بالأمر من غير منازعة # وإنما الخلاف في أن صيغة افعل هل هي خاصة بالأمر أو لا لكونها مترددة في ~~اللغة بين محامل كثيرة يأتي ذكرها # واعلم أنه لا وجه لاستبعاد هذا الخلاف # وقول القائل أمرتك وأنت مأمور لا يرفع هذا الخلاف إذ الخلاف إنما هو في ~~صيغة الأمر الموضوعة للإنشاء وما مثل هذه الصيغ أمكن أن يقال إنها إخبارات ~~عن الأمر لا إنشاآت # وإن كان الظاهر صحة استعمالها للإنشاء فإنه لا مانع من استعمال صيغة ~~الخبر للإنشاء كما في قوله طلقت وبعت واشتريت ونحوه # وبيانه أنه إذا قال لزوجته ( طلقتك ) فإن الطلاق يقع عليه إجماعا ولو كان ~~إخبارا لكان إخبارا عن الماضي أو الحال لعدم صلاحية هذه الصيغة للاستقبال ms334 # ولو كان كذلك لم يخل إما أن يكون قد وجد منه الطلاق أو لم يوجد فإن كان ~~الاول امتنع تعليقه بالشرط في قوله إن دخلت الدار لأن تعليق وجود ما وجد ~~على وجود ما لم يوجد محال وإن كان الثاني وجب أن يعد كاذبا وأن لا يقع ~~الطلاق عليه وهو خلاف الإجماع # وإن قدر أنه إخبار عن المستقبل مع الإحالة فيجب أيضا أن لا يقع به الطلاق ~~كما لو صرح بذلك وقال لها ستصيرين طالقا في المستقبل فإنه لا يقع به الطلاق ~~مع أنه صريح إخبار عن وقوع الطلاق في المستقبل فما ليس بصريح أولى # وإذا بطل كونه إخبارا تعين أن يكون إنشاء إذ الإجماع منعقد على امتناع ~~الخلو منهما # فإذا بطل أحدهما تعين الآخر # # | البحث الرابع في مقتضى صيغة الأمر وفيه اثنتا عشرة مسألة # # | المسألة الأولى # فيما ذا صيغة الأمر حقيقة فيه إذا وردت مطلقة عرية عن القرائن ~~PageV02P159 وقد اتفق الأصوليون على إطلاقها بإزاء خمسة عشر اعتبار الوجوب ~~كقوله @QB@ أقم الصلاة @QE@ 31 لقمان 17 والندب كقوله @QB@ فكاتبوهم @QE@ ~~24 النور 33 والإرشاد كقوله تعالى @QB@ فاستشهدوا @QE@ 4 النساء 15 وهو ~~قريب من الندب لاشتراكهما في طلب تحصيل المصلحة غير أن الندب لمصلحة أخروية ~~والإرشاد لمصلحة دنيوية # والإباحة كقوله @QB@ فاصطادوا @QE@ 5 المائدة 2 والتأديب وهو داخل في ~~الندب كقوله كل مما يليك والامتنان كقوله @QB@ كلوا مما رزقكم الله @QE@ 6 ~~الأنعام 142 والإكرام كقوله @QB@ ادخلوها بسلام @QE@ 15 الحجر 46 والتهديد ~~كقوله @QB@ اعملوا ما شئتم @QE@ 41 فصلت 40 والإنذار كقوله @QB@ تمتعوا ~~@QE@ 14 إبراهيم 30 وهو في معنى التهديد # والتسخير كقوله @QB@ كونوا قردة خاسئين @QE@ 2 البقرة 65 والتعجيز كقوله ~~@QB@ كونوا حجارة @QE@ 17 الإسراء 50 والإهانة كقوله تعالى @QB@ ذق إنك أنت ~~العزيز @QE@ 44 الدخان 49 والتسوية كقوله @QB@ فاصبروا أو لا تصبروا @QE@ ~~PageV02P160 والدعاء كقوله @QB@ اغفر لي @QE@ 14 إبراهيم 41 والتمني كقول ~~الشاعر ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي وكمال القدرة كقوله @QB@ كن فيكون ~~@QE@ 16 النحل 40 # وقد اتفقوا على أنها مجاز فيما سوى الطلب والتهديد والإباحة غير ms335 أنهم ~~اختلفوا فمنهم من قال إنها مشتركة كاشتراك لفظ القرء بين الطلب للفعل وبين ~~للتهديد المستدعي لترك الفعل وبين الإباحة المخيرة بين الفعل والترك # ومنهم من قال إنها حقيقة في الإباحة مجاز فيما سواها ومنهم من قال إنها ~~حقيقة في الطلب ومجاز فيما سواه # وهذا هو الأصح وذلك لأنا إذا سمعنا أن أحدا قال لغيره افعل كذا وتجرد ذلك ~~عن جميع القرائن وفرضناه كذلك فإنه يسبق إلى الإفهام منه طلب الفعل ~~واقتضاؤه من غير توقف على أمر خارج دون التهديد المستدعي لترك الفعل ~~والإباحة المخيرة بين الفعل والترك # ولو كان مشتركا أو ظاهرا في الإباحة لما كان كذلك # وإذا كان الطلب هو السابق إلى الفهم عند عدم القرائن مطلقا دل ذلك على ~~كون صيغة ( افعل ) ظاهرة فيه # فإن قيل يحتمل أن يكون ذلك بناء عل عرف طارىء على الوضع اللغوي كما في ~~لفظ الغائط والدابة وإن سلم دلالة ما ذكرتموه على الظهور في الطلب غير أنه ~~معارض بما يدل على ظهوره في الإباحة لكونها أقل الدرجات فكانت مستيقنة ~~PageV02P161 # قلنا جواب الأول أن الأصل عدم العرف الطارىء وبقاء الوضع الأصلي بحاله # وجواب الثاني لا نسلم أن الإباحة متيقنة إذ هي مقابلة للطلب والتهديد ~~لكونها غير مستدعية للفعل ولا للترك والطلب مستدع للفعل والتهديد مستدع ~~لترك الفعل فلا تيقن لواحد منهما # # | المسألة الثانية # إذا ثبت أن صيغة افعل ظاهرة في الطلب فعله راجحا على تركه فإن كان ممتنع ~~الترك كان واجبا وإن لم يكن ممتنع الترك فإما أن يكون ترجحه لمصلحة أخروية ~~فهو المندوب وإما لمصلحة دنيوية فهو الإرشاد # وقد اختلف الأصوليون فمنهم من قال إنه مشترك بين الكل وهو مذهب الشيعة ~~ومنهم من قال إنه لا دلالة له على الوجوب والندب بخصوصه وإنما هو حقيقة في ~~القدر المشترك بينهما وهو ترجيح الفعل على الترك ومنهم من قال إنه حقيقة في ~~الوجوب مجاز فيما عداه وهذا هو مذهب الشافعي رضي الله عنه والفقهاء وجماعة ~~من المتكلمين كأبي الحسين البصري وهو قول الجباشي ms336 في أحد قوليه ومنهم من ~~قال إنه حقيقة من الندب وهو مذهب أبي هاشم وكثير من المتكلمين من المعتزلة ~~وغيرهم وجماعة من الفقهاء وهو أيضا منقول عن الشافعي رحمه الله تعالى ~~PageV02P162 # ومنهم من توقف وهو مذهب الأشعري رحمه الله ومن تابعه من أصحابه كالقاضي ~~أبي بكر والغزالي وغيرهما وهو الأصح # وذلك لأن وضعه مشتركا أو حقيقة في البعض مجازا في البعض إما أن يكون ~~مدركه عقليا أو نقليا الأول محال إذ العقول لا مدخل لها في المنقول لا ~~ضرورة ولا نظرا والثاني فإما أن يكون قطعيا أو ظنيا والقطعي غير متحقق فيما ~~نحن فيه والظني إنما ينفع أن لو كان إثبات مثل هذه المسألة مما يقنع فيه ~~بالظن وهو غير مسلم فلم يبق غير التوقف # فإن قيل ما ذكرتموه مبني على أن مدار مثل هذه المسألة على القطع وهو غير ~~مسلم ولا في شيء من اللغات وإن سلمنا ذلك لكن ما المانع أن يكون المدرك لا ~~عقليا محضا ولا نقليا محضا بل هو مركب منهما كما يأتي تحقيقه وإن سلمنا ~~الحصر فيما ذكرتموه غير أنه لازم عليكم في القول بالوقف أيضا فإن العقل لا ~~يقتضيه والنقل القطعي غير متحقق فيه والظن إنما يكتفى به أن لو كانت ~~المسألة ظنية فما هو جوابكم عنه في القول بالوقف يكون جوابا لخصومكم فيما ~~ذهبوا إليه على اختلاف مذاهبهم # قلت أما إنكار القطع في اللغات على الإطلاق فمما يفضي إلى إنكار القطع في ~~جميع الأحكام الشرعية لأن مبناها على الخطاب بالألفاظ اللغوية ومعقولها ~~وذلك كفر صراح والقول بأن ما ذكرتموه مبني على أن مدار ما نحن فيه على ~~القطع # قلنا نحن في هذه المسألة غير متعرضين لنفي ولا إثبات بل نحن متوقفون فمن ~~رام إثبات اللغة فيما نحن فيه بطريق ظني أمكن أن يقال له متى يكتفى بذلك ~~فيما نحن فيه أإذا كان شرط إثباته القطع أم لا ولا بد عند توجه التقسيم من ~~تنزيل الكلام على الممنوع أو المسلم وكل واحد منهما متعذر ms337 لما سبق ~~PageV02P163 قولهم ما المانع من كونه مركبا من العقل والنقل قلنا لأن ما ~~ذكرناه من التقسيم في النقلي ثابت هاهنا كان مستقلا أو غير مستقل والقطع لا ~~سبيل إليه وإن كان ظنيا فالمركب منه ومن العقلي يكون ظنيا سواء كان العقلي ~~ظنيا أو قطعيا # قولهم ما ذكرتموه لازم عليكم في الوقف قلنا ليس كذلك لأن الواقف غير حاكم ~~بل هو ساكت عن الحكم والساكت عن الحكم لا يفتقر إلى دليل فلا يكون ما ذكروه ~~لازما علينا # | شبه القائلين بالوجوب # وقد ذكر أبو الحسين البصري في ذلك ما يناهز ثلاثين شبهة دائرة بين غث ~~وثمين وها نحن نلخص حاصلها ونأتي على المعتمد من جملتها مع حذف الزيادات ~~العرية عن الفائدة ونشير إلى جهة الانفصال عنها ثم نذكر بعد ذلك شبه ~~القائلين بالندب وطرق تخريجها إن شاء الله تعالى # فإما شبه القائلين بالوجوب فشرعية ولغوية وعقلية # أما الشرعية فمنها ما يرجع إلى الكتاب ومنها ما يرجع إلى السنة ومنها ما ~~يرجع إلى الإجماع # أما الكتاب فقوله تعالى @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول @QE@ 24 النور ~~54 ثم هدد عليه بقوله @QB@ فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ~~@QE@ 24 النور 54 والتهديد على المخالفة دليل الوجوب PageV02P164 # وأيضا قوله تعالى @QB@ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو ~~يصيبهم عذاب أليم @QE@ 24 النور 63 ووجه الاستدلال به ما سبق في الآية التي ~~قبلها # وأيضا قوله تعالى لإبليس @QB@ ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك @QE@ 7 الأعراف ~~12 أو رد ذلك في معرض الذم بالمخالفة لا في معرض الاستفهام اتفاقا وهو دليل ~~الوجوب # وأيضا قوله تعالى @QB@ وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون @QE@ 77 المرسلات ~~48 ذمهم على المخالفة وهو دليل الوجوب وأيضا قوله تعالى @QB@ وما كان لمؤمن ~~ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم @QE@ 33 ~~الأحزاب 36 والمراد من قوله ( قضى ) أي ألزم ومن قوله ( أمرا ) أي مأمورا ~~وما لا خيرة فيه من المأمورات لا يكون إلا واجبا ms338 # وأيضا قوله تعالى @QB@ أفعصيت أمري @QE@ 220 طه 93 وقوله @QB@ لا يعصون ~~الله ما أمرهم @QE@ 66 التحريم 6 وقوله @QB@ ولا أعصي لك أمرا @QE@ 18 ~~الكهف 69 وصف مخالف الأمر بالعصيان وهو اسم ذم وذلك لا يكون في غير الوجوب # وأيضا قوله تعالى @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت @QE@ 4 النساء 65 أي أمرت ولولا أن الأمر ~~للوجوب لما كان كذلك # وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم لبريرة وقد عتقت تحت عبد وكرمته ~~PageV02P165 لو راجعتيه فقالت بأمرك يا رسول الله فقال لا إنما أنا شافع ~~فقالت لا حاجة لي فيه فقد عقلت أنه لو كان أمرا لكان واجبا والنبي صلى الله ~~عليه وسلم قررها عليه # وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند ~~كل صلاة وهو دليل الوجوب وإلا فلو كان الأمر للندب فالسواك مندوب # وأيضا قوله لأبي سعيد الخدري حيث لم يجب دعاءه وهو في الصلاة أما سمعت ~~الله تعالى يقول @QB@ استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم @QE@ 8 ~~الأنفال 24 وبخه على مخالفة أمره وهو دليل الوجوب وأيضا فإنه لما سأله ~~الأقرع بن حابس أحجنا هذا لعامنا أم للأبد قال صلى الله عليه وسلم بل للأبد ~~ولو قلت نعم لوجب # وذلك دليل على أن أوامره للوجوب # وأما الإجماع فهو أن الأمة في كل عصر لم تزل راجعة في إيجاب العبادات إلى ~~الأوامر من قوله تعالى @QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ 2 البقرة 43 ~~إلى غير ذلك من غير توقف # وما كانوا يعدلون إلى غير الوجوب إلا لمعارض # وأيضا فإن أبا بكر رضي الله عنه استدل على وجوب الزكاة على أهل الردة ~~بقوله @QB@ وآتوا الزكاة @QE@ 2 البقرة 43 ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ~~فكان ذلك إجماعا # وأما من جهة اللغة فمن وجوه PageV02P166 الأول وصف أهل اللغة من خالف ~~الأمر بكونه عاصيا ومنه قولهم أمرتك فعصيتني وقوله تعالى @QB@ أفعصيت أمري ~~@QE@ 20 طه 93 وقول ms339 الشاعر أمرتك أمرا حازما فعصيتني والعصيان اسم ذم وذلك ~~في غير الوجوب ممتنع # وأيضا فإن السيد إذا أمر عبده بأمر فخالفه حسن الحكم من أهل اللغة بذمه ~~واستحقاقه للعقاب ولولا أن الأمر للوجوب لما كان كذلك # وأما من جهة العقل فمن وجوه الأول أن الإيجاب من المهمات في مخاطبة أهل ~~اللغة فلو لم يكن الأمر للوجوب لخلا الوجوب عن لفظ يدل عليه وهو ممتنع مع ~~دعو الحاجة إليه # وأيضا فإنه قد ثبت أن الطلب لا يخرج عن الوجوب والندب ويمتنع أن يكون ~~حقيقة في الندب لا بجهة الاشتراك ولا التعيين ولا بطريق التخيير لأن حمل ~~الطلب على الندب معناه افعل إن شئت # وهذا الشرط غير مذكور في الطلب فيمتنع حمل الطلب عليه بوجه من هذه الوجوه # ويلزم من ذلك أن يكون حقيقة في الوجوب وأيضا فإن الأمر مقابل للنهي ~~والنهي يقتضي ترك الفعل والامتناع من الفعل جزما فالأمر يجب أن يكون مقتضيا ~~للفعل ومانعا من الترك جزما # وأيضا فإن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده والنهي عن أضداده مما يمنع من ~~فعلها وذلك غير متصور دون فعل المأمور به فكان واجبا # وأيضا فإن حمل الأمر على الوجوب أحوط للمكلف لأنه إن كان للوجوب فقد حصل ~~المقصود الراجح وأمنا من ضرر تركه # وإن كان للندب فحمله على الوجوب يكون أيضا نافعا غير مضر # ولو حملناه على الندب لم نأمن من الضرر بتقدير كونه واجبا لفوات المقصود ~~الراجح # وأيضا فإن المندوب داخل في الواجب من غير عكس فحمل الأمر على PageV02P167 ~~الوجوب لا يفوت معه المقصود من الندب بخلاف الحمل على الندب فكان حمله على ~~الوجوب أولى # وأيضا فإن الأمر موضوع لإفادة معنى وهو إيجاد الفعل فكان مانعا من نقيضه ~~كالخبر وأيضا فإن الأمر بالفعل يفيد رجحان وجود الفعل على عدمه وإلا كان ~~مرجوحا أو مساويا # ولو كان مرجوحا لما أمر به لما فيه من الإخلال بالمصلحة الزائدة في الترك ~~والتزام المفسدة الراجحة في الفعل وهو قبيح # ولو كان مساويا لم يكن الأمر ms340 به أولى من النهي عنه وذلك أيضا قبيح # وإذا كان راجحا فلو جاز تركه لزم منه الإخلال بأرجح المقصودين وهو قبيح ~~فلا يرد به الشرع فتعين الامتناع من الترك وهو معنى الوجوب # والجواب من جهة الإجمال والتفصيل # أما الإجمال فهو أن جميع ما ذكروه لا خروج له عن الظن وإنما يكون مفيدا ~~فيما يطلب فيه الظن فقط وهو غير مسلم فيما نحن فيه # وقوله صلى الله عليه وسلم نحن نحكم بالظاهر فظني والكلام في صحة الاحتجاج ~~به فيما نحن فيه فعلى ما تقدم # وأما من جهة التفصيل فإنا نخص كل شبهة بجواب # أما قوله تعالى @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول @QE@ 24 النور 54 فهو ~~أمر والخلاف في اقتضائه للوجوب بحاله وقوله @QB@ فإن تولوا فإنما عليه ما ~~حمل وعليكم ما حملتم @QE@ 24 النور 54 فإما أن لا يكون للتهديد بل للإخبار ~~بأن الرسول عليه ما حمل من التبليغ وعليكم ماحملتم من القبول وليس في ذلك ~~ما يدل على كون الأمر للوجوب وإن كان للتهديد فهو دليل على الوجوب فيما هدد ~~على تركه ومخالفته من الأوامر وليس فيه ما يدل على أن كل أمر مهدد بمخالفته ~~بدليل أمر الندب فإن المندوب PageV02P168 مأمور به على ما سيأتي وليس مهددا ~~على مخالفته # وإذا انقسم الأمر إلى مهدد عليه وغير مهدد وجب اعتقاد الوجوب فيما هدد ~~عليه دون غيره وبه يخرج الجواب عن كل صيغة أمر هدد على مخالفتها وحذر منها ~~ووصف مخالفها بكونه عاصيا وبه دفع أكثر ما ذكروه من الآيات # ويخص قوله تعالى @QB@ فليحذر الذين يخالفون عن أمره @QE@ 24 النور 63 ~~بأنه غير عام في كل أمر بصيغته # وإن قيل بالتعميم بالنظر إلى معقوله من جهة أنه مناسب رتب التحذير على ~~مخالفته فإنما يصح أن لو لم يتخلف الحكم عنه في أمر الندب وقد تخلف فلا ~~يكون حجة وأيضا فإن غايته أنه حذر من مخالفة أمره ومخالفة أمره أن لا يعتقد ~~موجبه وأن لا يفعل على ما هو عليه من إيجاب أو ندب ونحن ms341 نقول به وليس فيه ~~ما يدل على أن كل أمر للوجوب # ويخص قوله لإبليس @QB@ ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك @QE@ 7 الأعراف 12 بأنه ~~غير عام في كل أمر # ويخص قوله تعالى @QB@ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة @QE@ 33 الأحزاب 36 الآية ~~بأن المراد من قوله أن تكون لهم الخيرة من أمرهم أي في اعتقاد وجوب المأمور ~~به أو ندبه وفعله على ما هو عليه إن كان واجبا فواجب وإن كان ندبا فندب # ويخص قوله تعالى @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك @QE@ 4 النساء 65 ~~الآية بأنه لا حجة فيها # وقوله @QB@ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت @QE@ 4 النساء 65 أي ~~حكمت به من الوجوب والندب والإباحة والتحريم ونحوه وليس فيه ما يدل على أن ~~كل ما يقضي به يكون واجبا PageV02P169 # وأما حديث بريرة فلا حجة فيه فإنها إنما سألت عن الأمر طلبا للثواب ~~بطاعته والثواب والطاعة قد يكون بفعل المندوب وليس في ذلك ما يدل على أنها ~~فهمت من الأمر الوجوب فحيث لم يكن أمرا لمصلحة أخروية لا بجهة الوجوب ولا ~~بجهة الندب قالت لا حاجة لي فيه # فإن قيل فإجابة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم مندوب إليها فإذا لم يكن ~~مأمورا بها تعين أن يكون الأمر للوجوب # قلنا إذا سلم أن الشفاعة في صورة بريرة غير مأمور بإجابتها فلا نسلم أنها ~~كانت في تلك الصورة مندوبة ضرورة أن المندوب عندنا لا بد وأن يكون مأمورا ~~به # وأما خبر السواك ففيه ما يدل على أنه أراد بالأمر أمر الوجوب بدليل أنه ~~قرن به المشقة والمشقة لا تكون إلا في فعل الواجب لكونه متحتما بخلاف ~~المندوب لكونه في محل الخيرة بين الفعل والترك ولا يمتنع صرف الأمر إلى ~~الوجوب بقرينة ودخول حرف ( لولا ) على مطلق الأمر لا يمنع من هذا التأويل # وأما خبر أبي سعيد الخدري فلا حجة فيه أيضا فإن قوله تعالى @QB@ استجيبوا ~~لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم @QE@ 8 الأنفال 24 إنما كان محمولا على ~~وجوب ms342 إجابة النداء تعظيما لله تعالى ولرسوله في إجابة دعائه ونفيا للإهانة ~~عنه والتحقير له بالإعراض عن إجابة دعائه لما فيه من هضمه في النفوس وإفضاء ~~ذلك إلى الإخلال بمقصود البعثة ولا يمتنع صرف الأمر إلى الوجوب بقرينة # وأما خبر الحج فلا دلالة فيه وقول النبي صلى الله عليه وسلم ولو قلت نعم ~~لوجب ليس أمرا ليكون للوجوب بل لأنه يكون بيانا لقوله تعالى @QB@ ولله على ~~الناس حج البيت @QE@ 3 آل عمران 97 فإنه مقتض للوجوب غير أنه متردد بين ~~التكرار والمرة الواحدة فقوله لو قلت نعم لوجب أي تكرره لأنه يكون بيانا ~~لما أوجبه الله تعالى لا أنه يكون موجبا # وأما ما ذكروه من الإجماع فإن أريد به أن الأمة كانت ترجع في الوجوب ~~PageV02P170 إلى مطلق الأوامر فهو غير مسلم وليس هو أولى من قول القائل ~~إنهم كانوا يرجعون في الندب إلى مطلق الأوامر مع أن أكثر الأوامر للمندوبات ~~وإن أريد به أنهم كانوا يرجعون في الوجوب إلى الأوامر المقترنة بالقرائن ~~فلا حجة فيه # وأما قصة أبي بكر فلا حجة في احتجاجه بقوله تعالى @QB@ وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة @QE@ 2 البقرة 43 على أن الأمر بمطلقه للوجوب وذلك لأنهم لم ~~يكونوا منكرين لأصل الوجوب حتى يستدل على الوجوب بالآية بل إنما أنكروا ~~التكرار والاستدلال على تكرار ما وجب لا يكون استدلالا على نفس اقتضاء ~~الأمر بمطلقه للوجوب # وأما قولهم إن أهل اللغة يصفون من خالف الأمر المطلق بالعصيان ويحكمون ~~عليه باستحقاق الذم والتوبيخ ليس كذلك فإنه ليس القول بملازمة هذه الأمور ~~للأمر المطلق وملازمة انتفائها للأمر المقيد بالقرينة في المندوبات أولى من ~~العكس # فإن قيل بل تقييد المندوب بالقرينة أولى من تقييد الواجب بها فإنها ~~بتقدير خفائها تحمل على الوجوب وهو نافع غير مضر # وبتقدير تقييد الواجب بها يلزم الإضرار بترك الواجب بتقدير خفائها لفوات ~~المقصود الأعظم منه فهو معارض بأن الأوامر الواردة في المندوبات أكثر منها ~~في الواجبات فإنه ما من واجب إلا ويتبعه مندوبات والواجب غير لازم للمندوب ~~ولا ms343 يخفى أن المحذور في تقييد الأعم بالقرينة لاحتمال خفائها أعظم من محذور ~~ذلك في الأخص # وأما الشبه العقلية قولهم إن الوجوب من المهمات # قلنا والندب من المهمات وليس إخلاء أحد الأمرين من لفظ يدل عليه أولى من ~~الآخر # وإن قيل بأن المندوب له لفظ يدل عليه وهو قول القائل ندبت ورغبت فللوجوب ~~أيضا لفظ يدل عليه وهو قوله أوجبت وألزمت وحتمت PageV02P171 # قولهم أنه يمتنع أن يكون الأمر حقيقة في الندب لما ذكروه فهو مقابل بمثله ~~فإن حمل الطلب على الوجوب معناه افعل وأنت ممنوع من الترك وهو غير مذكور في ~~الطلب فلا يكون حمله على أحدهما أولى من الآخر # قولهم إن النهي يقتضي المنع من الفعل فيجب أن يكون الأمر مقتضيا للمنع من ~~الترك # قلنا لا نسلم أن مطلق النهي يقتضي المنع من الفعل إلا أن يدل عليه دليل ~~كما ذكرناه في الأمر # وإن صح ذلك في النهي فحاصل ما ذكروه راجع إلى القياس في اللغة وهو باطل ~~بما سبق # قولهم إن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده غير مسلم كما يأتي وإن سلم ~~ولكن إنما يمكن القول بأن النهي عن أضداد المأمور به مما يمنع من فعلها إن ~~لو كان الأمر للوجوب وإلا فبتقدير أن يكون للندب فالنهي عن أضداده يكون نهي ~~تنزيه فلا يمنع من فعلها وعند ذلك فيلزم منه توقف الوجوب على كون النهي عن ~~أضداده مانعا من فعلها وذلك متوقف على كون الأمر للوجوب وهو دور ممتنع # قولهم إن حمل الطلب على الوجوب أحوط للمكلف على ما ذكروه فهو معارض بما ~~يلزم من حمله على الوجوب من الإضرار اللازم من الفعل الشاق بتقدير فعله ~~والعقاب بتقدير تركه ولما فيه من مخالفة النفي الأصلي بما اختص به الوجوب ~~من زيادة الذم والوصف بالعصيان بخلاف المندوب كيف وإن المكلف إذا نظر وظهر ~~له أن الأمر للندب فقد أمن من الضرر وحصل مقصود الأمر # قولهم إن المندوب داخل في الواجب ليس كذلك على ما سبق تقريره # قولهم إن الأمر ms344 موضوع لمعنى فكان مانعا من نقيضه دعوى محل النزاع والقياس ~~على الخبر من باب القياس في اللغات وهو باطل بما سبق # ثم إنه منقوض بالأمر بالمندوب فإنه مأمور به على ما سبق PageV02P172 # فإن قيل لا يلزم من مخالفة الدليل في المندوب المخالفة مطلقا # قلنا يجب أن نعتقد أن ما ذكروه ليس بدليل حتى لا يلزم منه المخالفة في ~~المندوب # وما ذكروه من الشبهة الأخيرة فهي منتقضة بالمندوب وأما شبه القائلين ~~بالندب فمنها نقلية وعقلية # أما النقلية فقوله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم وإذ نهيتكم عن شيء فانتهوا فوض الأمر إلى استطاعتنا ومشيئتنا وهو ~~دليل الندبية # وأما العقلية فهو أن المندوب ما فعله خير من تركه وهو داخل في الواجب فكل ~~واجب مندوب وليس كل مندوب واجبا لأن الواجب ما يلام على تركه والمندوب ليس ~~كذلك فوجب جعل الأمر حقيقة فيه لكونه متيقنا # وجوابهما من جهة الإجمال فما سبق في جواب شبه القائلين بالوجوب # ومن جهة التفصيل عن الأولى أنه لا يلزم من قوله ما استطعتم تفويض الأمر ~~إلى مشيئتنا فإنه لم يقل فافعلوا ما شئتم بل قال ما استطعتم وليس ذلك خاصية ~~للندب فإن كل واجب كذلك # وعن الثانية ما سبق من امتناع وجود المندوب في الواجب ثم لو كان تنزيل ~~لفظ الأمر على المتيقن لازما لكان جعله حقيقة في رفع الحرج عن الفعل أولى ~~لكونه متيقنا بخلاف المندوب فإنه متميز بكون الفعل مترجحا على الترك وهو ~~غير متيقن # # | المسألة الثالثة # اختلف الأصوليون في الأمر العري عن القرائن فذهب الأستاذ أبو إسحاق ~~الإسفرايني وجماعة من الفقهاء والمتكلمين إلى أنه مقتض للتكرار المستوعب ~~لزمان العمر مع الإمكان وذهب آخرون إلى أنه للمرة الواحدة PageV02P173 ~~ومحتمل للتكرار ومنهم من نفى احتمال التكرار وهو اختيار أبي الحسين البصري ~~وكثير من الأصوليين ومنهم من توقف في الزيادة ولم يقض فيها بنفي ولا إثبات ~~وإليه ميل إمام الحرمين والواقفية # والمختار أن المرة الواحدة لا بد منها في الامتثال وهو معلوم ms345 قطعا ~~والتكرار محتمل فإن اقترن به قرينة أشعرت بإرادة المتكلم التكرار حمل عليه ~~وإلا كان الاقتصار على المرة الواحدة كافيا # والدليل على ذلك أنه إذا قال له صل أو صم فقد أمره بإيقاع فعل الصلاة ~~والصوم وهو مصدر ( افعل ) والمصدر محتمل للاستغراق والعدد ولهذا يصح تفسيره ~~به فإنه لو قال لزوجته أنت طالق ثلاثا وقع به لما كان تفسيرا للمصدر وهو ~~الطلاق ولو اقتصر على قوله أنت طالق لم يقع سوى طلقة واحدة مع احتمال اللفظ ~~للثلاث فإذا قال صل فقد أمره بإيقاع المصدر وهو الصلاة والمصدر محتمل للعدد ~~فإن اقترن به قرينة مشعرة بإرادة العدد حمل عليه وإلا فالمرة الواحدة تكون ~~كافية # ولهذا فإنه لو أمر عبده أن يتصدق صدقة أو يشتري خبزا أو لحما فإنه يكتفى ~~منه بصدقة واحدة وشراء واحد ولو زاد على ذلك فإنه يستحق اللوم والتوبيخ ~~لعدم القرينة الصارفة إليه وإن كان اللفظ محتملا له وإنما كان كذلك لأن حال ~~الآمر متردد بين إرادة العدد وعدم إرادته وإنما يجب العدد مع ظهور الإرادة ~~ولا ظهور إذ الفرض فيما إذا عدمت القرائن المشعرة به # فقد بطل القول بعدم إشعار اللفظ بالعدد مطلقا وبطل القول بظهوره فيه ~~وبالوقف أيضا # والاعتراض هاهنا يختلف باختلاف مذاهب الخصوم فمن اعتقد ظهوره في التكرار ~~اعترض بشبه # الأولى منها أن أوامر الشارع في الصوم والصلاة محمولة على التكرار فدل ~~على إشعار الأمر به # الثانية أن قوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ يعم كل مشرك فقوله صم ~~وصل ينبغي أن يعم جميع الأزمان لأن نسبة اللفظ إلى الأزمان كنسبته إلى ~~الأشخاص # الثالثة أن قوله صم كقوله لا تصم ومقتضى النهي الترك أبدا فوجب أن يكون ~~الأمر مقتضيا للفعل أبدا لاشتراكهما في الاقتضاء والطلب PageV02P174 # الرابعة أن الأمر اقتضى فعل الصوم واقتضى اعتقاد وجوبه والعزم عليه أبدا ~~فكذلك الموجب الآخر # الخامسة أن الأمر لا اختصاص له بزمان دون زمان فليس حمله على البعض أولى ~~من البعض فوجب التعميم # السادسة أنه لو لم يكن الأمر للتكرار لما صح ms346 الاستثناء منه لاستحالة ~~الاستثناء من المرة الواحدة ولا تطرق النسخ إليه لأن ذلك يدل على البدا وهو ~~محال على الله تعالى ولا حسن الاستفهام من الآمر أنك أردت المرة الواحدة أو ~~التكرار # ولكان قول الآمر لغيره صل مرة واحدة غير مفيد وكان قوله صل مرارا تناقضا ~~ولكان إذا لم يفعل المأمور ما أمر به في أول الوقت محتاجا في فعله ثانيا ~~إلى دليل وهو ممتنع # السابعة أن الحمل على التكرار أحوط للمكلف لأنه إن كان للتكرار فقد حصل ~~المقصود ولا ضرر وإن لم يكن للتكرار لم يكن فعله مضرا # الثامنة إن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده والنهي عن أضداده يقتضي ~~استغراق الزمان وذلك يستلزم استدامة فعل المأمور به # التاسعة قوله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ~~أي فأتوا بما أمرتكم به ما استطعتم وذلك يقتضي وجوب التكرار # العاشرة أن عمر بن الخطاب سأل النبي صلى الله عليه وسلم لما رآه قد جمع ~~بطهارة واحدة بين صلوات عام الفتح وقال أعمدا فعلت هذا يا رسول الله فقال ~~نعم ولولا أنه فهم تكرار الطهارة من قوله تعالى @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم @QE@ 5 المائدة 6 لما كان للسؤال معنى # الحادية عشرة أنه إذا قال الرجل لغيره أحسن عشرة فلان فإنه يفهم منه ~~التكرار والدوام # وأما شبه القائلين بامتناع احتمال التكرار فأولها أن من قال لغيره ادخل ~~الدار يعد ممتثلا بالدخول مرة واحدة كما أنه يصير ممتثلا لقوله اضرب ~~PageV02P175 رجلا بضرب رجل واحد # ولذلك فإنه لا يلام بترك التكرار بل يلام من لامه عليه # وثانيها أنه لو قال القائل صام زيد صدق على المرة الواحدة من غير إدامة ~~فليكن مثله في الأمر # وثالثها أنه لو حلف أنه ليصلين أو ليصومن برت يمينه بصلاة واحدة وصوم يوم ~~واحد وعد آتيا بما التزمه فكذلك في الالتزام بالأمر # ورابعها أنه لو قال الرجل لوكيله طلق زوجتي لم يملك أكثر من تطليقة واحدة # وخامسها أنه لو كان الأمر للتكرار لكان ms347 قوله صل مرارا غير مفيد وكان قوله ~~صل مرة واحدة نقصا وليس كذلك # وسادسها أنه لو كان مطلق الأمر للتكرار لكان الأمر بعبادتين مختلفتين لا ~~يمكن الجمع بينهما إما تكليفا بما لا يطاق أو أن يكون الأمر بكل واحدة ~~مناقضا للأمر بالأخرى وهو ممتنع # وأما شبه القائلين بالوقف فأولها أن الأمر بمطلقه غير ظاهر في المرة ~~الواحدة ولا في التكرار ولهذا فإنه يحسن أن يستفهم من الآمر عند قوله اضرب ~~ويقال له مرة واحدة أو مرارا # ولو كان ظاهرا في أحد الأمرين لما حسن الاستفهام # وثانيها أنه لو كان ظاهرا في المرة الواحدة لكان قول الآمر اضرب مرة ~~واحدة تكرارا أو مرارا تناقضا وكذلك لو كان ظاهرا في التكرار # والجواب عن الشبهة الأولى للقائلين بالتكرار هو أن حمل بعض الأوامر وإن ~~كانت متكررة على التكرار لا يدل على استفادة ذلك من ظاهرها وإلا كان ما حمل ~~من الأوامر على المرة الواحدة كالحج ونحوه مستفادا من ظاهر الأمر ويلزم من ~~ذلك إما التناقض أو اعتقاد الظهور في أحد الأمرين دون الآخر من غير أولوية ~~وهو محال PageV02P176 # فإن قيل اعتقاد الظهور في التكرار أولى لأن ما حمل من الأوامر على ~~التكرار أكثر من المحمول على المرة الواحدة وعند ذلك فلو جعلناه ظاهرا في ~~المرة الواحدة لكان المحذور اللازم من مخالفته في الحمل على التكرار أقل من ~~المحذور اللازم من جعله ظاهرا في التكرار عند حمله على المرة الواحدة # قلنا هذا إنما يلزم أن لو قلنا إن الأمر ظاهر في أحد الأمرين وليس كذلك ~~بل الأمر عندنا إنما يقتضي إيقاع مصدر الفعل والمرة الواحدة من ضروراته لا ~~أن الأمر ظاهر فيها وكذلك في التكرار فحمل الأمر على أحدهما بالقرينة لا ~~يوجب مخالفة الظاهر في الآخر لعدم تحققه فيه # وعن الثانية وإن سلمنا أن العموم في قوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين ~~@QE@ 9 التوبة 5 أنه يتناول كل مشرك فليس ذلك إلا لعموم اللفظ ولا يلزم ~~مثله فيما نحن فيه لعدم العموم في قوله صم بالنسبة ms348 إلى جميع الأزمان بل لو ~~قال صم في جميع الأزمان كان نظيرا لقوله اقتلوا المشركين # وعن الثالثة لا نسلم أن النهي المطلق للدوام وإنما يقتضيه عند التصريح ~~بالدوام أو ظهور قرينة تدل عليه كما في الأمر وإن سلمنا اقتضاءه للدوام لكن ~~ما ذكروه من إلحاق الأمر بالنهي بواسطة الاشتراك بينهما في الاقتضاء فرع ~~صحة القياس في اللغات وقد أبطلناه # وإن سلمنا صحة ذلك غير أنا نفرق وبيانه من وجهين الأول أن من أمر غيره أن ~~يضرب فقد أمره بإيقاع مصدره وهو الضرب فإذا ضرب مرة واحدة يصح أن يقال وجد ~~الضرب # وإذا قال له لا تضرب فمقتضاه عدم إيقام الضرب # فإذا انتهى في بعض الأوقات دون البعض يصح أن يقال لم يعدم الضرب # الثاني إن حمل الأمر على التكرار مما يفضي إلى تعطيل الحوائج المهمة ~~وامتناع الإتيان بالمأمورات التي لايمكن اجتماعها بخلاف الانتهاء عن المنهي ~~مطلقا # وعن الرابعة أنها غير متجهة وذلك لأن دوام اعتقاد الوجوب عند قيام دليل ~~الوجوب ليس مستفادا من نفس الأمر وإنما هو من أحكام الإيمان فتركه يكون ~~كفرا والكفر منهي عنه دائما ولهذا كان اعتقاد الوجوب دائما في الأوامر ~~المقيدة PageV02P177 # وأما العزم فلا نسلم وجوبه ولهذا فإن من دخل عليه الوقت وهو نائم لا يجب ~~على من حضره إنباهه ولو كان العزم واجبا في ذلك الوقت لوجب عليه كما لو ضاق ~~وقت العبادة وهو نائم # وإن سلمنا وجوب العزم لكن لا نسلم وجوبه دائما بل هو تبع لوجوب المأمور ~~به وإن سلمنا وجوبه دائما فلا نسلم كونه مستفادا من نفس الأمر ليلزم ما قيل ~~بل إنما هو مستفاد من دليل اقتضى دوامه غير الأمر الوارد بالعبادة ولهذا ~~وجب في الأوامر بالفعل مرة واحدة # وعن الخامسة أنها باطلة من جهة أن الأمر غير مشعر بالزمان وإنما الزمان ~~من ضرورات وقوع الفعل المأمور به ولا يلزم من عدم اختصاصه ببعض الأزمنة دون ~~البعض التعميم كالمكان # وعن السادسة وهي قولهم لو كان الأمر للمرة الواحدة لما دخله النسخ ms349 ليس ~~كذلك عندنا فإنه لو أمر بالحج في السنة المستقبلة جاز نسخه عندنا قبل ~~التمكن من الامتثال على ما يأتي # وإنما ذلك لازم على المعتزلة # وأما دخول الاستثناء فمن أوجب الفعل على الفور يمنع منه ومن أوجبه على ~~التراخي فلا يمنع من استثناء بعض الأوقات التي المكلف مخير في إيقاع الواجب ~~فيها # وأما حسن الاستفهام فإنما كان لتحصيل اليقين فيما اللفظ محتمل له تأكيدا ~~فإنه محتمل لإرادة التكرار وإرادة المرة الواحدة وبه يخرج الجواب عن قوله ~~صل مرة وحدة وقوله صل مرارا غير متناقض بل غايته دلالة الدليل على إرادة ~~التكرار المحتمل # وإذا لم يفعل ما أمر به في أول الوقت فمن قال بالتراخي لا يحتاج إلى دليل ~~آخر لأن مقتضى الأمر المطلق عنده تخيير المأمور في إيقاع الفعل في أي وقت ~~شاء من ذلك الوقت ومن قال بالفور فلا بد له من دليل في ثاني الحال # وعن السابعة ما سبق في الواجب والمندوب # وعن الثامنة لا نسلم أن الأمر بالشيء نهي عن أضداده وإن سلم ذلك ~~PageV02P178 # ولكن اقتضاء النهي للأضداد بصفة الدوام فرع كون الأمر مقتضيا للفعل على ~~الدوام وهو محل النزاع # وأما قوله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر الحديث إنما يلزم أن لو ~~كان ما زاد على المرة الواحدة مأمورا به وليس كذلك # وأما حديث عمر فلا يدل على أنه فهم أن الأمر بالطهارة يقتضي تكرارها ~~بتكرر الصلاة بل لعله أشكل عليه أنه للتكرار فسأل النبي عن عمده وسهوه في ~~ذلك لإزاحة الإشكال بمعرفة كونه للتكرار إن كان فعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم سهوا أو لا للتكرار إن كان فعله عمدا # كيف وإن فهم عمر لذلك مقابل بإعراض النبي صلى الله عليه وسلم عن التكرار ~~ولو كان للتكرار لما أعرض عنه وله الترجيح # وأما الشبهة الأخيرة فإنما عم الأمر فيها بالإكرام وحسن العشرة للأزمان ~~لأن ذلك إنما يقصد به التعظيم وذلك يستدعي استحقاق المأمور بإكرامه للإكرام ~~وهو سبب الأمر فمهما لم يعلم زوال ذلك السبب ms350 وجب دوام المسبب فكان الدوام ~~مستفادا من هذه القرينة لا من مطلق الأمر # والجواب عن الشبهة الأولى للقائلين بامتناع احتمال الأمر المطلق للتكرار ~~أن ذلك يدل على أن الأمر غير ظاهر في التكرار ولا يلزم منه امتناع احتماله ~~له # ولهذا فإنه لو قال ادخل الدار مرارا بطريق التفسير فإنه يصح ويلزم ولو ~~عدم الاحتمال لما صح التفسير # وعن الثانية أن ذلك قياس في اللغات فلا يصح وبه دفع الشبهة الثالثة # وإذا قال لوكيله طلق زوجتي إنما لم يملك ما زاد على الطلقة الواحدة لعدم ~~ظهور الأمر فيها لا لعدم الاحتمال لغة # ولهذا لو قال طلقها ثلاثا على التفسير صح # وعن الخامسة ما سبق PageV02P179 # وعن السادسة أنها باطلة وذلك لأن زيادة المشقة من حمل الأمر على التكرار ~~إما أن لا يكون منافيا له أو يكون منافيا فإن كان الأول فلا اتجاه لما ~~ذكروه وإن كان الثاني فغايته تعذر العمل بالأمر في التكرار عند لزوم الحرج ~~فيلون ذلك قرينة مانعة من صرف الأمر إليه ولا يلزم من ذلك امتناع احتماله ~~له لغة # وجواب شبهة القائلين بالوقف ما سبق في جواب من تقدم والله أعلم # # | المسألة الرابعة # الأمر المعلق بشرط كقوله إذا زالت الشمس فصلوا أو صفة كقوله @QB@ الزانية ~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة @QE@ 24 النور 2 هل يقتضي تكرار ~~المأمور به بتكرر الشرط والصفة أم لا فمن قال إن الأمر المطلق يقتضي ~~التكرار فهو هاهنا أولى # ومن قال إن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار اختلفوا هاهنا فمنهم من أوجبه ~~ومنهم من نفاه # وقبل الخوض في الحجاج لا بد من تلخيص محل النزاع فنقول ما علق به المأمور ~~من الشرط أو الصفة إما أن يكون قد ثبت كونه علة في نفس PageV02P180 الأمر ~~لوجوب الفعل المأمور به كالزنا أو لا يكون كذلك بل الحكم متوقف عليه من غير ~~تأثير له فيه كالإحصان الذي يتوقف عليه الرجم في الزنى فإن كان الأول ~~فالاتفاق واقع على تكرر الفعل بتكرره نظرا إلى تكرر العلة ووقوع ms351 الاتفاق ~~على التعبد باتباع العلة مهم وجدت فالتكرار مستند إلى تكرار العلة لا إلى ~~الأمر وإن كان الثاني فهو محل الخلاف # والمختار أنه لا تكرار # وقد احتج القائلون بهذا المذهب بحجج واهية لا بد من التنبيه عليها وعلى ~~ما فيها ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار # الحجة الأولى أنهم قالوا أجمعنا على أن الخبر المعلق بالشرط أو الصفة لا ~~يقتضي تكرار المخبر عنه كما لو قال إن جاء زيد جاء عمرو فإنه لا يلزم تكرر ~~مجيء عمرو في تكرر مجيء زيد فكذلك في الأمر وهي باطلة فإن حاصلها يرجع إلى ~~القياس في اللغة وقد أبطلناه # الثانية أنه لو قال لزوجته إذا دخلت الدار فأنت طالق فإنه لا يتكرر ~~الطلاق بتكرار الدخول فكذلك في قوله إذا زالت الشمس فصلوا وهو أيضا من جنس ~~ما تقدم لما فيه من قياس الأمر على إنشاء الطلاق الذي ليس بأمر # الثالثة أن اللفظ لا دلالة فيه إلا على تعليق شيء بشيء وهو أعم من تعليقه ~~عليه في كل صورة أو في صورة واحدة والمشعر بالأعم لا يلزم أن يكون مشعرا ~~بالأخص # وحاصل هذه الحجة أيضا يرجع إلى محض الدعوى بأن الأمر المضاف إلى الشرط أو ~~الصفة لا يفهم منه اقتضاء التكرار بتكرر الشرط أو الصفة وهو عين محل النزاع # وإنما الواجب أن يقال إنه مشعر بالأعم # والأصل عدم إشعاره بالأخص # والمعتمد في ذلك أن يقال لو وجب التكرار لم يخل إما أن يكون المقتضي له ~~نفس الأمر أو الشرط أو مجموع الأمرين لا جائز أن يقال بالأول PageV02P181 ~~لما سبق في المسألة المتقدمة ولا بالثاني لأن الشرط غير مؤثر في المشروط ~~بحيث يلزم من وجوده وجوده بل إنما تأثيره في انتفاء المشروط عند انتفائه ~~وحيث قيل بملازمة المشروط لوجود الشرط في قوله لزوجته إن دخلت الدار فأنت ~~طالق إنما كان لضرورة وجود الموجب وهو قوله أنت طالق لا لنفس دخول الدار ~~وإلا كان دخول الدار موجبا للطلاق مطلقا وهو محال ولا جائز أن يقال بالثالث ms352 ~~لأنا أجمعنا على أنه لو قال لعبده إذا دخلت السوق فاشتر لحما أنه لا يقتضي ~~التكرار وذلك إما أن يكون مع تحقق الموجب للتكرار أو لا مع تحققه لا جائز ~~أن يقال بالأول وإلا فانتفاء التكرار إما لمعارض أو لا لمعارض والأول ممتنع ~~لما فيه من المعارضة وتعطيل الدليل عن أعماله وهو خلاف الأصل والثاني أيضا ~~باطل لما فيه من مخالفة الدليل من غير معارض فلم يبق سوى الثاني وهو ~~المطلوب فإن قيل ما ذكرتموه معارض من وجوه # الأول أنه قد وجد في كتاب الله تعالى أوامر متعلقة بشروط وصفات وهي ~~متكررة بتكررها كقوله تعالى @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا @QE@ 5 ~~المائدة 6 الآية وقوله تعالى @QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما @QE@ 5 ~~المائدة 38 @QB@ الزانية والزاني @QE@ 24 النور 2 الآية ولو لم يكن ذلك ~~مقتضيا للتكرار لما كان متكررا # الثاني أن العلة يتكرر الحكم بتكررها إجماعا والشرط أقوى من العلة ~~لانتفاء الحكم بانتفائه بخلاف العلة فكان اقتضاؤه للتكرار أولى # الثالث أن نسبة الحكم إلى إعداد الشرط المعلق عليه نسبة واحدة ولا اختصاص ~~له بالموجود الأول منها دون ما بعده وعند ذلك فإما أن يلزم من انتفاء الحكم ~~مع وجود الشرط ثانيا وثالثا انتفاؤه مع وجود الشرط الأول أو من PageV02P182 ~~وجوده مع الأول الوجود مع الثاني وما بعده ضرورة التسوية والأول خلاف ~~الإجماع والثاني هو المطلوب # الرابع أنه لو لم يكن الأمر مقتضيا لتعليق الحكم بجميع الشروط بل بالأول ~~منها فليزم أن يكون فعل العبادة مع الشرط الثاني دون الأول قضاء وكانت ~~مفتقرة إلى دليل آخر وهو ممتنع # الخامس أن النهي المعلق بالشرط مفيد للتكرار كما إذا قال إن دخل زيد ~~الدار فلا تعطه درهما والأمر ضد النهي فكان مشاركا له في حكمه ضرورة ~~اشتراكهما في الطلب والاقتضاء # السادس أن تعليق الأمر على الشرط الدائم موجب لدوام المأمور به بدوامه ~~كما لو قال إذا وجد شهر رمضان فصمه فإن الصوم يكون دائما بدوام الشهر ~~وتعليق الأمر على الشرط المتكرر في معناه فكان ms353 دائما # والجواب عن الأول أنه إذا ثبت بما ذكرناه أن الأمر المعلق بالشرط والضفة ~~غير مقتض للتكرار فحيث قضي بالتكرار إما أن يكون الشرط والصفة علة للحكم ~~المكرر في نفس الأمر كما في الزنى والسرقة أو لا يكون علة له فإن كان الأول ~~فالتكرار إنما كان لتكرر العلة الموجبة للحكم ولا كلام فيه وإن كان الثاني ~~فيجب اعتقاد كونه متكررا لدليل اقتضاه غير الأمر المعلق بالشرط والصفة لما ~~ذكرناه من عدم اقتضائه # كيف وإنه كما قد يتكرر الفعل المأمور به بتكرر الشرط فقد لا يتكرر كالأمر ~~بالحج فإنه مشروط بالاستطاعة وهو غير متكرر بتكررها # وعن الثاني أنه لا يلزم من تكرر الحكم بتكرر العلة لكونها موجبة للحكم ~~تكرره بتكرر الشرط مع أنه غير موجب للحكم كما تقرر # وعن الثالث أنه إنما يلزم القائلين بالوجوب على الفور وليس كذلك عندنا بل ~~الأمر مقتض للامتثال مع استواء التقديم والتأخير فيه إذا علم تجدد الشرط ~~وغلب على الظن بقاء المأمور ويكون الأمر قد اقتضى تعلق المأمور PageV02P183 ~~به على الشروط كلها على طريق البدل من غير اختصاص له ببعضها دون بعض # وأما إن لم يغلب على الظن تجدد الشرط ولا بقاء المأمور إلى حالة وجود ~~الشرط الثاني فقد تعين اختصاص المأمور بالشرط الأول لعدم تحقق ما سواه # وعلى هذا فقد خرج الجواب عن الرابع أيضا # وعن الخامس أن حاصله يرجع إلى قياس الأمر على النهي في اللغة وهو باطل ~~بما سبق # كيف وإنا لا نسلم أن النهي المضاف إلى الشرط يتكرر بتكرر الشرط بل ما ~~اقتضاه النهي إنما هو دوام المنع عند تحقق الشرط الأول سواء تجدد الشرط ~~ثانيا أو لم يتجدد # وعن السادس أن الشرط المستشهد به وإن كان له دوام في زمان معين والحكم ~~موجود معه فهو واحد والمشروط به غير متكرر بتكرره # وعند ذلك فلا يلزم من لزوم وجود المشروط عند تحقق شرطه من غير تكرر لزوم ~~التكرر بتكرر الشرط في محل النزاع # # | المسألة الخامسة # اختلفوا في الأمر المطلق هل يقتضي ms354 تعجيل فعل المأمور به فذهبت الحنفية ~~والحنابلة وكل من قال بحمل الأمر على التكرار إلى وجوب التعجيل # وذهبت الشافعية والقاضي أبو بكر وجماعة من الأشاعرة والجبائي وابنه وأبو ~~الحسين البصري إلى التراخي وجواز التأخير عن أول وقت الإمكان # وأما الواقفية فقد توقفوا لكن منهم من قال التوقف إنما هو في المؤخر هل ~~هو ممتثل أو لا وأما المبادر فإنه ممتثل قطعا لكن هل يأثم بالتأخير ~~PageV02P184 اختلفوا فيه فمنهم من قال بالتأثيم وهو اختيار إمام الحرمين ~~ومنهم من لم يؤثمه ومنهم من توقف في المبادر أيضا وخالف في ذلك إجماع السلف # والمختار أنه مهما فعل كان مقدما أو مؤخرا كان ممتثلا للأمر ولا إثم عليه ~~بالتأخير # والدليل على ذلك أن الأمر حقيقة في طلب الفعل لا غير فمهما أتى بالفعل في ~~أي زمان كان مقدما أو مؤخرا كان آتيا بمدلول الأمر فيكون ممتثلا للأمر ولا ~~إثم عليه بالتأخير لكونه آتيا بما أمر به على الوجه الذي أمر به وبيان أن ~~مدلول الأمر طلب الفعل لا غير وجهان # الأول أنه دليل على طلب الفعل بالإجماع والأصل عدم دلالته على أمر خارج ~~والزمان وإن كان لا بد منه من ضرورة وقوع الفعل المأمور به ولا يلزم أن ~~يكون داخلا في مدلول الأمر فإن اللازم من الشيء أعم من الداخل في معناه ولا ~~أن يكون متعينا كما لا تتعين الآلة في الضرب ولا الشخص المضروب وإن كان ذلك ~~من ضرورات امتثال الأمر بالضرب # الوجه الثاني أنه يجوز ورود الأمر بالفعل على الفور وعلى التراخي ويصح مع ~~ذلك أن يقال بوجود الأمر في الصورتين # والأصل في الإطلاق الحقيقة ولا مشترك بين الصورتين سوى طلب الفعل لأن ~~الأصل عدم ما سواه فيجب أن يكون هو مدلول الأمر في الصورتين دون ما به ~~الاقتران من الزمان وغيره نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ # فإن قيل ما ذكرتموه في بيان امتناع خروج الوقت عن الدخول في مقتضى الأمر ~~معارض بما يدل على نقيضه وبيانه من خمسة وجوه الأول أنه ms355 إذا قال السيد ~~لعبده اسقني ماء فإنه يفهم منه تعجيل السقي حتى أنه يحسن لوم العبد وذمه في ~~نظر العقلاء بتقدير التأخير ولولا أنه من PageV02P185 مقتضيات الأمر لما ~~كان كذلك # إذ الأصل عدم القرينة # الثاني هو أن مدلول الأمر وهو الفعل المأمور به لا يقع إلا في وقت وزمان ~~فوجب أن يكون الأمر مقتضيا للفعل في أقرب زمان كالمكان وكما لو قال لزوجته ~~أنت طالق ولعبده أنت حر فإن مدلول لفظه يقع على الفور في أقرب زمان # الثالث أن الأمر مشارك للنهي في مطلق الطلب والنهي مقتض للامتثال على ~~الفور فوجب أن يكون الأمر كذلك # الرابع أن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده والنهي عن أضداد المأمور به ~~مقتض للانتهاء عنها على الفور وذلك متوقف على فعل المأمور به على الفور ~~فكان الأمر مقتضيا له على الفور # الخامس أنه تعالى عاتب إبليس ووبخه على مخالفة الأمر بالسجود لآدم في ~~الحال بقوله @QB@ ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك @QE@ 7 الأعراف 12 ولو لم يكن ~~الأمر بالسجود مقتضيا له في الحال لما حسن توبيخه عليه ولكان تلك عذرا ~~لإبليس في تأخيره # سلمنا عدم دلالة الأمر على وجوب الفعل على الفور لفظا لكن لم قلتم إنه لا ~~يكون مستلزما له بواسطة دلالته على أصل الوجوب وبيان ذلك من وجوه أربعة ~~الأول أن الأمر إذا دل على وجوب الفعل فقد أجمعنا على وجوب اعتقاده على ~~الفور مع أن ذلك لم يكن مقتضى للأمر بل هو من لوازم مقتضاه فكان مقتضاه على ~~الفور أولى لإءصالته # الثاني أن إجماع السلف منعقد على أن المبادر يخرج عن عهدة الأمر ولا ~~إجماع في المؤخر فكان القول بالتعجيل أحوط وأولى # الثالث أن الفعل واجب بالاتفاق فلو جاز تأخيره إما أن يجوز إلى غاية ~~معينة أو لا إلى غاية PageV02P186 # فإن جاز تأخيره إلى غاية معينة فإما أن تكون معلومة للمأمور أو لا تكون ~~معلومة له فإن كانت معلومة له فإما أن تكون مذكورة بأن يقال له إلى عشرة ~~أيام مثلا ms356 أو موصوفة # الأول خلاف الفرض إذ الفرض فيما إذا كان أمرا مطلقا غير مقيد بوقت في ~~الذكر # وإن كان الثاني فالوقت الموصوف لا يخرج بالإجماع عن الوقت الذي إذا انتهى ~~إليه غلب على ظنه أنه لو أخر المأمور به عنه لفات وذلك لا يكون إلا بأمارة ~~تدل عليه وهي الإجماع غير خارجة عن المرض المرجو وعلو السن وكل واحد من ~~الأمرين مضطرب مختلف فإنه قد يموت قبل ذلك أو يعيش بعده فلا يعتمد عليه # وإن كانت الغاية غير معلومة له مع أنه لا يجوز له التأخير عنها كان ذلك ~~تكليفا بما لا يطاق وهو ممتنع وهذا كله فيما إذا جاز التأخير إلى غاية # وإن كان التأخير لا إلى غاية فإما أن يجوز ذلك ببدل أو لا ببدل فإن كان ~~ببدل فذلك البدل إما أن يكون واجبا أو غير واجب لا جائز أن لا يكون واجبا ~~وإلا لما كان بدلا عن الواجب بالإجماع # وإن كان واجبا فهو ممتنع لوجوه أربعة الأول أنه لو كان واجبا لوجب إنباه ~~المأمور حالة ورود الأمر نحوه على من حضره حذرا من فوات الواجب الذي هو ~~البدل كما لو ضاق عليه الوقت وكان نائما الثاني هو أن الأمر لا تعرض فيه ~~لوجوب البدل والأصل عدم دليل آخر ويمتنع القول بوجوب مالا دليل عليه الثالث ~~أن البدل لو كان واجبا لكان قائما مقام المبدل ومحصلا لمقصوده وإلا لما كان ~~بدلا لما فيه من فوات مقصود الأصل ويلزم من ذلك سقوط المأمور به بالكلية ~~بتقدير الإتيان بالبدل ضرورة حصول مقصوده وهو محال الرابع أنه لو كان البدل ~~واجبا لم يخل إما أن يجوز تأخيره عن الوقت الثاني PageV02P187 # من ورود الأمر أو لا يجوز فإن كان الأول فالكلام فيه كالكلام في أصل ~~المأمور به وهو تسلسل ممتنع وإن كان الثاني فهو أيضا ممتنع لأن البدل لا ~~يزيد على نفس المبدل ووقت المبدل غير معين فكذلك البدل وإن جاز التأخير ~~أبدا لا ببدل ففيه إخراج الواجب عن حقيقته وهو محال ms357 # الرابع من الوجوه الأول أن امتثال المأمور به من الخيرات وهو سبب الثواب ~~فوجب تعجيله لقوله تعالى @QB@ فاستبقوا الخيرات @QE@ 2 البقرات 148 وقوله ~~تعالى @QB@ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض @QE@ 3 ~~آل عمران 133 أمر بالمسارعة والمسابقة وهي التعجيل والأمر للوجوب # والجواب عن الوجه الأول أنه إنما فهم التعجيل من أمر السيد بسقي الماء من ~~الظن الحاصل بحاجة السيد إليه في الحال إذ الظاهر أنه لا يطلب سقي الماء من ~~غير حاجة إليه حتى أنه لو لم يعلم أو يظن أن حاجته إليه داعية في الحال لما ~~فهم من أمره التعجيل ولا حسن ذم العبد بالتأخير # فإن قيل أهل العرف إنما يذمون العبد بمخالفة مطلق الأمر ويقولون في معرض ~~الذم خالف أمر سيده وذلك يدل على أن مطلق الأمر هو المقتضي للتعجيل دون ~~غيره # قلنا إنما نسلم صحة ذلك في الأمر المقيد بالقرينة دون المطلق والأمر فيما ~~نحن فيه مقيد ثم هو معارض عند مطلق الأمر بصحة عذر العبد بقوله إنما أخرت ~~لعدم علمي وظني بدعو حاجته إليه في الحال وليس أحد الأمرين أولى من الآخر ~~PageV02P188 # وعن الثاني من وجهين الأول لا نسلم تعين أقرب الأماكن ولا نسلم أن قوله ~~أنت طالق وأنت حر يفيد صحة الطلاق والعتق بوضعه له لغة بل ذلك لسبب جعل ~~الشرع له علامة على ذلك الحكم الخالي ولا يلزم من ذلك أن يكون الأمر موضوعا ~~للفور # الثاني أن حاصله يرجع إلى القياس في اللغة وهو ممتنع كما سبق # وعن الثالث والرابع ما سبق في المسألة المتقدمة # وعن الخامس أن توبيخه لإبليس إنما كان ذلك لإبائه واستكباره ويدل عليه ~~قوله تعالى @QB@ إلا إبليس أبى واستكبر @QE@ 2 البقرة 34 ولتخيره على آدم ~~بقوله @QB@ أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين @QE@ 7 الأعراف 12 ولا ~~يمكن إضافة التوبيخ إلى مطلق الأمر من حيث هو أمر لأنه منقسم إلى أمر إيجاب ~~واستحباب كما سبق تقريره ولا توبيخ على مخالفة أمر الاستحباب إجماعا # ولو كان ms358 التوبيخ على مطلق الأمر لكان أمر الاستحباب موبخا على مخالفته ~~فلم يبق إلا أن يكون التوبيخ على أمر الإيجاب وهو منقسم إلى أمر إيجاب على ~~الفور وأمر إيجاب على التراخي كما إذا قال أوجبت عليك متراخيا ولا يلزم منه ~~أن يكون مطلق الأمر للإيجاب حالا # وإن سلمنا أنه وبخه على مخالفة الأمر في الحال ولكن لا نسلم أن الأمر ~~بالسجود كان مطلقا بل هو مقترن بقرينة لفظية موجبة لحمله على الفور وهي ~~قوله تعالى @QB@ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين @QE@ 15 ~~الحجر 29 رتب السجود على هذه الأوصاف بفاء التعقيب وهي مقتضية للسجود عقبها ~~على الفور من غير مهلة # قولهم لم قلتم بأنه لا يكون مستلزما للفور بواسطة دلالته على وجوب الفعل ~~PageV02P189 قلنا الأصل عدم ذلك # قولهم إنه يجب تعجيل اعتقاد وجوب الفعل قلنا ولم يلزم منه تعجيل وجوب ~~الفعل # قولهم إنه من لوازم وجوب الفعل قلنا من لوازم وجوب تقديم الفعل أو من ~~لوازم وجوب الفعل الأول ممنوع والثاني مسلم ولكن لا يلزم منه وجوب تقديم ~~الفعل بدليل ما لو أوجب الفعل مصرحا بتأخيره فإنه يجب تعجيل اعتقاد وجوبه ~~وإن لم يكن وجوب الفعل على الفور # قولهم القول بالتعجيل أحوط للمكلف قلنا الاحتياط إنما هو باتباع المكلف ~~ما أوجبه ظنه فإن ظن الفور وجب عليه اتباعه وإن ظن التراخي وجب عليه اتباعه ~~وإلا فبتقدير أن يكون قد غلب على ظنه التراخي فالقول بوجوب التعجيل على ~~خلاف ظنه يكون حراما وارتكاب المحرم يكون إضرارا فلا يكون احتياطا # قولهم لو جاز التأخير إما أن يكون إلى غاية أو لا إلى غاية إلى آخره فهو ~~منقوض بما لو صرح الآمر بجواز التأخير فإن كل ما ذكروه من الأقسام متحقق ~~فيه مع جواز تأخيره وما ذكروه من الآيتين الأخيرتين فهو غير دال على وجوب ~~تعجيل الفعل المأمور به فإنهما بمنطوقهما يدلان على المسارعة إلى الخيرات ~~والمغفرة # والمراد به إنما هو المسارعة إلى سبب ذلك ودلالتهما على السبب إنما هي ~~بجهة ms359 الاقتضاء والاقتضاء لا عموم له على ما يأتي تقريره فلا دلالة لهما على ~~المسارعة إلى كل سبب للخيرات والمغفرة فيختص ذلك بما اتفق على وجوب تعجيله ~~من الأفعال المأمور بها ولا يعم كل فعل مأمور به PageV02P190 # # | المسألة السادسة # الأمر بالشيء على التعيين هل هو نهي عن أضداده اختلفوا فيه وتفصيل ~~المذاهب أما أصحابنا فالأمر عندهم هو الطلب القائم بالنفس وقد اختلفوا ~~فمنهم من قال الأمر بالشيء بعينه نهي عن أضداده وإن طلب الفعل بعينه طلب ~~ترك أضداده وهو قول القاضي أبي بكر في أول أقواله # ومنهم من قال هو نهي عن أضداده بمعنى أنه يستلزم النهي عن الأضداد لا أن ~~الأمر هو عين المنهي وهو آخر ما اختاره القاضي في أخر أقواله # ومنهم من منع من ذلك مطلقا وإليه ذهب إمام الحرمين والغزالي # وأما المعتزلة فالأمر عندهم نفس صيغة افعل وقد اتفقوا على أن عين صيغة ~~افعل لا تكون نهيا لأن صيغة النهي لا تفعل وليس إحداهما عين الأخرى وإنما ~~اختلفوا في أن الآمر بالشيء هل يكون نهيا عن أضداده من جهة المعنى فذهب ~~القدماء من مشايخ المعتزلة إلى منعه ومن المعتزلة من صار إليه كالعارضي ~~وأبي الحسين البصري وغيرهما من المعتبرين منهم # ومعنى كونه نهيا عن الأضداد من جهة المعنى عندهم أن صيغة الأمر ~~PageV02P191 تقتضي إيجاد الفعل والمنع من كل ما يمنع منه # ومنهم من فصل بين أمر الإيجاب والندب وحكم بأن أمر الإيجاب يكون نهيا عن ~~أضداده ومقبحا لها لكونها مانعة من فعل الواجب بخلاف المندوب # ولهذا فإن أضداد المندوب من الأفعال المباحة غير منهي عنها لا نهي تحريم ~~ولا نهي تنزيه # والمختار إنما هو التفصيل وهو إما أن نقول بجواز التكليف بما لا يطاق أو ~~لا يقول به فإن قلنا بجوازه على ما هو مذهب الشيخ أبي الحسن رحمة الله عليه ~~كما سبق تقريره فالأمر بالفعل لا يكون بعينه نهيا عن أضداده ولا مستلزما ~~للنهي عنها بل جائز أن نؤمر بالفعل وبضده في الحالة الواحدة فضلا عن ms360 كونه ~~لا يكون منهيا عنه # وإن منعنا ذلك فالمختار أن الأمر بالشيء يكون مستلزما للنهي عن أضداده لا ~~أن يكون عين الأمر هو عين النهي عن الضد وسواء كان الأمر أمر إيجاب أو ندب # أما أنه مستلزم للنهي عن الأضداد فلأن فعل المأمور به لا يتصور إلا بترك ~~أضداده # وما لا يتم فعل المأمور به دون تركه فهو واجب الترك إن كان الأمر للإيجاب ~~ومندوب إلى تركه إن كان الأمر للندب على ما سبق تقريره وهو معنى كونه منهيا ~~عنه غير أن النهي عن أضداد الواجب يكون نهي تحريم وعن أضداد المندوب نهي ~~كراهة وتنزيه وأما أنه لا يكون عين الأمر هو عين النهي # فإذا قلنا إن الأمر هو صيغة افعل فظاهر على ما سبق وأما على قولنا إن ~~الأمر هو الطلب القائم بالنفس فلأنا إذا فرضنا الكلام في الطلب النفساني ~~القديم فهو وإن اتحد على أصلنا فإنما يكون أمرا بسبب تعلقه بإيجاد الفعل ~~وهو من هذه الجهة لا يكون نهيا لأنه إنما يكون نهيا بسبب تعلقه بترك الفعل ~~PageV02P192 وهما بسبب التغاير في التعلق والمتعلق متغايران # وإن فرضنا الكلام في الطلب القائم بالمخلوق فهو وإن تعدد فالأمر منه أيضا ~~إنما هو الطلب المتعلق بإيجاد الفعل والنهي منه هو الطلب المتعلق بتركه ~~وهما غيران # فإن قيل لو كان الأمر بالفعل مستلزما للنهي عن أضداده لكان الأمر ~~بالعبادة مستلزما للنهي عن جميع المباحات المضادة لها ويلزم من ذلك أن تكون ~~حراما إن كان النهي نهي تحريم أو مكروهة إن كان النهي نهي تنزيه وخرج ~~المباح عن كونه مباحا كما ذهب إليه الكعبي من المعتزلة بل ويلزم منه أن ~~يكون ما عدا العبادة المأمور بها من العبادات المضادة لها منهيا عنها ~~ومحرمة أو مكروهة وهو محال # كيف وإن الآمر بالفعل قد يكون غافلا عن أضداده والغافل عن الشيء لا يكون ~~ناهيا عنه لأن النهي عن الشيء يستدعي العلم به والعلم بالشيء مع الذهول عنه ~~محال # سلمنا أنه مستلزم للنهي عن أضداده لكن يمتنع ms361 أن يكون النهي عن الأضداد ~~غير الأمر بل يجب أن يكون هو هو بعينه كما قاله القاضي أبو بكر في أحد ~~قوليه ومأخذه أنه إذا وقع الاتفاق على أنه يلزم من الأمر بالفعل النهي عن ~~أضداده فذلك النهي إن كان هو غير الأمر فإما أن يكون ضدا له أو مثلا أو ~~خلافا PageV02P193 لا جائز أن يقال بالمضادة وإلا لما اجتمعا وقد اجتمعا # ولا جائز أن يكون مثلا لأن المتماثلات أضداد على ما عرف في الكلاميات # ولا جائز أن يكون خلافا وإلا جاز وجود أحدهما دون الآخر كما في العلم ~~والإرادة ونحوهما ولجاز أن يوجد أحدهما مع ضد الآخر كما يوجد العلم بالشيء ~~مع الكراهة المضادة لإرادته ويلزم من ذلك أنه إذا أمر بالحركة المضادة ~~للسكون إذا كان النهي عن السكون مخالفا للأمر بالحركة أن يجتمع الأمر ~~بالحركة والأمر بالسكون المضاد المنهي عنه وفيه الأمر بالضدين معا وهو ~~ممتنع على ما وقع به الفرض # وإذا بطلت المغايرة تعين الاتحاد # وعلى هذا فالحركة عين ترك السكون وشغل الجوهر بحيز هو عين تفريغه لغيره ~~وعين القرب من المشرق بالفعل الواحد هو عين البعد من المغرب فطلب أحدهما ~~بعينه طلب الآخر لاتحاد المطلوب # والجواب عن السؤال الأول أنا لا نمنع من كون المباحات بل الواجبات ~~المضادة المأمور بها منهيا عنها من جهة كونها مانعة من فعل المأمور به لا ~~في ذاتها كما نقول في فعل الصلاة في الدار المغصوبة فإنه في ذاته غير منهي ~~عنه وإن كا ن منهيا عنه من جهة ما يتعلق به من شغل ملك الغير كما سبق ذكره # ولا التفات إلى ما يهول به من خروج المباحات عن كونها مباحة فإن ذلك إنما ~~يلزم إن لو قيل بكونها منهيا عنها في ذواتها # وأما إذا قيل بكونها منهيا عنها من جهة كونها مانعة من فعل المأمور به ~~فلا # قولهم إنه قد يأمر بالفعل من هو غافل عن أضداده قلنا لا نسلم أن الآمر ~~بالشيء عند كونه آمرا به يتصور أن يكون ms362 عافلا عن طلب ترك ما يمنع من فعل ~~المأمور به من جهة الجملة وإن كان غافلا عن تفصيله # ونحن إنما نريد بقولنا إن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن الأضداد من ~~PageV02P194 جهة الجملة لا من جهة التفصيل قولهم إنه يمتنع أن يكون النهي ~~عن الأضداد غير الأمر قلنا دليله ما سبق # وما ذكره القاضي أبو بكر من الدليل فالمختار منه إنما هو قسم التخالف ولا ~~يلزم من ذلك جواز انفكاك أحدهما عن الآخر لجواز أن يكونا من قبيل المختلفات ~~المتلازمة كما في المتضايفات وكل متلازمين من الطرفين وبه يمتنع الجمع بين ~~وجود أحدهما وضد الآخر ولا يلزم من جواز ذلك في بعض المختلفات جوازه في ~~الباقي # وإذا بطل ما ذكره من دليل الاتحاد بطل ما هو مبني عليه # # | المسألة السابعة # مذهب أصحابنا والفقهاء وأكثر المعتزلة أن الإتيان بالمأمور به يدل على ~~الإجزاء خلافا للقاضي عبد الجبار من المعتزلة ومتبعيه فإنه قال لا يدل على ~~الإجزاء # وقبل الخوض في الحجاج لا بد من تحقيق معنى الإجزاء ليكون التوارد بالنفي ~~والإثبات على محز واحد فنقول كون الفعل مجزئا قد يطلق بمعنى أنه امتثل به ~~الأمر عندما إذا أتي به على الوجه الذي أمر به وقد يطلق بمعنى أنه مسقط ~~للقضاء وإذا علم معنى كون الفعل مجزئا فقد اتفق الكل على أن الإتيان ~~بالمأمور به على الوجه الذي أمر به يكون مجزئا بمعنى كونه امتثالا للأمر ~~وذلك مما لا خلاف فيه # وإنما خالف القاضي عبد الجبار في كونه مجزئا بالاعتبار الآخر وهو أنه لا ~~يسقط القضاء ولا يمتنع مع فعله من الأمر بالقضاء وهو مصرح به في عمده # وعلى هذا فكل من استدل من أصحابنا كإمام الحرمين وغيره من PageV02P195 ~~القائلين بالإجزاء على كون الفعل امتثالا وخروجا عن عهدة الأمر الأول فقد ~~استدل على محل الوفاق وحاد عن موضع التزاع # لكن قد أورد أبو الحسين البصري إشكالا على تفسير إجزاء الفعل بكونه مسقطا ~~للقضاء وقال لو أمر بالصلاة مع الطهارة فأتى بها من غير طهارة ms363 ومات عقيب ~~الصلاة فإنه لا يكون فعله مجزئا وإن كان القضاء ساقطا # وربما زاد عليه بعض الأصحاب وقال يمتنع تفسير الإجزاء بسقوط القضاء لأنا ~~نعلل وجوب القضاء بكون الفعل الأول لم يكن مجزئا والعلة لا بد وأن تكون ~~مغايرة للمعلول # والوجه في إبطالهما أن يقال أما الأول فلأن الإجزاء ليس هو نفس سقوط ~~القضاء مطلقا ليلزم ما قيل بل سقوط القضاء بالفعل في حق من يتصور في حقه ~~وجوب القضاء وذلك غير متصور في حق الميت # وأما الثاني فلأن علة صحة وجوب القضاء إنما هو استدراك ما فات من مصلحة ~~أصل العبادة أو صفتها أو مصلحة ما انعقد سبب وجوبه # ولم يجب لمانع لا ما قيل # وإذا تنقح محل النزاع فنعود إلى المقصود فنقول الفعل المأمور به لا يخلو ~~إما أن يكون قد أتى به المأمور على نحو ما أمر به من غير خلل ولا نقص في ~~صفته وشرطه أو أتى به على نوع من الخلل # والقسم الثاني أنه لا نزاع في كونه غير مجزىء ولا مسقط للقضاء وإنما ~~النزاع في القسم الأول وليس النزاع فيه أيضا من جهة أنه يمتنع ورود أمر ~~مجدد بعد خروج الوقت بفعل مثل ما أمر به أولا وإنما النزاع في ورود الأمر ~~بالفعل متصفا بصفة القضاء والحق نفيه لأن القضاء عبارة عن استدراك ما فات ~~من مصلحة الأداء أو مصلحة صفته أو شرطه # وإذا كان المأمور به قد فعل على جهة الكمال والتمام من غير نقص ولا خلل ~~فوجوب القضاء استدراكا لما قد حصل تحصيل للحاصل وهو محال # ومن ينفي القضاء إنما ينفيه بهذا التفسير وهذا مما يتعذر مع تحقيقه ~~المنازعة فيه وإن كان لا ينكر إمكان ورود الأمر خارج الوقت بمثل ما فعل ~~أولا غير أنه لا يسميه PageV02P196 قضاء # ومن سماه قضاء فحاصل النزاع معه آيل إلى اللفظ دون المعنى # شبه الخصوم الأولى أن من صلى وهو يظن أنه متطهر ولم يكن متطهرا مأمور ~~بالصلاة فإن كان مأمورا بها مع الطهارة حقيقة فهو ms364 عاص آثم بصلاته حيث لم ~~يكن متطهرا وإن كان مأمورا بالصلاة على حسب حاله فقد أتى بما أمر به على ~~الوجه الذي أمر به ومع ذلك يجب عليه القضاء إذ لم يكن متطهرا # وكذلك المفسد للحج مأمور بمضيه في حجة الفاسد ويجب عليه القضاء # الثانية أن الأمر لا يدل على غير طلب الفعل ولا دلالة له على امتناع ~~التكليف بمثل فعل ما أمر به فلا يكون مقتضيا له # الثالثة أن الأمر مثل النهي في الطلب والنهي لا دلالة فيه على فساد ~~المنهي عنه فالأمر لا يدل على كون المأمور به مجزئا # وجواب الأولى أنا لا نسلم وجوب القضاء فيما إذا صلى على ظن الطهارة ثم ~~علم أنه لم يكن متطهرا على قول لنا وإن سلمنا وجوب القضاء لكنه ليس واجبا ~~عما أمر به من الصلاة المظنون طهارتها ولا عما أمر به من المضي في الحج ~~الفاسد لأنه قد أتى بما أمر به على النحو الذي أمر به وإنما القضاء استدراك ~~لمصلحة ما أمر به أولا من الصلاة مع الطهارة والحج العري عن الفساد # وعن الثانية أنا لا نمنع من ورود أمر يدل على مثل ما فعل أولا وإنما ~~المدعى أنه إذا أتى المأمور بفعل المأمور به على نحو ما أمر به امتنع وجوب ~~القضاء بما ذكرناه من التفسير # وعن الثالثة أنه قياس في اللغة وقد أبطلناه وإن سلم صحته غير أنا لا نقول ~~بأن الأمر يدل على الإجزاء بمعنى امتناع وجوب القضاء بل امتثال الأمر هو ~~المانع من وجوب القضاء على ما تقرر وفرق بين الأمرين PageV02P197 # # | المسألة الثامنة # إذا وردت صيغة افعل اختلفوا فمنهم من أجراها على الوجوب ولم يجعل لسبق ~~الحظر تأثيرا كالمعتزلة ومنهم من قال بأنها للإباحة ورفع الحجر لا غير وهم ~~أكثر الفقهاء ومنهم من توقف كإمام الحرمين وغيره # والمختار أنها وإن كانت ظاهرة في الطلب والاقتضاء وموقوفة بالنسبة إلى ~~الوجوب والندب على ما سبق تقرير كل واحد من الأمرين إلا أنها محتملة ~~للإباحة والإذن في الفعل ms365 كما تقدم # فإذا وردت بعد الحظر احتمل أن تكون مصروفة إلى الإباحة ورفع الحجر كما في ~~قوله تعالى @QB@ وإذا حللتم فاصطادوا @QE@ 5 المائدة 2 ) @QB@ فإذا طعمتم ~~فانتشروا @QE@ 33 @QB@ الأحزاب @QE@ @QB@ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا @QE@ ~~62 الجمعة 10 ) وقوله صلى الله عليه وسلم كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي ~~فادخروا واحتمل أن تكون مصروفة إلى الوجوب كما لو قيل للحائض والنفساء إذا ~~زال عنك الحيض فصلي وصومي # وعند هذا فإما أن يقال بتساوي الاحتمالين أو بترجيح أحدهما على الآخر # فإن قيل بالتساوي امتنع الجزم بأحدهما ووجب التوقف # وإن قيل بوجوب الترجيح وامتناع التعارض من كل وجه فليس اختصاص الوجوب به ~~أولى من الإباحة إلا أن يقوم الدليل على التخصيص والأصل عدمه # وعلى هذا أيضا فيجب التوقف كيف وأن احتمال الحمل على الإباحة أرجح نظرا ~~إلى غلبة ورود مثل ذلك للإباحة دون الوجوب # وعلى كل تقدير فيمتنع الصرف إلى الوجوب PageV02P198 # وبالجملة فهذه المسألة مستمدة من مسألة أن صيغة افعل إذا وردت مطلقة هل ~~هي ظاهرة في الوجوب أو الندب أو موقوفة # وقد تقرر مأخذ كل فريق وما هو المختار فيه والله أعلم # # | المسألة التاسعة # إذا ورد الأمر بعبادة في وقت مقدر فلم تفعل فيه لعذر أو لغير عذر أو فعلت ~~فيه على نوع من الخلل اختلفوا في وجوب قضائها بعد ذلك الوقت هل هو بالأمر ~~الأول أو بأمر مجدد الأول هو مذهب الحنابلة وكثير من الفقهاء والثاني هو ~~مذهب المحققين من أصحابنا والمعتزلة # ونقل عن أبي زيد الدبوسي أنه قال بوجوب القضاء بقياس الشرع # وإن ورد مطلقا غير مقيد بوقت فمن قال بحمله على الفور اختلفوا فيما إذا ~~وقع الإخلال به في أول وقت الإمكان هل يجب قضاؤه بنفس ذلك الأمر أو بأمر ~~مجدد # والمختار أنه مهما قيد الأمر بوقت فالقضاء بعده لا يكون إلا بأمر مجدد # وبيانه من وجوه # الأول أنه لو كان الأمر الأول مقتضيا للقضاء لكان مشعرا به وهو غير مشعر ~~به فإنه إذا قال صم في يوم الخميس أو ms366 صل في وقت الزوال فإنه لا إشعار له ~~بإيقاع الفعل في غير ذلك الوقت لغة # الثاني أنه إذا علق الفعل بوقت معين فلا بد وأن يكون ذلك لحكمة ترجع إلى ~~المكلف إذ هو الأصل في شرع الأحكام # وسواء ظهرت الحكمة أم لم تظهر وتلك الحكمة إما أن تكون حاصلة PageV02P199 ~~من الفعل في غير ذلك الوقت أو غير حاصلة وليست حاصلة لثلاثة أوجه الأول أنه ~~يحتمل أن يكون ويحتمل أن لا يكون والأصل العدم # الثاني أنها لو كانت حاصلة فإما أن تكون مثلا لها في الوقت الأول أو أزيد ~~لا جائز أن تكون أزيد وإلا كان الحث على إيجاد الفعل بعد فوات وقته أولى من ~~فعله في الوقت وهو محال # وإن كانت مثلا فهو ممتنع وإلا لما كان تخصيص أحد الوقتين بالذكر أولى من ~~الآخر # الثالث أن الفعل في الوقت موصوف بكونه أداء وقد قال عليه السلام لن يتقرب ~~المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت عليهم # وإذا لم تكن حاصلة في الوقت الثاني حسب حصولها في الوقت الأول فلا يلزم ~~من اقتضاء الأمر للفعل في الوقت الأول أن يكون مقتضيا له فيما بعده # وصار هذا كما لو أمر الطبيب بشرب الدواء في وقت فإنه لا يكون متناولا ~~لغير ذلك الوقت # وكذلك إذا علق الأمر بشرط معين كاستقبال جهة معينة أو بمكان معين كالأمر ~~بالوقوف بعرفة فإنه لا يكون متناولا لغيره # الوجه الثالث من الوجوه الأول أن العبادات المأمور بها منقسمة إلى ما يجب ~~قضاؤه كالصوم والصلاة وإلى ما لا يجب كالجمعة والجهاد # فلو كان الأمر الأول مقتضيا للقضاء لكان القول بعدم القضاء فيما فرض من ~~الصور على خلاف الدليل وهو ممتنع # الرابع قوله صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ~~ذكرها أمر بالقضاء ولو كان مأمورا به بالأمر الأول لكانت فائدة الخبر ~~PageV02P200 التأكيد ولو لم يكن مأمورا به لكانت فائدته التأسيس وهو أولى ~~لعظم فائدته # فإن قيل ما ذكرتموه معارض من خمسة أوجه # الأول قوله صلى ms367 الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ومن ~~فاته الوقت الأول فهو مستطيع للفعل في الوقت الثاني # الثاني أن الأمر إنما يدل على طلب الفعل وهو مقتضاه لا غير وأما الزمان ~~فلا يكون مطلوبا بالأمر إذ ليس هو من فعل المكلف وإنما وقع ذلك ضرورة كونه ~~ظرفا للفعل فاختلاله لا يؤثر في مقتضى الأمر وهو الفعل # الثالث أن الغالب من المأمورات في الشرع إنما هو القضاء بتقدير فوات ~~أوقاتها المعينة ولا بد لذلك من مقتض والأصل عدم كل ما سوى الأمر السابق ~~فكان هو المقتضي # الرابع أنه لو وجب القضاء بأمر مجدد لكان أداء كما في الأمر الأول ولما ~~كان لتسميته قضاء معنى # الخامس أن العبادة حق لله تعالى والوقت المفروض كالأجل لها ففوات أجلها ~~لا يوجب سقوطها كما في الدين للآدمي ولأنه لو سقط وجوب الفعل بفوات الوقت ~~لسقط المأثم لأنه من أحكام وجوب الفعل ولأن الأصل بقاء الوجوب # فالقول بالسقوط بفوات الأجل على خلاف مقتضى الأصل # والجواب عن المعارضة الأولى أن الخبر دليل وجوب الإتيان بما استطيع من ~~المأمور به وإنما يفيد أن لو كان الفعل في الوقت الثاني داخلا تحت الأمر ~~الأول وهو محل النزاع PageV02P201 # وعن الثاني أن الأمر اقتضى مطلق الفعل أو فعلا مخصوصا بصفة وقوعه في وقت ~~معين الأول ممنوع والثاني مسلم # وعن الثالث أن القضاء فيما قيل بقضائه إنما كان بناء على أدلة أخرى لا ~~بالأمر الأول # قولهم الأصل عدم ما سوى الأمر الأول قلنا والأصل عدم دلالة الأمر الأول ~~عليه كيف وقد بينا عدم دلالته # وعن الرابع أنه إنما سمي قضاء لكونه مستدركا لما فات من مصلحة الفعل ~~المأمور به أولا أو مصلحة وصفه كما تقدم تحقيقه # وعن الخامس بمنع كون الوقت أجلا للفعل المأمور به إذ الأجل عبارة عن وقت ~~مهلة وتأخير المطالبة بالواجب من أوله إلى آخره كما في الحول بالنسبة إلى ~~وجوب الزكاة # ولذلك لا يأثم بإخراج وقت الأجل عن قضاء الدين وإخراج الحول عن أداء ~~الزكاة ms368 فيه ولا كذلك الوقت المقدر للصلاة بل هو صفة الفعل الواجب # ومن وجب عليه فعل بصفة لا يكون مؤديا له دون تلك الصفة # وعلى هذا فلا يخفى الكلام في الأمر المطلق إذا كان محمولا على الفور ولم ~~يؤت بالمأمور به في أول وقت الإمكان # # | المسألة العاشرة # الأمر المتعلق بأمر المكلف لغيره بفعل من الأفعال لا يكون أمرا لذلك ~~الغير بذلك الفعل # وبيانه من وجهين الأول أنه لو كان أمرا لذلك الغير لكان ذلك مقتضاه لغة ~~ولو كان كذلك لكان أمره صلى الله عليه وسلم لأولياء الصبيان قوله مروهم ~~بالصلاة وهم أبناء سبع أمرا للصبيان بالصلاة من الشارع وليس كذلك لوجهين ~~PageV02P202 # الأول أن الأمر الموجه نحو الأولياء أمر تكليف ولذلك يذم الولي بتركه ~~شرعا فلو كان ذلك أيضا أمرا للصبيان لكانوا مكلفين بأمر الشارع وخاصة ذلك ~~لحوق الذم بالمخالفة شرعا وهو غير متصور في حق الصبيان لعدم فهمهم لخطاب ~~الشارع ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى ~~يبلغ الخبر ويمكن أن يقال فيه الأمر للولي والصبي وإن كان واحدا غير أن ~~نسبته إليهما مختلفة فلا يمتنع اختلافهما في الذم بسبب ذلك # الثاني أنه لو كان أمرا للصبي لم يخل إما أن يكون أهلا لفهم خطاب الشارع ~~أو لا يكون أهلا له # فإن كان الأول فلا حاجة إلى أمر الولي له أو أن يكون أحد الأمرين تأكيدا ~~والأصل في إفادة الألفاظ لمعانيها إنما هو التأسيس وإن لم يكن أهلا له ~~فأمره وخطابه ممتنع بالإجماع # وإذا لم يكن أمر الولي بأمر الصبيان أمرا للصبيان فإما أن يكون ذلك لعدم ~~اقتضائه لذلك لغة أو لمعارض والمعارضة يلزم منها تعطيل أحد الدليلين عن ~~إعماله وهو خلاف الأصل فلم يبق إلا أن يكون ذلك لعدم اقتضائه له لغة وهو ~~المطلوب # الثاني من الوجهين الأولين أنه يحسن أن يقول السيد لعبده سالم مر غانما ~~بكذا ويقول لغانم لا تطعه ولا يعد ذلك مناقضة في كلامه ولو كان ذلك أمرا ~~لغانم ms369 لكان كأنه قال أوجبت عليك طاعتي ولا تطعني وهو تناقض # وعلى هذا لو أوجب الآمر على المأمور أن يأخذ من غيره مالا لا يكون ذلك ~~إيجابا للإعطاء على ذلك الغير كما في قوله تعالى لنبيه @QB@ خذ من أموالهم ~~صدقة @QE@ 9 التوبة 103 ) فإن ذلك لا يدل على إيجاب إعطاء الصدقة على الأمة ~~بنفس ذلك الإيجاب بل إن وجب فإنما يجب بدليل آخر موجب لطاعة الرسول فيما ~~يحكم به تعظيما له ونفيا لما يلزم من مخالفته من تحقيره وهضمه في أعين ~~الناس المبعوث إليهم المفضي إلى الإخلال بمقصود البعثة وإلا فلا يبعد أن ~~يقول السيد لأحد عبديه أوجبت عليك أن تأخذ من العبد الآخر كذا ويقول للآخر ~~PageV02P203 حرمت عليك موافقته من غير مناقضة فيما أوجبه ولو كان إيجاب ذلك ~~على أحد العبدين إيجابا على العبد الآخر لكان تناقضا # فإن قيل وجوب الأخذ إنما يتم بالإعطاء وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب # قلنا إن كان الوجوب متعلقا بنفس الطلب فهو غير متوقف على الإعطاء # وإن كان متعلقا بنفس الأخذ ( وإن كان لا يتم ذلك دون الإعطاء ) فليس كل ~~ما يتوقف عليه الواجب يكون واجبا إلا أن يكون ذلك مقدورا لمن وجب عليه ~~الأخذ وإعطاء الغير غير مقدور لمن وجب عليه الأخذ فلا يكون واجبا # # | المسألة الحادية عشرة # إذا أمر بفعل من الأفعال مطلقا غير مقيد في اللفظ بقيد خاص قال بعض ~~أصحابنا الأمر إنما تعلق بالماهية الكلية المشتركة ولا تعلق له بشيء من ~~جزئياتها وذلك كالأمر بالبيع فإنه لا يكون أمرا بالبيع بالغبن الفاحش ولا ~~بثمن المثل إذ هما متفقان في مسمى البيع ومختلفان بصفتهما # والأمر إنما تعلق بالقدر المشترك وهو غير مستلزم لما تخصص به كل واحد من ~~الأمرين فلا يكون الأمر المتعلق بالأعم متعلقا بالأخص اللهم إلا أن تدل ~~القرينة على إرادة أحد الأمرين # قال ولذلك قلنا إن الوكيل في البيع المطلق لا يملك البيع بالغبن ~~PageV02P204 الفاحش وهو غير صحيح # وذلك لأن ما به الاشتراك بين الجزئيات معنى ms370 كلي لا تصور لوجوده في ~~الأعيان وإلا كان موجودا في جزئياته # ويلزم من ذلك انحصار ما يصلح اشتراك كثيرين فيه فيما لا يصلح لذلك وهو ~~محال # وعلى هذا فليس معنى اشتراك الجزئيات في المعنى الكلي هو أن الحد المطابق ~~للطبيعة الموصوفة بالكلية مطابق للطبيعة الجزئية بل إن تصور وجوده فليس في ~~غير الأذهان # وإذا كان كذلك فالأمر طلب إيقاع الفعل على ما تقدم وطلب الشيء يستدعي ~~كونه متصورا في نفس الطالب على ما تقدم تقريره # وإيقاع المعنى الكلي في الأعيان غير متصور في نفسه فلا يكون متصورا في ~~نفس الطالب فلا يكون أمرا به ولأنه يلزم منه التكليف بما لا يطاق ومن أمر ~~بالفعل مطلقا لا يقال إنه مكلف بما لا يطاق فإذا الأمر لا يكون بغير ~~الجزئيات الواقعة في الأعيان لا بالمعنى الكلي وبطل ما ذكره # ثم وإن سلم أن الأمر متعلق بالمعنى الكلي المشترك وهو المسمى بالبيع فإذا ~~أتى المأمور ببعض الجزئيات كالبيع بالغبن الفاحش فقد أتى بما هو مسمى البيع ~~المأمور به الموكل فيه فوجب أن يصح نظرا إلى مقتضى صيغة الأمر المطلق ~~بالبيع # وإن قيل بالبطلان فلا يكون ذلك لعدم دلالة الأمر به بل لدليل معارض # # | المسألة الثانية عشرة # الأمران المتعاقبان إما أن لا يكون الثاني معطوفا على الأول أو يكون ~~معطوفا فإن كان الأول فإما أن يختلف المأمور به أو يتماثل فإن اختلف فلا ~~خلاف في اقتضاء المأمورين على اختلاف المذاهب في الوجوب والندب والوقف ~~وسواء أمكن الجمع بينهما كالصلاة مع الصوم أم لا يمكن الجمع كالصلاة في ~~مكانين أو الصلاة مع أداء الزكاة وإن تماثل فإما PageV02P205 أن يكون ~~المأمور به قابلا للتكرار أو لا يكون قابلا له فإن لم يكن قابلا له كقوله ~~صم يوم الجمعة صم يوم الجمعة فإنه للتأكيد المحض وإن كان قابلا للتكرار فإن ~~كانت العادة مما تمنع من تكرره كقول السيد لعبده اسقني ماء اسقني ماء أو ~~كان الثاني منهما معرفا كقوله أعط زيدا درهما أعط زيدا الدرهم فلا خلاف ms371 ~~أيضا في كون الثاني مؤكدا للأول # وإنما الخلاف فيما لم تكن العادة مانعة من التكرار والثاني غير معرف ~~كقوله صل ركعتين صل ركعتين # فقال القاضي عبد الجبار إن الثاني يفيد غير ما أفاده الأول ويلزم الإتيان ~~بأربع ركعات مصيرا منه إلى أن الأمر الثاني لو انفرد أفاد اقتضاء الركعتين ~~فكذلك إذا تقدمه أمر آخر لأن الاقتضاء لا يختلف # وخالفه أبو الحسين البصري بالذهاب إلى الوقف والتردد بين حمل الأمر ~~الثاني على الوجوب أو التأكيد للأول والأظهر أنه إذا لم تكون العادة مانعة ~~من التكرار ولا الثاني معرف أن مقتضى الثاني غير مقتضى الأول # وسواء قلنا إن مقتضى الأمر الوجوب أم الندب أم هو موقوف بين الوجوب ~~والندب كما سبق لأنه لو كان مقتضيا عين ما اقتضاه الأول لكانت فائدته ~~التأكيد ولو كان مقتضيا غير ما اقتضاه الأول لكانت فائدته التأسيس والتأسيس ~~أصل والتأكيد فرع وحمل اللفظ على الفائدة الأصلية أولى # فإن قيل إلا أنه يلزم منه تكثير مخالفة النفي الأصلي ودليل براءة الذمة ~~من القدر الزائد وليس أحد الأمرين أولى من الآخر فهو معارض بما يلزم من ~~التأكيد من مخالفة ظاهر الأمر فإنه إما أن يكون ظاهرا في الوجوب أو الندب ~~أو هو متردد بينهما على وجه لا خروج له عنهما على اختلاف المذاهب وحمله على ~~التأكيد خلاف ما هو الظاهر من الأمر # وإذا تعارض الترجيحان سلم لنا ما ذكرناه أولا # كيف وإنه يحتمل أن يكون للوجوب في نفس الأمر وفي تركه محذور فوات المقصود ~~من الواجب وتحصيل مقصود التأكيد PageV02P206 ولا يخفى أن تفويت مقصود ~~التأكيد وتحصيل مقصود الواجب أولى # وأما إن كان الأمر الثاني معطوفا على الأول فإن كان المأمور به مختلفا ~~فلا نزاع أيضا في اقتضائهما للمأمورين أمكن الجمع بينهما أو لم يمكن # وإن تماثلا فالمأمور به إن لم يقبل التكرار فالأمر الثاني للتأكيد من غير ~~خلاف كقوله صم يوم الجمعة وصم يوم الجمعة وإن كان قابلا للتكرار فإن لم تكن ~~العادة مانعة من التكرار ولا الثاني معرف ms372 فالحكم على ما تقدم فيما إذا لم ~~يكن حرف عطف ويزيد ترجيح آخر وهو موافقة الظاهر من حروف العطف وذلك كقوله ~~صل ركعتين وصل ركعتين # وأما إن كانت العادة تمنع من التكرار أو كان الثاني معرفا كقوله اسقني ~~ماء واسقني ماء وكقوله صل ركعتين وصل ركعتين فقد تعارض الظاهر من حروف ~~العطف مع اللام المعرف أو مع منع العادة من التكرار ويبقى الأمر على ما ~~ذكرنا فيما إذا لم يكن حرف عطف ولا ثم تعريف ولا عادة مانعة من التكرار # وقد عرف ما فيه # وأما إن اجتمع التعريف والعادة المانعة من التكرار في معارضة حرف العطف ~~كقوله اسقني ماء واسقني الماء فالظاهر الوقف لأن حرف العطف مع ما ذكرناه من ~~الترجيح السابق الموجب لحمل الأمر الثاني على التأسيس واقع في مقابلة ~~العادة المانعة من التكرار ولام التعريف ولا يبعد ترجيح أحد الأمرين بما ~~يقترن به من ترجيحات أخر PageV02P207 # | الصنف الثاني في النهي # أعلم أنه لما كان النهي مقابلا للأمر فكل ما قيل في حد الأمر على أصولنا ~~وأصول المعتزلة من المزيف والمختار فقد قيل مقابله في حد النهي ولا يخفى ~~وجه الكلام فيه # والكلام في أن النهي على أصول أصحابنا هل له صيغة تخصه وتدل عليه فعلى ما ~~سبق في الأمر أيضا وأن صيغة لا تفعل وإن ترددت بين سبعة محامل وهي التحريم ~~والكراهة والتحقير كقوله تعالى @QB@ ولا تمدن عينيك @QE@ 55 الحجر 88 ) ~~وبيان العاقبة كقوله @QB@ ولا تحسبن الله غافلا @QE@ 14 إبراهيم 42 ) ~~والدعاء كقوله لا تكلنا إلى أنفسنا واليأس كقوله @QB@ لا تعتذروا اليوم ~~@QE@ 66 التحريم 7 ) والإرشاد كقوله @QB@ لا تسألوا عن أشياء @QE@ ~~PageV02P208 فهي حقيقة في طلب الترك واقتضائه ومجاز فيما عداه # وأنها هل هي حقية في التحريم أو الكراهة أو مشتركة بينهما أو موقوفة فعلى ~~ما سبق في الأمر من المزيف والمختار # والخلاف في أكثر مسائله فعلى وزان الخلاف في مقابلاتها من مسائل الأمر ~~ومأخذها كمأخذها فعلى الناظر بالنقل والاعتبار # غير أنه لا بد من الإشارة إلى ما تدعو ms373 الحاجة إلى معرفته من المسائل ~~الخاصة بالنهي لاختصاصها بمأخذ لا تحقق له في مقابلاتها من مسائل الأمر وهي ~~ثلاث مسائل # | المسألة الأولى # اختلفوا في أن النهي عن التصرفات والعقود المفيدة لأحكامها كالبيع ~~والنكاح ونحوهما هل يقتضي فسادها أو لا فذهب جماهير الفقهاء من أصحاب ~~الشافعي ومالك وأبي حنيفة والحنابلة وجميع أهل الظاهر وجماعة من المتكلمين ~~إلى فسادها لكن اختلفوا في جهة الفساد فمنهم من قال إن ذلك من جهة اللغة ~~ومنهم من قال إنه من جهة الشرع دون اللغة ومنهم من لم يقل بالفساد وهو ~~اختيار المحققين من أصحابنا كالقفال وإمام الحرمين والغزالي وكثير من ~~الحنفية وبه قال جماعة من المعتزلة كأبي عبد الله البصري وأبي الحسين ~~الكرخي والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري وكثير من مشايخهم # ولا نعرف خلافا في أن ما نهى عنه لغيره أنه لا PageV02P209 يفسد كالنهي ~~عن البيع في وقت النداء يوم الجمعة إلا ما نقل عن مذهب مالك وأحمد بن حنبل ~~في إحدى الروايتين عنه # والمختار أن ما نهي عنه لعينه فالنهي لا يدل على فساده من جهة اللغة بل ~~من جهة المعنى # أما أنه لا يدل على الفساد من جهة اللغة فلأنه لا معنى لكون التصرف فاسدا ~~سوى انتفاء أحكامه وثمراته المقصودة منه وخروجه عن كونه سببا مفيدا لها ~~والنهي هو طلب ترك الفعل ولا إشعار له بسلب أحكامه وثمراته وإخراجه عن كونه ~~سببا مفيدا لها # ولهذا فإنه لو قال نهيتك عن ذبح شاة الغير بغير إذنه لعينه ولكن إن فعلت ~~حلت الذبيحة وكان ذلك سببا للحل ونهيتك عن استيلاد جارية الابن لعينه وإن ~~فعلت ملكتها ونهيتك عن بيع مال الربا بجنسه متفاضلا لعينه وإن فعلت ثبت ~~الملك وكان البيع سببا له فإنه لا يكون متناقضا # ولو كان النهي عن التصرف لعينه مقتضيا لفساده لكان ذلك متناقضا # وأما أنه يدل على الفساد من جهة المعنى فذلك لأن النهي طلب ترك الفعل وهو ~~إما أن يكون لمقصود دعا الشارع إلى طلب ترك الفعل أو لا ms374 لمقصود لا جائز أن ~~يقال إنه لا لمقصود # أما على أصول المعتزلة فلأنه عبث والعبث قبيح والقبيح لا يصدر من الشارع # وأما على أصولنا فإنا وإن جوزنا خلو أفعال الله تعالى عن الحكم والمقاصد ~~غير أنا نعتقد أن الأحكام المشروعة لا تخلو عن حكمة ومقصود راجع إلى العبد ~~لكن لا بطريق الوجوب بل بحكم الوقوع # فالإجماع إذا منعقد على امتناع خلو الأحكام الشرعية عن الحكم وسواء ظهرت ~~لنا أم لم تظهر # وبتقدير تسليم خلو بعض الأحكام عن الحكمة إلا أنه نادر والغالب عدم الخلو # وعند ذلك فإدراج ما وقع فيه النزاع تحت الغالب يكون أغلب PageV02P210 # وإذا بطل أن يكون ذلك لا لمقصود تعين أن يكون لمقصود وإذا كان لمقصود فلو ~~صح التصرف وكان سببا لحكمه المطلوب منه فإما أن يكون مقصود النهي راجحا على ~~مقصود الصحة أو مساويا أو مرجوحا لا جائز أن يكون مرجوحا إذ المرجوح لا ~~يكون مقصودا مطلوبا في نظر العقلاء # والغالب من الشارع إنما هو التقرير لا التغيير # وما لا يكون مقصودا فلا يرد طلب الترك لأجله وإلا كان الطلب خليا عن ~~الحكمة وهو ممتنع لما سبق # وبمثل ذلك يتبين أنه لا يكون مساويا فلم يبق إلا أن يكون راحجا على مقصود ~~الصحة ويلزم من ذلك امتناع الصحة وامتناع انعقاد التصرف لإفادة أحكامه وإلا ~~كان الحكم بالصحة خليا عن حكمة ومقصود ضرورة كون مقصودها مرجوحا على ما ~~تقدم تقريره وإثبات الحكم خليا عن الحكمة في نفس الأمر ممتنع لما فيه من ~~مخالفة الإجماع وهو المطلوب # فإن قيل ما ذكرتموه من كون النهي لا يدل على الفساد لغة معارض بما يدل ~~عليه # وبيانه من جهة النص والإجماع والمعنى # أما من جهة النص فقوله صلى الله عليه وسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا ~~فهو رد وفي رواية أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد والمردود ما ليس بصحيح ~~ولا مقبول # ولا يخفى أن المنهي ليس بمأمور ولا هو من الدين فكان مردودا # وأما الإجماع فهو أن ms375 الصحابة استدلوا على فساد العقود بالنهي فمن ذلك ~~احتجاج ابن عمر على فساد نكاح المشركات بقوله تعالى @QB@ ولا تنكحوا ~~المشركات @QE@ PageV02P211 2 البقرة 221 ) ولم ينكر عليه منكر فكان إجماعا # ومنها احتجاج الصحابة على فساد عقود الربا بقوله تعالى @QB@ وذروا ما بقي ~~من الربا @QE@ 2 البقرة 278 ) وبقوله صلى الله عليه وسلم لا تبيعوا الذهب ~~بالذهب ولا الورق بالورق الحديث إلى آخره # وأما المعنى فمن وجهين الأول أنا أجمعنا على حمل بعض المناهي على الفساد ~~كالنهي عن بيع الجزء المجهول ولو لم يكن ذلك مقتضى النهي ويلزم منه الفساد ~~حيث وجد وإلا كان فيه نفي المدلول مع تحقق دليله وهو ممتنع مخالف للأصل # الثاني النهي مشارك للأمر في الطلب والاقتضاء ومخالف له في طلب الترك ~~والأمر دليل الصحة فليكن النهي دليل الفساد المقابل للصحة ضرورة كون النهي ~~مقابلا للأمر وأنه يجب أن يكون حكم أحد المتقابلين مقابلا لحكم الآخر # ثم ما ذكرتموه منقوض بالنهي عن العبادة لعينها فإنا أجمعنا على أنها لا ~~تصح ولو صرح الناهي بالصحة لكان متناقضا # وإن سلمنا أن النهي لا يدل على الفساد لغة ولكن لا نسلم دلالته على ~~الفساد من جهة المعنى # وما ذكرتموه من وجوب ترجيح مقصود النهي على مقصود الصحة فغايته أنه يناسب ~~نفي الصحة وليس يلزم من ذلك نفي الصحة إلا أن يتبين له شاهد بالاعتبار # ولو بينتم له شاهدا بالاعتبار كان الفساد لازما من القياس لا من نفس ~~النهي ولا من معناه # والجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد ~~من ثلاثة أوجه PageV02P212 الأول لا نسلم أن الفعل المأتي به من حيث إنه ~~سبب لترتب أحكامه عليه ليس من الدين حتى يكون مرودا # الثاني أنه أراد به الفاعل وتقديره من أدخل في ديننا ما ليس منه فالفاعل ~~رد أي مردود ومعنى كونه مردودا أنه غير مثاب عليه ونحن نقول به # فإن قيل عود الضمير إلى الفعل أولى إذ هو أقرب مذكور قلنا إلا أنه ms376 يلزم ~~منه المعارضة بينه وبين ما ذكرناه من الدليل ولا كذلك فيما إذا عاد إلى نفس ~~الفاعل فكان عوده إلى الفاعل أولى # الثالث أنه وإن عاد إلى نفس الفعل المنهي عنه إلا أن معنى كونه ردا أنه ~~مردود بمعنى أنه غير مقبول وما لا يكون مقبولا هو الذي لا يكون مثابا عليه ~~ولا يلزم من كونه غير مثاب عليه أن لا يكون سببا لترتب أحكامه الخاصة به ~~عليه وهو عين محل النزاع # وعن الحديث الآخر ما ذكرناه من الوجه الثاني والثالث # ثم وإن سلمنا دلالتهما على الفساد فليس في ذلك ما يدل على أن الفساد من ~~مقتضيات النهي بل من دليل آخر وهو قوله فهو رد ونحن لا ننكر ذلك # وعن الإجماع لا نسلم صحة احتجاجهم بدلالة النهي لغة على الفساد بل إن صح ~~ذلك فإنما يصح بالنظر إلى دلالة الالتزام على ما قررنا ويجب الحمل عليه ~~جمعا بينه وبين ما ذكرناه من الدليل وبه يخرج الجواب عن الوجه الأول من ~~المعنى # وعن الثاني من المعنى أن النهي وإن كان مقابلا للأمر فلا نسلم أن الأمر ~~مقتض للصحة حتى يكون النهي مقتضيا للفساد # وإن سلمنا اقتضاء الأمر للصحة وأن النهي مقابل له فلا نسلم لزوم اختلاف ~~حكميهما لجواز اشتراك المتقابلات في لازم واحد # وإن سلم أنه يلزم من ذلك تقابل حكميهما فيلزم أن لا يكون النهي مقتضيا ~~للصحة # أما أن يكون مقتضيا للفساد فلا وأما النقض بالنهي عن العبادة فمندفع لأنه ~~مهما كان النهي عن PageV02P213 الفعل لعينه فلا يتصور أن يكون عبادة مأمورا ~~بها وما لم يكن عبادة فلا يتصور صحته عبادة وإن قيل بفساده من جهة خروجه عن ~~كونه سببا لترتيب الأحكام الخاصة به عليه فهو محل النزاع # وعن الاعتراض الأخير أنا لا نقضي بالفساد لوجود مناسب الفساد ليفتقر إلى ~~شاهد بالاعتبار وإنما قضينا بالفساد لعدم المناسب المعتبر بما بيناه من ~~استلزام النهي لذلك # # | المسألة الثانية # اتفق أصحابنا على أن النهي عن الفعل لا يدل على صحته ونقل أبو ms377 زيد عن ~~محمد بن الحسن وأبي حنيفة أنهما قالا يدل على صحته # والمختار مذهب أصحابنا لوجهين الأول أن النهي لو دل على الصحة فإما أن ~~يدل عليها بلفظه أو بمعناه إذ الأصل عدم ما سوى ذلك واللازم ممتنع وبيان ~~امتناع دلالته على الصحة بلفظه أن صحة الفعل لا معنى لها سوى ترتب أحكامه ~~الخاصة به عليه والنهي لغة لا يزيد على طلب ترك الفعل ولا إشعار له بغير ~~ذلك نفيا ولا إثباتا # وبيان امتناع دلالته على الصحة بمعناه ما بيناه من أن النهي بمعناه يدل ~~على الفساد في المسألة المتقدمة فلا يكون ذلك مفيدا لنقيضه وهو الصحة # الوجه الثاني أنا أجمعنا على وجود النهي حيث لا صحة كالنهي عن بيع ~~الملاقيح والمضامين وبيع حبل الحبلة وكالنهي عن الصلاة في أيام الحيض بقوله ~~صلى الله عليه وسلم دعي الصلاة أيام إقرائك والنهي عن نكاح ما نكح الأباء ~~بقوله تعالى @QB@ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء @QE@ 4 @QB@ النساء ~~ولو @QE@ PageV02P214 كان النهي مقتضيا للصحة لكان تخلف الصحة مع وجود ~~النهي على خلاف الدليل وهو خلاف الأصل وسواء كان لمعارض أو لا لمعارض # فإن قيل إذا نهى الشرع عن صوم يوم النحر وعن الصلاة في الأوقات والأماكن ~~المكروهة وعن بيع الربا فالأصل تنزيل لفظ الصلاة والصوم والبيع على عرف ~~الشارع وعرف الشارع في ذلك إنما هو الفعل المعتبر في حكمه شرعا فلو لم يكن ~~التصرف المنهي عنه كذلك لما كان هو التصرف الشرعي وهو ممتنع # قلنا أولا لا نسلم وجود عرف الشرع في هذه الأسماء لما سبق وإن سلمنا أن ~~له عرفا لكن في طرف الأوامر أو النواهي الأول مسلم والثاني ممنوع # وعلى هذا فالنهي إنما هو عن التصرف اللغوي دون الشرعي وإن سلمنا عرف ~~الشارع في هذه الأسماء ولكن لا نسلم أن عرفه فيها ما ذكروه بل ما هو بحال ~~يصح ويمكن صحته ويجب الحمل على ذلك جمعا بين الأدلة ولا يلزم من كون التصرف ~~ممكن الصحة وقوع الصحة كيف وإن ما ms378 ذكروه منتقض بما ذكرناه من المناهي مع ~~انتفاء الصحة عن منهياتها # # | المسألة الثالثة # اتفق العقلاء على أن النهي عن الفعل يقتضي الانتهاء عنه دائما خلافا لبعض ~~الشاذين # ودليل ذلك أنه لو قال السيد لعبده لا تفعل كذا وقدرنا نهيه مجردا عن جميع ~~القرائن فإن العبد لو فعل ذلك في أي وقت قدر يعد مخالفا لنهي سيده ومستحقا ~~للذم في عرف العقلاء وأهل اللغة # ولو لم يكن النهي مقتضيا للتكرار والدوام لما كان كذلك # فإن قيل لا خفاء بأن النهي قد يرد ويراد به الدوام كما في النهي عن الربا ~~وشرب الخمر ونحوه وقد يرد ولا يراد به الدوام كما في نهي الحائض عن الصوم ~~والصلاة ونحوه والصورتان مشتركتان في طلب ترك الفعل لا غير PageV02P215 ~~ومفترقتان في دوامه في إحدى الصورتين وعدم دوامه في الأخرى # والأصل أن يكون اللفظ حقيقة فيهما من غير اشتراك ولا تجوز والدال على ~~القدر المشترك لا يكون دالا على ما اختص بكل واحد من الطرفين المختلفين ~~وأيضا فإنه لو كان النهي مقتضيا للدوام لكان عدم الدوام في بعض صور النهي ~~على خلاف الدليل وهو ممتنع # قلنا النهي حيث ورد غير مراد به الدوام يجب أن يكون ذلك لقرينة نظرا إلى ~~ما ذكرناه من الدليل # وما قيل إن ذلك يلزم منه الاشتراك أو التجوز # قلنا وإن لزم منه التجوز وهو على خلاف الدليل لافتقاره إلى القرينة ~~الصارفة غير أن جعله حقيقة في المرة الواحدة مما يوجب جعله مجازا في الدوام ~~والتكرار لاختلاف حقيقيتهما # وليس القول بجعله مجازا في التكرار وحقيقة في المرة الواحدة أولى من ~~العكس بل جعله حقيقة في التكرار أولى لإمكان التجوز به عن البعض لكونه ~~مستلزما له # ولو جعلناه حقيقة في البعض لما أمكن التجوز به عن التكرار لعدم استلزامه ~~له وبه يندفع ما ذكروه من الوجه الثاني أيضا PageV02P216 # # | الصنف الثالث في معنى العام والخاص # ويشتمل على مقدمة ومسائل # أما المقدمة ففي بيان معنى العام والخاص وصيغ العموم # أما العام فقد قال أبو الحسين ms379 البصري العام هو اللفظ المستغرق لجميع ما ~~يصلح له ووافقه على ذلك بعض أصحابنا وهو فاسد من وجهين الأول أنه عرف العام ~~بالمستغرق وهما لفظان مترادفان وليس المقصود هاهنا من التحديد شرح اسم ~~العام حتى يكون الحد لفظيا بل شرح المسمى إما بالحد الحقيقي أو الرسمي وما ~~ذكره خارج عن القسمين # الثاني أنه غير مانع لأنه يدخل فيه قول القائل ضرب زيد عمرا فإنه لفظ ~~مستغرق لجميع ما هو صالح له وليس بعام # وقال الغزالي إنه اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدا وهو ~~غير جامع فإن لفظ المعدوم والمستحيل من الألفاظ العامة ولا دلالة له على ~~شيئين فصاعدا إذ المعدوم ليس بشيء عنده وعند أهل الحق من أصحابنا والمستحيل ~~بالإجماع وإن كان جامعا إلا أنه غير مانع # فإن قولنا عشرة ومائة ليس من الألفاظ العامة وإن كان مع اتحاده دالا على ~~شيئين فصاعدا وهي الآحاد الداخلة فيها PageV02P217 والحق في ذلك أن يقال ~~العام هو اللفظ الواحد الدال على مسميين فصاعدا مطلقا معا # فقولنا ( اللفظ ) وإن كان كالجنس للعام والخاص ففيه فائدة تقييد العموم ~~بالألفاظ لكونه من العوارض الحقيقية لها دون غيرها عند أصحابنا وجمهور ~~الأئمة كما يأتي تعريفه # وقولنا ( الواحد ) احتراز عن قولنا ضرب زيد عمرا وقولنا ( الدال على ~~مسميين ) ليندرج فيه الموجود والمعدوم وفيه أيضا احتراز عن الألفاظ المطلقة ~~كقولنا رجل ودرهم وإن كانت صالحة لكل واحد من آحاد الرجال وآحاد الدراهم ~~فلا يتناولها مقابل على سبيل البدل # وقولنا ( فصاعدا ) احتراز عن لفظ اثنين وقولنا ( مطلقا ) احتراز عن قولنا ~~عشرة ومائة ونحوه من الأعداد المقيدة ولا حاجة بنا إلى قولنا من جهة واحدة ~~احتراز عن الألفاظ المشتركة والمجازية # أما عند من يعتقد كونها من الألفاظ العامة كما يأتي تحقيقه فالحد لا يكون ~~مع أخذ هذا القيد جامعا # وأما عند من لا يقول بالتعميم فلا حاجة به إلى هذا القيد أيضا إذ اللفظ ~~المشترك غير دال على مسمياته معا بل على طريق البدل وكذلك الحكم في اللفظ ms380 ~~الدال على جهة الحقيقة والمجاز # وفي الحد المذكور ما يدرأ النقض بذلك وهو قولنا ( الدال على مسميين معا ) # وأما الخاص فقد قيل فيه هو كل ما ليس بعام وهو غير مانع لدخول الألفاظ ~~المهملة فيه فإنها لعدم دلالتها لا توصف بعموم ولا بخصوص # ثم فيه تعريف الخاص بسلب العام عنه ولا يخلو إما أن يكون بينهما واسطة أو ~~لا فإن كان الأول فلا يلزم من سلب العام تعين الخاص وإن كان الثاني فليس ~~تعريف أحدهما بسلب حقيقة الآخر عنه أولى من العكس PageV02P218 وأيضا فإن ~~اللفظ قد يكون خاصا كلفظ الإنسان فإنه خاص بالنسبة إلى لفظ الحيوان وما خرج ~~عن كونه عاما بالنسبة إلى ما تحته # وإن قيل إنه ليس بعام من جهة ما هو خاص ففيه تعريف الخاص بالخاص وهو ~~ممتنع # والحق في ذلك أن يقال الخاص قد يطلق باعتبارين الأول وهو اللفظ الواحد ~~الذي لا يصلح مدلوله لاشتراك كثيرين فيه كأسماء الأعلام من زيد وعمرو ونحوه ~~الثاني ما خصوصيته بالنسبة إلى ما هو أعم منه وحده أنه اللفظ الذي يقال على ~~مدلوله وعلى غير مدلوله لفظ آخر من جهة واحدة كلفظ الإنسان فإنه خاص ويقال ~~على مدلوله وعلى غيره كالفرس والحمار لفظ الحيوان من جهة واحدة # وإذا تحقق معنى العام والخاص فاعلم أن اللفظ الدال ينقسم إلى عام لا أعم ~~منه كالمذكور فإنه يتناول الموجود والمعدوم والمعلوم والمجهول وإلى خاص لا ~~أخص منه كأسماء الأعلام وإلى ما هو عام بالنسبة وخاص بالنسبة كلفظ الحيوان ~~فإنه عام بالنسبة إلى ما تحته من الإنسان والفرس وخاص بالنسبة إلى ما فوقه ~~كلفظ الجوهر والجسم # وأما صيغ العموم عند القائلين بها فهي إما أن تكون عامة فيمن يعقل وما لا ~~يعقل جمعا وأفرادا مثل ( أي ) في الجزاء والاستفهام وأسماء الجموع المعرفة ~~إذا لم يكن عهد سواء كان جمع سلامة أو جمع تكسير ( كالمسلمين والرجال ) ~~والمنكرة ( كرجال ومسلمين ) والأسماء المؤكدة لها مثل ( كل وجميع ) واسم ~~الجنس إذا دخله الألف واللام PageV02P219 من غير عهد ( كالرجل ms381 والدرهم ) ~~والنكرة المنفية كقولك ( لا رجل في الدار ) و ( ما في الدار من رجل ) ~~والإضافة كقولك ( ضربت عبيدي ) و ( أنفقت دراهمي ) # وإما عامة فيمن يعقل دون غيره ( كمن ) في الجزاء والاستفهام تقول من عندك ~~ومن جاءني أكرمته # وإما عامة فيما لا يعقل إما مطلقا من غير اختصاص بجنس مثل ( ما ) في ~~الجزاء كقوله على اليد ما أخذت حتى ترد والاستفهام تقول ماذا صنعت وإما لا ~~مطلقا بل مختصة ببعض أجناس ما لا يعقل مثل ( متى ) في الزمان جزاء ~~واستفهاما و ( أين ) و ( حيث ) في المكان جزاء واستفهاما تقول متى جاء ~~القوم ومتى جئتني أكرمتك وأين كنت وأينما كنت أكرمتك # وإذ أتينا على ما أردناه من بيان المقدمة فلنشرع الآن في المسأل وهي خمس ~~وعشرون مسألة # | المسألة الأولى # اتفق العلماء على أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة واختلفوا في عروضه ~~حقيقة للمعاني فنفاه الجمهور وأثبته الأقلون # وقد احتج المثبتون بقولهم الإطلاق شائع ذائع في لسان أهل اللغة بقولهم عم ~~الملك الناس بالعطاء والإنعام وعمهم المطر والخصب والخير وعمهم القحط # وهذه الأمور من المعاني لا من الألفاظ # والأصل في الإطلاق الحقيقة # أجاب النافون بأن الإطلاق في مثل هذه المعاني مجاز لوجهين الأول أنه لو ~~كان حقيقة في المعاني لاطرد في كل معنى إذ هو لازم الحقيقة وهو غير مطرد # ولهذا فإنه لا يوصف شيء من الخاصة PageV02P220 الواقعة في امتداد الإشارة ~~إليها كزيد وعمرو بكونه عاما لا حقيقة ولا مجازا # الثاني أن من لوازم العام أن يكون متحدا ومع اتحاده متناولا لأمور متعددة ~~من جهة واحدة # والعطاء والإنعام الخاص بكل واحد من الناس غير الخاص بالآخر وكذلك المطر ~~فإن كل جزء اختص منه بجزء من الأرض لا وجود له بالنسبة إلى الجزء الآخر ~~منها وكذلك الكلام في الخصب والقحط فلم يوجد من ذلك ما هو مع اتحاده يتناول ~~أشياء من جهة واحدة فلم يكن عاما حقيقة بخلاف اللفظ الواحد كلفظ الإنسان ~~والفرس # أجاب المثبتون عن الأول # بأن العموم وإن لم يكن مطردا في ms382 كل معنى فهو غير مطرد في كل لفظ فإن ~~أسماء الأعلام كزيد وعمرو ونحوه لا يتصور عروض العموم لها لا حقيقة ولا ~~مجازا فإن كان عدم اطراده في المعاني مما يبطل عروضه للمعاني حقيقة فكذلك ~~في الألفاظ وإن كان ذلك لا يمنع في الألفاظ فكذلك في المعاني ضرورة عدم ~~الفرق # وعن الوجه الثاني أنه وإن تعذر عروض العموم للمعاني الجزئية الواقعة في ~~امتداد الإشارة إليها حقيقة فليس في ذلك ما يدل على امتناع عروضه للمعاني ~~الكلية المتصورة في الأذهان كالمتصور من معنى الإنسان المجرد عن الأمور ~~الموجبة لتشخيصه وتعيينه فإنه مع اتحاده فمطابق لمعناه وطبيعته لمعاني ~~الجزئيات الداخلة تحته من زيد وعمرو من جهة واحدة كمطابقة اللفظ الواحد ~~العام لمدلولاته # وإذا كان عروض العموم للفظ حقيقة إنما كان لمطابقته مع اتحاده للمعاني ~~الداخلة تحته من جهة واحدة # فهذا المعنى بعينه متحقق في المعاني الكلية بالنسبة إلى جزئياتها فكان ~~العموم من عوارضها حقيقة # # | المسألة الثانية # اختلف العلماء في معنى العموم هل له في اللغة صيغة موضوعة له PageV02P221 ~~خاصة به تدل عليه أم لا فذهبت المرجئة إلى أن العموم لا صيغة له في لغة ~~العرب # وذهب الشافعي وجماهير المعتزلة وكثير من الفقهاء إلى أن ما سبق ذكره من ~~الصيغ حقيقة في العموم مجاز فيما عداه ومنهم من خالف في الجميع المنكر ~~والمعروف واسم الجنس إذا دخله الألف واللام كما يأتي تعريفه وهو مذهب أبي ~~هاشم # وذهب أرباب الخصوص إلى أن هذه الصيغ حقيقة في الخصوص ومجاز فيما عداه وقد ~~نقل عن الأشعري قولان أحدهما القول بالاشتراك بين العموم والخصوص والآخر ~~الوقف وهو عدم الحكم بشيء مما قيل في الحقيقة في العموم أو الخصوص أو ~~الاشتراك ووافقه على الوقف القاضي أبو بكر وعلى كل واحد من القولين جماعة ~~من الأصوليين # ومن الواقفية من فصل بين الإخبار والوعد والوعيد والأمر والنهي فقال ~~بالوقف في الإخبار والوعد والوعيد دون الأمر والنهي # والمختار إنما هو صحة الاحتجاج بهذه الألفاظ في الخصوص لكونه مرادا من ~~اللفظ يقينا ms383 سواء أريد به الكل أو البعض والوقف فيما زاد على ذلك # ومنهاج الكلام فعلى ما عرف في التوقف في الأمر بين الوجوب والندب فعليك ~~بنقله إلى هاهنا وإنما يتحقق هذا المقصود بذكر شبه المخالفين والانفصال ~~عنها # ولنبدأ من ذلك بشبه أرباب العموم وهي نصية وإجماعية ومعنوية # أما النصية فمنها قول الله تعالى @QB@ ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من ~~أهلي وإن وعدك الحق @QE@ PageV02P222 11 هود 45 ) تمسكا منه بقوله تعالى ~~@QB@ إنا منجوك وأهلك @QE@ 2 العنكبوت 33 ) وأقره الباري تعالى على ذلك ~~وأجابه بما دل على أنه ليس من أهله ولولا أن إضافة الأهل إلى نوح للعموم ~~لما صح ذلك # ومنها أنه لما نزل قوله تعالى @QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~@QE@ 21 الأنبياء 98 ) قال ابن الزبعرى لأخصمن محمدا ثم جاء إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال له وقد عبدت الملائكة والمسيح أفتراهم يدخلون النار ~~واستدل بعموم ( ما ) ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بل نزل ~~قوله تعالى غير منكر لقوله بل مخصصا له بقوله تعالى @QB@ إن الذين سبقت لهم ~~منا الحسنى أولئك عنها مبعدون @QE@ 21 الأنبياء 101 ) ومنها قوله تعالى ~~@QB@ ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إن ~~أهلها كانوا ظالمين قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه ~~وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين @QE@ 29 العنكبوت 31 32 ) ووجه الاحتجاج ~~بذلك أن إبراهيم فهم من أهل هذه القرية العموم حيث ذكر لوطا والملائكة ~~أقروه على ذلك وأجابوه بتخصيص لوط وأهله بالاستثناء واستثناء امرأته من ~~الناجين # وذلك كله يدل على العموم # وأما الإجماعية فمنها احتجاج عمر على أبي بكر في قتال مانعي الزكاة بقوله ~~كيف تقاتلهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ولم ينكر ~~عليه أحد من الصحابة احتجاجه بذلك بل عدل أبو بكر PageV02P223 إلى التعليق ~~بالاستثناء وهو قوله ms384 صلى الله عليه وسلم إلا بحقها فدل على أن لفظ الجمع ~~المعرف للعموم # ومنها احتجاج فاطمة على أبي بكر في توريثها من أبيها فدك والعوالي بقوله ~~تعالى @QB@ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين @QE@ 4 النساء 11 ~~) ولم ينكر عليها أحد من الصحابة بل عدل أبو بكر رضي الله عنه إلى ما رواه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى دليل التخصيص وهو قوله عليه السلام نحن ~~معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ومنها احتجاج عثمان على علي رضي ~~الله عنه في جواز الجمع بين الأختين بقوله تعالى @QB@ إلا على أزواجهم @QE@ ~~3 المؤمنون 6 ) واحتجاج علي بقوله تعالى @QB@ وأن تجمعوا بين الأختين @QE@ ~~4 النساء 23 ) ولم ينكر على أحد منهما صحة ما احتج به # وإنما يصح ذلك أن لو كانت الأزواج المضافة والأختان على العموم # ومنها أن عثمان لما سمع قول الشاعر ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم ~~لا محالة زائل قال له كذبت فإن نعيم أهل الجنة لا يزول ولم ينكر عليه منكر ~~ولولا أن ( كل ) للعموم لما كان كذلك # ومنها احتجاج أبي بكر على الأنصار بقوله صلى الله عليه وسلم الأئمة من ~~قريش ووافقه الكل على صحة هذا الاحتجاج من غير نكير ولو لم يكن لفظ ( ~~الائمة ) عاما لما صح الاحتجاج # ومنها إجماع الصحابة على إجراء قوله تعالى @QB@ الزانية والزاني @QE@ 24 ~~@QB@ النور @QE@ @QB@ والسارق والسارقة @QE@ 5 @QB@ ومن قتل مظلوما @QE@ 17 ~~@QB@ وذروا ما بقي من الربا @QE@ 2 @QB@ ولا تقتلوا أنفسكم @QE@ 4 @QB@ ~~النساء @QE@ @QB@ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم @QE@ 5 المائدة 95 ) وقوله صلى ~~الله عليه وسلم لا وصية لوارث ولا تنكح المرأة PageV02P224 على عمتها ولا ~~خالتها ومن ألقى سلاحه فهو آمن إلى غير ذلك على العموم # وأما الشبه المعنوية فمنها أن العموم من الأمور الظاهرة الجلية والحاجة ~~مشتدة إلى معرفته في التخاطب وذلك مما تحيل العادة مع توالي الأعصار على ~~أهل اللغة إهماله وعدم تواضعهم على لفظ يدل عليه مع أنه لا يتقاصر في دعو ~~الحاجة ms385 إلى معرفته عن معرفة الواحد والاثنين وسائر الأعداد والخبر ~~والاستخبار والترجي والتمني والنداء وغير ذلك من المعاني التي وضعت لها ~~الأسماء وربما وضعوا لكثير من المسميات ألفاظا مترادفة مع الاستغناء عنها ~~ومنها ما يخص كل واحد واحد من الألفاظ المذكورة من قبل # أما ( من ) الاستفهامية كقول القائل من جاءك فلا يخلو إما أن تكون حقيقة ~~في الخصوص أو العموم أو مشتركة بينهما أو موقوفة أو ليست موضوعة لأحد ~~الأمرين لا حقيقة ولا تجوزا والأول محال وإلا لما حسن أن يجاب بجملة ~~العقلاء لكونه جوابا عن غير ما سأل عنه ولا جائز أن تكون مشتركة أو موقوفة ~~وإلا لما حسن الجواب بشيء إلا بعد الاستفهام عن مراد المسائل وليس كذلك ولا ~~جائز أن يقال بالأخير للاتفاق على إبطاله فلم يبق إلا أن تكون حقيقة في ~~العموم # وأما الشرطية وهي عندما إذا قال السيد لعبده من دخل داري فأكرمه فإنه إذا ~~أكرم كل داخل لا يحسن من السيد الاعتراض عليه ولو أخل بإكرام بعض الداخلين ~~فإنه يحسن لومه وتوبيخه في العرف # وأيضا فإنه يحسن الاستثناء من ذلك بقوله إلا أن يكون فاسقا والاستثناء ~~يخرج من الكلام ما لولاه لكان داخلا فيه ولولا أن ( من ) للعموم لما صح ذلك # وعلى هذا يكون الكلام في جميع الحروف المستعملة للشرط والاستفهام مثل ما ~~وأي ومتى وأين وكم وكيف ونحوه ومؤكداتها مثل كل وجميع فإنها للعموم # وبيانه من وجوه PageV02P225 الأول أنه إذا قال القائل لعبده أكرم كل من ~~رأيته فإنه يسقط عنه اللوم بإكرام كل واحد ولا يسقط بتقدير إخلاله بإكرام ~~البعض وأنه يحسن الاستثناء بقوله إلا الفساق وذلك دليل العموم كما سبق # الثاني أنه لو قال رأيت كل من في البلد فإنه يعد كاذبا بتقدير عدم رؤيته ~~لبعضهم # الثالث أنه إذا قال القائل كل الناس علماء كذبه قول القائل كل الناس ~~ليسوا علماء # ولو لم يكن اسم ( كل ) للعموم لما كان كل واحد مكذبا للآخر لجواز أن ~~يتناول كل واحد غير ما تناوله الآخر # الرابع ms386 أنا ندرك التفرقة بين ( كل ) و ( بعض ) ولو كان كل غير مفيد ~~للعموم لما تحقق الفرق لكونه مساويا في الإفادة للبعض # الخامس أنه لو كان قول القائل كل الناس يفيد العموم ولكنه يعبر عنه تارة ~~عن البعض وتارة عن العموم حقيقة لكان قول القائل كلهم بيانا لأحد الأمرين ~~فيما دخل عليه لا تأكيدا له كما لو قال رأيت عينا باصرة # وأما الجمع المعرف فهو للعموم لوجهين الأول أن كثرة الجمع المعرف تزيد ~~على كثرة الجمع المنكر ولهذا يقال رجال من الرجال ولا عكس وعند ذلك فالجمع ~~المعرف إما أن يكون مفيدا للاستغراق أو للعدد غير مستغرق لا جائز أن يقال ~~بالثاني لأن ما من عدد يفرض من ذلك إلا ويصح نسبته إلى المعرفة بأنه منه ~~والأول هو المطلوب # الثاني أنه يصح تأكيده بما هو مفيد للاستغراق والتأكيد إنما يفيد تقوية ~~المؤكد لا أمرا جديدا فلو لم يكن المؤكد يفيد الاستغراق لما كان المؤكد ~~مفيدا له أو كان مفيدا لأمر جديد وهو ممتنع # وأما النكرة المنفية كقوله لا رجل في الدار أو في سياق النفي PageV02P226 ~~كقوله ما في الدار من رجل فإن القائل لذلك يعد كاذبا بتقدير رؤيته لرجل ما ~~وأنه يحسن الاستثناء بقوله إلا زيد وأنه يصح تكذيبه بأنك رأيت رجلا كما ورد ~~قوله تعالى @QB@ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى @QE@ تكذيبا لمن قال ~~ما أنزل الله على بشر من شيء وكل ذلك يدل على كونها للعموم ولأنها لو لم ~~تكن للعموم لما كان قولنا لا إله إلا الله توحيدا لعدم دلالته على نفي كل ~~إله سوى الله تعالى # وأما الإضافة كقوله أعتقت عبيدي وإمائي فإنه يدل على العموم بدليل لزوم ~~العتق في الكل وأنه يجوز لمن سمعه أن يزوج من أي العبيد شاء وأن يتزوج من ~~الإماء من شاء دون رضى الورثة وكذلك لو قال العبيد الذين هم في يدي لفلان ~~صح الإقرار بالنسبة إلى الجميع ولولا أن ذلك للعموم لما كان كذلك # وأما الجنس إذا دخله ms387 الألف واللام ولا عهد فإنه للعموم لأربعة أوجه الأول ~~أنه إذا قال القائل رأيت إنسانا أفاد رؤية واحد معين فإذا دخلت عليه الألف ~~واللام فلو لم تكن الألف واللام مفيدة للاستغراق لكانت معطلة لتعذر حملها ~~على تعريف الجنس لكونه معلوما دونها وهو ممتنع # الثاني أنه يصح نعته بالجمع المعرف وقد ثبت أن الجمع المعرف للعموم فكذلك ~~المنعوت به وذلك في قولهم أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض وأنه يصح ~~الاستثناء منه كما في قوله تعالى @QB@ إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ~~@QE@ وهو دليل العموم # الثالث أن القائل قائلان قائل يقول إن الألف واللام الداخلة على الاسم ~~المفرد والجمع تفيد العموم وقائل بالنفي مطلقا # وقد ثبت أنها مفيدة للعموم في الجمع فالتفرقة تكون قولا بتفصيل لم يقل به ~~قائل # الرابع أنه إذا كانت الألف واللام لتعريف المعهود عائدة إلى جميعه لعدم ~~أولوية عودها إلى البعض منه دون البعض فكذلك إذا كانت لتعريف الجنس ~~PageV02P227 # وأما الجمع المنكر فيدل على أنه للعموم ثلاثة أوجه # الأول أن قول القائل رجال يطلق على كل جمع على الحقيقة حتى الجمع ~~المستغرق فإذا حمل الاستغراق كان حملا له على جميع حقائقه فكان أولى # الثاني أنه لو أراد المتكلم بلفظ الجمع المنكر البعض لعينه وإلا كان ~~مراده مبهما فحيث لم يعينه دل على أنه للاستغراق # الثالث أنه يصح دخول الاستثناء عليه بكل واحد واحد من آحاد الجنس فكان ~~للعموم # ومن شبههم أن العرب فرقت بين تأكيد العموم والخصوص في أصل الوضع فقالوا ~~في الخصوص رأيت زيدا عينه نفسه ولا يقولون رأيت زيدا كلهم أجمعين وقالوا في ~~العموم رأيت الرجال كلهم أجمعين ولا يقولون رأيت الرجال عينه نفسه واختلاف ~~التأكيد يدل على اختلاف المؤكد لأن التأكيد مطابق للمؤكد # ومنها أنهم قالوا وقع الإجماع على أن الباري تعالى قد كلفنا أحكاما تعم ~~جميع المكلفين فلو لم يكن للعموم صيغة تفيده لما وقع التكليف به لعدم ما ~~يدل عليه أو كان التكليف به تكليفا بما لا يطاق وهو محال # وأما ms388 شبه أرباب الخصوص فأولها أن تناول اللفظ للخصوص متيقن وتناوله ~~للعموم محتمل فجعله حقيقة في المتيقن أولى # وثانيها أن أكثر استعمال هذه الصيغ في الخصوص دون العموم ومنه يقال جمع ~~السلطان التجار والصناع وكل صاحب حرفة وأنفقت دراهمي وصرمت نخيلي ونحوه ~~فكان جعلها حقيقة فيما استعمالها فيه أغلب أولى # وثالثها أنه إذا قال السيد لعبده أكرم الرجال ومن دخل داري فأعطه درهما ~~ومتى جاءك فقير فتصدق عليه ومتى جاء زيد فأكرمه وأين كان وحيث حل فإنه لا ~~يحسن الاستفسار عن إرادة البعض ويحسن الاستفسار عما وراء PageV02P228 ذلك ~~فكان جعل هذه الصيغ حقيقة فيما لا يحسن الاستفسار عنه دون ما يحسن # ورابعها أنه لو كان قول القائل رأيت الرجال للعموم لكان إذا أريد به ~~الخصوص كان المخبر كاذبا كما لو قال رأيت عشرين ولم ير غير عشرة بخلاف ما ~~إذا كانت للخصوص وأريد به العموم # وخامسها لو كانت للعموم لكان تأكيدها غير مفيد لغير ما أفادته فكان عبثا ~~وكان الاستثناء منها نقضا # وسادسها ( ويخص من ) أنها لو كانت للعموم لما جمعت لأن الجمع لا بد وأن ~~يفيد ما لا يفيده المجموع وليس بعد العموم والاستغراق كثرة فلا يجمع وقد ~~جمعت في باب حكاية النكرات عند الاستفهام فإنه إذا قال القائل جاءني رجال ~~قلت منون في حالة الوقف دون الوصل ومنه قول الشاعر أتوا ناري فقلت منون ~~أنتم فقالوا الجن # قلت عموا ظلاما فقد قال سيبويه أنه شاذ غير معمول به # وأما شبه أرباب الاشتراك فأولها أن هذه الألفاظ والصيغ قد تطلق للعموم ~~تارة وللخصوص تارة والأصل في الإطلاق الحقيقة وحقيقة الخصوص غير حقيقة ~~العموم فكان اللفظ المتحد الدال عليهما حقيقة مشتركا كلفظ العين والقرء ~~ونحوه # وثانيها أنه يحسن عند إطلاق هذه الصيغ الاستفهام من مطلقها أنك أردت ~~البعض أو الكل وحسن الاستفهام عن كل واحد منهما دليل الاشتراك فإنه لو كان ~~حقيقة في أحد الأمرين دون الآخر لما حسن الاستفهام عن جهة الحقيقة # وأما شبه من قال بالتعميم في الأوامر والنواهي ms389 دون الأخبار فهو أن ~~الإجماع منعقد على التكاليف بأوامر عامة لجميع المكلفين وبنواه عامة لهم ~~فلو لم يكن الأمر والنهي للعموم لما كان التكليف عاما أو كان تكليفا بما لا ~~PageV02P229 يطاق وهو محال # وهذا بخلاف الإخبار فإنه ليس بتكليف ولأن الخبر يجوز وروده بالمجهول ولا ~~بيان له أصلا كقوله تعالى @QB@ وكم أهلكنا قبلهم من قرن @QE@ 19 @QB@ مريم ~~@QE@ @QB@ وقرونا بين ذلك كثيرا @QE@ 25 الفرقان 38 ) بخلاف الأمر فإنه وإن ~~ورد بالمجمل كقوله @QB@ وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ 6 الأنعام 141 ) وقوله ~~@QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ 2 البقرة 43 ) فإنه لا يخلو عن بيان ~~متقدم أو متأخر أو مقارن # والجواب من جهة الإجمال عن جملة هذه الشبه ما أسلفناه في مسألة أن الأمر ~~للوجوب أو الندب فعليك بنقله إلى هاهنا # وأما من جهة التفصيل أما ما ذكره أرباب العموم من الآيات أما قصة نوح فلا ~~حجة فيها وذلك لأن إضافة الأهل قد تطلق تارة للعموم وتارة للخصوص كما في ~~قولهم جمع السلطان أهل البلد وإن كان لم يجمع النساء والصبيان والمرضى # وعند ذلك فليس القول بحمل ذلك على الخصوص بقرينة أولى من القول بحمله على ~~العموم بقرينة # ونحن لا ننكر صحة الحمل على العموم بالقرينة وإنما الخلاف في كونه حقيقة ~~أم لا # وأما قصة ابن الزبعرى فلا حجة فيها أيضا لأن سؤاله وقع فاسدا حيث ظن أن ( ~~ما ) عامة فيمن يعقل وليس كذلك # ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم منكرا عليه ما أجهلك بلغة قومك ~~أما علمت أن ( ما ) لما لا يعقل وهي وإن أطلقت على من يعقل كما في قوله ~~تعالى @QB@ والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها @QE@ 91 ~~الشمس 5 7 ) فليس حقيقة بل مجازا # ويجب القول بذلك جمعا بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم أما علمت أن ( ~~ما ) لما لا يعقل ولما فيه من موافقة المنقول عن أهل اللغة في ذلك # وأما قصة إبراهيم فجوابها بما سبق في قصة نوح # وأما الاحتجاج بقصة عمر مع ms390 أبي بكر فلا حجة فيها أيضا لأنه إنما فهم ~~العصمة من العلة الموجبة لها في الأموال والدماء وهي قول لا إله إلا الله ~~فإنها مناسبة لذلك والحكم مرتب عليها في كلام النبي صلى الله عليه ~~PageV02P230 وسلم فكان ذلك إيماء إليها بالتعليل # أما أن يكون ذلك مأخوذا من عموم دمائهم وأموالهم فلا # ومعارضة أبي بكر إنما كانت لما فهمه عمر من التعليل المقتضي للتعميم لا ~~لغيره # وأما قصة فاطمة مع أبي بكر فالكلام في اعتقاد العموم في قوله تعالى @QB@ ~~يوصيكم الله في أولادكم @QE@ 4 النساء 11 ) ما سبق في قصة نوح وهو الجواب ~~أيضا عن احتجاج عثمان على جواز الجمع بين الأختين ثم قد أمكن أن يضاف ذلك ~~إلى ما فهم من العلة الموجبة لرفع الحرج وهي الزوجية لا إلى عموم اللفظ # وكذلك احتجاج علي بقوله @QB@ وأن تجمعوا بين الأختين @QE@ 4 النساء 23 ) ~~لم يكن لعموم اللفظ بل بما أومى إليه اللفظ من العلة المانعة من الجمع وهي ~~الأخوة فإنها مناسبة لذلك دفعا للإضرار الواقع بين الأختين من المزاحمة على ~~الزوج الواحد وإنما يصح الاحتجاج باللفظ بمجرده إن لو كان للعموم وهو محل ~~النزاع # وإن صح الاحتجاج في هذه الصور بنفس اللفظ فلا يمتنع أن يكون ذلك بما ~~اقترن به من قرينة العلة الرافعة للحرج في احتجاج عثمان والعلة المانعة من ~~الجمع في احتجاج علي رضي الله عنه # وأما تكذيب عثمان للشاعر في قوله وكل نعيم لا محالة زائل فإنما كان لما ~~فهمه من قرينة حال الشاعر الدالة على قصد تعظيم الرب ببقائه وبطلان كل ما ~~سواه # أما أن يكون ذلك مستفادا من ذلك مستفادا من مجرد قوله ( كل ) فلا # وأما استدلال أبي بكر بقوله صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش إنما فهم ~~منه التعميم لما ظهر له من قصد النبي صلى الله عليه وسلم لتعظيم قريش ~~وميزتهم على غيرهم من القبائل فلو لم يكن ذلك يدل على الخصوص فيهم ~~والاستغراق لما حصلت هذه الفائدة # وأما إجماع الصحابة على إجراء ms391 ما ذكروه من الآيات والأخبار على التعميم ~~في كل سارق وزان وغير ذلك فإنما كان ذلك بناء على ما اقترن بها من العلل ~~المومى إليها الموجبة للتعميم وهي السرقة والزنى وقتل الظالم إلى غير ذلك ~~PageV02P231 أما أن يكون اعتقاد تعميم تلك الأحكام مستندا إلى عموم تلك ~~الألفاظ فلا # وأما ما ذكر من الشبهة الأولى المعنوية فالجواب عنها أنا وإن سلمنا أن ~~العموم ظاهر وأن الحاجة داعية إلى وضع لفظ يدل عليه ولكن لا نسلم إحالة ~~الإخلال به على الواضعين # ولهذا قد أخلوا بالألفاظ الدالة على كثير من المعاني الظاهرة التي تدعو ~~الحاجة إلى تعريفها بوضع اللفظ عليها وذلك كالفعل الحالي ورائحة المسك ~~والعود وغير ذلك من أنواع الروائح والطعوم الخاصة بمحالها # فإن قيل لا نسلم أنهم أخلوا بشيء من ذلك فإنهم يقولون رائحة المسك ورائحة ~~العود وطعم العسل وطعم السكر إلى غير ذلك # والإضافة من جملة الأوضاع المعرفة ولهذا فإن الباري تعالى قد عرف نفسه ~~بالإضافة في قوله @QB@ ذو العرش @QE@ 85 @QB@ البروج @QE@ @QB@ ذي الطول ~~@QE@ 40 غافر 3 ) إلى غير ذلك # قلنا وعلى هذا لا نسلم أن العرب أخلت بما يعرف العموم فإن الأسماء ~~المجازية والمشتركة أيضا من الأسماء المعرفة كما سيأتي بيانه # وما وقع فيه الخلاف من ألفاظ العموم فهي غير خارجة في نفس الأمر عن كونها ~~حقيقة في العموم دون غيره أو مجازا فيه وحقيقة فيه وفي غيره فتكون مشتركة # وعلى كل تقدير فما خلا العموم في وضعهم عن معرف ولا خلاف في ذلك وإنما ~~الخلاف في جهة دلالته عليه هل هي حقيقة أو مجاز وخفاء جهة الدلالة والوقوف ~~في تعيينها لا يبطل أصل الوضع والتعريف # وأما الشبهة الثانية وقولهم إن ( من ) إذا كانت استفهامية لا تخلو عن ~~الأقسام المذكورة في نفس الأمر مسلم # ولكن لم قالوا بوجوب تعيين بعضها مع عدم الدليل القاطع على ذلك ~~PageV02P232 # قولهم لو كانت للخصوص لما حسن الجواب بكل العقلاء # قلنا ولو كانت للعموم لما حسن الجواب بالبعض الخاص لما قرروه وليس أحد ~~الأمرين ms392 أولى من الآخر كيف وإن الجواب بالكل بتقدير أن يكون للخصوص يكون ~~جوابا عن المسؤول عنه وزيادة والجواب بالخصوص بتقدير أن يكون للعموم لا ~~يكون جوابا عن المسؤول عنه # ولذلك كان الجواب بالكل مستحسنا # ثم ما المانع أن تكون مشتركة قولهم لأنه لا يحسن الجواب إلا بعد ~~الاستفهام # قلنا إذا كانت مشتركة وهي استفهامية فالاستفهام إنما هو عن مدلولها ~~ومدلولها عند الاستفهام إنما هو أحد المدلولين لا بعينه فإذا أجاب بأحد ~~الأمرين فقد أجاب عما سئل عنه فلا حاجة بالمسؤول إلى الاستفهام # قولهم في الشرطية إن المفهوم من قول السيد لعبده من دخل داري فأكرمه ~~العموم لما قرروه # قلنا ليس ذلك مفهوما من نفس اللفظ بل من قرينة إكرام الزائر حتى أنا لو ~~قدرنا أنه لا قرينة أصلا ولا تحقق لما سوى اللفظ المذكور فإنا لا نسلم فهم ~~العموم منه ولا جواز التعميم دون الاستفهام أو ظهور دليل يدل عليه بناء على ~~قولنا بالوقف # ويدل على ذلك أنه يحسن الاستفهام من العبد ولو كان على أي صفة قدر وحسن ~~ذلك يدل على الترديد ولولا الترديد لما حسن الاستفهام # قولهم إنه يحسن الاستثناء منه مسلم ولكن لا نسلم أنه لا بد من دخول ما ~~استثني تحت المستثنى منه فإن الاستثناء من غير الجنس صحيح وإن لم يكن ~~المستثنى داخلا تحت المستثنى منه ولا له عليه دلالة # ويدل على صحة ذلك قوله تعالى @QB@ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن @QE@ ~~4 النساء 157 ) والظن هاهنا غير داخل تحت لفظ العلم وقول الشاعر ~~PageV02P233 وقفت فيها أصيلالا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا ~~أواري لأيا ما أبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد فإن قيل نحن إنما ندعي ~~ذلك فيما كان من الجنس لا في غيره # قلنا وإذا كان من الجنس فالاستثناء يدل على وجوب دخول ما استثني تحت ~~المستثنى منه أو على صلاحيته للدخول تحته الأول ممنوع والثاني مسلم # ويدل على ذلك صحة استثناء كل واحد من آحاد الجنس من جموع القلة ms393 وهي ما ~~يتناول العشرة فما دونها وهي أفعل نحو أفلس وأفعال نحو أصنام وأفعلة نحو ~~أرغفة وفعلة نحو صبية مع أن آحاد الجنس غير واجبة الدخول تحت المستثنى منه ~~والاستثناء من جمع السلامة إذا لم تدخله الألف واللام فإنه من جموع القلة ~~بنص سيبويه # فإن قيل نحن إنما ندعي ذلك فيما يصح استثناء العدد الكثير والقليل منه ~~واستثناء العدد الكثير وهو ما زاد على العشرة لا يصح من جمع القلة # قلنا فيلزم عليه استثناء ما لا يصح من جمع القلة # قلنا فيلزم عليه استثناء ما زاد على العشرة من الجمع المنكر فإنه يصح وإن ~~كان كل واحد من المستثنيات غير واجب الدخول تحت الجمع المنكر بل ممكن ~~الدخول # فإن قيل لو صح الاستثناء لإخراج ما يصح دخوله لا ما يجب دخوله لصح أن ~~يقول القائل رأيت رجلا إلا زيدا لصلاحية دخوله تحت لفظ رجل وهو غير صحيح # وأيضا فإن الاستثناء يدخل في الأعداد كقول القائل له علي عشرة دراهم إلا ~~درهما وهو واجب الدخول # وأيضا فإن أهل اللغة قالوا بأن الاستثناء إخراج جزء من كل والجزء واجب ~~الدخول في كله # قلنا أما الأول فلأن قوله رأيت رجلا لا يكون إلا معينا في نفس الأمر ~~ضرورة وقوع الرؤية عليه وإن لم يكن معينا عند المستمع والمعين لا يصح ~~الاستثناء منه إجماعا PageV02P234 # وأما الثاني فبعيد عن التحقيق من حيث إن وجوب دخول الواحد في العشرة لا ~~يمنع من صحة دخوله فيها بمعنى أنه لا يمتنع دخوله فيها وما ليس بممتنع أعم ~~من الواجب وعند ذلك فلا يلزم أن يكون الاستثناء لوجوب الدخول بل لصحة ~~الدخول وهو الجواب عن الوجه الثالث أيضا # كيف وإن استثناء واجب الدخول لا يمنع من استثناء ممكن الدخول وعلى ما ~~قررناه في إبطال الاستدلال على عموم ( من ) استفهامية وجزائية يكون بعينه ~~جوابا عما ذكروه من الوجه الأول في عموم ( كل ) و ( جميع ) # قولهم في الوجه الثاني إنه لو قال رأيت كل من في البلد يعد كاذبا بتقدير ~~عدم ms394 رؤية بعضهم لا نسلم لزوم ذلك مطلقا # فإنه لو قال القائل جمع السلطان كل التجار وكل الصناع وجاء كل العسكر ~~فإنه لا يعد في العرف كاذبا بتقدير تخلف آحاد الناس # والعرف بذلك شائع ذائع وليس حوالة ذلك على القرينة أولى من حوالة صورة ~~التكذيب على القرينة # قولهم في الوجه الثالث إن قول القائل كل الناس علماء يكذبه قول الآخر كل ~~الناس ليس علماء ليس كذلك مطلقا فإنه لو فسر كلامه بالغالب عنده كان تفسيره ~~صحيحا مقبولا # ومهما أمكن حمل كلامه على ذلك فلا تكاذب # نعم إنما يصح التكاذب بتقدير ظهور الدليل الدال على إرادة الكل بحيث لا ~~يشذ منهم واحد وذلك مما لا ينكر وإنما النزاع في اقتضاء اللفظ لذلك بمطلقه # قولهم في الوجه الرابع إنا ندرك التفرقة بين ( بعض ) و ( كل ) مسلم لكن ~~من جهة أن بعضا لا يصلح للاستغراق وكلا صالح له ولما دونه ولا يلزم من ذلك ~~ظهور ( كل ) في العموم # قولهم في الوجه الخامس إنه يلزم أن يكون قوله ( كلهم ) بيانا لا تأكيدا ~~PageV02P235 قلنا وإن بين به مراده من لفظه لا يخرجه ذلك عن كونه تأكيدا ~~لما أراده من العموم فإن لفظه صالح له # قولهم في الجمع المعرف إن كثرة الجمع المعرف تزيد على كثرة المنكر قلنا ~~متى إذا أريد به الاستغراق أو إذا لم يرد به ذلك الأول مسلم والثاني ممنوع ~~ولا يلزم من كونه صالحا للاستغراق أن يكون متعينا له بل غايته أنه إذا قال ~~رأيت رجالا من الرجال كان ذلك قرينة صارفة للجمع المعرف إلى الاستغراق # قولهم إنه يصح تأكيده بما يفيد الاستغراق قلنا ذلك يستدعي كون المؤكد ~~صالحا للعموم والدلالة على العموم عند التأكيد ولا يدل على كونه بوضعه ~~للعموم # قولهم في تعميم النكرة المنفية لو قال لا رجل في الدار فإنه يعد كاذبا ~~بتقدير رؤيته لرجل ما قلنا إنما عد كاذبا بذلك لأن قوله لا رجل في الدار ~~إنما ينفي حقيقة رجل في الدار فإذا وجد رجل في الدار كان كاذبا ms395 ولا يلزم من ~~ذلك العموم في طرف النفي إذ هو نفي ما ليس بعام # قولهم إنه يحسن الاستثناء سبق جوابه # قولهم إنه يصح تكذيبه بأنك رأيت رجلا قلنا سبق جوابه أيضا # قولهم لو لم يكن للعموم لما كان قول القائل لا إله إلا الله توحيدا قلنا ~~وإن لم يكن حقيقة في العموم فلا يمتنع إرادة العموم بها # وعلى هذا فمهما لم يرد المتكلم بها العموم فلا يكون قوله توحيدا وإن أراد ~~ذلك كان توحيدا لكن لا يكون العموم من مقتضيات اللفظ بل من قرينة حال ~~المتكم الدالة على إرادة التوحيد وعلى هذا يكون الحكم أيضا فيما إذا قال ~~PageV02P236 ما في الدار من رجل وقول أهل الأدب إنها للعموم يمكن حمله على ~~عموم الصلاحية دون الوجوب # قولهم في الإضافة إذا قال أعتقت عبيدي وإمائي ثم مات جاز لمن سمعه أن ~~يزوج من شاء من العبيد دون رضى الورثة # قلنا ولو قال أنفقت دراهمي وصرمت نخيلي وضرب عبيدي فإنه لا يعد كاذبا ~~بتقدير عدم إنفاق بعض دراهمه وعدم صرم بعض نخيله وعدم ضرب بعض عبيده ولو ~~كان ذلك للعموم لكان كاذبا وليس صرف ذلك إلى القرينة أولى من صرف ما ذكروه ~~إلى القرينة وهو الجواب عن قوله العبيد الذين في يدي لفلان # وما ذكروه في الدلالة على تعميم اسم الجنس إذا دخله الألف واللام # أما الوجه الأول منه قولهم إنه لا بد للألف واللام من فائدة قلنا يمكن أن ~~تكون فائدتها تعريف المعهود وإن لم يكن ثم معهود فالتردد بين العموم ~~والخصوص على السوية بخلاف ما قبل دخولها # وأما الوجه الثاني فقد قيل إنه من النقل الشاذ الذي لا اعتماد عليه وهو ~~مع ذلك مجاز # ولهذا فإنه لم يطرد في كل اسم فرد فإنه لا يقال جاءني الرجل العلماء ~~والرجل المسلمون ثم وإن إمكن نعته بالجمع فإنما كان كذلك لأن المراد من ~~قولهم إنما هو جنس الدينار وجنس الدرهم لا جملة الدنانير وجملة الدراهم # وحيث كان الهلاك بجنس الدينار والدرهم لأمر متحقق ms396 في كل واحد من ذلك ~~الجنس جاز نعته بالجمع نظرا إلى اقتضاء المعنى للجمع لا نظرا إلى اقتضاء ~~لفظ الدينار # وأما الاستثناء في الآية فهو مجاز # ولهذا لم يطرد فإنه لا يحسن أن يقال رأيت الرجل إلا العلماء وعلى هذا ~~النحو # ثم لو كان ذلك صالحا للاستغراق لأمكن مع اتحاده أن يؤكد ( بكل ) و ( جميع ~~) كما في ( من ) في قولك من دخل داري أكرمته وهو غير جائز فإنه لا يحسن أن ~~يقال جاءني الرجل كلهم أجمعون ويمكن أن يقال إن مثل هذا قياس في اللغة وهو ~~غير جائز PageV02P237 # وأما الوجه الثالث فدفعه بمنع الحصر فيما قيل بل القائل ثلاثة والثالث هو ~~القائل بالتفصيل # وأما الوجه الرابع فحاصله يرجع إلى القياس في اللغة وقد أبطلناه # وأما ما ذكروه في تعميم الجمع المنكر أما الوجه الأول منه فعنه جوابان ~~الأول أن قول القائل رجال حقيقة في كل عدد على خصوصه ممنوع وإن أراد به أنه ~~حقيقة في الجمع المشترك بين جميع الأعداد فمسلم # ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون دالا على ما هو الأخص لا حقيقة ولا مجازا # وعلى هذا فقد بطل القول بإنا إذا حملناه على الاستغراق كان حملا له على ~~جميع حقائقه ضرورة اتحاد مدلوله # الثاني وإن سلمنا أنه حقيقة في كل عدد بخصوصه غير أنه ليس حمله على ~~الاستغراق مع احتمال عدم الإرادة أولى من حمله على الأقل مع كونه مستيقنا # وأما الوجه الثاني فإنما يلزم المتكلم به بيان إرادة البعض عينا أن لو ~~كان اللفظ موضوعا له # وأما إذا كان موضوعا لبعض مطلق فلا # وأما الاستثناء فقد عرف جوابه كيف وإن أهل اللغة اتفقوا على تسميته نكرة ~~ولو كان للاستغراق لكان معروفا كله فلا يكون منكرا مختلطا بغيره # قولهم إن العرب فرقت بين تأكيد الواحد والعموم بما ذكروه إنما يصح إن لو ~~كان ( كلهم أجمعون ) تأكيدا للعموم وليس كذلك بل هو تأكيد للفظ الذي يجوز ~~أن يراد به العموم وغير العموم # قولهم لو لم يكن للعموم صيغة ms397 تدل عليه لكان التكليف بالأمور العامة ~~تكليفا بما لا يطاق PageV02P238 # قلنا إنما يكون كذلك إن لو لم يكن ثم ما يدل على التعميم وليس كذلك ولا ~~يلزم من عدم صيغة تدل عليه بوضعها دون قرينة التكليف بالمحال مع وجود صيغة ~~تدل عليه مع القرينة # وأما شبه أرباب الخصوص قولهم في الشبهة الأولى أن الخصوص متيقن قلنا ذلك ~~لا يدل على كونه مجازا في الزيادة فإن الثلاثة مستيقنة في العشرة ولا يدل ~~على كونه لفظ العشرة # حقيقة في الثلاثة مجازا في الزيادة # فإن قيل إلا أن الزيادة في العشرة على الثلاثة أيضا مستيقنة قيل ليس كذلك ~~وإلا لما صح استثناؤها بقوله علي عشرة إلا ثلاثة كيف وإن ما ذكروه من ~~الترجيح معارض بما يدل على كونه حقيقة في العموم وذلك لأنه من المحتمل أن ~~يكون مراد المتكلم العموم فلو حمل لفظه على الخصوص لم يحصل مراده وبتقدير ~~أن يكون مراده الخصوص لا يمتنع حصول مقصوده منه بتقدير الحمل على العموم بل ~~المقصود حاصل وزيادة وليس أحد الأمرين أولى من الآخر # قولهم في الشبهة الثانية إن أكثر استعمال هذه الصيغ في الخصوص لا نسلم ~~ذلك وإن سلم إلا أن ذلك لا يدل على كون هذه الصيغ حقيقة في الخصوص ومجازا ~~في العموم ويدل عليه أن استعمال لفظ الغائط والعذرة غالب في الخارج ~~المستقذر من الإنسان وإن كان مجازا فيه وحقيقة في الموضع المطمئن من الأرض ~~وفناء الدار # وكذلك لفظ الشجاع حقيقة في الحية المخصوصة وإن كان غالب الاستعمال في ~~الرجل المقدام # قولهم في الثالثة إنه لا يحسن الاستفهام عن إرادة البعض بخلاف العموم # قلنا حسن الاستفهام عن إرادة العموم لا يخرج الصيغة عن كونها حقيقة في ~~العموم ودليل ذلك أنه لو قال القائل دخل السلطان البلد ولقيت بحرا ~~PageV02P239 وناطحت جبلا ورأيت حمارا فإنه يحسن استفهامه هل أردت بالسلطان ~~نفسه أو عسكره وهل أردت بالجبل الجبل الحقيقي أو الرجل العظيم وهل أردت ~~بالحمار الحمار الحقيقي أو البليد وأردت بالبحر البحر الحقيقي أو رجلا ms398 ~~كريما وعدم حسن الاستفهام عن البعض لتيقنه لا يوجب كون الصيغة حقيقية فيه ~~بدليل الثلاثة من العشرة # قولهم في الرابعة لو كان قوله رأيت الرجال للعموم لكان كاذبا بتقدير ~~إرادة الخصوص قلنا إنما يكون كاذبا مع كون لفظه حقيقة في العموم إن لو لم ~~يكن لفظه صالحا لإرادة البعض تجوزا ولهذا فإنه لو قال رأيت أسدا وحمارا أو ~~بحرا وكان قد رأى إنسانا شجاعا وإنسانا بليدا وإنسانا كريما لم يكن كاذبا ~~وإن كان لفظه حقيقة في غيره وهذا بخلاف ما إذا قال رأيت عشرة رجال ولم يكن ~~رأى غير خمسة فإن لفظ العشرة مما لا يصلح للخمسة لا حقيقة ولا تجوزا # قولهم في الخامسة إنه لو كانت هذه الصيغ للعموم لكان تأكيدها عبثا ليس ~~كذلك فإنه يكون أبعد عن مجازفة المتكلم وأبعد عن قبول التخصيص وأغلب على ~~الظن # كيف وإنه يلزم على ما ذكروه صحة تأكيد الخاص بقولهم جاء زيد عينه نفسه ~~وتأكيد عقود الأعداد كقوله تعالى @QB@ تلك عشرة كاملة @QE@ 2 البقرة 196 ) ~~وما هو الجواب هاهنا عن التأكيد يكون جوابا في العموم # قولهم وكان الاستثناء منها نقضا يلزم عليه الاستثناء من الأعداد المقيدة ~~كقوله له علي عشرة إلا خمسة فإنه صحيح بالاتفاق مع أن لفظ العشرة صريح فيها ~~وجوابه في الأعداد جوابه في العموم # قولهم في السادسة إن ( من ) لو كانت للعموم لما جمعت قلنا قد قيل إن ذلك ~~ليس بجمع وإنما هو الحاق زيادة الواو وإشباع PageV02P240 الحركة وبتقدير أن ~~يكون جمعا فقد قال سيبويه إنه لا عمل عليه لما فيه من جمع ( من ) حالة ~~الوصل وإنما تجمع عندما إذا حكى بها الجمع المنكر حالة الوقف # وإذا ذاك فلا تكون العموم # وأما شبه أرباب الاشتراك قولهم في الشبهة الأولى إن هذه الصيغ قد تطلق ~~تارة للعموم وتارة للخصوص والأصل في الإطلاق الحقيقة # قلنا الأصل في الإطلاق الحقيقة بصفة الاشتراك أو لا بصفة الاشتراك الأول ~~ممنوع والثاني مسلم وذلك لأنه إذا كان مشتركا افتقر في فهم كل واحد من ~~مدلولاته ms399 إلى قرينة تعينه ضرورة تساوي نسبة اللفظ فيه إلى الكل والقرينة قد ~~تظهر وقد تخفى # وذلك يفضي إلى الإخلال بمقصود الوضع وهو التفاهم وهذا بخلاف ما إذا كان ~~اللفظ حقيقة في مدلول واحد فإنه يحمل عليه عند إطلاقه من غير افتقار إلى ~~قرينة مخلة بالفهم # قولهم في الثانية إنه يحسن الاستفهام # قلنا ذلك لا يدل على كون اللفظ مشتركا فإنه يحسن مع كون اللفظ متحد ~~المدلول كما لو قال القائل خاصمت السلطان فيقال أخاصمته مع كون اللفظ حقيقة ~~في شيء ومجازا في غيره كما سبق تمثيله من قول القائل صدمت جبلا ورأيت بحرا ~~ولقيت حمارا فإنه يحسن استفهامه أنك أردت بذلك المدلولات الحقيقية أو ~~المجازية من الرجل العظيم والكريم والبليد # وذلك لفائدة زيادة الأمن من المجازفة في الكلام وزيادة غلبة الظن وتأكده ~~بما اللفظ ظاهر فيه وللمبالغة في دفع المعارض كما سبق في التأكيد # وأما طريق الرد على من فرق من الواقفية بين الأوامر والأخبار فهو أن كل ~~ما يذكرونه في الدلالة على وجوب التوقف في الأخبار فهو بعينه مطرد في ~~الأوامر # قولهم أولا إن الأمر تكليف # قلنا ومن الأخبار العامة ما كلفنا بمعرفتها كقوله تعالى @QB@ الله خالق ~~كل شيء وهو على كل شيء وكيل @QE@ 57 الحديد 3 ) وكذلك عمومات الوعد والوعيد ~~فإنا مكلفون بمعرفتها لأن بذلك PageV02P241 يتحقق الانزجار عن المعاصي ~~والانقياد إلى الطاعات ومع التساوي في التكليف فلا معنى للفرق # وإن سلمنا أن ذلك يفضي إلى التكليف بما لا يطاق فهو غير ممتنع عندنا على ~~ما سبق تقريره # قولهم ثانيا إن من الأخبار ما يرد بالمجهول من غير بيان بخلاف الأمر # قلنا لا نسلم امتناع ورود الأمر بالمجهول كيف وإن هذا الفرق وإن دل على ~~عدم الحاجة فيما كان من الأخبار لم نكلف بمعرفتها إلى وضع اللفظ العام ~~بإزائه فغير مطرد فيما كلفنا بمعرفته كما سبق وهم غير قائلين بالتفصيل بين ~~خبر وخبر # # | المسألة الثالثة # اختلف العلماء في أقل الجمع اثنان أو ثلاثة وليس محل الخلاف ما هو ~~المفهوم ms400 من لفظ الجمع لغة وهو ضم شيء إلى شيء فإن ذلك في الاثنين والثلاثة ~~وما زاد من غير خلاف وإنما محل النزاع في اللفظ المسمى بالجمع في اللغة # فنقول مذهب عمر وزيد بن ثابت ومالك وداود والقاضي أبي بكر والأستاذ أبي ~~إسحاق وجماعة من أصحاب الشافعي رضي الله عنه كالغزالي وغيره أنه اثنان ~~PageV02P242 ومذهب ابن عباس والشافعي وأبي حنيفة ومشايخ المعتزلة وجماعة من ~~أصحاب الشافعي أنه ثلاثة وذهب إمام الحرمين إلى أنه لا يمتنع رد لفظ الجمع ~~إلى الواحد # احتج الأولون بحجج من جهة الكتاب والسنة وإشعار اللغة والإطلاق # أما من جهة الكتاب فقوله تعالى @QB@ إنا معكم مستمعون @QE@ 26 الشعراء 15 ~~) وأراد به موسى وهرون وقوله تعالى @QB@ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~@QE@ 49 الحجرات 9 ) وقوله تعالى @QB@ وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا ~~المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض ~~@QE@ 38 ص 21 ) وقوله تعالى @QB@ فإن كان له إخوة فلأمه السدس @QE@ 4 ~~النساء 11 ) وأراد به الأخوين وقوله تعالى @QB@ عسى الله أن يأتيني بهم ~~جميعا @QE@ 12 يوسف 83 ) وأراد به يوسف وأخاه وقوله تعالى @QB@ وكنا لحكمهم ~~شاهدين @QE@ 21 الأنبياء 78 ) وأراد به داود وسليمان وقوله تعالى @QB@ هذان ~~خصمان اختصموا @QE@ 22 الحج 19 ) وقوله تعالى @QB@ إن تتوبا إلى الله فقد ~~صغت قلوبكما @QE@ 66 التحريم 4 ) # وأما من جهة السنة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الاثنان ~~فما فوقهما جماعة # وأما من جهة الإشعار اللغوي فهو أن اسم الجماعة مشتق من الاجتماع وهو ضم ~~شيء إلى شيء وهو متحقق في الاثنين حسب تحققه في الثلاثة وما زاد عليها ~~ولذلك تتصرف العرب وتقول جمعت بين زيد وعمرو فاجتمعا PageV02P243 وهما ~~مجتمعان كما يقال ذلك في الثلاثة فكان إطلاق اسم الجماعة على الاثنين حقيقة ~~وأما من جهة الإطلاق فمن وجهين الأول أن الاثنين يخبران عن أنفسهما بلفظ ~~الجمع فيقولان قمنا وقعدنا وأكلنا وشربنا كما تقول الثلاثة # الثاني أنه يصح أن يقول القائل إذا ms401 أقبل عليه رجلان في مخافة أقبل الرجال # وذلك كله يدل على أن لفظ الجمع حقيقة في الاثنين إذ الأصل في الإطلاق ~~الحقيقة # قال النافون لذلك أما قوله تعالى @QB@ إنا معكم مستمعون @QE@ 26 الشعراء ~~15 ) فالمراد به موسى وهرون وفرعون وقومه وهم جمع وقوله تعالى @QB@ وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا @QE@ 49 الحجرات 9 ) فكل طائفة جمع # وأما قصة داود فلا حجة فيها فإن الخصم قد يطلق على الواحد وعلى الجماعة ~~فيقال هذا خصمي وهؤلاء خصمي وليس في الآية ما يدل على أن كل واحد من ~~الخصمين كان واحدا وقوله تعالى @QB@ فإن كان له إخوة فلأمه السدس @QE@ 4 ~~النساء 11 ) فالمراد به الثلاثة وحيث ورثناها السدس مع الأخوين لم يكن ذلك ~~مخالفا لمنطوق اللفظ بل لمفهومه بدليل آخر وهو انعقاد الإجماع على ذلك # والمراد من قوله تعالى @QB@ عسى الله أن يأتيني بهم جميعا @QE@ 12 يوسف ~~83 ) يوسف وأخوه وشمعون الذي قال @QB@ فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي @QE@ ~~12 يوسف 80 ) والمراد من قوله تعالى @QB@ وكنا لحكمهم شاهدين @QE@ 21 ~~الأنبياء 78 ) داود وسليمان والمحكوم له وهم جماعة وقوله تعالى @QB@ هذان ~~خصمان اختصموا @QE@ 22 الحج 19 ) فالجواب عنه ما تقدم في قصة داود وقوله ~~تعالى @QB@ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما @QE@ 66 التحريم 4 ) فهو ~~أشبه مما يحتج به هاهنا ويمكن أن يجاب عنه بأن الخطاب وإن كان مع اثنين ~~وأنه ليس لكل واحد منهما في الحقيقة سوى قلب واحد غير أنه قد يطلق اسم ~~القلوب على ما يوجد للقلب الواحد من الترددات المختلفة إلى الجهات المختلفة ~~مجازا ومن ذلك قولهم لمن مال قلبه إلى جهتين أو تردد بينهما إنه ذو قلبين ~~وعند ذلك فيجب حمل قوله قلوبكما على جهة لفظ الجمع على الاثنين PageV02P244 ~~حقيقة ويمكن أن يقال إنما قال قلوبكما تجوزا حذرا من استثقال الجمع بين ~~تثنيتين # وقوله صلى الله عليه وسلم الاثنان فما فوقهما جماعة إنما أراد به أن ~~حكمهما حكم الجماعة في انعقاد صلاة الجماعة بهما وإدراك فضيلة الجماعة ms402 ويجب ~~الحمل عليه لأن الغالب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرفنا الأحكام ~~الشرعية لا الأمور اللغوية لكونها معلومة للمخاطب ولما سيأتي من الأدلة # وأما ما ذكروه من الإشعار اللغوي فجوابه أن يقال وإن كان ما منه اشتقاق ~~لفظ الجماعة في الثلاثة موجودا في الاثنين فلا يلزم إطلاق اسم الجماعة ~~عليهما إذ هو من باب القياس في اللغة وقد أبطلناه ولهذا فإن المعنى الذي صح ~~منه اشتقاق اسم القارورة للزجاجة المخصوصة وهو قرار المائع فيها متحقق في ~~الجرة والكوز ولا يصح تسميتهما قارورة # كيف وإن ذلك لا يطرد في اسم الرجال والمؤمنين وغيرهما من أسماء الجموع إذ ~~هو غير مشتق من الجمع والخلاف واقع في إطلاقه على الاثنين حقيقة # وجواب الإطلاق الأول أن ذلك لا يدل على أن الاثنين جمع بدليل صحة قول ~~الواحد لذلك مع أنه ليس بجماعة # ولهذا فإنه لا يصح إخبار غيرهما عنهما بذلك فلا يقال عن الاثنين قاموا ~~وقعدوا بل قاما وقعدا # وجواب الإطلاق الثاني أن ذلك أيضا لا يدل على أن الاثنين جماعة بدليل صحة ~~قوله جاء الرجال عند ما إذا أقبل عليه الواحد في حال المخافة والواحد ليس ~~بجمع بالاتفاق # وأما حجج القائلين بأن أقل الجمع ثلاثة فست الأولى ما روي عن ابن عباس ~~أنه قال لعثمان حين رد الأم من الثلث إلى السدس بأخوين # قال الله تعالى @QB@ فإن كان له إخوة فلأمه السدس @QE@ 4 النساء 11 ) ~~وليس الأخوان إخوة في لسان قومك فقال عثمان لا أستطيع أن أنقض أمرا كان ~~قبلي وتوارثه الناس ولولا أن ذلك مقتضى اللغة لما احتج به ابن عباس على ~~عثمان وأقره عليه عثمان وهما من أهل اللغة وفصحاء العرب PageV02P245 # الثانية أن أهل اللغة فرقوا بين رجلين ورجال فإطلاق اسم الرجال على ~~الرجلين رفع لهذا الفرق # الثالثة أنه لو صح إطلاق الرجال على الرجلين لصح نعتهما بما ينعت به ~~الرجال ولا يصح أن يقال جاءني رجلان ثلاثة كما يقال جاءني رجال ثلاثة ولصح ~~أن يقال رأيت اثنين رجالا ms403 كما يقال رأيت ثلاثة رجال # الرابعة أن أهل اللغة فرقوا بين ضمير التثنية والجمع فقالوا في الاثنين ~~فعلا وفي الجميع فعلوا # الخامسة أنه يصح أن يقال ما رأيت رجالا بل رجلين # ولو كان اسم الرجال للرجلين حقيقة لما صح نفيه # السادسة أنه لو قال لفلان علي دراهم فإنه لا يقبل تفسيره بأقل من ثلاثة # وكذلك في النذر والوصية # وهذه الحجج ضعيفة أما الحجة الأولى فهي معارضة بما روي عن زيد بن ثابت ~~أنه قال الأخوان أخوة # وروي عنه أنه قال أقل الجمع اثنان وليس العمل بأحدهما أولى من الآخر # وأما الثانية فهو أن التفرقة بين الرجلين والرجال أن اسم الرجلين جمع خاص ~~بالاثنين والرجال جمع عام للاثنين وما زاد عليهما # وأما الثالثة فهو أن الثلاثة نعت للجمع العام وهو الرجال ولا يلزم أن ~~يكون نعتا للجمع الخاص وهو رجلان وبه يعرف الجواب عن امتناع قولهم رأيت ~~اثنين رجالا من حيث إن رجالا اسم للجمع العام وهو الثلاثة وما زاد عليها ~~فلا يلزم أن يكون اسما لما دون ذلك وبه يخرج الجواب عن الفرق بين ضمير ~~التثنية وضمير الجمع فإن ضمير ( فعلا ) لجمع خاص وهو الاثنان و ( فعلوا ) ~~ضمير ما زاد على ذلك # وأما الخامسة فإنه إذا رأى رجلين لا نسلم أنه يصح قوله ما رأيت رجالا إلا ~~أن يريد به ما زاد على الاثنين PageV02P246 # وأما الأحكام فممنوعة على أصل من يرى أن أقل الجمع اثنين # وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين فعلى الناظر بالاجتهاد في الترجيح وإلا ~~فالوقف لازم # # | المسألة الرابعة # اختلف القائلون بالعموم في العام بعد التخصيص هل هو حقيقة في الباقي أو ~~مجاز على ثمانية مذاهب # فمنهم من قال إنه يبقى حقيقة مطلقا على أي وجه كان المخصص وهو مذهب ~~الحنابلة وكثير من أصحابنا # ومنهم من قال إنه يبقى مجازا كيف ما كان المخصص وهو مذهب كثير من أصحابنا ~~وإليه ميل الغزالي وكثير من المعتزلة وأصحاب أبي حنيفة كعيسى بن أبان وغيره # ومن أصحاب أبي حنيفة من قال ms404 إن كان الباقي جمعا فهو حقيقة وإلا فلا # وهو اختيار أبي بكر الرازي # ومنهم من قال إن خص بدليل لفظي فهو حقيقة كيف ما كان المخصص متصلا أو ~~منفصلا وإلا فهو مجاز # ومنهم من قال إن خص بدليل متصل من شرط كقوله من دخل داري وأكرمني أكرمته ~~أو استثناء كقوله من دخل داري أكرمته سوى بني تميم فحقيقة وإلا فمجاز وهو ~~اختيار القاضي أبي بكر # وقال القاضي عبد الجبار من المعتزلة إن كان مخصصه شرطا كما سبق تمثيله أو ~~تقييدا بصفة كقوله من دخل داري عالما أكرمته فهو حقيقة وإلا فهو مجاز حتى ~~في الاستثناء PageV02P247 وقال أبو الحسين البصري إن كانت القرينة المخصصة ~~مستقلة بنفسها وسواء كانت عقلية كالدلالة الدالة على أن غير القادر غير ~~مراد بالخطاب في العبادات أو لفظية كقول المتكلم بالعموم أردت به البعض ~~الفلاني فهو مجاز وإلا فهو حقيقة وسواء كانت القرينة شرطا أو صفة مقيدة أو ~~استثناء # ومن الناس من قال إنه حقيقة في تناول اللفظ له مجاز في الاقتصار عليه # والمختار تفريعا على القول بالعموم أنه يكون مجازا في المستبقى واحدا كان ~~أو جماعة وسواء كان المخصص متصلا أو منفصلا عقليا أو لفظيا باستثناء أو شرط ~~أو تقييد بصفة # ودليل ذلك أنه إذا كان اللفظ حقيقة في الاستغرق والهيئة الاجتماعية من كل ~~الجنس فصرفه إلى البعض بالقرينة كيف ما كانت القرينة # إما أن يكون لدلالة اللفظ عليه حقيقة أو مجازا لا جائز أن يقال بكونه ~~حقيقة فيه وإلا كان اللفظ مشتركا بينه وبين الاستغراق ضرورة اختلاف ~~معنييهما بالبعضية والكلية وعدم اشتراكهما في معنى جامع يكون مدلولا للفظ ~~والمشترك لا يكون ظاهرا بلفظه في بعض مدلولاته دون البعض وهو خلاف مذهب ~~القائلين بالعموم فلم يبق إلا أن يكون مجازا # فإن قيل ما المانع أن يكون حقيقة فيهما باعتبار اشتراكهما في الجنسية على ~~وجه لا يكون مشتركا ولا مجازا في أحدهما والذي يدل على كونه حقيقة في البعض ~~المستبقى أن اللفظ كان متناولا له حقيقة قبل ms405 التخصيص فخروج غيره عن عموم ~~اللفظ لا يكون مؤثرا فيه سلمنا أنه ليس حقيقة في الجنس المشترك ولكن ما ~~المانع من كون اللفظ بمطلقه حقيقة في الاستغراق ومع القرينة يكون حقيقة في ~~البعض سلمنا امتناع بقائه حقيقة فيه ولكن متى إذا كان دليل التخصيص لفظيا ~~متصلا أو منفصلا الأول ممنوع والثاني مسلم # وذلك لأنه إذا كان الدليل المخصص PageV02P248 لفظيا متصلا وسواء كان شرطا ~~أو تقييدا بصفة أو استثناء فإن الكلام يصير بسبب الزيادة المتصلة به كلاما ~~آخر مستقلا موضوعا للبعض فإنه إذا قال من دخل داري أكرمته كان له معنى فإذا ~~زاد شرطا أو صفة أو استثناء كقوله من دخل داري وأكرمني أكرمته ومن دخل داري ~~عالما أكرمته أو من دخل داري أكرمته إلا بني تميم تغير ذلك المعنى الأول ~~وصار معنى الشرط الداخل المكرم ومعنى الصفة الداخل العالم ومعنى الاستثناء ~~الداخل ممن ليس من بني تميم فكان اللفظ والمعنى مختلفا وكل واحد من اللفظين ~~حقيقة في معناه وصار هذا بمنزلة قول القائل مسلم فإنه له معنى فإذا زاد فيه ~~الألف واللام فقال المسلم أو زاد فيه الواو والنون فقال مسلمون فإن اللفظ ~~بإلحاق الزيادة فيه صار دالا على معنى زائد بجهة الحقيقة لا بجهة التجوز ~~فكذلك فيما نحن فيه # وعلى هذا نقول إن قوله تعالى @QB@ فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما @QE@ ~~29 العنكبوت 14 ) إن مجموع هذا القول دل على المستبقى بجهة الحقيقة وهو ~~قائم مقام قوله فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما هذا كله فيما إذا كان ~~الاستثناء والمستثنى في كلام متكلم واحد وأما لو قال الله تعالى @QB@ ~~فاقتلوا المشركين @QE@ 9 التوبة 5 ) فقال الرسول عقيبه إلا زيدا فهذا مما ~~اختلف فيه أنه كالمتصل الذي لا يجعل لفظ المشركين مجازا أم لا # فمن قال بكونه متصلا نظر إلى أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون ~~في تشريع الأحكام يغير الوحي فكان في البيان كما لو كان ذلك بكلام الله ~~تعالى # ومنهم من أجراه مجرى الدليل المنفصل ms406 دون المتصل ولهذا فإنه لو قال الباري ~~تعالى زيد فقال النبي صلى الله عليه وسلم قام لا يكون خبرا صادرا من الله ~~تعالى لأن نظم الكلام إنما يكون من متكلم واحد ولعل هذا هو الأظهر # سلمنا أنه يكون مجازا في جميع الصور إلا في الشرط وذلك لأنه إذا ~~PageV02P249 قال أكرم بني تميم إن دخلوا داري فإن الشرط لم يخرج شيئا مما ~~تناوله اللفظ من أعيان الأشخاص بل هو باق بحاله # وإنما أخرج حالا من الأحوال وهي حالة عدم دخول الدار بخلاف الاستثناء ~~وغيره فلا يكون مجازا # سلمنا التجوز مطلقا لكن متى إذا كان المستبقى جمعا غير منحصر أو إذا لم ~~يكن الأول ممنوع والثاني مسلم # والجواب عن السؤال الأول أن البعض وإن كان من جنس الكل إلا أن اللفظ ~~العام حقيقة في استغراق الجنس من حيث هو كذلك لا في الجنس مطلقا ولهذا تعذر ~~حمله على البعض وإن كان من الجنس إلا بقرينة باتفاق القائلين بالعموم ومعنى ~~الاستغراق غير متحقق في المستبقى فلا يكون حقيقة فيه # قولم إن اللفظ كان متناولا له حقيقة قبل التخصيص قلنا بانفراده أو مع ~~المخصص الخارج الأول ممنوع والثاني مسلم # وعلى هذا فلا يلزم مع التخصيص أن يبقى حقيقة فيه كيف ويلزم عليه الواحد ~~فإن اللفظ كان متناولا له حقيقة قبل التخصيص وبعد التخصيص فهو مجاز فيه ~~بالاتفاق # وعن السؤال الثاني جوابان الأول أن ذلك مما يرفع جميع المجازات عن الكلام ~~فإنه ما من مجاز إلا ويمكن أن يقال أنه مع القرينة حقيقة في مدلوله وبدون ~~القرينة حقيقة في غيره # الثاني أنه لو كان كما ذكروه لكان استعمال ذلك اللفظ في الاستغراق مع ~~اقترانه بالقرينة المخصصة له بالبعض استعمالا له في غير الحقيقة وصارفا له ~~عن الحقيقة وهو خلاف إجماع القائلين بالعموم # وعن السؤال الثالث أن دلالة اللفظ عند اقترانه بالدليل اللفظي المتصل لا ~~يخرج عن حقيقته وصورته بما اقترن به وإلا كان كل مقترن بشيء خارجا ~~PageV02P250 عن حقيقته # ويلزم من ذلك خروج الجسم عن ms407 حقيقته من حيث هو جسم عند اتصافه بالسواد ~~والبياض وكذلك في كل موصوف بصفة وهو محال # وإذا كان باقيا على حقيقته فمعناه لا يكون مختلفا بل غايته أن يصير ~~مصروفا عن معناه بالقرينة المقترنة به وهو التجوز بعينه # وعلى هذا فألفاظ الآية المذكورة في قصة نوح الألف للألف والخمسون للخمسين ~~وإلا للرفع ومعرفة ما بقي حاصلة بالحساب # وخرج عن هذا زيادة الألف واللام في المسلم والواو والنون في المسلمين ~~فإنها لا معنى لها في نفسها دون المزيد عليه ولا سبيل إلى إهمالها # فلذلك كانت موجبة للتعيين في الوضع # فإن قيل لو قال لا إله فإنه بمطلقه يكون كفرا ولو اقترن به الاستثناء وهو ~~قوله إلا الله كان إيمانا وكذلك لو قال لزوجته أنت طالق كان بمطلقه تنجيزا ~~للطلاق ولو اقترن به الشرط وهو قوله إن دخلت الدار كان تعليقا مع أن ~~الاستثناء والشرط له معنى ولولا تغير الدلالة والوضع لما كان كذلك # قلنا لا نسلم التغير في الوضع بل غايته صرف اللفظ عما اقتضاه في جهة ~~إطلاقه إلى غيره بالقرينة كيف وإنه لو صح ما ذكروه لم يكن ذلك من باب تخصيص ~~العموم الذي نحن فيه وعن السؤال الرابع من وجهين الأول أنه مهما أخرج الشرط ~~بعض الأحوال فيلزم منه إخراج بعض الأعيان وذلك أنه إذا قال أكرم بني تميم ~~إن دخلوا داري فقد أخرج من لم يدخل الدار الثاني أنه وإن لم يخرج شيئا من ~~الأعيان ولكن لا نسلم انحصار التجوز في إخراج الأعيان وما المانع من القول ~~بالتجوز في إخراج بعض الأحوال مع عموم اللفظ بالنسبة إليها وعن السؤال ~~الخامس لا نسلم أن المستبقى وإن كان جمعا غير منحصر أنه يكون عاما إذا لم ~~يكن مستغرقا للجنس وإن سلمنا عمومه غير أنه PageV02P251 بعض مدلول اللفظ ~~العام المخصص وإذا كان بعضا منه لزم أن يكون صرف اللفظ إليه مجازا لما ~~ذكرناه من الدليل # # | المسألة الخامسة # اختلف القائلون بالعموم في صحة الاحتجاج به بعد التخصيص في ما بقي فأثبته ~~الفقهاء ms408 مطلقا وأنكره عيسى بن أبان وأبو ثور مطلقا ومنهم من فصل ثم اختلف ~~القائلون بالتفصيل فقال البلخي إن خص بدليل متصل كالشرط والصفة والاستثناء ~~فهو حجة وإن خص بدليل منفصل فليس بحجة # وقال أبو عبد الله البصري إن كان المخصص قد منع من تعلق الحكم بالاسم ~~العام وأوجب تعلقه بشرط لا ينبىء عنه الظاهر لم يجز التعلق به كما في قوله ~~تعالى @QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما @QE@ 5 المائدة 38 ) فإن قيام ~~الدلالة على اعتبار الحرز ومقدار المسروق مانع من تعلق الحكم بعموم اسم ~~السارق وموجب لتعلقه بشرط لا ينبىء عنه ظاهر اللفظ # وإن كان المخصص لم يمنع من تعلق الحكم الاسم العام فهو حجة كقوله تعالى ~~@QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ 9 التوبة 5 ) فإن قيام الدلالة على المنع من ~~قتل الذمي غير مانع من تعلق الحكم باسم المشركين # وقال القاضي عبد الجبار إن كان العام المخصوص لو تركنا وظاهره من دون ~~التخصيص كنا نمتثل ما أريد منا ونضم إليه ما لم يرد منا صح الاحتجاج به ~~وذلك كقوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ المخصص بأهل الذمة وإن كان ~~العام بحيث لو تركنا وظاهره من غير تخصيص لم يمكنا امتثال PageV02P252 ما ~~أريد منا دون بيان فلا يكون حجة وذلك كقوله تعالى @QB@ أقيموا الصلاة @QE@ ~~2 البقرة 43 ) فإنا لو تركنا والآية لم يمكنا امتثاله ما أريد منا من ~~الصلاة الشرعية قبل تخصيصه بالحائض فكذلك بعد التخصيص # ومن الناس من قال إنه يكون حجة في أقل الجمع ولا يكون حجة فيما زاد على ~~ذلك # واتفق الكل على أن العام لو خص تخصيصا مجملا فإنه لا يبقى حجة كما لو قال ~~اقتلوا المشركين إلا بعضهم # والمختار صحة الاحتجاج به فيما وراء صور التخصيص وقد احتج بعض الأصحاب ~~على ذلك بأن قال اللفظ العام كان متناولا للكل بالإجماع فكونه حجة في كل ~~قسم من أقسام ذلك الكل إما أن يكون موقوفا على كونه حجة في القسم الآخر أو ~~على كونه حجة في الكل أو لا يتوقف على واحد منهما ms409 فإن كان الأول فهو باطل ~~لأنه إن كان كونه حجة في كل واحد من الأقسام مشروطا بكونه حجة في القسم ~~الآخر فهو دور ممتنع وإن كان كونه حجة في بعض الأقسام مشروطا بكونه حجة في ~~قسم آخر ولا عكس فكونه حجة في ذلك القسم الآخر يبقى بدون كونه حجة في القسم ~~المشروط وليس بعض الأقسام بذلك أولى من البعض مع تساوي نسبة اللفظ العام ~~إلى كل أقسامه # وإن كان الثاني فهو أيضا باطل لأن كونه حجة في الكل يتوقف على كونه حجة ~~في كل واحد من تلك الأقسام لأن الكل لا يتحقق إلا عند تحقق جميع الأفراد ~~وذلك أيضا دور ممتنع # وإذا بطل القسمان ثبت كونه حجة في كل واحد من الأقسام من غير توقف على ~~كونه حجة في القسم الآخر ولا على الكل ثبت كونه حجة في البعض المستبقى وإن ~~لم يبق حجة في غيره # وهذه الحجة مع طولها ضعيفة جدا إذ لقائل أن يقول ما المانع من صحة توقف ~~الاحتجاج به في كل واحد من الأقسام على الآخر أو على الكل مع التعاكس # قوله إنه دور ممتنع متى يكون ذلك ممتنعا إذا كان التوقف توقف معية أو ~~PageV02P253 توقف تقدم الأول ممنوع والثاني مسلم # ولكن لم قلت بأن التوقف هاهنا بجهة التقدم # ولا يخفى أن بيان ذلك مما لا سبيل إليه # والمعتمد في ذلك الإجماع والمعقول # أما الإجماع فهو أن فاطمة رضي الله عنها احتجت على أبي بكر في ميراثها من ~~أبيها بعموم قوله تعالى @QB@ يوصيكم الله في أولادكم @QE@ 4 النساء 11 ) ~~الآية مع أنه مخصص بالكافر والقاتل ولم ينكر أحد من الصحابة صحة احتجاجها ~~مع ظهوره وشهرته بل عدل أبو بكر في حرمانها إلى الاحتجاج بقوله صلى الله ~~عليه وسلم نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة # وأيضا فإن عليا عليه السلام احتج على جواز الجمع بين الأختين في الملك ~~بقوله تعالى @QB@ أو ما ملكت أيمانكم @QE@ 4 النساء 3 ) مع كونه مخصصا ~~بالأخوات والبنات وكان ذلك مشهورا ms410 فيما بين الصحابة ولم يوجد له نكير فكان ~~إجماعا # وأيضا فإن ابن عباس احتج على تحريم نكاح المرضعة بعموم قوله تعالى @QB@ ~~وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم @QE@ 4 النساء 23 ) وقال قضاء الله أولى من قضاء ~~ابن الزبير مع أنه مخصوص لكون الرضاع المحرم متوقفا على شروط وقيود فليس كل ~~مرضعة محرمة ولم ينكر عليه منكر صحة احتجاجه به فكان إجماعا # وأما المعقول فهو أن العام قبل التخصيص حجة في كل واحد من أقسامه إجماعا # والأصل بقاء ما كان قبل التخصيص بعده إلا أن يوجد له معارض # والأصل عدمه # فإن قيل لو كان حجة في الباقي بعد التخصيص لم يخل إما أن يدل عليه حقيقة ~~أو تجوزا لا جائز أن يقال بالأول إذ يلزم منه أن يكون اللفظ مشتركا بينه ~~وبين الاستغراق ضرورة اتفاق القائلين بالعموم على كونه حقيقة في الاستغراق ~~والاشتراك على خلاف الأصل # وإن كان مجازا فيمتنع الاحتجاج به لثلاثة أوجه # الأول أن المجاز فيما وراء صورة التخصيص متردد بين أقل الجمع وما ~~PageV02P254 عدا صورة التخصيص ويمتنع الحمل على الكل لما فيه من تكثير جهات ~~التجوز وليس حمله على أحد المجازين أولى من الآخر لعدم دلالة اللفظ عليه ~~فكان مجملا # الثاني أن المجاز ليس بظاهر وما لا يكون ظاهرا لا يكون حجة # الثالث أن العام بعد التخصيص ينزل منزلة قوله اقتلوا المشركين إلا بعضهم ~~والمشبه به ليس بحجة فكذلك المشبه سلمنا أنه حجة لكن في أقل الجمع أو فيما ~~عدا صورة التخصيص الأول مسلم والثاني ممنوع # وذلك لأن الحمل على أقل الجمع متيقن بخلاف الحمل على ما زاد عليه فإنه ~~مشكوك فيه فكان حجة في المتيقن # والجواب عن السؤال الأول من جهة الإجمال والتفصيل أما الإجمال فهو أن ~~اللفظ العام حجة في كل واحد من أقسامه قبل التخصيص إجماعا وهو إما أن يكون ~~دالا عليه حقيقة أو مجازا ضرورة وكل ما ذكروه من الإشكالات تكون لازمة ومع ~~ذلك فهو حجة والعذر يكون متحدا # وأما التفصيل فنقول ما المانع أن يكون مشتركا ms411 قولهم الاشتراك على خلاف ~~الأصل قلنا إنما يكون خلاف الأصل أن لو لم يكن من قبيل الأسماء العامة وليس ~~كذلك على ما يأتي عن قرب إن شاء الله تعالى # وإن سلمنا أنه ليس مشتركا فما المانع من التجوز قولهم إنه مجمل لتردده ~~بين جهات التجوز # قلنا يجب اعتقاد ظهوره في بعضها نفيا للإجمال عن الكلام إذ هو خلاف الأصل ~~ثم متى يكون كذلك إذا كان حمله على ما عدا صورة التخصيص مشهورا أو إذا لم ~~يكن الأول ممنوع والثاني مسلم # وبيان اشتهاره ما نقل عن الصحابة من علمهم بالعمومات المخصصة فيما وراء ~~صورة التخصيص نقلا شائعا ذائعا سلمنا أنه غير مشهور فيه ولكن يجب ~~PageV02P255 حمل اللفظ بعد التخصيص عليه لأنه أولى من حمله على أقل الجمع ~~لثلاثة أوجه # الأول لكونه معينا وكون أقل الجمع مبهما في الجنس # والثاني إن حمله عليه بتقدير أن يكون المراد من اللفظ أقل الجمع غير مخل ~~بمراد المتكلم وحمله على أقل الجميع بتقدير أن يكون المراد من اللفظ ما عدا ~~صورة التخصيص مخل بمراد المتكلم فكان الحمل عليه أولى # والثالث إنه أقرب إلى الحقيقة فكان أولى # قولهم المجاز ليس بظاهر إن أرادوا به أنه ليس حقيقة فمسلم ولكن لا يدل ~~ذلك على أنه لا يكون حجة إلا أن تكون الحجة منحصرة في الحقيقة وهو محل ~~النزاع وإن أرادوا به أنه لا يكون حجة فهو محل النزاع # قولهم إنه ينزل منزلة قوله اقتلوا المشركين إلا بعضهم ليس كذلك فإن ~~الخارج عن العموم إذا كان مجهولا تعذر العمل بالعموم مطلقا لأن العمل به في ~~أي واحد قدر لا يؤمن معه أن يكون هو المستثنى بخلاف ما إذا كان الخارج ~~معينا # وعن السؤال الثاني بما ذكرناه من الترجيحات السابقة # # | المسألة السادسة # إذا ورد خطاب جوابا لسؤال سائل داع إلى الجواب فالجواب إما أن يكون غير ~~مستقل بنفسه دون السؤال أو هو مستقل فإن كان الأول فهو تابع للسؤال في ~~عمومه وخصوصه أما في عمومه فمن غير خلاف وذلك ms412 كما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه سئل عن بيع الرطب التمر فقال أينقص الرطب إذا يبس قالوا نعم # قال فلا إذا PageV02P256 # وأما في خصوصه فكما لو سأله سائل وقال توضأت بماء البحر # فقال له يجزئك فهذا وأمثاله وإن ترك فيه الاستفصال مع تعارض الأحوال لا ~~يدل على التعميم في حق الغير كما قاله الشافعي رضي الله عنه إذ اللفظ لا ~~عموم له # ولعل الحكم على ذلك الشخص كان لمعنى يختص به كتخصيص أبي بردة في الأضحية ~~بجذعة من المعز وقوله له تجزئك ولا تجزىء أحدا بعدك وتخصيصه خزيمة بقبول ~~شهادته وحده وبتقدير تعميم المعنى الجالب للحكم فالحكم في حق غيره إن ثبت ~~فبالعلة المتعدية لا بالنص # وأما إن كان الجواب مستقلا بنفسه دون السؤال فإما أن يكون مساويا للسؤال ~~أو أعم منه أو أخص # فإن كان مساويا له فالحكم في عمومه وخصوصه عند كون السؤال عاما أو خاصا ~~فكما لو لم يكن مستقلا # ومثاله عند كون السؤال خاصا سؤال الأعرابي عن وطئه في نهار رمضان وقوله ~~صلى الله عليه وسلم اعتق رقبة ومثاله عند كون السؤال عاما ما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه سئل فقيل له إنا نركب البحر على أرماث لنا وليس ~~معنا من الماء العذب ما يكفينا أفنتوضأ بما البحر فقال صلى الله عليه وسلم ~~البحر هو الطهور ماؤه # وأما إن كان الجواب أخص من السؤال فالجواب يكون خاصا ولا يجوز تعديه ~~الحكم من محل التنصيص إلى غيره إلا بدليل خارج عن اللفظ إذ اللفظ لا عموم ~~له كما سبق تقريره بل وفي هذه الصورة الحكم بالخصوص أولى من القول به فيما ~~إذا كان السؤال خاصا والجواب مساويا له حيث إنه هاهنا عدل عن مطابقة سؤال ~~السائل بالجواب مع دعو الحاجة إليه بخلاف تلك الصورة فإنه طابق بجوابه سؤال ~~السائل # وأما إن كان الجواب أعم من السؤال فإما أن يكون أعم من السؤال في ذلك ~~الحكم لا غير كسؤاله صلى الله عليه ms413 وسلم عن ماء بئر بضاعة فقال خلق الماء ~~طهورا لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه أو أنه أعم من السؤال في ~~غير ذلك الحكم كسؤاله صلى الله عليه وسلم عن التوضىء PageV02P257 بماء ~~البحر فقال هو الطهور ماؤه الحل ميتته فإن كان من القسم الثاني فلا خلاف في ~~عمومه في حل ميتته لأنه عام مبتدأ به لا في معرض الجواب إذ هو غير مسؤول ~~عنه وكل عام ورد مبتدأ بطريق الاستقلال فلا خلاف في عمومه عند القائلين ~~بالعموم # وأما إن كان من القسم الأول فمذهب أبي حنيفة والجم الغفير أنه عام وأنه ~~لا يسقط عمومه بالسبب الذي ورد عليه والمنقول عن الشافعي رضي الله عنه ~~ومالك والمزني وأبي ثور خلافه # وعلى هذا يكون الحكم فيما إذا ورد العام على سبب خاص لا تعلق له بالسؤال ~~كما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه مر بشاة ميمونة وهي ميتة فقال صلى الله ~~عليه وسلم أيما إهاب دبغ فقد طهر # والمختار إنما هو القول بالتعميم إلى أن يدل الدليل على التخصيص # ودليله أنه لو عري اللفظ الوارد عن السبب كان عاما وليس ذلك إلا لاقتضائه ~~للعموم بلفظه لا لعدم السبب فإن عدم السبب لا مدخل له في الدلالات اللفظية ~~ودلالة العموم لفظية وإذا كانت دلالته على العموم مستفادة من لفظه فاللفظ ~~وارد مع وجوب السبب حسب وروده مع عدم السبب فكان مقتضيا للعموم ووجود السبب ~~لو كان لكان مانعا من اقتضائه للعموم وهو ممتنع لثلاثة أوجه الأول أن الأصل ~~عدم المانعية فمدعيها يحتاج إلى البيان # الثاني أنه لو كان مانعا من الاقتضاء للعموم لكان تصريح الشارع بوجوب ~~العمل بعمومه مع وجود السبب إما إثبات حكم العموم مع انتفاء العموم أو ~~إبطال الدليل المخصص وهو خلاف الأصل # الثالث أن أكثر العمومات وردت على أسباب خاصة فآية السرقة نزلت في سرقة ~~المجن أو رداء صفوان وآية الظهار نزلت في حق سلمة بن صخر PageV02P258 وآية ~~اللعان نزلت في حق هلال بن أمية ms414 إلى غير ذلك # والصحابة عمموا أحكام هذه الآيات من غير نكير فدل على أن السبب غير مسقط ~~للعموم ولو كان مسقطا للعموم لكان إجماع الأمة على التعميم خلاف الدليل ولم ~~يقل أحد بذلك # فإن قيل ما ذكرتموه معارض بما يدل على اختصاص العموم بالسبب وبيانه من ~~ستة أوجه الأول أنه لو لم يكن المراد بيان حكم السبب لا غير بل بيان ~~القاعدة العامة لما أخر البيان إلى حالة وقوع تلك الواقعة واللازم ممتنع # وإذا كان المقصود إنما هو بيان حكم السبب الخاص وجب الاقتصار عليه # الثاني أنه لو كان الخطاب عاما لكان جوابا وابتداء وقصد الجواب والابتداء ~~متنافيان # الثالث أنه لو كان الخطاب مع السبب عاما لجاز إخراج السبب عن العموم ~~بالاجتهاد كما في غيره من الصور الداخلة تحت العموم ضرورة تساوي نسبة ~~العموم إلى الكل وهو خلاف الإجماع # الرابع أنه لو لم يكن للسبب مدخل في التأثير لما نقله الراوي لعدم فائدته # الخامس أنه لو قال القائل لغيره تغدى عندي فقال لا والله لا تغديت فإنه ~~وإن كان جوابا عاما فمقصور على سببه حتى إنه لا يحنث بغدائه عند غيره ولولا ~~أن السبب يقتضي التخصيص لما كان كذلك # السادس أنه إذا كان السؤال خاصا فلو كان الجواب عاما لم يكن مطابقا ~~للسؤال والأصل المطابقة لكون الزيادة عديمة التأثير فيما تعلق به غرض ~~السائل # والجواب عن المعارضة الأولى أنها مبنية على وجوب رعاية الغرض والحكمة في ~~أفعال الله وهو غير مسلم وإن كان ذلك مسلما لكن لا مانع من اختصاص إظهار ~~الحكم عند وجود السبب لحكمة استأثر الرب تعالى بالعلم بها PageV02P259 دون ~~غيره ثم يلزم مما ذكروه أن تكون العمومات الواردة على الأسباب الخاصة مما ~~ذكرناه مختصة بأسبابها وهو خلاف الإجماع # وعن الثانية أنه إن أريد بالتنافي بين الجواب والابتداء امتناع ذكره لحكم ~~السبب مع غيره فهو محل النزاع وإن أرادوا غير ذلك فلا بد من تصويره # وعن الثالثة أنه لا خلاف في كون الخطاب ورد بيانا لحكم السبب فكان ms415 مقطوعا ~~به فيه فلذلك امتنع تخصيصه بالاجتهاد بخلاف غيره فإن تناوله له ظني وهو ~~ظاهر فيه فلذلك جاز إخراجه عن عموم اللفظ بالاجتهاد وما نقل عن أبي حنيفة ~~من أنه كان يجوز إخراج السبب عن عموم اللفظ بالاجتهاد حتى أنه أخرج الأمة ~~المستفرشة عن عموم قوله عليه السلام الولد للفراش ولم يلحق ولدها بمولاها ~~مع وروده في وليد زمعة # وقد قال عبد الله بن زمعة هو أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه # فلعله فعل ذلك لعدم اطلاعه على ورود الخبر على ذلك السبب # وعن الرابعة أن فائدة نقل السبب امتناع إخراجه عن العموم بطريق الاجتهاد ~~ومعرفة أسباب التنزيل # وعن الخامسة أن الموجب للتخصيص بالسبب في الصورة المستشهد بها عادة أهل ~~العرف بعضهم مع بعض ولا كذلك في الأسباب الخاصة بالنسبة إلى خطاب الشارع ~~بالأحكام الشرعية # وعن السادسة إن أرادوا بمطابقة الجواب للسؤال الكشف عنه وبيان حكمه فقد ~~وجد وإن أرادوا بذلك أن لا يكون بيانا لغير ما سئل عنه فلا نسلم أنه الأصل # ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن التوضؤ بماء البحر ~~فقال هو الطهور ماؤه الحل ميتته تعرض لحل الميتة ولم يكن مسؤولا عنها # ولو كان الاقتصار على نفس المسؤول عنه هو الأصل PageV02P260 لكان بيان ~~النبي صلى الله عليه وسلم لحل الميتة على خلاف الأصل وهو بعيد # # | المسألة السابعة # اختلف العلماء في اللفظ الواحد من متكلم واحد في وقت واحد إذا كان مشتركا ~~بين معنيين كالقرء للطهر والحيض أو حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر كالنكاح ~~المطلق على العقد والوطء ولم تكن الفائدة فيهما واحدة هل يجوز أن يراد به ~~كلا المعنيين معا أو لا فذهب الشافعي والقاضي أبو بكر وجماعة من أصحابنا ~~وجماعة من مشايخ المعتزلة كالجبائي والقاضي عبد الجبار وغيرهم إلى جوازه ~~بشرط أن لا يمتنع الجمع بينهما وذلك كاستعمال صيغة ( افعل ) في الأمر ~~بالشيء والتهديد عليه غير أن مذهب الشافعي أنه مهما تجرد ذلك اللفظ عن ~~القرينة الصارفة له ms416 إلى أحد معنييه وجب حمله على المعنيين ولا كذلك عند من ~~جوز ذلك من مشايخ المعتزلة # وذهب جماعة من أصحابنا وجماعة من المعتزلة كأبي هاشم وأبي عبد الله ~~البصري وغيرهما إلى المنع من جواز ذلك مطلقا # وفصل أبو الحسين البصري والغزالي فقالا يجوز ذلك بالنظر إلى الإرادة دون ~~اللغة # وعلى هذا النحو من الخلاف في اللفظ المفرد اختلفوا في جمعه كالأقراء التي ~~هي جمع قرء هل يجوز حمله على الحيض والإطهار معا وسواء كان إثباتا كما لو ~~قيل للمرأة اعتدي بالأقراء أو نفيا كما لو قيل لها لا تعتدى بالأقراء # وذلك لأن جمع الاسم يفيد جمع ما اقتضاه الاسم فإن كان الاسم متناولا ~~لمعنييه PageV02P261 كان الجمع كذلك وإن كان لا يفيد سوى أحد المعنيين ~~فكذلك أيضا جمعه # والحجاج فيه متفرع على الحجاج في المفرد # وربما قال بالتعميم في طرف النفي كان فردا أو جمعا بعض من قال بنفيه في ~~طرف الإثبات ولهذا قال أبو الحسين البصري وفيه بعض الاشتباه إذ يجوز أن ~~يقال بنفي الاعتداد بالحيض والطهر معا # والحق أن النفي لما اقتضاه الإثبات فإن كان مقتضى الإثبات الجمع فكذلك ~~النفي وإن كان مقتضاه أحد الأمرين فكذلك النفي # وإذ أتينا على بيان اختلاف المذاهب بالتفصيل فلنعد إلى طرف الحجاج # وقد احتج القائلون بجواز التعميم # أما في إمكان إرادة الأمرين باللفظ الواحد فهو أنا لو قدرنا عدم التكلم ~~بلفظ القرء لم يمنع الجمع بين إرادة الاعتداد بالحيض وإرادة الاعتداد ~~بالطهر فوجود اللفظ لا يحيل ما كان جائزا وكذلك الكلام في إرادة الجمع بين ~~الحقيقة والمجاز # وأما بالنظر عند الوقوع لغة فقوله تعالى @QB@ إن الله وملائكته يصلون على ~~النبي @QE@ 33 الأحزاب 56 ) والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الدعاء ~~والاستغفار وهما معنيان مختلفان وقد أريدا بلفظ واحد # وأيضا قوله تعالى @QB@ ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في ~~الأرض والشمس والقمر @QE@ 22 الحج 18 ) إلى آخر الآية وسجود الناس غير سجود ~~غير الناس وقد أريدا بلفظ واحد # واحتجوا أيضا ms417 بأن سيبويه قال قول القائل لغيره الويل لك خبر ودعاء فقد ~~جعله مع اتحاده مفيدا لكلا الأمرين # اعترض النافون أما على إرادة إنكار الجمع بين المسميين فهو أن المتكلم ~~إذا استعمل الكلمة الواحدة في حقيقتها ومجازها معا كان مريدا PageV02P262 ~~لاستعمالها فيما وضعت له وهو محال # وأيضا فإن المستعمل للكلمة فيما هي مجاز فيه لا بد وأن يضمر فيها كاف ~~التشبيه والمستعمل لها في حقيقتها لا بد وأن لا يضمر فيها ذلك والجمع بين ~~الإضمار وعدمه في الكلمة الواحدة محال # هذا ما يخص الاسم المجازي وأما ما يخص الاسم المشترك فهو أن اللفظ ~~المشترك موضوع في اللغة لأحد أمرين مختلفين على سبيل البدل ولا يلزم من ذلك ~~أن يكون موضوعا لهما على الجمع إذ المغايرة بين المجموع وبين كل واحد من ~~أفراده واقعة بالضرورة والمساواة بينهما في جميع الأحكام غير لازمة وعلى ~~هذا فلا يلزم من كون كل واحد من المفردين مسمى باسم تسمية المجموع به وعند ~~ذلك فالواضع إذا وضع لفظا لأحد مفهومين على سبيل البدل فإن لم يكن قد وضعه ~~لمجموعهما فاستعماله في المجموع استعمال اللفظ في غير ما وضع له وهو ممتنع # وإن كان قد وضعه له فإما أن يستعمل اللفظ لإفادة المجموع وحده أو لإفادته ~~مع إفادة الأفراد # فإن كان الأول لم يكن اللفظ مفيدا لأحد مفهوماته لأن الواضع إن كان قد ~~وضعه بإزاء أمور ثلاثة على البدل واحدها ذلك المجموع فاستعمال اللفظ فيه ~~وحده لا يكون استعمالا للفظ في جميع مفهوماته # وإن استعمله في إفادة المجموع والإفراد على الجمع فهو محال لأن إفادة ~~الجموع معناها أن الاكتفاء لا يحصل إلا به وإفادته للمفرد معناها أنه يحصل ~~الاكتفاء بكل واحد منها وهو جمع بين النقيضين وهو محال فلا يكون اللفظ ~~المشترك من حيث هو مشترك ممكن الاستعمال في إفادة مفهوماته جملة # وأما على دليل الوقوع لغة أما النص الأول فقد قال الغزالي فيه إن لفظ ~~الصلاة المطلق على صلاة الله تعالى والملائكة إنما هو باعتبار اشتراكهما في ms418 ~~معنى العناية بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم إظهارا لشرفه وحرمته فهو لفظ ~~متواطىء لا مشترك وكذلك لفظ السجود في الآية الأخرى فإن مسماه إنما هو ~~القدر المشترك من معنى الخضوع لله تعالى والدخول تحت تسخيره وإرادته ~~PageV02P263 # وقال أبو هاشم وإن سلم اختلاف المسمى وإرادتهما بلفظ واحد فلا يبعد أن ~~يقال إن ذلك من قبيل ما نقلته الشريعة من الأسماء اللغوية إلى غير معانيها ~~في اللغة # فأما قول سيبويه فإنه وإن دل على أن العرب وضعت قوله الويل لك للخبر ~~والدعاء معا فليس فيه ما يدل على أن كل الألفاظ المشتركة أو الألفاظ التي ~~هي حقيقة في شيء ومجاز في شيء موضوعة للجمع # كيف وإن قول سيبويه لا يدل على كون ذلك القول مستعملا في الخبر والدعاء ~~معا بل جاز أن يكون موضوعا للخبر وهو مستعمل في الدعاء مجازا لا معا # أجاب المثبتون عن الاعتراض الأول على الإمكان بمنع أن المستعمل للفظة في ~~حقيقتها ومجازها مريد لاستعمالها فيما وضعت له ومريد للعدول بها عما وضعت ~~له بل هو مريد لما وضعت له حقيقة ولما لم توضع له حقيقة # وعن الثاني أن إضمار التشبيه وعدمه في الكلمة الواحدة إنما يمتنع بالنسبة ~~إلى شيء واحد وأما بالنسبة إلى شيئين فلا كيف وإن ذلك لا يطرد في كل مجاز # وعن الثالث أنه مبني على أن الاسم المشترك موضوع لأحد مسمياته على سبيل ~~البدل حقيقة وليس كذلك عند الشافعي والقاضي أبي بكر بل هو حقيقة في المجموع ~~كسائر الألفاظ العامة ولهذا فإنه إذا تجرد عن القرينة عندهما وجب حمله على ~~الجميع وإنما فارق باقي الألفاظ العامة من جهة تناوله لأشياء لا تشترك في ~~معنى واحد يصلح أن يكون مدلولا للفظ بخلاف باقي العمومات فنسبه اللفظ ~~المشترك في دلالته إلى جملة مدلولاتها وإلى أفرادها كنسبة غيره من الألفاظ ~~العامة إلى مدلولاتها جملة وإفرادا # وعلى هذا فقد بطل كل ما قيل من التقسيم المبني على أن اللفظ المشترك ~~موضوع لأحد مسمياته على طريق البدل حقيقة ضرورة ms419 كونه مبنيا عليه وإنما ~~PageV02P264 هو لازم على مشايخ المعتزلة المعتقدين كون اللفظ المشترك ~~موضوعا لأحد مسمياته حقيقة على طريق البدل # فإن قيل وإن كان اللفظ المشترك حقيقة في الجمع فلا خفاء بجواز استعماله ~~في آحاد مدلولاته عند ظهور القرينة عند الشافعي والقاضي أبي بكر وسواء كان ~~ذلك حقيقة أو مجازا # وعند ذلك فاستعماله في المجموع وإن كان على وجه لا يدخل فيه الإفراد فإن ~~كان اللفظ حقيقة في الإفراد فاللفظ يكون مشتركا ولم يدخل فيه جميع مسمياته ~~وإن كان مجازا فلم تدخل فيه الحقيقة والمجاز معا وهو خلاف مذهبكم وإن كان ~~على وجه يدخل فيه الإفراد فهو محال لأن إفادته للمجموع معناها أن الاكتفاء ~~لا يحصل إلا به وإفادته للأفراد معناها أنه يحصل الإكتفاء بكل واحد منها ~~وهو جمع بين النقيضين كما سبق # قلنا استعماله في الأفراد متى يكون معناه الاكتفاء بها إذا كانت داخلة في ~~المجموع أو إذا لم تكن داخلة فيه والأول ممنوع بل معنى استعماله فيها أنه ~~لا بد منها # والثاني مسلم ولا يلزم منه التناقض على كلا التقديرين أما على تقدير ~~العمل باللفظ في آحاد أفراده مع الاقتصار عند ظهور القرينة فلأن الجملة غير ~~مشترطة في الاكتفاء وأما عند كون الأفراد داخلة في مسمى الجملة فلأنها لا ~~بد منها لا بمعنى أنه يكتفى بها # فإن قيل وإذا كانت الأفراد داخلة في مسمى الجملة فليس للفظ عليها دلالة ~~بجهة الحقيقة ولا بجهة التجوز بل بطريق الملازمة الذهنية وليست دلالة لفظية ~~ليلزم ما قيل # قلنا لا خفاء بدخول الأفراد في الجملة فتكون مفهومة من اللفظ الدال على ~~الجملة فله عليها دلالة وهي إما أن تكون بجهة الحقيقة أو التجوز لما سبق # وعن الاعتراض الأول على النصوص أنه لو كان مسمى الصلاة هو القدر المشترك ~~من الاعتناء ومسمى السجود القدر المشترك من الخضوع PageV02P265 والانقياد ~~لاطرد الاسم باطرادهما وليس كذلك فإنه لا يسمى كل اعتناء بأمر صلاة ولا كل ~~خضوع وانقياد سجودا # وإن كان المسمى باسم الصلاة اعتناء خاصا فلا ms420 بد من تصويره وبيان الاشتراك ~~فيه # فإن قيل يجب اعتقاده نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ فهو مبني على أن ~~التجوز والاشتراك على خلاف الأصل وإنما يكون كذلك إن لو تعذر الجمع وهو محل ~~النزاع # وعن اعتراض أبي هاشم أنه مبني على تحقيق الأسماء الشرعية ونقلها من ~~موضوعاتها في اللغة وهو باطل على ما سبق من مذهب القاضي أبي بكر # وعن الاعتراض على قول سيبويه أما الأول فلأنه إنما يلزم أن لو كان ~~الاستدلال بقول سيبويه على أن كل لفظ مشترك أو مجاز يجب أن يكون موضوعا ~~لمجموع مسمياته وليس كذلك بل إنما قصد به بيان الوقوع لا غير # وأما الثاني فلأنه لا انفكاك في قوله الويل لك عن الخبر والدعاء واللفظ ~~واحد ولا معنى لاستعماله فيهما سوى فهمهما منه عند إطلاقه # # | المسألة الثامنة # نفي المساواة بين الشيئين كما في قوله تعالى @QB@ لا يستوي أصحاب النار ~~وأصحاب الجنة @QE@ 59 الحشر 20 ) يقتضي نفي الاستواء في جميع الأمور عند ~~أصحابنا القائلين بالعموم خلافا لأبي حنيفة فإنه قال إذا وقع التفاوت ولو ~~من وجه واحد فقد وفى بالعمل بدلالة اللفظ # حجة أصحابنا أنه إذا قال القائل لا مساواة بين زيد وعمرو فالنفي داخل على ~~مسمى المساواة فلو وجدت المساواة من وجه لما كان مسمى المساواة منتفيا وهو ~~خلاف مقتضى اللفظ # فإن قيل الاستواء ينقسم إلى الاستواء من كل وجه وإلى الاستواء من بعض ~~الوجوه ولهذا يصدق قول القائل استوى زيد وعمرو عند تحقق كل واحد من الأمرين # والاستواء مطلقا أعم من الاستواء من كل وجه ومن وجه PageV02P266 دون وجه ~~والنفي إنما دخل على الاستواء الأعم فلا يكون مشعرا بأحد القسمين الخاصين # وأيضا فإنه لا يكفي في إطلاق لفظ المساواة الاستواء من بعض الوجوه وإلا ~~لوجب إطلاق لفظ المتساويين على جميع الأشياء لأنه ما من شيئين إلا ولا بد ~~من استوائهما في أمر ما ولو في نفي ما سواهما عنهما # ولو صدق ذلك وجب أن يكذب عليه غير المساوي لتناقضهما عرفا # ولهذا فإن من ms421 قال هذا مساو لهذا فمن أراد تكذيبه قال لا يساويه ~~والمتناقضان لا يصدقان معا ويلزم من ذلك أن لا يصدق على شيئين أنهما غير ~~متساويين وذلك باطل فعلم أنه لا بد في اعتبار المساواة من التساوي من كل ~~وجه # وعند ذلك فيكفي في نفي المساواة نفي الاستواء من بعض الوجوه لأن نقيض ~~الكلي الموجب جزئي سالب فثبت أن نفي المساواة لا يقتضي نفي المساواة من كل ~~وجه # وأيضا فإنه لو كان نفي المساواة يقتضي نفي المساواة من كل وجه لما صدق ~~نفي المساواة حقيقة على شيئين أصلا لأنه ما من شيئين إلا وقد استويا في أمر ~~ما كما سبق # وهو على خلاف الأصل إذ الأصل في الإطلاق الحقيقة دون المجاز # والجواب عن الأول أن ذكر الأعم متى لا يكون مشعرا بالأخص إذا كان ذلك في ~~طرف الإثبات أو النفي الأول مسلم والثاني ممنوع # ولهذا فإنه لو قال القائل ما رأيت حيوانا وكان قد رأى إنسانا أو غيره من ~~أنواع الحيوان فإنه يعد كاذبا # وعن الثاني لا نسلم أنه لا يكفي في إطلاق لفظ المساواة التساوي من بعض ~~الوجوه # قولهم لو كفى ذلك لوجب إطلاق لفظ المتساويين على جميع الأشياء لما قرر ~~مسلم PageV02P267 # قولهم يلزم من ذلك أن يكذب عليه غير المساوي وهو باطل بما قرر # فهو مقابل بمثله وهو أن يقال لا يكفي في إطلاق نفي المساواة نفي المساواة ~~من بعض الوجوه وإلا لوجب إطلاق نفي المساواة على كل شيئين لأنه ما من شيئين ~~إلا وقد تفاوتا من وجه ضرورة تعينهما ولو صدق ذلك لوجب أن يكذب عليه ~~المساوي لتناقضهما عرفا # ولهذا فإن من قال هذا غير مساو لهذا فمن أراد تكذيبه قال إنه مساو له ~~والمتناقضان لا يصدقان معا # ويلزم من ذلك أن لا يصدق على شيئين أنهما متساويان وذلك باطل فإنه ما من ~~شيئين إلا ولا بد من استوائهما ولو في نفي ما سواهما عنهما فعلم أنه لا بد ~~في اعتبار نفي المساواة من نفي المساواة من كل ms422 وجه # وعند ذلك فيكفي في إثبات المساواة المساواة من بعض الوجوه لأن نقيض الكلي ~~السالب جزئي موجب # وفيه إبطال ما ذكر من عدم الاكتفاء في إطلاق لفظ المساواة بالمساواة من ~~وجه # وإذا تقابل الأمران سلم لنا ما ذكرناه أولا # وعن الثالث لا نسلم صدق نفي المساواة مطلقا على ما وقع التساوي بينهما من ~~وجه # قولهم الأصل في الإطلاق الحقيقة قلنا إلا أن يدل الدليل على مخالفته # ودليله ما ذكرناه # وفي معنى نفي المساواة قوله تعالى @QB@ ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا @QE@ # # | المسألة التاسعة # المقتضي وهو ما أضمر ضرورة صدق المتكلم لا عموم له وذلك كما في قوله صلى ~~الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فإنه أخبر عن ~~رفع الخطإ والنسيان ويتعذر حمله على حقيقته لإفضائه إلى الكذب في كلام ~~الرسول ضرورة تحقق الخطإ والنسيان في حق الأمة فلا بد من إضمار حكم يمكن ~~نفيه من الأحكام الدنيوية أو الأخروية ضرورة صدقه في كلامه # وإذا كانت أحكام الخطإ والنسيان متعددة فيمتنع إضمار PageV02P268 الجميع ~~إذ الإضمار على خلاف الأصل والمقصود حاصل بإضمار البعض فوجب الاكتفاء به ~~ضرورة تقليل مخالفة الأصل # فإن قيل ما ذكرتموه إنما يصح أن لو لم يكن لفظ الرفع دالا على رفع جميع ~~أحكام الخطإ والنسيان وليس كذلك وبيانه أن قوله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ~~يدل على رفعهما مستلزما لرفع أحكامهما # فإذا تعذر العمل به في نفي الحقيقة تعين العمل به في نفي الأحكام # سلمنا أنه لا دلالة عليها وضعا ولكن لم قلتم بأنه لا يدل عليها بعرف ~~الاستعمال ولهذا يقال ليس للبلد سلطان وليس له ناظر ولا مدبر # والمراد به نفي الصفات # سلمنا أنه لا يدل عليها بعرف الاستعمال غير أن اللفظ دال على رفع الخطإ ~~والنسيان # فإذا تعذر ذلك وجب إضمار جميع الأحكام لوجهين الأول أنه يجعل وجود الخطإ ~~والنسيان كعدمه والثاني أنه لا يخلو إما أن يقال بإضمار الكل أو البعض أو ~~لا بإضمار شيء أصلا # والقول بعدم الإضمار ms423 خلاف الإجماع وليس إضمار البعض أولى من البعض ضرورة ~~تساوي نسبة اللفظ إلى الكل فلم يبق سوى إضمار الجميع # والجواب عن الأول أن اللفظ إنما يستلزم نفي الأحكام بواسطة نفي حقيقة ~~الخطإ والنسيان فإذا لم يكن الخطأ والنسيان متيقنا فلا يكون مستلزما لنفي ~~الأحكام # وعن الثاني أن الأصل إنما هو العمل بالوضع الأصلي وعدم العرف الطارىء فمن ~~ادعاه يحتاج إلى بيانه # وما ذكروه من الاستشهاد بالصور فلا نسلم صحة حملها على جميع الصفات وإلا ~~لما كان السلطان موجودا ولا عالما ولا قادرا ونحو ذلك من الصفات وهو محال ~~PageV02P269 # وعن الثالث قولهم إضمار جميع الأحكام يكون أقرب إلى المقصود من نفي ~~الحقيقة # قلنا إلا أنه يلزم منه تكثير مخالفة الدليل المقتضي للأحكام وهو وجود ~~الخطإ والنسيان # قولهم ليس إضمار البعض أولى من البعض إنما يصح أن لو قلنا بإضمار حكم ~~معين وليس كذلك بل بإضمار حكم ما والتعيين إلى الشارع # فإن قيل فيلزم من ذلك الإجمال في مراد الشارع وهو على خلاف الأصل # قلنا لو قيل بإضمار الكل لزم منه زيادة الإضمار وتكثير مخالفة الدليل كما ~~سبق وكل واحد منهم على خلاف الأصل # ثم ما ذكرناه من الأصول إما أن تكون راجحة على ما ذكروه أو مساوية له أو ~~مرجوحة # فإن كانت راجحة لزم العمل بها # وإن كانت مساوية فهو كاف لنا في هذا المقام في نفي زيادة الإضمار وهما ~~تقديران وما ذكروه إنما يمكن التمسك به على تقدير كونه راجحا ولا يخفى أن ~~ما يتم التمسك به على تقديرين أرجح مما لا يمكن التمسك به إلا على تقدير ~~واحد # # | المسألة العاشرة # الفعل المتعدي إلى مفعول كقوله والله لا آكل أو إن أكلت فأنت طالق هل ~~يجري مجرى العموم بالنسبة إلى مفعولاته أم لا اختلفوا فيه فأثبته أصحابنا ~~والقاضي أبو يوسف ونفاه أبو حنيفة # وتظهر فائدة الخلاف في أنه لو نوى به مأكولا معينا قبل عند أصحابنا حتى ~~إنه لا يحنث بأكل غيره بناء على عموم لفظه له وقبول العام للتخصيص ms424 ~~PageV02P270 ببعض مدلولاته ولا يقبل عند أبي حنيفة تخصيصه به لأن التخصيص ~~من توابع العموم ولا عموم # حجة أصحابنا أما في طرف النفي وذلك عند ما إذا قال والله لا أكلت أن قوله ~~أكلت فعل يتعدى إلى المأكول ويدل عليه بوضعه وصيغته فإذا قال لا أكلت فهو ~~ناف لحقيقة الأكل من حيث هو أكل ويلزم من ذلك نفيه بالنسبة إلى كل مأكول ~~وإلا لما كان نافيا لحقيقة الأكل من حيث هو أكل وهو خلاف دلالة لفظه # وإذا كان لفظه دالا على نفي حقيقة الأكل بالنسبة إلى كل مأكول فقد ثبت ~~عموم لفظه بالنسبة إلى كل مأكول فكان قابلا للتخصيص # وأما في طرف الإثبات وهو ما إذا قال إن أكلت فأنت طالق فلا يخفى أن وقوع ~~الأكل المطلق يستدعي مأكولا مطلقا لكونه متعديا إليه والمطلق ما كان شائعا ~~في جنس المقيدات الداخلة تحته فكان صالحا لتفسيره وتقييده بأي منها كان ~~ولهذا لو قال الشارع أعتق رقبة صح تقييدها بالرقبة المؤمنة ولو لم يكن ~~للمطلق على المقيد دلالة لما صح تفسيره به # فإن قيل يلزم على ما ذكرتموه الزمان والمكان فإن حقيقة الأكل لا تتم نفيا ~~ولا إثباتا إلا بالنسبة إليهما ومع ذلك لو نوى بلفظه مكانا معينا أو زمانا ~~معينا فإنه لا يقبل # قلنا لا نسلم ذلك وإن سلمنا فالفرق حاصل # وذلك لأن الفعل وهو قوله ( أكلت ) غير متعد إلى الزمان والمكان بل هو من ~~ضرورات الفعل فلم يكن اللفظ دالا عليه بوضعه فلذلك لم يقبل تخصيص لفظه به ~~لأن التخصيص عبارة عن حمل اللفظ على بعض مدلولاته لا على غير مدلولاته ~~بخلاف المأكول على ما سبق # فإن قيل إذا قال إن أكلت فأنت طالق فالأكل الذي هو مدلول لفظه كلي مطلق ~~والمطلق لا إشعار له بالمخصص فلا يصح تفسيره به # قلنا المحلوف عليه ليس هو المفهوم من الأكل الكلي الذي لا وجود له إلا ~~PageV02P271 في الأذهان وإلا لما حنث بالأكل الخاص إذ هو غير المحلوف عليه ~~وهو خلاف الإجماع فلم يبق ms425 إلا أن يكون المراد به أكلا مقيدا من جملة ~~الأكلات المقيدة التي يمكن وقوعها في الأعيان أيا منها كان وإذا كان لفظه ~~لا إشعار له بغير المقيد صح تفسيره به كما إذا قال أعتق رقبة وفسره بالرقبة ~~المؤمنة كما سبق # # | المسألة الحادية عشرة # الفعل وإن انقسم إلى أقسام وجهات فالواقع منه لا يقع إلا على وجه واحد ~~منها فلا يكون عاما لجميعها بحيث يحمل وقوعه على جميع جهاته وذلك كما روي ~~عنه عليه السلام أنه صلى داخل الكعبة فصلاته الواقعة يحتمل أنها كانت فرضا ~~ويحتمل أنها كانت نفلا ولا يتصور وقوعها فرضا نفلا فيمتنع الاستدلال بذلك ~~على جواز الفرض والنفل في داخل الكعبة جميعا إذ لا عموم للفعل الواقع ~~بالنسبة إليهما ولا يمكن تعيين أحد القسمين إلا بدليل # وأما ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى بعد غيبوبة الشفق فالشفق اسم ~~مشترك بين الحمرة والبياض فصلاته يحتمل أنها وقعت بعد الحمرة ويحتمل أنها ~~وقعت بعد البياض فلا يمكن حمل ذلك على وقوع فعل الصلاة بعدهما على رأي من ~~لا يرى حمل اللفظ المشترك على جميع محامله وإنما يمكن ذلك على رأي من يرى ~~ذلك كما سبق تحقيقه # فإن قول الراوي صلى بعد غيبوبة الشفق ينزل منزلة قوله صلى بعد الشفقين # وفي هذا المعنى أيضا قول الراوي كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين ~~الصلاتين في السفر فإنه يحتمل وقوع ذلك في وقت الأولى ويحتمل وقوعه في وقت ~~الثانية وليس في نفس وقوع الفعل ما يدل على وقوعه فيهما بل في أحدهما # والتعين متوقف على الدليل # وأما وقوع ذلك منه صلى الله عليه وسلم متكررا على وجه يعم سفر النسك ~~وغيره فليس PageV02P272 أيضا في نفس وقوع الفعل ما يدل عليه بل إن كان ولا ~~بد فاستفادة ذلك إنما هي من قول الراوي كان يجمع بين الصلاتين # ولهذا فإنه إذا قيل كان فلان يكرم الضيف يفهم منه التكرار دون القصور على ~~المرة الواحدة # وعلى هذا أيضا يجب أن يعلم ms426 أن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم واجبا ~~كان عليه أو جائزا له لا عموم له بالإضافة إلى غيره بل هو خاص في حقه إلا ~~أن يدل دليل من خارج على المساواة بينه وبين غيره في ذلك الفعل كما لو صلى ~~وقال صلوا كما رأيتموني أصلي أو غير ذلك # فإن قيل فقد أجمعت الأمة على تعميم سجود السهو في كل سهو بما روي عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه سها في الصلاة فسجد وكذلك اتفقوا على تعميم ما نقل عن ~~عائشة أنها قالت كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~في الصلاة في حق كل أحد حتى إن الشافعي استدل بذلك على طهارة مني الآدمي ~~واستدل به أبو حنيفة على جواز الاقتصار على الفرك في حق غير النبي مع حكمه ~~بنجاسته # وكذلك إجماعهم على وجوب الغسل من التقاء الختانين بقول عائشة فعلته أنا ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم واغتسلنا وأيضا فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا سئل عن حكم أجاب بما يخصه وأحال معرفة ذلك على فعل نفسه # فمن ذلك لما سألته أم سلمة عن الاغتسال قال أما أنا فأفيض الماء على رأسي ~~ومن ذلك أنه لما سئل عن قبلة الصائم قال أنا أفعل ذلك ولولا أن للفعل عموما ~~لما كان كذلك # قلنا أما تعميم سجود السهو فإنه إنما كان لعموم العلة وهي السهو من حيث ~~إنه رتب السجود على السهو بفاء التعقيب وهو دليل العلة كما يأتي ذكره لا ~~لعموم الفعل # وكذلك الحكم في قوله زنى ماعز فرجم وفي قوله PageV02P273 رضخ يهودي رأس ~~جارية فرضخ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه # وأما العمل بخبر عائشة في فرك المني ووجوب الغسل من التقاء الختانين ~~وإفاضة الماء على الرأس وقبلة الصائم فكل ذلك مستند إلى القياس لا إلى عموم ~~الفعل لتعذره كما سبق والله أعلم # # | المسألة الثانية عشرة # قول الصحابي نهى رسول الله الغرر وقوله قضى رسول الله صلى الله عليه ms427 وسلم ~~بالشفعة للجار ونحوه اختلفوا في تعميمه لكل غرر وكل جار # والذي عليه معول أكثر الأصوليين أنه لا عموم له لأنه حكاية الراوي ولعله ~~رأى النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن فعل خاص لا عموم له فيه غرر وقضى ~~لجار مخصوص بالشفعة فنقل صيغة العموم لظنه عموم الحكم # ويحتمل أنه سمع صيغة ظنها عامة وليست عامة ويحتمل أنه سمع صيغة عامة # وإذا تعارضت الاحتمالات لم يثبت العموم والاحتجاج إنما هو بالمحكي لا ~~بنفس الحكاية # ولقائل أن يقول وإن كانت هذه الاحتمالات منقدحة غير أن الصحابي الراوي من ~~أهل العدالة والمعرفة باللغة فالظاهر أنه لم ينقل صيغة العموم إلا وقد سمع ~~صيغة لا يشك في عمومها لما هو مشتمل عليه من الداعي الديني والعقلي المانع ~~له من إيقاع الناس في ورطة الالتباس واتباع ما لا يجوز اتباعه وبتقدير أن ~~لا يكون قاطعا بالعموم فلا يكون نقله للعموم إلا وقد ظهر له العموم والغالب ~~إصابته فيما ظنه ظاهرا فكان صدقه فيما نقله غالبا على الظن ومهما ظن صدق ~~الراوي فيما نقله عن النبي صلى الله عليه وسلم وجب اتباعه PageV02P274 # # | المسألة الثالثة عشرة # مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه إذا حكم النبي صلى الله عليه وسلم بحكم في ~~واقعة خاصة وذكر علته أنه يعم من وجدت في حقه تلك العلة خلافا للقاضي أبي ~~بكر # وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم في حق أعرابي محرم وقصت به ناقته لا ~~تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا وكقوله صلى الله ~~عليه وسلم في قتلى أحد زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يحشرون يوم القيامة ~~وأوداجهم تشخب دما وكما لو قال الشارع حرمت المسكر لكونه حلوا عم التحريم ~~كل حلو # والحق في ذلك أنه إن ادعى عموم الحكم نظرا إلى الصيغة الواردة فهو باطل ~~قطعا كيف وإنه لو كان التنصيص على إثبات الحكم المعلل يقتضي بعمومه الحكم ~~في كل محل وجدت فيه العلة لكان للوكيل إذا قال له الموكل اعتق عبدي سالما ~~لكونه ms428 أسود أن يعتق كل عبد أسود له كما لو قال اعتق عبيدي السودان وليس ~~كذلك بالإجماع # وإن قيل بالعموم نظرا إلى الاشتراك في العلة فهو الحق ولا يلزم من ~~التعميم في الحكم بالعلة المشتركة شرعا مثله فيما إذا قال لوكيله اعتق عبدي ~~سالما لكونه أسود إذ الوكيل إنما يتصرف بأمر الموكل لا بالقياس على ما أمره ~~به # وعلى هذا فالفائدة في ذكر العلة معرفة كون الحكم معللا إلا أن يكون اللفظ ~~الدال على الحكم عاما لغير محل التنصيص # وما يقوله القاضي أبو بكر من أنه يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ~~علل ذلك في حق الأعرابي بما علمه من موته مسلما مخلصا في عبادته محشورا ~~ملبيا وقصت به ناقته لا بمجرد إحرامه # وفي قتلى أحد بعلو درجتهم في الجهاد وتحقق شهادتهم لا بمجرد الجهاد # وفي تحريم المسكر لكونه حلوا مسكرا وذلك كله غير معلوم في حق الغير # وإن كان ما ذكروه منقدحا PageV02P275 غير أنه على خلاف ما ظهر من تعليله ~~عليه السلام بمجرد الإحرام والجهاد وترك ما ظهر من التعليل لمجرد الاحتمال ~~ممتنع # # | المسألة الرابعة عشرة # اختلفوا في دلالة المفهوم على القول به هل لها عموم أو لا # وكشف الغطاء عن ذلك أن نقول المفهوم ينقسم إلى مفهوم الموافقة وهو ما كان ~~حكم السكوت عنه موافقا لحكم المنطوق كما يأتي تحقيقه # فإن كان من قبيل مفهوم الموافقة كما في تحريم ضرب الوالدين من تنصيصه على ~~تحريم التأفيف لهما فحكم التحريم وإن كان شاملا للصورتين لكن مع اختلاف جهة ~~الدلالة فثبوته في صورة النطق بالمنطوق وفي صورة السكوت بالمفهوم فلا ~~المنطوق عام بالنسبة إلى الصورتين ولا المفهوم من غير خلاف # وإنما الخلاف في عموم المفهوم بالنسبة إلى صورة السكوت ولا شك أن حاصل ~~النزاع فيه آيل إلى اللفظ # فإن من قال بكونه عاما بالنسبة إليهما إنما يريد به ثبوت الحكم به في ~~جميعها لا بالدلالة اللفظية وذلك مما لا خلاف فيه بين القائلين بالمفهوم # ومن نفى العموم كالغزالي فلم ms429 يرد به أن الحكم لم يثبت به في جميع صور ~~السكوت إذ هو خلاف الفرض وإنما أراد نفي ثبوته مستندا إلى الدلالة اللفظية ~~وذلك مما لا يخالف فيه القائل بعموم المفهوم # وأما مفهوم المخالفة كما في نفي الزكاة عن المعلوفة من تنصيصه صلى الله ~~عليه وسلم على وجوب الزكاة في الغنم السائمة فلا شك أيضا بأن اللفظ ~~PageV02P276 فيه غير عام بمنطوقه للصورتين ولا بمفهومه وإنما النزاع في ~~عمومه بالنسبة إلى جميع صور السكوت وحاصل النزاع أيضا فيه آيل إلى اللفظ ~~كما سبق في مفهوم الموافقة # # | المسألة الخامسة عشرة # العطف على العام هل يوجب العموم في المعطوف اختلفوا فيه فمنع أصحابنا من ~~ذلك وأوجبه أصحاب أبي حنيفة رحمه الله # ومثاله استدلال أصحابنا على أن المسلم لا يقتل بالذمي بقوله صلى الله ~~عليه وسلم لا يقتل مسلم بكافر وهو عام بالنسبة إلى كل كافر حربيا كان أو ~~ذميا # فقال أصحاب أبي حنيفة لو كان ذلك عاما للذمي لكان المعطوف عليه كذلك وهو ~~قوله ولا ذو عهد في عهده ضرورة الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في ~~الحكم وصفته وليس كذلك فإن الكافر الذي لا يقتل به المعاهد إنما هو الكافر ~~الحربي دون الذمي # احتج أصحابنا بثلاثة أمور الأول أن المعطوف لا يستقل بنفسه في إفادة حكمه ~~واللفظ الدال على حكم المعطوف عليه لا دلالة له على حكم المعطوف بصريحه ~~وإنما أضمر حكم المعطوف عليه في المعطوف ضرورة الإفادة وحذرا من التعطيل # والإضمار على خلاف الأصل فيجب الاقتصار فيه على ما تندفع به الضرورة وهو ~~التشريك في أصل الحكم دون تفصيله من صفة العموم وغيره تقليلا لمخالفة ~~الدليل # الثاني أنه قد ورد عطف الخاص على العام في قوله تعالى @QB@ والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء @QE@ 2 البقرة 228 ) فإنه عام في الرجعية ~~والبائن وقوله PageV02P277 @QB@ وبعولتهن أحق بردهن @QE@ 2 البقرة 228 ) ~~خاص # وورد عطف الواجب على المندوب في قوله تعالى @QB@ فكاتبوهم @QE@ 24 النور ~~33 ) فإنه للندب وقوله @QB@ وآتوهم من مال الله الذي آتاكم @QE@ 24 النور ~~33 ms430 ) للإيجاب وورد عطف الواجب على المباح في قوله تعالى @QB@ كلوا من ثمره ~~إذا أثمر @QE@ 6 الأنعام 141 ) فإنه للإباحة وقوله @QB@ وآتوا حقه @QE@ 6 ~~الأنعام 141 ) للإيجاب # ولو كان الأصل هو الاشتراك في أصل الحكم وتفصيله لكان العطف في جميع هذه ~~المواضع على خلاف الأصل وهو ممتنع # الثالث أن الاشتراك في أصل الحكم متيقن وفي صفته محتمل فجعل العطف أصلا ~~في المتيقن دون المحتمل أولى # فإن قيل ما ذكرتموه معارض بما يدل على وجوب التشريك بينهما في أصل الحكم ~~وتفصيله وبيانه من وجهين # الأول أن حرف العطف يوجب جعل المعطوف والمعطوف عليه في حكم جملة واحدة ~~فالحكم على أحدهما يكون حكما على الأخرى # الثاني أن المعطوف إذا لم يكن مستقلا بنفسه فلا بد من إضمار حكم المعطوف ~~عليه فيه لتحقق الإفادة # وعند ذلك لا يخلو إما أن يقال بإضمار كل ما ثبت للمعطوف عليه للمعطوف أو ~~بعضه لا جائز أن يقال بالثاني لأن الإضمار إما لبعض معين أو غير معين القول ~~بالتعيين ممتنع إذ هو غير واقع من نفس العطف # كيف وإنه ليس البعض أولى من البعض الآخر والقول بعدم التعيين موجب ~~للإبهام والإجمال في الكلام وهو خلاف الأصل فلم يبق سوى القسم الأول وهو ~~المطلوب # قلنا جواب الأول أن العطف يوجب جعل المعطوف والمعطوف عليه في PageV02P278 ~~حكم جملة واحدة فيما فيه العطف أو في غيره الأول مسلم والثاني ممنوع فلم ~~قلتم إن ما زاد على أصل الحكم معتبر في العطف إذ هو محل النزاع # وجواب الثاني أن نقول بالتشريك في أصل الحكم المذكور دون صفته وهو مدلول ~~اللفظ من غير إبهام ولا إجمال # # | المسألة السادسة عشرة # إذا ورد خطاب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى @QB@ يا أيها ~~المزمل قم الليل @QE@ 73 @QB@ المزمل @QE@ @QB@ يا أيها المدثر قم فأنذر ~~@QE@ 74 @QB@ المدثر @QE@ @QB@ يا أيها النبي اتق الله @QE@ 33 @QB@ ~~الأحزاب @QE@ @QB@ لئن أشركت ليحبطن عملك @QE@ 39 الزمر 65 ) لا يعم الأمة ~~ذلك الخطاب عند أصحابنا خلافا لأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأصحابهما في ms431 قولهم ~~إنه يكون خطابا للأمة إلا ما دل الدليل فيه على الفرق # ودليلنا في ذلك أن الخطاب الوارد نحو الواحد موضوع في أصل اللغة لذلك ~~الواحد فلا يكون متناولا لغيره بوضعه # ولهذا فإن السيد إذا أمر بعض عبيده بخطاب يخصه لا يكون أمرا للباقين # وكذلك في النهي والإخبار وسائر أنواع الخطاب # كيف وإنه من المحتمل أن يكون الأمر للواحد المعين مصلحة له وهو مفسدة في ~~حق غيره وذلك كما في أمر الطبيب لبعض الناس بشرب بعض الأدوية فإنه لا يكون ~~ذلك أمرا لغيره لاحتمال التفاوت بين الناس في الأمزجة الأحوال المقتضية ~~لذلك الأمر # ولهذا خص النبي صلى الله عليه وسلم بأحكام لم يشاركه فيها أحد من أمته من ~~الواجبات والمندوبات PageV02P279 والمحظورات والمباحات ومع امتناع اتحاد ~~الخطاب وجواز الاختلاف في الحكمة والمقصود يمتنع التشريك في الحكم اللهم ~~إلا أن يقوم دليل من خارج يدل على الاشتراك في العلة الداعية إلى ذلك الحكم ~~فالاشتراك في الحكم يكون مستندا إلى نفس القياس لا إلى نفس الخطاب الخاص ~~بمحل التنصيص أو دليل آخر # فإن قيل نحن لا ننكر أن الخطاب الخاص بالواحد لا يكون خطابا لغيره مطلقا ~~بل المدعى أن من كان مقدما على قوم وقد عقدت له الولاية والإمارة عليهم ~~وجعل له منصب الاقتداء به فإنه إذا قيل له اركب لمناجزة العدو وشن الغارة ~~عليه وعلى بلاده فإن أهل اللغة يعدون ذلك أمرا لأتباعه وأصحابه # وكذلك إذا أخبر عنه بأنه قد فتح البلد الفلاني وكسر العدو فإنه يكون ~~إخبارا عن أتباعه أيضا # والنبي صلى الله عليه وسلم ممن قد ثبت كونه قدوة للأمة ومتبعا لهم فأمره ~~ونهيه يكون أمرا ونهيا لأمته إلا ما دل الدليل فيه على الفرق # ويدل على صحة ما ذكرناه قوله تعالى @QB@ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ~~فطلقوهن لعدتهن @QE@ 65 الطلاق 1 ) ولم يقل إذا طلقت النساء فطلقهن وذلك ~~يدل على أن خطابه خطاب لأمته وأيضا قوله تعالى @QB@ فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين ms432 حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن ~~وطرا @QE@ 33 الأحزاب 37 ) أخبره أنه إنما أباحه ذلك ليكون ذلك مباحا للأمة ~~ولو كانت الإباحة خاصة به لما انتفى الحرج عن الأمة # وأيضا فإنه قد ورد الخطاب بتخصيصه عليه السلام بأحكام دون أمته كقوله ~~تعالى @QB@ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي @QE@ 33 الأحزاب 50 ) إلى ~~قوله @QB@ خالصة لك من دون المؤمنين @QE@ PageV02P280 وكقوله تعالى @QB@ ~~ومن الليل فتهجد به نافلة لك @QE@ 17 الإسراء 79 ) ولو لم يكن الخطاب ~~المطلق له خطابا لأمته بل خاصا به لما احتيج إلى بيان التخصيص به هاهنا # وما ذكرتموه من احتمال التفاوت في المصلحة والمفسدة فغير قادح مع ظهور ~~المشاركة في الخطاب كما تقرر # ولهذا جاز تكليف الكل مع هذا الاحتمال لظهور الخطاب وجاز تعدية الحكم من ~~الأصل إلى الفرع عند ظن الاشتراك في الداعي مع احتمال التفاوت بين الأصل ~~والفرع في المصلحة والمفسدة # والجواب لا نسلم أن أمر المقدم يكون أمرا لاتباعه لغة ولهذا فإنه يصح أن ~~يقال أمر المقدم ولم يأمر الأتباع وأنه لو حلف أنه لم يأمر الأتباع لم يحنث ~~بالإجماع # ولو كان أمره للمقدم أمرا لاتباعه لحنث نعم غايته أنه يفهم عند أمر ~~المقدم بالركوب وشن الغار لزوم توقف مقصود الأمر على اتباع أصحابه له فكان ~~ذلك من باب الاستلزام لا من باب دلالة اللفظ مطابقة ولا ضمنا ولا يلزم مثله ~~في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من العبادات أو بتحريم شيء من ~~الأفعال أو إباحتها من حيث إنه لا يتوقف المقصود من ذلك على مشاركة الأمة ~~له في ذلك # وقوله تعالى @QB@ إذا طلقتم النساء @QE@ 65 الطلاق 1 ) فخطاب عام مع الكل ~~على وجه يدخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأمة وتخصيص النبي في ~~أول الآية بالنداء جرى مجرى التشريف والتكريم له # كيف وإن في الآية ما يدل على أن خطاب النبي لا يكون خطابا للأمة فإنه لو ~~كان كذلك لما احتيج إلى قوله @QB@ طلقتم النساء فطلقوهن @QE@ 65 الطلاق 1 ms433 ) ~~لأن قوله @QB@ إذا طلقتم النساء فطلقوهن @QE@ كاف في خطاب الأمة مع اتساقه ~~مع أول الآية PageV02P281 # وقوله تعالى @QB@ فلما قضى زيد منها وطرا @QE@ 33 الأحزاب 37 ) لا حجة ~~فيه على المقصود # وقوله @QB@ لكي لا يكون على المؤمنين حرج @QE@ 33 الأحزاب 37 ) ليس فيه ~~ما يدل على أن نفي الحرج عن المؤمنين في أزواج أدعيائهم مدلول لقوله ~~زوجناكها بل غايته أن رفع الحرج عن النبي صلى الله عليه وسلم كان لمقصود ~~رفع الحرج عن المؤمنين وذلك حاصل بقياسهم عليه بواسطة دفع الحاجة وحصول ~~المصلحة وعموم الخطاب غير متعين لذلك # وما ذكروه من الآيات الدالة على خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بما ~~ذكروه لا يدل على أن مطلق الخطاب له عام لأمته بل إنما كان ذلك لقطع إلحاق ~~غيره به في تلك الأحكام بطريق القياس ولو لم يرد التخصيص لأمكن الإلحاق ~~بطريق القياس # # | المسألة السابعة عشرة # اختلفوا في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لأحد من أمته هل هو خطاب ~~للباقين أم لا فنفاه أصحابنا وأثبته الحنابلة وجماعة من الناس # ودليلنا ما سبق في المسألة التي قبلها # فإن قيل ما ذكرتموه معارض بالنص والإجماع والمعنى # أما النص فقوله تعالى @QB@ وما أرسلناك إلا كافة للناس @QE@ 34 سبأ 28 ) ~~وقوله صلى الله عليه وسلم بعثت إلى الناس كافة وبعثت إلى الأحمر والأسود ~~PageV02P282 وقوله حكمي على الواحد حكمي على الجماعة # وأما الإجماع فاتفاق الصحابة على رجوعهم في أحكام الحوادث إلى ما حكم به ~~النبي عليه السلام # على آحاد الأمة # فمن ذلك رجوعهم في حد الزنى إلى ما حكم به على ( ماعز ) ورجوعهم في ~~المفوضة إلى قصة ( بروع بنت واشق ) ورجوعهم في ضرب الجزية على المجوس إلى ~~ضربه عليه السلام الجزية على مجوس هجر # ولولا أن حكمه على الواحد حكم على الجماعة لما كان كذلك # وأما المعنى فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم خصص بعض الصحابة بأحكام دون ~~غيره فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة في التضحية بعناق تجزئك ~~ولا تجزىء أحدا ms434 بعدك وقوله لأبي بكرة لما دخل الصف راكعا زادك الله حرصا ~~ولا تعد وقوله لأعرابي زوجه بما معه من القرآن هذا لك وليس لأحد بعدك ~~وتخصيصه لخزيمة بقبول شهادته وحده وتخصيصه لعبد الرحمن بن عوف بلبس الحرير # ولولا أن الحكم بإطلاقه على الواحد حكم على الأمة لما احتاج إلى التنصيص ~~بالتخصيص # والجواب عن الآية وعن قوله بعثت إلى الناس كافة وإلى الأحمر والأسود أنه ~~وإن كان مبعوثا إلى الناس كافة فبمعنى أنه يعرف كل واحد ما يختص به من ~~الأحكام كأحكام المريض والصحيح والمقيم والمسافر والحر والعبد والحائض ~~والطاهر وغير ذلك ولا يلزم من ذلك اشتراك الكل فيما أثبت للبعض منهم # وعن قوله حكمي على الواحد حكمي على الجماعة أنه يجب تأويله PageV02P283 ~~على أن المراد به أنه حكم على الجماعة من جهة المعنى والقياس لا من جهة ~~اللفظ لثلاثة أوجه # الأول أن الحكم هو الخطاب وقد بينا في المسألة المتقدمة أن خطاب الواحد ~~ليس هو بعينه خطابا للباقين # الثاني أنه لو كان بعينه خطابا للباقين لزم منه التخصيص بإخراج من لم يكن ~~موافقا لذلك الواحد في السبب الموجب للحكم عليه # الثالث أنه لو كان خطابه المطلق للواحد خطابا للجماعة لما احتاج إلى قوله ~~حكمي على الواحد حكمي على الجماعة أو كانت فائدته التأكيد والأصل في ~~الدلالات اللفظية إنما هو التأسيس # ثم وإن كان حكمه على الواحد حكما على الجماعة فلا يلزم اطراده في حكمه ~~للواحد أن يكون حكما للجماعة فإنه فرق بين حكمه للواحد وحكمه عليه والخلاف ~~واقع في الكل # وأما ما ذكروه من رجوع الصحابة في أحكام الوقائع إلى حكمه على الآحاد فلا ~~يخلو إما أن يقال بذلك مع معرفتهم بالتساوي في السبب الموجب أو لا مع ~~معرفتهم بذلك الثاني خلاف الإجماع وإن كان الأول فمستند التشريك في الحكم ~~إنما كان الاشتراك في السبب لا في الخطاب # وأما المعنى فقد سبق الجواب عنه في المسألة المتقدمة # # | المسألة الثامنة عشرة # اتفق العلماء على أن كل واحد من المذكر والمؤنث لا ms435 يدخل في الجمع الخاص ~~بالآخر كالرجال والنساء وعلى دخولهما في الجمع الذي لم تظهر فيه علامة ~~تذكير ولا تأنيث كالناس # وإنما وقع الخلاف بينهم في الجمع الذي ظهرت فيه علامة التذكير كالمسلمين ~~والمؤمنين هل هو ظاهر في دخول الإناث فيه أو لا PageV02P284 فذهبت الشافعية ~~والأشاعرة والجمع الكثير من الحنفية والمعتزلة إلى نفيه # وذهبت الحنابلة وابن داود وشذوذ من الناس إلى إثباته # احتج النافون بالكتاب والسنة والمعقول أما الكتاب فقوله تعالى @QB@ إن ~~المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات @QE@ 33 الأحزاب 35 ) عطف جمع ~~التأنيث على جمع المسلمين والمؤمنين ولو كان داخلا فيه لما حسن عطفه عليه ~~لعدم فائدته # وأما السنة فما روي عن أم سلمة أنها قالت يا رسول الله إن النساء قلن ما ~~نرى الله ذكر إلا الرجال فأنزل الله @QB@ إن المسلمين والمسلمات @QE@ 33 ~~الأحزاب 35 ) الآية # ولو كن قد دخلن في جمع التذكير لكن مذكورات وامتنعت صحة السؤال والتقرير ~~عليه # وأيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ويل للذين يمسون ~~فروجهم ثم يصلون ولا يتوضؤون فقالت عائشة هذا للرجال فما للنساء ولولا ~~خروجهن من جمع الذكور لما صح السؤال ولا التقرير من النبي صلى الله عليه ~~وسلم # وأما المعقول فهو أن الجمع تضعيف الواحد فقولنا قام لا يتناول المؤنث ~~بالإجماع # فالجمع الذي هو تضعيفه كقولنا قاموا لا يكون متناولا له # فإن قيل أما الآية فالعطف فيها لا يدل على عدم دخول الإناث في جمع ~~التذكير PageV02P285 # قولكم لا فائدة فيه ليس كذلك إذ المقصود منه إنما هو الإتيان بلفظ يخصهن ~~تأكيدا فلا يكون عريا عن الفائدة # وأما سؤال أم سلمة وعائشة فلم يكن لعدم دخول النساء في جمع الذكور بل ~~لعدم تخصيصهن بلفظ صريح فيهن كما ورد في المذكر # وأما قولكم إن الجمع تضعيف الواحد فمسلم ولكن لم قلتم بامتناع دخول ~~المؤنث فيه مع أنه محل النزاع # والذي يدل على دخول المؤنث في جمع التذكير ثلاثة أمور الأول أن المألوف ~~من عادة العرب أنه إذا اجتمع التذكير والتأنيث ms436 غلبوا جانب التذكير # ولهذا فإنه يقال للنساء إذا تمحضن أدخلن وإن كان معهن رجل قيل ادخلوا # قال الله تعالى لآدم وحواء وإبليس @QB@ قلنا اهبطوا منها جميعا @QE@ 2 ~~البقرة 38 ) كما ألف منهم تغليب جمع من يعقل إذا كان معه من لا يعقل # ومنه قوله تعالى @QB@ والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ~~@QE@ 24 النور 45 ) بل أبلغ من ذلك أنهم إذا وصفوا ما لا يعقل بصفة من يعقل ~~غلبوا فيه من يعقل # ومنه قوله تعالى @QB@ أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين @QE@ ~~12 يوسف 4 ) جمعهم جمع من يعقل لوصفهم بالسجود الذي هو صفة من يعقل # وكتغليبهم الكثرة على القلة حتى إنهم يصفون بالكرم والبخل جمعا أكثرهم ~~متصف بالكرم أو البخل # وكتغليبهم في التثنية أحد الاسمين على الآخر كقولهم الأسودان للتمر ~~والماء و العمران لأبي بكر وعمر و القمران للشمس والقمر # الثاني أنه يستهجن من العربي أن يقول لأهل حلة أو قرية أنتم آمنون ~~ونساؤكم آمنات لحصول الأمن للنساء بقوله أنتم آمنون ولولا دخولهن في قوله ~~أنتم آمنون لما كان كذلك # وكذلك لا يحسن منه أن يقول لجماعة فيهم رجال ونساء قوموا وقمن بل لو قال ~~قوموا كان ذلك كافيا في PageV02P286 الأمر للنساء بالقيام # ولولا دخولهن في جمع التذكير لما كان كذلك # الثالث أن أكثر أوامر الشرع بخطاب المذكر مع انعقاد الإجماع على أن ~~النساء يشاركن الرجال في أحكام تلك الأوامر ولو لم يدخلن في ذلك الخطاب لما ~~كان كذلك # والجواب قولهم في الآية فائدة التخصيص بلفظ يخصهن التأكيد # قلنا لو اعتقدنا عدم دخولهن في جمع التذكير كانت فائدة تخصيصهن بالذكر ~~التأسيس ولا يخفى أن فائدة التأسيس أولى في كلام الشارع # قولهم سؤال أم سلمة وعائشة إنما كان لعدم تخصيص النساء بلفظ يخصهن لا ~~لعدم دخول النساء في جمع التذكير ليس كذلك أما سؤال أم سلمة فهو صريح في ~~عدم الذكر مطلقا لا في عدم ذكر ما يخصهن بحيث قالت ما نرى الله ذكر إلا ms437 ~~الرجال ولو ذكر النساء ولو بطريق الضمن لما صح هذا الإخبار على إطلاقه # وأما حديث عائشة فلأنها قالت هذا للرجال ولو كان الحكم عاما لما صح منها ~~تخصيص ذلك بالرجال # قولهم المألوف من عادة العرب تغليب جانب التذكير مسلم ونحن لا ننازع في ~~أن العربي إذا أراد أن يعبر عن جمع فيهم ذكور وإناث أنه يغلب جانب التذكير ~~ويعبر بلفظ التذكير ويكون ذلك من باب التجوز وإنما النزاع في أن جمع ~~التذكير إذا أطلق هل يكون ظاهرا في دخول المؤنث ومستلزما له أو لا وليس ~~فيما قيل ما يدل على ذلك # وهذا كما أنه يصح التجوز بلفظ الأسد عن الإنسان ولا يلزم أن يكون ظاهرا ~~فيه مهما أطلق # فإن قيل إذا صح دخول المؤنث في جمع المذكر فالأصل أن يكون مشعرا به حقيقة ~~لا تجوزا # قلنا ولو كان جمع التذكير حقيقة للذكور والإناث مع انعقاد الإجماع على ~~أنه حقيقة في تمحض الذكور كان اللفظ مشتركا وهو خلاف الأصل # فإن قيل ولو كان مجازا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد ~~PageV02P287 لدخول المسمى الحقيقي فيه وهم الذكور وهو ممتنع # قلنا ليس كذلك فإنه لا يكون حقيقة في الذكور إلا مع الاقتصار # وأما إذا كان جزءا من المذكور لا مع الاقتصار فلا # كيف وإنا لا نسلم امتناع الجمع بين الحقيقة والمجاز كما سبق تقريره # وأما الوجه الثاني فإنما استهجن من العربي أن يقول أنتم آمنون ونساؤكم ~~آمنات لأن تأمين الرجال يستلزم الأمن من جميع المخاوف المتعلقة بأنفسهم ~~وأموالهم ونسائهم فلو لم تكن النساء آمنات لما حصل أمن الرجال مطلقا وهو ~~تناقض # أما أن ذلك يدل على ظهور دخول النساء في الخطاب فلا وبه يظهر لزوم أمن ~~النساء من الاقتصار على قوله للرجال أنتم آمنون # وأما الوجه الثالث فغير لازم وذلك أن النساء وإن شاركن الرجال في كثير من ~~أحكام التذكير فيفارقن للرجال في كثير من الأحكام الثابتة بخطاب التذكير ~~كأحكام الجهاد في قوله تعالى @QB@ وجاهدوا في الله حق جهاده @QE@ 22 الحج ms438 ~~78 ) وأحكام الجمعة في قوله تعالى @QB@ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع @QE@ 62 الجمعة 9 ) إلى غير ذلك من ~~الأحكام # ولو كان جمع التذكير مقتضيا لدخول الأناث فيه لكان خروجهن عن هذه الأوامر ~~على خلاف الدليل وهو ممتنع فحيث وقع الاشتراك تارة والافتراق تارة علم أن ~~ذلك إنما هو مستند إلى دليل خارج لا إلى نفس اقتضاء اللفظ لذلك # # | المسألة التاسعة عشرة # إذا ورد لفظ عام ولا تأنيث سوى لفظ الجمع مثل ( من ) في الشرط والجزاء هل ~~يعم المذكر والمؤنث اختلفوا فيه فأثبته الأكثرون ونفاه الأقلون # والمختار تفريعا على القول بالعموم دخول المؤنث فيه PageV02P288 # ودليله أنه لو قال القائل لعبده من دخل داري فأكرمه فإن العبد يلام ~~بإخراج الداخل من المؤنثات عن الإكرام ويلام السيد بلوم العبد بإكرامهن # وكذلك الحكم في النذر والوصية # والأصل في كل ما فهم من اللفظ أن يكون حقيقة فيه لا مجازا # فإن قيل التعميم فيما ذكرتموه إنما فهم من قرينة الحال وهي ما جرت به ~~العادة من مقابلة الداخل إلى دار الإنسان والحلول في منزله بالإكرام فكان ~~ذلك من باب المجاز لا أنه من مقتضيات اللفظ حقيقة # قلنا هذا باطل بما لو قال من دخل داري فأهنه فإنه يفهم منه العموم وإن ~~كان على خلاف القرينة المذكورة # وكذا لو قال له من قال لك ألف فقل له ب فإنه لا قرينة أصلا والعموم مفهوم ~~منه فدل على كونه حقيقة فيه # # | المسألة العشرون # اختلفوا في دخول العبد تحت خطاب التكاليف بالألفاظ العامة المطقلة كلفظ ~~الناس والمؤمنين فأثبته الأكثرون ونفاه الأقلون إلا بقرينة ودليل يخصه # ومنهم من قال بدخوله في العمومات المثبتة لحقوق الله دون حقوق الآدميين ~~وهو منسوب إلى أبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة # والمختار إنما هو الدخول وذلك لأن الخطاب إذا كان بلفظ الناس أو المؤمنين ~~فهو خطاب لكل من هو من الناس والمؤمنين والعبد من الناس PageV02P289 ~~والمؤمنين حقيقة فكان داخلا في عمومات الخطاب بوضعه لغة إلا ms439 أن يدل دليل ~~على إخراجه منه # فإن قيل العبد من حيث هو عبد مال لسيده ولذلك يتمكن من التصرف فيه حسب ~~تصرفه في سائر الأموال وإذا كان مالا كان بمنزلة البهائم فلا يكون داخلا ~~تحت عموم خطاب الشارع # سلمنا أنه ليس كالبهائم إلا أن أفعاله التي يتعلق بها التكليف ويحصل بها ~~الامتثال مملوكة لسيده ويجب صرفها إلى منافعه بخطاب الشرع فلا يكون الخطاب ~~متعلقا بصرفها إلى غير منافع السيد لما فيه من التناقض # سلمنا عدم التناقض غير أن الإجماع منعقد على إخراج العبد عن مطلق الخطاب ~~العام بالجهاد والحج والعمرة والجمعة والعمومات الواردة بصحة التبرع ~~والإقرار بالحقوق البدنية والمالية ولو كان داخلا تحت عموم الخطاب بمطلقه ~~لكان خروجه عنها في هذه الصور على خلاف الدليل # سلمنا إمكان دخوله تحت مطلق الخطاب لغة إلا أن الرق مقتض لإخراجه عن ~~عمومات الخطاب بطريق التخصيص وبيانه أنه صالح لذلك من حيث إنه مكلف بشغل ~~جميع أوقاته بخدمة سيده بخطاب الشرع وحق السيد مقدم على حق الله تعالى ~~لوجهين الأول أن السيد متمكن من منع العبد من التطوع بالنوافل مع أنها حق ~~لله تعالى ولولا أن حق السيد مرجح لما كان كذلك # الثاني أن حق الله تعالى مبني على المسامحة والمساهلة لأنه لا يتضرر ~~بفوات حقوقه ولا ينتفع بحصولها وحق الآدمي مبني على الشح والمضايقة لأنه ~~ينتفع بحصوله ويتضرر بفواته # والجواب عن السؤال الأول أن كون العبد مالا مملوكا لا يخرجه عن جنس ~~المكلفين إلى جنس البهائم وإلا لما توجه نحو التكليف بالخطاب PageV02P290 ~~الخاص بالصلاة والصوم ونحوه وهو خلاف الإجماع # وعن السؤال الثاني لا نسلم أن السيد مالك لصرف منافع العبد إليه في جميع ~~الأوقات حتى في وقت تضايق وقت العبادة المأمور بها بل في غيره # وعلى هذا فلا تناقض # وعن الثالث أن ذلك لا يدل على إخراج العبد عن كون العمومات متناولة له ~~لغة لما بيناه بل غايته أنه خص بدليل والتخصيص غير مانع من العموم لغة # ولا يخفى أن القول بالتخصيص أولى ms440 من القول برفع العموم لغة مع تحققه وصار ~~كما في تخصيص المريض والحائض والمسافر عن العمومات الواردة بالصوم والصلاة ~~والجمعة والجهاد # وعن الرابع بمنع تعلق حق السيد بمنافعه المصروفة إلى العبادات المأمور ~~بها عند ضيق أوقاتها كما سبق والرق وإن اقتضى ذلك لمناسبته واعتباره فلا ~~يقع في مقابلة الدلالة النصية على العبادة في ذلك الوقت لقوة دلالة النصوص ~~على دلالة ما الحجة به مستندة إليها # والنصوص وإن كانت متناولة للعبد بعمومها إلا أنها متناولة للعبادة في ~~وقتها المعين بخصوصها # والرق وإن كان مقتضيا لحق السيد بخصوصه إلا أن اقتضاءه لذلك الحق في وقت ~~العبادة بعمومه فيتقابلان ويسلم الترجيح بالتنصيص كما سبق # قولهم حق الآدمي مرجح على حق الله تعالى لا نسلم ذلك مطلقا # ولهذا فإن حق الله تعالى مرجح على حق السيد فيما وجب على العبد بالخطاب ~~الخاص به إجماعا وبه يندفع ما ذكروه من الترجيح الأول # قولهم في الترجيح الثاني إن السيد يتمكن من منع العبد من التنفل # قلنا وإن أوجب ذلك ترجح جانب حق السيد على حقوق الله تعالى في النوافل ~~فغير موجب لترجحه عليه في الفرائض # # | المسألة الحادية والعشرون # ورود الخطاب على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا @QE@ PageV02P291 2 البقرة 104 ) @QB@ يا أيها الناس @QE@ 2 ~~البقرة 21 ) @QB@ يا عبادي @QE@ 29 العنكبوت 56 ) يدخل الرسول في عمومه ~~عندنا وعند أكثر العلماء خلافا لطائفة من الفقهاء والمتكلمين # ومنهم من قال كل خطاب ورد مطلقا ولم يكن الرسول مأمورا في أوله بأمر ~~الأمة به كهذه الآيات فهو داخل فيه وإليه ذهب أبو بكر الصيرفي والحليمي من ~~أصحاب الشافعي # حجة من قال يدخل في العموم وهو المختار حجتان # الأولى أن هذه الصيغ عامة لكل إنسان وكل مؤمن وكل عبد والنبي صلى الله ~~عليه وسلم سيد الناس والمؤمنين والعبادة والنبوة غير مخرجة له عن إطلاق هذه ~~الأسماء عليه فلا تكون مخرجة له عن هذه العمومات # الحجة الثانية أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أمر الصحابة بأمر ms441 وتخلف ~~عنه ولم يفعله فإنهم كانوا يسألونه ما بالك لم تفعله ولو لم يعقلوا دخوله ~~فيما أمرهم به لما سألوه عن ذلك # وذلك كما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر أصحابه بفسخ الحج إلى ~~العمرة ولم يفسخ فقالوا له أمرتنا بالفسخ ولم تفسخ ولم ينكر عليهم ما فهموه ~~من دخوله في ذلك الأمر بل عدل إلى الاعتذار وهو قوله إني قلدت هديا وروي ~~عنه أنه قال لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة # فإن قيل يمنع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم داخلا تحت عموم هذه ~~الأوامر ثلاثة أوجه الأول أنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم آمرا لأمته ~~بهذه الأوامر فلو كان مأمورا بها لزم من ذلك أن يكون بخطاب واحد آمرا ~~ومأمورا وهو ممتنع ولأنه يلزم أن يكون آمرا لنفسه وأمر الإنسان لنفسه ممتنع ~~لوجهين PageV02P292 # الأول أن الأمر طلب الأعلى من الأدنى والواحد لا يكون أعلى من نفسه وأدنى ~~منها # الثاني أنه وقع الاتفاق على أن أمر الإنسان لنفسه على الخصوص ممتنع فكذلك ~~أمره لنفسه على العموم # الثاني من الوجوه الثلاثة أنه يلزم من ذلك أن يكون بخطاب واحد مبلغا ~~ومبلغا إليه وهو محال # الثالث أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اختص بأحكام لم تشاركه فيها الأمة ~~كوجوب ركعتي الفجر والضحى والأضحى وتحريم الزكاة عليه وأبيح له النكاح بغير ~~ولي ولا مهر ولا شهود والصفي من المغنم ونحوه من الخصائص وذلك يدل على ~~مزيته وانفراده عن الأمة في الأحكام التكليفية فلا يكون داخلا تحت الخطاب ~~المتناول لهم # قلنا جواب الأول أن ما ذكروه مبني على كون الرسول آمرا وليس كذلك بل هو ~~مبلغ لأمر الله وفرق بين الآمر والمبلغ للأمر # ولهذا أعاد صيغ الأوامر له بالتبليغ كقوله @QB@ قل أوحي إلي @QE@ 72 @QB@ ~~الجن @QE@ @QB@ واتل ما أوحي إليك @QE@ 18 الكهف 27 ) ونحوه # وجواب الثاني أنه مبلغ للأمة بما ورد على لسانه وليس مبلغا لنفسه بذلك ~~الخطاب بل بما سمعه من جبريل ms442 عليه السلام # وجواب الثالث أن اختصاصه ببعض الأحكام غير موجب لخروجه عن عمومات الخطاب # ولهذا فإن الحائض والمريض والمسافر والمرأة كل واحد قد اختص بأحكام لا ~~يشاركه غيره فيها ولم يخرج بذلك عن الدخول في عمومات الخطاب والله أعلم ~~بالصواب # # | المسألة الثانية والعشرون # الخطاب الوارد شفاها في زمن النبي كقوله تعالى @QB@ يا أيها الناس @QE@ 2 ~~البقرة 21 ) @QB@ يا أيها الذين آمنوا @QE@ 2 البقرة 104 ) ونحوه ~~PageV02P293 هل يخص الموجودين في زمنه أو هو عام لهم ولمن بعدهم اختلفوا ~~فيه فذهب أكثر أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة والمعتزلة إلى اختصاصه بالموجودين ~~في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يثبت حكمه في حق من بعدهم إلا ~~بدليل آخر # وذهبت الحنابلة وطائفة من السالفين والفقهاء إلى تناول ذلك لمن وجد بعد ~~عصر النبي صلى الله عليه وسلم # حجة النافين من وجهين الأول أن المخاطبة شفاها بقوله تعالى @QB@ يا أيها ~~الناس @QE@ 2 البقرة 21 ) @QB@ يا أيها الذين آمنوا @QE@ 2 البقرة 104 ) ~~تستدعي كون المخاطب موجودا أهلا للخطاب إنسانا مؤمنا ومن لم يكن موجودا في ~~وقت الخطاب لم يكن متصفا بشيء من هذه الصفات فلا يكون الخطاب متناولا له # الثاني أن خطاب المجنون والصبي الذي لا يميز ممتنع حتى إن من شافهه ~~بالخطاب استهجن كلامه وسفه في رأيه مع أن حالهما لوجودهما واتصافهما بصفة ~~الإنسانية وأصل الفهم وقبولهما للتأديب بالضرب وغيره أقرب إلى الخطاب لهما ~~ممن لا وجود له # احتج الخصوم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة والمعقول أما الكتاب فقوله ~~تعالى @QB@ وما أرسلناك إلا كافة للناس @QE@ 34 سبأ 28 ) وأما السنة فقوله ~~صلى الله عليه وسلم بعثت إلى الأحمر والأسود ولو لم يكن خطابه متناولا لمن ~~بعده لم يكن رسولا إليه ولا مبلغا إليه شرع الله تعالى وهو خلاف الإجماع # وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ولفظ ( ~~الجماعة ) يستغرق كل من بعده # فلو لم يكن حكمه على من في زمانه حكما على غيرهم كان على خلاف الظاهر # وأما الإجماع فهو ms443 أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين وإلى زماننا هذا ما ~~زالوا يحتجون في المسائل الشرعية على من وجد بعد النبي صلى الله ~~PageV02P294 عليه وسلم بالآيات والأخبار الواردة على لسان النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولولا عموم تلك الدلائل اللفظية لمن وجد بعد ذلك لما كان التمسك ~~بها صحيحا وكان الاسترواح إليها خطأ وهو بعيد عن أهل الإجماع # وأما المعقول فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد التخصيص ببعض ~~الأمة نص عليه كما ذكرناه في مسألة خطاب النبي صلى الله عليه وسلم للواحد ~~هل هو خطاب للباقين ولولا أن الخطاب المطلق العام يكون خطابا للكل لما ~~احتاج إلى التخصيص # والجواب على النصوص الدالة على كون النبي صلى الله عليه وسلم عليه وسلم ~~مبعوثا إلى الناس كافة أنها إنما تلزم أن لو توقف مفهوم الرسالة والبعثة ~~إلى كل الناس على المخاطبة للكل بالأحكام الشرعية شفاها وليس كذلك بل ذلك ~~يتحقق بتعريف البعض بالمشافهة وتعريف البعض بنصب الدلائل والأمارات وقياس ~~بعض الوقائع على بعض # ويدل على ذلك أن أكثر الأحكام الشرعية لم يثبت بالخطاب شفاها لقلة النصوص ~~وندرتها وكثرة الوقائع وما لزم من ذلك أن لا يكون النبي صلى الله عليه وسلم ~~رسولا ولا مبلغا بالنسبة إلى الأحكام التي لم تثبت بالخطاب شفاها # فإن قيل والدلائل التي يمكن الاحتجاج بها في الأحكام الشرعية على من وجد ~~بعد النبي صلى الله عليه وسلم غير الخطاب فيما ذكرتموه # إنما يعلم كونها حجة بالدلائل الخطابية فإذا كان الخطاب الموجود في زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا يتناول من بعده فقد تعذر الاحتجاج به عليه # قلنا أمكن معرفة كونها حجة بالنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حكم ~~بكونها حجة على من بعده أو بالإجماع المنقول عن الصحابة على ذلك # وأما قوله صلى الله عليه وسلم حكمي على الواحد حكمي على الجماعة فالكلام ~~في اختصاصه بالموجودين في زمنه كالكلام في الأول # وأما انعقاد الإجماع على صحة الاستدلال بالآيات والأخبار الواردة على ~~PageV02P295 لسانه ms444 صلى الله عليه وسلم على من وجد بعده وهو أشبه حجج الخصوم ~~فجوابه أنا بينا امتناع المخاطبة لمن ليس بموجود بما لا مراء فيه # وعند ذلك فيجب اعتقاد استناد أهل الإجماع إلى النصوص من جهة معقولها لا ~~من جهة ألفاظها جمعا بين الأدلة # وأما ما ذكروه من المعنى فقد سبق جوابه في مسألة خطاب النبي للواحد من ~~الأمة # # | المسألة الثالثة والعشرون # اختلفوا في المخاطب هل يمكن دخوله في عموم خطابه لغة أو لا والمختار ~~دخوله وعليه اعتماد الأكثرين وسواء كان خطابه العام أمرا أو نهيا أو خبرا # أما الخبر فكما في قوله تعالى @QB@ وهو بكل شيء عليم @QE@ 57 الحديد 3 ) ~~فإن اللفظ بعمومه يقتضي كون كل شيء معلوما لله تعالى وذاته وصفاته أشياء ~~فكانت داخلة تحت عموم الخطاب # والأمر فكما لو قال السيد لعبده من أحسن إليك فأكرمه فإن خطابه لغة يقتضي ~~إكرام كل من أحسن إلى العبد # فإذا أحسن السيد إليه صدق عليه أنه من جملة المحسنين إلى العبد فكان ~~إكرامه على العبد لازما بمقتضى عموم خطاب السيد # وكذلك في النهي كما إذا قال له من أحسن إليك فلا تسىء إليه وهذا في ~~الوضوح غير محتاج إلى الإطناب فيه # فإن قيل ما ذكرتموه يمتنع العمل به للنص والمعنى أما النص فقوله تعالى ~~@QB@ الله خالق كل شيء @QE@ 13 الرعد 16 ) وذاته وصفاته PageV02P296 أشياء ~~وهو غير خالق لها ولو كان داخلا في عموم خبره لكان خالقا لها وهو محال # وأما المعنى فإن السيد إذا قال لعبده من دخل داري فتصدق عليه بدرهم ولو ~~دخل السيد فإنه يصدق عليه أنه من الداخلين إلى الدار ومع ذلك لا يحسن أن ~~يتصدق عليه العبد بدرهم # ولو كان داخلا تحت عموم أمره لكان ذلك حسنا # قلنا أما الآية فإنها بالنظر إلى عموم اللفظ تقتضي كون الرب تعالى خالقا ~~لذاته وصفاته غير أنه لما كان ممتنعا في نفس الأمر عقلا كان مخصصا لعموم ~~الآية ولا منافاة بين دخوله في العموم بمقتضى اللفظ وخروجه عنه بالتخصيص # وكذلك ms445 الحكم فيما ذكروه من المثال فإنه بعمومه مقتض للتصدق على السيد عند ~~دخوله غير أنه بالنظر إلى القرينة الحالية والدليل المخصص امتنع ثبوت حكم ~~العموم في حقه ولا منافاة كما سبق # # | المسألة الرابعة والعشرون # اختلف العلماء في قوله تعالى @QB@ خذ من أموالهم صدقة @QE@ 9 التوبة 103 ~~) هل يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع مال كل مالك أو أخذ صدقة واحدة ~~من نوع واحد والأول مذهب الأكثرين والثاني مذهب الكرخي # احتج القائلون بتعميم كل نوع بأنه تعالى أضاف الصدقة إلى جميع الأموال ~~بقوله @QB@ من أموالهم @QE@ 9 التوبة 103 ) والجمع المضاف من ألفاظ العموم ~~على ما عرف من مذهب أربابه فنزل ذلك منزلة قوله خذ من كل نوع من أموالهم ~~صدقة فكانت الصدقة متعددة بتعدد أنواع الأموال # وللنافي أن يقول المأمور به صدقة منكرة مضافة إلى جملة الأموال ~~PageV02P297 فمهما أخذ من نوع واحد منها من المالك صدقة صدق قول القائل أخذ ~~من أمواله صدقة لأن المال الواحد جزء من جملة الأموال # فإذا أخذت الصدقة من جزء المال صدق أخذها من المال # ولهذا وقع الإجماع على أن كل درهم ودينار من دراهم المالك ودنانيره موصوف ~~بأنه من ماله # ومع ذلك فإنه لا يجب أخذ الصدقة من خصوص كل دينار ودرهم له والأصل أن ~~يكون ذلك لعدم دلالة اللفظ عليه لا للمعارض # وبالجملة فالمسألة محتملة # ومأخذ الكرخي دقيق # # | المسألة الخامسة والعشرون # اللفظ العام إذا قصد به المخاطب الذم أو المدح كقوله تعالى @QB@ إن ~~الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم @QE@ 82 الانفطار 13 ) وكقوله @QB@ ~~والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ~~@QE@ 9 التوبة 34 ) # نقل عن الشافعي رضي الله عنه أنه منع من عمومه حتى أنه منع من التمسك به ~~في وجوب زكاة الحلي مصيرا منه إلى أن العموم لم يقع مقصودا في الكلام وإنما ~~سيق لقصد الذم والمدح مبالغة في الحث على الفعل أو الزجر عنه # وخالفه الأكثرون وهو الحق من حيث إن قصد الذم أو ms446 المدح وإن كان مطلوبا ~~للمتكلم فلا يمنع ذلك من قصد العموم معه إذ لا منافاة بين الأمرين وقد أتى ~~بالصيغة الدالة على العموم فكان الجمع بين المقصودين أولى ومن العمل ~~بأحدهما وتعطيل الآخر والله أعلم PageV02P298 # # | الصنف الرابع في تخصيص العموم # ويشتمل على مقدمة ومسألتين # أما المقدمة ففي بيان معنى التخصيص وما يجوز تخصيصه وما لا يجوز # أما التخصيص فقد قال أبو الحسين البصري هو إخراج بعض ما تناوله الخطاب ~~عنه وذلك مما لا يمكن حمله على ظاهره على كل مذهب # أما على مذهب أرباب الخصوص فلأن الخطاب عندهم منزل على أقل ما يحتمله ~~اللفظ فلا يتصور إخراج شيء منه # وأما على مذهب أرباب الاشتراك فمن جهة أن العمل باللفظ المشترك في بعض ~~محامله لا يكون إخراجا لبعض ما تناوله الخطاب عنه بل غايته استعمال اللفظ ~~في بعض محامله دون البعض # وأما على مذهب أرباب الوقف فظاهر إذ اللفظ عندهم موقوف لا يعلم كونه ~~للخصوص أو للعموم وهو صالح لاستعماله في كل واحد منهما # فإن قام الدليل على أنه أريد به العموم وجب حمله عليه وامتنع إخراج شيء ~~منه # وإن قام الدليل على أنه للخصوص لم يكن اللفظ إذ ذاك دليلا على العموم ولا ~~متناولا له فلا يتحقق بالحمل على الخاص إخراج بعض ما تناوله اللفظ على بعض ~~محامله الصالح لها # وأما على مذهب أرباب العموم فغايته أن اللفظ عندهم حقيقة في PageV02P299 ~~الاستغراق ومجاز في الخصوص # وعلى هذا فإن لم يقم الدليل على مخالفة الحقيقة وجب إجراء اللفظ على جميع ~~محامله من غير إخراج شي منها # وإن قام الدليل على مخالفة الحقيقة وامتناع العمل باللفظ في الاستغراق ~~وجب صرفه إلى محمله المجازي وهو الخصوص # وعند حمل اللفظ على المجاز لا يكون اللفظ متناولا للحقيقة وهي الاستغراق ~~فلا تحقق لإخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه إذ هو حالة كونه مستعملا في ~~المجاز لا يكون مستعملا في الحقيقة # وعلى هذا فإطلاق القول بتخصيص العام أو أن هذا عام مخصص لا يكون حقيقة # وإذا ms447 عرف ذلك فالتخصيص على ما يناسب مذهب أرباب العموم هو تعريف أن ~~المراد باللفظ الموضوع للعموم حقيقة إنما هو الخصوص وعلى ما يناسب مذهب ~~أرباب الاشتراك تعريف أن المراد باللفظ الصالح للعموم والخصوص إنما هو ~~الخصوص # والمعرف لذلك بأي طريق كان يسمى مخصصا واللفظ المصروف عن جهة العموم إلى ~~الخصوص مخصصا # وإذا عرف معنى تخصيص العموم فاعلم أن كل خطاب لا يتصور فيه معنى الشمول ~~كقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة تجزئك ولا تجزىء أحدا بعدك فلا يتصور ~~تخصيصه لأن التخصيص على ما عرف صرف اللفظ عن جهة العموم إلى جهة الخصوص وما ~~لا عموم له لا يتصور فيه هذا الصرف # وأما ما يتصور فيه الشمول والعموم فيتصور فيه التخصيص وسواء كان خطابا أو ~~لم يكن خطابا كالعلة الشاملة لإمكان صرفه عن جهة عمومه إلى جهة خصوصه # هذا إتمام المقدمة # وأما المسائل فمسألتان # | المسألة الأولى # اتفق القائلون بالعموم على جواز تخصيصه على أي حال كان من الأخبار والأمر ~~وغيره خلافا لشذوذ لا يؤبه لهم في تخصيصه الخبر PageV02P300 # ويدل على جواز ذلك الشرع والمعقول أما الشرع فوقوع ذلك في كتاب الله ~~تعالى كقوله تعالى @QB@ الله خالق كل شيء @QE@ 13 @QB@ الرعد @QE@ @QB@ وهو ~~على كل شيء قدير @QE@ 5 المائدة 120 ) وليس خالقا لذاته ولا قادرا عليها ~~وهي شيء # وقوله تعالى @QB@ ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم @QE@ 51 ~~الذاريات 42 ) وقد أتت على الأرض والجبال ولم تجعلها رميما # وقوله تعالى @QB@ تدمر كل شيء @QE@ الأحقاف 25 @QB@ وأوتيت من كل شيء ~~@QE@ 27 النمل 23 ) إلى غير ذلك من الآيات الخبرية المخصصة حتى إنه قد قيل ~~لم يرد عام إلا وهو مخصص إلا في قوله تعالى @QB@ وهو بكل شيء عليم @QE@ 57 ~~الحديد 3 ) ولو لم يكن ذلك جائزا لما وقع في الكتاب # وأما المعقول فهو أنه لا معنى لتخصص العموم سوى صرف اللفظ عن جهة العموم ~~الذي هو حقيقة فيه إلى جهة الخصوص بطريق المجاز كما سبق تقريره والتجوز غير ~~ممتنع في ذاته ms448 # ولهذا # لو قدرنا وقوعه لم يلزم المحال عنه لذاته ولا بالنظر إلى وضع اللغة # ولهذا يصح من اللغوي أن يقول جاءني كل أهل البلد وإن تخلف عنه بعضهم ولا ~~بالنظر إلى الداعي إلى ذلك والأصل عدم كل مانع سوى ذلك ويدل على جواز تخصيص ~~الأوامر العامة وإن لم نعرف فيها خلافا قوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين ~~@QE@ 9 التوبة 5 ) مع خروج أهل الذمة عنه وقوله تعالى @QB@ والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما @QE@ 5 المائدة 38 ) @QB@ الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة @QE@ 24 النور 2 ) مع أنه ليس كل سارق ~~يقطع ولا كل زان يجلد وقوله PageV02P301 تعالى @QB@ يوصيكم الله في أولادكم ~~للذكر مثل حظ الأنثيين @QE@ 4 النساء 11 ) مع خروج الكافر والرقيق والقاتل ~~عنه # فإن قيل القول بجواز تخصيص الخبر مما يوجب الكذب في الخبر لما فيه من ~~مخالفة المخبر للخبر وهو غير جائز على الشارع كما في نسخ الخبر # قلنا لا نسلم لزوم الكذب ولا وهم الكذب بتقدير إرادة جهة المجاز وقيام ~~الدليل على ذلك # وإلا كان القائل إذا قال رأيت أسدا وأراد به الإنسان أن يكون كاذبا إذا ~~تبينا أنه لم يرد الأسد الحقيقي وليس كذلك بالإجماع # وعلى هذا فلا نسلم امتناع نسخ الخبر كما سيأتي تقريره # # | المسألة الثانية # اختلف القائلون بالعموم وتخصيصه في الغاية التي يقع انتهاء التخصيص إليها ~~فمنهم من قال بجواز انتهاء التخصيص في جميع ألفاظ العموم إلى الواحد # ومنهم من أجاز ذلك في ( من ) خاصة دون ما عداها من أسماء الجموع كالرجال ~~والمسلمين وجعل نهاية التخصيص فيها أن يبقى تحتها ثلاثة # وهذا هو مذهب القفال من أصحاب الشافعي ومنهم من جعل نهاية التخصيص في ~~جميع الألفاظ العامة جمعا كثيرا يعرف من مدلول اللفظ وإن لم يكن محدودا وهو ~~مذهب أبي الحسين البصري وإليه ميل إمام الحرمين وأكثر أصحابنا # احتج من جوز الانتهاء في التخصيص إلى الواحد بالنص والإطلاق والمعنى ~~PageV02P302 # أما النص فقوله تعالى @QB@ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون @QE@ 15 ~~الحجر 9 ) وأراد به نفسه ms449 وحده # وأما الإطلاق فقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسعد بن أبي وقاص وقد أنفذ ~~إليه القعقاع مع ألف فارس قد أنفذت إليك ألفي رجل أطلق اسم الألف الأخرى ~~وأراد بها القعقاع # وأما المعنى فمن وجهين الأول أنه لو امتنع الانتهاء في التخصيص إلى ~~الواحد فإما أن يكون لأن الخطاب صار مجازا أو لأنه إذا استعمل اللفظ فيه لم ~~يكن مستعملا فيما هو حقيقة فيه من الاستغراق وكل واحد من الأمرين لو قيل ~~بكونه مانعا لزم امتناع تخصيص العام مطلقا ولا بعدد ما لأنه يكون مجازا في ~~ذلك العدد وغير مستعمل فيما هو حقيقة فيه # وذلك خلاف الإجماع # الثاني أن استعمال اللفظ في الواحد من حيث إنه بعض من الكل يكون مجازا ~~كما في استعماله في الكثرة فإذا جاز التجوز باللفظ العام عن الكثرة فكذا في ~~الواحد # ولقائل أن يقول أما الآية فهي محمولة على تعظيم المتكلم وهو بمعزل عن ~~التخصيص بالواحد # وأما الإطلاق العمري فمحمول على قصد بيان أن ذلك الواحد قائم مقام الألف ~~وهو غير معنى التخصيص # وأما المعنى الأول فلا نسلم الحصر فيما قيل من القسمين بل المنع من ذلك ~~إنما كان لعدم استعماله لغة # وأما المعنى الثاني فمبني على جواز إطلاق اللفظ العام وإرادة الواحد ~~مجازا وهو محل النزاع # وأما حجة أبي الحسين البصري فإنه قال لو قال القائل قتلت كل من في البلد ~~وأكلت كل رمانة في الدار وكان فيها تقدير ألف رمانة وكان قد قتل شخصا واحدا ~~أو ثلاثة # وأكل رمانة واحدة أو ثلاث رمانات فإن كلامه يعد PageV02P303 مستقبحا ~~مستهجنا عند أهل اللغة # وكذلك إذا قال لعبده من دخل داري فأكرمه أو قال لغيره من عندك وقال أردت ~~به زيدا وحده أو ثلاثة أشخاص معينة أو غير معينة كان قبيحا مستهجنا ولا ~~كذلك فيما إذا حمل على الكثرة القريبة من مدلول اللفظ فإنه يعد موافقا ~~مطابقا لوضع أهل اللغة # وهذه الحجة وإن كانت قريبة من السداد وقد قلده فيها جماعة كثيرة إلا أن ms450 ~~لقائل أن يقول متى يكون ذلك مستهجنا منه إذا كان مريدا للواحد من جنس ذلك ~~العدد الذي هو مدلول اللفظ وقد اقترن به قرينة أو إذا لم يكن الأول ممنوع ~~والثاني مسلم # وبيان ذلك النص وصحة الإطلاق # أما النص فقوله تعالى @QB@ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~@QE@ 3 آل عمران 173 ) وأراد بالناس القائلين نعيم بن مسعود الأشجعي بعينه ~~ولم يعد ذلك مستهجنا لاقترانه بالدليل # وأما الإطلاق فصحة قول القائل أكلت الخبز واللحم وشربت الماء والمراد به ~~واحد من جنس مدلولات اللفظ العام ولم يكن ذلك مستقبحا لاقترانه بالدليل # نعم إذا أطلق اللفظ العام وكان الظاهر منه إرادة الكل وما يقاربه في ~~الكثرة وهو مريد للواحد البعيد من ظاهر اللفظ من غير اقتران دليل به يدل ~~عليه فإنه يكون مستهجنا # وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين فعليك بالاجتهاد في الترجيح PageV02P304 # # | الصنف الخامس في أدلة تخصيص العموم وهي قسمان متصلة ومنفصلة # PageV02P305 PageV02P306 # | القسم الأول في الأدلة المتصلة وهي أربعة أنواع الاستثناء والشرط ~~والصفة والغاية # # | النوع الأول # الاستثناء وفيه مقدمة ومسائل أما المقدمة ففي معنى الاستثناء وصيغه ~~وأقسامه # أما الاستثناء فقال الغزالي هو قول ذو صيغ مخصوصة محصورة دال على أن ~~المذكور به لم يرد بالقول الأول # وهو باطل من وجهين الأول أنه ينتقض بآحاد الاستثناءات كقولنا جاء القوم ~~إلا زيدا فإنه استثناء حقيقة وليس بذي صيغ بل صيغة واحدة وهي إلا زيدا # الثاني أنه يبطل بالأقوال الموجبة لتخصيص العموم الخارجة عن الاستثناء ~~فإنها صيغ مخصوصة وهي محصورة لاستحالة القول بعدم النهاية في الألفاظ ~~الدالة وهي دالة على أن المذكور بها لم يرد بالقول الأول وليست من ~~الاستثناء في شيء وذلك كما لو قال القائل رأيت أهل البلد ولم أر زيدا ~~واقتلوا المشركين ولا تقتلوا أهل الذمة ومن دخل داري فأكرمه والفاسق منهم ~~أهنه وأهل البلد كلهم علماء وزيد جاهل إلى غير ذلك # وقال بعض المتبحرين من النحاة الاستثناء إخراج بعض الجملة عن الجملة بلفظ ~~( إلا ) أو ما يقوم مقامه ms451 وهو منتقض بقول القائل رأيت أهل البلد ولم أر ~~زيدا فإنه قائم مقام قوله إلا زيدا في إخراج بعض الجملة عن الجملة وليس ~~باستثناء PageV02P307 # وقيل إنه عبارة عما لا يدخل في الكلام إلا لإخراج بعضه بلفظ ( إلا ) ولا ~~يستقل بنفسه وهو أيضا مدخول من وجهين الأول أن الاستثناء لا لإخراج بعض ~~الكلام وإنما يكون إخراجا لبعض ما دل عليه الكلام الأول وفرق بين الأمرين # الثاني أنه لو قال القائل جاء القوم غير زيد فإنه استثناء مع أن لفظة ( ~~غير ) قد وجد فيها جميع ما ذكروه من القيود سوى قوله لا يدخل في الكلام إلا ~~لإخراج بعضه # فإن ( غير ) قد يدخل في الكلام لغرض النعتية إذا لم يجز في موضعها ( إلا ~~) كقولك عندي درهم غير جيد فإنه لا يحسن أن تقول في موضعها عندي درهم إلا ~~جيدا فلا جرم كانت نعتا للدرهم وتابعة له في إعرابه # وهذا بخلاف ما إذا قلت عندي درهم غير قيراط فإن ( غير ) تكون استثنائية ~~منصوبة لإمكان دخول ( إلا ) في موضعها # ويمكن أن يقال هاهنا إن النعتية ليست استثنائية فلا ترد على الحد # والمختار في ذلك أن يقال الاستثناء عبارة عن لفظ متصل بجملة لا يستقل ~~بنفسه دال بحرف ( إلا ) أو أخواتها على أن مدلوله غير مراد مما اتصل به ليس ~~بشرط ولا صفة ولا غاية # فقولنا ( لفظ ) احتراز عن الدلالات العقلية والحسية الموجبة للتخصيص # وقولنا ( متصل بجملة ) احتراز عن الدلائل المنفصلة # وقولنا ( ولا يستقل بنفسه ) احتراز عن مثل قولنا قام القوم وزيد لم يقم ~~وقولنا ( دال ) احتراز عن الصيغ المهملة # وقولنا ( على أن مدلوله غير مراد مما اتصل به ) احتراز عن الأسماء ~~المؤكدة والنعتية PageV02P308 # كقول القائل جاءني القوم العلماء كلهم # وقولنا ( بحرف إلا أو أخواتها ) احتراز عن قولنا قام القوم دون زيد # وفيه احتراز عن أكثر الإلزامات السابق ذكرها وقولنا ( ليس بشرط ) احتراز ~~عن قول القائل لعبده من دخل داري فأكرمه إن كان مسلما وقولنا ( ليس بصفة ) ~~احتراز من قول القائل جاءني بنو تميم الطوال وقلونا ms452 ( ليس بغاية ) احتراز ~~عن قول القائل لعبده ( أكرم بني تميم أبدا إلى أن يدخلوا الدار وهذا الحد ~~مطرد منعكس لا غبار عليه # وإذا عرف معنى الاستثناء فصيغه كثيرة وهي إلا وغير وسوى وخلا وحاشا وعدا ~~وما عدا وما خلا وليس ولا يكون ونحوه # وأم الباب في هذه الصيغ ( إلا ) لكونها حرفا مطلقا ولوقوعها في جميع ~~أبواب الاستثناء لا غير # ولها أحكام مختلفة في الإعراب مستقصاة في كتب أهل الأدب لا مناسبة لذكرها ~~فيما نحن فيه كما قد فعله من غلب عليه حب العربية # وهو منقسم إلى الاستثناء من الجنس ومن غير الجنس كما يأتي تحقيقه عن قريب ~~إن شاء الله تعالى # ويجوز أن يكون متأخرا عن المستثنى منه كما ذكرناه من الأمثلة وأن يكون ~~متقدما عليه مع الاتصال كقولك خرج إلا زيدا القوم ومنه قول الكميت # فما لي إلا آل أحمد شيعة وما لي إلا مذهب الحق مذهب ويجوز الاستثناء من ~~الاستثناء من غير خلاف كقول القائل له علي عشرة دراهم إلا أربعة إلا اثنين ~~ويدل عليه قوله تعالى @QB@ إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين @QE@ 51 الذاريات 32 ~~) إلى قوله @QB@ إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته @QE@ ~~PageV02P309 استثنى إلى لوط من أهل القرية واستثنى المرأة من الآل المنجين ~~من الهلاك # وهذا ما أردنا ذكره من المقدمة # وأما المسائل فخمس # | المسألة الأولى # شرط صحة الاستثناء عند أصحابنا وعند الأكثرين أن يكون متصلا بالمستثنى ~~منه حقيقة من غير تخلل فاصل بينهما أو في حكم المتصل وهو ما لا يعد المتكلم ~~به آتيا به بعد فراغه من كلامه الأول عرفا وإن تخلل بينهما فاصل بانقطاع ~~النفس أو سعال مانع من الاتصال حقيقة # ونقل عن ابن عباس أنه كان يقول بصحة الاستثناء المنفصل وإن طال الزمان ~~شهرا # وذهب بعض أصحاب مالك إلى جواز تأخير الاستثناء لفظا لكن مع إضمار ~~الاستثناء متصلا بالمسثنى منه ويكون المتكلم به مدينا فيما بينه وبين الله ~~تعالى # ولعله مذهب ابن عباس # وذهب بعض الفقهاء إلى صحة الاستثناء المنفصل في ms453 كتاب الله تعالى دون غيره # حجة القائلين بالاتصال من ثلاثة أوجه الأول ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال من حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير ~~وليكفر عن يمينه وروي فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير ولو كان الاستثناء ~~المنفصل صحيحا لأرشد النبي صلى الله عليه وسلم إليه لكونه طريقا مخلصا ~~للحالف عند تأمل الخير في البر وعدم الحنث لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما يقصد PageV02P310 التيسير والتسهيل ولا يخفى أن الاستثناء أيسر وأسهل ~~من التكفير فحيث لم يرشد إليه دل على عدم صحته # الثاني أن أهل اللغة لا يعدون ذلك كلاما منتظما ولا معدودا من كلام العرب ~~ولهذا فإنه لو قال لفلان علي عشرة دراهم ثم قال بعد شهر أو سنة إلا درهما ~~أو قال رأيت بني تميم ثم قال بعد شهر إلا زيدا فإنه لا يعد اسثتناء ولا ~~كلاما صحيحا كما لو قال رأيت زيدا ثم قال بعد شهر قائما فإنهم لا يعدونه ~~بذلك مخبرا عن زيد بشيء وكذلك لو قال السيد لعبده أكرم زيدا ثم قال بعد شهر ~~إن دخل داري فإنهم لا يعدون ذلك شرطا # الثالث أنه لو قيل بصحة الاستثناء المنفصل لما علم صدق صادق ولا كذب كاذب ~~ولا حصل وثوق بيمين ولا وعد ولا وعيد ولا حصل الجزم بصحة عقد نكاح وبيع ~~وإجارة ولا لزوم معاملة أصلا لإمكان الاستثناء المنفصل ولو بعد حين ولا ~~يخفى ما في ذلك من التلاعب وإبطال التصرفات الشرعية وهو محال # احتج الخصوم بأربعة أمور الأول ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال والله لأغزون قريشا # ثم سكت وقال بعده إن شاء الله ولولا صحة الاستثناء بعد السكوت لما فعله ~~لكونه مقتدى به # وأيضا ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه سألته اليهود عن عدة أهل الكهف ~~وعن مدة لبثهم فيه فقال غدا أجيبكم ولم يقل إن شاء الله فتأخر عنه الوحي ~~مدة بضعة عشر يوما ms454 ثم نزل عليه @QB@ ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا ~~مراء ظاهرا @QE@ 28 الكهف 22 ) إلى قوله @QB@ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك ~~غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت @QE@ 28 الكهف 23 24 ) # فقال إن شاء الله بطريق الإلحاق بخبره الأول # ولو لم يكن ذلك صحيحا لما فعله PageV02P311 # الثاني أن ابن عباس ترجمان القرآن ومن أفصح فصحاء العرب وقد قال بصحة ~~الاستثناء المنفصل # وذلك يدل على صحته # الثالث أن الاستثناء بيان وتخصيص للكلام الأول فجاز تأخيره كالنسخ ~~والأدلة المنفصلة المخصصة للعموم # الرابع أن الاستثناء رافع لحكم اليمين فجاز تأخيره كالكفارة # والجواب عن الخبر الأول أن سكوته قبل الاستثناء يحتمل أنه من السكوت الذي ~~لا يخل بالاتصال الحكمي كما أسلفناه ويجب الحمل عليه موافقة لما ذكرناه من ~~الأدلة # وعن الخبر الثاني أن قوله صلى الله عليه وسلم إن شاء الله ليس عائدا إلى ~~خبر الأول بل إلى ذكر ربه إذا نسي تقديره أذكر ربي إذا نسيت إن شاء الله # وذلك كما إذا قال القائل لغيره افعل كذا فقال إن شاء الله أي أفعل إن شاء ~~الله # وعن المنقول عن ابن عباس إن صح ذلك # فلعله كان يعتقد صحة إضمار الاستثناء ويدين المكلف بذلك فيما بينه وبين ~~الله تعالى وإن تأخر الاستثناء لفظا وهو غير ما نحن فيه وإن لم يكن كذلك ~~فهو أيضا مخصوم بما ذكرناه من الأدلة واتفاق أهل اللغة على إبطاله ممن سواه # وعن الوجه الثالث أنه قياس في اللغة فلا يصح لما سبق # ثم هو منقوض بالخبر والشرط كما سبق # كيف والفرق بين التخصيص والاستثناء واقع من جهة الجملة من حيث إن التخصيص ~~قد يكون بدليل العقل والحس ولا كذلك الاستثناء وبينه وبين النسخ أن النسخ ~~مما يمتنع اتصاله بالمنسوخ بخلاف الاستثناء # وعن الوجه الرابع بالفرق وهو أن الكفارة رافعة لإثم الحنث لا لنفس الحنث ~~والاستثناء مانع من الحنث فما التقيا في الحكم حتى يصح قياس أحدهما على ~~الآخر # كيف وإن الخلاف إنما وقع ms455 في صحة الاستثناء المنفصل PageV02P312 من جهة ~~اللغة لا من جهة الشرع ولا قياس في اللغة على ما سبق # # | المسألة الثانية # اختلف العلماء في صحة الاستثناء أبو بكر وجماعة من المتكلمين والنحاة ~~ومنع منه الأكثرون # وأما أصحابنا فمنهم من قال بالنفي ومنهم من قال بالإثبات # احتج من قال بالبطلان بأن الاستثناء استفعال مأخوذ من الثني ومنه تقول ~~ثنيت الشيء إذا عطفت بعضه على بعض وثنيت فلانا عن رأيه وثنيت عنان الفرس # وحقيقته أنه استخراج بعض ما تناوله اللفظ وذلك غير متحقق في مثل قول ~~القائل رأيت الناس إلا الحمر لأن الحمر المستثناة غير داخلة في مدلول ~~المستثنى منه حتى يقال بإخراجها وثنيها عنه بل الجملة الأولى باقية بحالها ~~لم تتغير ولا تعلق للثاني بالأول أصلا # ومع ذلك فلا تحقق للاستثناء من اللفظ ولا يمكن أن يقال بصحة الاستثناء ~~بناء على ما وقع به الاشتراك من المعنى بين المستثنى منه وإلا لصح استثناء ~~كل شيء من كل شيء ضرورة أنه ما من شيئين إلا وهما مشتركان في معنى عام لهما ~~وليس كذلك # كيف وأنه لو قال القائل جاء العلماء إلا الكلاب وقدم الحاج إلا الحمير ~~كان مستهجنا لغة وعقلا وما هذا شأنه لا يكون وضعه مضافا إلى أهل اللغة # ولقائل أن يقول لا نسلم أن الاستثناء مأخوذ من الثني بل من التثنية وكأن ~~الكلام كان واحدا فثني وليس أحد الأمرين أولى من الآخر # فإن قيل لو كان الاستثناء مأخوذا من التثنية لكان كل ما وجد فيه معنى ~~التثنية من الكلام اسثناء وليس كذلك PageV02P313 # قلنا ولو كان مأخوذا من الثني لكان كل ما وجد فيه الثني والعطف استثناء ~~وليس كذلك # ولهذا لا يقال لمن عطف الثوب بعضه على بعض أو عطف عنان الفرس إنه استثناء # قولكم إن الاسثتناء استخراج بعض ما تناوله اللفظ دعوى في محل النزاع وكيف ~~يدعى ذلك مع قول الخصم بصحة الاستثناء من غير الجنس ولا دخول للمستثنى تحت ~~المستثنى منه # وما ذكرتموه من الاستقباح لا يدل على امتناع صحته ms456 في اللغة # ولهذا فإنه لو قال القائل في دعائه يا رب الكلاب والحمير وخالقهم ارزقني ~~وأعطني كان مستهجنا وإن كان صحيحا من جهة اللغة والمعنى # ثم وإن سلمنا امتناع صحة الاستثناء من نفس الملفوظ به مطابقة فما المانع ~~من صحته نظرا إلى ما وقع به الاشتراك بين المستثنى والمستثنى منه في المعنى ~~اللازم المدلول للفظ مطابقه كما قال الشافعي إنه لو قال القائل لفلان علي ~~مائة درهم إلا ثوبا فإنه يصح ويكون معناه إلا قيمة ثوب لاشتراكهما في ثبوت ~~صفة القيمة لهما وكما قاله أبو حنيفة في استثناء المكيل من الموزون وبالعكس ~~لاشتراكهما في علة الربا # قولكم لو صح ذلك لصح استثناء كل شيء من كل شيء ليس كذلك # وما المانع أن تكون صحة الاستثناء مشروطة بمناسبة بين المستثنى والمستثنى ~~منه كما إذا قال القائل ليس لي نخل إلا شجر ولا إبل إلا بقر ولا بنت إلا ~~ذكر ولا كذلك فيما إذا قال ليس لفلان بنت إلا أنه باع داره # وأما القائلون بالصحة فقد احتجوا بالمنقول والمعقول أما المنقول فمن جهة ~~القرآن والشعر والنثر # أما القرآن فقوله تعالى @QB@ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ~~إبليس لم يكن من الساجدين @QE@ 7 الأعراف 11 ) وإبليس لم يكن من جنس ~~الملائكة لقوله تعالى في آية أخرى @QB@ إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ~~ربه @QE@ 18 الكهف 50 ) والجن PageV02P314 ليسوا من جنس الملائكة ولأنه كان ~~مخلوقا من نار على ما قال @QB@ خلقتني من نار @QE@ 7 الأعراف 12 ) ~~والملائكة من نور ولأن إبليس له ذرية على ما قال تعالى @QB@ أفتتخذونه ~~وذريته أولياء @QE@ 18 الكهف 50 ) ولا ذرية للملائكة فلا يكون من جنسهم وهو ~~مستثنى منهم # وقوله تعالى @QB@ أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم ~~عدو لي إلا رب العالمين @QE@ 26 الشعراء 75 77 ) استثنى الباري تعالى من ~~جملة ما كانوا يعبدون من الأصنام وغيرها والباري تعالى ليس من جنس شيء من ~~المخلوقات # وقوله تعالى @QB@ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ms457 @QE@ 4 النساء 157 ) ~~استثنى الظن من العلم وليس من جنسه # وقوله تعالى @QB@ لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما ~~@QE@ 56 الواقعة 25 ) استثنى السلام من اللغو وليس من جنسه وقوله تعالى ~~@QB@ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم @QE@ ~~4 النساء 29 ) والتجارة ليست من جنس الباطل وقد استثناها منه # وقوله تعالى @QB@ فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون إلا رحمة منا @QE@ 36 يس 43 ~~) استثنى الرحمة من نفي الصريخ والإنقاذ وليست من جنسه # وقوله تعالى @QB@ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم @QE@ 11 هود 43 ) ~~ومن رحم ليس بعاصم بل معصوم وليس المعصوم من جنس العاصم # وقوله تعالى @QB@ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ @QE@ 4 النساء 92 ~~) استثنى الخطأ من القتل وليس من جنسه # وأما الشعر فمن ذلك قول القائل منهم وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير ~~وإلا العيس والعيس ليست من جنس الأنيس # وقال النابغة الذبياني وقفت فيها أصيلالا أسائلها عيت جوابا وما بالربع ~~من أحد إلا أواري لأيا ما أبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد والأواري ~~ليست من جنس الأحد # وقال PageV02P315 ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب ~~وليس فلول السيوف عيبا لأربابها بل فخرا لهم وقد استثناها من العيوب وليست ~~من جنسها # وأما النثر فقول العرب ما زاد إلا ما نقص وما بالدار أحد إلا الوتد وما ~~جاءني زيد إلا عمرو # استثنوا النقص من الزيادة والوتد من أحد وعمرا من زيد وليس من جنسه # وأما المعقول فهو أن الاستثناء لا يرفع جميع المستثنى منه فصح كاستثناء ~~الدراهم من الدنانير وبالعكس # ولقائل أن يقول أما الآية الأولى فلا نسلم أن إبليس لم يكن من جنس ~~الملائكة # قولكم إنه كان من الجن قلنا لا منافاة بين الأمرين فإنه قد قال ابن عباس ~~وغيره من المفسرين إن إبليس كان من الملائكة من قبيل يقال لهم الجن لأنهم ~~كانوا خزان الجنان وكان إبليس رئيسهم وتسميته جنيا لنسبته ms458 إلى الجنة كما ~~يقال بغدادي ومكي # ويحتمل أنه سمي بذلك لاجتنانه واختفائه ويدل على كونه من الملائكة أمران ~~الأول أن الله تعالى استثناه من الملائكة والأصل أن يكون من جنسهم للاتفاق ~~على صحة الاستثناء من الجنس ووقع الخلاف في غيره # الثاني أن الأمر بالسجود لآدم إنما كان للملائكة بدليل قوله تعالى @QB@ ~~وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم @QE@ 2 البقرة 34 ) ولو لم يكن إبليس من ~~الملائكة لما كان عاصيا للأمر المتوجه إلى الملائكة لكونه ليس منهم إذ ~~الأصل عدم أمر وراء ذلك الأمر # ودليل عصيانه قوله تعالى @QB@ إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ~~@QE@ 2 البقرة 34 ) # قولكم إن إبليس له ذرية ليس في ذلك ما ينافي كونه من جنس الملائكة # فلئن قلتم بأن التوالد لا يكون إلا من ذكر وأنثى والملائكة لا إناث فيهم ~~بدليل قوله تعالى @QB@ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا @QE@ 43 ~~الزخرف 19 ) ذكر ذلك في معرض الإنكار والتوعد على قول ذلك PageV02P316 # قلنا إنما يلزم من ذلك الإناث في الملائكة أن لو امتنع حصول الذرية إلا ~~من جنسين وهو غير مسلم # قولكم إن إبليس مخلوق من نار والملائكة من نور لا منافاة أيضا بين ذلك ~~وبين كونه من الملائكة # وأما الآية الثانية فاستثناء الرب تعالى فيها من المعبودين وذلك قوله ~~@QB@ ما كنتم تعبدون @QE@ 26 الشعراء 75 ) وهم كانوا ممن يعبد الله مع ~~الأصنام لأنهم كانوا مشركين لا جاحدين لله تعالى فلا يكون الاستثناء من غير ~~الجنس # وأما الآية الثالثة فجوابها من وجهين الأول أن قوله تعالى @QB@ ما لهم به ~~من علم إلا اتباع الظن @QE@ 4 النساء 157 ) عام في كل ما يسمى علما والظن ~~يسمى علما ودليله قوله تعالى @QB@ فإن علمتموهن مؤمنات @QE@ 60 الممتحنة 10 ~~) وأراد إن ظننتموهن لاستحالة اليقين بذلك وذلك إن كان من الأسماء ~~المتواطئة فلا يكون الاستثناء من غير الجنس وإن كان من الأسماء المشتركة أو ~~المجازية فهو من جملة الأسماء العامة كما سبق # الثاني أن ( إلا ) فيها ليست للاستثناء بل هي بمعنى ms459 ( لكن ) وكذلك الحكم ~~فيما بعدها من الآيات # وأما استثناء ( اليعافير والعيس ) من ( الأنيس ) فليس استثناء من غير ~~الجنس لأنها مما يؤنس بها فهي من جنس الأنيس وإن لم تكن من جنس الأنس بل ~~وقد يحصل الأنس بالآثار والأبنية والأشجار فضلا عن الحيوان # وأما استثناء ( الأواري ) من ( أحد ) فإنما كان لأنه كما يطلق الأحد على ~~الآدمي فقد يطلق على غيره من الحيوانات والجمادات ولذلك يقال رأيت أحد ~~الحمارين وركبت أحد الفرسين ورميت أحد الحجرين وأحد السهمين فلم يكن ~~الاستثناء من غير الجنس من حيث إن الأواري مما يصدق عليها لفظة ( أحد ) ~~وبتقدير أن لا يكون من الجنس فإلا ليست استثنائية حقيقة بل بمعنى ( لكن ) ~~كما سبق PageV02P317 # وأما ( فلول السيوف ) فهو عيب في السيوف وإن كان يسبب فلولها فخرا ومدحة ~~لأربابها فهو في الجملة استثناء من الجنس # وقول العرب ( ما زاد إلا ما نقص ) تقديره ما زاد شيء إلا الذي نقص أي ~~ينقص وهو اسثتناء من الجنس # وقولهم ( ما في الدار أحد إلا الوتد ) فجوابه كما سبق في ( الأواري ) من ~~( أحد ) # وقوله ( ما جاءني زيد إلا عمرو ) فإلا بمعنى ( لكن ) # وما ذكروه من المعقول قولهم إن الاستثناء لا يرفع جميع المستثنى منه فشيء ~~لا إشعار له بصحة الاستثناء من غير الجنس # وأما استثناء ( الدراهم ) من ( الدنانير ) وبالعكس فهو أيضا محل النزاع ~~عند القائلين بعدم صحة الاستثناء من غير الجنس وإن تكلف بيان صحة الاستثناء ~~من جهة اشتراكهما في النقدية وجوهرية الثمنية فآئل إلى الاستثناء من الجنس # # | المسألة الثالثة # اتفقوا على امتناع الاستثناء المستغرق كقوله له علي عشرة إلا عشرة وإنما ~~اختلفوا في استثناء النصف والأكثر فذهب أصحابنا وأكثر الفقهاء والمتكلمين ~~إلى صحة استثناء الأكثر حتى إنه لو قال له علي عشرة إلا تسعة لم يلزمه سوى ~~درهم واحد # وذهب القاضي أبو بكر في آخر أقواله والحنابلة وابن درستويه النحوي إلى ~~المنع من ذلك وزاد القاضي أبو بكر والحنابلة القول بالمنع من استثناء ~~المساوي # وقد نقل عن بعض أهل اللغة استقباح استثناء عقد ms460 صحيح فلا يقول PageV02P318 ~~له علي مائة إلا عشرة بل خمسة أو غير ذلك # احتج من قال بصحة استثناء الأكثر والمساوي بالمنقول والمعقول والحكم # أما المنقول فمن جهة القرآن والشعر # أما القرآن فقوله تعالى @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك ~~من الغاوين @QE@ 15 الحجر 42 ) وقال @QB@ لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم ~~المخلصين @QE@ 38 ص 83 ) فإن استووا فقد استثنى المساوي وإن تفاوتوا فأيهما ~~كان أكثر فقد استثناه # كيف وإن الغاوين أكثر بدليل قوله تعالى @QB@ وقليل من عبادي الشكور @QE@ ~~34 سبأ 13 ) وقوله تعالى @QB@ ولا تجد أكثرهم شاكرين @QE@ 7 الأعراف 17 ) ~~وقوله تعالى @QB@ وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين @QE@ 12 يوسف 103 ) ولكن ~~أكثرهم لا يعقلون ولا يؤمنون # وأما الشعر فقوله أدوا التي نقصت تسعين من مائة ثم ابعثوا حكما بالحق ~~قوالا وأما المعقول فهو أن الاستثناء لفظ يخرج من الجملة ما لولاه لدخل ~~فيها فجاز إخراج الأكثر به كالتخصيص بالدليل المنفصل كاستثناء الأقل # هذا ما يخص الأكثر وأما المساوي فدليله قوله تعالى @QB@ يا أيها المزمل ~~قم الليل إلا قليلا نصفه @QE@ 73 المزمل 1 ) استثنى النصف وليس بأقل # وأما الحكم فعام للأكثر والمساوي وهو أنه لو قال له علي عشرة واستثنى ~~منها خمسة أو تسعة فإنه يلزمه في الأول خمسة وفي الثاني درهم باتفاق ~~الفقهاء # ولولا صحة الاستثناء لما كان كذلك # وفي هذه الحجج ضعف إذ لقائل أن يقول أما الآية فالغاوون فيها وإن كانوا ~~أكثر من العباد المخلصين بدليل النصوص المذكورة فلا نسلم أن ( إلا ) في ~~قوله إلا من اتبعك من الغاوين للاستثناء بل هي بمعنى ( لكن ) # وإن سلمنا أنها للاستثناء ولكن نحن إنما نمنع من استثناء الأكثر إذا كان ~~عدد المستثنى والمستثنى منه مصرحا به كما إذا قال له علي مائة إلا ~~PageV02P319 تسعة وتسعين درهما وأما إذا لم يكن العدد مصرحا به كما إذا قال ~~له خذ ما في الكيس من الدراهم سوى الزيوف منها فإنه يصح وإن كانت الزيوف في ~~نفس الأمر أكثر في العدد وكما ms461 إذا قال جاءني بنو تميم سوى الأوباش منهم ~~فإنه يصح من غير استقباح وإن كان عدد الأوباش منهم أكثر # وأما الشعر فلا استثناء فيه بل معناه أدوا المائة التي سقط منها تسعون ~~ولا يلزم أن يكون سقوطها بطريق الاستثناء # وما ذكروه من المعقول فحاصله يرجع إلى القياس في اللغة وهو فاسد كما سبق # كيف والفرق بين الأصل والفرع واقع من جهة الإجمال # أما التخصيص فمن جهة أنه قد يكون بدليل منفصل وبغير دليل لفظي كما يأتي # وأما استثناء الأقل فلكونه غير مستقبح كما إذا قال له علي عشرة إلا درهما ~~ولا كذلك قوله له علي مائة إلا تسعة وتسعين # وأما قوله تعالى @QB@ يا أيها المزمل @QE@ 73 المزمل 1 ) فلا دلالة فيه ~~على جواز استثناء النصف إذ النصف غير مستثنى وإنما هو ظرف للقيام فيه ~~وتقديره قم الليل ونصفه إلا قليلا # وأما الحكم فدعوى الاتفاق عليه خطأ فإن من لا يرى صحة استثناء الأكثر ~~والمساوي فهو عنده بمنزلة الاستثناء المستغرق # ولو قال له علي عشرة إلا عشرة لزمه العشرة وإنما ذهب إلى ذلك الفقهاء ~~القائلون بصحة استثناء الأكثر والمساوي # وأما من قال بامتناع صحة استثناء الأكثر والمساوي فقد احتج بأن الاستثناء ~~على خلاف الأصل لكونه إنكارا بعد إقرار وجحدا بعد اعتراف # غير أنا خالفناه في استثناء الأقل لمعنى لم يوجد في المساوي والأكثر فوجب ~~أن لا يقال بصحته فيه # وبيان ذلك من وجهين PageV02P320 الأول أن المقر ربما أقر بمال وقد وفى ~~بعضه غير أنه نسيه لقلته وعند إقراره ربما تذكره فاستثناه # فلو لم يصح استثناؤه لتضرر ولا كذلك في الأكثر والنصف لأنه قلما يتفق ~~الذهول عنه # والثاني أنه إذا قال له علي مائة إلا درهما لم يكن مستقبحا وإذا قال له ~~علي مائة إلا تسعة وتسعين كان مستقبحا والمستقبح في لغة العرب لا يكون من ~~لغتهم # وهذه الحجة ضعيفة أيضا إذ لقائل أن يقول لا نسلم أن الاستثناء على خلاف ~~الأصل والقول بأنه إنكار بعد إقرار أنما يصح ذلك أن لو ms462 لم يكن المستثنى ~~والمستثنى منه جملة واحدة وإلا فلا # وإن سلمنا عدم الاتحاد ولكن لا نسلم مخالفة ذلك الأصل بل الأصل قبوله ~~لإمكان صدق المتكلم به ودفعا للضرر عنه ويجب اعتقاد ذلك حتى لا يكون قبول ~~ذلك في استثناء الأقل على خلاف الأصل # والقول بأن ذلك مستقبح ركيك في لغة العرب ليس فيه ما يمنع مع ذلك من ~~استعماله # ولهذا فإنه لو قال له علي عشرة إلا درهما كان مستحسنا ولو قال له علي ~~عشرة إلا دانقا ودانقا # # إلى تمام عشرين مرة كان في غاية الاستقباح وما منع ذلك من صحته واستعماله ~~لغة # # | المسألة الرابعة # الجمل المتعاقبة بالواو إذا تعقبها الاستثناء رجع إلى جميعها عند أصحاب ~~الشافعي رضي الله عنه وإلى الجملة الأخيرة عند أصحاب أبي حنيفة # وقال القاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري وجماعة من المعتزلة إن كان ~~الشروع في الجملة الثانية إضرابا عن الأولى ولا يضمر فيها شيء مما في ~~الأولى فالاستثناء مختص بالجملة الأخيرة لأن الظاهر أنه لم ينتقل عن الجملة ~~الأولى مع استقلالها بنفسها إلى غيرها إلا وقد تم مقصوده منها # وذلك على أقسام أربعة PageV02P321 الأول أن تختلف الجملتان نوعا كما لو ~~قال أكرم بني تميم والنحاة البصريون إلا البغاددة إذ الجملة الأولى أمر ~~والثانية خبر # القسم الثاني أن تتحدا نوعا وتختلفا اسما وحكما كما لو قال أكرم بني تميم ~~واضرب ربيعة إلا الطوال إذ هما أمران # الثالث أن تتحدا نوعا وتشتركا حكما لا اسما كما لو قال سلم على بني تميم ~~وسلم على بني ربيعة إلا الطوال # الرابع أن تتحدا نوعا وتشتركا اسما لا حكما ولا يشترك الحكمان في غرض من ~~الأغراض كما لو قال سلم على بني تميم واستأجر بني تميم إلا الطوال # وأقوى هذه الأقسام في اقتضاء اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة القسم ~~الأول ثم الثاني ثم الثالث والرابع # وأما إن لم تكن الجملة الأخيرة مضربة عن الأولى بل لها بها نوع تعلق ~~فالاستثناء راجع إلى الكل # وذلك أربعة أقسام # القسم الاول أن تتحد ms463 الجملتان نوعا واسما لا حكما غير أن الحكمين قد ~~اشتركا في غرض واحد كما لو قال أكرم بني تميم وسلم على بني تميم إلا الطوال ~~لاشتراكهما في غرض الإعظام # الثاني أن تتحد الجملتان نوعا وتختلفا حكما واسم الأولى مضمر في الثانية ~~كما لو قال أكرم بني تميم واستأجرهم وربيعة إلا الطوال # القسم الثالث بالعكس من الذي قبله كما لو قال أكرم بني تميم وربيعة إلا ~~الطوال # القسم الرابع أن يختلف نوع الجمل المتعاقبة إلا انه قد أضمر في الجملة ~~الأخيرة ما تقدم أو كان غرض الأحكام المختلفة فيها واحدا كما في آية القذف ~~فإن جملها مختلفة النوع من حيث إن قوله تعالى @QB@ فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~@QE@ 24 النور 4 ) أمر وقوله @QB@ ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا @QE@ 24 النور ~~4 ) نهي وقوله @QB@ وأولئك هم الفاسقون @QE@ PageV02P322 24 النور 4 ) خبر # غير أنها داخلة تحت القسم الأول من هذه الأقسام الأربعة لاشتراك أحكام ~~هذه الجمل في غرض الانتقام والإهانة وداخلة تحت القسم الثاني من جهة إضمار ~~الاسم المتقدم فيها # وذهب المرتضى من الشيعة إلى القول بالاشتراك وذهب القاضي أبو بكر ~~والغزالي وجماعة من الأصحاب إلى الوقف # والمختار انه مهما ظهر كون ( الواو ) للابتداء فالاستثناء يكون مختصا ~~بالجملة الأخيرة كما في القسم الأول من الأقسام الثانية المذكورة لعدم تعلق ~~إحدى الجملتين بالاخرى وهو ظاهر # وحيث أمكن أن تكون ( الواو ) للعطف أو الابتداء كما في باقي الأقسام ~~السبعة فالواجب إنما هو الوقف # وتحقيق ذلك متوقف على ذكر حجج المخالفين وإبطالها ولنبدأ من ذلك بحجج ~~القائلين بالعود إلى الجميع الحجة الأولى أن الجمل المعطوف بعضها على بعض ~~بمنزلة الجملة الواحدة ولهذا فإنه لا فرق في اللغة بين قوله اضرب الجماعة ~~التي منها قتلة وسراق وزناة إلا من تاب وبين قوله اضرب من قتل وسرق وزنى ~~إلا من تاب فوجب اشتراكهما في عود الاستثناء إلى الجميع وهي غير صحيحة # وذلك لأنه إن قيل إنه لا فارق بين الجملة والجملتين في أمر ما لزم أن ~~يكون المتكثر واحدا والواحد ms464 متكثرا وهو محال # وإن قيل بالفرق فلا بد من جامع موجب للاشتراك في الحكم # ومع ذلك فحاصله يرجع إلى القياس في اللغة ولا سبيل إليه لما تقدم # الحجة الثانية أن الإجماع منعقد على أنه لو قال والله لا أكلت الطعام ولا ~~دخلت الدار ولا كلمت زيدا واستثنى بقوله إن شاء الله أنه يعود إلى الجميع # وهذه الحجة أيضا باطلة فإن العلماء وإن أطلقوا لفظ الاستثناء على التعليق ~~على المشيئة فمجاز وليس باستثناء حقيقة بل ذلك شرط كما في PageV02P323 قوله ~~إن دخلت الدار ويدل على كونه شرطا لا استثناء أنه يجوز دخوله على الواحد مع ~~أن الواحد لا يدخله الاستثناء وذلك كقوله أنت طالق إن شاء الله ولو قال أنت ~~طالق طلقة إلا طلقة لم يصح ووقع به طلقة # وكذلك إذا قال له علي درهم إلا درهما وإذا كان شرطا فلا يلزم من عوده إلى ~~الجميع عود الاستثناء إلا بطريق القياس ولا بد من جامع مؤثر # ومع ذلك يكون قياسا في اللغة وهو باطل بما سبق # وبهذا يبطل إلحاقهم الاستثناء بالشرط وهو قولهم الاستثناء غير مستقل ~~بنفسه فكان عائدا إلى الكل كالشرط وهو ما إذا قال أكرم بني تميم وبني ربيعة ~~إن دخلوا الدار ولو صرح بذلك كان صحيحا ولا كذلك في الاستثناء # ولهذا فإنه لو قال إلا أن يتوبوا اضرب بني تميم وبني ربيعة لا يكون صحيحا # الحجة الثالثة أن الحاجة قد تدعو إلى الاستثناء من جميع الجمل وأهل اللغة ~~مطبقون على أن تكرار الاستثناء في كل جملة مستقبح ركيك مستثقل وذلك كما لو ~~قال إن دخل زيد الدار فاضربه إلا أن يتوب وإن زنى فاضربه إلا أن يتوب فلم ~~يبق سوى تعقب الاستثناء للجملة الأخيرة # ولقائل أن يقول وإن كان ذلك مطولا غير أنه يعرف شمول الاستثناء للكل ~~بيقين فلا يكون مستقبحا وإن كان مستقبحا فإنما يمتنع أن لو كان وضع اللغة ~~مشروطا بالمستحسن وهو غير مسلم # ودليله أنه لو وقع الاستثناء كذلك فإنه يصح لغة ويثبت حكمه ولولا ms465 أنه من ~~وضع اللغة لما كان كذلك # الحجة الرابعة إن الاستثناء صالح أن يعود إلى كل واحدة من الجمل وليس ~~البعض أولى من البعض فوجب العود إلى الجميع كالعام # ولقائل أن يقول كونه صالحا للعود إلى الجميع غير موجب لذلك PageV02P324 ~~ولهذا فإن اللفظ إذا كان حقيقة في شيء ومجازا في شيء فهو صالح للحمل على ~~المجاز ولا يجب حمله على المجاز # وما ذكروه من الإلحاق بالعموم فغير صحيح لما علم مرارا # الحجة الخامسة أنه لو قال علي خمسة وخمسة إلا ستة فإنه يصح # ولو كان مختصا بالجملة الأخيرة لما صح لكونه مستغرقا لها # قلنا لا نسلم صحة الاستثناء على رأي لنا # وإن سلمنا فإنما عاد إلى الجميع لقيام الدليل عليه وذلك لأنه لا بد من ~~إعمال لفظه مع الإمكان وقد تعذر استثناء الستة من الجملة الأخيرة لكونه ~~مستغرقا لها وهو صالح للعود إلى الجميع فحمل عليه ومع قيام الدليل على ذلك ~~فلا نزاع وإنما النزاع فيما إذا ورد الاستثناء مقارنا للجملة الأخيرة من ~~غير دليل يوجب عوده إلى ما تقدم # الحجة السادسة أنه لو قال القائل بنو تميم وربيعة أكرموهم إلا الطوال فإن ~~الاستثناء يعود إلى الجميع فكذلك إذا تقدم الأمر بالإكرام ضرورة اتحاد ~~المعنى # ولقائل أن يقول حاصل ما ذكروه يرجع إلى القياس في اللغة وهو باطل لما علم ~~كيف والفرق ظاهر لأنه إذا تأخر الأمر عن الجمل فقد اقترن باسم الجميع وهو ~~قوله أكرموهم بخلاف الأمر المتقدم فإنه لم يتصل باسم الفريقين بل باسم ~~الفريق الأول # الحجة السابعة أنه إذا قال القائل اضربوا بني تميم وبني ربيعة إلا من دخل ~~الدار فمعناه من دخل من الفريقين # ولقائل أن يقول ليس تقدير هذا المعنى أولى من تقدير إلا من دخل من ربيعة # وأما حجج القائلين بعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فمن جهة النص ~~والمعقول # أما النص فقوله تعالى @QB@ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ~~إلا الذين ms466 تابوا @QE@ PageV02P325 24 النور 4 5 ) فإنه راجع إلى قوله ~~وأولئك هم الفاسقون ولم يرجع إلى الجلد بالاتفاق # وأيضا قوله تعالى @QB@ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله @QE@ 4 ~~النساء 92 ) وقوله @QB@ إلا أن يصدقوا @QE@ 4 النساء 92 ) راجع إلى الدية ~~دون الإعتاق بالاتفاق # قلنا أما الآية الأولى فلا نسلم اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة منها ~~بل هو عائد إلى جميع الجمل عدا الجلد لدليل دل عليه وهو المحافظة على حق ~~الآدمي # أما الآية الأخرى فإنما امتنع عود الاستثناء إلى الإعتاق لأنه حق الله ~~تعالى وتصدق الولي لا يكون مسقطا لحق الله تعالى # وأما من جهة المعقول فحجج الحجة الأولى أن الاستثناء من الجملة إذا تعقبه ~~استثناء كان الاستثناء الثاني عائدا إلى الجملة الاستثنائية لا إلى الجملة ~~الأولى فدل على اختصاص الاستثناء بالجملة المقارنة دون المتقدمة وإلا كان ~~عدم عوده إلى المتقدمة على خلاف الأصل وذلك كما لو قال له علي عشرة إلا ~~أربعة إلا اثنين فإن الاستثناء الثاني يختص بالأربعة دون العشرة # ولقائل أن يقول الاستثناء الثاني إما أن يكون بحرف عطف أو لا بحرف عطف # فإن كان الأول فهو راجع إلى الجملة المستثنى منها كقوله له علي عشرة إلا ~~ثلاثة وإلا اثنين فيكون المقر به خمسة # وإن كان الثاني كقوله له علي عشرة إلا أربعة إلا اثنين فإنما امتنع عوده ~~إلى الجملة المستثنى منها لدليل لا لعدم اقتضائه لذلك لغة وذلك أن ~~الاستثناء الثاني لو عاد إلى الجملة المستثنى منها فإما أن يعود إليها لا ~~غير أو إليها وإلى الاستثناء الأول ممتنع لأن الإجماع منعقد على دخول ~~الاستثناء الأول تحت الاستثناء الثاني فقطعه عنه ورده إلى الجملة المستثنى ~~منها لا غير يكون على خلاف الإجماع وإن كان عائدا إلى الاستثناء والمستثنى ~~منه فالمستثنى منه إثبات PageV02P326 فالاستثناء منه يكون نفيا لأن ~~الاستثناء من الإثبات نفي والاستثناء من الاستثناء يكون إثباتا لأن ~~الاستثناء من النفي إثبات على ما يأتي تقريره عن قريب وذلك ممتنع لوجهين ~~الأول أنه يلزم منه أن يكون قد ms467 أثبت لعوده إلى أحدهما مثل ما نفاه عن الآخر ~~ويكون جابرا للنفي بالإثبات ويبقى ما كان متحققا قبل الاستثناء الثاني ~~بحاله وفيه إلغاء الاستثناء الثاني وخروجه عن التأثير وهو خلاف الإجماع # الوجه الثاني أنه يلزم منه أن يكون بعوده إلى الجملة الأولى قد نفى عنها ~~مثل ما أثبته لها بعوده إلى الاستثناء الثاني فيكون الاستثناء الواحد ~~مقتضيا لنفي شيء وإثباته بالنسبة إلى شيء واحد وهو محال # الحجة الثانية أن الجملة الأخيرة حائلة بين الاستثناء والجملة الأولى ~~فكان ذلك مانعا من العود إليها كالسكوت # ولقائل أن يقول إنما يصح ذلك أن لو لم يكون الكلام كله بمنزلة جملة واحدة # وأما إذا كان كالجملة الواحدة فلا # الحجة الثالثة أنه استثناء تعقب جملتين فلا يكون بظاهره عائدا إليهما كما ~~لو قال أنت طالق ثلاثا وثلاثا إلا أربعة فأنه لا يعود إلى الجميع وإلا لوقع ~~به طلقتان لا ثلاث طلقات # قلنا لا نسلم امتناع عوده إلى الجميع بل هو عائد إلى الجميع والواقع ~~طلقتان على رأي لنا # وإن سلمنا امتناع عوده إلى الجميع فلأن المعتبر من قوله ثلاثا وثلاثا ~~إنما هو الجملة الأولى دون الثانية # فلو عاد الاستثناء إليها لكان مستغرقا وهو باطل # الحجة الرابعة أن دخول الجملة الأولى تحت لفظه معلوم ودخولها تحت ~~الاستثناء مشكوك فيه والشك لا يرفع اليقين # قلنا لا نسلم تيقن دخوله مع اتصال الاستثناء بالكلام ثم وإن كان ذلك ~~PageV02P327 مما يمنع من عود الاستثناء إلى الجمل المتقدمة فهو مانع من ~~اختصاصه بالجملة الأخيرة لجواز عوده بالدليل إلى الجملة المتقدمة دون ~~المتأخرة ثم يلزم منه أن لا يعود الشرط والصفة على باقي الجمل لما ذكروه ~~وهو عائد عند أكثر القائلين باختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة # الحجة الخامسة أنه لما كان الاستثناء مما تدعو الحاجة إليه ولا يستقل ~~بنفسه دعت الحاجة إلى عوده إلى غيره وهذه الحاجة والضرورة مندفعة بعوده إلى ~~ما يليه فلا حاجة إلى عوده إلى غيره إذ هو خارج عن محل الحاجة وإنما وجب ~~اختصاصه بما يليه دون غيره ms468 لوجهين # الأول أنه إذا ثبت اختصاصه بجملة واحدة وجب عوده إلى ما يليه لامتناع ~~عوده إلى غيره بالإجماع # الثاني أنه قريب منه والقرب مرجح ولهذا وجب عود الضمير في قولهم جاء زيد ~~وعمرو أبوه منطلق إلى عمرو لكونه أقرب مذكور فكان ما يلي الفعل من الاسمين ~~اللذين لا يظهر فيهما الإعراب بالفاعلية أولى كقولهم ضربت سلمى سعدى # وهذه الحجة أيضا مدخولة إذ لقائل أن يقول ما ذكرتموه إنما يصح أن لو لم ~~تكن الحاجة ماسة إلى عود الاستثناء إلى كل ما تقدم وذلك غير مسلم وإذا كانت ~~الحاجة ماسة إلى عوده إلى كل ما تقدم فلا تكون الحاجة مندفعة بعوده إلى ما ~~يليه فقط # ثم ما ذكرتموه منتقض بالشرط والصفة # وإن سلمنا أنه لا ضرورة ولكن لم قلتم بامتناع عوده إلى ما تقدم وإن لم ~~تكن ثم ضرورة ولهذا فإنه لو قام دليل على إرادة عوده إلى الجميع فإنه يكون ~~عائدا إليه إجماعا # وإنما الخلاف في كونه حقيقة في الكلام أم لا # الحجة السادسة ذكرها القلانسي وهي أن قال نصب ما بعد PageV02P328 ~~الاستثناء في الإثبات إنما كان بالفعل المتقدم بإعانة ( إلا ) على ما هو ~~مذهب أكابر البصريين فلو قيل إن الاستثناء يرجع إلى جميع الجمل لكان ما بعد ~~( إلا ) منتصبا بالأفعال المقدرة في كل جملة ويلزم منه اجتماع عاملين على ~~معمول واحد وذلك لا يجوز لأنه بتقدير مضادة أحد العاملين في عمله للعامل ~~الآخر يلزم منه أن يكون المعمول الواحد مرفوعا منصوبا معا وذلك كما لو قلت ~~ما زيد بذاهب ولا قام عمرو وهو محال ولأنه إما أن يكون كل واحد مستقلا ~~بالأعمال أو لا كل واحد منهما مستقل أو المستقل البعض دون البعض # فإن كان الأول لزم من ذلك عدم استقلال كل واحد ضرورة أنه لا معنى لكون كل ~~واحد مستقلا إلا أن الحكم ثبت به دون غيره # وإن كان الثاني فهو خلاف الفرض وإن كان الثالث فليس البعض أولى من البعض # ولقائل أن يقول لا نسلم أنه إذا ms469 قال قام القوم إلا زيدا أن زيدا منصوب ~~بقام وإن سلمنا أنه منصوب بقام لكن بالفعل المحقق أو المقدر في كل جملة # الأول مسلم والثاني ممنوع # والفعل المحقق غير زائد على واحد # وأم حجج القائلين بالاشتراك فثلاث الحجة الأولى أنه يحسن الاستفهام من ~~المتكلم عن إرادة عود الاستثناء إلى ما يليه أو إلى الكل ولو كان حقيقة في ~~أحد هذه المحامل دون غيره لما حسن ذلك وذلك يدل على الاشتراك وهذه الحجة ~~مدخولة لجواز أن يكون الاستفهام لعدم المعرفة بالمدلول الحقيقي والمجازي ~~أصلا كما تقوله الواقفية أو لأنه حقيقة في البعض مجاز في البعض والاستفهام ~~للحصول على اليقين ودفع الاحتمال البعيد كما بيناه فيما تقدم # الحجة الثانية أنه يصح إطلاق الاستثناء وإرادة عوده إلى ما يليه وإلى ~~الجمل كلها وإلى بعض الجمل المتقدمة دون البعض بإجماع أهل PageV02P329 ~~اللغة والأصل في الإطلاق الحقيقة والمعاني مختلفة فكان مشتركا # ولقائل أن يقول متى يكون الأصل في الإطلاق الحقيقة إذا أفضى إلى الاشتراك ~~المخل بمقصود أهل الوضع من وضعهم أو إذا لم يفض الأول ممنوع والثاني مسلم # ثم وإن كان ذلك هو الأصل مطلقا غير أنه أمر ظني ولم قلتم بإمكان التمسك ~~به فيما نحن فيه على ما هو معلوم من قاعدة الواقفية # الحجة الثالثة أن الاستثناء فضلة لا تستقل بنفسها فكان احتمال عوده إلى ~~ما يليه وإلى جميع الجمل مساويا كالحال وظرف الزمان والمكان في قوله ضربت ~~زيدا وعمرا قائما في الدار يوم الجمعة # ولقائل أن يقول لا نسلم صحة ما ذكره في الحال والظرف بل هو عائد إلى الكل ~~أو ما يليه على اختلاف المذهبين وإن سلم ذلك غير أنه آئل إلى القياس في ~~اللغة وهو باطل كما سبق # # | المسألة الخامسة # مذهب أصحابنا أن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات خلافا لأبي ~~حنيفة # ودليلنا في ذلك أن القائل إذا قال لا إله إلا الله كان موحدا مثبتا ~~للألوهية لله سبحانه وتعالى ونافيا لها عما سواه # ولو كان نافيا للألوهية عما سوى ms470 الرب تعالى غير مثبت لها بالنسبة إلى ~~الرب تعالى لما كان ذلك توحيدا لله تعالى لعدم إشعار لفظه بإثبات الألوهية ~~لله تعالى وذلك خلاف الإجماع # وأيضا فإنه إذا قال القائل لا عالم في البلد إلا زيد كان ذلك من أدل ~~الألفاظ على علم زيد وفضيلته وكان ذلك متبادرا إلى فهم كل سامع لغوي ~~PageV02P330 ولو كان نافيا للعلم عما سوى زيد غير مثبت للعلم لزيد لما كان ~~كذلك # وعلى هذا النحو في كل ما هو من هذا القبيل # فإن قيل لو كان الاستثناء من النفي إثباتا لكان قوله صلى الله عليه وسلم ~~لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بولي ولا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء ~~مقتضيا تحقق الصلاة عند وجود الطهور والنكاح عند وجود الولي والبيع عند ~~المساواة ولما لم يكن كذلك علم أن المراد بالاستثناء إخراج المستثنى عن ~~دخوله في المستثنى منه وأنه غير متعرض لنفيه ولا إثباته # قلنا الطهور والولي والمساواة لا يصدق عليه اسم ما استثني منه فكان ~~استثناء من غير الجنس وهو باطل بما تقدم وإنما سبق ذلك لبيان اشتراط الطهور ~~في الصلاة والولي في النكاح والمساواة في صحة بيع البر بالبر # والشرط وإن لزم من فواته فوات المشروط فلا يلزم من وجوده وجود المشروط ~~لجواز انتفاء المقتضي أو فوات شرط آخر أو وجود مانع والله أعلم PageV02P331 # # | النوع الثاني التخصيص بالشرط والنظر في حده وأقسامه وصيغ الشرط اللغوي ~~وأحكامه # أما حده قال الغزالي هو ما لا يوجد المشروط دونه ولا يلزم أن يوجد عند ~~وجوده # وهو فاسد من وجهين الأول أن فيه تعريف الشرط بالمشروط والمشروط مشتق من ~~الشرط فكان أخفى من الشرط وتعريف الشيء بما هو أخفى منه ممتنع # الثاني أنه يلزم عليه جزء السبب إذا اتحد فإنه لا يوجد الحكم دونه ولا ~~يلزم من وجود الحكم عند وجوده وليس بشرط # وقال بعض أصحابنا الشرط هو الذي يتوقف عليه تأثير المؤثر في تأثيره لا في ~~ذاته # وهو فاسد أيضا فإن الحياة القديمة شرط في ms471 وجود علم الباري تعالى وكونه ~~عالما ولا تأثير ولا مؤثر # والحق في ذلك أن يقال الشرط هو ما يلزم من نفيه نفي أمر ما على وجه لا ~~يكون سببا لوجوده ولا داخلا في السبب # ويدخل في هذا الحد شرط الحكم وهو ظاهر وشرط السبب من حيث إنه يلزم من نفي ~~شرط السبب انتفاء السبب وليس هو سبب السبب ولا جزؤه PageV02P332 وفيه ~~احتراز عن انتفاء الحكم لانتفاء مداركه وعن انتفاء المدرك المعين وجزئه # وهو منقسم إلى شرط عقلي كالحياة للعلم والإرادة وإلى شرعي كالطهارة ~~للصلاة والإحصان للرجم وإلى لغوي # وصيغه كثيرة وهي إن الخفيفة وإذا ومن ومهما وحيثما وأينما وإذ ما # وأم هذه الصيغ ( إن ) الشرطية لأنها حرف وما عداها من أدوات الشرط أسماء # والأصل في إفادة المعاني للأسماء إنما هو الحروف ولأنها تستعمل في جميع ~~صور الشرط بخلاف أخواتها فإن كل واحدة منها تختص بمعنى لا تجري في غيره ( ~~فمن ) لمن يعقل و ( ما ) لما لا يعقل و ( إذا ) لما لا بد من وقوعه كقولك ~~إذا احمر البسر فأتنا ونحو ذلك # وأما أحكامه فمنها أنه يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه وذلك ضربان ~~الأول أن يخرج منه ما علمنا خروجه بدليل آخر كقوله أكرم بني تميم إن دخلوا ~~الدار فإنه يخرج من الكلام حالة عدم الاستطاعة وإن كان ذلك معلوما دون قوله ~~فيكون قوله مؤكدا # الثاني أنه يخرج منه ما لا يعلم خروجه دونه كقوله أكرم بني تميم إن دخلوا ~~الدار فإنه يخرج منه حالة عدم دخول الدار ولولا الشرط لعم الإكرام جميع ~~الأحوال ولم يكن العلم بعدم الإكرام حالة عدم دخول الدار حاصلا لنا فكان ~~مخصصا للعموم # وعلى كل تقدير لا يخلو إما أن يتحد الشرط والمشروط أو يتعدد المشروط أو ~~بالعكس أو يتعددان معا # فإن اتحد الشرط والمشروط فمثاله ما سبق PageV02P333 # وأما إن اتحد الشرط وتعدد المشروط فإما أن تكون المشروطات على الجمع أو ~~على البدل فإن كانت على الجمع كقوله إن دخل زيد الدار فأعطه دينارا ms472 ودرهما ~~وإن كانت على البدل كقوله إن دخل زيد الدار فأعطه دينارا أو درهما فالحكم ~~كما لو اتحد المشروط # وأما إن تعدد الشرط واتحد المشروط فإما أن تكون الشروط على الجمع أو ~~البدل فإن كان الأول فكقوله أكرم بني تميم أبدا إن دخلوا الدار والسوق ~~فمقتضى ذلك توقف الإكرام على اجتماع الشرطين واختلاله باختلال أحدهما # وإن كان على البدل كقوله أكرم بني تميم إن دخلوا السوق أو الدار فمقتضى ~~ذلك توقف الإكرام على تحقق أحد الشرطين واختلاله عند اختلالهما جميعا # وأما إن تعدد الشرط والمشروط فإما أن يكون الشرط والمشروط على الجمع أو ~~البدل أو الشرط على الجمع والمشروطات على البدل أو بالعكس فإن كان القسم ~~الأول كقوله إن دخل زيد الدار والسوق فأعطه درهما ودينارا فالإعطاء متوقف ~~على اجتماع الشرطين ومختل باختلالهما أو باختلال أحدهما # وإن كان القسم الثاني فكقوله إن دخل زيد الدار أو السوق فأعطه درهما أو ~~دينارا فإعطاء أحد الأمرين متوقف على تحقق أحد الشرطين واختلاله باختلال ~~مجموع الأمرين # وإن كان القسم الثالث كقوله إن دخل زيد الدار والسوق فأعطه درهما أو ~~دينارا فإعطاء أحد الأمرين متوقف على اجتماع الشرطين واختلاله باختلال ~~أحدهما # وإن كان الرابع كقوله إن دخل زيد الدار أو السوق فأعطه درهما PageV02P334 ~~ودينارا فإعطاء الأمرين متوقف على أحد الشرطين ومختل باختلالهما معا وسواء ~~كان حصول الشرط دفعة أو لا دفعة بل شيئا فشيئا # ومن أحكامه أنه لا بد من اتصاله بالمشروط لما تقدم في الاستثناء وأنه ~~يجوز تقديمه على المشروط وتأخيره وإن كان الوضع الطبيعي له إنما هو صدر ~~الكلام والتقدم على المشروط لفظا لكونه متقدما عليه في الوجود طبعا # ولو تعقب الشرط للجمل المتعاقبة فقد اتفق الشافعي وأبو حنيفة على عوده ~~إلى جميعها خلافا لبعض النحاة في اعتقاده اختصاصه بالجملة التي تليه كانت ~~متقدمة أو متأخرة # والكلام في الطرفين فعلى ما سبق في الاستثناء # والمختار كالمختار ولا يخفى وجهه PageV02P335 # # | النوع الثالث تخصيص العام بالصفة # وهي لا تخلو إما أن تكون مذكورة عقب ms473 جملة واحدة أو جمل فإن كان الأول ~~كقوله اكرم بني تميم الطوال فإنه يقتضي اختصاص الإكرام بالطوال منهم ولولا ~~ذلك لعم الطوال والقصار فكانت الصفة مخرجة لبعض ما كان داخلا تحت اللفظ ~~لولا الصفة # وإن كان الثاني كقوله أكرم بني تميم وبني ربيعة الطوال فالكلام في عود ~~الصفة إلى ما يليها أو إلى الجميع كالكلام في الاستثناء PageV02P336 # # | النوع الرابع التخصيص بالغاية # وصيغها إلى وحتى ولا بد وأن يكون حكم ما بعدها مخالفا لما قبلها وإلا ~~كانت الغاية وسطا وخرجت عن كونها غاية ولزم من ذلك إلغاء دلالة إلى وحتى ~~وهي لا تخلو أيضا إما أن تكون مذكورة عقب جملة واحدة أو جمل متعددة # فإن كان الأول فإما أن تكون الغاية واحدة أو متعددة # فإن كانت واحدة كقوله أكرم بني تميم أبدا إلى أن يدخلوا الدار فإن دخول ~~الدار يقتضي اختصاص الإكرام بما قبل الدخول وإخراج ما بعد الدخول عن عموم ~~اللفظ # ولولا ذلك لعم الإكرام حالة ما بعد الدخول # وإن كانت متعددة فلا يخلو إما أن تكون على الجمع أو على البدل فالأول ~~كقوله أكرم بني تميم أبدا إلى أن يدخلوا الدار ويأكلوا الطعام فمقتضى ذلك ~~استمرار الإكرام إلى تمام الغايتين دون ما بعدهما # والثاني كقوله أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا الدار أو السوق فمقتضى ذلك ~~استمرار الإكرام إلى انتهاء إحدى الغايتين أيهما كانت دون ما بعدها ~~PageV02P337 # وأما إن كانت الغاية مذكورة عقب جمل متعددة فالكلام في اختصاصها بما ~~يليها # وفي عودها إلى جميع الجمل كالكلام في الاستثناء وسواء كانت الغاية واحدة ~~أو متعددة على الجمع أو البدل # ولا تخفى أمثلتها ووجه الكلام فيها وسواء كانت الغاية معلومة الوقوع في ~~وقتها كقوله إلى أن تطلع الشمس أو غير معلومة الوقت كقوله إلى دخول الدار ~~PageV02P338 # # | القسم الثاني في التخصيص بالأدلة المنفصلة # وفيه أربع عشرة مسألة # | المسألة الاولى # مذهب الجمهور من العلماء جواز تخصيص العموم بالدليل العقلي خلافا لطائفة ~~شاذة من المتكلمين # ودليل ذلك أن قوله تعالى @QB@ الله خالق كل شيء ms474 @QE@ 39 الزمر 62 ) وقوله ~~@QB@ وهو على كل شيء قدير @QE@ 5 المائدة 120 ) متناول بعموم لفظه لغة كل ~~شيء مع أن ذاته وصفاته أشياء حقيقة وليس خالقا لها ولا هي مقدورة له ~~لاستحالة خلق القديم الواجب لذاته واستحالة كونه مقدورا بضرورة العقل فقد ~~خرجت ذاته وصفاته بدلالة ضرورة العقل عن عموم اللفظ وذلك مما لا خلاف فيه ~~بين العقلاء ولا نعني بالتخصيص سوى ذلك فمن خالف في كون دليل العقل مخصصا ~~مع ذلك فهو موافق على معنى التخصيص ومخالف في التسمية # وكذلك قوله تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ~~@QE@ 3 آل عمران 97 ) فإن الصبي والمجنون من الناس حقيقة وهما غير مرادين ~~من العموم بدلالة نظر العقل على امتناع تكليف من لا يفهم ولا معنى للتخصيص ~~سوى ذلك # فإن قيل نحن لا ننكر أن ذات الباري تعالى وصفاته وأن الصبي والمجنون مما ~~لم يرد باللفظ وإنما ننكر كون دليل العقل مخصصا لثلاثة أوجه PageV02P339 # الأول أن التخصيص إخراج بعض ما تناوله اللفظ عنه وهو غير متصور فيما ~~ذكرتموه وبيانه أن دلالات الألفاظ على المعاني ليست لذواتها وإلا كانت دالة ~~عليها قبل المواضعة وإنما دلالتها تابعة لمقصد المتكلم وإرادته ونحن نعلم ~~بالضرورة أن المتكلم لا يريد بلفظه الدلالة على ما هو مخالف لصريح العقل ~~فلا يكون لفظه دالا عليه لغة ومع عدم الدلالة اللغوية على الصورة المخرجة ~~لا يكون تخصيصا # الثاني أن التخصيص بيان والمخصص مبين # والبيان إنما يكون بعد سابقة الإشكال فيجب أن يكون البيان متأخرا عن ~~المبين ودليل العقل سابق فلا يكون مبينا ولا مخصصا كالاستثناء المقدم # الثالث أن التخصيص بيان فلا يجوز بالعقل كالنسخ # ثم وإن سلمنا دلالة اللفظ لغة على ما ذكرتموه وجواز كون المخصص متقدا ~~ولكن ما المانع أن تكون صحة الاحتجاج بالدليل العقلي مشروطة بعدم معارضة ~~عموم الكتاب له وبتقدير الاشتراط بذلك لا يكون حجة في التمسك به على الكتاب # وإن سلمنا صحة التخصيص في الآيتين المذكورتين أولا ولكن لا نسلم صحة ~~تخصيص ms475 الصبي والمجنون عن عموم آية الحج فإن ما ذكرتموه مبني على امتناع ~~خطابهما وكيف يمكن دعوى ذلك مع دخولهما تحت الخطاب بأروش الجنايات وقيم ~~المتلفات # وإجماع الفقهاء على صحة صلاة الصبي واختلافهم في صحة إسلامه ولولا إمكان ~~دخوله تحت الخطاب لما كان كذلك # والجواب عن الأول قولهم إن دلالات الألفاظ ليست لذواتها مسلم وأنه لا بد ~~في دلالتها من قصد الواضع لها دالة على المعنى # قولهم العاقل لا يقصد بلفظة الدلالة على ما هو ممتنع بصريح العقل # قلنا ذلك ممتنع بالنظر إلى ما وضع اللفظ عليه لغة أو بالنظر إلى إرادته ~~من اللفظ الأول ممنوع والثاني مسلم # وعند ذلك فلا منافاة بين كون اللفظ دالا على المعنى لغة وبين كونه غير ~~مراد من اللفظ PageV02P340 # قولهم إن حق المخصص أن يكون متأخرا عما خصصه # قلنا يجب أن يكون متأخرا بالنظر إلى ذاته أو بالنظر إلى صفته وهو كونه ~~مبينا ومخصصا الأول ممنوع والثاني مسلم # وذلك لأن دليل العقل وإن كان متقدما في ذاته على الخطاب المفروض غير أنه ~~لا يوصف قبل ذلك بكونه مخصصا لما يوجد وإنما يصير مخصصا ومبينا بعد وجود ~~الخطاب # وأما الاستثناء فإنما لم يجز تقديمه لأن المتكلم به لا يعد متكلما بكلام ~~أهل اللغة كما إذا قال إلا زيدا ثم قال بعد ذلك قام القوم # وهذا بخلاف التخصيص فإنه إذا قال @QB@ الله خالق كل شيء @QE@ 39 الزمر 62 ~~) وقام الدليل العقلي على أنه لم يرد بكلامه ذات الباري تعالى فإنه لا يخرج ~~بذلك الكلام عن كونه متكلما بكلام العرب # وأما امتناع النسخ بالعقل فإنما كان من جهة أن الناسخ معرف لبيان مدة ~~الحكم المقصودة في نظر الشارع وذلك ما لا سبيل إلى الاطلاع عليه بمجرد ~~العقل بخلاف معرفة استحالة كون ذات الرب تعالى مخلوقة مقدورة # قولهم ما المانع أن يكون التمسك بدليل العقل مشروطا بعدم معارضة الكتاب ~~له # قلنا إذا وقع التعارض بينهما وأحدهما مقتض للإثبات والآخر للنفي فلا سبيل ~~إلى الجمع بين موجبيهما لما فيه من ms476 التناقض ولا إلى نفيهما لما فيه من وجود ~~واسطة بين النفي والإثبات فلم يبق إلا العمل بأحدهما والعمل بعموم اللفظ ~~مما يبطل دلالة صريح العقل بالكلية وهو محال والعمل بدليل العقل لا يبطل ~~عموم الكتاب بالكلية بل غايته إخراج بعض ما تناوله اللفظ من جهة اللغة عن ~~كونه مرادا للمتكلم وهو غير ممتنع فكان العمل بدليل العقل متعينا # قولهم إن الصبي والمجنون داخلان تحت الخطاب بأروش الجنايات وقيم المتلفات ~~ليس كذلك # فإنا إن نظرنا إلى تعلق الحق بمالهما فهو ثابت بخطاب الوضع والأخبار وهو ~~غير متعلق بالصبي والمجنون وإن نظرنا إلى وجوب الاداء الثابت بخطاب التكليف ~~فهو متعلق بفعل وليهما لا بفعلهما # وأما صحة صلاة الصبي واختلاف الناس في صحة إسلامه فلا يدل PageV02P341 ~~ذلك على كونه داخلا تحت خطاب التكليف بالصلاة والإسلام # أما صحة الصلاة فمعناها انعقادها سببا لثوابه وسقوط الخطاب عنه بها إذا ~~صلى في أول الوقت وبلغ في آخره لا بمعنى أنه امتثل أمر الشارع حتى يكون ~~داخلا تحت خطاب التكليف من الشارع بل إن كان ولا بد فهو داخل تحت خطاب ~~الولي لفهمه بخطابه دون خطاب الشرع # وعلى هذا يكون الجواب عن صحة إسلامه عند من يقول بذلك وبتقدير امتناع ~~تخصيص الصبي بدليل العقل مع تسليم جواز التخصيص به في الجملة كما تقدم ~~بيانه فغير مضر ولا قادح فإنه ليس المقصود تحقيق ذلك في آحاد الصور # وكما ان دليل العقل قد يكون مخصصا للعموم فكذلك دليل الحس وذلك كما في ~~قوله تعالى @QB@ تدمر كل شيء @QE@ 46 الأحقاف 25 ) مع خروج السموات والأرض ~~عن ذلك حسا وكذلك قوله تعالى @QB@ ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته ~~كالرميم @QE@ 51 الذاريات 42 ) وقد أتت على الأرض والجبال ولم تجعلها رميما ~~بدلالة الحس فكان الحس هو الدال على أن ما خرج عن عموم اللفظ لم يكن مرادا ~~للمتكلم فكان مخصصا # # | المسألة الثانية # اتفق العلماء على جواز تخصيص الكتاب بالكتاب خلافا لبعض الطوائف # ودليله المنقول والمعقول # وأما المنقول فهو أن قوله ms477 @QB@ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن @QE@ ~~65 الطلاق 4 ) ورد مخصصا لقوله تعالى @QB@ والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا @QE@ 2 البقرة 234 ) وقوله تعالى ~~@QB@ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ PageV02P342 5 المائدة ~~5 ) ورد مخصصا لقوله تعالى @QB@ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن @QE@ 2 ~~البقرة 221 ) والوقوع دليل الجواز # وأما المعقول فهو أنه إذا اجتمع نصان من الكتاب أحدهما عام والآخر خاص ~~وتعذر الجمع بين حكميهما فإما أن يعمل بالعام أو الخاص فإن عمل بالعام لزم ~~منه إبطال الدليل الخاص مطلقا ولو عمل بالخاص لا يلزم منه إبطال العام ~~مطلقا لإمكان العمل به فيما خرج عنه كما سبق فكان العمل بالخاص أولى ولأن ~~الخاص أقوى في دلالته وأغلب على الظن لبعده عن احتمال التخصيص بخلاف العام ~~فكان أولى بالعمل # وعند ذلك فإما أن يكون الدليل الخاص المعمول به ناسخا لحكم العام في ~~الصورة الخارجة عنه أو مخصصا له # والتخصيص أولى من النسخ لثلاثة أوجه الأول أن النسخ يستدعي ثبوت أصل ~~الحكم في الصورة الخاصة ورفعه بعد ثبوته والتخصيص ليس فيه سوى دلالته على ~~عدم إرادة المتكلم للصور المفروضة بلفظة العام فكان ما يتوقف عليه النسخ ~~أكثر مما يتوقف عليه التخصيص فكان التخصيص أولى # الثاني أن النسخ رفع بعد الإثبات والتخصيص منع من الإثبات والدفع أسهل من ~~الرفع # الثالث أن وقوع التخصيص في الشرع أغلب من النسخ فكان الحمل على التخصيص ~~أولى إدراجا له تحت الأغلب وسواء جهل التاريخ أو علم وسواء كان الخاص ~~متقدما أو متأخرا # فإن قيل لو كان الكتاب مبينا للكتاب لخرج النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~كونه مبينا للكتاب وهو خلاف قوله تعالى @QB@ لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ ~~16 النحل 44 ) وهو ممتنع # قلنا إضافة البيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه ما يمنع من كونه ~~مبينا للكتاب بالكتاب إذ الكل وارد على لسانه فذكره الآية المخصصة ~~PageV02P343 يكون بيانا منه ويجب حمل وصفه بكونه مبينا على أن البيان وارد ~~على ms478 لسانه كان الوارد على لسانه الكتاب أو السنة لما فيه من موافقة عموم ~~قوله تعالى @QB@ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء @QE@ 16 النحل 89 ) فإن ~~مقتضاه أن يكون الكتاب مبينا لكل ما هو من الكتاب لكونه شيئا غير أنا ~~خالفناه في البعض فيجب بالبعض الآخر تقليلا لمخالفة الدليل العام # فإن قيل ما ذكرتموه وإن صح فيما إذا كان الخاص متأخرا ولا يصح فيما إذا ~~جهل التاريخ وذلك لأنه يحتمل أن يكون الخاص مقدما فيكون العام بعده ناسخا ~~له ويحتمل أن يكون العام متقدما فيكون الخاص مخصصا له ولم يترجح أحدهما على ~~الآخر فوجب التعارض والتساقط والرجوع إلى دليل آخر كما ذهب إليه أبو حنيفة ~~والقاضي أبو بكر والإمام أبو المعالي # وإن سلمنا كون الخاص مخصصا مع الجهل بالتاريخ فلا يصح فيما إذا كان العام ~~متأخرا عن الخاص فإنه يتعين أن يكون ناسخا لمدلول الخاص لا أن يكون الخاص ~~مخصصا للعام على ما ذهب إليه أصحاب أبي حنيفة وبعض المعتزلة # وبيانه من أربعة أوجه الأول أنه إذا قال اقتلوا المشركين فهو جار مجرى ~~قوله اقتلوا زيدا المشرك وعمرا المشرك وخالدا وهلم جرا # فإذا الخاص كقوله اقتلوا زيدا المشرك إذا ورد العام بعده بنفي القتل عن ~~الجميع فهو ناص على زيد ولو قال اقتلوا زيدا لا تقتلوا زيدا كان نسخا # الثاني أن الخاص المتقدم يمكن نسخه والعام الوارد بعده مما يمكن أن يكون ~~ناسخا فكان ناسخا # الثالث هو أن الخاص المتقدم متردد بين كونه منسوخا ومخصصا لما بعده وذلك ~~مما يمنع من كونه مخصصا لأن البيان لا يكون ملتبسا PageV02P344 # الرابع قول ابن عباس كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث والعام المتأخر أحدث فوجب ~~الأخذ به # قلنا أما الجواب عن التعارض عند الجهل بالتاريخ فيما ذكرناه من الأدلة ~~السابقة على الترجيح # وأما الجواب عن حجج أصحاب أبي حنيفة أما عن الأول فيمتنع كون العام في ~~تناوله لما تحته من الأشخاص جار مجرى الألفاظ الخاصة إذ الألفاظ الخاصة بكل ~~واحد واحد غير قابلة للتخصيص بخلاف اللفظ ms479 العام # وعن الثاني أنه لا يلزم من إمكان نسخه للخاص الوقوع ولو لزم من الإمكان ~~الوقوع للزم أن يكون الخاص مخصصا للعام لإمكان كونه مخصصا له ويلزم من ذلك ~~أن يكون الخاص منسوخا ومخصصا لناسخه وهو محال # وعن الثالث أنهم إن أرادوا بتردد الخاص بين كونه منسوخا ومخصصا أن احتمال ~~التخصيص مساو لاحتمال النسخ فهو ممنوع لما تقدم # وإن أرادوا بذلك تطرق الاحتمالين إليه في الجملة فذلك لا يمنع من كونه ~~مخصصا # ولو منع ذلك من كونه مخصصا لمنع تطرق احتمال كون العام مخصصا بالخاص إليه ~~من كونه ناسخا # وعن الرابع أنه قول واحد من الصحابة فيجب حمله على ما إذا كان الأحدث هو ~~الخاص جمعا بين الأدلة # # | المسألة الثالثة # تخصيص السنة بالسنة جائز عند الأكثرين ودليله المعقول والمنقول # أما المعقول فما ذكرناه في تخصيص الكتاب بالكتاب وأما المنقول فهو أن ~~قوله صلى الله عليه وسلم لا زكاة فيما دون خمسة أوسق ورد مخصصا لعموم قوله ~~صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء العشر فإنه عام في النصاب وما دونه ~~PageV02P345 وقوله تعالى @QB@ لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ 16 النحل 44 ) ~~مما لا يمنع من كونه مبينا لما ورد على لسانه من السنة بسنة أخرى كما ~~ذكرناه في تخصيص الكتاب بالكتاب # # | المسألة الرابعة # يجوز تخصيص عموم السنة بخصوص القرآن ومنهم من منع من ذلك ودليله العقل ~~والنقل # أما النقل فقوله تعالى @QB@ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء @QE@ 16 ~~النحل 89 ) وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأشياء فكانت داخلة تحت ~~العموم إلا انه قد خص في البعض فيلزم العمل به في الباقي # وأما المعقول فما ذكرناه في تخصيص الكتاب بالكتاب # فإن قيل الآية معارضة بقوله تعالى @QB@ لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ 16 ~~النحل 44 ) ووجه الاحتجاج به أنه جعل النبي صلى الله عليه وسلم مبينا ~~للكتاب المنزل وذلك إنما يكون بسنته # فلو كان الكتاب مبينا للسنة لكان المبين بالسنة مبينا لها وهو ممتنع # وأيضا فإن المبين أصل والبيان تبع ms480 له ومقصود من أجله فلو كان القرآن ~~مبينا للسنة لكانت السنة أصلا والقرآن تبعا وهو محال # وجواب الآية أنه لا يلزم من وصف النبي صلى الله عليه وسلم بكونه مبينا ~~لما أنزل امتناع كونه مبينا للسنة بما يرد على لسانه من القرآن إذ السنة ~~أيضا منزلة على ما قال تعالى @QB@ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ~~@QE@ 53 النجم 3 ) غير أن الوحي منه ما يتلى فيسمى كتابا ومنه ما لا يتلى ~~فيسمى سنة وبيان أحد المنزلين بالآخر غير ممتنع # وما ذكروه من المعنى فغير صحيح فإن القرآن لا بد وأن يكون مبينا ~~PageV02P346 لشيء ضرورة قوله تعالى @QB@ تبيانا لكل شيء @QE@ 16 النحل 89 ) ~~وأي شيء قدر كون القرآن مبينا له فليس القرآن تبعا له ولا ذلك الشيء متبوعا # وأيضا فإن الدليل القطعي قد يبين به مراد الدليل الظني وليس منحطا عن ~~رتبة الظني # # | المسألة الخامسة # يجوز تخصيص عموم القرآن بالسنة # أما إذا كانت السنة متواترة فلم أعرف فيه خلافا ويدل على جواز ذلك ما مر ~~من الدليل العقلي # وأما إذا كانت السنة من أخبار الآحاد فمذهب الأئمة الأربعة جوازه # ومن الناس من منع ذلك مطلقا ومنهم من فصل وهؤلاء اختلفوا فذهب عيسى بن ~~أبان إلى أنه إن كان قد خص بدليل مقطوع به جاز تخصيصه بخبر الواحد وإلا فلا # وذهب الكرخي إلى أنه إن كان قد خص بدليل منفصل لا متصل جاز تخصيصه بخبر ~~الواحد وإلا فلا # وذهب القاضي أبو بكر إلى الوقف # والمختار مذهب الأئمة ودليله العقل والنقل # أما النقل فهو أن الصحابة خصوا قوله تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم ~~@QE@ 4 النساء 24 ) بما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~قوله لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها PageV02P347 وخصوا قوله تعالى ~~@QB@ يوصيكم الله في أولادكم @QE@ 4 النساء 11 ) الآية بقوله صلى الله عليه ~~وسلم لا يرث القاتل ولا يرث الكافر من المسلم ولا المسلم من الكافر وبما ~~رواه أبو بكر من قوله ms481 صلى الله عليه وسلم نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما ~~تركناه صدقة وخصوا قوله تعالى @QB@ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ~~ترك @QE@ 4 النساء 11 ) بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل للجدة ~~السدس وخصوا قوله تعالى @QB@ وأحل الله البيع @QE@ 2 البقرة 275 ) بما روي ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الدرهم بالدرهمين وخصوا قوله تعالى ~~@QB@ والسارق والسارقة @QE@ 5 المائدة 38 ) وأخرجوا منه ما دون النصاب ~~بقوله صلى الله عليه وسلم لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا وخصوا قوله تعالى ~~@QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ 9 التوبة 5 ) بإخراج المجوس منه بما روي عنه ~~عليه السلام أنه قال سنوا بهم سنة أهل الكتاب إلى غير ذلك من الصور ~~المتعددة ولم يوجد لما فعلوه نكير فكان ذلك إجماعا # والوقوع دليل الجواز وزيادة PageV02P348 # وأما المعقول فما ذكرناه فيما تقدم في تخصيص الكتاب بالكتاب # فإن قيل ما ذكرتموه من التخصيص في الصور المذكورة لا نسلم أن تخصيصها كان ~~بخبر الواحد ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم إذا روي عني حديث فاعرضوه ~~على كتاب الله فما وافقه فاقبلوه وما خالفه فردوه والخبر فيما نحن فيه ~~مخالف للكتاب فكان مردودا PageV02P349 # قولهم إن الصحابة أجمعوا على ذلك إن لم يصح فليس بحجة وإن صح فالتخصيص ~~بإجماعهم عليه لا بخبر الواحد # كيف وأنه لا إجماع على ذلك ويدل عليه ما روي عن عمر بن الخطاب أنه كذب ~~فاطمة بنت قيس فيما روته عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يجعل لها سكنى ~~ولا نفقة لما كان ذلك مخصصا لعموم قوله تعالى @QB@ أسكنوهن من حيث سكنتم من ~~وجدكم @QE@ 65 الطلاق 6 ) وقال كيف نترك كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة # وإن سلمنا الإجماع على أن التخصيص كان بخبر الواحد لكن ليس في ذلك ما يدل ~~على أن قول الواحد بمجرده مخصص بل ربما قامت الحجة عندهم على صدقه وصحة ~~قوله بقرائن وأدلة اقترنت بقوله فلا يكون مجرد إخباره حجة # وأما ms482 ما ذكرتموه من المعقول فنقول خبر الواحد وإن كان نصا في مدلوله نظرا ~~إلى متنه غير أن سنده مظنون محتمل للكذب بخلاف القرآن المتواتر فإنه قطعي ~~السند وقطعي في دلالته على كل واحد من الآحاد الداخلة فيه لما بيناه في ~~المسألة المتقدمة ولا يكون خبر الواحد واقعا في معارضته كما في النسخ # وإن سلمنا أن العموم ظني الدلالة بالنسبة إلى آحاده لكن متى إذا خص بدليل ~~مقطوع على ما قاله عيسى بن إبان أو بدليل منفصل على ما قاله الكرخي أو قبل ~~التخصيص الأول مسلم لكونه صار مجازا ظنيا والثاني ممنوع لبقائه على حقيقته ~~وعند ذلك فيمتنع التخصيص بخبر الواحد مطلقا لترجيح العام عليه قبل التخصيص ~~بكونه قاطعا في متنه وسنده # وإن سلمنا أن دلالة العام بالنظر إلى متنه ظنية مطلقا غير أنه قطعي السند ~~والخبر وإن كان قاطعا في متنه فظني في سنده فقد تقابلا وتعارضا ووجب التوقف ~~على دليل خارج لعدم أولوية أحدهما كما قال القاضي أبو بكر # والجواب قد بينا أن الصحابة أجمعوا على تخصيص العمومات بأخبار ~~PageV02P350 الآحاد حيث إنهم أضافوا التخصيص إليها من غير نكير فكان إجماعا # وما ذكروه من الخبر فإنما يمنع من تخصيص عموم القرآن بالخبر أن لو كان ~~الخبر المخصص مخالفا للقرآن وهو غير مسلم بل هو مبين للمراد منه فكان مقررا ~~لا مخالفا ويجب اعتقاد ذلك حتى لا يفضي إلى تخصيص ما ذكروه من الخبر بالخبر ~~المتواتر من السنة فإنه مخصص للقرآن من غير خلاف # قولهم إن صح إجماع الصحابة فالتخصيص بإجماعهم لا بالخبر ليس كذلك فإن ~~إجماعهم لم يكن على تخصيص تلك العمومات مطلقا بل على تخصيصها بأخبار الآحاد ~~ومهما كان التخصيص بأخبار الآحاد مجمعا عليه فهو المطلوب # وأما ما ذكروه من تكذيب عمر لفاطمة بنت قيس فلم يكن ذلك لأن خبر الواحد ~~في تخصيص العموم مردود عنده بل لتردده في صدقها ولهذا قال كيف نترك كتاب ~~ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت ولو كان خبر الواحد ms483 في ~~ذلك مردودا مطلقا لما احتاج إلى هذا التعليل # قولهم لم يكن إجماعهم على ذلك لمجرد خبر الواحد # قلنا ونحن لا نقول بأن مجرد خبر الواحد يكون مقبولا بل إنما يقبل إذا كان ~~مغلبا على الظن صدقه ومع ذلك فالأصل عدم اعتبار ما سواه في القول # قولهم إن سند الخبر ظني مسلم ولكن لا نسلم أن دلالة العموم على الآحاد ~~الداخلة فيه قطعية لاحتماله للتخصيص بالنسبة إلى أي واحد منها قدر وسواء ~~كان قد خص أو لم يكن على ما سبق بيانه PageV02P351 وأما النسخ فلا نسلم ~~امتناعه بخبر الواحد وبتقدير التسليم فلأن النسخ رفع للحكم بعد إثباته ~~بخلاف التخصيص لأنه بيان لا رفع فلا يلزم مع ذلك من امتناع النسخ به امتناع ~~التخصيص # وما ذكروه من السؤال الأخير في جهة التعارض فجوابه أن احتمال الضعف في ~~خبر الواحد من جهة كذبه وفي العام من جهة جواز تخصيصه ولا يخفى أن احتمال ~~الكذب في حق من ظهرت عدالته أبعد من احتمال التخصيص العام # ولهذا كانت أكثر العمومات مخصصة وليس أكثر أخبار العدول كاذبة فكان العمل ~~بالخبر أولى ولأنه لو عمل بعموم العام لزم إبطال العمل بالخبر مطلقا ولو ~~عمل بالخبر لم يلزم منه إبطال العمل بالعام مطلقا لإمكان العمل به فيما سوى ~~صورة التخصيص والجمع بين الدليلين ولو من وجه أولى من تعطيل أحدهما ولأن ~~العمل بالعام إبطال للخاص والعمل بالخاص بيان للعام لا إبطال له # ولا يخفى أن البيان أولى من الإبطال # # | المسألة السادسة # لا أعرف خلافا في تخصيص القرآن والسنة بالإجماع # ودليله المنقول والمعقول أما المنقول فهو أن إجماع الأمة خصص آية القذف ~~بتنصيف الجلد في حق العبد كالأمة # وأما المعقول فهو أن الإجماع دليل قاطع والعام غير قاطع في آحاد مسمياته ~~كما سبق تعريفه # فإذا رأينا أهل الإجماع قاضين بما يخالف العموم في بعض الصور علمنا أنهم ~~ما قضوا به إلا وقد اطلعوا على دليل مخصص له نفيا للخطإ عنهم # وعلى هذا فمعنى إطلاقنا أن الإجماع مخصص للنص ms484 أنه معرف للدليل المخصص لا ~~أنه في نفسه هو المخصص # وبالنظر إلى هذا المعنى أيضا نقول إنا إذا رأينا عمل الصحابة وأهل ~~الإجماع بما يخالف النص الخاص لا يكون ذلك إلا لاطلاعهم على PageV02P352 ~~ناسخ للنص فيكون الإجماع معرفا للناسخ لا أنه ناسخ # وإنما قلنا إن الإجماع نفسه لا يكون ناسخا لأن النسخ لا يكون بغير خطاب ~~الشارع والإجماع ليس خطابا للشرع وإن كان دليلا على الخطاب الناسخ # # | المسألة السابعة # لا نعرف خلافا بين القائلين بالعموم # والمفهوم أنه يجوز تخصيص العموم بالمفهوم وسواء كان من قبيل مفهوم ~~الموافقة أو من قبيل مفهوم المخالفة حتى إنه لو قال السيد لعبده كل من دخل ~~داري فاضربه ثم قال إن دخل زيد داري فلا تقل له أف فإن ذلك يدل على تحريم ~~ضرب زيد وإخراجه عن العموم نظرا إلى مفهوم الموافقة وما سيق له الكلام من ~~كف الأذى عن زيد وسواء قيل إن تحريم الضرب مستفاد من دلالة اللفظ أو من ~~القياس الجلي على اختلاف المذاهب في ذلك كما يأتي # وكذا لو ورد نص عام يدل على وجوب الزكاة في الأنعام كلها ثم ورد قوله صلى ~~الله عليه وسلم في الغنم السائمة زكاة فإنه يكون مخصصا للعموم بإخراج ~~معلوفة الغنم عن وجوب الزكاة بمفهومه # وإنما كان كذلك لأن كل واحد من المفهومين دليل شرعي وهو خاص في مورده ~~فوجب أن يكون مخصصا للعموم لترجح دلالة الخاص على دلالة العام كما سبق ~~تقريره # فإن قيل المفهوم وإن كان خاصا وأقوى في الدلالة من العموم إلا أن العام ~~منطوق به والمنطوق أقوى في دلالته من المفهوم لافتقار المفهوم في دلالته ~~إلى المنطوق وعدم افتقار المنطوق في دلالته إلى المفهوم # قلنا إلا أن العمل بالمفهوم لا يلزم منه إبطال العمل بالعموم مطلقا ولا ~~كذلك بالعكس # ولا يخفى أن الجمع بين الدليلين ولو من وجه أولى من العمل بظاهر أحدهما ~~وإبطال أصل الآخر PageV02P353 # # | المسألة الثامنة # في تخصيص العموم بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم # وقد اختلف القائلون بكون ms485 فعل الرسول حجة على غيره هل يجوز تخصيصه للعموم ~~أم لا فأثبته الأكثرون كالشافعية والحنفية والحنابلة ونفاه الأقلون كالكرخي # وتحقيق الحق من ذلك يتوقف على التفصيل وهو أن نقول العام الوارد إما أن ~~يكون عاما للأمة والرسول كما لو قال صلى الله عليه وسلم الوصال أو استقبال ~~القبلة في قضاء الحاجة أو كشف الفخذ حرام على كل مسلم # وإما أن يكون عاما للأمة دون الرسول كما لو قال صلى الله عليه وسلم ~~نهيتكم عن الوصال أو استقبال القبلة في قضاء الحاجة أو كشف الفخذ فإن كان ~~الأول فإذا رأيناه قد واصل أو استقبل القبلة في قضاء الحاجة أو كشف فخذه ~~فلا خلاف في أن فعله يدل على إباحة ذلك الفعل في حقه ويكون مخرجا له عن ~~العموم ومخصصا # وأما بالنسبة إلى غيره فإما أن نقول بأن اتباعه في فعله والتأسي به واجب ~~على كل من سواه أو لا نقول ذلك # فإن قيل بالأول فيلزم منه رفع حكم العموم مطلقا في حقه بفعله وفي حق غيره ~~بوجوب التأسي به فلا يكون ذلك تخصيصا بل نسخا لحكم العموم مطلقا بالنسبة ~~إليه وإلى غيره # وإن قيل بالثاني كان ذلك تخصيصا له عن العموم دون أمته # وأما إن كان عاما للأمة دون الرسول ففعله لا يكون مخصصا لنفسه عن ~~PageV02P354 العموم لعدم دخوله فيه # وأما بالنسبة إلى الأمة فإن قيل أيضا بوجوب اتباع الأمة له في فعله كان ~~ذلك أيضا نسخا عنهم لا تخصيصا كما سبق # وإن لم يكن ذلك واجبا عليهم فلا يكون فعله مخصصا للعموم أصلا لا بالنسبة ~~إليه لعدم دخوله في العموم ولا بالنسبة إلى الأمة # وعلى هذا التفصيل فلا أرى للخلاف على هذا التخصيص بفعل النبي وجها أما ~~إذا كان هو المخصص عن العموم وحده فلعدم الخلاف فيه وأما في باقي الأقسام ~~فلعدم تحقق التخصيص # بل إن وقع الخلاف في باقي الأقسام هل فعله يكون ناسخا لحكم العموم فيها ~~فخارج عن الخوض في باب التخصيص والأظهر في ذلك إنما هو الوقف ms486 من جهة أن ~~دليل وجوب التأسي واتباع النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو بدليل عام للأمة ~~وهو مساو للعموم الآخر في عمومه وليس العمل بأحدهما وإبطال الآخر أولى من ~~العكس # فإن قيل بل العمل بالفعل أولى لأنه خاص والخاص مقدم على PageV02P355 ~~العام قلنا الفعل لم يكن دليلا على لزوم الحكم في حق باقي الأمة بنفسه بل ~~لأدلة عامة موجبة على الأمة لزوم الاتباع # فإن قيل إلا أن الفعل الخاص مع العمومات الموجبة للتأسي أخص من اللفظ ~~العام مطلقا ولأنه متأخر عن العام والمتأخر أولى بالعمل # قلنا أما الفعل فلا نسلم أن له دلالة على وجوب تأسي الأمة بالنبي بوجه من ~~الوجوه بل الموجب شيء آخر وهو مساو للعام الآخر في عمومه وسواء كان الفعل ~~خاصا أو عاما # وذلك الموجب للتأسي غير متأخر عن العام بل محتمل للتقدم والتأخر من غير ~~ترجيح حتى إنه لو علم التاريخ وجب العمل بالمتأخر منهما # كيف وإن القول بوجوب التأسي متوقف على وجود الفعل وعلى الدليل الدال على ~~التأسي ولا كذلك العام الآخر وما يتوقف العمل به على أمرين يكون أبعد مما ~~لا يتوقف العمل به إلا على شيء واحد # # | المسألة التاسعة # تقرير النبي صلى الله عليه وسلم لما يفعله الواحد من أمته بين يديه ~~مخالفا للعموم وعدم إنكاره عليه مع علمه به وعدم الغفلة والذهول عنه مخصص ~~لذلك العام عند الأكثرين خلافا لطائفة شاذة # ودليل ذلك أن تقريره له عليه دليل على جواز ذلك الفعل له وإلا كان فعله ~~منكرا ولو كان كذلك لاستحال من النبي صلى الله عليه وسلم السكوت عنه وعدم ~~النكير عليه # وإذا كان التقرير دليل الجواز وإن أمكن نسخ ذلك الحكم مطلقا أو نسخه عن ~~ذلك الواحد بعينه لكنه بعيد واحتمال تخصيصه من العموم أولى وأقرب لما ~~قررناه فيما تقدم # وعند ذلك فإن أمكن تعقل معنى أوجب جواز مخالفة ذلك الواحد للعموم فكل من ~~كان مشاركا له في ذلك المعنى فهو مشارك له في تخصيصه عن ذلك العام بالقياس ms487 ~~عليه PageV02P356 عند من يرى جواز تخصيص العام بالقياس على محل التخصيص # وأما إن لم يظهر المعنى الجامع فلا # فإن قيل التقرير لا صيغة له فلا يقع في مقابلة ما له صيغة فلا يكون مخصصا ~~للعموم وبتقدير أن يكون مخصصا فلا بد وأن يكون غير ذلك الواحد مشاركا له في ~~حكمه وإلا فلو لم يكن غير ذلك الواحد مشاركا له في حكمه لصرح النبي صلى ~~الله عليه وسلم بتخصيصه بذلك الحكم دون غيره دفعا لمحذور التلبيس على الأمة ~~باعتقادهم المشاركة لذلك الواحد في حكمه لقوله صلى الله عليه وسلم حكمي على ~~الواحد حكمي على الجماعة # قلنا وإن كان التقرير لا صيغة له غير أنه حجة قاطعة في جواز الفعل نفيا ~~للخطإ عن النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف العام فإنه ظني محتمل للتخصيص ~~فكان موجبا لتخصيصه # وما ذكروه من وجوب المشاركة فبعيد # وذلك لأن حكم ذلك الواحد لا يخلو إما أن يكون له أو عليه # فإن كان له فقوله حكمي على الواحد حكمي على الجماعة لا يكون مرتبطا به ~~وإن كان عليه فقوله حكمي على الواحد حكمي على الجماعة إنما يكون حجة موهمة ~~لمشاركة الجماعة لذلك الواحد إن لو كان قوله ( حكمي ) عاما في كل حكم وهو ~~غير مسلم # وإذا لم يكن ذلك حجة عامة فلا تدليس ولا تلبيس # وبتقدير مشاركة الأمة لذلك الواحد في ذلك الحكم يكون نسخا ولا يكون ~~تخصيصا كما ظن بعضهم # # | المسألة العاشرة # مذهب الشافعي في القول الجديد ومذهب أكثر الفقهاء والأصوليين أن مذهب ~~الصحابي إذا كان على خلاف ظاهر العموم وسواء كان هو الراوي أو لم يكن لا ~~يكون مخصصا للعموم خلافا لأصحاب أبي حنيفة PageV02P357 والحنابلة وعيسى بن ~~أبان وجماعة من الفقهاء # ودليله أن ظاهر العموم حجة شرعية يجب العمل بها باتفاق القائلين بالعموم # ومذهب الصحابي ليس بحجة على ما سنبينه فلا يجوز ترك العموم به # فإن قيل إذا خالف مذهب الصحابي العموم فلا يخلو إما أن يكون ذلك لدليل أو ~~لا لدليل لا جائز أن ms488 يكون لا لدليل وإلا وجب تفسيقه والحكم بخروجه عن ~~العدالة وهو خلاف الإجماع # وإن كان ذلك لدليل وجب تخصيص العموم به جمعا بين الدليلين إذ هو أولى من ~~تعطيل أحدهما كما علم غير مرة # قلنا مخالفة الصحابي للعموم إنما كانت لدليل عن له في نطره وسواء كان في ~~نفس الأمر مخطئا فيه أو مصيبا # فلذلك لم نقض بتفسيقه لكونه مأخوذا باتباع اجتهاده وما أوجبه ظنه ومع ذلك ~~فلا يكون ما عن له في نظره حجة متبعة بالنسبة إلى غيره بدليل جواز مخالفة ~~صحابي آخر له من غير تفسيق ولا تبديع # وإذا لم يكن ما صار إليه حجة واجبة الاتباع بالنسبة إلى الغير فلا يكون ~~مخصصا لظاهر العموم المتفق على صحة الاحتجاج به مطلقا # # | المسألة الحادية عشرة # إذا كان من عادة المخاطبين تناول طعام خاص فورد خطاب عام بتحريم الطعام ~~كقوله حرمت عليكم الطعام فقد اتفق الجمهور من العلماء على إجراء اللفظ على ~~عمومه في تحريم كل طعام على وجه يدخل فيه المعتاد وغيره وأن العادة لا تكون ~~منزلة للعموم على تحريم المعتاد دون غيره خلافا لأبي حنيفة وذلك لأن الحجة ~~إنما هي في اللفظ الوارد وهو مستغرق لكل مطعوم بلفظه ولا ارتباط له ~~بالعوائد وهو حاكم على العوائد فلا تكون العوائد حاكمة عليه PageV02P358 ~~فإن قيل إذا منعتم من تجويز تخصيص العموم بالعادة وتنزيل لفظ الطعام على ما ~~هو المعتاد المتعارف عند المخاطبين فما الفرق بينه وبين تخصيص اللفظ ببعض ~~مسمياته في اللغة بالعادة وذلك كتخصيص اسم الدابة بذوات الأربع وإن كان لفظ ~~الدابة عاما في كل ما يدب وكتخصيص اسم الثمن في البيع بالنقد الغالب في ~~البلد حتى إنه لا يفهم من إطلاق لفظ الدابة والثمن غير ذوات الأربع والنقد ~~الغالب في البلد # قلنا الفرق بين الأمرين أن العادة في محل النزاع إنما هي مطردة في اعتياد ~~أكل ذلك الطعام المخصوص لا في تخصيص اسم الطعام بذلك الطعام الخاص فلا يكون ~~ذلك قاضيا على ما اقتضاه عموم لفظ الطعام مع ms489 بقائه على الوضع الأصلي وهذا ~~بخلاف لفظ الدابة فإنه صار بعرف الاستعمال ظاهرا في ذوات الأربع وضعا حتى ~~إنه لا يفهم من إطلاق لفظ الدابة غير ذوات الأربع فكان قاضيا على الاستعمال ~~الأصلي حتى إنه لو كانت العادة في الطعام المعتاد أكله قد خصصت بعرف ~~الاستعمال اسم الطعام بذلك الطعام لكان لفظ الطعام منزلا عليه دون غيره ~~ضرورة تنزيل مخاطبة الشارع للعرب على ما هو المفهوم لهم من لغتهم وفيه دقة ~~مع وضوحه # # | المسألة الثانية عشرة # اتفق الجمهور على أنه إذا ورد لفظ عام ولفظ خاص يدل على بعض ما يدل عليه ~~العام لا يكون الخاص مخصصا للعام بجنس مدلول الخاص ومخرجا عنه ما سواه ~~خلافا لأبي ثور من أصحاب الشافعي # وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم أيما إهاب دبغ فقد طهر فإنه عام في كل ~~إهاب وقوله صلى الله عليه وسلم في شاة ميمونة دباغها طهورها وإنما لم يكن ~~مخصصا له لأنه لا تنافي بين العمل بالخاص وإجراء العام على عمومه ومع إمكان ~~إجراء كل واحد على ظاهره لا حاجة إلى العمل بأحدهما ومخالفة الآخر # فإن قيل فقد اخترتم أن المفهوم يكون مخصصا للعموم عند القائل به وتخصيص ~~جلد الشاة بالذكر يدل بمفهومه على نفي الحكم عما سوى الشاة PageV02P359 من ~~جلود باقي الحيوانات فكان مخصصا للعموم الوارد بتطهيرها # قلنا أما من نفى كون المفهوم حجة وأبطل دلالته كما يأتي تحقيقه فلا أثر ~~لإلزامه به هاهنا # ومن قال بالمفهوم المخصص للعموم إنما قال به في مفهوم الموافقة ومفهوم ~~الصفة المشتقة كما سبق في المسألة المتقدمة لا في مفهوم اللقب وتخصيص جلد ~~الشاة بالذكر لا يدل على نفي الطهارة بالدباغ عن باقي جلود الحيوانات ~~كالإبل والبقرة وغيرها إلا بطريق مفهوم اللقب وليس بحجة على ما يأتي تحقيقه # ولهذا فإنه لو قال عيسى رسول الله فإنه لا يدل على أن محمدا ليس برسول ~~الله # وكذلك إذا قال الحادث موجود لا يدل على أن القديم ليس بموجود وإلا كان ~~ذلك كفرا # # | المسألة الثالثة ms490 عشرة # اللفظ العام إذا عقب بما فيه ضمير عائد إلى بعض العام المتقدم لا إلى كله # هل يكون خصوص المتأخر مخصصا للعام المتقدم بما الضمير عائد اليه أو لا ~~اختلفوا فيه فذهب بعض أصحابنا وبعض المعتزلة كالقاضي عبد الجبار وغيره إلى ~~امتناع التخصيص بذلك ومنهم من جوزه ومنهم من توقف كإمام الحرمين وأبي ~~الحسين البصري # وذلك كما في قوله تعالى @QB@ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء @QE@ 2 ~~البقرة 228 ) فإنه عام في كل الحرائر المطلقات بوائن كن أو رجعيات # ثم قال @QB@ وبعولتهن أحق بردهن @QE@ 2 البقرة 228 ) فإن الضمير فيه إنما ~~يرجع إلى الرجعيات دون البوائن وعلى هذا النحو # والمختار بقاء اللفظ الأول على عمومه وامتناع تخصيصه بما تعقبه ~~PageV02P360 # وذلك لأن مقتضى اللفظ إجراؤه على ظاهره من العموم ومقتضى اللفظ الثاني ~~عود الضمير إلى جميع ما دل عليه اللفظ المتقدم إذ لا أولوية لاختصاص بعض ~~المذكور السابق به دون البعض فاذا قام الدليل على تخصيص الضمير ببعض ~~المذكور السابق وخولف ظاهره لم يلزم منه مخالفة الظاهر الأخير بل يجب ~~إجراؤه على ظاهره إلى أن يقوم الدليل على تخصيصه # فإن قيل إنما يلزم مخالفة ظاهر ما اقتضاه الضمير من العود إلى كل المذكور ~~السابق إذا أجرينا اللفظ السابق على عمومه وليس القول بإجرائه على عمومه ~~ومخالفة ظاهر الضمير أولى من إجراء ظاهر الضمير على مقتضاه وتخصيص المذكور ~~السابق وإذا لم يترجح أحدهما وجب الوقف # قلنا بل إجراء اللفظ المتقدم على عمومه وتخصيص المتأخر أولى من العكس لأن ~~دلالة الأول ظاهرة ودلالة الثاني غير ظاهرة ولا يخفى أن دلالة المظهر أقوى ~~من دلالة المضمر فكان راجحا # # | المسألة الرابعة عشرة # القائلون بكون العموم والقياس حجة اختلفوا في جواز تخصيص العموم بالقياس ~~فذهب الأئمة الأربعة والأشعري وجماعة من المعتزلة كأبي هاشم وأبي الحسين ~~البصري إلى جوازه مطلقا وذهب الجبائي وجماعة من المعتزلة إلى تقديم العام ~~على القياس وذهب ابن سريج وغيره من أصحاب الشافعي إلى جواز التخصيص بجلي ~~القياس دون خفيه وذهب عيسى بن أبان ms491 والكرخي إلى جواز التخصيص بالقياس للعام ~~المخصص دون غيره غير أن الكرخي اشترط أن يكون العام مخصصا بدليل منفصل ~~وأطلق عيسى بن أبان PageV02P361 ومنهم من جوز التخصيص بالقياس إذا كان أصل ~~القياس من الصور التي خصت عن العموم دون غيره وذهب القاضي أبو بكر وإمام ~~الحرمين إلى الوقف # والمختار أنه إذا كانت العلة الجامعة في القياس ثابتة بالتأثير أي بنص أو ~~إجماع جاز تخصيص العموم به وإلا فلا # أما إذا كانت العلة مؤثرة فلأنها نازلة منزلة النص الخاص فكانت مخصصة ~~للعموم كتخصيصه بالنص كما سبق تعريفه وأما إذا كانت العلة مستنبطة غير ~~مؤثرة فإنما قلنا بامتناع التخصيص بها للإجمال والتفصيل أما الإجمال فهو أن ~~العام في محل التخصيص إما أن يكون راجحا على القياس المخالف له أو مرجوحا ~~أو مساويا فإن كان راجحا امتنع تخصيصه بالمرجوح وإن كان مساويا فليس العمل ~~بأحدهما أولى من الآخر # وإنما يمكن التخصيص بتقدير أن يكون القياس في محل المعارضة راجحا # ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه # وأما التفصيل فهو أن العموم ظاهر في كل صورة من آحاد الصور الداخلة تحته ~~وجهة ضعفه غير خارجة عن احتمال تخصيصه أو كذب الراوي إن كان العام من أخبار ~~الآحاد # وأما احتمالات ضعف القياس فكثيرة جدا وذلك لأنه وإن كان متناولا لمحل ~~المعارضة بخصوصه إلا أنه يحتمل أن يكون دليل حكم الأصل من أخبار الآحاد ~~التي يتطرق إليها الكذب PageV02P362 # وبتقدير أن يكون طريق إثباته قطعيا فيحتمل أن يكون المستنبط القياس ليس ~~أهلا له # وبتقدير أن يكون أهلا فيحتمل أن لا يكون الحكم في نفس الأمر معللا بعلة ~~ظاهرة # وبتقدير أن يكون معللا بعلة ظاهرة فلعلها غير ما ظنه القائس علة ولم يظهر ~~عليها أو أنه أخطأ في طريق إثبات العلة فأثبتها بما لا يصلح للإثبات ~~وبتقدير أن تكون العلة ما ظنه فلعله ظن وجودها في الفرع ولا وجود لها فيه # وبتقدير أن تكون موجودة فيه يحتمل أن يكون قد وجد في ms492 الفرع مانع السبب أو ~~مانع الحكم أو فات شرط السبب فيه أو شرط الحكم فكان العموم لذلك راجحا # كيف وأن العموم من جنس النصوص والنص غير مفتقر في العمل به في جنسه إلى ~~القياس والقياس متوقف في العمل به على النص لأنه إن ثبت كونه حجة بالنص ~~فظاهر وإن كان بالإجماع فالإجماع متوقف على النص فكان القياس متوقفا على ~~النص فكان جنس النص لذلك راجحا # ولذلك وقع القياس مؤخرا في حديث معاذ في العمل به عن العمل بالكتاب ~~والسنة حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن قاضيا بم ~~تحكم قال بكتاب الله قال فإن لم تجد قال بسنة رسول الله قال فإن لم تجد قال ~~أجتهد رأيي فقال صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما ~~يحبه الله ورسوله ومقتضى ذلك أن لا تتقدم السنة على الكتاب # غير أنا خالفناه في تقديم خاص السنة على عام الكتاب فوجب العمل به فيما ~~عداه # وهذه الاحتمالات كلها إن لم توجب الترجيح فلا أقل من المساواة # وعلى كلا التقديرين فيمتنع تخصيص العام بالقياس # فإن قيل القول بالوقف خلاف الإجماع قبل وجود الواقفية إذ الأمة مجمعة على ~~تقديم أحدهما وإن اختلفوا في التعيين ولأن القول بالوقف مما PageV02P363 ~~يفضي إلى تعطيل الدليلين عن العمل بهما والمحذور فيه فوق المحذور في العمل ~~بأحدهما فالعمل بالقياس أولى لأنا لو عملنا بالعموم لزم منه إبطال العمل ~~بالقياس مطلقا # ولو عملنا بالقياس لم يلزم منه إبطال العموم مطلقا لإمكان العمل به فيما ~~عدا صورة التخصيص # ولا يخفى أن الجمع بين الدليلين ولو من وجه أولى من العمل بأحدهما وتعطيل ~~الآخر # قلنا نحن لا نقول بالوقف لما بيناه من ترجيح العمل بالعموم على العمل ~~بالقياس # وبتقدير القول بالوقف لا نسلم إجماع الأمة على إبطاله بل غايته أن كل ~~واحد رأى ترجيحا فيما ذهب اليه وذلك لا يدل على إجماعهم على إبطال الوقف ~~إلا أن يوجد منهم التصريح بذلك وهو غير مسلم ms493 # ولهذا فإن كل واحد من المجتهدين لا يقطع بإبطال مذهب مخالفه مع مصيره إلى ~~نفي ما أثبته أو إثبات ما نفاه فلأن لا يكون قاطعا بإبطاله عند توقفه في ~~نفي ما أثبته أو إثبات ما نفاه أولى # قولهم إن العمل بالقياس غير مبطل للعمل بالعموم قلنا في محل المعارضة أو ~~في غيرها الأول ممنوع والثاني مسلم # والنزاع إنما وقع في الترجيح في محل المعارضة دون غيره # وبالجملة فلا يمتنع على المجتهد في هذه المسألة الحكم بالوقف أو الترجيح ~~على حسب ما يظهر في نظره في آحاد الوقائع من القرائن والترجيحات الموجبة ~~للتفاوت أو التساوي من غير تخطئة إذ الأدلة فيها نفيا وإثباتا ظنية غير ~~قطعية فكانت ملحقة بالمسائل الاجتهادية دون القطعية خلافا للقاضي أبي بكر # ويجب أن نختم الكلام في أدلة التخصيص بالفرق بين التخصيص والاستثناء # أما على رأي من يزعم أن الاستثناء والمستثنى منه كالكلمة الواحدة كما سبق ~~فلا خفاء بأن الاستثناء لا يكون تخصيصا بل هو مباين له # وأما من يرى أن الاستثناء تخصيص فهو نوع من التخصيص عنده PageV02P364 فكل ~~استثناء تخصيص وليس كل تخصيص استثناء وذلك لأن الاستثناء لا بد وأن يكون ~~متصلا بالمستثنى منه على ما تقدم تقريره وأنه لا يثبت بقرائن الأحوال بخلاف ~~غيره من أنواع التخصيص # وعلى هذا يكون الحكم في التخصيص بذكر الشرط والغاية أيضا | 3 PageV02P365 # | الصنف السادس في المطلق والمقيد # أما المطلق فعبارة عن النكرة في سياق الإثبات # فقولنا ( نكرة ) احتراز عن أسماء المعارف وما مدلوله واحد معين أو عام ~~مستغرق # وقولنا ( في سياق الإثبات ) احتراز عن النكرة في سياق النفي فإنها تعم ~~جميع ما هو من جنسها وتخرج بذلك عن التنكير لدلالة اللفظ على الاستغراق ~~وذلك كقولك في معرض الأمر اعتق رقبة أو مصدر الأمر كقوله @QB@ فتحرير رقبة ~~@QE@ 4 النساء 92 ) أو الإخبار عن المستقبل كقوله سأعتق رقبة ولا يتصور ~~الإطلاق في معرض الخبر المتعلق بالماضي كقوله رأيت رجلا ضرورة تعينه من ~~إسناد الرؤية إليه # وإن شئت قلت هو اللفظ الدال ms494 على مدلول شائع في جنسه # فقولنا ( لفظ ) كالجنس للمطلق وغيره وقولنا ( دال ) احتراز عن الألفاظ ~~المهملة PageV03P005 وقولنا ( على مدلول ) ليعم الوجود والعدم وقولنا ( ~~شائع في جنسه ) احتراز عن أسماء الأعلام وما مدلوله معين أو مستغرق # وأما المقيد فإنه يطلق باعتبارين الأول ما كان من الألفاظ الدالة على ~~مدلول معين كزيد وعمرو وهذا الرجل ونحوه الثاني ما كان من الألفاظ دالا على ~~وصف مدلوله المطلق بصفة زائدة عليه كقولك دينار مصري ودرهم مكي وهذا النوع ~~من المقيد وإن كان مطلقا في جنسه من حيث هو دينار مصري ودرهم مكي غير أنه ~~مقيد بالنسبة إلى مطلق الدينار والدرهم فهو مطلق من وجه ومقيد من وجه # وإذا عرف معنى المطلق والمقيد فكل ما ذكرناه في مخصصات العموم من المتفق ~~عليه والمختلف فيه والمزيف والمختار فهو بعينه جار في تقييد المطلق فعليك ~~باعتباره ونقله إلى ها هنا # ونزيد مسألة أخرى وهي أنه إذا ورد مطلق ومقيد فلا يخلو إما أن يختلف ~~حكمهما أو لا يختلف فإن اختلف حكمهما فلا خلاف في امتناع حمل أحدهما على ~~الآخر وسواء كانا مأمورين أو منهيين أو أحدهما مأمورا والآخر منهيا وسواء ~~اتحد سببهما أو اختلف لعدم المنافاة في الجمع بينهما إلا في صورة واحدة وهي ~~ما إذا قال مثلا في كفارة الظهار أعتقوا رقبة ثم قال لا تعتقوا رقبة كافرة ~~فإنه لا خلاف في مثل هذه الصورة أن المقيد يوجب تقييد الرقبة المطلقة ~~بالرقبة المسلمة # وعليك باعتبار أمثلة هذه الأقسام فإنها سهلة # وأما إن لم يختلف حكمهما فلا يخلو إما أن يتحد سببهما أو لا PageV03P006 ~~يتحد فإن اتحد سببهما فإما أن يكون اللفظ دالا على إثباتهما أو نفيهما فإن ~~كان الأول كما لو قال في الظهار اعتقوا رقبة ثم قال اعتقوا رقبة مسلمة فلا ~~نعرف خلافا في حمل المطلق على المقيد ها هنا وإنما كان كذلك لأن من عمل ~~بالمقيد فقد وفى بالعمل بدلالة المطلق ومن عمل بالمطلق لم يف بالعمل بدلالة ~~المقيد فكان الجمع هو الواجب والأولى ms495 # فإن قيل بطريقه الشبهة إذا كان حكم المطلق إمكان الخروج عن عهدته بما شاء ~~المكلف من ذلك الجنس فالعمل بالمقيد مما ينافي مقتضى المطلق وليس مخالفة ~~المطلق وإجراء المقيد على ظاهره أولى من تأويل المقيد بحمله على الندب ~~وإجراء المطلق على إطلاقه # قلنا بل التقييد أولى من التأويل لثلاثة أوجه الأول أنه يلزم منه الخروج ~~عن العهدة بيقين ولا كذلك في التأويل # الثاني أن المطلق إذا حمل على المقيد فالعمل به فيه لا يخرج عن كونه ~~موفيا للعمل باللفظ المطلق في حقيقته ولهذا لو أداه قبل ورود التقييد كان ~~قد عمل باللفظ في حقيقته ولا كذلك في تأويل المقيد وصرفه عن جهة حقيقته إلى ~~مجازه # الثالث أن الخروج عن العهدة بفعل أي واحد كان من الآحاد الداخلة تحت ~~اللفظ المطلق لم يكن اللفظ دالا عليه بوضعه لغة بخلاف ما دل عليه المقيد من ~~صفة التقييد # ولا يخفى أن المحذور في صرف اللفظ عما دل عليه اللفظ لغة أعظم من صرفه ~~عما لم يدل عليه بلفظه لغة # وأما إن كان دالا على نفيهما أو نهى عنهما كما لو قال مثلا في كفارة ~~الظهار لا تعتق مكاتبا كافرا فهذا أيضا مما لا خلاف في العمل بمدلولهما # والجمع بينهما في النفي إذ لا تعذر فيه # وأما إن كان سببهما مختلفا كقوله تعالى في كفارة الظهار @QB@ والذين ~~يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة @QE@ 4 النساء 92 ) ~~وقوله تعالى في PageV03P007 القتل الخطأ @QB@ أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن ~~قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ فهذا مما اختلف فيه فنقل عن الشافعي ~~رضي الله عنه تنزيل المطلق على المقيد في هذه الصورة لكن اختلف الأصحاب في ~~تأويله فمنهم من حمله على التقييد مطلقا من غير حاجة إلى دليل آخر ومنهم من ~~حمله على ما إذا وجد بينهما علة جامعة مقتضية للإلحاق وهو الأظهر من مذهبه # وأما أصحاب أبي حنيفة فإنهم منعوا من ذلك مطلقا # ولنذكر حجة كل فريق ثم نذكر بعد ذلك ما ms496 هو المختار أما حجة من قال ~~بالتقييد من غير دليل فهي أن كلام الله تعالى متحد في ذاته لا تعدد فيه ~~فإذا نص على اشتراط الإيمان في كفارة القتل كان ذلك تنصيصا على اشتراطه في ~~كفارة الظهار ولهذا حمل قوله تعالى @QB@ والذاكرات @QE@ 33 الأحزاب 35 ) ~~على قوله في أول الآية @QB@ والذاكرين الله كثيرا @QE@ 33 الأحزاب 35 ) من ~~غير دليل خارج # وهذا مما لا اتجاه له فإن كلام الله تعالى إما أن يراد به المعنى القائم ~~بالنفس أو العبارات الدالة عليه # والأول وإن كان واحدا لا تعدد فيه غير أن تعلقه بالمتعلقات مختلف باختلاف ~~المتعلق ولا يلزم من تعلقه بأحد المختلفين بالإطلاق والتقييد أو العموم ~~والخصوص أو غير ذلك أن يكون متعلقا بالآخر وإلا كان أمره ونهيه ببعض ~~المختلفات أمرا ونهيا بباقي المختلفات وهو محال متناقض بل وكان يلزم من ~~تعلقه بالصوم المقيد في الحج بالتفريق حيث قال تعالى @QB@ فصيام ثلاثة أيام ~~في الحج وسبعة إذا رجعتم @QE@ 2 البقرة 196 ) وبالتتابع في الظهار حيث قال ~~@QB@ فصيام شهرين متتابعين @QE@ 4 النساء 92 ) أن يتقيد الصوم المطلق في ~~اليمين إما بالتتابع أو PageV03P008 التفريق وهو محال أو بأحدهما دون الآخر ~~ولا أولوية # كيف وإنه يلزم من تقييده بأحدهما دون الآخر إبطال ما ذكروه من أن التنصيص ~~على أحد المختلفين يكون تنصيصا على الآخر # وإن أريد به العبارة الدالة فهي متعددة غير متحدة ولا يلزم من دلالة ~~بعضها على بعض الأشياء المختلفة دلالته على غيره وإلا لزم من ذلك المحال ~~الذي قدمنا لزومه في الكلام النفساني # وأما ما ذكروه من حمل الذاكرات على الذاكرين الله كثيرا فلا نسلم أن ذلك ~~من غير دليل # ودليله أن قوله تعالى @QB@ والذاكرات @QE@ 33 الأحزاب 35 ) معطوف على ~~قوله @QB@ والذاكرين الله كثيرا @QE@ 33 الأحزاب 35 ) ولا استقلال له بنفسه ~~فوجب رده إلى ما هو معطوف عليه ومشارك له في حكمه # وأما حجة أصحاب أبي حنيفة فإنهم قالوا إذا امتنع التقييد من غير دليل لما ~~سبق فلا بد من دليل ولا ms497 نص من كتاب أو سنة يدل على ذلك والقياس يلزم منه ~~رفع ما اقتضاه المطلق من الخروج عن العهدة بأي شيء كان مما هو داخل تحت ~~اللفظ المطلق كما سبق تقريره فيكون نسخا ونسخ النص لا يكون بالقياس # ولقائل أن يقول لا نسلم أنه يلزم من القياس نسخ النص المطلق بل تقييده ~~ببعض مسمياته وذلك لا يدل على تخصيص العام بالقياس عندكم فكذلك التقييد # كيف وإن لفظ ( الرقبة ) مطلق بالنسبة إلى السليمة والمعيبة وقد كان مقتضى ~~ذلك أيضا الخروج عن العهدة بالمعيبة وقد شرطتم صفة السلامة ولم يدل عليه نص ~~من كتاب أو سنة وإن كان بالقياس فإما أن يكون نسخا أو لا يكون نسخا فإن كان ~~PageV03P009 الأول فقد بطل قولكم إن النسخ لا يكون بالقياس وإن لم يكن نسخا ~~فقد بطل قولكم إن رفع حكم المطلق بالقياس يكون نسخا # وأما حجة من قال بالتقييد بناء على القياس فالوجه في ضعفه ما سبق في ~~تخصيص العام بالقياس فعليك بنقله إلى ها هنا والمختار أنه إن كان الوصف ~~الجامع بين المطلق والمقيد مؤثرا أي ثابتا بنص أو إجماع وجب القضاء ~~بالتقييد بناء عليه وإن كان مستنبطا من الحكم المقيد فلا كما ذكرناه في ~~تخصيص العموم PageV03P010 # # | الصنف السابع في المجمل # ويشتمل على مقدمة ومسائل أما المقدمة ففي معنى المجمل # وهو في اللغة مأخوذ من الجمع ومنه يقال أجمل الحساب إذا جمعه ورفع ~~تفاصيله # وقيل هو المحصل ومنه يقال جملت الشيء إذا حصلته هكذا ذكره صاحب المجمل في ~~اللغة # وأما في اصطلاح الأصوليين فقال بعض أصحابنا هو اللفظ الذي لا يفهم منه ~~عند الإطلاق شيء وهو فاسد فإنه ليس بمانع ولا جامع # أما أنه ليس بمانع فلأنه يدخل فيه اللفظ المهمل فإنه لا يفهم منه شيء عند ~~إطلاقه وليس بمجمل لأن الإجمال والبيان من صفات الألفاظ الدالة والمهمل لا ~~دلالة له ويدخل فيه قولنا مستحيل فإنه ليس بمجمل مع أنه لا يفهم منه شيء ~~عند إطلاقه لأن مدلوله ليس بشيء بالاتفاق PageV03P011 # وأما أنه ms498 ليس بجامع فلأن اللفظ المجمل المتردد بين محامل قد يفهم منه شيء ~~وهو انحصار المراد منه في بعضها وإن لم يكن معينا # وكذلك ما هو مجمل من وجه ومبين من وجه كقوله تعالى @QB@ وآتوا حقه يوم ~~حصاده @QE@ 6 الأنعام 141 ) فإنه مجمل وإن كان يفهم منه شيء # فإن قيل المراد منه أنه الذي لا يفهم منه شيء عند إطلاقه من جهة ما هو ~~مجمل ففيه تعريف المجمل بالمجمل وتعريف الشيء بنفسه ممتنع # كيف وإن الإجمال كما أنه قد يكون في دلالة الألفاظ فقد يكون في دلالة ~~الأفعال وذلك كما لو قام النبي صلى الله عليه وسلم من الركعة الثانية ولم ~~يجلس جلسة التشهد الوسط فإنه متردد بين السهو الذي لا دلالة له على جواز ~~ترك الجلسة وبين التعمد الدال على جواز تركها # وإذا كان الإجمال قد يعم الأقوال والأفعال فتقييد حد المجمل باللفظ يخرجه ~~عن كونه جامعا وبهذا يبطل ما ذكره الغزالي في حد المجمل من أنه اللفظ ~~الصالح لأحد معنيين الذي لا يتعين معناه لا بوضع اللغة ولا بعرف الاستعمال # وذكر أبو الحسين البصري فيه حدين آخرين الأول أنه الذي لا يمكن معرفة ~~المراد منه ويبطل بالألفاظ المهملة وباللفظ الذي هو حقيقة في شيء فإنه إذا ~~أريد به جهة مجازه فإنه لا يفهم المراد منه وليس بمجمل # الثاني قال المجمل هو ما أفاد شيئا من جملة أشياء هو متعين في نفسه ~~واللفظ لا بعينه قال وهذا بخلاف قولك اضرب رجلا فإن مدلوله واحد غير معين ~~في نفسه وأي رجل ضربته جاز ولا كذلك لفظ القرء فإن مدلوله واحد متعين في ~~نفسه من الطهر أو الحيض وفيه إشعار بتقييد الحد باللفظ حيث قال ( واللفظ لا ~~بعينه ) فلا يكون جامعا بخروج الإجمال في دلالة الفعل عنه كما حققناه وإنما ~~يصح التقييد باللفظ لو أريد تحديد المجمل اللفظي خاصة PageV03P012 # والحق في ذلك أن يقال المجمل هو ما له دلالة على أحد أمرين لا مزية ~~لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه # فقولنا ( ما له ms499 دلالة ) ليعم الأقوال والأفعال وغير ذلك من الأدلة ~~المجملة وقولنا ( على أحد أمرين ) احتراز عما لا دلالة له إلا على معنى ~~واحد وقولنا ( لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه ) احتراز عن اللفظ ~~الذي هو ظاهر في معنى وبعيد في غيره كاللفظ الذي هو حقيقة في شيء ومجاز في ~~شيء على ما عرف فيما تقدم # وقد يكون ذلك في لفظ مفرد مشترك عند القائلين بامتناع تعميمه وذلك إما ~~بين مختلفين كالعين للذهب والشمس والمختار للفاعل والمفعول أو ضدين كالقرؤ ~~للطهر والحيض وقد يكون في لفظ مركب كقوله تعالى @QB@ أو يعفو الذي بيده ~~عقدة النكاح @QE@ 2 البقرة 237 ) فإن هذه متردة بين الزوج والولي # وقد يكون ذلك بسبب التردد في عود الضمير إلى ما تقدمه كقولك كل ما علمه ~~الفقيه فهو كما علمه فإن الضمير في ( هو ) متردد بين العود إلى الفقيه وإلى ~~معلوم الفقيه والمعنى يكون مختلفا حتى أنه إذا قيل بعوده إلى الفقيه كان ~~معناه فالفقيه كمعلومه وإن عاد إلى معلومه كان معناه فمعلومه على الوجه ~~الذي علم # وقد يكون ذلك بسبب تردد اللفظ بين جمع الأجزاء وجمع الصفات كقولك الخمسة ~~زوج وفرد والمعنى مختلف حتى أنه إن أريد به جمع الأجزاء كان صادقا وإن أريد ~~به جمع الصفات كان كاذبا # وقد يكون ذلك بسببه الوقف والابتداء كما في قوله تعالى @QB@ وما يعلم ~~تأويله إلا الله والراسخون في العلم @QE@ 3 آل عمران 7 ) فالواو في قوله ( ~~والراسخون ) متردد PageV03P013 بين العطف والابتداء والمعنى يكون مختلفا # وقد يكون ذلك بسبب تردد الصفة وذلك كما لو كان زيد طبيبا غير ماهر في ~~الطب وهو ماهر في غيره فقلت زيد طبيب ماهر فإن قولك ( ماهر ) متردد بين أن ~~يراد به كونه ماهرا في الطب فيكون كاذبا وبين أن يراد به غيره فيكون صادقا # وقد يكون ذلك بسبب تردد اللفظ بين مجازاته المتعددة عند تعذر حمله على ~~حقيقته وقد يكون بسببه تخصيص العموم بصور مجهولة كما لو قال اقتلوا ~~المشركين ثم قال بعد ذلك ms500 بعضهم غير مراد لي من لفظي فإن قوله @QB@ فاقتلوا ~~المشركين @QE@ 9 التوبة 5 ) بعد ذلك يكون مجملا غير معلوم أو بصفة مجهولة ~~كقوله تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين @QE@ 4 ~~النساء 24 ) فإن تقييد الحل بالإحصان مع الجهل بما هو الإحصان يوجب الإجمال ~~فيما أحل أو باستثناء مجهول كقوله @QB@ أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم @QE@ 5 المائدة 1 ) فإنه مهما كان المستثنى مجملا فالمستثنى منه كذلك ~~وكذلك الكلام في تقييد المطلق # وقد يكون ذلك بسبب إخراج اللفظ في عرف الشرع عما وضع له في اللغة عند ~~القائلين بذلك قبل بيانه لنا كقوله @QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ ~~2 البقرة 43 ) @QB@ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا @QE@ 3 ~~آل عمران 97 ) فإنه يكون مجملا لعدم إشعار اللفظ بما هو المراد منه بعينه ~~من الأفعال المخصوصة لأنه مجمل بالنسبة إلى الوجوب PageV03P014 # هذا كله في الأقوال وقد يكون ذلك في الأفعال كما ذكرناه أولا # وتمام كشف الغطاء عن ذلك بمسائل وهي ثمان # # | المسألة الأولى # الذي صار إليه أصحابنا وجماعة من المعتزلة كالقاضي عبد الجبار والجبائي ~~وأبي هاشم وأبي الحسين البصري أن التحليل والتحريم المضافين إلى الأعيان ~~كقوله تعالى @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم @QE@ 4 @QB@ النساء @QE@ وحرمت عليكم ~~الميتة المائدة 3 لا إجمال فيه خلافا للكرخي وأبي عبد الله البصري # احتج القائلون بالإجمال بأن التحليل والتحريم إنما يتعلق بالأفعال ~~المقدورة والأعيان التي أضيف إليها التحليل والتحريم غير مقدورة لنا فلا ~~تكون هي متعلق التحليل والتحريم فلا بد من إضمار فعل يكون هو متعلق ذلك ~~حذرا من إهمال الخطاب بالكلية ويجب أن يكون ذلك بقدر ما تندفع به الضرورة ~~تقليلا للإضمار المخالف للأصل # وعلى هذا فيمتنع إضمار كل ما يمكن تعلقه بالعين من الأفعال وليس إضمار ~~البعض أولى من البعض لعدم دلالة الدليل على تعيينه ولأنه لو دل على تعيين ~~بعض الأفعال لكان ذلك متعينا من تعلق التحريم بأي عين كانت وهو محال # قال النافون وإن سلمنا امتناع تعلق ms501 التحليل والتحريم بنفس العين ولكن متى ~~يحتاج إلى الإضمار إذا كان اللفظ ظاهرا بعرف الاستعمال في الفعل المقصود من ~~تلك العين أو إذا لم يكن الأول ممنوع والثاني مسلم # وبيانه أن كل من اطلع على عرف أهل اللغة ومارس ألفاظ العرب لا يتبادر إلى ~~فهمه عند قول القائل لغيره حرمت عليك الطعام والشراب وحرمت PageV03P015 ~~عليك النساء سوى تحريم الأكل والشرب من الطعام والشراب وتحريم وطء النساء # والأصل في كل ما يتبادر إلى الفهم أن يكون حقيقة إما بالوضع الأصلي أو ~~بعرف الاستعمال والإجمال منتف بكل واحد منهما ولهذا كان الإجمال منتفيا عند ~~قول القائل رأيت دابة لما كان المتبادر إلى الفهم ذوات الأربع بعرف ~~الاستعمال وإن كان على خلاف الوضع الأصلي # وعلى هذا فقد خرج الجواب عما ذكروه من الوجه الثاني أيضا # سلمنا أنه لا بد من الإضمار ولكن ما المانع من إضمار جميع التصرفات ~~المتعلقة بالعين المضاف إليها التحليل والتحريم # قولهم إن زيادة الإضمار على خلاف الأصل # قلنا فإضمار البعض إما أن يفضي إلى الإجمال أو لا يفضي إليه فإن كان ~~الثاني فقد بطل مذهبكم وإن كان يفضي إلى الإجمال فلا بد من إضمار الكل حذرا ~~من تعطيل دلالة اللفظ # فلئن قالوا إضمار البعض وإن أفضى إلى الإجمال فليس في ذلك ما يفضي إلى ~~تعطيل دلالة اللفظ مطلقا لإمكان معرفة تعيين مدلوله بدليل آخر # وأما محذور إضمار كل التصرفات فلازم مطلقا # ولا يخفى أن التزام المحذور الدائم أعظم من التزام المحذور الذي لا يدوم # قلنا بل التزام محذوره إضمار جميع الأفعال أولى من التزام محذور الإجمال ~~في اللفظ لثلاثة أوجه الأول أن الإضمار في اللغة أكثر استعمالا من استعمال ~~الألفاظ المجملة ولولا أن المحذور في الإضمار أقل لما كان استعماله أكثر # الثاني أنه انعقد الإجماع على وجود الإضمار في اللغة والقرآن واختلف في ~~وجود الإجمال فيهما وذلك يدل على أن محذور الإضمار أقل # الثالث أنه قال صلى الله عليه وسلم لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم ~~PageV03P016 فجملوها وباعوها وأكلوا ms502 أثمانها وذلك يدل على إضمار جميع ~~التصرفات المتعلقة بالشحوم وإلا لما لحقهم اللعن ببيعها # ولو كان الإجمال أولى من إضمار الكل لكان ذلك على خلاف الأولى # # | المسألة الثانية # ذهب بعض الحنفية إلى أن قوله تعالى @QB@ وامسحوا برؤوسكم @QE@ 5 المائدة ~~6 ) مجمل لأنه يحتمل مسح جميع الرأس ويحتمل مسح بعضه وليس أحدهما أولى من ~~الآخر فكان مجملا # قالوا وما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه مسح بناصيته فهو بيان لمجمل ~~الآية # واتفق النافون على نفي الإجمال لكن منهم من قال إنه بحكم وضع اللغة ظاهر ~~في مسح جميع الرأس وهو مذهب مالك والقاضي عبد الجبار وابن جني مصيرا منهم ~~إلى أن ( الباء ) في اللغة أصل في الإلصاق كما سبق تعريفه وقد دخلت على ~~المسح وقرنته بالرأس واسم الرأس حقيقة في كله لا بعضه ولهذا ولا يقال لبعض ~~الرأس رأس فكان ذلك مقتضيا لمسح جميعه لغة # وهذا وإن كان هو الحق بالنظر إلى أصل وضع اللغة غير أن عرف استعمال أهل ~~اللغة الطارىء على الوضع الأصلي حاكم عليه والعرف من أهل PageV03P017 اللغة ~~في اطراد الاعتياد جار باقتضاء إلصاق المسح بالرأس فقط مع قطع النظر عن ~~الكل والبعض ولهذا فإنه إذا قال القائل لغيره امسح يدك بالمنديل لا يفهم ~~منه أحد من أهل اللغة أنه أوجب عليه إلصاق يده بجميع المنديل بل بالمنديل ~~إن شاء بكله وإن شاء ببعضه # ولهذا فإنه يخرج عن العهدة بكل واحد منهما # وكذلك إذا قال مسحت يدي بالمنديل فالسامعون يجوزون أنه مسح بكله وببعضه ~~غير فاهمين لزوم وقوع المسح بالكل أو البعض بل بالقدر المشترك بين الكل ~~والبعض وهو مطلق مسح ويجب أن يكون كذلك نفيا للتجوز والاشتراك في العرف # وهذا هو مذهب الشافعي رضي الله عنه واختيار القاضي عبد الجبار وأبي ~~الحسين البصري # وعلى كل تقدير فلا وجه للقول بالإجمال لا بالنظر إلى الوضع اللغوي الأصلي ~~ولا بالنظر إلى عرف الاستعمال # # | المسألة الثالثة # مذهب الجمهور أنه لا إجمال في قوله صلى الله عليه وسلم رفع عن ms503 أمتي الخطأ ~~والنسيان وقال أبو الحسين البصري وأبو عبد الله البصري وغيرهما إنه مجمل ~~مصيرا منهم إلى أن اللفظ بوضعه لغة يقتضي رفع الخطإ والنسيان في نفسه وهو ~~محال مع فرض وقوعه فيجل منصب النبي عن نفيه # وعند ذلك فإما أن يضمر نفي جميع أحكامه أو بعضها لا سبيل إلى الأول لأن ~~الإضمار على خلاف الأصل وإنما يصار إليه لدفع الضرورة اللازمة من تعطيل ~~العمل باللفظ فيجب الاقتصار فيه على أقل ما تندفع به الضرورة وهو بعض ~~الأحكام # كيف وأنه يمتنع إضمار نفي جميع الأحكام لأن من جملتها لزوم الضمان وقضاء ~~العبادة وهو غير منفي بالإجماع # ثم ذلك الحكم المضمر لا PageV03P018 يمكن القول بتعيينه لعدم دلالة اللفظ ~~عليه فلم يبق إلا أن يكون غير معين ويلزم منه الإجمال # قال النافون للإجمال وإن تعذر حمل اللفظ على رفع عين الخطإ والنسيان ~~فإنما يلزم الإضمار إن لو لم يكن اللفظ ظاهرا بعرف استعمال أهل اللغة في ~~نفي المؤاخذة والعقاب قبل ورود الشرع وليس كذلك # ولهذا فإن كل من عرف عرف أهل اللغة لا يتشكك ولا يتردد عند سماعه قول ~~السيد لعبده رفعت عنك الخطأ والنسيان في أن مراده من ذلك رفع المؤاخذة ~~والعقاب # والأصل أن كل ما يتبادر إلى الفهم من اللفظ أن يكون حقيقة فيه إما بالوضع ~~الأصلي أو العرف الاستعمالي # وذلك لا إجمال فيه ولا تردد # فإن قيل لو كان عرف الاستعمال كما ذكرتموه لارتفع عنه الضمان لكونه من ~~جملة المؤاخذات والعقوبات # قلنا عنه جوابان الأول أنا نسلم أن الضمان من حيث هو ضمان عقوبة ولهذا ~~يجب في مال الصبي والمجنون وليسا أهلا للعقوبة وكذلك يجب على المضطر في ~~المخمصة إذا أكل مال غيره مع أن الأكل واجب عليه حفظا لنفسه والواجب لا ~~عقوبة على فعله وكذلك يجب الضمان على من رمى إلى صف الكفار فأصاب مسلما مع ~~أنه مأمور بالرمي وهو مثاب عليه # الثاني وإن سلمنا أنه عقاب لكن غايته لزوم تخصيص عموم اللفظ الدال على ~~نفي كل عقاب ms504 وذلك أسهل من القول بالإجمال # # | المسألة الرابعة # اختلفوا في قوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة إلا بطهور ولا صلاة إلا ~~بفاتحة الكتاب ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ولا نكاح إلا بولي ~~وشاهدي عدل ونحوه PageV03P019 # فمذهب الكل أنه لا إجمال فيه خلافا للقاضي أبي بكر وأبي عبد الله البصري ~~فإنهما قالا بإجماله لأن حرف النفي دخل على هذه المسميات مع تحققها فلا بد ~~من إضمار حكم يلحق وتمام تقريره كما مر في المسألة المتقدمة # والمختار أنه لا إجمال في هذه الصور لأنه لا يخلو إما أن يقال بأن الشارع ~~له في هذه الأسماء عرف أو لا عرف له فيها بل هي منزلة على الوضع اللغوي # فإن قيل بالأول فيجب تنزيل كلام الشارع على عرفه إذ الغالب منه أنه إنما ~~يناطقنا فيما له فيه عرف بعرفه فيكون لفظه منزلا على نفي الحقيقة الشرعية ~~من هذه الأمور ونفي الحقيقة الشرعية ممكن # والأصل حمل الكلام على ما هو حقيقة فيه # وعلى هذا فلا إجمال وإن كان مسمى هذه الأمور بالوضع اللغوي غير منفي # وإن قيل بالثاني فالإجمال أيضا إنما يتحقق إن لو لم يكن اللفظ ظاهرا بعرف ~~استعمال أهل اللغة قبل ورود الشرع في مثل هذه الألفاظ في نفي الفائدة ~~والجدوى وليس كذلك # وبيانه أن المتبادر إلى الفهم من نفي كل فعل كان متحقق الوجود إنما هو ~~نفي فائدته وجدواه # ومنه قولهم لا علم إلا ما نفع ولا كلام إلا ما أفاد ولا حكم إلا لله ولا ~~طاعة إلا له ولا بلد إلا بسلطان إلى غير ذلك # وإذا كان النفي محمولا على نفي الفائدة والجدوى فلا إجمال فيه # وإن سلمنا أنه لا عرف للشارع ولا لأهل اللغة في ذلك وأنه لا بد من ~~الإضمار غير أن الاتفاق واقع على أنه لا خروج للمضمر ها هنا عن الصحة # والكمال وعند ذلك فيجب اعتقاد PageV03P020 ظهوره في نفي الصحة والكمال ~~لوجهين الأول أنه أقرب إلى موافقة دلالة اللفظ على النفي لأنه إذا قال ms505 لا ~~صلاة لا صوم إلا بكذا فقد دل على نفي أصل الفعل بدلالة المطابقة وعلى صفاته ~~بدلالة الالتزام فإذا تعذر العمل بدلالة المطابقة تعين العمل بدلالة ~~الالتزام تقليلا لمخالفة الدليل # الثاني أنه إذا كان اللفظ قد دل على نفي العمل وعدمه فيجب عند تعذر حمل ~~اللفظ على حقيقته حمله على أقرب المجازات الشبيهة به ولا يخفى أن مشابهة ~~الفعل الذي ليس بصحيح ولا كامل للفعل المعدوم أكثر من مشابهة الفعل الذي ~~نفي عنه أحد الأمرين دون الآخر فكان الحمل عليه أولى # فإن قيل ما ذكرتموه معارض من وجهين الأول أنه يلزم منه الزيادة في ~~الإضمار والتجوز المخالف للأصل الثاني أن حمله على نفي الكمال دون الصحة ~~مستيقن من حيث إنه يلزم من نفي الصحة نفي الكمال ولا عكس وإذا تقابلت ~~الاحتمالات لزم الإجمال # قلنا بل الترجيح لما ذكرناه لأنه لا يلزم منه تعطيل دلالة اللفظ بخلاف ما ~~ذكرتموه ولأنه على وفق النفي الأصلي وما ذكرتموه على خلافه فكان ما ذكرناه ~~أولى # وعلى هذا فقوله صلى الله عليه وسلم لا عمل إلا بنية وإنما الأعمال ~~بالنيات وإن لم يكن للشارع فيه عرف كما في الصلاة والصوم ونحوهما فعرف أهل ~~اللغة في نفيه نفي الفائدة والجدوى كما قررناه فيما تقدم فلا إجمال فيه ~~أيضا خلافا لأبي الحسين البصري وأبي عبد الله البصري وغيرهما من المعتزلة ~~PageV03P021 # # | المسألة الخامسة # اختلفوا في قوله تعالى @QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما @QE@ ( 5 ) ~~المائدة 38 ) فقال بعض الأصوليين إن لفظ القطع واليد مجمل # أما الإجمال في القطع فلأنه يصدق إطلاقه على بينونة العضو من العضو وعلى ~~شق الجلد الظاهر من العضو بالجرح من غير إبانة للعضو # ولذلك يقال عندما إذا جرح يده في بعض الأعمال كبرى القلم وغيره قطع يده ~~وأما الإجمال في اليد فلأن لفظ اليد يطلق على جملتها إلى المنكب وعليها إلى ~~المرفق وعليها إلى الكوع وليس أحد هذه الاحتمالات أظهر من الآخر فكان لفظ ~~اليد والقطع مجملا # وذهب الباقون إلى خلافه متمسكين في ذلك بالإجمال والتفصيل ms506 أما الإجمال ~~فهو أن إطلاق لفظ اليد على ما ذكر من المحامل وكذلك إطلاق لفظ القطع إما أن ~~يكون حقيقة في الكل أو هو حقيقة في البعض مجاز في البعض فإن كان حقيقة في ~~الكل فإما أن يكون مشتركا أو متواطئا القول بالاشتراك يلزم منه الإجمال في ~~الكلام وهو على خلاف الأصل # وإن كان الثاني والثالث فليس بمجمل # كيف وإنه وإن كان الاشتراك على وفق الأصل إلا أن الاحتمالات ثلاثة كما ~~ذكرناه ولا إجمال فيه على تقديرين منها وهما حالة التواطؤ والتجوز في ~~أحدهما وإنما يتحقق الإجمال على تقدير الاشتراك وهو متحد PageV03P022 ووقوع ~~احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه # وإذا كان حقيقة في أحدهما دون الآخر فيجب اعتقاد كونه ظاهرا في كل العضو ~~ضرورة الاتفاق على عدم ظهوره فيما سواه أما عند الخصم فلدعواه الإجمال وأما ~~عندنا فلمصيرنا إلى نفي الظهور عنه وانحصاره في جملة مسمى العضو # وأما التفصيل فهو أن لفظ اليد وإن أطلق على ما ذكروه من الاحتمالات إلا ~~أنه حقيقة في جملة العضو إلى المنكب ومجاز فيما عداه # ودليله أنه يصح أن يقال إذا أبينت اليد من المرفق أو من الكوع هذا بعض ~~اليد لا كلها # وذلك يدل على أنه ليس حقيقة من وجهين الأول أن مسمى اليد حقيقة لا يصدق ~~عليه أنه بعض اليد والثاني صحة القول بأنه ليس كل اليد ولو كان مسمى اليد ~~حقيقة لما صح نفيه # وأما لفظ القطع فحقيقة في إبانة الشيء عما كان متصلا به # فإذا أضيف القطع إلى اليد وكان مسمى اليد حقيقة في جملتها إلى الكوع وجب ~~حمله على إبانة مسمى اليد وهو جملتها وحيث أطلق قطع اليد عن إبانة بعض ~~أجزائها عن بعض لا يكون حقيقة بل تجوزا # فإن قيل لو كان الأمر على ما ذكرتموه لما وجب الاقتصار في قطع يد السارق ~~على قطعه من الكوع لما فيه من مخالفة الظاهر # قلنا وإن لزم منه مخالفة الظاهر إلا إنه أولى من القول بالإجمال في ms507 كلام ~~الشارع فكان إدراج ما نحن فيه تحت الأغلب أغلب # الثاني أن القول بالإجمال مما يفضي إلى تعطيل اللفظ عن الأعمال في الحال ~~إلى حين قيام الدليل المرجح ولا كذلك في الحمل على المجاز فإنه إن لم يظهر ~~دليل التجوز عمل باللفظ في حقيقته وإن ظهر عمل به في مجازه من غير تعطيل ~~اللفظ في الحال ولا في ثاني الحال PageV03P023 # # | المسألة السادسة # اللفظ الوارد إذا أمكن حمله على ما يفيد معنى واحدا وعلى ما يفيد معنيين ~~قال الغزالي وجماعة من الأصوليين هو مجمل لتردده بين هذين الاحتمالين من ~~غير ترجيح # والذي عليه الأكثر أنه ليس بمجمل بل هو ظاهر فيما يفيد معنيين # وهذا هو المختار # وقبل الخوض في الحجاج لا بد من تلخيص محل النزاع فنقول اللفظ الوارد إما ~~أن يظهر كونه حقيقة فيما قيل من المحملين مع اختلافهما أو كونه حقيقة في ~~أحدهما مجازا في الآخر أو لم يظهر أحد الأمرين فإن كان من القسم الأول أو ~~الثاني فلا معنى للخلاف فيه أما الأول فلتحقق إجماله وأما الثاني فلتحقق ~~الظهور في أحد المحملين وإنما النزاع في القسم الثالث ويجب اعتقاد نفي ~~الإجمال فيه للإجمال والتفصيل أما الإجمال فما تقدم في المسألة المتقدمة # وأما التفصيل فهو أن الكلام إنما وضع للإفادة ولا سيما كلام الشارع # ولا يخفى أن ما يفيد معنيين أكثر في الفائدة فيجب اعتقاد كون اللفظ ظاهرا ~~فيه # فإن قيل هذا الترجيح معارض بترجيح آخر وهو إن الغالب من الألفاظ الواردة ~~هي المفيدة لمعنى واحد بخلاف المفيد لمعنيين # وعند ذلك فاعتقاد أدراج ما نحن فيه تحت الأعم الأغلب أغلب # قلنا يجب اعتقاد الترجيح فيما ذكرناه وذلك لأنه لا يخلو PageV03P024 إما ~~أن يقال بالتساوي بين الاحتمالين أو التفاوت # القول بالتساوي يلزم منه تعطيل دلالة اللفظ وامتناع العمل به مطلقا إلى ~~حين قيام الدليل وذلك على خلاف الأصل # وإن قبل بالتفاوت والترجيح فإما أن يكون فيما يفيد معنى واحدا أو فيما ~~يفيد معنيين لا سبيل إلى الأول إذ القائل قائلان ms508 قائل يقول بالإجمال ففيه ~~نفي الترجيح عن المعنيين وقائل يقول بأنه ظاهر راجح فيما يفيد معنيين دون ~~ما يفيد معنى واحدا فقد وقع الاتفاق على نفي الترجيح فيما يفيد معنى واحدا ~~فتعين الترجيح لما يفيد معنيين # # | المسألة السابعة # اللفظ الوارد من جهة الشارع إذا أمكن حمله على حكم شرعي مجدد وأمكن حمله ~~على الموضوع اللغوي اختلفوا فيه # فذهب الغزالي إلى أنه مجمل لتردده بين الاحتمالين من غير مزية وذهب غيره ~~إلى أنه ظاهر في الحكم الشرعي وهو المختار # وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم الطواف بالبيت صلاة فإنه يحتمل أنه ~~أراد به أنه كالصلاة حكما في الافتقار إلى الطهارة ويحتمل أنه أراد به أنه ~~مشتمل على الدعاء الذي هو صلاة لغة وكقوله صلى الله عليه وسلم الاثنان فما ~~فوقهما جماعة فإنه يحتمل أنه أراد به أنهما جماعة حقيقة PageV03P025 ويحتمل ~~أنه أراد به انعقاد الجماعة بهما وحصول فضيلتها وإنما قلنا بكونه ظاهرا في ~~الحكم الشرعي للإجمال والتفصيل أما الإجمال فما ذكرناه فيما تقدم # وأما التفصيل فهو أنه صلى الله عليه وسلم إنما بعث لتعريف الأحكام ~~الشرعية التي لا تعرف إلا من جهته لا لتعريف ما هو معروف لأهل اللغة فوجب ~~حمل اللفظ عليه لما فيه من موافقة مقصود البعثة # فإن قيل ما ذكرتموه من الترجيح مقابل بمثله وبيانه أن حمل اللفظ على ~~الحكم الشرعي المجدد مخالف للنفي الأصلي بخلاف الحمل على الموضوع الأصلي # قلنا إلا أنا لو حملناه على تعريف الموضوع اللغوي كانت فائدة لفظ الشارع ~~التأكيد بتعريف ما هو معروف لنا ولو حملناه على تعريف الحكم الشرعي # كانت فائدته التأسيس وتعريف ما ليس معروفا لنا وفائدة التأسيس أصل وفائدة ~~التأكيد تبع فكان حمله على التأسيس أولى # # | المسألة الثامنة # إذا ورد لفظ الشارع وله مسمى لغوي ومسمى شرعي عند المعترف بالأسماء ~~الشرعية قال القاضي أبو بكر تفريعا على القول بالأسماء الشرعية إنه مجمل # وقال بعض أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة إنه محمول على المسمى الشرعي # وفصل الغزالي وقال ما ورد في ms509 الإثبات فهو للحكم الشرعي وما PageV03P026 ~~ورد في النهي فهو مجمل ومثال ذلك في طرف الإثبات قوله صلى الله عليه وسلم ~~حين دخل على عائشة فقال لها أعندك شيء فقالت لا قال إني إذا أصوم فهو إن ~~حمل على الصوم الشرعي دل على صحة الصوم بنية من النهار بخلاف حمله على ~~الصوم اللغوي ومثاله في طرف النهي نهيه عليه السلام عن صوم يوم النحر فإنه ~~إن حمل على الصوم الشرعي دل على تصور وقوعه لاستحالة النهي عما لا تصور ~~لوقوعه بخلاف ما إذا حمل على الصوم اللغوي # والمختار ظهوره في المسمى الشرعي في طرف الإثبات وظهوره في المسمى اللغوي ~~في طرف الترك # أما الأول فبيانه بما تقدم في المسألة التي قبلها ويزيد ها هنا وجه آخر ~~في الترجيح وهو أن الشارع مهما ثبت له عرف وإن كانت مناطقته لنا بالأمور ~~اللغوية غالبا غير أن مناطقته لنا بعرفه في موضع له فيه عرف أغلب # وأما إذا ورد في طرف الترك كقوله صلى الله عليه وسلم دعي الصلاة أيام ~~أقرائك وكنهيه عن بيع الحر والخمر وحبل الحبلة والملاقيح والمضامين فإنه لو ~~كان اللفظ ظاهرا في الصلاة الشرعية والبيع الشرعي لزم أن يكون ذلك متصورا ~~لاستحالة النهي عما لا تصور له وهو خلاف الإجماع وأن يكون الشارع قد نهى عن ~~التصرف الشرعي وذلك ممتنع لما فيه من إهمال المصلحة المعتبرة المرعية في ~~التصرف الشرعي أو أن يقال مع ظهوره في المسمى الشرعي بتأويله وصرفه إلى ~~المسمى اللغوي وهو على خلاف الأصل ولا يلزم من اطراده عرف الشرع في هذه ~~المسميات في طرف الإثبات مثله في طرف النهي أو النفي وعلى ما حققناه من ~~تقديم عرف الشرع في خطابه على وضع اللغة PageV03P027 فيقدم ما اشتهر من ~~المجاز الذي صار لا يفهم من اللفظ غيره على الوضع الأصلي الحقيقي وسواء كان ~~ذلك التجوز بطريق نقل الكلام من محل الحقيقة إلى ما هو خارج عنه كلفظ ~~الغائط أو بطريق تخصيصه ببعض مسمياته في الحقيقة كلفظ الدابة لأن ms510 العرف ~~الطارىء غالب للوضع الأصلي ولا إجمال فيه PageV03P028 # # | الصنف الثامن في البيان والمبين # ويشتمل على مقدمة ومسائل أما المقدمة ففي تحقيق معنى البيان والمبين ~~واختلاف الناس في العبارات الدالة عليهما وما هو المختار في ذلك # أما البيان فاعلم أنه لما كان متعلقا بالتعريف والإعلام بما ليس بمعروف ~~ولا معلوم وكان ذلك مما يتوقف على الدليل والدليل مرشد إلى المطلوب وهو ~~العلم أو الظن الحاصل عن الدليل لم يخرج البيان عن التعريف والدليل ~~والمطلوب الحاصل من الدليل لعدم معنى رابع يفسر به البيان فلا جرم اختلف ~~الناس # فقال أبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي وغيره إن البيان هو التعريف وعبر ~~عنه بأنه إخراج الشيء عن حيز الإشكال إلى حيز الوضوح والتجلي # وذهب أبو عبد الله البصري وغيره إلى أن البيان هو العلم الحاصل من الدليل # وذهب القاضي أبو بكر والغزالي وأكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة كالجبائي ~~وأبي هاشم وأبي الحسين البصري وغيرهم إلى أن البيان هو الدليل وهو المختار ~~PageV03P029 # ويدل على صحة تفسيره بذلك أن من ذكر دليلا لغيره وأوضحه غاية الإيضاح يصح ~~لغة وعرفا أن يقال تم بيانه وهو بيان حسن إشارة إلى الدليل المذكور # وإن لم يحصل منه المعرفة بالمطلوب للسامع ولا حصل به تعريفه ولا إخراج ~~المطلوب من حيز الإشكال إلى حيز الوضوح والتجلي # والأصل في الإطلاق الحقيقة والذي يخص كل واحد من التعريفين الآخرين # أما الأول فلأنه غير جامع لأن ما يدل على الحكم بديا من غير سابقة إجمال ~~بيان وهو غير داخل في الحد وشرط الحد أن يكون جامعا مانعا # كيف وفيه تجوز وزيادة # أما التجوز ففي لفظ الحيز فإنه حقيقة في الجوهر دون غيره # وأما الزيادة فما فيه من الجمع بين الوضوح والتجلي وأحدهما كاف عن الآخر ~~والحد مما يجب صيانته عن التجوز والزيادة # وأما التعريف الثاني فلأن حصول العلم عن الدليل يسمى تبينا والأصل في ~~الإطلاق الحقيقة # فلو كان هو البيان أيضا حقيقة لزم منه الترادف # والأصل عند تعدده الأسماء تعدد المسميات تكثيرا للفائدة ولأن ms511 الحاصل عن ~~الدليل قد يكون علما وقد يكون ظنا # وعند ذلك فتخصيص اسم البيان بالعلم دون الظن لا معنى له مع أن اسم البيان ~~يعم الحالتين وإذا كان النزاع إنما هو في إطلاق أمر لفظي فأولى ما اتبع ما ~~كان موافقا للإطلاق اللغوي وأبعد عن الاضطراب ومخالفة الأصول # وإذا عرف أن البيان هو الدليل المذكور فحد البيان ما هو حد الدليل على ما ~~سبق في تحريره # ويعم ذلك كل ما يقال له دليل كان مفيدا للقطع أو الظن وسواء كان عقليا أو ~~حسيا أو شرعيا أو عرفيا أو قولا أو سكوتا أو فعلا أو ترك فعل إلى غير ذلك # وأما المبين فقد يطلق ويراد به ما كان من الخطاب المبتدإ المستغنى بنفسه ~~عن بيان وقد يراد به ما كان محتاجا إلى البيان وقد ورد عليه بيانه وذلك ~~كاللفظ المجمل إذا بين المراد منه والعام بعد التخصيص والمطلق PageV03P030 ~~بعد التقييد والفعل إذا اقترن به ما يدل على الوجه الذي قصد منه إلى غير ~~ذلك # وأما المسائل فثمان # | المسألة الأولى # مذهب الأكثرين أن الفعل يكون بيانا خلافا لطائفة شاذة # ويدل على ذلك النقل والعقل أما النقل فما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~عرف الصلاة والحج بفعله حيث قال صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم # وأما العقل فهو أن الإجماع منعقد على كون القول بيانا والإتيان بأفعال ~~الصلاة والحج لكونها مشاهدة أدل على معرفة تفصيلها من الإخبار عنها بالقول ~~فإنه ليس الخبر كالمعاينة ولهذا كانت مشاهدة زيد في الدار أدل على معرفة ~~كونه فيها من الإخبار عنه بذلك # وإذا كان القول بيانا مع قصوره في الدلالة عن الفعل المشاهد فكون الفعل ~~بيانا أولى # فإن قيل أما النقل فالبيان فيه إنما وقع بالقول لا بالفعل وهو قوله صلوا ~~كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم وأما المعقول فهو أن الفعل وإن كان ~~مشاهدا غير أن زمان البيان به مما يطول ويلزم من ذلك تأخير البيان مع ~~إمكانه بما هو أفضى إليه وهو ms512 القول وذلك ممتنع # قلنا أما القول بأن البيان إنما حصل بالقول ليس كذلك فإنه لم يتضمن تعريف ~~شيء من أفعال الصلاة والحج بل غايته تعريف أن الفعل هو البيان لذلك # وأما القول بأن البيان بالفعل مما يفضي إلى تأخير البيان مع إمكان تقدمه ~~بالقول فهو غير مسلم بل التعريف بالقول وذكر كل فعل بصفته وهيئته وما ~~PageV03P031 يتعلق به أبعد عن التشبث بالذهن من الفعل المشاهد وربما احتيج ~~في ذلك إلى تكرير في أزمنة تزيد على زمان وقوع الفعل بأزمنة كثيرة على ما ~~يشهد به العرف والعادة # وإن سلمنا أن زمان التعريف بالفعل يكون أطول فليس في ذلك ما يدل على كونه ~~غير صالح للبيان والتعريف والخلاف إنما هو في ذلك وقد بينا أنه مع صلاحيته ~~للتعريف أدل من القول # قولهم إنه يفضي إلى تأخير البيان مع إمكان تقديمه بالقول # قلنا لا يخلو إما أن لا تكون الحاجة قد دعت إلى البيان في الحال أودعت ~~إليه فإن كان الأول فلا محذور في التأخير مع حصول البيان بما هو أدل من ~~القول وإن كان الثاني فلا نسلم امتناع التأخير على قولنا بجواز التكليف بما ~~لا يطاق على ما قررناه # وبتقدير امتناعه فإنما نسلم ذلك فيما إذا كان التأخير لا لفائدة وأما إذا ~~كان لفائدة فلا # وقد بينا الفائدة في البيان بالفعل من جهة كونه أدل على المقصود # # | المسألة الثانية # إذا ورد بعد اللفظ المجمل قول وفعل وكل واحد منهما صالح للبيان فالبيان ~~بماذا منهما # والحق في ذلك أنه لا يخلو إما أن يتوافقا في البيان أو يختلفا فإن توافقا ~~فإن علم تقدم أحدهما فهو البيان لحصول المقصود به والثاني يكون تأكيدا إلا ~~إذا كان دون الأول في الدلالة لاستحالة تأكيد الشيء بما هو دونه في الدلالة ~~PageV03P032 # وإن جهل ذلك فلا يخلو إما أن يكونا متساويين في الدلالة أو أحدهما أرجح ~~من الآخر على حسب اختلاف الوقائع والأقوال والأفعال فإن كان الأول فأحدهما ~~هو البيان والآخر مؤكد من غير تعيين وإن كان الثاني ms513 فالأشبه أن المرجوح هو ~~المتقدم لأنا فرضنا تأخر المرجوح امتنع أن يكون مؤكدا للراجح إذ الشيء لا ~~يؤكد بما هو دونه في الدلالة والبيان حاصل دونه فكان الإتيان به غير مفيد ~~ومنصب الشارع منزه عن الإتيان بما لا يفيد # ولا كذلك فيما إذا جعلنا المرجوح مقدما فإن الإتيان بالراجح بعده يكون ~~مفيدا للتأكيد ولا يكون معطلا # وأما إن لم يتوافقا في البيان كما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه بعد ~~آية الحج قال من قرن حجا إلى عمرة فليطف طوافا واحدا ويسعى سعيا واحدا وروي ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قرن فطاف طوافين وسعى سعيين فلا يخلو إما أن ~~يعرف تقدم أحدهما أو يجهل # فإن علم التقدم قال أبو الحسين البصري المتقدم هو البيان # فإن تقدم الفعل كان الطواف الثاني واجبا # وإن تقدم القول كان الطواف الثاني غير واجب وليس بحق بل الحق أن يقال إن ~~كان القول متقدما فالطواف الثاني غير واجب وفعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~له يجب أن يحمل على كونه مندوبا وإلا فلو كان فعله له دليل الوجوب كان ~~ناسخا لما دل عليه القول # ولا يخفى أن الجمع أولى من التعطيل وفعله للطواف الأول يكون تأكيدا للقول ~~وإن كان الفعل متقدما فهو وإن دل على وجوب الطواف الثاني إلا أن القول بعده ~~يدل على عدم وجوبه والقول بإهمال دلالة القول ممتنع فلم يبق إلا أن يكون ~~ناسخا لوجوب الطواف الثاني PageV03P033 الذي دل عليه الفعل أو أن يحمل فعله ~~على بيان وجوب الطواف الثاني في حقه دون أمته وأن يحمل قوله على بيان وجوب ~~الأول دون الثاني في حق أمته دونه والأشبه إنما هو الاحتمال الثاني دون ~~الأول لما فيه من الجمع بين البيانين من غير نسخ ولا تعطيل # وأما إن جهل المتقدم منهما فالأولى إنما هو تقدير تقدم القول وجعله بيانا ~~لوجهين الأول أنه مستقل بنفسه في الدلالة بخلاف الفعل فإنه لا يتم كونه ~~بيانا دون اقتران العلم الضروري بقصد النبي صلى الله ms514 عليه وسلم البيان به ~~أو قول منه يدل على ذلك وذلك مما لا ضرورة تدعو إليه # الثاني أنا إذا قدرنا تقدم القول أمكن حمل الفعل بعده على ندبية الطواف ~~الثاني كما تقدم تعريفه # ولو قدرنا تقدم الفعل يلزم منه إما إهمال دلالة القول أو كونه ناسخا لحكم ~~الفعل أو أن يكون الفعل بيانا لوجوب الطواف الثاني في حق النبي صلى الله ~~عليه وسلم دون أمته والقول دليل عدم وجوبه في حق أمته دونه والإهمال والنسخ ~~على خلاف الأصل والافتراق بين النبي صلى الله عليه وسلم والأمة في وجوب ~~الطواف الثاني مرجوح بالنظر إلى ما ذكرناه من التشريك لكون التشريك هو ~~الغالب دون الافتراق # # | المسألة الثالثة # هل يجب أن يكون البيان مساويا للمبين في القوة أو يجوز أن يكون أدنى منه # قال الكرخي لا بد من المساواة وقال أبو الحسين البصري يجوز أن يكون أدنى ~~منه # وهل يجب أن يكون مساويا للمبين في الحكم فمنهم من قال به ومنهم من نفاه ~~PageV03P034 # والمختار في ذلك أن يقال أما المساواة في القوة فالواجب أن يقال إن كان ~~المبين مجملا كفى في تعيين أحده احتماليه أدنى ما يفيد الترجيح وإن كان ~~عاما أو مطلقا فلا بد وأن يكون المخصص والمقيد في دلالته أقوى من دلالة ~~العام على صورة التخصيص ودلالة المطلق على صورة التقييد وإلا فلو كان ~~مساويا لزم الوقف ولو كان مرجوحا لزم منه إلغاء الراجح بالمرجوح وهو ممتنع # وأما المساواة بينهما في الحكم فغير واجب وذلك لأنه لو كان ما دل عليه ~~البيان من الحكم هو ما دل عليه المبين لم يكن أحدهما بيانا للآخر # وإنما يكون أحد الأمرين بيانا للآخر إذا كان دالا على صفة مدلول الآخر لا ~~على مدلوله ومع ذلك فلا اتحاد في الحكم # فإن قيل المراد من الاتحاد في الحكم أنه إن كان حكم المبين واجبا كان ~~بيانه واجبا وإن لم يكن واجبا لم يكن البيان واجبا # قلنا لا يخلو إما أن لا تكون الحاجة داعية إلى البيان ms515 في الحال أو هي ~~داعية فإن كان الأول فالبيان غير واجب على ما سيأتي وسواء كان حكم المبين ~~واجبا أو لم يكن # وإن كان الثاني فعلى قولنا بجواز التكليف بما لا يطاق على ما تقرر # فالبيان أيضا لا يكون واجبا وإن كان الحكم المبين واجبا # وأما إذا قلنا بامتناع التكليف بما لا يطاق فالحق ما قالوه وذلك لأنه إذا ~~كان المبين واجبا فلو لم يكن البيان واجبا لجاز تركه ويلزم من ذلك التكليف ~~بما لا يطاق وهو خلاف الفرض # وإذا كان المبين غير واجب فالقول بعدم إيجاب البيان لا يفضي إلى التكليف ~~بما لا يطاق إذ لا تكليف فيما ليس بواجب لأن ما لا يكون واجب الفعل ولا ~~واجب الترك فهو إما مندوب أو مباح أو مكروه # وكل واحد PageV03P035 من هذه الأقسام الثلاثة لا تكليف فيه على ما تقدم # ولا يلزم من القول بالوجوب حذرا من تكليف ما لا يطاق الوجوب مع عدم ~~التكليف أصلا اللهم إلا أن ينظر إلى التكليف بوجوب اعتقاده على ما هو عليه ~~من إباحة أو ندب أو كراهة فيكون من القسم الأول # # | المسألة الرابعة # في جواز تأخير البيان أما عن وقت الحاجة فقد اتفق الكل على امتناعه سوى ~~القائلين بجواز التكليف بما لا يطاق ومدار الكلام من الجانبين فقد عرف فيما ~~تقدم # وأما تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة ففيه مذاهب فذهب أكثر أصحابنا ~~وجماعة من أصحاب أبي حنيفة إلى جوازه وذهب بعض أصحابنا كأبي إسحاق المروزي ~~وأبي بكر الصيرفي وبعض أصحاب أبي حنيفة والظاهرية إلى امتناعه وذهب الكرخي ~~وجماعة من الفقهاء إلى جواز تأخير بيان المجمل دون غيره وذهب بعضهم إلى ~~جواز تأخير بيان الأمر دون الخبر وذهب الجبائي وابنه والقاضي عبد الجبار ~~إلى جواز تأخير بيان النسخ دون غيره وذهب أبو الحسين البصري إلى جواز تأخير ~~بيان ما ليس له ظاهر كالمجمل وأما ما له ظاهر وقد استعمل في غير ظاهره ~~كالعام والمطلق والمنسوخ ونحوه فقال يجوز تأخير بيانه التفصيلي ولا يجوز ms516 ~~تأخير بيانه الإجمالي وهو أن يقول وقت الخطاب هذا العموم مخصوص وهذا المطلق ~~مقيد وهذا الحكم سينسخ PageV03P036 # وإذا عرف تفصيل المذاهب فقد احتج أصحابنا القائلون بجواز التأخير مطلقا ~~بحجج نقلية وعقلية # إما النقلية فالحجة الأولى منها قوله تعالى @QB@ إن علينا جمعه وقرآنه ~~فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه @QE@ 75 القيامة 17 19 ) ووجه ~~الاحتجاج به أنه قال @QB@ فإذا قرأناه @QE@ معناه أنزلناه ويدل على ذلك ~~قوله تعالى @QB@ فاتبع قرآنه @QE@ أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاتباع ~~بفاء التعقيب لقوله @QB@ فإذا قرأناه @QE@ ولا يتصور ذلك قبل الإنزال لعدم ~~معرفته به وإنما يكون بعد الإنزال # وإذا كان المراد بقوله @QB@ قرأناه @QE@ الإنزال فقوله @QB@ ثم إن علينا ~~بيانه @QE@ يدل على تأخير البيان عن وقت الإنزال لأن @QB@ ثم @QE@ للمهلة ~~والتراخي على ما سبق تقريره # ولقائل أن يقول وإن كان المراد من قوله تعالى @QB@ فإذا قرأناه @QE@ ~~الإنزال ولكن لا نسلم أن المراد من قوله @QB@ ثم إن علينا بيانه @QE@ بيان ~~مجمله وخصوصه وتقييده ومنسوخه بل المراد منه إظهاره وإشهاره وهو على وفق ~~الظاهر لأن البيان هو الإظهار في اللغة ومنه يقال بان لنا الكوكب الفلاني ~~وبان لنا سور المدينة إذا ظهر ويقال بين فلان الأمر الفلاني إذا أظهره وعند ~~ذلك فليس حمله على ما ذكر من بيان المراد من المجمل والعام والمطلق أولى ~~مما ذكرناه # كيف وإن الترجيح لهذا المعنى من جهة أن المراد من قوله تعالى @QB@ إن ~~علينا جمعه وقرآنه @QE@ 75 القيامة 17 ) إنما هو جميع القرآن فإنه ليس ~~اختصاص بعضه بذلك أولى من بعض وأيضا فإنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالاتباع بقوله @QB@ فإذا قرأناه فاتبع قرآنه @QE@ 75 القيامة 18 ) والأمر ~~بذلك غير خاص ببعض القرآن دون البعض إجماعا ولأنه لا أولوية للبعض ~~PageV03P037 دون البعض ولأنه لو حمل ذلك على البعض دون البعض مع كونه غير ~~معين في اللفظ كان مجملا وتكليفا له بما ليس بمعلوم له وهو خلاف الأصل # وإذا ثبت أن المراد من قوله من أول الآية إنما هو جميع القرآن ms517 فالظاهر أن ~~يكون الضمير في قوله تعالى @QB@ ثم إن علينا بيانه @QE@ 75 القيامة 19 ) ~~عائد إلى جميع المذكور السابق وهو جملة القرآن لا إلى بعضه لعدم الأولوية # وإنما يمكن ذلك بحمل البيان على ما ذكرناه لا على ما ذكروه لاستحالة ~~افتقار كل القرآن إلى البيان بالمعنى الذي ذكروه فإنه ليس كل القرآن مجملا ~~ولا ظاهرا في معنى وقد استعمل في غيره فكان ما ذكرناه أولى # وهذا إشكال مشكل وفي تحريره وتقريره على هذا الوجه يتبين للناظر المتبحر ~~فيه إبطال كل ما يخبط به بعض المخبطين # وإن سلمنا أن المراد به إنما هو بيان المراد من الظاهر الذي استعمل في ~~غير ما هو الظاهر منه لكن ما المانع أن يكون المراد به البيان التفصيلي كما ~~قاله أبو الحسين البصري فإن قيل لا يمكن ذلك لأن لفظ البيان مطلق فحمله على ~~البيان التفصيلي يكون تقييدا له وتقييد المطلق من غير دليل ممتنع # قلنا وإذا كان مطلقا فالمطلق لا يمكن حمله على جميع صوره وإلا كان عاما ~~لا مطلقا بل غايته أنه إذا عمل به في صورة فقد وفى بالعمل بدلالته # وعند ذلك فلا يخفى أن تنزيل البيان في الآية على الإجمالي دون التفصيلي ~~يكون تقييدا للمطلق وهو ممتنع من غير دليل # وإن لم يقل بتنزيله عليه فلا حجة فيه # وإن سلمنا أن المراد به البيان الإجمالي والتفصيلي غير أنه قد تعذر العمل ~~بظاهر ثم من حيث إنها تدل على وجوب تأخير بيان كل القرآن ضرورة عود الضمير ~~إلى الكل على ما سبق # وذلك خلاف الإجماع # وإذا PageV03P038 تعذر العمل بظاهرها وجب العمل بها في مجازها وهو حملها ~~على معنى ( الواو ) كما في قوله تعالى @QB@ فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ~~ما يفعلون @QE@ 10 يونس 46 ) فإن @QB@ ثم @QE@ ها هنا بمعنى ( الواو ) ~~ولاستحالة كون الرب شاهدا بعد أن لم يكن شاهدا # الحجة الثانية قوله تعالى @QB@ الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت @QE@ 11 هود ~~1 ) و ( ثم ) للتأخير # ولقائل أن يقول لا نسلم أن المراد ms518 من التفصيل بيان المراد من المجمل ~~والظاهر والمستعمل في غير ما هو ظاهر فيه بل المراد من قوله أحكمت أي في ~~اللوح المحفوظ وفصلت في الإنزال # الحجة الثالثة قوله تعالى @QB@ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك ~~وحيه @QE@ 20 طه 114 ) وأراد به بيانه للناس # ولقائل أن يقول ظاهر ذلك للمنع من تعجيل نفس القرآن لا بيان ما هو المراد ~~منه لما فيه من الإضمار المخالف للأصل وإنما منعه من تعجيل القرآن أي من ~~تعجيل أدائه عقيب سماعه حتى لا يختلط عليه السماع بالأداء وإلا فلو أراد به ~~البيان لما منعه عنه بالنهي للاتفاق على أن تعجيل البيان بعد الأداء غير ~~منهي عنه # الحجة الرابعة أنه تعالى أمر بني إسرائيل بذبح بقرة معينة غير منكرة ~~بقوله تعالى @QB@ إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة @QE@ 2 البقرة 67 ) ولم ~~يعينها إلا بعد سؤالهم # ودليل كون المأمور به معينا أمران الأول أنهم سألوا تعيينها بقولهم له ~~ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ( 2 ) البقرة 68 ) @QB@ ما لونها @QE@ 2 البقرة ~~69 ) ولو كانت منكرة لما احتيج إلى ذلك للخروج عن العهدة بأي بقرة كانت ~~PageV03P039 # الثاني أن قوله تعالى @QB@ إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر @QE@ 2 ~~البقرة 68 ) و @QB@ إنها بقرة صفراء @QE@ 2 البقرة 69 ) و @QB@ إنها بقرة ~~لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث @QE@ 2 البقرة 71 ) والضمير في هذه ~~الكنايات يجب صرفه إلى ما أمروا به أولا # وبيانه من وجهين الأول أنه لو لم يكن كذلك لكان تكليفا بأمور مجددة غير ~~ما أمروا به أولا ولو كان كذلك لكان الواجب من تلك الصفات المذكورة آخرا ~~دون ما ذكر أولا وهو خلاف الإجماع على أن المأمور به كان متصفا بجميع ~~الصفات المذكورة # الثاني أنه لو لم يكن كذلك للزم منه أن لا يكون الجواب مطابقا للسؤال وهو ~~خلاف الأصل # ولقائل أن يقول لا نسلم أن البقرة المأمور بها كانت معينة في نفس الأمر ~~بل منكرة مطلقا فلا تكون محتاجة إلى ms519 البيان لإمكان الخروج عن العهدة بذبح ~~أي بقرة اتفقت ولا يكون ذلك من صور النزاع # قولهم إنهم سألوا عن تعيينها ولو أمروا بمنكر لما سألوا عن تعيينه # قلنا ظاهر الأمر يدل على التنكير حيث قال @QB@ إن الله يأمركم أن تذبحوا ~~بقرة @QE@ 2 البقرة 67 ) # والقول بالتعيين مخالف للتنكير المفهوم من اللفظ وليس الحمل على التعيين ~~ضرورة تصحيح سؤالهم ومخالفة ظاهر النص أولى من العكس بل موافقة ظاهر لنص ~~أولى # قولكم في الوجه الثاني إن الضمير في جميع الكنايات عائد إلى المأمور به ~~أولا لا نسلم ذلك PageV03P040 # قولهم لو لم يكن كذلك لكان ذلك تكليفا بأمور مجددة مسلم وما المانع منه ~~قولكم لو كان كذلك لكان الواجب من تلك الصفات المذكورة آخرا دون ما ذكر ~~أولا لا نسلم ذلك # وما المانع أن يكون قد أوجب عليهم بعد السؤال الأول ذبح بقرة متصفة ~~بالصفات المذكورة أولا ثم أوجب بعد ذلك اعتبار الصفات المذكورة ثانيا ولا ~~منافاة بين الحالتين # قولكم لو كان كذلك لما كان الجواب مطابقا للسؤال وهو خلاف الأصل فهو ~~معارض بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لو ذبحوا أية بقرة ~~أرادوا لأجزأتهم لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم # وهذا يدل على أن ذلك كان ابتداء إيجاب لا بيانا لأن البيان ليس بتشديد بل ~~تعيين ما هو الواجب # ولا يخفى أن موافقة ظاهر النص الدال على تنكير البقرة وظاهر قول ابن عباس ~~أولى من موافقة ما ذكروه من لزوم مطابقة الجواب للسؤال لما فيه من موافقة ~~أصلين ومخالفة أصل واحد وما ذكروه بالعكس # ثم وإن سلمنا أن المأمور به كان بقرة معينة في نفس الأمر غير أنهم سألوا ~~البيان الإجمالي أو التفصيلي الأول ممنوع والثاني مسلم # ولا يلزم من جواز تأخير البيان التفصيلي تأخير البيان الإجمالي كما هو ~~مذهب أبي الحسين البصري # وليس تقييد سؤالهم بطلب البيان مع إطلاقه بالإجمالي أولى من التفصيلي ولا ~~محيص عنه # وربما أورد على هذا الاحتجاج ما لا اتجاه له كقولهم ms520 ما المانع أن يكون ~~البيان مقارنا للمبين غير أنهم لم يتبينوا أن الأمر بالذبح كان ناجزا ~~وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع # أما أولا فلأنه لو كان البيان حاصلا لفهموه ظاهرا ولما سألوا عنه ~~PageV03P041 وأما ثانيا فلأن الأمر بالذبح كان مطلقا والأمر المطلق على ~~التراخي عند صاحب هذه الحجة على ما سبق تقريره # ولو كان على الفور فتأخير بيانه عنه أيضا غير ممتنع على أصله لكونه قائلا ~~بجواز التكليف بما لا يطلق كما سبق تحقيقه # الحجة الخامسة أنه لما نزل قوله تعالى @QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله ~~حصب جهنم أنتم لها واردون @QE@ 21 الأنبياء 98 ) قال عبد الله بن الزبعرى ~~فقد عبدت الملائكة والمسيح أفتراهم يعذبون والنبي صلى الله عليه وسلم لم ~~ينكر عليه بل سكت إلى حين ما نزل بيان ذلك بعد حين وهو قوله @QB@ إن الذين ~~سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون @QE@ الأنبياء 101 وذلك يدل على ~~جواز التأخير # ولقائل أن يقول لا نسلم أن الآية لم تكن بينة حتى أنها تحتاج إلى بيان ~~فإن الملائكة والمسيح إنما يمكن القول بدخولهم في عموم الآية إذ لو كانت ( ~~ما ) تتناول من يعلم ويعقل وهو غير مسلم وإذا لم تكن متناولة لهم فلا حاجة ~~إلى إخراج ما لا دخول له في الآية عنها # فإن قيل دليل تناول ( ما ) لمن يعلم ويعقل النص والإطلاق والمعنى # أما النص فقوله تعالى @QB@ وما خلق الذكر والأنثى @QE@ 92 الليل 3 ) ~~وقوله تعالى @QB@ والسماء وما بناها @QE@ 91 الشمس 5 ) وقوله تعالى @QB@ ~~ولا أنتم عابدون ما أعبد @QE@ 109 الكافرون 3 ) # وأما الإطلاق فمن وجهين الأول أن ( ما ) قد تطلق بمعنى ( الذي ) باتفاق ~~أهل اللغة و ( الذي ) يصح إطلاقها على من يعقل بدليل قولهم الذي جاء زيد ~~فما كذلك # الثاني أنه يصح أن يقال ما في داري من العبيد أحرار PageV03P042 # وأما المعنى فمن وجهين الأول هو أن ابن الزبعرى كان من فصحاء العرب وقد ~~فهم تناول ( ما ) لمن يعقل والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر ms521 عليه ذلك # الثاني أن ( ما ) لو كانت مختصة بمن لا يعلم لما احتيج إلى قوله من دون ~~الله وحيث كانت بعمومها متناولة لله تعالى احتاج إلى التقييد بقوله من دون ~~الله # قلنا أما ما ذكروه من النصوص والإطلاقات فغايتها جواز إطلاق ( ما ) على ~~من يعقل ويعلم ولا يلزم من ذلك أن تكون ظاهرة فيه بل هي ظاهرة فيمن لا يعقل # ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن الزبعرى لما ذكر ما ذكر ~~رادا عليه بقوله ما أجهلك بلغة قومك أما علمت أن ( ما ) لما لا يعقل و ( من ~~) لمن يعقل # ولا يخفى أن الجمع بين الأمرين والتوفيق بين الأدلة أولى من تعطيل قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم والعمل بما ذكروه # وإذا كانت @QB@ ما @QE@ ظاهرة في من لا يعقل دون من يعقل وجب تنزيلها على ~~ما هي ظاهرة فيه # وما ذكروه من الوجه الأول في المعنى فهو باطل بما ذكرناه من إنكار النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا يخفى أن اتباع قول النبي أولى من اتباع ما ظنه ابن ~~الزبعرى # وما ذكروه في الوجه الثاني من عدم الاحتياج إلى قوله @QB@ من دون الله ~~@QE@ 2 البقرة 23 ) إنما يصح أن لو لم يكن فيه فائدة وفائدته التأكيد وحمل ~~الكلام على فائدة التأسيس وإن كان هو الأصل غير أنه يلزم من حمله على فائدة ~~التأسيس مخالفة ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم والجمع أولى من التعطيل # وإن سلمنا أن @QB@ ما @QE@ حقيقة في من يعقل غير أنا لا نسلم أن بيان ~~التخصيص لم يكن مقارنا للآية # وبيان المقارنة أن دليل العقل صالح للتخصيص على ما سبق # والعقل قد دل على امتناع تعذيب أحد بجرم صادر من غيره اللهم إلا أن يكون ~~راضيا PageV03P043 بجرم ذلك الغير واحد من العقلاء لم يخطر بباله رضا ~~الملائكة والمسيح بعبادة من عبدهم و @QB@ ما @QE@ مثل هذا الدليل العقلي ~~فلا نسلم عدم مقارنته للآية # وأما نزول قوله تعالى @QB@ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى @QE@ 21 ~~الأنبياء ms522 101 ) الآية فإنما ورد تأكيدا بضم الدليل الشرعي إلى الدليل ~~العقلي مع الاستغناء عن أصله أما أن يكون هو المستقل بالبيان فلا # الحجة السادسة قول الملائكة لإبراهيم @QB@ إنا مهلكو أهل هذه القرية إن ~~أهلها كانوا ظالمين @QE@ 29 العنكبوت 31 ) ولم يبينوا إخراج لوط ومن معه من ~~المؤمنين عن الهلاك بقولهم @QB@ نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله @QE@ 29 ~~العنكبوت 32 ) إلا بعد سؤال إبراهيم وقوله @QB@ إن فيها لوطا @QE@ 29 ~~العنكبوت 32 ) # ولقائل أن يقول لا نسلم تأخر البيان عن هذه الآية بل هو مقترن بها # ودليله قول الملائكة في تعليل الهلاك إن أهلها كانوا ظالمين وذلك لا يدخل ~~فيها إلا من كان ظالما كيف وإنه لم يتخلل بين قول الملائكة غير سؤال ~~إبراهيم وهو قوله @QB@ إن فيها لوطا @QE@ 29 العنكبوت 32 ) وما مثل هذا لا ~~يعد تأخيرا للبيان فإن مثل ذلك قد يجري إما بسبب انقطاع نفسه أو سعال فيما ~~بين البيان والمبين ولا يعد ذلك من المبين تأخيرا # ومبادرة إبراهيم إلى السؤال ومنعهم من اقتران البيان بالمبين نازل منزلة ~~انقطاع النفس والسعال حتى أنه لو لم يبادر بالسؤال لبادروا بالبيان # الحجة السابعة أن النبي صلى الله عليه وسلم أنفذ معاذا إلى اليمن ليعلمهم ~~الزكاة وغيرها فسألوه عن الوقص فقال ما سمعت فيه شيئا من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى أرجع إليه فاسأله وذلك دليل على أن بيانه لم يتقدم # ولقائل أن يقول كون معاذ لم يسمع البيان ولم يعرفه لا يدل على عدم مقارنة ~~البيان للمبين # كيف ويمكن أن يقال الأصل عدم وجوب الزكاة في PageV03P044 الأوقاص وغيرها ~~غير أن الشارع أوجب فيما أوجب وبقي الباقي على حكم العقل وذلك صالح للبيان ~~والتخصيص # هذا ما يتعلق بالمنقول وأما الحجج العقلية فأولها أنه لو كان تأخير ~~البيان ممتنعا فإما أن يكون امتناعه لذاته أو لغيره وذلك إما أن يعرف ~~بضرورة العقل أو نظره وكل واحد من الأمرين منتف فلا امتناع # ولقائل أن يقول ولو كان جائزا فإما أن يعرف بضرورة ms523 العقل أو نظره وكل ~~واحد من الأمرين منتف فلا جواز وليس أحد الأمرين أولى من الآخر وكل ما هو ~~جواب له ها هنا فهو جوابه فيما ذكر # الحجة الثانية أنه لو امتنع تأخير البيان لامتنع تأخيره في الزمن القصير ~~وامتنع عطف الجمل المتعددة إذا كان بيان الأولى متأخرا عن الجمل المعطوف ~~عليها ولما جاز البيان بالكلام الطويل واللازم ممتنع # ولقائل أن يقول إنما يجوز تأخير البيان في الزمان القصير إذا كان مع قصره ~~لا يعد المتكلم معرضا عن كلامه الأول فإن كلامه الثاني مع الأول معدود ~~كالجملة الواحدة وذلك لا يعد تأخيرا للبيان # وهذا بخلاف ما إذا تطاول الزمان تطاولا يعد به المتكلم بالكلام الأول ~~معرضا عن كلامه ولهذا فإنه يجوز لغة وعرفا أن يتكلم الإنسان بكلام يقصر فهم ~~السامع عنه ويبينه بعد الزمان القصير من غير استهجان بخلاف ما إذا بينه بعد ~~الزمان المتطاول فلا يلزم من التأخير ثم التأخير ها هنا وأما الجمل ~~المعطوفة فنازلة منزلة الجملة الواحدة فالبيان المتعقب للجمل المعطوفة ~~ينزله منزلة تعقبه للجملة الواحدة # وأما البيان بالكلام الطويل فإنما يجوزه الخصم إذا لم يكن حصول البيان ~~إلا به أو كانت المصلحة فيه أتم من الكلام القصير وإلا فلا # الحجة الثالثة أنه لو قبح تأخير البيان لكان ذلك لعدم تبين المكلف ~~PageV03P045 وذلك مقتضي قبح الخطاب إذا بين له ولم يتبين فإنه لا فرق في ~~ذلك بين ما امتنع بأمر يرجع إلى نفسه أو إلى غيره # ولهذا يسقط تكليف الإنسان إذا مات سواء قتل هو نفسه أو قتله غيره # واللازم ممتنع # ولقائل أن يقول # مسلم أن قبح تأخير البيان لما فيه من فقد التبين المنسوب إلى المخاطب ولا ~~يلزم من ذلك قبحه عند عدم تبين المكلف إذا بين له لكونه منسوبا إلى تقصير ~~المكلف لا إلى المخاطب وسقوط التكليف عن الميت إنما كان لعدم تمكنه المشروط ~~في التكليف وذلك لا يفترق بأن يكون قد فات بفعله أو بفعل غيره # والمختار في ذلك أما من جهة النقل فقوله ms524 تعالى @QB@ واعلموا أنما غنمتم ~~من شيء فأن لله خمسه @QE@ 8 الأنفال 41 ) إلى قوله @QB@ ولذي القربى @QE@ 8 ~~الأنفال 41 ) ثم بين بعد ذلك أن السلب للقاتل وأن المراد بذوي القربى بنو ~~هاشم وبنو المطلب دون بني أمية وبني نوفل بمنعه لهم من ذلك حتى أنه لما سئل ~~عن ذلك قال إنا وبنو هاشم والمطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام ولم نزل ~~هكذا وشبك بين أصابعه # فإن قيل المتأخر إنما هو البيان المفصل ونحن لا نمنع من ذلك وإنما نمنع ~~من تأخير البيان المجمل ولا دلالة لما ذكرتموه على تأخيره # قلنا إذا سلم عدم اقتران البيان التفصيلي بهذه الآية فهو حجة على من نازع ~~فيه وهي حجة على من نازع في تأخير البيان الإجمالي حيث إنها ظاهرة في ~~العموم لكل ذوي القربى ولم ينقل أحد من أهل النقل وأرباب الأخبار ما يشير ~~إلى البيان الإجمالي أيضا مع أن الأصل عدمه ولو كان لما أهمل نقله غالبا ~~وأيضا ما روي أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم اقرأ قال ~~وما أقرأ كرر عليه ذلك ثلاث مرات ثم قال له @QB@ اقرأ باسم ربك الذي خلق ~~@QE@ PageV03P046 96 العلق 1 ) أخر بيان ما أمره به أولا من إجماله إلى ما ~~بعد ثلاث مرات من أمر جبريل وسؤال النبي مع إمكان بيانه أولا # وذلك دليل جواز التأخير # فإن قيل أمره له بالقراءة مطلق وذلك إما أن يكون مقتضاه الوجوب على الفور ~~أو التراخي فإن كان الأول فقد أخر البيان عن وقت الحاجة وإن كان الثاني فلا ~~شك في إفادته جواز الفعل في الزمن الثاني من وقت الأمر وتأخير البيان عنه ~~تأخير له عن وقت الحاجة وذلك ممتنع بالإجماع # فترك الظاهر لازم لنا ولكم والخلاف إنما وقع في تأخير البيان إلى وقت ~~الحاجة وليس فيما ذكرتموه دلالة عليه # قلنا أما أن الأمر ليس مقتضاه الوجوب على الفور فقد تقدم وإذا كان على ~~التراخي فلا نسلم لزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة # قولكم إنه ms525 يفيد جواز الفعل في الزمان الثاني من وقت الأمر # قلنا متى إذا كان الفعل المأمور به مبينا أو إذا لم يكن مبينا الأول مسلم ~~والثاني ممنوع # وإن سلمنا ذلك لكن لا نسلم أن الحاجة داعية إلى معرفته مع قطع النظر عن ~~وجوبه وعدم المؤاخذة بتركه بدليل ما قبل الأمر # وأيضا فإنه لما نزل قوله تعالى @QB@ أقيموا الصلاة @QE@ مع أنه لم يرد ~~بها مطلق الدعاء إجماعا لم يتقرن بها البيان بل أخر بيان أفعال الصلاة ~~وأوقاتها إلى أن بين ذلك جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وبين ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لغيره بعد بيان جبريل له # وكذلك نزل قوله تعالى @QB@ وآتوا الزكاة @QE@ 2 البقرة 43 ) مطلقا ثم بين ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك مقدار الواجب وصفته في النقود والمواشي ~~وغيرها من أموال الزكاة شيئا فشيئا PageV03P047 # وكذلك نزل قوله تعالى @QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما @QE@ 5 ~~المائدة 38 ) ثم بين بعد ذلك ما يجب القطع بسرقته في مقداره وصفته على ~~التدريج # وكذلك نزل قوله تعالى @QB@ وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم @QE@ 9 التوبة 41 ) ~~ثم نزل تخصيصه بقوله تعالى @QB@ ليس على الضعفاء ولا على المرضى @QE@ 9 ~~التوبة 91 ) إلى غير ذلك من الأوامر العامة التي لم تبين تفاصيلها إلا بعد ~~مدد # فإن قيل المؤخر في جميع هذه الأوامر إنما هو البيان التفصيلي وليس فيها ~~ما يدل على تأخير البيان الإجمالي # كيف وإن الأمر إما أن يكون على الفور أو التراخي وتمام الإشكال ما سبق # قلنا وجواب الإشكالين أيضا ما سبق # وأيضا فإن العمومات الواردة في البيع والنكاح والإرث وردت مطلقة والنبي ~~صلى الله عليه وسلم بين بعد ذلك على التدريج ما يصح بيعه وما لا يصح ومن ~~يحل نكاحها ومن لا يحل وصفات العقود وشروطها ومن يرث ومن لا يرث ومقادير ~~المواريث شيئا فشيئا # ومن نظر في جميع عمومات القرآن والسنة وجدها كذلك # وأيضا فإنه لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المزابنة وشكا الأنصار ~~إليه بعد ذلك رخص ms526 لهم في العرايا وهي نوع من المزابنة مع أنه لم ينقل أنه ~~اقترن بنهيه عن ذلك بيان مجمل ولا مفصل وهو لا يخلو إما أن يكون ذلك نسخا ~~أو تخصيصا وعلى كلا التقديرين فهو حجة على المخالف فيه # وأما من جهة المعقول فهو أنه لو امتنع تأخير البيان لم يخل إما أن يكون ~~ذلك ممتنعا لذاته أو لأمر من خارج # لا جائز أن يكون لذاته فإنا لو فرضناه واقعا لا يلزم عنه المحال لذاته ~~PageV03P048 وإن كان لأمر خارج فلا يخفى أنه لا فارق بين حالة وجود البيان ~~وعدمه سوى علم المكلف بالمراد من الكلام حالة وجود البيان وجهله به حالة ~~عدمه # فلو امتنع تأخير البيان لكان لما قارنه من جهل المكلف بالمراد ولو كان ~~كذلك لامتنع تأخير بيان النسخ لما فيه من الجهل بمراد الكلام الدال بوضعه ~~على تكرر الفعل على الدوام واللازم ممتنع فالملزوم ممتنع # وهذه الطريقة لازمة على كل من منع من تأخير بيان المجمل والعام والمقيد ~~وكل ما أريد به غير ما هو ظاهر فيه # وجوزه في النسخ كالجبائي وأبي هاشم والقاضي عبد الجبار وغيرهم # اعترض القاضي عبد الجبار وقال الفرق بين تأخير بيان النسخ وتأخير بيان ~~المجمل هو أن تأخير بيان النسخ مما لا يخل بالتمكن من الفعل في وقته بخلاف ~~بيان صفة العبادة فأنه لا يتأتى معه فعل العبادة في وقتها للجهل بصفتها # والفرق بين تأخير تخصيص بيان العموم وتأخير بيان النسخ من وجهين # الأول أن الخطاب المطلق الذي اريد نسخه معلوم أن حكمه مرتفع لعلمه ~~بانقطاع التكليف ولا كذلك المخصوص # الثاني أن تأخير بيان تخصيص العموم مع تجويز إخراج بعض الأشخاص منه من ~~غير تعيين مما يوجب الشك في كل واحد من أشخاص المكلفين هل هو مراد بالخطاب ~~أم لا ولا كذلك في تأخير بيان النسخ # وجواب الفرق بين الاجمال والنسخ أن وقت العبادة إنما هو وقت دعو الحاجة ~~إليها لا قبل ذلك ووقت الحاجة إليها فالبيان لا يكون متأخرا عنه فلا يلزم ~~من ms527 تأخير بيان صفة العبادة عنها في غير وقتها ووجوده في وقتها تعذر الاتيان ~~بالعبادة في وقتها # وجواب الفرق الأول بين العموم والنسخ هو أن حكم الخطاب المطلق وإن علم ~~ارتفاعه بانقطاع التكليف فذلك مما يعم التخصيص والنسخ لعلمنا PageV03P049 ~~بانقطاع التكليف ولا كذلك المخصوص # الثاني أن تأخير بيان تخصيص العموم مع تجويز إخراج بعض الأشخاص منه من ~~غير تعيين مما يوجب الشك في كل واحد من أشخاص المكلفين هل هو مراد بالخطاب ~~أم لا # ولا كذلك في تأخير بيان النسخ # وجواب الفرق بين الإجمال والنسخ أن وقت العبادة إنما هو وقت دعو الحاجة ~~إليها لا قبل ذلك ووقت الحاجة إليها فالبيان لا يكون متأخرا عنه فلا يلزم ~~من تأخير بيان صفة العبادة عنها في غير وقتها ووجوده في وقتها تعذر الإتيان ~~بالعبادة في وقتها # وجواب الفرق الأول بين العموم والنسخ هو أن حكم الخطاب المطلق وإن علم ~~ارتفاعه بانقطاع التكليف فذلك مما يعم التخصيص والنسخ لعلمنا بانقطاع ~~التكليف بالموت في الحالتين # وإنما الخلاف فيما قبل حالة الموت مع وجود الدليل الظاهر المتناول لكل ~~الأشخاص واللفظ الظاهر المتناول لجميع أوقات الحياة # وعند ذلك إذا جاز رفع حكم الخطاب الظاهر المتناول لجميع الأوقات مع فرض ~~الحياة والتمكن منه من غير دليل مبين في الحال جاز تخصيص بعض من تناوله ~~اللفظ بظهوره مع التمكن من غير دليل مبين في الحال أيضا لتعذر الفرق بين ~~الحالتين # وجواب الفرق الثاني أن تأخير بيان التخصيص وإن أوجب التردد في كل واحد من ~~أشخاص المكلفين أنه داخل تحت الخطاب أم لا فتأخير بيان النسخ عندما إذا أمر ~~بعبادة متكررة في كل يوم مما يوجب التردد في أن العبادة في كل يوم عدا ~~اليوم الأول هل هي داخلة تحت الخطاب العام لجميع الأيام أم لا # وإذا جاز ذلك في أحد الطرفين جاز في الطرف الآخر ضرورة تعذر الفرق وكذلك ~~أيضا فإنه إذا أمر بعبادة في وقت مستقبل أمرا عاما فإن من شخص إلا ويحتمل ~~احترامه قبل دخول ذلك الوقت ms528 ويخرج بذلك عن دخوله تحت الخطاب العام # وذلك مما يوجب التردد في كل واحد واحد من الأشخاص هل هو داخل تحت ذلك ~~الخطاب إذا لم يرده البيان به ومع ذلك فإنه غير ممتنع إجماعا # شبه المخالفين منها ما يختص بتأخير بيان المجمل ومنها ما يختص بتأخير ~~بيان ماله ظاهر أريد به غير ما هو ظاهر فيه # أما الشبه الخاصة بالمجمل فشبهتان الأولى أنه لا فرق بين الخطاب باللفظ ~~المجمل الذي لا يعرف له مدلول من غير بيان وبين الخطاب بلغة يضعها المخاطب ~~مع نفسه من غير بيان # وعند ذلك فإما أن يقال بحسن المخاطبة بهما أو بأحدهما دون الآخر أو لا ~~بواحد منهما PageV03P050 الأول يلزم منه حسن المخاطبة بما وضعه مع نفسه من ~~غير بيان وهو في غاية الجهالة والثاني أيضا ممتنع لعدم الأولوية والثالث هو ~~المطلوب # الشبهة الثانية أن المقصود من الخطاب إنما هو التفاهم والمجمل الذي لا ~~يعرف مدلوله من غير بيان له في الحال لا يحصل منه التفاهم فلا يكون مفيدا ~~وما لا فائدة فيه لا تحسن المخاطبة به لكونه لغوا وهو قبيح من الشارع كما ~~لو خاطب بكلمات مهملة لم توضع في لغة من اللغات لمعنى على أن يبين المراد ~~منها بعد ذلك # وأما الشبه الخاصة بما استعمل من الظواهر في غير ما هو ظاهر فيه فثلاث ~~شبه الأولى إنه إن جاز الخطاب بمثل ذلك من غير بيان له في الحال فإما أن ~~يقال بجواز تأخير بيانه إلى مدة معينة فهو تحكم لم يقل به قائل # وإن كان ذلك إلى غير نهاية فيلزم منه بقاء المكلف عاملا أبدا بعموم قد ~~أريد به الخصوص وهو في غاية التجهيل # الثانية أنه إذا خاطب الشارع بما يريد به غير ظاهره فإما أن لا يكون ~~مخاطبا لنا في الحال أو يكون مخاطبا لنا به حالا الأول خلاف الإجماع وإن ~~كان الثاني فلا بد وأن يكون قاصدا لتفهيمنا بخطابه حالا وإلا خرج عن كونه ~~مخاطبا لنا حالا وهو خلاف الفرض وبيان ms529 لزوم ذلك أن المعقول من قول القائل ~~خاطب فلان فلانا أنه قصد تفهيمه بكلامه له # وإذا كان قاصدا للتفهيم في الحال فإن قصد تفهيم ما هو الظاهر من كلامه ~~فقد قصد تجهيلنا وهو قبيح وإن قصد تفهيم ما هو المراد منه فقد قصد ما لا ~~سبيل لنا إليه دون البيان وهو أيضا قبيح PageV03P051 # الثالثة أنه لو جاز أن يخاطبنا بالعموم ويريد به الخصوص من غير بيان له ~~في الحال لتعذر معرفة المراد من كلامه مطلقا وذلك لأن ما من لفظ يبين به ~~المراد إلا ويجوز أن يكون قد أراد به غير ما هو الظاهر منه ولم يبينه لنا ~~وذلك مما يخل بمقصود الخطاب مطلقا وهو ممتنع # والجواب عن الشبهة الأولى بالفرق وهو أن اللفظ المجمل وإن لم يعلم منه ~~المراد بعينه فقد علم المكلف أنه مخاطب بأحد مدلولاته المعينة المفهومة له ~~وبذلك يتحقق اعتقاده للوجوب والعزم على الفعل بتقدير البيان والتعيين فكان ~~مفيدا بخلاف الخطاب بما لا يفهم منه شيء أصلا كما فرضوه # وبهذا يكون جواب الشبهة الثانية # وعن الشبهة الثالثة أن تأخير البيان إنما يجوز إلى الوقت الذي تدعو ~~الحاجة فيه إلى البيان وذلك لا يكون إلا معينا في علم الله تعالى ويجوز أن ~~يكون معلوما للرسول بإعلام الله تعالى له # وعند ذلك فأي وقت وجب على المكلف العمل بمدلول اللفظ فيه فذلك هو وقت ~~الحاجة إلى البيان والبيان لا يكون إذ ذاك متأخرا لما فيه من تأخير البيان ~~عن وقت الحاجة وقبل وقت الوجوب فلا عمل للمكلف حتى يقال بأنه عامل بعموم ~~أريد به الخصوص بل غايته أنه يعتقد ذلك ولا امتناع فيه كما لو أمر بعبادة ~~متكررة كل يوم فإنه لا يمتنع اعتقاده لعموم ذلك في جميع الأيام مع جواز ~~نسخها في المستقبل وإن لم يرد بذلك بيان وكل ما يعتذر به في النسخ فهو عذر ~~لنا ها هنا # وعن الشبهة الرابعة من وجهين الأول أنه وإن لزم من كونه مخاطبا لنا أن ~~يكون قاصدا لتفهيمنا في ms530 الحال لكن لا لنفس ما هو الظاهر من كلامه فقط ولا ~~لنفس مراده من كلامه فقط بل يفهم ما هو الظاهر من كلامه مع تجويز تخصيصه ~~وليس في ذلك تجهيل ولا إحالة وذلك مما لا يمنع ورود المخصص بعد ذلك وإلا ~~لما كان مجوز التخصيص وهو خلاف الفرض PageV03P052 الثاني أنه يلزم على ما ~~ذكروه الخطاب بما علم الله أنه سينسخه فإن جميع ما ذكر من الأقسام بعينها ~~متحققة فيه ومع ذلك جاز الخطاب به مع تأخير بيانه # وعن الخامسة من وجهين الأول أنه لا يمتنع أن يكون البيان إما بدليل قاطع ~~لا يسوغ فيه احتمال التأويل أو ظني اقترن به من القرائن ما أوجب العلم ~~بمدلول كلامه # الثاني أنه يلزم على ما ذكروه الخطاب الوارد الذي علم الله نسخ حكمه مع ~~تأخير البيان عنه والجواب يكون متحدا # # | المسألة الخامسة # الذين منعوا من تأخير بيان المراد من الخطاب عن وقت الخطاب اختلفوا في ~~جواز تأخير تبليغ ما أوحى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الأحكام ~~والعبادات إلى وقت الحاجة إليه وأكثر المحققين على جوازه وهو الحق لأنه لو ~~امتنع لم يخل إما أن يمتنع لذاته أو لمعنى من خارج الأول محال فإنه لا ~~يلزمه من فرض وقوعه لذاته محال وإن كان ذلك لأمر من خارج فالأصل عدمه كيف ~~وإن تأخيره يحتمل أن يكون فيه مصلحة في علم الله تقتضى التأخير # ولهذا لو صرح الشارع بذلك لما كان ممتنعا ويحتمل أن يكون فيه مفسدة مانعة ~~من التأخير وليس أحد الأمرين أولى من الآخر # فإن قيل الامتناع من التأخير إنما هو لمعنى خارج عن ذاته وهو قوله تعالى ~~@QB@ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك @QE@ 5 المائدة 67 ) وظاهر الأمر ~~للوجوب # قولكم يحتمل وجود مفسدة في التقديم ومصلحة في التأخير وليس أحد الأمرين ~~أولى من الآخر PageV03P053 # قلنا فهذا كما لا يمكن معه الجزم بامتناع التأخير فلا يمكن معه الجزم ~~بجواز التأخير الذي هو مذهبكم # وجواب الأول أنا وإن سلمنا أن قوله ms531 تعالى @QB@ بلغ @QE@ أمر ولكن لا نسلم ~~أنه للوجوب وإن سلمنا أنه للوجوب ولكن لا نسلم أن مطلق الأمر يقتضي الفور ~~على ما تقدم تقريره # وإن سلمنا أنه على الفور غير أنا لا نسلم أنه يتناول تبليغ الأحكام التي ~~وقع الخلاف فيها وإنما هو دال على تبليغ ما أنزل من لفظ القرآن إذ هو ~~المفهوم من لفظ المنزل # وجواب الثاني أنه إذا وقع التردد بين المصلحة والمفسدة تساقطا وبقينا على ~~أصل الجواز العقلي # # | المسألة السادسة # الذين اتفقوا على امتناع تأخير البيان إلى وقت الحاجة اختلفوا في جواز ~~إسماع الله للمكلف العام دون إسماعه للدليل المخصص له # فذهب الجبائي وأبو الهذيل إلى امتناع ذلك في الدليل المخصص السمعي وأجازا ~~أن يسمعه العام المخصص بدليل العقل وإن لم يعلم السامع دلالته على التخصيص # وذهب أبو هاشم والنظام وأبو الحسين البصري إلى جواز إسماع العام من لم ~~يعرف الدليل المخصص له وسواء كان المخصص سمعيا أو عقليا # وهو الحق لوجهين الأول إنا قد بينا جواز تأخير المخصص عن الخطاب إذا كان ~~سمعيا مع أن عدم سماعه لعدمه في نفسه أتم من عدم سماعه مع وجوده في نفسه # فإذا جاز تأخير المخصص فجواز تأخير إسماعه مع وجوده أولى PageV03P054 # الثاني هو أن وقوع ذلك يدل على جوازه ودليله إسماع فاطمة قوله تعالى @QB@ ~~يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين @QE@ 4 النساء 11 ) مع أنها ~~لم تسمع بقوله نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة إلا بعد حين # وكذلك أسمعت الصحابة قوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ 9 التوبة 5 ) ~~ولم يسمع أكثرهم الدليل المخصص للمجوس وهو قوله صلى الله عليه وسلم سنوا ~~بهم سنة أهل الكتاب إلا بعد حين إلى وقائع كثيرة غير محصورة # وكل ما يتشبث به الخصوم في المنع من ذلك فغير خارج عما ذكرناه لهم من ~~الشبه في المسألة المتقدمة وجوابها ما سبق مع أنه منتقض بجواز إسماعه العام ~~مع عدم معرفته بالدليل المخصص إذا كان عقليا # # | المسألة السابعة # اختلف المجوزون لتأخير البيان ms532 عن وقت الخطاب العام في جواز التدريج في ~~البيان فمنع منه قوم مصيرا منهم إلى أن تخصيص البعض بالتنصيص على إخراجه ~~دون غيره يوهم وجوب استعمال اللفظ في الباقي وامتناع التخصيص بشيء آخر وهو ~~تجهيل للمكلف وإنما ينتفي هذا التجهيل بالتنصيص على كل ما هو خارج عن ~~العموم # ومذهب المحققين منهم خلاف ذلك # ودليل جوازه وقوعه وبيان وقوعه قوله تعالى @QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما @QE@ 5 المائدة 38 ) فإنه عام في كل سارق # ومع ذلك فإن تخصيصه بما خصص به من ذكر نصاب السرقة أولا وعدم الشبهة ~~ثانيا وقع على التدريج وكذلك قوله تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا @QE@ 3 آل عمران 97 ) خصص أولا بتفسير الاستطاعة بذكر ~~الزاد والراحلة ثم بذكر إلا من PageV03P055 في الطريق والسلامة من طلب ~~الخفارة ثانيا # وكذلك قوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ 9 التوبة 5 ) أخرج منه أهل ~~الذمة أولا ثم العسيف والمرأة ثانيا # وكذلك آية الميراث أخرج منها ميراث النبي صلى الله عليه وسلم والقاتل ~~والكافر وكل ذلك على التدريج إلى غير ذلك من العمومات المخصصة # ولولا جوازه لما وقع # والقول بأن تخصيص البعض بالذكر يوهم نفي تخصيصه بشيء آخر ليس كذلك فإن ~~الاقتصار على الخطاب العام دون ذكر المخصص مع كونه ظاهرا في التعميم بلفظه ~~إذا لم يوهم المنع من التخصيص فإخراج بعض ما تناوله اللفظ عنه مع أنه لا ~~دلالة له على إثبات غير ذلك البعض بلفظه أولى أن لا يكون موهما لمنع ~~التخصيص # # | المسألة الثامنة # إذا ورد لفظ عام بعبادة أو بغيرها قبل دخول وقت العمل به قال أبو بكر ~~الصيرفي يجب اعتقاد عمومه جزما قبل ظهور المخصص وإذا ظهر المخصص تغير ذلك ~~الإعتقاد وهو خطأ فإن احتمال إرادة الخصوص به قائم ولهذا لو ظهر المخصص لما ~~كان ذلك ممتنعا ووجب اعتقاد الخصوص # وما هذا شأنه فاعتقاد عمومه جزما قبل الاستقصاء في البحث عن مخصصه وعدم ~~الظفر به على وجه تركن النفس إلى عدمه يكون ممتنعا فإذا لا بد ms533 في الجزم ~~باعتقاد عمومه من اعتقاد انتفاء مخصصه بطريقه ومع ذلك لا نعرف خلافا بين ~~الأصوليين في امتناع العمل بموجب اللفظ العام قبل البحث عن المخصص وعدم ~~الظفر به لكن اختلفوا فذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الأصوليين إلى امتناع ~~العمل به واعتقاد عمومه إلا بعد القطع بانتفاء المخصص وإلا فالجزم بعمومه ~~والعمل PageV03P056 به مع احتمال وجود المعارض ممتنع # قال ومعرفة انتفاء المخصص بطريق القطع ممكن وذلك بأن تكون المسألة ~~المتمسك بالعموم فيها مما كثر الخلاف فيها بين العلماء وطال النزاع فيما ~~بينهم فيها ولم يطلع أحد منهم على موجب للتخصيص مع كثرة بحثهم واستقصائهم # ولو كان ثم شيء لاستحال أن لا يعرف عادة ولأنه لو كان المراد بالعموم ~~الخصوص لاستحال أن لا ينصب الله تعالى عليه دليلا ويبلغه للمكلفين # وذهب ابن سريج وإمام الحرمين والغزالي وأكثر الأصوليين إلى امتناع اشتراط ~~القطع في ذلك وهو المختار # وذلك لأنه لا طريق إلى معرفة ذلك بغير البحث والسبر وهو غير يقيني والقول ~~بأنه لو كان ثم مخصص لاطلع عليه العلماء غير يقيني لجواز وجوده مع عدم ~~اطلاع أحد من العلماء عليه # وبتقدير اطلاع بعضهم عليه فنقله له أيضا غير قاطع بل غايته أن يكون ظنيا # كيف وإنه ليس كل ما ورد فيه العام مما كثر خوض العلماء فيه وبحثهم عنه ~~ليصح ما قيل # والقول بأنه لو كان المراد بالعام الخصوص لنصب الله تعالى عليه دليلا غير ~~مسلم # وبتقدير نصبه للدليل لا نسلم لزوم اطلاع المكلفين عليه # وبتقدير ذلك لا نسلم لزوم نقلهم له وإذا لم يكن إلى القطع بذلك طريق فلو ~~شرط ذلك في العمل بالعموم لتعطلت العمومات بأسرها وإذا عرف أنه لا بد من ~~الظن بانتفاء المخصص فالحد الذي يجب العمل بالعموم عنده أن يبحث عن المخصص ~~بحثا غلب على ظنه عدمه وأنه لو بحث عنه ثانيا وثالثا كان بحثه غير مفيد # وعلى هذا يكون الكلام في العمل بكل دليل مع معارضه PageV03P057 # # | الصنف التاسع في الظاهر وتأويله # ويشتمل على مقدمة ومسائل ms534 # أما المقدمة ففي تحقيق معنى الظاهر والتأويل # أما الظاهر فهو في اللغة عبارة عن الواضح ومنه يقال ظهر الأمر الفلاني ~~إذا اتضح وانكشف وفي لسان المتشرعة قال الغزالي اللفظ الظاهر هو الذي يغلب ~~على الظن فهم معنى منه من غير قطع وهو غير جامع مع اشتماله على زيادة ~~مستغنى عنها # أما أنه غير جامع فلأنه يخرج منه ما فيه أصل الظن دون غلبة الظن مع كونه ~~ظاهرا # ولهذا يفرق بين قول القائل ظن وغلبة ظن ولأن غلبة الظن ما فيه أصل الظن ~~وزيادة # وأما اشتماله على الزيادة المستغنى عنها فهي قوله من غير قطع فإن من ~~ضرورة كونه مفيدا للظن أن لا يكون قطعيا # والحق في ذلك أن يقال اللفظ الظاهر ما دل على معنى بالوضع الأصلي أو ~~العرفي ويحتمل غيره احتمالا مرجوحا # وإنما قلنا ( ما دل على معنى بالوضع الأصلي أو العرفي ) احترازا عن ~~دلالته على المعنى الثاني إذا لم يصر عرفيا كلفظ الأسد في الإنسان وغيره ~~PageV03P058 # وقولنا ( ويحتمل غيره ) احتراز عن القاطع الذي لا يحتمل التأويل # وقولنا ( احتمالا مرجوحا ) احتراز عن الألفاظ المشتركة # وهو منقسم إلى ما هو ظاهر بحكم الوضع الأصلي كإطلاق لفظ الأسد بإزاء ~~الحيوان المخصوص وإلى ما هو ظاهر بحكم عرف الاستعمال كإطلاق لفظ الغائط ~~بإزاء الخارج المخصوص من الإنسان # وأما التأويل ففي اللغة مأخوذ من آل يؤول أي رجع ومنه قوله تعالى @QB@ ~~وابتغاء تأويله @QE@ 3 آل عمران 7 ) أي ما يؤول إليه ومنه يقال تأول فلان ~~الآية الفلانية أي نظر إلى ما يؤول إليه معناها # وأما في اصطلاح المتشرعة قال الغزالي التأويل عبارة عن احتمال يعضده دليل ~~يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر وهو غير صحيح أما ~~أولا فلأن التأويل ليس هو نفس الاحتمال الذي حمل اللفظ عليه بل هو نفس حمل ~~اللفظ عليه وفرق بين الأمرين وأما ثانيا فلأنه غير جامع فإنه يخرج منه ~~التأويل بصرف اللفظ عما هو ظاهر فيه إلى غيره بدليل قاطع غير ظني حيث ms535 قال ~~يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر وأما ~~ثالثا فلأنه أخذ في حد التأويل من حيث هو تأويل وهو أعم من التأويل بدليل ~~ولهذا يقال تأويل بدليل وتأويل من غير دليل # فتعريف التأويل على وجه يوجد معه الاعتضاد بالدليل لا يكون تعريفا ~~للتأويل المطلق اللهم إلا أن يقال إنما أراد تعريف التأويل الصحيح دون غيره # والحق في ذلك أن يقال أما التأويل من حيث هو تأويل مع قطع النظر عن الصحة ~~والبطلان هو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع احتماله له # وأما التأويل المقبول الصحيح فهو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع ~~احتماله له بدليل يعضده PageV03P059 # وإنما قلنا ( حمل اللفظ على غير مدلوله ) احترازا عن حمله على نفس مدلوله # وقولنا ( الظاهر منه ) احتراز عن صرف اللفظ المشترك من أحد مدلوليه إلى ~~الآخر فإنه لا يسمى تأويلا # وقولنا ( مع احتماله له ) احتراز عما إذا صرف اللفظ عن مدلوله الظاهر إلى ~~ما لا يحتمله أصلا فإنه لا يكون تأويلا صحيحا # وقولنا ( بدليل يعضده ) احتراز عن التأويل من غير دليل فإنه لا يكون ~~تأويلا صحيحا أيضا # وقولنا ( بدليل يعم القاطع والظني ) وعلى هذا فالتأويل لا يتطرق إلى النص ~~ولا إلى المجمل وإنما يتطرق إلى ما كان ظاهرا لا غير # وإذا عرف معنى التأويل فهو مقبول معمول به إذا تحقق بشروطه ولم يزل علماء ~~الأمصار في كل عصر من عهد الصحابة إلى زمننا عاملين به من غير نكير # وشروطه أن يكون الناظر المتأول أهلا لذلك وأن يكون اللفظ قابلا للأقاويل ~~بأن يكون اللفظ ظاهرا فيما صرف عنه محتملا لما صرف إليه وأن يكون الدليل ~~الصارف للفظ عن مدلوله الظاهر راجحا على ظهور اللفظ في مدلوله ليتحقق صرفه ~~عنه إلى غيره وإلا فبتقدير أن يكون مرجوحا لا يكون صارفا ولا معمولا به ~~اتفاقا وإن كان مساويا لظهور اللفظ في الدلالة من غير ترجيح فغايته إيجاب ~~التردد بين الاحتمالين على السوية ولا يكون ذلك تأويلا ms536 غير أنه يكتفى بذلك ~~من المعترض إذا كان قصده إيقاف دلالة المستدل ولا يكتفى به من المتسدل دون ~~ظهوره وعلى حسب قوة الظهور وضعفه وتوسطه يجب أن يكون التأويل وتمام كشف ذلك ~~بمسائل ثمان PageV03P060 # # | المسألة الأولى # قوله صلى الله عليه وسلم لغيلان وقد أسلم على عشر نسوة أمسك أربعا وفارق ~~سائرهن وقوله لفيروز الديلمي وقد أسلم على أختين أمسك أيتهما شئت وفارق ~~الأخرى أمر بالإمساك وهو ظاهر في استصحاب النكاح وقد تأوله أصحاب أبي حنيفة ~~بثلاث تأويلات الأول أنهم قالوا يحتمل أنه أراد بالإمساك ابتداء النكاح ~~ويكون معنى قوله أمسك أربعا أي انكح منهن أربعا وأراد بقوله وفارق سائرهن ~~لا تنكحهن # الثاني أنهم قالوا يحتمل أن النكاح في الصورتين كان واقعا في ابتداء ~~الإسلام قبل حصر عدد النساء في أربع وتحريم نكاح الأختين فكان ذلك واقعا ~~على وجه الصحة والباطل من أنكحة الكفار ليس إلا ما كان مخالفا لما ورد به ~~الشرع حال وقوعها # الثالث أنهم قالوا يحتمل أنه أمر الزوج باختيار أوائل النساء وهذه ~~التأويلات وإن كانت منقدحة عقلا غير أن ما اقترن بلفظ الإمساك من القرائن ~~دارئة لها # أما التأويل الأول فمن وجوه الأول أن المتبادر إلى الفهم من لفظ ( ~~الإمساك ) إنما هو الاستدامة دون التجديد # الثاني أنه فوض الإمساك والفراق إلى خيرة الزوج وهما غير واقعين بخيرته ~~عندهم لوقوع الفراق بنفس الإسلام وتوقف النكاح على رضا الزوجة PageV03P061 # الثالث أنه لم يذكر شروط النكاح مع دعو الحاجة إلى معرفة ذلك لقرب عهدهم ~~بالإسلام # الرابع أنه أمر الزوج بإمساك أربع من العشر وواحدة من الأختين وبمفارقة ~~الباقي والأمر إما للوجوب أو الندب ظاهرا على ما تقدم وحصر التزويج في ~~العشرة وفي الأختين ليس واجبا ولا مندوبا والمفارقة ليست من فعل الزوج حتى ~~يكون الأمر متعلقا بها # الخامس هو أن الظاهر من الزوج المأمور إنما هو امتثال أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالإمساك ولم ينقل أحد من الرواة تجديد النكاح في الصور المذكورة # السادس هو أن الزوج إنما سأل ms537 عن الإمساك بمنى الاستدامة لا بمعنى تجديد ~~النكاح وعن الفراق بمعنى انقطاع النكاح # والأصل في جواب الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون مطابقا للسؤال # وأما التأويل الثاني فبعيد أيضا لأنه لو لم يكن الحصر ثابتا في ابتداء ~~الإسلام لما خلا ابتداء الإسلام عن الزيادة على الأربع عادة وعن الجمع بين ~~الأختين ولم ينقل عن أحد من الصحابة ذلك في ابتداء الإسلام ولو وقع لنقل # وقوله تعالى @QB@ وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف @QE@ 4 النساء 23 ~~) قال أهل التفسير المراد به ما سلف في الجاهلية قبل بعثة النبي صلى الله ~~عليه وسلم # ولهذا قال @QB@ إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا @QE@ 4 النساء 22 ) # وأما التأويل الثالث فيدرؤه قوله صلى الله عليه وسلم لزوج الأختين أمسك ~~أيتهما شئت وفارق الأخرى وقوله لواحد كان قد أسلم على خمس نسوة إختر منهن ~~أربعا وفارق واحدة قال المأمور بذلك فعمدت إلى أقدمهن عندي ففارقتها ~~PageV03P062 # # | المسألة الثانية # ومن جملة التأويلات البعيدة ما يقوله أصحاب أبي حنيفة في قوله صلى الله ~~عليه وسلم في أربعين شاة شاة من أن المراد به مقدار قيمة الشاة وذلك لأن ~~قوله في أربعين شاة شاة قوي الظهور في وجوب الشاة عينا حيث إنه خصصها ~~بالذكر ولا بد في ذلك من إضمار حكم وهو إما الندب أو الوجوب وإضمار الندب ~~ممتنع لعدم اختصاص الشاة الواحدة من النصاب به فلم يبق غير الواجب # ولا يخفى أنه يلزم من تأويل ذلك بالحمل على وجوب مقدار قيمة الشاة بناء ~~على أن المقصود إنما هو دفع حاجات الفقراء وسد خلاتهم جواز دفع القيمة وفيه ~~رفع الحكم وهو وجوب الشاة بما استنبط منه من العلة وهي دفع حاجات الفقراء ~~واستنباط العلة من الحكم إذا كانت موجبة لرفعه كانت باطلة # ومما يلتحق من التأويلات بهذا التأويل ما يقوله بعض الناس في قوله تعالى ~~@QB@ إنما الصدقات للفقراء والمساكين @QE@ 9 التوبة 60 ) الآية من جواز ~~الاقتصار على البعض نظرا إلى أن المقصود من الآية إنما هو دفع ms538 الحاجة في ~~جهة من الجهات المذكورة لا دفع الحاجة عن الكل لأن الآية ظاهرة في استحقاق ~~جميع الأصناف المذكورة للصدقة حيث إنه أضافها إليهم بلام التمليك في عطف ~~البعض على البعض بواو التشريك وما استنبط من هذا الحكم من العلة يكون رافعا ~~لحكم المستنبط منه فلا يكون صحيحا # وما يقال من أن مقصود الآية إنما هو بيان مصارف الزكاة وشروط الاستحقاق ~~فنحن وإن سلمنا كون ذلك مقصودا من الآية فلا نسلم أنه لا مقصود منها سواه ~~ولا منافاة بين كون ذلك مقصودا وكون الاستحقاق بصفة PageV03P063 التشريك ~~مقصودا وهو الأولى موافقة لظاهر الإضافة بلام التمليك والعطف بواو التشريك # ويقرب من هذا التأويل أيضا ما يقوله أصحاب أبي حنيفة في قوله تعالى @QB@ ~~فإطعام ستين مسكينا @QE@ 58 المجادلة 4 ) من أن المراد به إطعام طعام ستين ~~مسكينا مصيرا منهم إلى أن المقصود إنما هو دفع الحاجة ولا فرق في ذلك بين ~~دفع حاجة ستين مسكينا ودفع حاجة مسكين واحد في ستين يوما وهو بعيد أيضا ~~وذلك لأن قوله تعالى @QB@ فإطعام @QE@ 58 المجادلة 4 ) فعل لا بد له من ~~مفعول يتعدى إليه # وقوله @QB@ ستين مسكينا @QE@ 58 المجادلة 4 ) صالح أن يكون مفعول الإطعام ~~وهو مما يمكن الاستغناء به مع ظهوره والطعام وإن كان صالحا أن يكون هو ~~مفعول الإطعام إلا أنه غير ظاهر ومسكوت عنه فتقدير حذف المظهر وإظهار ~~المفعول المسكوت عنه بعيد في اللغة والواجب عكسه # وإذا كان ذلك ظاهرا في وجوب رعاية العدد دفعا لحاجة ستين مسكينا نظرا ~~للمكفر بما يناله من دعائهم له واغتنامه لبركتهم وقلما يخلو جمع من ~~المسلمين عن ولي من أولياء الله تعالى يكون مستجاب الدعوة مغتنم الهمة # وذلك في الواحد المعين مما يندر # # | المسألة الثالثة # قوله صلى الله عليه وسلم أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها ~~باطل باطل باطل صدر الكلام ( بأي وما ) في معرض الشرط والجزاء وذلك من أبلغ ~~أدوات العموم عند القائلين به وأكده بالبطلان مرة بعد مرة ثلاث مرات وهو من ~~أبلغ ms539 ما يدل به الفصيح المصقع على التعميم والبطلان # وقد طرق إليه أصحاب أبي حنيفة ثلاث تأويلات الأول أنه يحتمل أنه أراد ~~بالمرأة الصغيرة PageV03P064 # الثاني أنه وإن أراد بها الكبيرة فيحتمل أنه أراد بها الأمة والمكاتبة # الثالث أنه يحتمل أنه أراد ببطلان النكاح مصيره إلى البطلان غالبا بتقدير ~~اعتراض الأولياء عليها إذا زوجت نفسها من غير كفوء # وهذه التأويلات مما لا يمكن المصير إليها في صرف هذا العموم القوي ~~المقارب للقطع عن ظاهره # أما الحمل على الصغيرة فمن جهة أنها لا تسمى امرأة في وضع اللسان ولأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حكم بالبطلان ونكاح الصغيرة لنفسها دون إذن وليها ~~صحيح عندهم موقوف على إجازة الولي # وأما الحمل على الأمة فيدرأه قوله صلى الله عليه وسلم فإن مسها فلها ~~المهر بما استحل من فرجها ومهر الأمة ليس لها بل لسيدها # وأما الحمل على المكاتبة فبعيد أيضا من جهة أنها بالنسبة إلى جنس النساء ~~نادرة واللفظ المذكور من أقوى مراتب العموم وليس من الكلام العربي إطلاق ما ~~هذا شأنه وإرادة ما هو في غاية الندرة والشذوذ ولهذا فإنه لو قال السيد ~~لعبده أيما امرأة لقيتها اليوم فأعطها درهما وقال إنما أردت به المكاتبة ~~كان منسوبا إلى الإلغاز في القول وهجر الكلام # وعلى هذا فلا نسلم صحة الاستثناء بحيث لا يبقى غير الأقل النادر من ~~المستثنى منه كما سبق تقريره ولا فرق بين البابين # وأما حمل بطلان النكاح على مصيره إلى البطلان فبعيد من وجهين الأول أن ~~مصير العقد إلى البطلان من أندر ما يقع والتعبير باسم الشيء عما يؤول إليه ~~إنما يصح فيما إذا كان المآل إليه قطعا كما في قوله تعالى @QB@ إنك ميت ~~وإنهم ميتون @QE@ 39 الزمر 30 ) أو غالبا كما في تسمية العصير خمرا في قوله ~~تعالى @QB@ أراني أعصر خمرا @QE@ PageV03P065 الثاني قوله فإن أصابها فلها ~~المهر بما استحل من فرجها ولو كان العقد واقعا صحيحا لكان المهر لها بالعقد ~~لا بالاستحلال # # | المسألة الرابعة # ومن التأويلات البعيدة قول أصحاب أبي حنيفة ms540 في قوله صلى الله عليه وسلم ~~لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل إن المراد به صوم القضاء والنذر من ~~حيث إن الصوم نكرة وقد دخل عليه حرف النفي فكان ظاهره العموم في كل صوم # والمتبادر إلى الفهم من لفظ الصوم إنما هو الصوم الأصلي المتخاطب به في ~~اللغات وهو الفرض والتطوع دون ما وجوبه بعارض ووقوعه نادر وهو القضاء ~~والنذر # ولا يخفى أن إطلاق ما هو قوي في العموم وإرادة ما هو العارض البعيد ~~النادر وإخراج الأصل الغالب منه إلغاز في القول # ولهذا فإنه لو قال السيد لعبده من دخل داري من أقاربي أكرمه وقال إنما ~~أردت قرابة السبب دون النسب أو ذوات الأرحام البعيدة دون العصبات القريبة ~~كان قوله منكرا مستبعدا لكنه مع ذلك لا ينتهض في البعد إلى بعد التأويل في ~~حمل الخبر السابق على الأمة والمكاتبة # # | المسألة الخامسة # ومن التأويلات البعيدة أيضا تأويل قوله صلى الله عليه وسلم من ملك ذا رحم ~~محرم عتق عليه فإن ظهور وروده لتأسيس قاعدة وتمهيد أصل في سياق الشرط ~~والجزاء والتنبيه على حرمة الرحم المحرم وصلته قوي الظهور في قصد التعميم ~~لكل ذي رحم محرم وذلك مما يمتنع معه التأويل بالحمل على PageV03P066 الأصول ~~والفصول دون غيرهم لأنهم قد امتازوا بكونهم على عمود النسب عن غيرهم ممن هو ~~على حواشيه من الأرحام وذلك موجب لاختصاصهم بالتنصيص عليهم إظهارا لشرف ~~قربهم ونسابتهم فلو كان القصد متعلقا بهم دون غيرهم بالذكر لما عدل عن ~~التنصيص عليهم إلى ما يعم لما فيه من إسقاط حرمتهم وإهمال خاصيتهم ولذلك ~~فإنه لو قال السيد لعبده أكرم الناس قاصدا لإكرام أبويه لا غير كان ذلك من ~~الأقوال المهجورة المستبعدة # # | المسألة السادسة # ومن التأويلات البعيدة تأويل أبي حنيفة في قوله تعالى @QB@ واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى @QE@ ( 8 ) الأنفال 41 ) ~~حيث إنه قال باعتبار الحاجة مع القرابة وحرمان من ليس بمحتاج من ذوي القربى ~~وهو بعيد جدا لأن الآية ظاهرة في إضافة ms541 الخمس إلى كل ذوي القربى بلام ~~التمليك والاستحقاق مومئة إلى أن مناط الاستحقاق هو القرابة فإنها مناسبة ~~للاستحقاق إظهارا لشرفها وإبانة لخطرها وحيث رتب الاستحقاق على ذكرها في ~~الآية كان ذلك إيماء إلى التعليل بها فالمصير بعد ذلك إلى اعتبار الحاجة ~~يكون تخصيصا للعموم وتركا لما ظهر كونه علة مومى إليها في الآية وهو صفة ~~القرابة وتعليلا بالحاجة المسكوت عنها وهو في غاية البعد # فإن قيل ما ذكرتموه بعينه لازم على قول الشافعي باعتبار الحاجة مع اليتم ~~في سياق الآية # قلنا المختار من قول الشافعي إنما هو عدم اعتبار الحاجة مع اليتم وبتقدير ~~القول بذلك فاعتبار الحاجة إنما كان لأن لفظ اليتم مع قرينة إعطاء المال ~~مشعر بها فاعتبارها يكون اعتبارا لما دل عليه لفظ الآية لا أنه إلغاء له ~~واليتم بمجرده عن اقتران الحاجة به غير صالح للتعليل بخلاف القرابة فإن ~~القرابة بمجردها مناسبة للإكرام باستحقاق خمس الخمس كما ذكرناه فاعتبار ~~الحاجة معها يكون تركا للعمل بما ظهر كونه علة وعمل بغيره وهو مناقضة لا ~~تأويل PageV03P067 # # | المسألة السابعة # ومن التأويلات البعيدة أيضا مصير قوم إلى أن قوله صلى الله عليه وسلم ~~فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بنضح أو دالية نصف العشر ليس بحجة في ~~إيجاب العشر ونصف العشر في الخضروات لأن المقصود الذي سيق الكلام لأجله ~~إنما هو الفرق بين العشر ونصف العشر لا بيان ما يجب فيه العشر ونصف العشر ~~وهو بعيد أيضا لأن اللفظ عام في كل ما سقت السماء وسقي بنضح أو دالية بوضع ~~اللغة عند القائلين به وكون ذلك مما يقصد به الفرق بين العشر ونصف العشر ~~غير مانع من قصد التعميم إذ لا منافاة بينهما اللهم إلا أن يبين أن الخبر ~~لم يرد إلا لقصد الفرق وذلك مما لا سبيل إليه # # | المسألة الثامنة # ومن أبعد التأويلات ما يقوله القائلون بوجوب غسل الرجلين في الوضوء في ~~قوله تعالى @QB@ وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين @QE@ 5 المائدة 6 ) ~~من أن المراد به الغسل وهو في غاية ms542 البعد لما فيه من ترك العمل بما اقتضاه ~~ظاهر العطف من التشريك بين الرؤوس والأرجل في المسح من غير ضرورة # فإن قيل العطف إنما هو على الوجوه واليدين في أول الآية وذلك موجب ~~للتشريك في الغسل وبيان ذلك من وجهين الأول قوله تعالى @QB@ إلى الكعبين ~~@QE@ قدر المأمور به إلى الكعبين كما قدر غسل اليدين إلى المرفقين ولو كان ~~الواجب هو المسح لما كان مقدرا كمسح الرأس # الثاني ما ورد القراءة بالنصب من قوله تعالى @QB@ وأرجلكم @QE@ 5 المائدة ~~6 ) وذلك يدل على العطف على الأيدي دون الرؤوس PageV03P068 # وأما الكسر فإنما كان بسبب المجاورة فإنها موجبة لاستتباع المجاور ومنه ~~قول امرىء القيس كأن ثبيرا في عرانين وبله كبير أناس في بجاد مزمل كسر ( ~~مزمل ) استتباعا لما قبله وإلا فحقه أن يكون مرفوعا لكونه وصف ( كبير ) وإن ~~سلمنا أن الأرجل معطوفة على الرؤوس غير أنه ليس من شرط العطف الاشتراك بين ~~المعطوف والمعطوف عليه في تفاصيل حكم المعطوف عليه بل في أصله كما سبق ~~تقريره وذلك مما قد وقع الاشتراك فيه فإن الغسل والمسح قد اشتركا في أن كل ~~واحد منهما فيه إمساس العضو بالماء وإن افترقا في خصوص المسح والغسل وذلك ~~كاف في صحة العطف ودليله قول الشاعر ولقد رأيتك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا ~~عطف الرمح على التقلد بالسيف وإن كان الرمح لا يتقلد وإنما يعتقل به ~~لاشتراكهما في أصل الحمل وكذلك عطف الشاعر الماء على التبن في قوله ( ~~وعلفتها تبنا وماء باردا ) والماء لا يعلف لاشتراكهما في أصل التناول # والجواب قولهم إن العطف إنما هو على الأيدي فأبعد من كل بعيد لما فيه من ~~ترك العطف على ما يلي المعطوف إلى ما لا يليه # وأما التقدير بالكعبين فمما لا يمنع من العطف على الرؤوس الممسوحة وإن لم ~~يكن مسح الرؤوس مقدرا في الآية كما عطف الأيدي على الوجوه في حكم الغسل وإن ~~كان غسل اليدين مقدرا وغسل الوجوه غير مقدر # وأما القرآءة بالنصب فإنما كان ذلك عطفا على الموضع وذلك ms543 لأن الرؤوس في ~~موضع النصب بوقوع الفعل عليها غير أنه لما دخل الخافض على الرؤوس أوجب ~~الكسر ومنه قول الشاعر PageV03P069 معاوي إننا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا ~~الحديدا عطف ( الحديد ) على موضع ( الجبال ) إذ هي في موضع نصب غير أنها ~~خفضت بدخول الجار عليها # قولهم إن الكسر بسبب المجاورة إنما يصح إذا لم يكن بين المتجاورين فاصل ~~كما ذكروه من الشعر وأما إذا فصل بينهما حرف العطف فلا # وإن سلمنا جوازه غير أنه مما لا يتحمل إلا لضرورة الشعر فلا ينتهض موجبا ~~لاتباعه وترك ما أوجبه العطف # ومثل ذلك وإن ورد في النثر كما في قولهم جحر ضب خرب وماء شن بارد فمن ~~النوادر الشاذة التي لا يقاس عليها # قولهم إن العطف وإن وقع على الرؤوس فذلك غير موجب للاشتراك في تفاصيل حكم ~~المعطوف عليه # قلنا هذا هو الأصل وإنما يصار إلى خلافه لدليل ولا دليل وإنما ذكرنا هذه ~~النبذة من مسائل التأويلات لتدرب المبتدئين بالنظر في أمثالها # وبالجملة فالمتبع في ذلك إنما هو نظر المجتهد في كل مسألة فعليه اتباع ما ~~أوجبه ظنه PageV03P070 # # | القسم الثاني في دلالة غير المنظوم # وهو ما دلالته لا بصريح صيغته ووضعه وذلك لا يخلو إما أن يكون مدلوله ~~مقصودا للمتكلم أو غير مقصود فإن كان مقصودا فلا يخلو إما أن يتوقف صدق ~~المتكلم أو صحة الملفوظ به عليه أو لا يتوقف فإن توقف فدلالة اللفظ عليه ~~تسمى دلالة الاقتضاء وإن لم يتوقف فلا يخلو إما أن يكون مفهوما في محل ~~تناوله اللفظ نطقا أو لا فيه فإن كان الأول فتسمى دلالته دلالة التنبيه ~~والإيماء وإن كان الثاني فتسمى دلالته دلالة المفهوم # وأما إن كان مدلوله غير مقصود للمتكلم فدلالة اللفظ عليه تسمى دلالة ~~الإشارة # فهذه أربعة أنواع PageV03P071 # | النوع الأول دلالة الاقتضاء # وهي ما كان المدلول فيه مضمرا إما لضرورة صدق المتكلم وإما لصحة وقوع ~~الملفوظ به # فإن كان الأول فهو كقوله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ~~وما استكرهوا عليه وقوله ms544 عليه السلام لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ~~وقوله عليه السلام لا عمل إلا بنية فإن رفع الصوم والخطإ والعمل مع تحققه ~~ممتنع فلا بد من إضمار نفي حكم يمكن نفيه كنفي المؤاخذة والعقاب في الخبر ~~الأول ونفي الصحة أو الكمال في الخبر الثاني ونفي الفائدة والجدوى في الخبر ~~الثالث ضرورة صدق الخبر # وإما إن كان لصحة الملفوظ به فإما أن تتوقف صحته عليه عقلا أو شرعا # فإن كان الأول فكقوله تعالى @QB@ واسأل القرية @QE@ 12 يوسف 82 ) فإنه لا ~~بد من إضمار أهل القرية لصحة الملفوظ به عقلا # وإن كان الثاني فكقول القائل لغيره أعتق عبدك عني على ألف فإنه يستدعي ~~تقدير سابقة انتقال الملك إليه ضرورة توقف العتق الشرعي عليه # # | النوع الثاني دلالة التنبيه والإيماء # وهي خمسة أصناف وسيأتي ذكرها في القياس # # | النوع الثالث دلالة الإشارة # وذلك كما في قوله صلى الله عليه وسلم في حق النساء النساء ناقصات عقل ~~ودين فقيل له يا رسول الله ما نقصان دينهن قال تمكث إحداهن في قعر بيتها ~~شطر PageV03P072 دهرها لا تصلي ولا تصوم فهذا الخبر إنما سيق لبيان نقصان ~~دينهن لا لبيان أكثر الحيض وأقل الطهر ومع ذلك لزم منه أن يكون أكثر الحيض ~~خمسة عشر يوما وأقل الطهر كذلك لأنه ذكر شطر الدهر مبالغة في بيان نقصان ~~دينهن ولو كان الحيض يزيد على خمسة عشر يوما وأقل الطهر لذكره وكذلك دلالة ~~مجموع قوله تعالى @QB@ وحمله وفصاله ثلاثون شهرا @QE@ 46 الأحقاف 15 ) ~~وقوله تعالى @QB@ وفصاله في عامين @QE@ 31 لقمان 14 ) على أن أقل مدة ستة ~~أشهر وإن لم يكن ذلك مقصودا من اللفظ # وكذلك قوله تعالى @QB@ فالآن باشروهن @QE@ 2 البقرة 187 ) أباح المباشرة ~~ممتدة إلى طلوع الفجر بقوله @QB@ حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود @QE@ 2 البقرة 187 ) وكان بيان ذلك هو المقصود ومع ذلك لزم منه أن ~~من جامع في ليل رمضان وأصبح جنبا لم يفسد صومه لأن من جامع في آخر الليل لا ~~بد من تأخر ms545 غسله إلى النهار فلو كان ذلك مما يفسد الصوم لما أبيح الجماع في ~~آخر جزء من الليل # ومع ذلك فإنه لم يقع مقصودا من الكلام إلى نظائره # # | النوع الرابع # المفهوم ولا بد من النظر في معناه وأصنافه قبل الحجاج في نفيه وإثباته ~~أما معناه فاعلم أن المفهوم مقابل للمنطوق والمنطوق أصل للمفهوم فلا بد من ~~تحقيقه أولا ثم العود إلى تحقيق معنى المفهوم ثانيا # فنقول أما المنطوق فقد قال بعضهم هو ما فهم من اللفظ في محل PageV03P073 ~~النطق وليس بصحيح فإن الأحكام المضمرة في دلالة الاقتضاء مفهومة من اللفظ ~~في محل النطق ولا يقال لشيء من ذلك منطوق اللفظ فالواجب أن يقال المنطوق ما ~~فهم من دلالة اللفظ قطعا في محل النطق وذلك كما في وجوب الزكاة المفهوم من ~~قوله صلى الله عليه وسلم في الغنم السائمة زكاة وكتحريم التأفيف للوالدين ~~من قوله تعالى @QB@ فلا تقل لهما أف @QE@ 17 الإسراء 23 ) إلى نظائره # وأما المفهوم فهو ما فهم من اللفظ في غيره محل النطق والمنطوق وإن كان ~~مفهوما من اللفظ غير أنه لما كان مفهوما من دلالة اللفظ نطقا خص باسم ~~المنطوق وبقي ما عداه معرفا بالمعنى العام المشترك تمييزا بين الأمرين # وإذا عرف معنى المفهوم فهو ينقسم إلى ما يسمى مفهوم الموافقة وإلى ما ~~يسمى مفهوم المخالفة # أما مفهوم الموافقة فما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت موافقا لمدلوله ~~في محل النطق ويسمى أيضا فحوى الخطاب ولحن الخطاب والمراد به معنى الخطاب ~~ومنه قوله تعالى @QB@ ولتعرفنهم في لحن القول @QE@ 47 محمد 30 ) أي في ~~معناه # وقد يطلق اللحن ويراد به اللغة ومنه يقال لحن فلان بلحنه إذا تكلم بلغته ~~وقد يطلق ويراد به الفطنة ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ( ولعل بعضكم الحن ~~بحجته من بعض ) أي أفطن وقد يطلق ويراد به الخروج عن ناحية الصواب ويدخل ~~فيه إزالة الإعراب عن جهة الصواب PageV03P074 ومثاله تحريم شتم الوالدين ~~وضربهما من دلالة قوله تعالى @QB@ فلا تقل لهما أف @QE@ 17 الإسراء 23 ms546 ) ~~فإن الحكم المفهوم من اللفظ في محل السكوت موافق للحكم المفهوم في محل ~~النطق وكذلك دلالة قوله تعالى @QB@ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ~~@QE@ 4 النساء 10 ) على تحريم إتلاف أموالهم وكدلالة قوله تعالى @QB@ فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره @QE@ 99 الزلزلة 7 8 ) ~~على المقابلة فيما زاد على ذلك وكدلالة قوله تعالى @QB@ من إن تأمنه بقنطار ~~يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك @QE@ 3 آل عمران 75 ) على ~~تأدية ما دون القنطار وعدم تأدية ما فوق الدينار إلى غير ذلك من النظائر # والدلالة في جميع هذه الأقسام لا تخرج من قبيل التنبيه بالأدنى على ~~الأعلى وبالأعلى على الأدنى ويكون الحكم في محل السكوت أولى منه في محل ~~النطق وإنما يكون كذلك إن لو عرف المقصود من الحكم في محل النطق من سياق ~~الكلام وعرف أنه أشد مناسبة واقتضاء للحكم في محل السكوت من اقتضائه له في ~~محل النطق وذلك كما عرفنا من سياق الآية المحرمة للتأفيف أن المقصود إنما ~~هو كف الأذى عن الوالدين وأن الأذى في الشتم والضرب أشد من التأفيف فكان ~~بالتحريم أولى # وإلا فلو قطعنا النظر عن ذلك لما لزم من تحريم التأفيف تحريم الضرب ~~العنيف ولهذا فإنه يتنظم من الملك أن يأمر الجلاد بقتل والده إذا استيقن ~~منازعته له في ملكه وينهاه عن التأفيف حيث كان المقصود من الأمر بالقتل ~~إنما هو دفع محذور المنازعة في الملك وإن كان القتل أشد في دفعه من التأفيف ~~ولذلك لم يلزم PageV03P075 من إباحة أعلى المحذورين إباحة أدناهما ولا من ~~تحريم أدناهما تحريم أعلاهما # وهذا مما اتفق أهل العلم على صحة الاحتجاج به إلا ما نقل عن داود الظاهري ~~أنه قال إنه ليس بحجة ودليل كونه حجة أنه إذا قال السيد لعبده لا تعط زيدا ~~حبة ولا تقل له أف ولا تظلمه بذرة ولا تعبس في وجهه فإنه يتبادر إلى الفهم ~~من ذلك امتناع إعطاء ما فوق الحبة وامتناع الشتم ms547 والضرب وامتناع الظلم ~~بالدينار وما زاد وامتناع أذيته بما فوق التعبيس من هجر الكلام وغيره ولذلك ~~كان المفهوم من قول النبي صلى الله عليه وسلم احفظ عفاصها ووكاءها حفظ ما ~~التقط من الدنانير ومن قوله صلى الله عليه وسلم في الغنيمة أدوا الخيط ~~والمخيط أداء الرحال والنقود وغيرها ومن قوله من سرق عصى مسلم فعليه ردها ~~رد ما زاد على ذلك # وكذلك لو حلف أنه لا يأكل لفلان لقمة ولا يشرب من مائه جرعة كان ذلك ~~موجبا لامتناعه من أكل ما زاد على اللقمة كالرغيف وشرب ما زاد على الجرعة ~~إلى نظائره # غير أن الخلاف واقع في أن مستند الحكم في محل السكوت هل هو فحوى الدلالة ~~اللفظية أو الدلالة القياسية # وقد احتج القائلون بالفحوى بأن العرب إنما وضعت هذه الألفاظ للمبالغة في ~~التأكيد للحكم في محل السكوت # وأنها أفصح من التصريح بالحكم في محل السكوت # ولهذا فإنهم إذا قصدوا المبالغة في كون أحد الفرسين سابقا للآخر قالوا ~~هذا الفرس لا يلحق غبار هذا الفرس وكان ذلك عندهم أبلغ من قولهم هذا الفرس ~~سابق لهذا الفرس وكذلك إذا قالوا فلان يأسف بشم رائحة مطبخه فإنه أفصح ~~عندهم وأبلغ من قولهم فلان لا يطعم ولا يسقي # واحتج القائلون بكونه قياسا أنا لو قطعنا النظر عن المعنى الذي سيق له ~~الكلام من كف الأذى عن الوالدين وعن كونه في الشتم والضرب أشد منه في ~~التأفيف لما قضى بتحريم الشتم والضرب إجماعا ولما سبق من جواز أمر ~~PageV03P076 الملك للجلاد بقتل والده والنهي عن التأفيف له فالتأفيف أصل ~~والشتم والضرب فرع ودفع الأذى علة والتحريم حكم ولا معنى للقياس إلا هذا # وسموا ذلك قياسا جليا نظرا إلى أن الوصف الجامع بين الأصل والفرع ثابت ~~بالتأثير # والأشبه إنما هو المذهب الأول وهو الإسناد إلى فحوى الدلالة اللفظية # وما قيل من أنه لا بد من فهم المعنى وكونه في محل السكوت أولى بالحكم في ~~محل النطق # فهو شرط تحقق الفحوى ولا مناقضة بينه وبين الفحوى ويدل ms548 على أنه ثابت ~~بالفحوى لا بالقياس أمران الأول أن القياس لا يشترط فيه أن يكون المعنى ~~المناسب للحكم في الفرع أشد مناسبة له من حكم الأصل إجماعا وهذا النوع من ~~الاستدلال لا يتم دونه فلا يكون قياسا # الثاني أن الأصل في القياس لا يكون مندرجا في الفرع وجزءا منه إجماعا # وهذا النوع من الاستدلال قد يكون ما تخيل أصلا فيه جزءا مما تخيل فرعا ~~وذلك كما قال السيد لعبده لا تعط لفلان حبة فإنه يدل على امتناع إعطاء ~~الدينار وما زاد عليه والحبة المنصوصة تكون داخلة فيه # وكذلك قوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره ( 99 ) الزلزلة 7 8 ) فإنه يدل على روية ما زاد على الذرة والذرة تكون ~~داخلة فيه إلى نظائره # ولهذا فإن كل من خالف في القياس مطلقا وافق على هذا النوع من الدلالة سوى ~~أهل الظاهر ولو كان قياسا لما كان كذلك # وعلى كل تقدير فهو منقسم إلى قطعي وظني # أما القطعي فكما ذكرنا من آية التأفيف حيث إنا علمنا من سياق الآية ~~PageV03P077 أن حكمة تحريم التأفيف إنما هو دفع الأذى عن الوالدين وأن ~~الأذى في الشتم والضرب أشد # وأما الظني فكما في قوله تعالى @QB@ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ~~@QE@ 4 النساء 92 ) فإنه وإن دل على وجوب الكفارة في القتل العمد لكونه ~~أولى بالمؤاخذة كما يقوله الشافعي غير أنه ليس بقطعي لإمكان أن لا تكون ~~الكفارة في القتل الخطإ موجبة بطريق المؤاخذة لقوله صلى الله عليه وسلم رفع ~~عن أمتي الخطأ والنسيان والمراد به رفع المؤاخذة بل نظرا للخاطىء بإيجاب ما ~~يكفر ذنبه في تقصيره ومن ذلك سميت كفارة وجناية المتعمد فوق جناية الخاطىء # وعند ذلك فلا يلزم من كون الكفارة رافعة لإثم أدنى الجنايتين أن تكون ~~رافعة لإثم أعلاهما # وأما مفهوم المخالفة فهو ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت مخالفا ~~لمدلوله في محل النطق ويسمى دليل الخطاب أيضا وهو عند القائلين به منقسم ~~إلى ms549 عشرة أصناف متفاوتة في القوة والضعف # الصنف الأول منها ذكر الاسم العام مقترنا بصفة خاصة كقوله صلى الله عليه ~~وسلم في الغنم السائمة زكاة # الصنف الثاني مفهوم الشرط والجزاء كقوله تعالى @QB@ وإن كن أولات حمل ~~فأنفقوا عليهن @QE@ 65 الطلاق 6 ) وقوله صلى الله عليه وسلم إذا أتاكم كريم ~~قوم فأكرموه # الصنف الثالث مفهوم الغاية كقوله تعالى @QB@ فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره @QE@ 2 البقرة 230 ) وقوله تعالى @QB@ ولا تقربوهن حتى يطهرن ~~@QE@ 2 البقرة 222 ) @QB@ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون @QE@ 9 التوبة ~~29 ) # الصنف الرابع مفهوم إنما كقوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات # وإنما الربا في النسيئة # وإنما الولاء لمن أعتق # وإنما الشفعة فيما لم يقسم إلى نظائره PageV03P078 # الصنف الخامس التخصيص بالأوصاف التي تطرأ وتزول بالذكر كقوله صلى الله ~~عليه وسلم الثيب أحق بنفسها من وليها # وقوله عليه الصلاة والسلام ( في السائمة زكاة ) # الصنف السادس مفهوم اللقب وذلك كتخصيص الأشياء الستة في الذكر بتحريم ~~الربا # الصنف السابع مفهوم الاسم المتشق الدال على الجنس كقوله صلى الله عليه ~~وسلم لا تبيعوا الطعام بالطعام وهو قريب من مفهوم اللقب لكون الطعام لقبا ~~لجنس # الصنف الثامن مفهوم الاستثناء كقوله تعالى @QB@ لا إله إلا الله @QE@ 37 ~~الصافات 35 ) وقول القائل ( لا عالم في البلد إلا زيد ) # الصنف التاسع تعليق الحكم بعدد خاص كتخصيص حد القذف بثمانين # الصنف العاشر مفهوم حصر المبتدإ في الخبر كقوله ( العالم زيد وصديقي عمرو ~~) # وإذا عرف المفهوم بحده وأصنافه فيجب أن تعلم قبل الخوض في الحجاج في هذه ~~الأصناف أن مستند فهم الحكم في محل السكوت عند القائلين به إنما هو النظر ~~إلى فائدة تخصيص محل النطق بالذكر دون غيره وسواء كان ذلك من قبيل مفهوم ~~الموافقة أو المخالفة وإن افترقا من جهة أن فائدة التخصيص بالذكر في مفهوم ~~الموافقة إنما هو تأكيد مثل حكم المنطوق في محل المسكوت عنه وفائدة التخصيص ~~بالذكره في مفهوم المخالفة إنما هو نفي مثل حكم المنطوق في محل ms550 السكوت وذلك ~~مما لا يعلم من مجرد تخصيص محل النطق بالذكر دون نظر عقلي يتحقق به أن ~~التخصيص للتأكيد أو النفي وذلك بأن ينظر إلى حكمة الحكم المنطوق به # فإن عرفت وعرف تحققها في المحل المسكوت عنه وأنها أولى باقتضائها الحكم ~~فيه من الحكم في محل النطق علم أن فائدة التخصيص التأكيد وأن المفهوم مفهوم ~~الموافقة وإن لم يعلم PageV03P079 حكمة الحكم المنطوق به أو علمت غير أنها ~~لم تكن متحققة في محل السكوت أو كانت متحققة فيه لكنها ليست أولى باقتضاء ~~الحكم فيه علم أن فائدة التخصيص إنما هي النفي وأن المفهوم مفهوم المخالفة # وإذا أتينا على تحقيق المفهوم وأصنافه فلنرجع إلى المقصود من الحجاج في ~~نفيه وإثباته وما هو المختار في كل واحد من أصنافه فنقول أما مفهوم ~~الموافقة فقد اتفق الكل على صحة الاحتجاج به سوى الظاهرية وإن اختلفوا في ~~دلالته هل هي لفظية أو قياسية على ما سبق # والمتفقون على صحة مفهوم الموافقة اختلفوا في صحة الاحتجاج بمفهوم ~~المخالفة فيجب الخوض فيما يتعلق به من المسائل وهي تسع مسائل # # | المسألة الأولى # اختلفوا في الخطاب الدال على حكم مرتبط باسم عام مقيد بصفة خاصة كقوله ~~صلى الله عليه وسلم في الغنم السائمة زكاة هل يدل على نفي الزكاة عن غير ~~السائمة أو لا فأثبته الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل والأشعري وجماعة من ~~الفقهاء والمتكلمين وأبو عبيد وجماعة من أهل العربية ونفاه أبو حنيفة ~~وأصحابه والقاضي أبو بكر وابن سريج والقفال والشاشي وجماهير المعتزلة # وفرق أبو عبد الله البصري من المعتزلة وقال الخطاب المتعلق بالصفة دال ~~على النفي عما عداها في أحد أحوال ثلاث وهي أن يكون الخطاب قد ورد للبيان ~~كما في قوله صلى الله عليه وسلم في الغنم السائمة زكاة PageV03P080 # أو التعليم كما في خبر التحالف عند التخالف والسلعة قائمة أو يكون ما عدا ~~الصفة داخلا تحتها كالحكم بالشاهدين فإنه يدل على نفيه عن الشاهد الواحد ~~لدخوله في الشاهدين ولا يدل على النفي فيما سوى ذلك # وإذ ms551 أتينا على تفصيل المذاهب من الجانبين فلا بد من ذكر حجج الفريقين ~~والتنبيه على ما فيها ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار # أما القائلون بالإثبات فقد احتجوا بحجج نقلية وعقلية أما الحجج النقلية ~~فست حجج # الحجة الأولى أنهم قالوا إن أبا عبيد القاسم بن سلام من أهل اللغة وقد ~~قال بدليل الخطاب في قوله صلى الله عليه وسلم لي الواجد يحل عرضه وعقوبته ~~حيث قال إنه أراد به أن من ليس بواجد لا يحل عرضه وعقوبته والواجد هو الغني ~~وليه مطله ومعنى إحلال عرضه مطالبته وعقوبته حبسه # وقال في قوله صلى الله عليه وسلم لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير له من أن ~~يمتلىء شعرا وقد قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد الهجاء من ~~الشعراء أو هجا الرسول فقال لو كان ذلك هو المراد لم يكن لتعليق ذلك ~~بالكثرة وامتلاء الجوف منه معنى لأن ما دون ملء الجوف من ذلك ككثيره # ووجه الاحتجاج به أنه فهم أن تعليق الذم على امتلاء الجوف من ذلك مخالف ~~لما دونه # ولقائل أن يقول حكم أبي عبيد بذلك إن ادعيتم أنه كان نقلا عن العرب فهو ~~غير مسلم وليس في لفظه ما يدل على النقل # وإن قلتم إن ذلك كان بناء على مذهبه واجتهاده فغايته أنه مجتهد فيه فلا ~~يكون ذلك حجة على PageV03P081 غيره من المجتهدين المخالفين له في ذلك كيف ~~وإنه لو ذكر ذلك نقلا فلا نسلم كونه حجة في مثل هذه القاعدة اللغوية لكونه ~~من أخبار الآحاد ثم هو معارض بمذهب الأخفش فإنه من أهل اللغة ولم يقل بدليل ~~الخطاب على ما نقل عنه على أنه يمكن أن يكون حكمه بذلك مستندا إلى النفي ~~الأصلي وعدم دلالة الدليل على مخالفته وهو أولى جمعا بين المذاهب # الحجة الثانية ما روى قتادة أنه قال لما نزل قوله تعالى @QB@ استغفر لهم ~~أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم @QE@ 9 التوبة ~~80 ) قال النبي صلى الله ms552 عليه وسلم قد خيرني ربي فوالله لأزيدن على السبعين ~~فعقل أن ما زاد على السبعين بخلافه لقائل أن يقول ما ذكرتموه من أخبار ~~الآحاد لا نسلم كونه حجة في مثل هذه القاعدة # وإن سلمنا أنه حجة ولكن يمتنع التمسك به لوجهين الأول أن زيادة النبي صلى ~~الله عليه وسلم على السبعين في الاستغفار ليس فيه ما يدل على فهمه وقوع ~~المغفرة لهم باستغفاره زيادة على السبعين وليس في لفظه ما يدل عليه فيحتمل ~~أنه قصد بذلك استمالة قلوب الأحياء منهم ترغيبا لهم في الدين لا لوقوع ~~المغفرة وليس أحد الأمرين أولى من الآخر بل ربما كان احتمال الاستمالة أولى ~~من فهمه وقوع المغفرة بالزيادة على السبعين في الاستغفار من الآية لما فيه ~~من دفع التعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى @QB@ سواء عليهم أستغفرت لهم ~~أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم @QE@ 9 التوبة 80 ) # الوجه الثاني أن تخصيص نفي المغفرة بالسبعين يدل على انتفاء PageV03P082 ~~المغفرة بالسبعين قطعا ضرورة صدق الله تعالى في خبره # ومن قال بدليل الخطاب فهو قائل بأنه يدل على نقيض حكم المنطوق في محل ~~السكوت وعند ذلك فلو دل اختصاص السبعين بنفي المغفرة قطعا على نقيضه في محل ~~السكوت لكان دالا على وقوع المغفرة بعد السبعين وذلك إما أن يكون قطعا أو ~~ظنا الأول خلاف الإجماع وخلاف ما ذكرناه من الآية الدالة على امتناع ~~المغفرة بعد السبعين والثاني فليس نقيضا لنفي المغفرة قطعا بل هو مقابل ~~والمقابل أعم من النقيض فلا يكون ذلك من باب دليل الخطاب وفيه دقة فليتأمل # الحجة الثالثة مصير ابن عباس رضي الله عنهما إلى منع توريث الأخت مع ~~البنت استدلالا بقوله تعالى @QB@ إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ~~ما ترك @QE@ 4 النساء 176 ) حيث إنه فهم من توريث الأخت مع عدم الولد ~~امتناع توريثها مع البنت لأنها ولد وهو من فصحاء العرب وترجمان القرآن # وجواب هذه الحجة ما سبق في دفع الحجة التي قبلها كيف وإنه ms553 يحتمل أنه ورث ~~الأخت عند عدم الولد بالآية وعند وجود البنت لم يورثها بناء على استصحاب ~~النفي الأصلي لا بناء على دليل الخطاب وليس أحد الأمرين أولى من الآخر # الحجة الرابعة أن الصحابة اتفقوا على أن قوله صلى الله عليه وسلم إذا ~~التقى الختانان فقد وجب الغسل ناسخ لقوله صلى الله عليه وسلم الماء من ~~الماء ولولا أن قوله الماء من الماء يدل على نفي الغسل من غير إنزال لما ~~كان نسخا له # ولقائل أن يقول لا نسلم صحة الاحتجاج بخبر الواحد في اللغات وإن سلمنا ~~ولكن لا نسلم أن جملة الصحابة اتفقوا على ذلك # وقول البعض لا PageV03P083 يكون حجة على غيره وإن سلمنا اتفاق الصحابة ~~على ذلك ولكن إنما حكموا بكونه ناسخا لا لمدلول دليل الخطاب بل يحتمل أنهم ~~فهموا من قوله صلى الله عليه وسلم الماء من الماء كل غسل من إنزال الماء ~~ويدل على تأكد هذا الاحتمال قوله صلى الله عليه وسلم لا ماء إلا من الماء ~~فكان قوله إذا التقى الختانان وجب الغسل ناسخا لمدلول عموم الأول لا لمدلول ~~دليل الخطاب وليس أحد الأمرين أولى من الآخر بل حمله على ما ذكرناه أولى ~~لكونه متفقا عليه ومختلفا فيما ذكروه # الحجة الخامسة ما روي أن يعلى بن أمية قال لعمر ما بالنا نقصر وقد أمنا ~~وقد قال الله تعالى @QB@ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم @QE@ ~~4 النساء 101 ) ووجه الاحتجاج به أنه فهم من تخصيص القصر بحالة الخوف عدم ~~القصر عند عدم الخوف ولم ينكر عليه عمر بل قال لقد عجبت مما عجبت منه فسألت ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال لي هي صدقة تصدق الله بها عليكم ~~فاقبلوا صدقته ويعلى بن أمية وعمر من فصحاء العرب وقد فهما ذلك # والنبي صلى الله عليه وسلم أقرهما عليه # ولقائل أن يقول لا نسلم صحة الاحتجاج بخبر الواحد ها هنا وإن سلمنا لكن ~~يحتمل أن يعلى وعمر بنيا عدم القصر على استصحاب الحال في ms554 حالة الأمن لا على ~~دليل الخطاب وليس أحد الأمرين أولى من الآخر بل البناء على الاستصحاب أولى ~~دفعا للتعارض بين الدليل المجوز للقصر حالة الأمن والدليل النافي له # الحجة السادسة أنه إذا قال العربي لوكيله اشتر لي عبدا أسود فهم منه عدم ~~الشراء للأبيض حتى إنه لو اشترى أبيض لم يكن ممتثلا وكذلك إذا PageV03P084 ~~قال الرجل لزوجته أنت طالق إن دخلت الدار فهم منه انتفاء الطلاق عند عدم ~~الدخول # ولقائل أن يقول ليس ذلك مفهوما من دليل الخطاب بل عدم شراء الأبيض وعدم ~~وقوع الطلاق قبل دخول الدار إنما كان مستندا إلى النفي الأصلي ولهذا فإنه ~~لو قال له لا تشتر لي عبدا أسود وقال لزوجته إن دخلت الدار فلست طالقا فإنه ~~لا يصح شراؤه لعبد غير أسود ولا يقع بالزوجة الطلاق بتقدير عدم دخول الدار ~~لبقاء ذلك على النفي الأصلي ولو كان نفي الحكم في محل السكوت مما يدل عليه ~~ذكر الحكم في محل النطق لصح شراء عبد ليس بأسود وطلقت الزوجة بتقدير عدم ~~دخول الدار # وعلى هذا فكل خطاب ورد في الشرع أو اللغة بحكم مخصص بصفة وهو منفى عما ~~عدا تلك الصفة فهو مبني على استصحاب الحال لا على دليل الخطاب # وأما الحجج العقلية فخمس حجج # الحجة الأولى أنه لو كان حكم السائمة والمعلوفة سواء في وجوب الزكاة لما ~~كان لتخصيص السائمة بالذكر فائدة بل كان ملغزا بذكر ما يوهم في الزكاة في ~~المعلوفة ومقصرا في البيان مع دعو الحاجة إليه # وذلك على خلاف الأصل وحيث امتنع ذلك دل على أن فائدة التخصيص بذكر ~~السائمة نفي الزكاة عن المعلوفة # ولقائل أن يقول ما ذكرتموه في إثبات دليل الخطاب يرجع إلى إثبات الوضع ~~بما فيه من الفائدة ولا نسلم إمكان إثبات الوضع بذلك سلمنا إمكان ذلك ولكن ~~لا نسلم أنه لا فائدة في تخصيص الصفة بالذكر سوى نفي الحكم المعلق بها عند ~~عدمها # وبيانه من وجهين الأول أنه لو لم يكن له فائدة سوى نفي الحكم في محل ms555 ~~السكوت لامتنع ورود نص خاص يدل على إثبات الحكم في محل السكوت لما فيه من ~~إبطال فائدة التخصيص بالذكر لمحل النطق لما يلزم من اللغو في كلام الحكيم ~~وهو ممتنع PageV03P085 # فإن قيل فإذا أثبت مثل ذلك الحكم في محل السكوت لم يكن مخصصا للصفة ~~بالحكم حتى يقال بأن التخصيص يكون لغوا # قلنا فإذا مجرد تخصيص الصفة بالذكر لا يكون دليلا على نفي الحكم عند ~~عدمها دون البحث عما يدل على إثبات الحكم في محل السكوت مع عدم الظفر به ~~وليس كذلك عندكم لكن نفس التخصيص دليل ووجود ما يدل على إثبات الحكم في ~~صورة السكوت يكون معارضا له بل أمكن وجود فائدة أخرى دعت إلى التخصيص ~~بالذكر وهي إما عموم وقوع المذكور كما في قوله تعالى @QB@ وربائبكم اللاتي ~~في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن @QE@ 4 النساء 23 ) وإما لسؤال سائل ~~سأل عن ذلك أو لحدوث واقعة وقعت كذلك # وإن لم يكن شيء من ذلك فأمكن أن يكون ذلك لرفع وهم من توهم أن حكم الصفة ~~بتقدير تعميم اللفظ يكون مخالفا لحكم العموم ويكون بذلك منبها على إثبات ~~الحكم فيما عدا الصفة بطريق الأولى وذلك كما لو قال ضحوا بشاة فإنه قد ~~يتوهم متوهم أنه لا يجوز التضحية بشاة عوراء فإذا قال ضحوا بشاة عوراء كان ~~ذلك أدل على التضحية بما ليست عوراء وكذلك لو قال ولا تقتلوا أولادكم ( 17 ~~) الإسراء 31 ) على العموم فقد يتوهم أنه لم يرد النهي عن قتلهم عند خشية ~~الإملاق فإذا قال @QB@ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق @QE@ 17 الإسراء 31 ) ~~كان أدل على النهي في غير حالة الخشية وإن لم يكن كذلك أمكن أن يكون لفائدة ~~تعريف حكم المنطوق والمسكوت بنصين مختلفين إذ هو أدل على المقصود من ~~التعميم لوقوع الخلاف فيه وإمكان تطرق التخصيص بالاجتهاد إلى محل الصفة ~~وغيرها وليس مرادا للتخصيص وإن لم يكن كذلك أمكن أن يكون ذلك لفائدة التوصل ~~إلى معرفة الحكم في المسكوت عنه بطريق الاجتهاد لينال المكلف ثواب الاجتهاد ms556 ~~حين توفر دواعي المجتهدين على النظر والاستدلال والبحث عن الأحكام الشرعية ~~فتبقى غضة طرية كما PageV03P086 هي في سائر الأصول المنصوص عليها مع وقوعها ~~في الأقيسة وإن لم يكن كذلك أمكن أن يكون حكم الصفة جاريا على حكم العقل ~~الأصلي وتكون المصلحة في نظر الشارع تعريف ذلك الحكم عند وجود الصفة بالنص ~~وعند عدمها بالبقاء على الحكم الأصلي كما لو قال لا زكاة في الغنم السائمة ~~وإن لم يكن كذلك وكان الحكم في محل السكوت مخالفا للحكم في محل النطق فأمكن ~~أن يكون ثبوت الحكم على خلاف حكم العقل كما في إيجاب الزكاة وتكون فائدة ~~التنصيص على محل الصفة اختصاصه بالحكم فإنه لولا النص لما ثبت ويكون الحكم ~~في محل السكوت منتفيا بناء على حكم العقل الأصلي # فإن قيل فإذا سلمتم انتفاء الحكم في محل السكوت فقد وافقتم على المطلوب # قلنا ليس كذلك فإن النزاع إنما وقع في إسناد النفي في محل السكوت إلى ~~دليل الخطاب لا إلى النفي الأصلي وإن سلمنا أنه لا فائدة في التخصيص سوى ما ~~ذكرتموه لكن يلزم على ما ذكرتموه مفهوم اللقب الذي لم يقل به محصل على ما ~~يأتي تقريره فكل ما هو جواب لكم ثم فهو جواب لنا ها هنا # الحجة الثانية إن أهل اللغة فرقوا بين الخطاب المطلق والمقيد بالصفة كما ~~فرقوا بين الخطاب المرسل وبين المقيد بالاستثناء والاستثناء يدل على أن حكم ~~المستثنى على خلاف حكم المستثنى منه فكذلك الصفة # ولقائل أن يقول نحن لا ننكر الفرق بين حكم الخطاب المطلق وبين حكم الخطاب ~~المقيد بالصفة فإن حكم المطلق العلم أو الظن بثبوت حكمه مطلقا وحكم الخطاب ~~المقيد بالصفة ثبوته في محل التنصيص قطعا أو ظنا وفي غير محل الصفة مشكوك ~~في إثباته ونفيه فقد افترقا كما وقع الافتراق بين الخطاب المطلق والخطاب ~~المستثنى منه غير أن المطلق يقتضي إثبات الحكم أو نفيه مطلقا PageV03P087 ~~والخطاب المستثنى منه يقتضي نفي الحكم في صورة الاستثناء جزما # وعلى هذا فإن قيل بأن الفرق سوى بينهما ms557 من كل وجه فهو ممتنع # وإن قيل بوجوب التسوية بينهما من جهة أنه لا بد من الافتراق بين المطلق ~~والمقيد بالصفة في الجملة كما وقع الافتراق بين المطلق والمستثنى منه في ~~الجملة فهو واقع لا محالة # الحجة الثالثة أنه إذا كان التخصيص بذكر الصفة يدل على الحكم في محل ~~التنصيص وعلى نفيه في محل السكوت كانت الفائدة فيه أكثر مما إذا لم يدل ~~فوجب جعله دليلا عليه # ولقائل أن يقول ما ذكرتموه وإن كان من جملة الفوائد غير أن إثبات الحكم ~~أو نفيه مأخوذا من دليله فرع دلالة ذلك الدليل عليه # فلو قيل بكونه دليلا عليه لكون الحكم يكون داخلا فيه كان دورا # كيف وإنه ليس القول بكون التخصيص دالا على نفي الحكم في محل السكوت ~~تكثيرا للفائدة وإبطال ما ذكرناه من الفوائد التي سبقت أولى من العكس # الحجة الرابعة أن التعليق بالصفة كالتعليق بالعلة والتعليق بالعلة يوجب ~~نفي الحكم لانتفاء العلة فكذلك الصفة # ولقائل أن يقول لا نسلم لزوم انتفاء الحكم مع انتفاء العلة حتى يقال مثله ~~في الصفة اللهم إلا أن يقال باتحاد العلة فإنه يلزم من نفيها نفي الحكم ~~ولكن لا نسلم أنه يلزم مثله في الصفة ضرورة أنه يلزم من تعدد أصناف النوع ~~وأشخاصه تعدد صفاته وإلا لما تعدد بل كان متحدا من كل وجه # الحجة الخامسة أنه قال صلى الله عليه وسلم طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه ~~الكلب أن يغسله سبعا فلو لم يدل على عدم الطهارة فيما دون السبع وإلا لما ~~طهر بالسبع لأن السابعة تكون واردة على محل طاهر فلا يكون طهوره بالسبع ~~ويلزم من ذلك إبطال دلالة المنطوق # وكذلك إذا قال يحرم من الرضاع خمس رضعات لو لم يدل على أن ما دون ذلك لا ~~يحرم لما كانت الخمس رضعات محرمة لما عرف في الغسلات PageV03P088 # ولقائل أن يقول لا يلزم من كون الغسلات السبع غير دالة على نفي الطهارة ~~فيما دون السبع ومن كونه الرضعات الخمس غير دالة على نفي الحرمة ms558 فيما دونها ~~أن يكون المحل قبل السابعة طاهرا ولا أن يكون ما دون الخمس من الرضعات ~~محرما لجواز ثبوت النجاسة قبل السبع بدليل آخر غير دليل الخطاب # وكذلك جاز أن يكون ما دون الرضعات الخمس غير محرمة بدليل غير دليل الخطاب # وإذ أتينا على حجج القائلين بدليل الخطاب وتتبع ما فيها فلا بد من ذكر ~~حجج عول عليها القائلون بإبطال دليل الخطاب والتنبيه على ما فيها ثم نذكر ~~بعد ذلك ما هو المختار # الحجة الأولى أن تقييد الحكم بالصفة لو دل على نفيه عند نفيها إما أن ~~يعرف ذلك بالعقل أو النقل والعقل لا مجال له في اللغات والنقل إما متواتر ~~وآحاد ولا سبيل إلى التواتر والآحاد لا تفيد غير الظن وهو غير معتبر في ~~إثبات اللغات لأن الحكم على لغة ينزل عليها كلام الله تعالى ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم بقول الآحاد مع جواز الخطإ والغلط عليه يكون ممتنعا # ولقائل أن يقول إن سلمنا أن ذلك لا يعرف إلا بالنقل ولكن لا نسلم امتناع ~~إثبات ذلك بالآحاد إذ المسألة عندنا غير قطعية بل ظنية مجتهد فيها بنفي أو ~~إثبات بل غلبة ظن تجري فيها التخطئة الظنية دون القطعية كما في سائر مسائل ~~الفروع الاجتهادية كيف وإن اشتراط التواتر في إثبات اللغات إما أن يكون في ~~كل كلمة ترد عن أهل اللغة أو في البعض دون البعض القول بالتفصيل تحكم غير ~~معقول كيف وأنه لا قائل به وإن كان ذلك شرطا في الكل فذلك مما يفضي إلى ~~تعطيل التمسك بأكثر اللغة لتعذر التواتر فيها ويلزم من ذلك تعطيل العمل ~~بأكثر ألفاظ الكتاب والسنة والأحكام الشرعية والمحذور في ذلك فوق المحذور ~~في قبول خبر PageV03P089 الواحد المعروف بالعدالة والضبط والمعرفة وهو تطرق ~~الكذب أو الخطإ عليه مع أن الغالب صدقه وصحه نقله # ولهذا كان العلماء في كل عصر وإلى زمننا هذا يكتفون في إثبات الأحكام ~~الشرعية المستندة إلى الألفاظ اللغوية بنقل الآحاد المعروفين بالثقة ~~والمعرفة كالأصمعي والخليل وأبي عبيدة وأمثالهم # الحجة الثانية ms559 أنه لو كان تقييد الحكم بالصفة يدل على نفيه عند عدمها لما ~~حسن الاستفهام عن الحكم في حال نفيها لا عن نفيه ولا عن إثباته لكونه ~~استفهاما عما دل عليه اللفظ كما لو قال له لا تقل لزيد أف فإنه دل على ~~امتناع ضربه فإنه لا يحسن أن يقال فهل أضربه ولا شك في حسنه لو قال أد ~~الزكاة عن غنمك السائمة فإنه يحسن أن يقال وهل أؤديها عن المعلوفة ولقائل ~~أن يقول حسن الاستفهام إنما كان لطلب الأجلى والأوضح لكون دلالة الخطاب ~~ظاهرة ظنية غير قطعية ولهذا فإنهم لم يستقبحوا الاستفهام ممن قال رأيت أسدا ~~أو بحرا أو دخل السلطان البلد بأن يقال هل رأيت الحيوان المخصوص أو إنسانا ~~شجاعا وهل رأيت البحر الذي هو الماء المخصوص أو إنسانا كريما وهل رأيت ~~السلطان نفسه أو عسكره مع أن لفظه ظاهر في أحد المعنيين دون الآخر # الحجة الثالثة لو كان تعليق الحكم على الصفة يدل على نفيه عن غير المتصف ~~بها لكان في الخبر كذلك ضرورة اشتراك الأمر والخبر في التخصيص بالصفة ~~واللازم ممتنع # ولهذا فإنه لو قال رأيت الغنم السائمة ترعى فإنه لا يدل على عدم رؤية ~~المعلوفة منها # ولقائل أن يقول # الاستشهاد بالخبر وإن كان كثيرا ما يستروح إليه المنكرون لدليل الخطاب ~~إلا أنه ممنوع عند القائلين بدليل الخطاب ولا فرق عندهم في تعليق الحكم ~~بالصفة بين الأمر والخبر # ولهذا فإنه لو قال القائل الفقهاء الشافعية فضلاء أئمة فإن سامعه من ~~PageV03P090 فقهاء الحنفية وغيرهم تشمئز نفسه من ذلك وتكبر عن سماعه لا ~~لوصفه لهم بذلك بل لما فيه من الإشعار بسلب ذلك عمن ليس بشافعي # وهذا الشعور مما لا يختلف فيه الأمر والخبر عندهم وإن سلم امتناع ذلك في ~~الخبر فحاصل ما ذكروه يرجع إلى القياس في اللغة وهو ممتنع لما سبق # وبتقدير صحة القياس في اللغة فالفرق بين الخبر والأمر ظاهر وذلك أنه إذا ~~أخبر وقال رأيت خبزا سميدا ولحما طريا ورطبا جنيا إنما يخبر عما شاهده ms560 ~~وعلمه ولا يلزم من مشاهدته لذلك أن لا يكون قد شاهد ما ليس على هذه الصفة # وإذا قال لعبده اشتر خبزا سميذا ولحما طريا ورطبا جنيا مع علمه بأن الخبز ~~الخشكار واللحم والرطب البايت مما يباع في السوق فقوله ذلك إنما يقصد به ~~البيان وتمييز ما يشترى عما لا يشترى فكان النفي ملازما للإثبات # الحجة الرابعة أن أهل اللغة فرقوا بين العطف والنقض فقالوا قول القائل ~~اضرب الرجال الطوال والقصار فالقصار عطف وليس بنقض للأول ولو كان قوله اضرب ~~الرجال الطوال مقتضيا لنفي الضرب عن القصار لكان نقضا لا عطفا وهي بعيدة عن ~~التحقيق # وذلك أن قول القائل اضرب الرجال الطوال إنما يدل على امتناع ضرب القصار ~~بتقدير اختصاص الطوال بالذكر وإذا عطف عليه القصار فلا يكون مخصصا للطوال ~~بالذكر فلا يدل على نفي الضرب عن القصار ثم هو منتقض بالتخصيص بالغاية كما ~~لو قال القائل لغيره صم إلى غروب الشمس فإنه يدل على أن حكم ما بعد الغاية ~~مخالف لما قبلها ومع ذلك فإنه لو قال له صم إلى غروب الشمس وإلى نصف الليل ~~فإنه لا يكون نقضا # الحجة الخامسة أنه لو كان تعليق الحكم بالصفة دالا على نفيه عن غير ~~الموصوف بها لما حسن الجمع بين قوله أد زكاة السائمة وبين قوله والمعلوفة ~~لما بينهما من التناقض كما لا يحسن أن يقول له لا تقل لزيد أف واضربه ~~PageV03P091 # ولقائل أن يقول إنما لا يحسن ذلك أن لو قيل بالمناقضة وليس كذلك على ما ~~سبق في الحجة التي قبلها # هذا إذا كان بطريق العطف وأما إن قال بعد ذلك أد زكاة المعلوفة فإنما لم ~~يمتنع لأن غايته أن صريح قوله أد زكاة الغنم المعلوفة وقع معارضا لدليل ~~الخطاب والمعارضة غير ممتنعة # ولا يلزم من عدم جواز مثل ذلك في فحوى الخطاب امتناعه في دليل الخطاب إذ ~~هو قياس في اللغة وهو ممتنع لما سبق # وبتقدير صحة القياس في اللغة فالفرق ظاهر وذلك لأن امتناع ذلك في فحوى ~~الخطاب إنما ms561 كان فيما علم لا فيما ظن على ما سبق # ودليل الخطاب فمظنون ولا يلزم من امتناع معارضه المقطوع امتناع معارضة ~~المظنون # ثم يلزم عليه التخصيص بالغاية كما سبق # الحجة السادسة ذكرها أبو عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار وهي أن ~~المقصود من الصفة إنما هو تمييز الموصوف بها عما سواه # وكذلك المقصود من الاسم إنما هو تمييز المسمى عن غيره وتعليق الحكم ~~بالاسم كما لو قال زيد عالم لا يدل على نفي العلم عمن لم يسم باسم زيد ~~فكذلك تعليق الحكم بالصفة # ولقائل أن يقول قياس التخصيص بالصفة على التخصيص بالاسم قياس في اللغة ~~فلا يصح وإن صح فلا نسلم أن تعليق الحكم بالاسم لا يدل على نفي الحكم عما ~~سواه كما يأتي # وإن سلم عدم دلالته على ذلك فإنما يلزم مشاركة التعليق بالصفة له في ذلك ~~أن لو بين أن مناط عدم دلالة التعليق بالاسم كونه موضوعا للتمييز وهو غير ~~مسلم # ثم الفرق بينهما أن شعور المتكلم بالاسم العام المقيد بالصفة الخاصة بما ~~ليس له تلك الصفة أتم من شعور المتكلم باسم أحد الجنسين بالجنس الآخر # وعند ذلك فلا يلزم من عدم دلالة التخصيص بالاسم مثله في الصفة # كيف وهو منقوض بالتخصيص بالغاية فإنها مقصودة للتمييز # ومع ذلك فهو دال على أن حكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها # الحجة السابعة أن تعليق الحكم بالصفة لا يدل على نفيه عن غير PageV03P092 ~~الموصوف بها لأنه يصح أن يقال في الغنم السائمة زكاة ولا زكاة في المعلوفة ~~منها # ولو كان قوله في الغنم السائمة زكاة يدل على نفيها عن المعلوفة لما احتيج ~~إلى العبارة الأخرى لعدم فائدتها # ولقائل أن يقول كون الحكم في محل السكوت مستفادا من دليل الخطاب لا يمنع ~~من وضع عبارة خاصة إذ هو أبلغ في الدلالة وأقرب إلى حصول المقصود كما لا ~~يمتنع ذلك في التقييد بالغاية كما تقدم ذكره # الحجة الثامنة أن القول في الغنم السائمة زكاة له دلالة بمنطوقه على وجوب ~~السائمة فلو كان له ms562 دلالة مفهوم لجاز أن يبطل حكم المنطوق ويبقى حكم دلالة ~~المفهوم كما يجوز أن يبطل حكم دليل الخطاب ويبقى حكم صريح الخطاب وهو ممتنع # ولقائل أن يقول دليل الخطاب إنما هو متفرع من تخصيص الحكم بالصفة فإذا ~~بطل حكم الصفة فلا تخصيص ومع عدم التخصيص فلا دلالة لدليل الخطاب ثم هو ~~منقوض بالتخصيص بالغاية # الحجة التاسعة أنه ليس في لغة العرب كلمة تدل على المتضادين معا # فلو كان قوله في الغنم السائمة زكاة دالا على نفي الزكاة عن المعلوفة ~~لكان اللفظ الواحد دالا على الضدين معا وهو ممتنع # ولقائل أن يقول لا نسلم أنه ليس في اللغة لفظ يدل على المتضادين معا ~~بدليل ما ذكرناه من دلالة الأسماء المشتركة على المسميات المتعددة معا كانت ~~أضدادا أو لم تكن # سلمنا امتناع ذلك ولكن إنما يمتنع ذلك بالنظر إلى جهة واحدة من دلالة ~~اللفظ # وأما من جهتين فلا نسلم ذلك وها هنا الدال على وجوب الزكاة في السائمة ~~صريح الخطاب والدال على نفي الزكاة عن المعلوفة دليل الخطاب وهما غيران ثم ~~ما ذكرتموه منتقض بالتخصيص بالغاية # الحجة العاشرة أن صورة الغنم السائمة مخالفة لصورة الغنم التي ليست ~~بسائمة وعند اختلاف الصورتين لا يلزم من ثبوت الحكم في أحديهما ثبوته في ~~الأخرى ولا عدمه لجواز اشتراك الصور المختلفة في أحكام وافتراقها في أحكام # وإذا لم يكن ذلك لازما لم يلزم من الإخبار عن حكم في إحدى الصورتين ~~الإخبار عنه في الصورة الأخرى لا وجودا ولا عدما PageV03P093 # ولقائل أن يقول متى لا يلزم من ثبوت الحكم في إحدى الصورتين نفيه في ~~الصورة الأخرى إذا كان ذلك الحكم قد علق ثبوته بالاسم العام الموصوف بصفة ~~خاصة أو إذا لم يكن الأول ممنوع ودعواه دعوى محل النزاع والثاني مسلم # وعلى هذا فالقول بأنه لا يلزم من الإخبار عن حكم إحدى الصورتين ~~المختلفتين الإخبار عن الصورة الأخرى مطلقا لا يكون صحيحا ثم إنه منتقض ~~بفحوى الخطاب فإن صورة المنطوق بالحكم فيها مخالفة للصورة المسكوت عنها ومع ~~ذلك ms563 فإن الحكم الثابت في صورة النطق لازم ثبوته في صورة السكوت والإخبار ~~عنه في إحداهما إخبار عنه في الصورة الأخرى # وإذ أتينا على ما أردناه من التنبيه على إبطال الحجج الواهية فلا بد من ~~الإشارة إلى ما هو المختار في ذلك وأقرب ما يقال فيه مسلكان المسلك الأول ~~إنه لو كان تعليق الحكم على الصفة موجبا لنفيه عند عدمها لما كان ثابتا عند ~~عدمها لما يلزمه من مخالفة الدليل # وهو على خلاف الأصل لكنه ثابت مع عدمها # ودليله قوله تعالى @QB@ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق @QE@ 17 الإسراء ~~31 ) فإن النهي عن قتل الأولاد وقع معلقا على تحريم القتل حالة الإملاق ~~وكان التنصيص أولى من التحريم حالة خشية عدم خشية الإملاق بخشية الإملاق ~~وهو منهي عنه أيضا في حالة عدم خشية الإملاق # فإن قيل تعليق الحكم بالصفة عندنا إنما يكون دليلا على نفيه حالة عدم ~~الصفة إذا لم يكن حالة عدم الصفة أولى بإثبات حكم الصفة كما ذكرناه من حكم ~~زكاة السائمة والمعلوفة # وأما إذا كان الحكم في حالة عدم الصفة أولى بالإثبات من حالة وجود الصفة ~~فلا وها هنا تحريم القتل حالة عدم خشية الإملاق أولى من التحريم حالة خشية ~~الإملاق # فكان التنصيص على تحريم القتل حالة خشية الإملاق محرما له حالة عدم ~~الخشية بطريق الأولى وكان ذلك من باب فحوى الخطاب لا من باب دليل الخطاب ~~PageV03P094 # قلنا هذا وإن استمر لكم في هذه الصورة فلا يستمر في قوله تعالى @QB@ لا ~~تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة @QE@ 3 آل عمران 130 ) وفي قوله @QB@ ولا ~~تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا @QE@ 4 النساء 6 ) وفي قوله تعالى @QB@ ~~ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا @QE@ 24 النور 33 ) فإن النهي ~~في جميع هذه الصور ليس هو أولى من صور السكوت فإن النهي # عن أكل قليل الربا ليس أولى من كثيره ولا النهي عن أكل مال اليتيم من غير ~~إسراف أولى من الإسراف ولا النهي عن الإكراه على الزنى حالة إرادة التحصن ~~أولى من حالة ms564 إرادة الزنى # ومع ذلك فالحكم في الكل مشترك # فإن قيل مخالفة دليل الخطاب في هذه الصور إنما كانت لمعارض ولا يلزم ~~مخالفته عند عدم المعارض # قلنا وإن كان ثبوت الحكم في صورة السكوت على نحو ثبوته في صورة النطق ~~لدليل ولكن يجب أن يعتقد أنه من غير مخالفة دليل لما فيه من دفع محذور ~~المعارضة # ولو كان دليل الخطاب دليلا لزم من ذلك التعارض وهو خلاف الأصل # المسلك الثاني إن تعليق الحكم بالصفة لو كان مما يستفاد منه نفي الحكم ~~عند عدم الصفة لم يخل إما أن يكون ذلك مستفادا من صريح الخطاب أو من جهة أن ~~تعليق الحكم بالصفة يستدعي فائدة ولا فائدة سوى نفي الحكم عند عدم الصفة أو ~~من جهة أخرى الأول محال فإن صريح الخطاب بوجوب الزكاة في السائمة غير صريح ~~بوجوبها في المعلوفة كيف وإن ذلك مما لا قائل به PageV03P095 # والثاني أيضا ممتنع لما ذكرناه من الوجوه الكثيرة في إبطال الحجة الأولى ~~من المعقول للقائلين بدليل الخطاب # والثالث فالأصل عدمه وعلى مدعيه بيانه ويلتحق بهذه المسألة تخصيص الأوصاف ~~التي تطرأ وتزول كقوله السائمة تجب فيها الزكاة والحكم كالحكم نفيا وإثباتا ~~والمأخذ من الطرفين فعلى ما عرف والمختار فيها كالمختار ثم # # | المسألة الثانية # اختلفوا في الحكم المعلق على شيء بكلمة ( إن ) هل الحكم على العدم عند ~~عدم ذلك الشيء أولا فذهب ابن سريج والهراسي من أصحاب الشافعي والكرخي وأبو ~~الحسين البصري إلى أن الحكم على العدم مع عدم ذلك الشرط وذهب القاضي أبو ~~بكر والقاضي عبد الجبار وأبو عبد الله البصري إلى أن الحكم لا يكون على ~~العدم عند عدم الشرط وهو المختار # وبيانه أن ما علق عليه الحكم بكلمة ( إن ) إما أن لا يكون شرطا للحكم أو ~~يكون شرطا فإن كان الأول فلا يلزم من نفيه نفي الحكم وإن كان شرطا فلا يخلو ~~إما أن يكون من لوازم الشرط انتفاء الحكم المعلق عليه مطلقا عند انتفائه أو ~~لا يكون لازما له الأول محال وإلا لامتنع ms565 وجود القصر المعلق على الخوف ~~بكلمة ( إن ) في قوله تعالى @QB@ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن ~~خفتم أن يفتنكم الذين كفروا @QE@ PageV03P096 4 النساء 101 ) وهو خلاف ~~الإجماع وإن كان الثاني فهو المطلوب # فإن قيل هو من لوزامه بتقدير عدم المعارض وليس من لوازمه بتقدير المعارض ~~ثم ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه وبيانه أن كلمة ( إن ) مسماة في ~~اصطلاح أهل اللغة بالشرط والأصل في الإطلاق الحقيقة ولأن قول القائل لغيره ~~إن دخل زيد الدار فأكرمه في معنى قوله دخول زيد الدار شرط في إكرامه فكان ~~ما دخلت عليه كلمة ( إن ) شرطا في الحكم وإذا كان شرطا لزم من عدمه عدم ~~المشروط # ويدل عليه ثلاثة أمور الأول أن يعلى بن أمية فهم من تعليق القصر على ~~الخوف بكلمة @QB@ إن @QE@ عدم القصر عند عدم الخوف حيث سأل عمر قال ما ~~بالنا نقصر وقد أمنا وقد قال تعالى @QB@ فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة إن خفتم @QE@ 4 النساء 101 ) وأقره عمر على ذلك وقال له لقد عجبت ~~مما عجبت منه فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال صدقة تصدق الله ~~بها عليكم فاقبلوا صدقته # وفهم عمر ويعلى ذلك مع تقرير النبي صلى الله عليه وسلم لهما على ما فهماه ~~دليل ظاهر على العدم عند العدم # الثاني أن الأمة متفقة على أن الحياة شرط لوجود العلم والقدرة والإرادة ~~ونحو ذلك وإن الحول شرط لوجوب الزكاة وحكموا بانتفاء العلم والقدرة عند عدم ~~الحياة وبانتفاء وجوب الزكاة عند عدم الحول ولولا أن ذلك مقتضى الشرط لما ~~كان كذلك # الثالث أنه إذا كان الشرط مما لا يثبت الحكم مع عدمه على كل حال وهو لا ~~يلزم من وجوده وجود الحكم فيلزم أن يكون كل أمرين مختلفين لا يلزم من وجود ~~أحدهما وجود الآخر ولا من عدمه عدمه شرطا وهو محال متفق عليه PageV03P097 # والجواب قولهم انه من لوازمه بتقدير عدم المعارض # قلنا يجب أن لا يكون مقتضيا لذلك حذرا من التعارض بتقدير ms566 وجود المعارض # وما ذكروه ثانيا إنا وإن سلمنا أن ما دخلت عليه كلمة ( إن ) شرط ولكن لا ~~نسلم أنه يلزم من عدمه عدم المشروط # وأما الاستدلال بقضية يعلى بن أمية فليس فيه ما يدل على أن عدم الخوف ~~مانع من ثبوت القصر دونه بل لعله فهم أن الأصل عدم القصر وحيث ورد القصر ~~حالة الخوف بقوله @QB@ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم @QE@ ~~ولم يوجد ما يدل على القصر حالة عدم الخوف فيبقى على حكم الأصل فإن قيل ما ~~ذكرتموه من الاحتمال إنما يصح أن لو كان الأصل في الصلاة الإتمام وليس كذلك ~~بل الأصل في الصلاة عدم الإتمام ودليله ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها ~~قالت كانت الصلاة في السفر والحضر ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر ~~فلم يبق للتعجب وجه سوى دلالة اشتراط الخوف وعدم القصر عند عدمه # قلنا الصلاة المشروعة بديا ركعتين لا تسمى مقصورة كصلاة الصبح ولا فعلها ~~قصرا وإنما المقصورة اسم لما جوز الاقتصار عليه من ركعتين في الرباعية ولفظ ~~القصر لنفس الاقتصار على الركعتين من الرباعية فإطلاق لفظ القصر في الآية ~~مشعر بسابقة وجوب الإتمام لا محالة # وإذا كان الإتمام هو الأصل السابق على القصر فقد بطل ما ذكروه كيف وإن ما ~~ذكرناه من الاحتمال هو الأولى وإلا فلو كان اشتراط الخوف في القصر مانعا من ~~القصر مع عدمه لما جاز القصر مع عدم الخوف PageV03P098 أو كان القصر على ~~خلاف الدليل وهو ممتنع من غير ضرورة وأما عدم العلم والقدرة وعدم وجوب ~~الزكاة عند عدم الحياة وعدم الحول فليس في ذلك ما يدل على أن عدم الشرط ~~مانع من وجود الحكم مع عدمه ولا بد بل غايته أن الحكم قد ينتفي في بعض صور ~~نفي الشرط ولا نزاع فيه وإنما النزاع في لزوم انتفائه من انتفاء شرطه ولا ~~بد # وأما الوجه الثالث فالوجه في جوابه أن يقال لا يلزم من كونه الشرط لا ~~يلزم من ثبوته ثبوت الحكم ولا ms567 من نفيه نفيه إذا كان غير الشرط مشاركا له في ~~هذه الصفة أن يكون شرطا لأنه لا يمتنع اشتراك المختلفات في عارض عام لها ~~كيف وإن معنى كون الشيء شرطا لغيره أنه مؤكد لحال المشروط بمعنى أنه تحقق ~~الشرط لا يجوز نفي المشروط عند تحقق مقتضيه دفعا لوهم من توهم أن الخطاب لو ~~ورد مطلقا لجاز أن لا يكون المشروط بذلك الشرط مرادا وذلك كما لو قال ~~القائل ضح بالشاة وإن كانت عوراء فإنه لو قال ضحوا بالشاة مطلقا لجاز أن ~~يتوهم متوهم أنه لا يجوز التضحية بالعوراء فكان ذكر الشرط لدفع هذا الوهم # وعلى هذا فلا يلزم أن يكون كل شيء شرطا لكل شيء كما قالوه إلا أن يكون ~~الشرط على هذا النحو الذي ذكرناه وليس كذلك # وإن سلمنا أن الشرط يمنع من وجود المشروط دونه ولكن متى إذا أمكن قيام ~~شرط مقام ذلك الشرط أو إذا لم يقم مقامه شرط آخر الأول ممنوع والثاني مسلم # وهذا هو مذهب القاضي عبد الجبار وأبي عبد الله البصري # وعلى هذا فكونه شرطا يتحقق بانتفاء الحكم عند انتفائه إذا لم يقم غيره ~~مقامه وإن لم يثبت إذا قام غيره مقامه فلم قلتم إن غيره لم يقم مقامه في ~~الشرطية مع أن لفظ الاشتراط لا يدل على وجود شرط آخر ولا على عدمه ~~PageV03P099 فإن قيل إذا قال القائل لغيره إن دخل زيد الدار فأعطه درهما ~~معناه أن الشرط هو دخول الدار في عطيتك له وذلك يقتضي أن يكون كمال الشرط ~~هو دخول الدار لأن لام الجنس تقتضي العموم ولأن قوله إن دخل الدار فأعطه ~~درهما يقتضي عدم الإعطاء عند عدم الدخول فلو قام شرط آخر مقامه لزم منه ~~جواز الإعطاء مع عدم الدخول فيقتضي الشرط الأول امتناع وجود شرط آخر يقوم ~~مقامه لما فيه من إخراج الشرط الأول عن كونه شرطا # قلنا جواب الأول أنا لا نسلم أن معنى قوله ( إن دخل الدار ) هو الشرط بل ~~هو شرط وذلك لا يمنع من شرط ms568 آخر # وتقدير لام الجنس ها هنا زيادة لم يدل عليها دليل فلا يصار إليها # وجواب الثاني أنا لا نسلم أن قوله ( إن دخل الدار ) يقتضي عدم الاعطاء ~~عند عدم الدخول مطلقا بل إذا لم يقم غيره مقامه ( لكن قد يمكن أن يقال أمه ~~شرط آخر الأول ممنوع والثاني مسلم وهذا هو مذهب القاضي عبد الجبار وأبي عبد ~~الله البصري وعلى هذا فكونه شرطا يتحقق بانتفاء الحكم عند انتفائه إذا لم ~~يقم غيره مقامه وإن لم يثبت إذا قام غيره مقامه فلم قلتم أن غيره لم يقم ~~مقامه في الشرطية مع أن لفظ الاشتراط لا يدل على وجود شرط آخر ولا على عدمه # فإن قيل إذا قال القائل لغيره إن دخل زيد الدار فأعطه درهما معناه أن ~~الشرط هو دخول الدار في عطيتك له وذلك يقتضي أن يكون كمال التورط هو دخول ~~الدار لأن لأم الجنس تقتضي العموم ولأن قوله ولأن قوله إن دخل الدار فأعطه ~~درهما يقتضي عدم الاعطاء عند عدم الدخول فلو قام شرط آخر مقامه لزم منه ~~جواز الاعطاء مع عدم الدخول فيقتضي الشرط الأول امتناع وجود شرط آخر يقوم ~~مقامه لما فيه من إخراج الشرط الأول عن كونه شرطا # قلنا جواب الأول أنا لا نسلم أن معنى قوله ( إن دخل الدار ) هو شرط بل هو ~~شرط وذلك لا يمنع من شرط آخر وتقدير لام الجنس ههنا زيادة لم يدل عليها ~~دليل فلا يصار إليها PageV03P100 وجواب الثاني أنا نسلم أن قوله إن دخل ~~الدار يقتضي عدم الإعطاء عند عدم الدخول مطلقا بل إذا لم يقم غيره مقامه ~~لكن قد يمكن أن يقال ههنا إذا سلم أنه إذا لم يقم غيره مقامه إن عدمه يقتضي ~~العدم فالأصل عدم قيام غيره مقامه فاقتضى عدمه العدم # وربما احتج القاضي عبد الجبار وأبو عبد الله البصري بأنه لو منع الشرط من ~~ثبوت الحكم عند عدمه لكان قوله تعالى @QB@ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ~~إن أردن تحصنا @QE@ 24 النور 33 ) يمنع من تحريم ms569 الإكراه على الزنى عند عدم ~~إرادة التحصن وهو محال مخالف للإجماع # ولقائل أن يقول ذكر إرادة التحصن إنما كان لكونه شرطا في الإكراه ~~لاستحالة تحقق الإكراه على الزنى في حق من هو مريد له غير مريد للتحصن لا ~~لأنه شرط في تحريم الإكراه على الزنى والله أعلم # # | المسألة الثالثة # اختلفوا في الخطاب إذا قيد الحكم بغاية كما في قوله تعالى @QB@ ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل @QE@ 2 البقرة 187 ) وقوله تعالى @QB@ ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن @QE@ 2 البقرة 222 ) وقوله @QB@ فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا ~~غيره @QE@ 2 البقرة 230 ) وقوله @QB@ حتى يعطوا الجزية @QE@ فذهب أكثر ~~الفقهاء وجماعة من المتكلمين كالقاضي أبي بكر والقاضي عبد الجبار وأبي ~~الحسين البصري وغيرهم إلى أن ذلك يدل على نفي الحكم فيما بعد الغاية وخالف ~~في ذلك أصحاب أبي حنيفة وجماعة من الفقهاء والمتكلمين وهو PageV03P101 ~~المختار وذلك لأنه لو دل تقييدالحكم بالغاية المحدودة على نفي الحكم فيما ~~بعد الغاية لم يخل إما أن يدل عليه بصريح لفظه أو بأنه لو لم يكن دالا على ~~نفي الحكم فيما بعد الغاية لما كان التقييد بالغاية مفيدا أو من جهة أخرى ~~الأول محال لأن اللفظ بصريحه لم يدل على نفي الحكم بعد الغاية والثاني إنما ~~يلزم أن لو لم يكن للتقييد فائدة سوى ما ذكروه وليس كذلك بل جاز أن تكون ~~فائدة التقييد تعريف بقاء ما بعد الغاية على ما كان قبل الخطاب أي أنه غير ~~متعرض فيه لإثبات الحكم ولا نفيه # وإن كان الثالث فالأصل عدمه وعلى مدعيه بيانه # وأيضا فإنه لا مانع من ورود الخطاب فيما بعد الغاية بمثل الحكم السابق ~~قبل الغاية بالإجماع # وعند ذلك إما أن يكون تقييد الحكم بالغاية نافيا للحكم فيما بعدها أو لا ~~يكون والأول يلزم منه إثبات الحكم مع تحقق ما ينفيه وهو خلاف الأصل # وإن كان الثاني فهو المطلوب # فإن قيل ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه وبيانه أن كلمة ( حتى ) و ( ~~إلى ) لانتهاء الغاية وهي جارية ms570 مجرى قوله صوموا صوما أخره الليل ولو قال ~~ذلك لمنع من وجوب الصوم بعد مجيء الليل لأنه لو وجب الصوم بعد ذلك لصارت ~~الغاية وسطا وهو محال # ولهذا فإنه لو قال القائل لعبده لا تعط زيدا درهما حتى يقوم واضرب عمرا ~~حتى يتوب فإنه لا يحسن الاستفهام بعد ذلك وأن يقال فهل أعطيه إذا قام وهل ~~أضربه إذا تاب ولولا أن التقييد بالغاية يدل على عدم الحكم بعدها لما كان ~~كذلك # قلنا لا ننكر أن ( حتى ) و ( إلى ) لانتهاء الغاية وأنها جارية مجرى قوله ~~صوموا صياما آخره الليل غير أن الخلاف إنما هو في أن تقييد الحكم بالغاية ~~هل يدل على نفي الحكم فيما بعد الغاية وذلك غير لازم من التقييد ~~PageV03P102 بالغاية بل غايته أن دلالة التقييد بالغاية على أن ما بعدها ~~غير متعرض فيه بالخطاب الأول لا بنفي ولا إثبات ولا يلزم من وجود صوم بعد ~~الغاية أن تصير الغاية وسطا بل هي غاية للصوم المأمور به أولا وإنما تصير ~~وسطا أن لو كان الصوم فيما بعد الغاية مستندا إلى الخطاب الذي قبل الغاية ~~وليس كذلك # وأما أنه لا يحسن الاستفهام عند قوله لا تعط زيدا درهما حتى يقوم واضرب ~~عمرا حتى يتوب لأن ما بعد الغاية مسكوت عنه غير متعرض له بنفي ولا إثبات ~~فلا يحسن الاستفهام فيما لا دلالة للفظ عليه كما قبل الأمر بالإعطاء والضرب # # | المسألة الرابعة # اختلفوا في تقييد الحكم بعدد مخصوص هل يدل على أن ما عدا ذلك العدد ~~بخلافه أو لا والحق في ذلك إنما هو التفصيل وهو أن الحكم إذا قيد بعدد ~~مخصوص فمنه ما يدل على ثبوت ذلك الحكم فيما زاد على ذلك العدد بطريق الأولى ~~وذلك كما لو حرم الله جلد الزاني مائة وقال إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل ~~خبثا فإنه يدل على تحريم ما زاد على المائة وإن ما زاد على القلتين لا يحمل ~~خبثا بطريق الأولى ولأن ما زاد على المائة وعلى القلتين ففيه المائة ~~والقلتان وزيادة ms571 # وهل يدل ذلك على أن الحكم فيما دون المائة ودون القلتين على خلاف الحكم ~~في المائة والقلتين هذا موضع الخلاف # ومنه ما لا يدل على ثبوت الحكم فيما زاد على العدد المخصوص بطريق الأولى ~~وذلك كما إذا أوجب جلد الزاني مائة أو أباحه فإنه لا يدل على الوجوب ~~والإباحة فيما زاد على ذلك بطريق الأولى بل هو مسكوت عنه ومختلف في ~~PageV03P103 دلالته على نفي الوجوب والإباحة فيما زاد ومتفق على أن حكم ما ~~نقص كحكم المائة لدخوله تحتها لكن لا يمنع من الاقتصار عليه # والمختار فيما كان مسكوتا عنه ولم يكن الحكم فيه ثابتا بطريق الأولى من ~~هذه الصور أن تخصيص الحكم بالعدد لا يدل على انتفاء الحكم فيه لما ذكرناه ~~في المسائل المتقدمة # ومن نازع في ذلك فلا يخرج في احتجاجه على مذهبه عما ذكرناه فيما تقدم وقد ~~عرف ما فيه # # | المسألة الخامسة # اتفق الكل على أن مفهوم اللقب ليس بحجة خلافا للدقاق وأصحاب الإمام أحمد ~~بن حنبل رحمه الله # وصورته أن يعلق الحكم إما باسم جنس كالتنصيص على الأشياء الستة بتحريم ~~الربا أو باسم علم كقول القائل زيد قائم أو قام # والمختار إنما هو مذهب الجمهور لكن قد احتج بعض القائلين بإبطاله بحجج لا ~~بد من الإشارة إليها والتنبيه على ما فيها ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار # الحجة الأولى لو كان مفهوم اللقب حجة لبطل القياس وذلك ممتنع وبيان لزوم ~~ذلك أن القياس لا بد فيه من أصل وحكم الأصل إما أن يكون منصوصا أو مجمعا ~~عليه فلو كان النص على الحكم في الأصل أو الإجماع عليه يدل على نفي الحكم ~~عن الفرع فالحكم في الفرع إن ثبت بالنص أو الإجماع فلا قياس وإن ثبت ~~بالقياس على الأصل فهو ممتنع لما فيه من مخالفة النص أو الإجماع الدال على ~~نفي الحكم في الفرع # ولقائل أن يقول النص الوارد في الأصل وإن دل على نفي الحكم في الفرع فليس ~~بصريحه بل بمفهومه وذلك مما لا يمنع عند ms572 القائلين به من PageV03P104 إثبات ~~الحكم بمعقول النص وهو القياس فلا يفضي إلى إبطال القياس وغايته التعارض لا ~~الإبطال # الحجة الثانية أنه لو كان مفهوم اللقب حجة ودليلا لكان القائل إذا قال ~~عيسى رسول الله فكأنه قال محمد ليس برسول الله وكذلك إذا قال زيد موجود ~~فكأنه قال الإله ليس بموجود وهو كفر صراح ولم يقل بذلك قائل ولقائل أن يقول ~~من الخصوم إنما لا يكون المتكلم بذلك كافرا إذا لم يكن متنبها لدلالة اللفظ ~~أو كان متنبها لها غير أنه لم يرد بلفظه ما دل عليه مفهومه وأما إذا كان ~~متنبها لدلالة لفظه وهو مريد لمدلولها فإنه يكون كافرا # الحجة الثالثة أنهم قالوا إذا قال القائل زيد يأكل لا يفهم منه أن عمرا ~~لا يأكل # ولقائل أن يقول لا يفهم منه ذلك من يعتقد دلالة مفهوم اللقب أو من لا ~~يعتقده الأول ممنوع والثاني مسلم # وعدم فهم ذلك بالنسبة إلى من لا يعتقد دلالته لا يدل على عدم دلالته في ~~نفسه # الحجة الرابعة أنه لو كان مفهوم اللقب دليلا لما حسن من الإنسان أن يخبر ~~أن زيدا يأكل إلا بعد علمه أن غيره لم يأكل وإلا كان مخبرا بما يعلم أنه ~~كاذب فيه أو بما لا يأمن فيه من الكذب وحيث استحسن العقلاء ذلك مع عدم علمه ~~بذلك دل على عدم دلالته على نفي الأكل عن غير زيد # ولقائل أن يقول إذا أخبر بذلك فلا يخلو إما أن يكون عالما بأن غير زيد ~~يأكل أو غير عالم بذلك # وعلى كلا التقديرين إنما لم يستقبح منه ذلك لظهور القرينة الدالة على أنه ~~لم يرد سوى مدلول صريح لفظه دون مفهومه لعدم علمه بذلك في إحدى الحالتين ~~وعلمه بوقوع الأكل من غير زيد في الحالة الأخرى فإن الظاهر من حال العاقل ~~أنه لا يخبر عن نفي ما لم يعلمه ولا نفي ما علم وقوعه حتى إنه لو ظهر منه ~~ما يدل على إرادته لنفي ما دل عليه لفظه عند القائلين به لكان ms573 مستقبحا ~~PageV03P105 # والمختار في إبطال ما سبق في المسائل المتقدمة # وأما حجج الخصوم وجوابها فعلى ما سبق في مفهوم التقييد بالصفة # وربما احتجوا في خصوص هذه المسألة بحجج أخرى وهو أنه لو تخاصم شخصان فقال ~~أحدهما للآخر # أما أنا فليس لي أم ولا أخت ولا امرأة زانية فإنه يتبادر إلى الفهم نسبة ~~الزنى منه إلى زوجة خصمه وأمه وأخته # ولهذا قال أصحاب أحمد بن حنبل ومالك بوجوب حد القذف عليه # وجوابه أن ذلك إن فهم منه فإنما يفهم من قرينة حاله لا من دلالة مقاله ~~بدليل ما أسلفناه # ولذلك لم يكن حد القذف عندنا واجبا بذلك وعلى هذا يكون الحكم في مفهوم ~~الاسم العام المشتق كقوله لا تبيعوا الطعام بالطعام # # | المسألة السادسة # اختلفوا في تقييد الحكم بإنما كقوله صلى الله عليه وسلم إنما الشفعة فيما ~~لم يقسم وإنما الأعمال بالنيات وإنما الولاء لمن أعتق وإنما الربا في ~~النسيئة هل يدل على الحصر أو لا فذهب القاضي أبو بكر والغزالي والهراسي ~~وجماعة من الفقهاء إلى أنه ظاهر في الحصر محتمل للتأكيد وذهب أصحاب أبي ~~حنيفة وجماعة ممن أنكر دليل الخطاب إلى أنه لتأكيد الإثبات ولا دلالة له ~~على الحصر وهو المختار # وذلك لأن كلمة @QB@ إنما @QE@ قد ترد ولا حصر كقوله إنما الربا في ~~النسيئة وهو غير منحصر في النسيئة لانعقاد الإجماع على تحريم ربا الفضل ~~فإنه لم يخالف فيه سوى ابن عباس ثم رجع عنه # وقد ترد والمراد بها الحصر كقوله تعالى @QB@ إنما أنا بشر مثلكم @QE@ 18 ~~الكهف 110 ) وعند ذلك فيجب اعتقاد كونها حقيقة في القدر المشترك بين ~~الصورتين وهو PageV03P106 تأكيد إثبات الخبر للمبتدإ نفيا للتجوز والاشتراك ~~عن اللفظ لكونه على خلاف الأصل ولأن كلمة ( إنما ) لو كانت للحصر لكان ~~ورودها في غير الحصر على خلاف الأصل # فإن قيل ولو لم تكن للحصر لكان فهم الحصر في صورة الحصر من غير دليل وهو ~~خلاف الأصل قلنا إنما يكون فهم ذلك من غير دليل أن لو كان دليل الحصر ~~منحصرا في كلمة ms574 ( إنما ) وليس كذلك # # | المسألة السابعة # اختلفوا في قوله صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات وفي قول القائل ~~العالم زيد وصديقي زيد هل يدل على حصر الأعمال فيما كان منويا وعلى حصر ~~العالم والصديق في زيد # فذهبت الحنيفة والقاضي أبو بكر وجماعة من المتكلمين إلى أنه لا يدل على ~~الحصر وذهب الغزالي والهراسي وجماعة من الفقهاء إلى أنه يدل على الحصر # والمختار أنه لا يدل لما سبق في المسائل المتقدمة # فإن قيل لو لم يكن ذلك دالا على حصر الأعمال في المنوي والعالم والصديق ~~في زيد لكان المبتدأ أعم من خبره وكان ذلك كذبا كما لو قال الحيوان إنسان ~~والإنسان زيد # قلنا إنما يلزم الكذب أن لو كانت ( الألف واللام ) في الأعمال للعموم ~~فإنها تنزل منزلة قوله كل عمل منوى وهو كاذب كما في قوله كل حيوان إنسان ~~وليس كذلك بل هي ظاهرة في البعض فكأنه قال بعض الأعمال بالنيات وذلك صادق ~~غير كاذب PageV03P107 # وكذلك الحكم في قوله العالم زيد وكذلك قوله صديقي زيد ليس عاما في كل ~~صديق بل كأنه قال بعض أصدقائي زيد حتى إنه لو ثبت أن ( الألف واللام ) إذا ~~دخلت على اسم الجنس تكون عامة وكان المتكلم مريدا للتعميم فإنه يكون كاذبا ~~بتقدير ظهور عالم آخر وصديق آخر له وكان قوله دالا على الحصر لا محالة # وربما قيل في إبطال القول بالحصر إنه لو كان قوله العالم زيد وصديقي زيد ~~يدل على حصر العالم والصديق في زيد لكان إذا قال العالم زيد وعمرو وصديقي ~~زيد وعمرو متناقضا وليس كذلك باتفاق أهل اللغة وليس بحق فإن للخصم أن يقول ~~إنما يكون ذلك مناقضا بشرط أن يتجرد قوله الأول عما يغيره # وأما إذ عطف عليه قوله وعمرو صار الكل كالجملة الواحدة وكان قوله العالم ~~زيد مع الإنفراد مغايرا في دلالته لقوله العالم زيد وعمرو وهذا كما لو قال ~~له علي عشرة ثم بعد حين قال إلا خمسة فإنه لا يقبل لما فيه من مناقضة لفظه ~~الأول ولو قال له ms575 علي عشرة إلا خمسة على الاتصال كان مقبولا لعدم تناقضه ~~ولولا اختلاف الدلالة لما اختلف الحال بل كان الواجب أن لا يقبل استثناؤه ~~في الصورتين أو يقبل فيهما وهو محال # # | المسألة الثامنة # اختلفوا في قوله لا عالم في البلد إلا زيد فالذي عليه الجمهور وأكثر ~~منكرين المفهوم أنه يدل على نفي كل عالم سوى زيد وإثبات كون زيد عالما وذهب ~~بعض منكرين المفهوم إلى أن ذلك لا يدل على كون زيد عالما بل هو نطق ~~بالمستثنى منه وسكوت عن المستثنى # ومعنى خروج المستثنى عن المستثنى منه أنه لم يدخل في عموم المستثنى منه ~~وأنه لم يتعرض فيه لكون زيد عالما لا نفيا ولا إثباتا # والحق إنما هو المذهب الجمهوري ودليله ما بيناه فيما تقدم من أن ~~PageV03P108 الاستثناء من النفي إثبات وأن قول القائل لا إله إلا الله ناف ~~للألوهية عن غير الله تعالى ومثبت لصفة الألوهية لله تعالى وقررناه أحسن ~~تقرير وحققنا وجه الانفصال عن كل ما ورد عليه من الإشكالات فعليك بالالتفات ~~إليه ونقله إلى ها هنا # # | المسألة التاسعة # اتفق القائلون بالمفهوم على أن كل خطاب خصص محل النطق بالذكر لخروجه مخرج ~~الأعم بالأغلب لا مفهوم له وذلك كقوله تعالى @QB@ وربائبكم اللاتي في ~~حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن @QE@ 4 النساء 23 ) وقوله @QB@ وإن خفتم ~~شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها @QE@ 4 النساء 35 ) وقوله ~~صلى الله عليه وسلم أيما امرأة نكحت نفسها بغير أذن وليها فنكاحها باطل ~~وقوله صلى الله عليه وسلم فليستنج بثلاثة أحجار فإن تخصيصه بالذكر لمحل ~~النطق في جميع هذه الصور إنما كان لأنه الغالب إذ الغالب أن الربيبة إنما ~~تكون في الحجر وإن الخلع لا يكون إلا مع الشقاق وإن المرأة لا تزوج نفسها ~~إلا عند عدم إذن الولي لها وإبائه من تزويجها وإن الاستنجاء لا يكون إلا ~~بالحجارة وكذلك الحكم في كل ما ظهر سبب تخصيصه بالذكر كسؤال سائل أو حدوث ~~حادثة أو غير ذلك مما سبق ذكره من أسباب ms576 التخصيص # وعلى هذا فلو لم يظهر سبب يوجب تخصيص محل النطق بالذكر دون محل السكوت بل ~~كانت الحاجة إليهما وإلى ذكرهما مع العلم بهما مستوية ولم يكن الحكم في محل ~~السكوت أولى بالثبوت PageV03P109 وبالجملة لو لم يظهر سبب من الأسباب ~~الموجبة للتخصيص سوى نفي الحكم في محل السكوت فهل يجب القول بنفي الحكم في ~~محل السكوت تحقيقا لفائدة التخصيص أو لا يجب إن قلنا إنه لا يجب كان ~~التخصيص بالذكر عبثا خليا عن الفائدة وذلك مما ينزه عنه منصب آحاد البلغاء ~~فضلا عن كلام الله تعالى ورسوله # وإن قلنا بوجوب نفي الحكم لزم القول بدلالة المفهوم في هذه الصورة # والوجه في حله أن يقال إذا لم يظهر السبب المخصص فلا يخلو إما أن يكون مع ~~عدم ظهوره محتمل الوجود والعدم على السواء أو أن عدمه أظهر من وجوده فإن ~~كان الأول فليس القول بالنفي أولى من القول بالإثبات وعلى هذا فلا مفهوم ~~وإن كان الثاني فإنما يلزم من ذلك نفي الحكم في محل السكوت أن لو كان نفي ~~الحكم فيه من جملة الفوائد الموجبة لتخصيص محل النطق بالذكر وليس كذلك # وذلك لأن نفي الحكم في محل السكوت عند القائلين بمفهوم المخالفة إنما هو ~~فرع دلالة اللفظ في محل النطق عليه فلو كانت دلالة اللفظ في محل النطق عل ~~نفي الحكم في محل السكوت متوقفة عليه بوجه من الوجوه كان دورا ممتنعا # وإلى ها هنا تم الكلام في أصناف دلالة غير المنظوم # هذا ما يتعلق بالنظر فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والإجماع # وأما ما يتعلق بالنظر فيما يشترك فيه الكتاب والسنة دون غيرهما من الأدلة ~~فهو النظر في النسخ ويشتمل على مقدمة ومسائل # أما المقدمة فتشتمل على أربعة فصول PageV03P110 # | الفصل الأول في تعريف النسخ والناسخ والمنسوخ # أما النسخ فهو في اللغة قد يطلق بمعنى الإزالة ومنه يقال نسخت الشمس الظل ~~أي أزالته ونسخت الريح أثر المشي أي أزالته # ونسخ الشيب الشباب إذا أزاله ومنه تناسخ القرون والأزمنة # والإزالة هي PageV03P111 الإعدام ولهذا ms577 يقال زال عنه المرض والألم وزالت ~~النعمة عن فلان ويراد به الانعدام في هذه الأشياء كلها # وقد يطلق بمعنى نقل الشيء وتحويله من حالة إلى حالة مع بقائه في نفسه # قال السجستاني من أهل اللغة والنسخ أن تحول ما في الخلية من النحل والعسل ~~إلى أخرى ومنه تناسخ المواريث بانتقالها من قوم إلى قوم وتناسخ الأنفس ~~بانتقالها من بدن إلى غيره عند القائلين بذلك # ومنه نسخ الكتاب بما فيه من مشابهة النقل وإليه الإشارة بقوله تعالى @QB@ ~~إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون @QE@ 45 الجاثية 29 ) والمراد به نقل ~~الأعمال إلى الصحف أو من الصحف إلى غيرها لكن اختلف الأصوليون فذهب القاضي ~~أبو بكر ومن تابعه كالغزالي وغيره إلى أن اسم النسخ مشترك بين هذين ~~المعنيين وذهب أبو الحسين البصري وغيره إلى أنه حقيقة في الإزالة مجاز في ~~النقل وذهب القفال من أصحاب الشافعي إلى أنه حقيقة في النقل والتحويل وقد ~~احتج أبو الحسين البصري بأن إطلاق اسم النسخ على النقل في قولهم نسخت ~~الكتاب مجاز لأن ما في الكتاب لم ينقل حقيقة # وإذا كان اسم النسخ مجاز في النقل لزم أن يكون حقيقة في الإزالة لأنه غير ~~مستعمل فيما سواهما # وإذا بطل كونه حقيقة في أحدهما تعين أن يكون حقيقة في الآخر # وقد قرر ذلك بعضهم من وجه آخر فقال إطلاق اسم النسخ بمنى الإزالة ~~والإعدام واقع كما سبق والأصل في الإطلاق الحقيقة ويلزم أن لا يكون حقيقة ~~في النقل دفعا للاشتراك عن اللفظ PageV03P112 # ولقائل أن يقول على الوجه الأول إن إطلاق اسم النسخ على الكتاب إما أن ~~يكون حقيقة أو تجوزا فإن كان حقيقة فهو المطلوب وبطل ما ذكروه وإن كان ~~مجازا ضرورة أن ما في الكتاب لم ينقل على الحقيقة فيمتنع أن يكون التجوز به ~~مستعارا من الإزالة فإنه غير مزال ولا يشبه الإزالة فلا بد من استعارته من ~~معنى آخر والإجماع منعقد على امتناع إطلاق اسم النسخ حقيقة في الإزالة ~~والنقل فإذا تعذرت استعارته من الإزالة تعين ms578 أن يكون مستعارا من النقل # ووجه استعارته منه أن تحصيل ما في أحد الكتابين في الآخر تجري مجرى نقله ~~وتحويله إليه فكان منه بسبب من أسباب التجوز # وإذا كان مستعارا من النقل وجب أن يكون اسم النسخ حقيقة في النقل إذ ~~المجاز لا يتجوز به في غيره بإجماع أهل اللغة # ثم وإن كان ذلك مجازا في نسخ الكتاب فما الاعتذار عن اطلاق اسم التناسخ ~~في المواريث مع كونها منتقلة حقيقة وإطلاق اسم النسخ على تحويل النحل ~~والعسل من خلية إلى أخرى # فإن ما ذكروه في تقرير التجوز في نسخ الكتاب غير متصور ها هنا # وأما الوجه الثاني فمقابل بمثله وهو أن يقال اسم النسخ قد أطلق بمعنى ~~النقل على ما سبق # والأصل في الإطلاق الحقيقة ويلزم من كونه حقيقة فيه أن لا يكون حقيقة في ~~الإزالة دفعا للاشتراك عن اللفظ وليس أحد الأمرين أولى من الآخر فإن قبل ~~الترجيح لكونه حقيقة في الإزالة وذلك لأن الإزالة مطلق إعدام والنقل أخص من ~~الإزالة لأنه يستلزم إعدام الصفة وحدوث أخرى والإعدام المستلزم حدوث شيء ~~آخر أخص من الإعدام الذي لا يستلزم ذلك وإذا كانت الإزالة أعم فجعل النسخ ~~حقيقة فيها أولى نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ # قلنا لا نسلم أن الإزالة أعم من النقل والتحويل وإن كان يستلزم ~~PageV03P113 إعدام صفة وتجدد أخرى فكل إزالة هكذا لأن الإزالة على ما قيل ~~هي الإعدام والإعدام يستلزم زوال الصفة وهي الوجود وتجدد أخرى وهي صفة ~~العدم وهما صفتان متقابلتان مهما انتفت إحداهما تحققت الأخرى وإذا تساويا ~~عموما وخصوصا فليس جعل اسم النسخ حقيقة في أحدهما أولى من الآخر # وإذا تعذر ترجيح أحد الأمرين مع صحة الإطلاق فيهما كان القول بالاشتراك ~~أشبه اللهم إلا أن يوجد في حقيقة النقل خصوص تبدل الصفة الوجودية بصفة ~~وجودية فيكون النقل أخص # ومع هذا كله فالنزاع في هذا لفظي لا معنوي # وأما معناه في اصطلاح الأصوليين فقد اختلف فيه فقال أبو الحسين البصري هو ~~إزالة مثل الحكم الثابت بقول منقول ms579 عن الله تعالى أو عن رسوله مع تراخيه ~~عنه على وجه لولاه لكان ثابتا وهو فاسد من وجهين الأول هو أن إزالة المثل ~~إما أن تكون قبل وجود ذلك المثل أو بعد عدمه أو في حالة وجوده الأول محال ~~فإن ما لم يوجد لا يقال إنه أزيل والثاني أيضا محال فإن إزالة ما عدم بعد ~~وجوده ممتنع والثالث أيضا محال لأن الإزالة هي الإعدام وإعدام الشيء حال ~~وجوده محال # الوجه الثاني أنه غير مانع إذ يدخل فيه إزالة مثل ما كان ثابتا من ~~الأحكام العقلية قبل ورود الشرع بخطاب الشارع المتراخي على وجه لولا خطاب ~~الشارع PageV03P114 المغير لكان ذلك الحكم مستمرا وليس بنسخ في مصطلح ~~المتشرعين إجماعا # ومنهم من قال هو إزالة الحكم بعد استقراره ويبطل بالوجهين السابقين وبما ~~لو زال الحكم بعد استقرار بمرض أو جنون أو موت فإنه داخل فيما قيل وليس ~~بنسخ إجماعا # ومنهم من قال هو نقل الحكم إلى خلافه ويبطل بما بطل به الحد الذي قبله ~~وبما لو نقل الحكم إلى خلافه بالغاية كما في قوله تعالى @QB@ ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل @QE@ 2 البقرة 187 ) فإن الحكم فيما قبل الغاية قد قلب ~~إلى خلافه فيما بعد الغاية وليس بنسخ وبه يبطل قول من قال في حده إنه بيان ~~مدة الحكم # وقال القاضي أبو بكر إنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب ~~المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه وهو اختيار الغزالي أيضا ~~وقصد بالقيد الأول تعميم كل خطاب كان من باب المنظوم أو غيره والاحتراز عن ~~الموت والمرض والجنون وجميع الأعذار الدالة على ارتفاع الأحكام الزائلة بها ~~مع تراخيها ولولاها لكانت الأحكام الزائلة بها مستمرة وبالقيد الثاني وهو ~~الخطاب المتقدم الاحتراز عن الخطاب الدال على ارتفاع الأحكام العقلية قبل ~~ورود الشرع وبالقيد الثالث وهو على وجه لولاه لكان مستمرا الإحتراز عما إذا ~~ورد الخطاب بحكم موقت ثم ورد الخطاب عند تصرم ذلك الوقت بحكم مناقض للأول ~~كما لو ورد قوله عند غروب ms580 الشمس كلوا بعد قوله @QB@ ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل @QE@ 2 البقرة 187 ) فإنه لا يكون نسخا لحكم الخطاب الأول حيث إنا لو ~~قدرنا عدم الخطاب الثاني لم يكن حكم الخطاب الأول مستمرا بل منتهيا بالغروب ~~وبالقيد الرابع الاحتراز عن الخطاب المتصل كالاستثناء والتقييد بالشرط ~~والغاية فإن يكون بيانا لا نسخا PageV03P115 ويرد عليه إشكالات الإشكال ~~الأول أن الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت هو الناسخ والنسخ هو نفس ~~الارتفاع فلا يكون الناسخ هو النسخ # الثاني وهو ما أورده أبو الحسين البصري أنه قال إنه ليس بجامع ولا مانع ~~أما أنه ليس بجامع فلأنه يخرج منه النسخ بفعل الرسول مع أنه ليس بخطاب ~~ويخرج منه نسخ ما ثبت بفعل الرسول وليس فيه ارتفاع حكم ثبت بالخطاب # وأما أنه ليس بمانع فلأنه لو اختلفت الأمة في الواقعة على قولين وأجمعوا ~~بخطابهم على تسويغ الأخذ بكل واحد من القولين للمقلد ثم أجمعوا بأقوالهم ~~على أخذ القولين فإن حكم خطاب الإجماع الثاني دل على ارتفاع حكم خطاب ~~الإجماع الأول وليس بنسخ إذ الإجماع لا ينسخ به # الثالث هو أن تحديد النسخ بارتفاع الحكم الثاني تحديد له بما ليس بمتصور ~~لوجوه يأتي ذكرها في مسألة إثبات النسخ # الرابع أن فيه زيادة لا حاجة إليها وهي قوله ( متراخ عنه ) وقوله ( على ~~وجه لولاه لكان مستمرا ثابتا ) فإن ذكر التراخي إنما وقع احترازا عن الخطاب ~~المتصل كالاستثناء والتقييد بالشرط والغاية وفي الحد ما يدرأ النقض بذلك ~~وهو ارتفاع الحكم والخطاب المتصل بالخطاب الأول في هذه الصور ليس رافعا ~~لحكم الخطاب المتقدم في الذكر بل هو مبين أن الخطاب المتقدم لم يرد الحكم ~~فيما استثنى وفيما خرج عن الشرط والغاية وبالتقييد بالرفع يدرأ النقض ~~بالخطاب الوارد بما يخالف حكم الخطاب المتقدم إذا كان حكمه موقتا من حيث إن ~~الخطاب الثاني لا يدل على ارتفاع حكم الخطاب الأول لانتهائه بانتهاء وقته # والجواب عن الإشكال الأول لا نسلم أن النسخ هو ارتفاع الحكم بل النسخ نفس ~~الرفع المستلزم للارتفاع والرفع هو ms581 الخطاب الدال على الارتفاع وذلك لأن ~~النسخ يستدعى ناسخا ومنسوخا والناسخ هو الرافع أي PageV03P116 الفاعل ~~والمنسوخ هو المرفوع أي المفعول والرافع والمرفوع أي الفاعل والمفعول ~~يستدعي رفعا وارتفاعا أي فعلا وانفعالا والرافع هو الله تعالى على الحقيقة # وإن سمي الخطاب ناسخا فإنما هو بطريق التجوز كما يأتي تحقيقه والمرفوع هو ~~الحكم والرفع الذي هو الفعل صفة الرافع وذلك هو الخطاب والارتفاع الذي هو ~~نفس الانفعال صفة المرفوع المفعول # وذلك على نحو فسخ العقد فإن الفاسخ هو العاقد والمفسوخ هو العقد والفسخ ~~صفة العاقد وهو قوله فسخت والانفساخ صفة العقد وهو انحلاله بعد انبرامه # وأما النسخ بفعل الرسول فلا نسلم أن فعل الرسول ناسخ حقيقة إذ ليس للرسول ~~ولاية إثبات الأحكام الشرعية ورفعها من تلقاء نفسه وإنما هو رسول ومبلغ عن ~~الله تعالى ما يشرعه من الأحكام ويرفعه ففعله إن كان ولا بد فإنما هو دليل ~~على الخطاب الدال على ارتفاع الحكم لا أن نفس الفعل هو الدال على الارتفاع # وأما الإشكال بالإجماع ففيه جوابان الأول أنه مهما اجتمعت الأمة على ~~تسويغ الخلاف في حكم مسألة معينة وكان إجماعهم قاطعا فلا نسلم تصور إجماعهم ~~على مناقضة ما أجمعوا عليه أولا ليصح ما قيل # الثاني أنه وإن صح ذلك فلا نسلم أن الحكم نفيا وإثباتا مستند إلى قول أهل ~~الإجماع وإنما هو مستند إلى الدليل السمعي الموجب لإجماعهم على ذلك الحكم # وعلى هذا فيكون إجماعهم دليلا على وجود الخطاب الذي هو النسخ لا أن ~~خطابهم نسخ # وما وعدوا به في الوجه الثالث فسيأتي الجواب عنه أيضا # وأما ما ذكروه من الزيادات فهي غير مخلة بصحة الحد وفائدتها الميز بين ~~النسخ والصور المذكورة مبالغة في تحصيل الفائدة PageV03P117 # ومع ذلك فالمختار في تحديده أن يقال النسخ عبارة عن خطاب الشارع المانع ~~من استمرار ما ثبت من حكم خطاب شرعي سابق # ولا يخفى ما فيه من الاحتراز من غير حاجة إلى التقييد بالتراخي ولا ~~بقولنا ( لولاه لكان مستمرا ثابتا ) لما سبق تقريره # وأما الناسخ فإنه ms582 قد يطلق على الله تعالى فيقال نسخ فهو ناسخ ومنه قوله ~~تعالى @QB@ ما ننسخ من آية @QE@ 2 البقرة 106 ) وقوله تعالى @QB@ فينسخ ~~الله ما يلقي الشيطان @QE@ 22 الحج 52 ) وقد يطلق على الآية أنها ناسخة ~~فيقال آية السيف نسخت كذا فهي ناسخة # وكذلك على كل طريق يعرف به نسخ الحكم من خبر الرسول وفعله وتقريره وإجماع ~~الأمة # وعلى الحكم فيقال وجوب صوم رمضان نسخ وجوب صوم عاشوراء فهو ناسخ وعلى ~~المعتقد لنسخ الحكم فيقال فلان ينسخ القرآن بالسنة أي يعتقد ذلك فهو ناسخ # غير أن الإجماع منعقد على أن إطلاق اسم الناسخ على الحكم وعلى المعتقد ~~للنسخ مجاز وإنما الخلاف بيننا وبين المعتزلة في أنه حقيقة في الله تعالى ~~أو في الطريق المعرف لارتفاع الحكم فعندهم الناسخ في الحقيقة هو الطريق حتى ~~قالوا في حده إن الناسخ هو قول صادر عن الله تعالى أو عن رسوله أو فعل ~~منقول عن رسوله يفيد إزالة مثل الحكم الثابت بنص صادر عن الله تعالى أو بنص ~~أو فعل منقول عن رسوله مع تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتا # وأما نحن فمعتقدنا أن الناسخ في الحقيقة إنما هو الله تعالى وإن ~~PageV03P118 خطابه الدال على ارتفاع الحكم هو النسخ وإن سمي ناسخا فمجاز # وحاصل النزاع في ذلك آيل إلى اللفظ # وأما المنسوخ فهو الحكم المرتفع كالمرتفع من وجوب تقديم الصدقة بين يدي ~~مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم وحكم الوصية للوالدين والأقربين وحكم ~~التربص حولا كاملا عن المتوفى عنها زوجها إلى غير ذلك PageV03P119 # # | الفصل الثاني في الفرق بين النسخ والبداء # واعلم أن البداء عبارة عن الظهور بعد الخفاء ومنه يقال بدا لنا سور ~~المدينة بعد خفائه وبدا لنا الأمر الفلاني أي ظهر بعد خفائه وإليه الإشارة ~~بقوله تعالى @QB@ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون @QE@ 39 الزمر 47 ~~) @QB@ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل @QE@ 6 @QB@ الأنعام @QE@ @QB@ ~~وبدا لهم سيئات ما عملوا @QE@ 45 الجاثية 33 ) وحيث كان فإن النسخ يتضمن ~~الأمر بما ms583 نهى عنه والنهي عما أمر به على حده وظن أن الفعل لا يخرج عن كونه ~~مستلزما لمصلحة أو مفسدة فإن كان مستلزما لمصحلة فالأمر به بعد النهي عنه ~~على الحد الذي نهى عنه إنما يكون لظهور ما كان قد خفي من المصلحة # وإن كان مستلزما لمفسدة فالنهي عنه بعد الأمر به على الحد الذي أمر به ~~إنما يكون لظهور ما كان قد خفي من المفسدة وذلك عين البداء PageV03P120 # ولما خفي الفرق بين البدآء والنسخ على اليهود والرافضة منعت اليهود من ~~النسخ في حق الله تعالى وجوزت الروافض البداء عليه لاعتقادهم جواز النسخ ~~على الله تعالى مع تعذر الفرق عليهم بين النسخ والبدآء واعتضدوا في ذلك بما ~~نقلوه عن علي رضي الله عنه أنه قال لولا البدا لحدثتكم بما هو كائن إلى يوم ~~القيامة # ونقلوا عن جعفر الصادق رضي الله عنه أنه قال ما بدا لله تعالى في شيء كما ~~بدا له في إسماعيل أي في أمره بذبحه # ونقلوا عن موسى بن جعفر أنه قال البدآء ديننا ودين آبائنا في الجاهلية # وتمسكوا أيضا بقوله تعالى @QB@ يمحو الله ما يشاء ويثبت @QE@ 13 الرعد 39 ~~) وفي ذلك قال شاعرهم ولولا البدا سميته غير هائب وذكر البدا نعت لمن يتقلب ~~ولولا البدا ما كان فيه تصرف وكان كنار دهره يتلهب وكان كضوء بطبيعة وبالله ~~عن ذكر الطبائع يرغب فلزم اليهود على ذلك إنكار تبدل الشرائع ولزم الروافض ~~على ذلك وصف الباري تعالى بالجهل مع النصوص القطعية والأدلة العقلية الدالة ~~على استحالة ذلك في حقه وانه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء # أما النصوص الكتابية فكقوله تعالى @QB@ وهو بكل شيء عليم @QE@ 57 الحديد ~~3 ) وقوله تعالى @QB@ عالم الغيب والشهادة @QE@ 13 الرعد 9 ) وقوله @QB@ ~~وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا ~~في كتاب مبين @QE@ 6 الأنعام 59 ) وقوله @QB@ ما أصاب من مصيبة في الأرض ~~ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ms584 @QE@ PageV03P121 إلى غير ذلك ~~من الآيات # وأما الأدلة العقلية فما استقصيناه في كتبنا الكلامية وما نقلوه عن علي ~~وعن أهل بيته فمن الأحاديث التي انتحلها الكذاب الثقفي على أهل البيت فإنه ~~كان يدعي العصمة لنفسه ويخبر بأشياء فإذا ظهر كذبه فيها قال إن الله وعدني ~~بذلك غير أنه بدا له منه وأسند ذلك إلى أهل البيت مبالغة في ترويج أكاذيبه # وأما الآية فالمراد بها إنما هو محو المنسوخ وإثبات الناسخ ومحو السيئات ~~بالحسنات كما قال تعالى @QB@ إن الحسنات يذهبن السيئات @QE@ 11 هود 114 ) ~~ومحو الحسنات بالردة على ما قال تعالى @QB@ ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت ~~وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم @QE@ 2 البقرة 217 ) أو محو المباحات وإثبات ~~الطاعات على ما قاله أهل التفسير أو محو ما يشاء من الآجال أو الأرزاق ~~وإثبات غيرها # ويجب الحمل على ذلك جمعا بينه وبين الأدلة القاطعة الدالة على امتناع ~~الجهل في حق الله تعالى # وكشف الغطاء عن ذلك يتحقق بالفرق بين النسخ والبداء فنقول إذا عرف معنى ~~البدآء وأنه مستلزم للعلم بعد الجهل والظهور بعد الخفاء وأن ذلك مستحيل في ~~حق الله تعالى على ما بيناه في كتبنا الكلامية فالنسخ ليس كذلك فإنه لا ~~يبعد أن يعلم الله تعالى في الأزل استلزام الأمر بفعل من الأفعال للمصلحة ~~في وقت معين واستلزام نسخه للمصلحة في وقت آخر فإذا نسخه في الوقت الذي علم ~~نسخه فيه فلا يلزم من ذلك أن يكون قد ظهر له ما كان خفيا عنه ولا أن يكون ~~قد أمر بما فيه مفسدة ولا نهى عما فيه مصلحة وذلك كإباحته الأكل في الليل ~~من رمضان وتحريمه في نهاره PageV03P122 # فإن قيل لا يخلو إما أن يكون الباري تعالى قد علم استمرار أمره بالفعل ~~المعين أبدا أو إلى وقت معين وعلم أنه لا يكون مأمورا بعد ذلك الوقت فإن ~~كان الأول استحال نسخه لما فيه من انقلاب علمه جهلا وإن كان الثاني فالحكم ~~يكون منتهيا بنفسه في ذلك الوقت فلا يتصور بقاؤه بعده وإلا ms585 لانقلب علم ~~الباري جهلا وإذا كان منتهيا بنفسه فالنسخ لا يكون مؤثرا فيه لا في حالة ~~علم الله تعالى أنه يكون الفعل مأمورا فيها ولا في حالة علم الله أنه لا ~~يكون مأمورا فيها لما فيه من انقلاب علمه إلى الجهل وإذا لم يكن الناسخ ~~مؤثرا فيه فلا يتصور نسخه # قلنا الأمر مطلق والباري علم أن الأمر بالفعل ينتهي بالناسخ في الوقت ~~الذي علم أن النسخ يقع فيه لا أنه علم انتهاءه إلى ذلك الوقت مطلقا بل علم ~~انتهاءه بالنسخ فلو لم يكن منتهيا بالنسخ لانقلب علمه جهلا # وعلى هذا فلا يلزم من انتهاء الأمر في ذلك الوقت بالنسخ أن لا يكون الأمر ~~منسوخا PageV03P123 # | الفصل الثالث في الفرق بين التخصيص والنسخ # نقول إن التخصيص والنسخ وإن اشتركا من جهة أن كل واحد منهما قد يوجب ~~تخصيص الحكم ببعض ما تناوله اللفظ لغة غير أنهما يفترقان من عشرة أوجه ~~الأول أن التخصيص يبين أن ما خرج عن العموم لم يكن المتكلم قد أراد بلفظه ~~الدلالة عليه والنسخ يبين أن ما خرج لم يرد التكليف به وإن كان قد أراد ~~بلفظه الدلالة عليه # الثاني أن التخصيص لا يرد على الأمر بمأمور واحد والنسخ قد يرد على الأمر ~~بمأمور واحد # الثالث أن النسخ لا يكون في نفس الأمر إلا بخطاب من الشارع بخلاف التخصيص ~~فإنه يجوز بالقياس وبغيره من الأدلة العقلية والسمعية # الرابع أن الناسخ لا بد وأن يكون متراخيا عن المنسوخ بخلاف المخصص فإنه ~~يجوز أن يكون متقدما على المخصص ومتأخرا عنه كما سبق تحقيقه # الخامس أن التخصيص لا يخرج العام عن الاحتجاج به مطلقا في مستقبل الزمان ~~فإنه يبقى معمولا به فيما عدا صورة التخصيص بخلاف PageV03P124 النسخ فإنه ~~قد يخرج الدليل المنسوخ حكمه عن العمل به في مستقبل الزمان بالكلية وذلك ~~عندما إذا ورد النسخ على الأمر بمأمور واحد # السادس أنه يجوز التخصيص بالقياس ولا يجوز به النسخ # السابع أن النسخ رفع الحكم بعد أن ثبت بخلاف التخصيص # الثامن أنه يجوز ms586 نسخ شريعة بشريعة ولا يجوز تخصيص شريعة بأخرى # التاسع أن العام يجوز نسخ حكمه حتى لا يبقى منه شيء بخلاف التخصيص # العاشر وهو ما ذكره بعض المعتزلة أن التخصيص أعم من النسخ وأن كل نسخ ~~تخصيص وليس كل تخصيص نسخا إذ النسخ لا يكون إلا بتخصيص الحكم ببعض الأزمان ~~والتخصيص يعم تخصيص الحكم ببعض الأشخاص وبعض الأحوال وبعض الأزمان وفيه نظر ~~وذلك أنه إن ثبت أن ما ذكر من صفات التخصيص الفارقة بينه وبين النسخ داخلة ~~في مفهوم التخصيص أو ملازمة خارجة فلا وجود لها في النسخ فلا يكون التخصيص ~~أعم من النسخ لأن الأعم لا بد وأن يصدق الحكم به مع جميع صفاته اللازمة ~~لذاته على الأخص وذلك مما لا يصدق على النسخ فلا يكون النسخ تخصيصا # وإلا فلقائل أن يقول ما ذكر من الصفات الفارقة بين التخصيص والنسخ إنما ~~هي فروق بين أنواع التخصيص وليست من لوازم مفهوم التخصيص بل التخصيص أعم من ~~النسخ ومن جميع الصور المذكورة وهو قادح لا غبار عليه اللهم إلا أن يرجع ~~إلى الاصطلاح وإطلاق اسم التخصيص على بعض هذه الأنواع والنسخ على البعض ~~الآخر فحاصل النزاع يرجع إلى الإطلاق اللفظي ولا منازعة فيه بعد فهم عوز ~~المعنى PageV03P125 # # | الفصل الرابع في شروط النسخ الشرعي # وهي منقسمة إلى متفق عليه ومختلف فيه # أما المتفق عليه فأن يكون الحكم المنسوخ شرعيا وأن يكون الدليل الدال على ~~ارتفاع الحكم شرعيا متراخيا عن الخطاب المنسوخ حكمه وأن لا يكون الخطاب ~~المرفوع حكمه مقيدا بوقت معين # وأما الشروط المختلف فيها فأن يكون قد ورد الخطاب الدال على ارتفاع الحكم ~~بعد دخول وقت التمكن من الامتثال وأن يكون الخطاب المنسوخ حكمه مما لا ~~يدخله الاستثناء والتخصيص وأن يكون نسخ القرآن بالقرآن والسنة بالسنة وأن ~~يكون الناسخ والمنسوخ نصين قاطعين وأن يكون الناسخ مقابلا للمنسوخ مقابلة ~~الأمر بالنهي والمضيق بالموسع وأن يكون النسخ ببدل # فإن ذلك كله مختلف فيه والحق أن هذه الأمور غير معتبرة كما يأتي وإذ ~~أتينا على ms587 ما أردناه من المقدمة فلا بد من العود إلى المسائل المتشعبة عن ~~النسخ وهي عشرون مسألة PageV03P126 # # | المسألة الأولى في إثبات النسخ على منكريه # وقد اتفق أهل الشرائع على جواز النسخ عقلا وعلى وقوعه شرعا ولم يخالف في ~~ذلك من المسلمين سوى أبي مسلم الأصفهاني فإنه منع من ذلك شرعا وجوزه عقلا ~~ومن أرباب الشرائع سوى اليهود فإنهم انقسموا ثلاث فرق فذهبت الشمعنية إلى ~~امتناعه عقلا وذهبته العنانية منهم إلى امتناعه سمعا لا عقلا وذهبت ~~العيسوية إلى جوازه عقلا ووقوعه سمعا واعترفوا بنبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم لكن إلى العرب خاصة لا إلى الأمم كافة # والدليل على الجواز العقلي العقل والسمع # أما العقل فهو أن المخالف لا يخلو إما أن يكون ممن يوافق على أن الله ~~تعالى له أن يفعل ما يشاء كما يشاء من غير نظر إلى حكمة وغرض وإما أن يكون ~~ممن يعتبر الحكمة والغرض في أفعاله تعالى فإن كان الأول فلا يمتنع عليه ~~تعالى أن يأمر بالفعل في وقت وينهى عنه في وقت كما أمر بالصيام في نهار ~~رمضان ونهى عنه في يوم العيد وإن كان الثاني فمع بطلانه على ما عرفناه في ~~كتب الكلام فلا يمتنع أن يعلم الله استلزام الأمر بالفعل في وقت معين ~~للمصلحة واستلزام النهي عنه للمصلحة في وقت آخر فإن المصالح مما يختلف ~~باختلاف الأشخاص والأحوال حتى إن مصلحة بعض الأشخاص في الغنى أو الصحة أو ~~التكليف ومصلحة الآخر في نقيضه فكذلك جاز أن تختلف المصلحة باختلاف الأزمان ~~حتى أن مصلحة بعض أهل الأزمان في المداراة والمساهلة ومصلحة أهل زمان آخر ~~في الشدة والغلظة عليهم إلى غير ذلك من الأحوال PageV03P127 # وإذا عرف جواز اختلاف المصلحة باختلاف الأزمان فلا يمتنع أن يأمر الله ~~تعالى المكلف بالفعل في زمان لعلمه بمصلحته فيه وينهاه عنه في زمن آخر ~~لعلمه بمصلحته فيه كما يفعل الطبيب بالمريض حيث يأمره باستعمال دواء خاص في ~~بعض الأزمنة وينهاه عنه في زمن آخر بسبب اختلاف مصلحته عند اختلاف مزاجه ~~وكما ms588 يفعل الوالد بولده من التأديب له وضربه في زمان واللين له والرفق به ~~في زمان آخر على حسب ما يتراءى له من المصلحة # ولهذا خص الشارع كل زمان بعبادة غير عبادة الزمن الآخر كأوقات الصلوات ~~والحج والصيام ولولا اختلاف المصالح باختلاف الأزمنة لما كان كذلك # ومع جواز اختلاف المصالح باختلاف الأزمنة لا يكون النسخ ممتنعا # هذا ما يدل على الجواز العقلي من جهة العقل # وأما من جهة السمع فقوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير ~~منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير @QE@ 2 البقرة 106 ) فهذه ~~الآية تدل على جواز النسخ على الله تعالى شرعا # أما بالنسبة إلى من خالف في ذلك من المسلمين فظاهر لموافقته على أن الآية ~~من كلام الله تعالى وأن كلامه صدق # وأما بالنسبة إلى اليهود فلأنه إذا ثبت أن محمدا رسول الله بما أثبتناه ~~من الأدلة القاطعة في علم الكلام وأنه صادق فيما يدعيه من الوحي إليه من ~~الله تعالى فقد ادعى كون هذه الآية من كلام الله فكان صادقا في ذلك وكانت ~~الآية حجة على جواز النسخ # وأما ما يدل على وقوع النسخ في الشرع إما بالنسبة إلى من خالف من ~~المسلمين في ذلك فهو أن الصحابة والسلف أجمعوا على أن شريعة محمد صلى الله ~~عليه وسلم ناسخة لجميع الشرائع السالفة وأجمعوا PageV03P128 على نسخ وجوب ~~التوجه إلى بيت المقدس باستقبال الكعبة وعلى نسخ الوصية للوالدين والأقربين ~~بآية المواريث ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان ونسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي ~~مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم ووجوب التربص حولا كاملا عن المتوفى عنها ~~زوجها ووجوب ثبات الواحد للعشرة المستفاد من قوله تعالى @QB@ إن يكن منكم ~~عشرون صابرون @QE@ 8 الأنفال 65 ) الآية بقوله @QB@ الآن خفف الله عنكم ~~@QE@ 8 الأنفال 66 ) الآية إلى غير ذلك من الأحكام المتعددة # وأما بالنسبة إلى منكر ذلك من اليهود فيدل عليه أنه ورد في التورية أن ~~الله تعالى أمر آدم أن يزوج بناته من ms589 بنيه وقد حرم ذلك في شريعة من بعده ~~وأيضا فإن الله تعالى قال لنوح عند خروجه من الفلك إني جعلت لك كل دابة ~~مأكلا لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه وقد ~~حرم كثيرا من الدواب على من بعده من أرباب الشرائع وهو عين النسخ # فإن قيل يحتمل أن أمر آدم والإباحة لنوح وذريته كان مقيدا بظهور شريعة من ~~بعده فتحريم ذلك على من بعده لا يكون نسخا لانتهاء مدة الحكم الأول لكونه ~~كان مقيدا بظهور شريعة من بعده # قلنا الأمر لآدم والإباحة لنوح كان مطلقا # والأصل عدم التقييد # وإن قيل إنه كان ذلك مقيدا في علم الله تعالى بظهور شريعة أخرى # قلنا فهذا هو عين النسخ فإن الله تعالى إذا أمر بالفعل مطلقا فهو عالم ~~بأنه سينسخه ويعلم وقت نسخه فتقييده في علمه لا يخرجه عن حقيقة النسخ # وقد احتج عليهم بإلزامات أخر منها أن العمل كان مباحا في يوم السبت ثم ~~حرم على موسى وقومه PageV03P129 # ومنها أن الختان كان في شرع إبراهيم جائزا بعد الكبر وقد أوجبه موسى يوم ~~ولادة الطفل ومنها أن الجمع بين الأختين كان مباحا في شريعة يعقوب وقد حرم ~~ذلك في شريعة من بعده # ولقائل أن يقول العمل في يوم السبت وكذلك الختان في حالة الكبر وكذلك ~~الجمع بين الأختين كان مباحا بحكم الأصل ورفع ما كان ثابتا بحكم الأصل ~~العقلي لا يكون نسخا كما علم فيما تقدم # فإن قيل لو كان النسخ جائزا عقلا لم يخل نسخ ما أمر به إما أن يكون لحكمة ~~ظهرت لم تكن ظاهرة حالة الأمر أو لا يكون كذلك فإن لم يكن لحكمة ظهرت له ~~كان عابثا والعبث على الحكيم محال وإن كان الأول فقد بدا له ما لم يكن ~~والبدآء على الله تعالى محال # وأيضا فإنه لو جاز نسخ الأحكام الشرعية لكون التكليف بها مصلحة في وقت ~~ومفسدة في وقت لجاز نسخ ما وجب من الاعتقادات في التوحيد وما يجوز على الله ms590 ~~تعالى وما لا يجوز وهو محال # وأيضا فإن الخطاب المنسوخ حكمه إما أن يكون موقتا بوقت أو هو دال على ~~التأبيد فإن كان الأول فهو غير قابل للنسخ لانتهائه بانتهاء ذلك الوقت وإن ~~كان الثاني فهو محال من أربعة أوجه الأول إنه من ذلك اعتقاد المكلف دوام ~~الحكم وتأييده وهو جهل قبيح وما لزم منه القبيح فهو قبيح PageV03P130 # الثاني أنه يلزم منه أن لا يبقى لنا طريق إلى معرفة التأبيد بتقدير إرادة ~~التأبيد وذلك مما يوجب إعجاز الرب تعالى عن إعلامنا بالتأبيد وهو محال # الثالث أنه لو جاز النسخ مع أن اللفظ للتأبيد لما بقي لنا وثوق بوعد الله ~~تعالى ووعيده ولا بشيء من الظواهر اللفظية ولا يخفى ما في ذلك من اختلاف ~~الشرائع واتجاه قول الباطنية # الرابع أنه يلزمكم على هذا جواز نسخ شريعتكم ولم تقولوا به وأيضا فإنه لو ~~جاز رفع الحكم بعد وقوعه فإما أن يكون رفعه قبل وجوده أو بعد عدمه أو في ~~حال وجوده الأول محال لأن رفع ما لم يوجد غير متصور والثاني محال لأن رفع ~~المعدوم ممتنع والثالث يلزم منه أن يكون الشيء حالة وجوده مرتفعا وذلك أيضا ~~ممتنع # وأيضا فإن الفعل المأمور به إما أن يكون حسنا أو قبيحا فإن كان الأول فقد ~~نهى عن الحسن وإن كان الثاني فقد أمر بالقبيح # وأيضا فإنه إما أن يكون طاعة أو معصية فإن كان طاعة فقد نهى عن الطاعة ~~وإن كان معصية فقد أمر بالمعصية # وأيضا فإما أن يكون مرادا أو مكروها فإن كان مرادا فقد صار بالنهي مكروها ~~وإن كان مكروها فقد صار بالأمر مرادا # وأما ما ذكرتموه من الدليل السمعي على الجواز العقلي فلا وجه له # أما قوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها @QE@ 2 ~~البقرة 106 ) فالمراد بالنسخ الإزالة ونسخ الآية بإزالتها عن اللوح المحفوظ ~~PageV03P131 # وأما ما ذكرتموه على الوقوع الشرعي فلا نسلم أن شريعة محمد ناسخة لشرائع ~~من تقدم على ما يأتي تقريره # وأما وجوب استقبال ms591 بيت المقدس فإنه لم يزل بالكلية لجواز التوجه إليه عند ~~الإشكال ومع العذر فكان ذلك تخصيصا لا نسخا # وأما تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم فإنما زالت ~~لزوال سببها وهو امتياز المنافقين من حيث إنهم لا يتصدقون على المؤمنين # ووجوب التربص حولا كاملا لم يزل بالكلية لبقائه عندما إذا كانت مدة حملها ~~سنة فكان ذلك أيضا من باب التخصيص لا من باب النسخ # سلمنا الجواز العقلي ولكن لا نسلم الجواز الشرعي وبيانه من وجهين الأول ~~قوله تعالى في صفة القرآن @QB@ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~@QE@ 41 فصلت 42 ) فلو نسخ لكان قد أتاه الباطل وهذه حجة من منع جواز نسخ ~~القرآن مطلقا # الثاني أن موسى الكليم كان نبيا حقا بالإجماع منا ومنكم وبالدلائل الدالة ~~على صدقه في رسالته وقد نقل عنه نقلا متواترا أنه قال هذه الشريعة مؤبدة ~~عليكم ما دامت السموات والأرض وروي عنه أنه قال الزموا يوم السبت أبدا فقد ~~كذب بذلك من ادعى نسخ شريعته فلو قيل بجواز نسخ شريعته لزم منه أن يكون ~~كاذبا وهو محال # والجواب عن الإشكال الأول أن النسخ لم يكن لحكمة ظهرت له بعد أن لم تكن ~~ظاهرة بل إن قلنا برعاية الحكمة بحكمة كان عالما بها على ما سبق في الفرق ~~بين النسخ والبداء PageV03P132 # وعن الإشكال الثاني أن اعتقاد التوحيد وكل ما مستند معرفته دليل العقل لا ~~يخلو إما أن يقال بأن وجوبه ثابت بالعقل كما قاله المعتزلة أو بالشرع كما ~~نقوله نحن فإن كان الأول فلا يخفى إحالة نسخ ما ثبت وجوبه عقلا لأن الشارع ~~لا يأتي بما يخالف العقل # وإن كان الثاني فالعقل يجوز أن لا يرد الشرع بوجوبه ابتداء فضلا عن نسخه ~~بعد وجوبه # وعن الثالث قولهم إن الخطاب إن كان موقتا فلا يكون قابلا للنسخ لا نسلم ~~ذلك فإنه لو قال في رمضان حجوا في هذه السنة ثم قال قبل يوم عرفة لا تحجوا ~~فإنه يكون جائزا عندنا على ms592 ما يأتي في جواز نسخ الأمر قبل التمكن من ~~الامتثال # قولهم وإن كان دالا على التأبيد فهو محال لا نسلم ذلك # قولهم في الوجه الأول إنه يلزم منه جهل المكلف باعتقاد التأبيد فقد أجاب ~~عنه أبو الحسين البصري بأنه إنما يفضي إلى ذلك إن لو لم يكن قد اقترن ~~بالخطاب المنسوخ ما يشعر بنسخه وليس كذلك وقد بينا إبطال ما ذهب إليه في ~~تأخير البيان إلى وقت الحاجة # والوجه في الجواب أن نقول دلالة الخطاب على التأبيد لا يلزمها التأبيد مع ~~القول بجواز النسخ فإذا اعتقد المكلف التأبيد فالجهل إنما جاءه من قبل نفسه ~~لا من قبل ما اقتضاه الخطاب بل الواجب أن يعتقد التأبيد بشرط عدم الناسخ ثم ~~وان أفضى ذلك إلى الجهل في حق العبد فالقول بقبح ذلك من الله تعالى مبني ~~على التحسين والتقبيح العقلي وقد أبطلناه فيما تقدم PageV03P133 # ثم متى يكون ذلك قبيحا إذا استلزم مصلحة تربو على مفسدة جهله أو إذا لم ~~يكن كذلك الأول ممنوع والثاني مسلم # وبيان لزوم المصلحة الزائدة هنا ما فيه من زيادة الثواب باعتقاده دوام ما ~~أمر به والعزم على فعله والانقياد لقضاء الله وحكمه في الأمر والنهي كيف ~~وإن ما ذكروه منتقض بما يحدثه الله تعالى للعبد من الغنى والصحة فإن ذلك ~~مما يوجب اعتقاد دوامه له مع جواز إزالته بالفقر والمرض # قولهم في الوجه الثاني إنه يفضي إلى تعجيز الرب تعالى عن إعلامنا ~~بالتأبيد ليس كذلك لجواز أن يخلق لنا العلم الضروري بذلك # وما ذكروه في الوجه الثالث فمندفع فإنه إن كان اللفظ الوارد في الخطاب ~~مما لا يحتمل التأويل فالوثوق به حاصل لا محالة وإن كان مما يحتمل التأويل ~~فيجب أن يكون الوثوق به على حسب ما اقتضاه الظاهر لا قطعا وذلك غير مستحيل # وما ذكروه في الوجه الرابع فغير صحيح فإنا لا نمنع من جواز نسخ شرعنا ~~عقلا وإنما نمنع منه شرعا لورود خبر الصادق بذلك عندنا وهو قوله تعالى @QB@ ~~وخاتم النبيين @QE@ 33 الأحزاب 40 ) وقوله ms593 صلى الله عليه وسلم ألا إنه لا ~~نبي بعدي والخلاف في خبر الصادق محال # ومع ذلك فإنا لا نحيل عقلا أن يكون ذلك الخبر مشروطا بقيد # قولهم لو جاز رفع الحكم إما أن يكون قبل وقوعه فمندفع # فإنا وإن أطلقنا لفظة الرفع في النسخ إنما نريد به امتناع استمرار ~~المنسوخ وأنه لولا الخطاب الدال على الانقطاع لاستمر وذلك لا يلزم عليه شيء ~~مما قيل PageV03P134 # قولهم الفعل المأمور به إما أن يكون حسنا أو قبيحا فهو مبني على التحسين ~~والتقبيح العقلي وقد أبطلناه # قولهم إما أن يكون طاعة أو معصية قلنا هو طاعة حالة كونه مأمورا ومعصية ~~حالة كونه منهيا فالطاعة والمعصية ليست من صفات الأفعال بل تابعة للأمر ~~والنهي # قولهم إما أن يكون مرادا أو مكروها لا نسلم الحصر لجواز أن لا يكون مرادا ~~ولا مكروها إذ الإرادة والكراهة عندنا غير لازمة للأمر والنهي # وبتقدير أن يكون ما أمر به مرادا جاز أن يكون مرادا حالة الأمر دون حالة ~~النهي # قولهم المراد من نسخ الآية إزالتها عن اللوح المحفوظ ليس كذلك فإنه قال ~~تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها @QE@ 2 البقرة ~~106 ) والقرآن خير كله من غير تفاوت فيه فلو كان المراد من نسخ الآية ~~إزالتها عن اللوح المحفوظ وكتابة أخرى بدلها لما تحقق هذا الوصف وإنما ~~يتحقق الخيرية بالنسبة إلينا فيما يرجع إلى أحكام الآيات المرفوعة عنا ~~والموضوعة علينا من حيث إن البعض قد يكون أخف من البعض فيما يرجع إلى تحمل ~~المشقة أو أن ثواب البعض أجزل من ثواب البعض على اختلاف المذاهب فوجب حمل ~~النسخ على نسخ أحكام الآيات لا على ما ذكروه # وأما منع كون شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ناسخة لشرع من تقدم فمخالف ~~لإجماع السلف قاطبة # والكلام في هذا المقام إنما هو مع منكر النسخ من الإسلاميين وما يذكرونه ~~في تقدير ذلك فسيأتي الجواب عنه أيضا وأما ما ذكروه على باقي صور النسخ فهو ~~أيضا خلاف إجماع ms594 السلف PageV03P135 كيف وإن ما ذكروه من التخريج لا وجه له # قولهم إن التوجه إلى بيت المقدس لم يزل بالكلية # قلنا لا خلاف أنه كان يجب التوجه إليه حالة عدم الإشكال والعذر وقد زال ~~ذلك بالكلية فكان نسخا # قولهم إن وجوب تقديم الصدقة إنما زال لزوال سببه # قلنا الأصل بقاء السبب وما ذكروه من السبب يلزم منه أن كل من لم يتصدق من ~~الصحابة أن يكون منافقا ولم يتصدق أحد منهم سوى علي عليه السلام على ما ~~نقله الرواة وذلك ممتنع # قولهم إن وجوب التربص لم يزل بالكلية # قلنا لا خلاف بين أهل الملة في أنه كان التربص حولا كاملا واجبا سواء ~~كانت مدة الحمل سنة أو لم تكن وذلك مما رفع بالكلية # وما ذكروه من امتناع نسخ القرآن بقوله @QB@ لا يأتيه الباطل @QE@ 41 فصلت ~~42 ) الآية فليس فيه ما يدل على امتناع النسخ إلا أن يكون النسخ إبطالا له ~~وليس كذلك # وبيانه أن النسخ لا معنى له سوى قطع الحكم الذي دل عليه اللفظ مع كون ~~المخاطب مريدا لقطعة على ما سبق وذلك لا يكون إبطالا له بل تحقيقا لمقصوده # وما ذكروه من قول موسى فمختلق لم تثبت صحته عن موسى عليه السلام # وقد قيل إن أول من وضع ذلك لهم ابن الراوندي ليعارض به دعوى الرسالة من ~~محمد صلى الله عليه وسلم لما ظهر من تسمحه في الدين # ويدل على ذلك أن PageV03P136 أحبارهم ككعب الأحبار وابن سلام ووهب ابن ~~منبه وغيرهم كانوا أعرف من غيرهم بما في التورية وقد أسلموا ولم يذكروا ~~شيئا من ذلك ولو كان ذلك صحيحا لكان من أقوى ما يتمسك به اليهود في زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في معارضته ولم ينقل عنهم شيء من ذلك ثم أنهم ~~مختلفون في نفس متن الحديث فإن منهم من قال الحديث إن أطعتموني لما أمرتكم ~~به ونهيتكم عنه ثبت ملككم كما ثبتت السموات والأرض وليس في ذلك ما يدل على ~~إحالة النسخ # وإن سلمنا صحة ما نقلوه ms595 فيحتمل أنه أراد بالشريعة التوحيد ويحتمل أنه ~~أراد بقوله مؤبدة ما لم تنسخ بشريعة نبي آخر ومع احتمال هذه التأويلات فلا ~~يعارض قوله ما ظهر على يد النبي صلى الله عليه وسلم من المعجزات القاطعة ~~الدالة على صدقه في دعواه الرسالة ونسخ شريعة من تقدم كيف وإن لفظ التأبيد ~~قد ورد في التورية ولم يرد به الدوام كقوله إن العبد يستخدم ست سنين ثم ~~يعتق في السابعة فإن أبي العتق فلتثقب أذنه ويستخدم أبدا وكقوله في البقرة ~~التي أمروا بذبحها هذه سنة لكم أبدا وكقوله قربوا كل يوم خروفين قربانا ~~دائما # وأما العيسوية فيمتنع عليهم بعد التسليم بصحة رسالته وصدقه في دعواه بما ~~اقترن بها من المعجزة القاطعة تكذيبه فيما ورد به التواتر القاطع عنه بدعوى ~~البعثة إلى الأمم كافة ونزول القرآن بذلك وهو قوله تعالى @QB@ يا أيها ~~الناس إني رسول الله إليكم جميعا @QE@ PageV03P137 وقوله تعالى @QB@ وما ~~أرسلناك إلا كافة للناس @QE@ 34 سبأ 28 ) وقال في وصف ما أنزل عليه هذا هدى ~~للناس ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم بعثت إلى الأحمر والأسود وقوله بعثت ~~إلى الناس كافة وقوله لو كان أخي موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي ويدل على ~~ذلك ما اشتهر عنه وتواتر من دعائه لطوائف الجبابرة والأكاسرة # وتنفيذه إلى أقاصي البلاد وطلب الدخول في ملته والقتال لمن جاحده من ~~العرب وغيرهم في نبوته والله أعلم # # | المسألة الثانية # اتفق القائلون بجواز النسخ على جواز نسخ حكم الفعل بعد خروج وقته ~~واختلفوا في جواز ذلك قبل دخول الوقت وذلك كما لو قال الشارع في رمضان حجوا ~~في هذه السنة ثم قال قبل يوم عرفة لا تحجوا # فذهبت الأشاعرة وأكثر أصحاب الشافعي وأكثر الفقهاء إلى جوازه ومنع من ذلك ~~جماهير المعتزلة وأبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي وبعض أصحاب الإمام أحمد ~~بن حنبل # والمختار جوازه # وقد احتج الأصحاب بحجج ضعيفة # الحجة الأولى قوله تعالى @QB@ يمحو الله ما يشاء ويثبت @QE@ 13 الرعد 39 ~~) دل على أنه يمحو كل ما يشاء ms596 محوه على كل وجه فيدخل فيه محو العبادة قبل ~~دخول PageV03P138 وقتها ولا دلالة فيه لأن الآية إنما تدل على محو كل ما ~~يشاء محوه وليس فيها ما يدل على أنه يشاء محو العبادة قبل دخول وقتها مع ~~كون ذلك ممتنعا عند الخصم وإن بين إمكان مشيئة ذلك بغير الآية ففيه ترك ~~الاستدلال بالآية كيف وإنه قد أمكن حمل المحو على ما هو حقيقة فيه وهو محو ~~الكتابة مما يكتبه الملكان من المباحات وتبقيه المعاصي والطاعات # ومنهم من احتج بقصة إبراهيم عليه السلام وأمر الله له بذبح ولده ونسخه ~~عنه بذبح الفداء ودليل أمره بذلك انه قد روي انه تعالى قال لإبراهيم ? < ~~اذبح ولدك > ? وروي ? < واحدك > ? والقرآن دل عليه بقوله @QB@ يا بني إني ~~أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر @QE@ ~~الصافات 102 وانه نسخ بذبح الفدا بقوله @QB@ وفديناه بذبح عظيم @QE@ 37 ~~الصافات 107 ) وهذا أيضا مما يضعف الاحتجاج به جدا غير أنه قد وجه الخصوم ~~على هذه الحجة اعتراضات واهية لا بد من ذكرها والإشارة إلى الانفصال عنها ~~تكثيرا للفائدة ثم نذكر بعد ذلك وجه الضعيف في الآية المذكورة # أما الأسئلة فأولها أنهم قالوا إن ذلك إنما كان مناما لا أصل له فلا يثبت ~~به الأمر ولهذا قال إني أرى في المنام # سلمنا أن منامه أصل يعتمد عليه ولكن لا نسلم أنه كان قد أمر # وقول ولده افعل ما تؤمر ليس فيه دلالة على أنه كان قد أمر ولهذا علقه على ~~المستقبل # ومعناه افعل ما يتحقق من الأمر في المستقبل # سلمنا أنه كان مأمورا # لكن لا نسلم أنه كان مأمورا بالذبح حقيقة بل بالعزم على الذبح امتحانا له ~~بالصبر على العزم وذلك بلاء عظيم والفداء إنما كان عما يتوقعه من الأمر ~~بالذبح لا عن نفس وقوع الأمر بالذبح أو بمقدمات PageV03P139 الذبح من ~~إخراجه إلى الصحراء وأخذ المدية والحبل وتله للجبين فاستشعر إبراهيم أنه ~~مأمور بالذبح ولذلك قال تعالى @QB@ قد صدقت الرؤيا @QE@ 37 الصافات 105 ms597 ) ~~سلمنا أنه كان مأمورا بالذبح حقيقة إلا أنه قد وجد منه فإن قد روي أنه كان ~~كلما قطع جزءا عاد ملتحما إلى آخر الذبح ولهذا قال الله تعالى @QB@ قد صدقت ~~الرؤيا @QE@ 37 الصافات 105 ) وإذا كان ما أمر به من الذبح قد وقع فالفداء ~~لا يكون نسخا # سلمنا أن الذبح حقيقة لم يوجد لكن قد روي أن الله تعالى منعه من الذبح ~~بأن جعل على عنق ولده صفيحة من نحاس أو حديد مانعة من الذبح لا أن ذلك كان ~~بطريق النسخ # والجواب عن الأول أن منام الأنبياء فيما يتعلق بالأوامر والنواهي وحي ~~معمول به وأكثر وحي الأنبياء كان بطريق المنام وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن وحيه كان ستة أشهر بالمنام ولهذا قال عليه السلام الرؤيا ~~الصالحة جزء من ستة وأربعين جزأ من النبوة فكانت نسبة الستة أشهر من ثلاثة ~~وعشرين سنة من نبوته كذلك ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ما احتلم ~~نبي قط يعني ما تشكل له الشيطان في المنام على الوجه الذي يتشكل لأهل ~~الاحتلام كيف وإنه لو كان ذلك خيالا لا وحيا لما جاز لأبراهيم العزم على ~~الذبح المحرم بمنام لا أصل له ولما سماه بلاء مبينا ولما احتاج إلى الفداء # وعن الثاني أن قوله @QB@ افعل ما تؤمر @QE@ 37 الصافات 102 ) وإن لم يكن ~~ظاهرا في الماضي لكنه قد يرد ويراد به الماضي # ولهذا فإنه لو قال القائل قد أمرني السلطان بكذا فإنه يصح أن يقال له ~~افعل ما تؤمر أي ما أمرت به وأنت مأمور # ويجب الحمل عليه ضرورة حمل الولد على إخراجه إلى الصحراء وأخذ آلات الذبح ~~وترويع الولد فإن ذلك كله مما يحرم من غير أمر ولا إذن في ذلك # وعن الثالث أن حمل الأمر على العزم أو على مقدمات الذبح على PageV03P140 ~~خلاف قوله @QB@ إني أرى في المنام أني أذبحك @QE@ 37 الصافات 102 ) ثم لو ~~كان مأمورا بالعزم على الذبح ومقدمات الذبح لا غير لما سماه بلاء مبينا ms598 ~~ولما احتاج إلى الفداء لكون المأمور به مما وقع ولما قال الذبيح @QB@ ~~ستجدني إن شاء الله من الصابرين @QE@ 37 الصافات 102 ) فإن ذلك مما لا ضرر ~~عليه فيه # وقوله @QB@ قد صدقت الرؤيا @QE@ 37 الصافات 105 ) معناه أنك عملت في ~~المقدمات عمل مصدق للرؤيا بقلبه # لكن لقائل أن يقول إذا كان قد أمر بإخراج الولد إلى الصحراء وأخذ المدية ~~والحبل وتله للجبين مع إبهام عاقبة الأمر عليه وعلى ولده فإنه يظهر من ذلك ~~لهما أن عاقبة الأمر إنما هي الذبح وذلك عين البلاء به يتحقق قول الذبيح ~~@QB@ ستجدني إن شاء الله من الصابرين @QE@ 37 الصافات 102 ) وأما تسمية ~~الكبش فداء فإنما كان عن الأمر المتوقع لا عن الأمر الواقع غير أن هذا مما ~~لا يستقيم على أصل أبي الحسين البصري لما فيه من توريط المكلف في الجهل حيث ~~أوجب عليه ما يظهر منه الأمر بالذبح ولا أمر # وعن الرابع أنه لو كان قد أتى بما أمر به من الذبح لما احتاج إلى الفداء ~~ولا اشتهر ذلك وظهر لأنه من أكبر الآيات الباهرات وحيث لم ينقله سوى بعض ~~الخصوم دل على ضعفه # وعن الخامس أن ذلك من المعتزلة لا يصح لأنهم لا يرون التكليف بما لا يطاق # وهذا تكليف بما لا يطاق كيف وإنه لو كان كما ذكروه لنقل أيضا واشتهر ~~لكونه من المعجزات العظيمة # هذا ما في هذه الأسئلة والأجوبة # وأما وجه الضعف في الاحتجاج بقصة إبراهيم فمن جهة أن لقائل أن يقول وإن ~~سلمنا أنه نسخ عنه الأمر بالذبح لكن لا نسلم أنه نسخ قبل التمكن من ~~الامتثال # بل إنما كان ذلك بعد التمكن من الامتثال والخلاف إنما هو فيما قبل التمكن ~~لا بعده # ولا سبيل إلى بيان أنه نسخ قبل التمكن من PageV03P141 الامتثال إلا بعد ~~بيان أن مطلق الأمر يقتضي الوجوب على الفور أو أن وقت الأمر كان مضيقا لا ~~يجوز التأخير عنه للنبي عليه السلام وأن النبي عليه السلام لا يجوز عليه ~~صغائر المعاصي والكل ممنوع على ما ms599 عرف # الحجة الثانية أن الله تعالى نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي صلى ~~الله عليه وسلم قبل فعلها وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم صالح قريشا ~~يوم الحديبية على رد من هاجر إليه ثم نسخ ذلك قبل الرد بقوله تعالى @QB@ ~~فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار @QE@ 60 الممتحنة 10 ) وأيضا ~~فإن الإجماع من الخصوم واقع على أن الله تعالى لو أمرنا بالمواصلة في الصوم ~~سنة جاز أن ينسخه عنا بعد شهر منها وذلك نسخ للصوم فيما بقي من السنة قبل ~~حضور وقته وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال أحلت لي مكة ساعة من ~~نهار ومع ذلك منع من القتال فيها وهو نسخ قبل وقت الفعل # وهذه الحجج أيضا ضعيفة # أما الأولى فلأن لقائل أن يقول لا نسلم أن نسخ تقديم الصدقة كان قبل ~~التمكن من الوقت ويدل عليه أمران الأول عتاب الله لهم بقوله @QB@ أأشفقتم ~~أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم @QE@ الآية ~~ولو لم يكن وقت الفعل قد حضر لما حسن ذلك # الثاني أن عليا رضي الله عنه ناجى بعد تقديم الصدقة وذلك يدل على حضور ~~وقت الفعل # وأما الثانية فلأنه لا يمتنع أن يكون ذلك بعد مضي وقت تمكن المهاجرة ~~PageV03P142 فيه إليه مع ردهن ولا دليل على وقوع نسخ ذلك قبل دخول وقت ~~الفعل فلا يكون حجة # وأما الثالثة فلأن النسخ ورد على بعض ما تناوله اللفظ فكان بيانا أن ~~مراده من اللفظ إنما هو بعض السنة ويكون النهي متناولا لغير ما تناوله ~~الأمر وذلك غير ممتنع وهذا بخلاف ما إذا نسخ قبل دخول شيء من الوقت لأن ~~النهي يكون متناولا لغير ما تناوله الأمر ولا يلزم من جواز ذلك ثم جوازه ها ~~هنا # وأما الرابعة فلأن إباحة القتال في تلك الساعة لا يقتضي وقوع القتال ولا ~~بد وعلى هذا فلا يمتنع أن يكون النهي عن القتال بعد مضي تلك الساعة ولا ~~دليل يدل على وقوع النسخ قبل ms600 دخول الوقت كيف وأنه لا دلالة في قوله أحلت لي ~~مكة ساعة على إباحة القتال بل لعله أراد بذلك إباحة قتل أناس معينين كابن ~~خطل وغيره فالنهي عن القتال لا يكون نسخا لإباحة القتال # والأقرب في ذلك حجتان الحجة الأولى التمسك بقصة الإسراء وهو ما صح ~~بالرواية أن الله تعالى فرض ليلة الإسراء على نبيه وعلى أمته خمسين صلاة ~~فأشار عليه موسى بالرجوع وقال له أمتك ضعفاء لا يطيقون ذلك فاستنقص الله ~~ينقصك وأنه قبل ما أشار عليه وسأل الله في ذلك فنسخ الخمسين إلى أن بقي خمس ~~صلوات # وذلك نسخ لحكم الفعل قبل دخول وقته # الحجة الثانية أنه يجوز أن يأمر الله تعالى زيدا بفعل في الغد ويمنعه منه ~~بمانع عائق له عنه قبل الغد فيكون مأمورا بالفعل في الغد بشرط انتفاء ~~المانع # وإذا جاز الأمر بشرط انتفاء المانع مع تعقيبه بالمنع جاز الأمر بالفعل ~~بشرط انتفاء الناسخ مع تعقيبه بالنسخ إذ الفعل لا يفرق بين الحالتين وهو ~~إلزام ملزم # فإن قيل أما قصة الإسراء فهي خبر واحد فلا يمكن إثبات مثل هذه المسألة به ~~وإن كان حجة إلا أنه يقتضي نسخ حكم الفعل قبل التمكن وقبل تمكن المكلف من ~~العلم به لنسخه قبل الإنزال وذلك مما لا يحصل معه الثواب بالعزم على ~~الادواء والاعتقاد لوجوبه ولم يقولوا به PageV03P143 # وأما الحجة الثانية فلا نسلم أنه يجوز أن يأمر زيدا في الغد ويمنعه منه ~~قبل الغد لأنه لا يخلو إما أن يأمره مطلقا ويريد منه الفعل أو بشرط زوال ~~المنع فإن كان الأول فمنعه منه بعد ذلك يكون تكليفا بما لا يطاق وهو محال # وإن كان الثاني فالأمر بالشرط مما لا يجوز وقوعه من العالم بعواقب الأمور ~~على ما سبق تقريره في الأوامر وهذا بخلاف ما إذا أمر جماعة بفعل في الغد ~~فإنه يجوز أن يمنع بعضهم من الفعل لأن ذلك يدل على أنه لم يرد بخطابه من ~~علم منعه وإذا لم يجز في المنع فكذلك في النسخ # ثم ما ms601 ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه وبيانه من وجوه الأول أنه إذا نهى ~~المكلف عن الفعل الذي أمر به قبل دخول وقته فالأمر والنهي قد تواردا على ~~شيء واحد من جهة واحدة في وقت واحد وهو محال وذلك لأن الفعل في نفسه في ذلك ~~الوقت إما أن يكون حسنا أو قبيحا # وعند ذلك فلا يخلو الباري تعالى عند الأمر بالفعل إما أن يكون عالما بما ~~هو عليه الفعل من الحسن والقبح وكذلك في حالة النهي أو لا يكون عالما به ~~أصلا أو هو عالم به في حالة النهي دون حالة الأمر أو في حالة الأمر دون ~~حالة النهي فإن كان الأول فإن كان الفعل حسنا فقد نهى عن الحسن مع علمه به ~~وإن كان قبيحا فقد أمر بالقبيح مع علمه به وهو قبيح وإن كان الثاني فهو ~~محال لما يلزمه من الجهل في حق الله تعالى وكذلك إن كان الثالث أو الرابع # كيف وإنه إذا ظهر له في حالة النهي ما لم يكن قد ظهر له في حالة الأمر ~~فهو عين البدآء والبدآء على الله محال # الوجه الثاني أنه إذا أمر بالفعل في وقت معين ثم نهى عنه فقد بان أنه لم ~~يرد إيقاعه ويكون قد أمر بما لم يرده ولو جاز ذلك لما بقي لنا وثوق ~~PageV03P144 بقول من أقوال الشارع لجواز أن يكون المراد بذلك القول ضد ما ~~هو دال على إرادته وذلك محال # الثالث أن ذلك مما يفضي إلى أن يكون الفعل الواحد مأمورا منهيا والأمر ~~والنهي عندكم كلام الله وكلامه صفة واحدة فيكون الكلام الواحد أمرا نهيا ~~بشيء واحد في وقت واحد وذلك محال # والجواب قولهم في قصة الإسراء إنها خبر واحد # قلنا # والمسألة عندنا من مسائل الاجتهاد ولذلك لا يكفر المخالف فيها ولا يبدع # قولهم إنه نسخ عن المكلفين قبل علمهم به # قلنا فقد نسخ عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد علمه وإن سلمنا أنه نسخ عن ~~المكلفين قبل علمهم به ولكن لم قالوا بامتناعه ms602 # قولهم إنه لا يتعلق به فائدة الثواب باعتقاد الوجوب والعزم على الفعل فهو ~~مبني على رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى وهو ممنوع على ما عرف من أصلنا # قولهم على الحجة الثانية إنا لا نسلم الأمر مع المنع # قلنا قد سبق تقريره في الأوامر # قولهم إن أراد منه الفعل فهو تكليف بما لا يطاق # قلنا وإن كان كذلك فهو جائز عندنا على ما تقرر قبل # قولهم وإن لم يكن مريدا له فهو أمر بشرط عدم المنع من العالم بعواقب ~~الأمور وذلك محال لما سبق # قلنا وقد سبق أيضا في الأوامر جواز ذلك وإبطال كل ما تخيلوه مانعا # قولهم في المعارضة الأولى إنه يلزم من ذلك أن يكون الرب تعالى آمرا ~~وناهيا عن فعل واحد في وقت واحد وهو محال لا نسلم إحالته PageV03P145 # قولهم إما أن يكون حسنا أو قبيحا فهو مبني على الحسن والقبح العقلي وهو ~~باطل لما سبق # فلئن قالوا وإن لم يكن حسنا ولا قبيحا فلا يخلو إما أن يكون مشتملا على ~~مصلحة أو مفسدة # فإن كان الأول فقد نهى عما فيه مصلحة وإن كان الثاني فقد أمر بما فيه ~~مفسدة # قلنا وهذا أيضا مبني على رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى وهو باطل لما ~~عرف من أصلنا بل جاز أن يكون الأمر والنهي لا لمصلحة ولا لمفسدة # وإن سلم عدم خلوه عن المصلحة والمفسدة ولكن لا نسلم أنه يلزم من ذلك ~~الأمر بالمفسدة والنهي عن المصلحة بل جاز أن يقال إنه مشتمل على المصلحة ~~حالة الأمر ومشتمل على المفسدة حالة النهي ولا مفسدة حالة الأمر ولا مصلحة ~~حالة النهي على ما تقرر قبل # ولا يلزم من ذلك الجهل في حق الله تعالى ولا البدآء لعلمه حالة الأمر بما ~~الفعل مشتمل عليه من المصلحة وانه سينسخه في ثاني الحال لما يلازمه من ~~المفسدة المقتضية للنسخ حالة النسخ كما علم # قولهم في المعارضة الثانية إذا أمر بالفعل ثم نهى عنه فتبين أنه أمر بما ~~لم يرد مسلم # وعندنا ليس ms603 من شرط الأمر إرادة المأمور به كما سبق تعريفه # قولهم يلزم من ذلك عدم الوثوق بجميع أقوال الشارع إن أرادوا بذلك أنه إذا ~~خاطب بما يحتمل التأويل أنا لا نقطع بإرادته لما هو الظاهر من كلامه فمسلم ~~ولكن لا نسلم امتناع ذلك وهذا هو أول المسألة وإن أرادوا به أنه لا يمكن ~~الاعتماد على ظاهره مع احتمال إرادة غيره من الاحتمالات البعيدة فغير مسلم ~~وإن أرادوا غير ذلك فلا نسلم تصوره PageV03P146 # قولهم في المعارضة الثالثة إنه يلزم منه أن يكون الفعل الواحد في وقت ~~واحد مأمورا منهيا # قلنا مأمور منهي معا أو لا معا الأول ممنوع والثاني مسلم # قولهم إن كلام الله عندكم صفة واحدة لا نسلم ذلك إن سلكنا مذهب عبد الله ~~بن سعد من أصحابنا وإن سلكنا مذهب الشيخ أبي الحسن فلم قالوا بالإحالة # قولهم يلزم منه أن تكون الصفة الواحدة أمرا نهيا # قلنا إنما تسمى الصفة الواحدة بهذه الأسماء بسبب اختلاف تعلقاتها ~~ومتعلقاتها فإن تعلقت بالفعل سميت أمرا وإن تعلقت بالترك سميت نهيا وذلك ~~إنما يمتنع أن لو اتحد زمان التعلق بالفعل والترك # وأما إذا كان زمان التعلق مختلفا فلا # والمأمور والمنهي وإن كان زمانه متحدا لكن زمان تعلق الأمر به غير زمان ~~تعلق النهي به ومع التغاير فلا امتناع # # | المسألة الثالثة # اتفق الجمهور على جواز نسخ حكم الخطاب إذا كان بلفظ التأبيد كقوله صوموا ~~أبدا خلافا لشذوذ من الأصوليين # ودليل جوازه أن الخطاب إذا كان بلفظ التأبيد غايته أن يكون دالا على ثبوت ~~الحكم في جميع الأزمان بعمومه ولا يمتنع مع ذلك أن يكون المخاطب مريدا ~~لثبوت الحكم في بعض الأزمان دون البعض كما في الألفاظ العامة لجميع الأشخاص # وإذا لم يكن ذلك ممتنعا فلا يمتنع ورود الناسخ المعرف لإرادة المخاطب ~~لذلك # ولو فرضنا ذلك لما لزم عنه المحال وكان جائزا # فإن قيل لفظ التأبيد جار مجرى التنصيص على كل وقت من أوقات PageV03P147 ~~الزمان بخصوصه والتنصيص على وجوب الفعل في الوقت المعين بخصوص لا يجوز نسخه ms604 ~~فكذلك هذا # وأيضا فإنا لو أمرنا بالعبادة بلفظ يقتضي الاستمرار جاز النسخ فلو جاز ~~ذلك مع التقييد بلفظ التأبيد لم يكن للتقييد معنى # وأيضا فإنه لو جاز نسخ ما ورد بلفظ التأبيد لما بقي لنا طريق إلى العلم ~~بدوام العبادة في زمان إرادة التكليف # وأيضا فإن المخاطب إذا أخبر بلفظ التأبيد لم يجز نسخه فكذلك في غير الخبر # والجواب عن الأول لا نسلم أن لفظ التأبيد ينزل منزلة التنصيص على كل وقت ~~بعينه بل هو في العرف قد يطلق للمبالغة كما في قول القائل لازم فلانا أبدا ~~وفلان أبدا يكرم الضيف وأدام الله ملك الأمير أبدا # وإن سلمنا أنه ينزل منزلة التنصيص على الأوقات المعينة فعندنا لا يمتنع ~~نسخ حكم الخطاب إذا كان مقيدا بوقت معين كما إذا قال صل وقت زوال الشمس ~~ركعتين فإنه يجوز نسخه بعد دخول الوقت وقبله على ما عرف من أصلنا # وعن الثاني أن فائدة التأبيد تأكيد الاستمرار فإذا ورد النسخ كانت فائدته ~~تأكيد المبالغة في الاستمرار لا نفس الاستمرار # ثم يلزمهم على ما ذكروه ما إذا أتى بلفظ عام كما لو قال كل من دخل داري ~~فأكرمه فإنه يجوز تخصيصه مع تأكيده بكل وجميع فما هو جوابهم في التخصيص فهو ~~جواب لنا في النسخ # عن الثالث أن ما ذكروه إنما يصح إن لو كان لفظ التأبيد يفيد العلم ولا ~~طريق يفيده سواه والأمران ممنوعان أما الأول فلما سبق وأما الثاني فلجواز ~~أن يخلق الله تعالى العلم الضرروي بذلك أو بما يقترن باللفظ من القرائن ~~المفيدة لليقين كما في القرائن المقترنة بخبر التواتر ثم ما ذكروه ~~PageV03P148 لازم عليهم في تخصيص العام المؤكد فإنه جائز مع توجه ما ذكروه ~~في النسخ بعينه عليه # والجواب أن ذلك يكون متحدا # وعن الرابع بمنع ذلك في الخبر أيضا # # | المسألة الرابعة # مذهب الجميع جواز نسخ حكم الخطاب لا إلى بدل خلافا لبعض الشذوذ ودليله ~~أمران الأول ما يدل على الجواز العقلي وهو أنا لو فرضنا وقوع ذلك لم يلزم ~~عنه ms605 لذاته محال في العقل ولا معنى للجائز عقلا سوى هذا ولأنه لا يخلو إما ~~أن لا يقال برعاية الحكمة في أفعال الله تعالى أو يقال بذلك فإن كان الأول ~~فرفع حكم الخطاب بعد ثبوته لا يكون ممتنعا لأن الله تعالى له أن يفعل ما ~~يشاء # وإن كان الثاني فلا يمتنع في العقل أن تكون المصلحة في نسخ الحكم دون ~~بدله # الثاني ما يدل على الجواز الشرعي وهو أن ذلك مما وقع في الشرع كنسخ تقديم ~~الصدقة بين يدي مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم ونسخ الاعتداد بحول كامل ~~في حق المتوفى عنها زوجها ونسخ وجوب ثبات الرجل لعشرة ونسخ وجوب الإمساك ~~بعد الفطر في الليل ونسخ تحريم ادخار لحوم الأضاحي وكل ذلك من غير بدل إلى ~~غير ذلك من الأحكام التي نسخت لا إلى بدل # والوقوع في الشرع أدل الدلائل على الجواز الشرعي # فإن قيل ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه وهو قوله تعالى @QB@ ما ننسخ ~~من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها @QE@ PageV03P149 أخبر أنه لا ينسخ ~~إلا ببدل والخلف في خبر الصادق محال # قلنا ما ذكروه إنما هو دليل لزوم البدل في نسخ لفظ الآية وليس فيه دلالة ~~على نسخ حكمها وذلك هو موضع الخلاف سلمنا دلالة ما ذكروه على نسخ الحكم لكن ~~لا نسلم العموم في كل حكم وإن سلمنا ولكنه مخصص بما ذكرناه من الصور سلمنا ~~أنه غير مخصص لكن ما المانع أن يكون رفع الحكم بدل إثباته وهو خير منه في ~~الوقت الذي نسخ فيه لكون المصلحة في الرفع دون الإثبات وإن سلم امتناع وقوع ~~ذلك شرعا لكنه لا يدل على عدم الجواز العقلي # # | المسألة الخامسة # وكما يجوز نسخ حكم الخطاب من غير بدل كما بيناه يجوز نسخه إلى بدل أخف ~~منه كنسخ تحريم الأكل بعد النوم في ليل رمضان إلى حله وإلى بدل مماثل كنسخ ~~وجوب التوجه إلى القدس بالتوجه إلى الكعبة وهذان مما لا خلاف فيهما عند ~~القائلين بالنسخ # وإنما الخلاف ms606 في نسخ الحكم إلى بدل أثقل منه # ومذهب أكثر أصحابنا وجمهور المتكلمين والفقهاء جوازه خلافا لبعض أصحاب ~~الشافعي وبعض أهل الظاهر ومنهم من أجازه عقلا ومنع منه سمعا PageV03P150 # ودليل جوازه عقلا ما سبق في المسألة المتقدمة ودليل الجواز الشرعي وقوع ~~ذلك في الشرع # فمن ذلك أن الله تعالى أوجب صيام رمضان في ابتداء الإسلام مخيرا بينه ~~وبين الفداء بالمال ونسخه بتحتم الصوم وهو أثقل من الأول # ومن ذلك أن الله تعالى أوجب في ابتداء الإسلام الحبس في البيوت والتعنيف ~~حدا على الزنى ونسخه بالضرب بالسياط والتغريب عن الوطن في حق البكر وبالرجم ~~بالحجارة في حق الثيب ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان # وكل ذلك أثقل من الأول # فإن قيل ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه # وبيانه من جهة العقل والسمع # أما من جهة العقل فهو أن النسخ إما أن يكون لا لمصلحة أو لمصلحة فإن كان ~~الأول فهو عبث وقبيح فلا يكون جائزا على الشارع وإن كان لمصلحة فإما أن ~~تكون أدنى من مصلحة المنسوخ أو مساوية لها أو راجحة عليها فإن كان الأول ~~فهو أيضا ممتنع لما فيه من إهمال أرجح المصلحتين واعتبار أدناهما وإن كان ~~الثاني فليس الناسخ أولى من المنسوخ فلم يبق غير الثالث # وإذا كان النسخ إنما يكون للأصلح والأنفع والأقرب إلى حصول الطاعة وذلك ~~إنما يكون بنقل المكلفين من الأشد إلى الأخف ومن الأصعب إلى الأسهل لكونه ~~أقرب إلى حصول الطاعة وأسهل في الانقياد وإذا كان بالعكس كان إضرارا ~~بالمكلفين لأنهم إن فعلوا التزموا المشقة الزائدة وإن تركوا استضروا ~~بالعقوبة والمؤاخذة وذلك غير لائق بحكمة الشارع # وأما من جهة السمع فنصوص أولها قوله تعالى @QB@ يريد الله أن يخفف عنكم ~~وخلق الإنسان ضعيفا @QE@ PageV03P151 ) ولا تخفيف في نسخ الأخف إلى الأثقل # وثانيها قوله تعالى @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ 2 ~~البقرة 185 ) وفي نسخ الأخف إلى الأثقل إرادة العسر وفيه تكذيب خبر الصادق # وثالثها قوله تعالى @QB@ ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم @QE@ ~~7 ms607 الأعراف 157 ) والأصر هو الثقل أخبر أنه يضع عنهم الثقل الذي حمله للأمم ~~قبلهم فلو نسخ ذلك بما هو أثقل منه كان تكذيبا لخبره تعالى وهو محال # ورابعها قوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ~~@QE@ 2 البقرة 106 ) وليس المراد منه أنه يأتي بخير من الآية في نفسها إذ ~~القرآن كله خير لا تفاضل فيه وإنما المراد به ما هو خير بالنسبة إلينا وذلك ~~هو الأخف والأسهل في الأحكام # والجواب عن المعقول أن ما ذكروه لازم عليهم في ابتداء التكليف ونقل الخلق ~~من الإباحة والإطلاق إلى مشقة التكليف وكذلك في نقلهم من الصحة إلى السقم ~~ومن الشبيبة إلى الهرم ومن الجدة إلى العدم وإعدام القوي والحواس بعد ~~وجودها فإن ما نقلهم إليه أشق عليهم مما نقلهم عنه # وكل ما ذكروه فهو بعينه لازم ها هنا وما هو الجواب في صورة الإلزام فهو ~~جوابنا في محل النزاع # وعن الآية الأولى أنه لا عموم فيها حتى يلزم من ذلك إرادة التخفيف في كل ~~شيء وبتقدير العموم فليس فيه ما يدل على إرادة التخفيف على الفور بل ~~PageV03P152 جاز أن يكون المراد من ذلك التخفيف في المآل برفع أثقال الآخرة ~~والعقاب على المعاصي بما يحصل لنا من الثواب الجزيل على الأعمال الشاقة ~~علينا في الدنيا وعلى طباعنا تسمية للشيء بعاقبته # ومنه قوله تعالى @QB@ فما أصبرهم على النار @QE@ 2 البقرة 175 ) وقوله ~~تعالى @QB@ إنما يأكلون في بطونهم نارا @QE@ 4 النساء 10 ) ومنه يقال ( ~~لدوا للموت وابنوا للخراب ) وبتقدير إرادة الفور فلا يمتنع التخصيص كما خص ~~بأثقال تكاليفه المبتدأة وابتلائه في الأبدان والأموال كما سبق تقريره # وما ذكرناه من الأدلة الدالة على وقوع ذلك صالح لتخصيص هذه الآية # وعن الآية الثانية أنه يجب حملها على ما فيه اليسر والعسر بالنظر إلى ~~المآل حتى لا يلزم منه كثرة التخصيص بابتداء التكاليف وما وقع به الابتلاء ~~في الدنيا في الأبدان والأموال # ولا يخفى أن التكليف بما هو أشق في الدنيا إذا كان ms608 ثوابه المآلي أكثر ~~وأدفع للعقاب المجتلب بالمعاصي أنه يسر لا عسر # وإن سلمنا أن المراد به إرادة اليسر وعدم إرادة العسر العاجل لكنه يجب ~~تخصيصه بما ذكرناه جمعا بين الأدلة # وعن الآية الثالثة أنه لا يلزم من وضع الأصر والثقل الذي كان على من ~~قبلنا عنا امتناع ورود نسخ الأخف بالأثقل في شرعنا # وعن الآية الرابعة أنه لو كان ذلك عائدا إلى نسخ التلاوة فلا حجة فيه إذ ~~النزاع إنما هو في نسخ الحكم الأخف بالأثقل وإن كان عائدا إلى نسخ حكم ~~الآية فالخير في الأمور الدينية يرجع إلى ما هو أكثر في الثواب # ومنه يقال الفرض خير من النفل بمعنى أنه أكثر في الثواب وإن كان أشق من ~~النفل على النفس وفي الأمور الدنيوية يرجع إلى ما هو خير في العاجل وأصلح ~~ولا يختص ذلك بالأسهل # ولهذا يحسن أن يقول الطبيب PageV03P153 للمريض الجوع والعطش أصلح لك وخير ~~من الشبع والري وعلى هذا فلا يمتنع أن يكون التكليف بالأشق أكثر ثوابا ~~وأصلح في المآل على ما قال تعالى @QB@ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا ~~مخمصة في سبيل الله @QE@ 9 التوبة 120 ) إلى قوله @QB@ إلا كتب لهم به عمل ~~صالح @QE@ 9 التوبة 120 ) وقال تعالى @QB@ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره @QE@ 99 الزلزلة 7 8 ) وقال تعالى @QB@ جزاء بما ~~كانوا يعملون @QE@ 46 الأحقاف 14 ) وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي ~~الله عنها ثوابك على قدر نصبك فكان التكليف بالأشق خيرا من الأخف # # | المسألة السادسة # اتفق العلماء على جواز نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس ونسخهما معا خلافا ~~لطائفة شاذة من المعتزلة # ويدل على ذلك العقل والنقل أما العقل فهو أن جواز تلاوة الآية حكم ولهذا ~~يثاب عليها بالإجماع # وقد قال صلى الله عليه وسلم من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر ~~حسنات وما يترتب عليها من الوجوب والتحريم وغير ذلك حكم وإذا كانا حكمين ~~جاز أن يكون إثباتهما مصلحة في وقت ms609 ومفسدة في وقت وأن لايكون إثبات أحدهما ~~مصلحة مطلقا وإثبات أحدهما مصلحة في وقت دون وقت وإذا كان كذلك جاز رفعهما ~~معا ورفع أحدهما دون الآخر كما سبق تقريره # وأما النقل أما نسخ التلاوة والحكم فيدل عليه ما روت عائشة أنها قالت ~~فيما أنزل عشر رضعات محرمات فنسخت بخمس وليس في المصحف عشر رضعات محرمات ~~ولا حكمها فهما منسوخان # وأما نسخ الحكم دون التلاوة فكنسخ حكم آية الاعتداد بالحول ونسخ حكم آية ~~الوصية للوالدين PageV03P154 # وأما نسخ التلاوة دون الحكم فما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ~~قال كان فيما أنزل الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله ~~ورسوله فإنه منسوخ التلاوة دون الحكم # وهل يجوز بعد نسخ تلاوة الآية أن يمسها المحدث ويتلوها الجنب # فذلك مما تردد الأصوليون فيه # والأشبه المنع من ذلك # فإن قيل الحكم مع التلاوة ينزل منزلة العلم مع العالمية والحركة مع ~~المتحركية والمنطوق مع المفهوم وكما لا يمكن الانفكاك بين العلم والعالمية ~~والمنطوق مع المفهوم فكذلك التلاوة مع حكمها # وأما ما يخص نسخ الحكم دون التلاوة فهو أن الحكم إذا نسخ وبقيت التلاوة ~~كانت موهمة بقاء الحكم وذلك مما يعرض المكلف إلى اعتقاد الجهل والحكيم يقبح ~~منه ذلك # وأيضا إذا بقيت التلاوة دون حكمها تبقى عرية عن الفائدة ويمتنع خلو ~~القرآن عن الفائدة # وأما ما يخص نسخ التلاوة دون الحكم فوجهان الأول أن الآية ذريعة إلى ~~معرفة الحكم فإذا نسخت الآية دون الحكم أشعر ذلك بارتفاع الحكم وفيه تعريض ~~المكلف لاعتقاد الجهل وهو قبيح من الشارع # الثاني أن نسخ التلاوة دون حكمها يكون عريا عن الفائدة حيث إنه لم يلزم ~~من ذلك إثبات حكم ولا رفعه وما عرى من التصرفات عن الفائدة كان عبثا والعبث ~~على الله محال # والجواب عن الأول لا نسلم أولا أن العالمية مغايرة لقيام العلم بالذات ~~ولا المتحركية مغايرة لقيام الحركة بالذات ولا الملازمة بين المنطوق ~~والمفهوم ليصح التمثيل # وإن سلمنا جميع ذلك ولكن لا نسلم أن ms610 التلاوة PageV03P155 مع الحكم نازلة ~~منزلة ما ذكروه بل هي نازلة منزلة الأمارة والعلامة على الحكم في ابتداء ~~ثبوته دون حالة دوامه # وعلى هذا فلا يلزم من انتفاء الأمارة في طرف الدوام انتفاء ما دلت عليه # وذكلك لا يلزم من انتفاء الحكم لدليل انتفاء الأمارة الدالة عليه # وعن قولهم إن التلاوة إذا ثبتت بعد نسخ الحكم عرضت المكلف لاعتقاد الجهل ~~متى إذا نصب الله تعالى دليلا على نسخ الحكم أو إذا لم ينصب الأول ممنوع ~~والثاني مسلم # وذلك لأن الناظر إذا كان مجتهدا عرف دليل النسخ وإن كان مقلدا فغرضه ~~تقليد المجتهد العارف بدليل النسخ # ثم وإن كان كما ذكروه فلا نسلم أن ذلك ممتنع في حق الله تعالى إلا على ~~فاسد أصل من يقول بالتحسين والتقبيح العقلي وقد أبطلناه # وعن قولهم إنه ليس في بقاء التلاوة فائدة بعد نسخ الحكم أن ذلك مبني على ~~رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى وهو غير مسلم # وإن سلما ذلك فلا يمتنع أن يكون الباري تعالى قد علم في ذلك حكمة استأثر ~~بها ونحن لا نشعر بذلك وعن قولهم إن الآية إذا نسخت عرضت المكلف لاعتقاد ~~الجهل إنما يلزم ذلك ان لو كان يلزم من انتفاء الدلالة على الحكم في الدوام ~~انتفاء الحكم وهو غير مسلم ولا يلزم من الدليل الدال على نسخ التلاوة أن ~~يكون دالا على نسخ الحكم # وعن قولهم إنه لا فائدة في نسخ التلاوة مع بقاء الحكم ما سبق في قولهم إن ~~بقاء التلاوة غير مفيد مع نسخ الحكم # # | المسألة السابعة # فيما يتعلق بنسخ الأخبار # والنسخ إما أن يكون لنسخ الخبر أو لمدلوله وثمرته PageV03P156 فإن كان ~~الأول فإما أن تنسخ تلاوته أو تكليفنا به بأن نكون قد كلفنا أن نخبر بشيء ~~فينسخ عنا التكليف بذلك الأخبار وكل واحد من الأمرين جائز من غير خلاف بين ~~القائلين بجواز النسخ وسواء كان ما نسخت تلاوته ماضيا أو مستقبلا وسواء كان ~~ما نسخ تكليف الإخبار به مما لا يتغير مدلوله كالإخبار بوجود الله ms611 تعالى ~~وحدوث العالم أو يتغير كالإخبار بكفر زيد وإيمانه لأن كل ذلك حكم من ~~الأحكام الشرعية فجاز أن يكون مصلحة في وقت ومفسدة في وقت آخر لكن هل يجوز ~~أن ينسخ تكلفنا بالإخبار عما لا يتغير بتكليفنا بالإخبار بنقيضه قالت ~~المعتزلة لا يجوز لأنه كذب والتكليف بالكذب قبيح وهو غير متصور من الشارع ~~وهو مبني على أصولهم في التحسين والتقبيح العقلي ووجوب رعاية المصلحة في ~~أفعال الله تعالى وقد أبطلناه # وعلى هذا فلا مانع من نسخ التكليف بالخبر بنقيض الخبر # وأما إن كان النسخ لمدلول الخبر وفائدته فذلك المدلول إما أن يكون مما لا ~~يتغير كمدلول الخبر بوجود الإله سبحانه وحدوث العالم أو مما يتغير فإن كان ~~الأول فنسخه محال بالإجماع وأما إن كان مدلوله مما يتغير وسواء كان ماضيا ~~كالإخبار بما وجد من إيمان زيد وكفره أو مستقبلا وسواء كان وعدا أو وعيدا ~~أو حكما شرعيا # فقد اختلف في رفعه ونسخه # فذهب القاضي أبو بكر والجبائي وأبو هاشم وجماعة من المتكلمين والفقهاء ~~إلى امتناع رفعه PageV03P157 # وذهب أبو عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري إلى ~~جوازه # ومنهم من فصل بين الخبر الماضي والمستقبل فمنعه في الماضي وجوزه في ~~المستقبل # والمختار جوازه ماضيا كان أو مستقبلا # وذلك لأنه إذا ما دل عليه كان الإخبار متكررا والخبر عام فيه فأمكن أن ~~يكون الناسخ مبينا لإخراج بعض ما تناوله اللفظ وإن المراد بعض ذلك المذكور ~~كما في الأوامر والنواهي # فإن قيل الفرق بين الخبر وبين الأمر والنهي أن نسخ الخبر يؤذن بكونه كذبا ~~ولهذا فإنه لو قال أهلك الله زيدا ثم قال ما أهلك الله زيدا كان كذبا بخلاف ~~الأمر والنهي # وإن سلمنا إمكان نسخ مدلول الخبر لكن إذا كان مدلوله حكما شرعيا تكليفا # أما إذا لم يكن كذلك فلا # وذلك لأنه إذا كان حكمه تكليفا كان الخبر في معنى الأمر والنهي # والأمر يجوز نسخ حكمه كما لو قال أمرتكم ونهيتكم وأوجبت عليكم بخلاف ما ~~إذا لم يكن كذلك # والجواب ms612 عن الأول أن ذلك إنما يفضي إلى الكذب إن لو لم يمكن حمل الناسخ ~~على غير ما أريد من الخبر وليس الأمر كذلك على ما حققناه وأما إذا قال أهلك ~~الله زيدا فإهلاكه إنما لم يدخله النسخ لأنه لا يتكرر حتى يمكن رفع بعضه ~~وتبقية البعض بل إنما يقع دفعة واحدة فلو أخبر عن عدمه مع اتحاده كان كذبا ~~لاتحاد المثبت والمنفي # وعن الثاني أنهم إن أرادوا بقولهم إن الخبر بالحكم الشرعي في معنى الأمر ~~أن صيغته كصغيته فهو خلاف الحسن وإن أرادوا به أنه يفيد إيجاب الفعل كما في ~~الأمر فمسلم ولكن لا يلزم أن يكون هو هو فإنه لا يلزم من اشتراك شيئين ~~مختلفين في لازم واحد عام لهما اتحادهما وغايته تسليم نسخ مدلول بعض ~~الأخبار وليس فيه ما يدل على امتناع نسخ غيره مما قد بينا PageV03P158 # # | المسألة الثامنة # اتفق القائلون بالنسخ على جواز نسخ القرآن بالقرآن لتساويه في العلم به ~~ووجوب العمل وذلك كما بيناه من نسخ الاعتداد بالحول بأربعة أشهر وعشر ونسخ ~~تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول بقوله @QB@ أأشفقتم @QE@ # الآية ( 58 ) المجادلة 13 ) ونسخ وجوب ثبوت الواحد للعشرة بقوله تعالى ~~@QB@ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا @QE@ 8 الأنفال 66 ) واتفقوا ~~أيضا على جواز نسخ السنة المتواترة بالمتواترة منها ونسخ الآحاد منها ~~بالمتواتر ونسخ الآحاد بالآحاد كما روي أنه صلى الله عليه وسلم حرم زيارة ~~القبور بنهيه عنها ثم نسخ ذلك بقوله كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا ~~فزوروها وكما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في شارب الخمر فإن شربها ~~الرابعة فاقتلوه فنسخ ذلك بما روي عنه أنه حمل إليه من شربها الرابعة فلم ~~يقتله # وأما نسخ المتواتر منها بالآحاد فقد اتفقوا على جوازه عقلا واختلفوا في ~~وقوعه سمعا # فأثبته داود وأهل الظاهر ونفاه الباقون # وقد احتج النافون لذلك بالإجماع والمعنى PageV03P159 أما الإجماع فما روي ~~عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول ms613 ~~امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت وأيضا ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال لا ~~ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول أعرابي بوال على عقبيه ووجه الاحتجاج به ~~أنهما لم يعملا بخبر الواحد ولم يحكما به على القرآن وما ثبت من السنة ~~تواترا وكان ذلك مشتهرا فيما بين الصحابة ولم ينكر عليهما منكر فكان ذلك ~~إجماعا # وأما المعنى فهو أن الآحاد ضعيف والمتواتر أقوى منه فلا يقع الأضعف في ~~مقابلة الأقوى # ولقائل أن يقول عدم قبول خبر الواحد فيما ذكر لا يمنع من قبول خبر الواحد ~~مطلقا وذلك لأنه لا مانع أن يكون امتناع قبوله لعدم حصول الظن بصدقه # ولهذا قال عمر لا ندري أصدقت أم كذبت وقال علي في الأعرابي ما قال # وإلا فكيف يمكن القول بعدم قبول خبر الواحد معما بينا من كون خبر الواحد ~~حجة ومعما بيناه من جواز تخصيص التواتر بالآحاد # وما ذكروه من المعنى فهو باطل بالتخصيص على ما سبق كيف وإنه وإن كان أضعف ~~من المتواتر من جهة كونه آحادا إلا أنه أقوى من المتواتر من جهة كونه خاصا ~~والمتواتر عاما # والظن الحاصل من الخاص إذا كان آحادا أقوى من الظن الحاصل من العام ~~المتواتر لأن تطرق الضعف إلى الواحد من جهة كذبه واحتمال غلطه وتطرق الضعف ~~إلى العام من جهة تخصيصه واحتمال إرادة بعض ما دل عليه دون البعض واحتمال ~~تطرق التخصيص إلى العام أكثر من تطرق الخطإ والكذب إلى العدل فكان الظن ~~المستفاد من خبر الواحد أقوى # وأما المثبتون فقد احتجوا بالنقل والمعنى # أما النقل فمن وجهين PageV03P160 # الأول أن وجوب التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتا بالسنة المتواترة لأنه لم ~~يوجد في الكتاب ما يدل عليه وإن أهل قبا كانوا يصلون إلى بيت المقدس بناء ~~على السنة المتواترة فلما نسخ جاءهم منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال لهم إن القبلة قد حولت فاستداروا بخبره والنبي صلى الله عليه وسلم لم ~~ينكر عليهم فدل على الجواز # الثاني أن النبي ms614 صلى الله عليه وسلم كان ينفذ الآحاد إلى أطراف البلاد ~~لتبليغ الناسخ والمنسوخ ولولا قبول خبر الواحد في ذلك لما كان قبوله واجبا # وأما المعنى فمن وجهين الأول أن النسخ أحد البيانين فكان جائزا بخبر ~~الواحد كالتخصيص # الثاني أن نسخ القرآن بخبر الواحد جائز على ما سيأتي بيانه فنسخ السنة ~~المتواترة به أولى # ولقائل أن يقول أما قصة أهل قبا فمن أخبار الآحاد ولا نسلم ثبوت مثل هذه ~~القاعدة به # كيف وإنه يحتمل أن يكون قد اقترن بقوله قرائن أوجبت العلم بصدقه من قربهم ~~من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماعهم لضجة الخلق في ذلك نازلا ~~منزلة الخبر المتواتر # وأما تنفيذ الآحاد للتبليغ فإنما يجوز فيما يجوز فيه خبر الواحد وما لا ~~فلا # وما ذكروه من المعنى الأول فحاصله يرجع إلى قياس النسخ على التخصيص وهو ~~إنما يفيد في الأمور الظنية فلم قالوا إنما نحن فيه من هذا القبيل # كيف والفرق حاصل وذلك أن النسخ رفع لما ثبت بخلاف التخصيص على ما سبق ~~معرفته فلم قالوا بأنه إذا قبل خبر الواحد فيما لا يقتضي الرفع لما ثبت ~~يقبل في رفع ما ثبت # وأما المعنى الثاني فلا نسلم صحة نسخ القرآن بخبر الواحد على ما يأتي ~~PageV03P161 # # | المسألة التاسعة # المنقول عن الشافعي رضي الله عنه في أحد قوليه إنه لا يجوز نسخ السنة ~~بالقرآن # ومذهب الجمهور من الأشاعرة والمعتزلة والفقهاء جوازه عقلا ووقوعه شرعا # احتج المثبتون على الجواز العقلي والوقوع الشرعي # أما الجواز العقلي فهو أن الكتاب والسنة وحي من الله تعالى على ما قال ~~تعالى @QB@ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى @QE@ غير أن الكتاب متلو ~~والسنة غير متلوة ونسخ حكم أحد الوحيين بالآخر غير ممتنع عقلا # ولهذا فإنا لو فرضنا خطاب الشارع بجعل القرآن ناسخا للسنة لما لزم عنه ~~لذاته محال عقلا # وأما الوقوع الشرعي فيدل عليه أمور الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~صالح أهل مكة عام الحديبية على أن من جاءه مسلما رده ms615 حتى إنه رد أبا جندل ~~وجماعة من الرجال فجاءت امرأة فأنزل الله تعالى @QB@ فإن علمتموهن مؤمنات ~~فلا ترجعوهن إلى الكفار @QE@ 60 الممتحنة 10 ) وهذا قرآن نسخ ما صالح عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من السنة # الثاني أن التوجه إلى بيت المقدس لم يعرف إلا من السنة وقد نسخ بقوله ~~تعالى @QB@ فول وجهك شطر المسجد الحرام @QE@ 2 البقرة 144 ) ولا يمكن أن ~~يقال بأن التوجه إلى بيت المقدس كان معلوما بالقرآن وهو قوله @QB@ فثم وجه ~~الله @QE@ 2 البقرة 115 ) لأن قوله فثم وجه الله تخيير بين القدس وغيره من ~~الجهات # والمنسوخ إنما هو وجوب التوجه إليه عينا # وذلك غير معلوم من القرآن # الثالث أن المباشرة في الليل كانت محرمة على الصائم بالسنة وقد نسخ ذلك ~~بقوله تعالى @QB@ فالآن باشروهن @QE@ PageV03P162 # الرابع أن صوم عاشوراء كان واجبا بالسنة ونسخ بصوم رمضان في قوله تعالى ~~@QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ 2 البقرة 185 ) # الخامس أن تأخير الصلاة إلى انجلاء القتال كان جائزا بالسنة # ولهذا قال يوم الخندق وقد أخر الصلاة حشا الله قبورهم نارا لحبسهم له عن ~~الصلاة وقد نسخ ذلك الجواز بصلاة الخوف الواردة في القرآن # فإن قيل ما ذكرتموه من صور نسخ السنة بالقرآن ما المانع أن يكون الحكم في ~~جميع ما ذكرتموه ثابتا بقرآن نسخ رسمه وبقي حكمه وإن سلمنا أنه ثابت بالسنة ~~ولكن ما المانع أن يكون النسخ وقع بالسنة ودلالة ما ذكرتموه من الآيات على ~~أحكامها ليس فيه ما يدل على عدم ارتفاع الأحكام السابقة بالسنة ويدل على أن ~~الأمر على ما ذكرناه أن الشافعي كان من أعلم الناس بالناسخ والمنسوخ وأحكام ~~التنزيل وقد أنكر نسخ السنة بالقرآن ولولا أن الأمر على ما ذكرناه لما كان ~~إنكاره صحيحا # ثم وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على نسخ السنة بالقرآن غير أنه معارض ~~بالنص والمعقول أما النص فقوله تعالى @QB@ لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ ~~16 النحل 44 ) جعل السنة بيانا فلو نسخت لخرجت عن كونها بيانا وذلك غير ms616 ~~جائز # وأما المعقول فمن وجهين الأول أنه لو نسخت السنة بالقرآن لزم تنفير الناس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن طاعته لإيهامهم أن الله تعالى لم يرض ما ~~سنه الرسول وذلك مناقض لمقصود البعثة ولقوله تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول ~~إلا ليطاع بإذن الله @QE@ # الثاني أن السنة ليست من جنس القرآن لأن القرآن معجزة ومتلو ومحرم ~~PageV03P163 تلاوته على الجنب ولا كذلك السنة وإذا لم يكن القرآن من جنس ~~السنة امتنع نسخه لها كما يمتنع نسخ القرآن بحكم دليل العقل وبالعكس # والجواب عن السؤال الأول أن إسناد إثبات ما ذكرناه من الأحكام المنسوخة ~~إلى ما وجد من السنة من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وتقريراته ~~صالح لإثباتها وقد اقترن بها الإثبات فكان الإثبات مستندا إليها وكذلك ~~الكلام في إسناد نسخها إلى ما وجد من الآيات الصالحة للنسخ من ترتب النسخ ~~عليها فبتقدير وجود خطاب آخر يكون إسناد الأحكام المذكورة إليه بتقدير نسخه ~~وكذلك تقدير وجود سنة ناسخة لها مع عدم الاطلاع عليها وإمكان إسناد نسخها ~~إلى ما وجد من الآيات الصالحة لنسخها من غير ضرورة يكون ممتنعا # ولو فتح هذا الباب لما استقر لأحد قدم في إثبات ناسخ ولا منسوخ لأن ما من ~~ناسخ يقدر إلا ويحتمل أن يكون الناسخ غيره وما من منسوخ حكمه يقدر إلا ~~ويحتمل أن يكون إسناد ذلك الحكم إلى غيره وهو خلاف إجماع الأمة في الاكتفاء ~~بالحكم على كون ما وجد من الخطاب الصالح لنسخ الحكم هو الناسخ وأن ما وجد ~~من الدليل الصالح لإثبات الحكم هو المثبت وإن احتمل إضافة الحكم والنسخ إلى ~~غير ما ظهر مع عدم الظفر به بعد البحث التام عنه # وعن المعارضة بالنص من وجهين الأول أن المراد بقوله @QB@ لتبين للناس ~~@QE@ 16 النحل 44 ) إنما هو التبليغ وذلك يعم تبليغ الناس من القرآن وغيره ~~وليس فيه ما يدل على امتناع كون القرآن ناسخا للسنة # الثاني وإن سلمنا أن المراد بقوله لتبين للناس إنما هو بيان المجمل ~~والعام والمطلق ms617 والمنسوخ لكن لا نسلم دلالة ذلك على انحصار ما ينطق به ~~PageV03P164 في البيان بل جاز مع كونه مبينا أن ينطق بغير البيان ويكون ~~محتاجا إلى بيان # وعن المعارضة الأولى من جهة المعقول من ثلاثة أوجه # الأول أن ذلك إنما يصح أن لو كانت السنة من عند الرسول من تلقاء نفسه ~~وليس كذلك بل إنما هي من الوحي على ما قال تعالى @QB@ وما ينطق عن الهوى إن ~~هو إلا وحي يوحى @QE@ 53 النجم 3 ) # الثاني أنه لو امتنع نسخ السنة بالقرآن لدلالته على أن ما شرعه أولا غير ~~مرضي لامتنع نسخ القرآن بالقرآن والسنة بالسنة وهو خلاف إجماع القائلين ~~بالنسخ # الثالث أن ما ذكروه إنما يدل على أن المشروع أولا غير مرضي أن لو كان ~~النسخ رفع ما ثبت أولا وليس كذلك بل هو عبارة عن دلالة الخطاب على أن ~~الشارع لم يرد بخطابه الأول ثبوت الحكم في وقت النسخ دون ما قبله # وعن المعارضة الثانية أنه لا يلزم من اختلاف جنس السنة والقرآن بعد ~~اشتراكهما في الوحي بما اختص بكل واحد منهما امتناع نسخ أحدهما بالآخر # وعلى هذا فنقول القرآن يكون رافعا لحكم الدليل العقلي وإن لم يسم ناسخا # # | المسألة العاشرة # قطع الشافعي وأكثر أصحابه وأكثر أهل الظاهر بامتناع نسخ الكتاب بالسنة ~~المتواترة وإليه ذهب أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه وأجاز ذلك جمهور ~~المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة ومن الفقهاء مالك وأصحاب أبي حنيفة وابن ~~سريج واختلف هؤلاء في الوقوع # والمختار جوازه عقلا لما ذكرناه في المسألة المتقدمة PageV03P165 وأما ~~الوقوع فقد احتج القائلون به بأن الوصية للوالدين والأقربين نسخت بقوله صلى ~~الله عليه وسلم ألا لا وصية لوارث قالوا ولا يمكن أن يقال بأن الناسخ ~~للوصية آية الميراث لأن الجمع ممكن من حيث إن الميراث لا يمنع من الوصية ~~للأجانب وهو ضعيف لما فيه من نسخ حكم القرآن المتواتر بخبر الآحاد وهو ~~ممتنع على ما يأتي ولأنه لا يلزم من كون الميراث مانعا من الوصية للوارث أن ~~يكون مانعا ms618 من الوصية لغير الوارث # واحتجوا أيضا بأن جلد الزاني الثابت بقوله تعالى @QB@ الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة @QE@ 24 النور 2 ) نسخ بالرجم الثابت ~~بالسنة وهو ضعيف لما فيه من نسخ القرآن بآحاد السنة وهو ممتنع على ما يأتي ~~وفي حق الشيخ والشيخة من جهة أنه أمكن أن يقال إن نسخ الجلد بالرجم إنما ~~كان بقرآن نسخ رسمه وهو ما روي عن عمر أنه قال كان فيما أنزل الشيخ والشيخة ~~إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله ورسوله PageV03P166 ولا يمكن أن ~~يقال إن ذلك لم يكن قرآنا بما روي عن عمر أنه قال لولا أنني أخشى أن يقال ~~زاد عمر في القرآن ما ليس منه لكتبت الشيخ والشيخة إذا زنيا على حاشية ~~المصحف وذلك يدل على أنه لم يكن قرآنا # لأنا نقول غاية قول عمر الدلالة على إخراج ذلك عن المصحف والقرآن لنسخ ~~تلاوته وليس فيه دلالة على أنه لم يكن قرآنا # فإن قيل ( الشيخ والشيخة ) لم يثبت بالتواتر بل بقول عمر ونسخ المتواتر ~~بالآحاد ممتنع على ما يأتي وسواء كان ذلك قرآنا أو سنة # قلنا والسنة وهو رجم النبي صلى الله عليه وسلم للزاني لم يثبت بالتواتر ~~بل بطريق الآحاد # وغايته أن الأمة مجمعة على الرجم والإجماع ليس بناسخ بل هو دليل وجود ~~الناسخ المتواتر وليس إحالته على سنة متواترة لم تظهر لنا أولى من إحالته ~~على قرآن متواتر لم يظهر لنا تواتره بسبب نسخ تلاوته # وأما النافون لذلك فقد احتجوا بحجج نقلية وعقلية أما النقلية فمن خمسة ~~أوجه PageV03P167 الأول قوله تعالى @QB@ لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ 16 ~~النحل 44 ) وصف نبيه بكونه مبينا والناسخ رافع والرفع غير البيان # الثاني قوله تعالى @QB@ وإذا بدلنا آية مكان آية @QE@ 16 النمل 101 ) ~~أخبر أنه إنما يبدل الآية بالآية لا بالسنة # الثالث أن المشركين عند تبديل الآية مكان آية قالوا إنما أنت مفتر فأزال ~~الله تعالى وهمهم بقوله @QB@ قل نزله روح القدس من ربك بالحق @QE@ 16 النحل ~~102 ) وذلك يدل ms619 على أن التبديل لا يكون إلا بما نزله روح القدس # الرابع قوله تعالى @QB@ قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو ~~بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي @QE@ ~~10 يونس 15 ) وهو دليل على أن القرآن لا ينسخ بغير القرآن # الخامس قوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ~~ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير @QE@ 2 البقرة 106 ) وذلك يدل على أن ~~الآية لا تنسخ إلا بآية # وبيانه من وجوه الأول أنه قال @QB@ نأت بخير منها أو مثلها @QE@ 2 البقرة ~~106 ) والسنة ليست خيرا من القرآن ولا مثله PageV03P168 # الثاني أن الله تعالى وصف نفسه بأنه الذي يأتي بخير منها وذلك لا يكون ~~إلا والناسخ قرآن لا سنة # الثالث وصف البدل بأنه خير أو مثل وكل واحد من الوصفين يدل على أن البدل ~~من جنس المبدل # أما المثل فظاهر # وأما ما هو خير # فلأنه لو قال القائل لغيره لا آخذ منك درهما إلا وآتيك بخير منه فإنه ~~يفيد أنه يأتيه بدرهم خير من الأول # الرابع قوله @QB@ ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير @QE@ 2 البقرة 106 ) ~~دل على أن الذي يأتي به هو المختص بالقدرة عليه وذلك هو القرآن دون غيره # وأما من جهة المعقول فمن وجهين الأول أن السنة إنما وجب اتباعها بالقرآن ~~في قوله تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه @QE@ 59 الحشر 7 ) وقوله ~~فاتبعوه وذلك يدل على أن السنة فرع القرآن والفرع لا يرجع على أصله ~~بالإبطال والإسقاط كما لا ينسخ القرآن والسنة بالفرع المستنبط منهما وهو ~~القياس # الثاني أن القرآن أقوى من السنة ودليله من ثلاثة أوجه # الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بم تحكم قال بكتاب الله # قال فإن لم تجد قال بسنة رسول الله قدمه في العمل به على السنة والنبي ~~صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك # وذلك دليل قوته # الثاني أنه أقوى من ms620 جهة لفظه لأنه معجز والسنة ليست معجزة PageV03P169 # الثالث أنه أقوى من جهة حكمه حيث اعتبرت الطهارة في تلاوته عن الجنابة ~~والحيض وفى مس مسطوره مطلقا والأقوى لا يجوز رفعه بالأضعف # والجواب عن الآية الأولى من ثلاثة أوجه الأول أنه يجب حمل قوله لتبين ~~للناس على معنى لتظهر للناس لكونه أعم من بيان المجمل والعموم لأنه يتناول ~~إظهار كل شيء حتى المنسوخ وإظهار المنسوخ أعم من إظهاره بالقرآن # الثاني أن نسخ حكم الآية بيان لها فيدخل في قوله @QB@ لتبين للناس @QE@ ~~وتبين القرآن أعم من تبيينه بالقرآن # الثالث أنه وإن لم يكن النسخ بيانا غير أن وصف النبي صلى الله عليه وسلم ~~بكونه مبينا لا يخرجه عن اتصافه بكونه ناسخا # وعن الآية الثانية من وجهين الأول أنها ظاهرة في تبديل رسم آية بآية ~~النزاع إنما هو في تبديل حكم الآية وليس فيه ما يدل على تبديل حكمها بآية ~~أخرى # الثاني أن الله تعالى أخبر أنه إذا بدل آية مكان آية قالوا إنما أنت مفتر ~~وليس في ذلك ما يدل على أن تبديل الآية لا يكون إلا بآية # وذلك كما لو قال القائل لغيره إذا أكلت في السوق سقطت عدالتك فإن ذلك لا ~~يدل على أنه لا يأكل إلا في السوق # وعن قوله @QB@ قل نزله روح القدس @QE@ 16 النحل 102 ) أن ذلك لا يدل عل ~~امتناع نسخ القرآن بالسنة إلا أن تكون السنة لم ينزل بها روح القدس وليس ~~كذلك إذ السنة من الوحي وإن كانت لا تتلى ما سبق تقريره # وعن الآية الرابعة من وجهين الأول أن قوله @QB@ إن أتبع إلا ما يوحى إلي ~~@QE@ 6 الأنعام 50 ) أي في تبديل آية مكان PageV03P170 آية وليس فيه ما يدل ~~على امتناع تبديل حكم الآية بغير الآية # الثاني أن النسخ وإن كان بالسنة فهي من الوحي على ما تقدم فلم يكن متبعا ~~إلا ما يوحى إليه به # وعن الآية الأخيرة من ثلاثة أوجه الأول لا نسلم دلالتها على امتناع نسخ ~~حكم الآية بغير الآية # قولهم ms621 في الوجه الأول إن السنة ليست خيرا من القرآن ولا مثله # قلنا قوله @QB@ ما ننسخ من آية @QE@ 2 البقرة 106 ) إما أن يراد به نسخ ~~رسمها أو نسخ حكمها فإن كان الأول فهو ممتنع فإنه وصف البدل بكونه خيرا ~~منها والقرآن خير كله ولا يفضل بعضه على بعض # وإن كان الثاني فذلك يدل على أن الحكم الناسخ يكون خيرا من الحكم المنسوخ ~~أو مثله ونحن نقول إنه لا يمتنع أن يكون الحكم الناسخ أصلح في التكليف ~~وأنفع للمكلف # وأما الوجه الثاني فلا دلالة فيه لأن السنة إذا كانت ناسخة فالآتي بما هو ~~خير إنما هو الله تعالى والرسول مبلغ ولا يدل ذلك على أن الناسخ لا يكون ~~إلا قرآنا بل الإتيان بما هو خير أعم من ذلك # وأما الوجه الثالث فلا دلالة فيه على لزوم المجانسة بين الآية المنسوخ ~~حكمها وبين ناسخه لأنه وصفه بكونه خيرا والقرآن لا تفاوت فيه على ما سبق ~~فعلم أن المفاضلة والمماثلة إنما هي راجعة إلى الحكم المنسوخ والحكم الناسخ ~~على ما سبق # وعلى هذا فلا نسلم أنه إذا قال له ما آخذ منك درهما إلا وآتيك بخير منه ~~أنه يدل على المجانسة فإن ما هو خير أعم من الجنس فكأنه قال آتيك بشيء هو ~~خير مما أخذت منك والمذكور أولا # وإن كان هو الآية والضمير في قوله بخير منها وإن كان عائدا إليها فلا ~~يلزم منه المجانسة بين المضمر والمضهر PageV03P171 # وأما الوجه الرابع فنحن قائلون بموجبه فإن المتمكن من إزالة الحكم بما هو ~~خير منه إنما هو الله عز وجل # الوجه الثاني أن الآية تدل على أنه لا بد في نسخ كل آية من الإتيان بآية ~~هي خير منها أو مثلها ضرورة الإخبار ولكن ليس في ذلك دلالة على أن الآية ~~المأتي بها هي الناسخة لإمكان أن يكون بدلا عن الآية الأولى وإن كان الناسخ ~~غيرها # الثالث أن ظاهر الآية يتناول نسخ رسم الآية والأصل تنزيل اللفظ على ~~حقيقته وفي حمله على نسخ الحكم ms622 صرفه إلى جهة المجاز وهو خلاف الأصل والنزاع ~~إنما وقع في نسخ الحكم لا في نسخ الرسم # وعن المعارضة الأولى من جهة المعقول من ثلاثة أوجه # الأول أن ذلك إنما يمتنع إن لو كانت السنة رافعة لما هي فرع عليه من ~~القرآن وليس كذلك بل ما هي فرع عليه غير مرفوع بها وما هو مرفوع بها ليست ~~فرعا عليه # الثاني أن ما ذكروه حجة عليهم فإن القرآن قد دل على وجوب الأخذ بما يأتي ~~به الرسول ووجوب اتباعه فإذا أتى بنسخ حكم الآية ولم يتبع كان على خلاف ما ~~ذكروه # الثالث أن السنة ليست رافعة للقرآن وإنما هي رافعة لحكمه وحكمه ليس أصلا ~~لها فإذا المرتفع ليس هو الأصل وما هو الأصل غير مرتفع # وعن المعارضة الثانية أن القرآن وإن كان معجزا في نظمه وبلاغته ومتلوا ~~ومحترما فليس فيه ما يدل على أن دلالة كل آية منه أقوى من دلالة غيره من ~~الأدلة ولهذا فإنه لو تعارض عام من الكتاب وخاص من السنة المتواترة كانت ~~السنة مقدمة عليه وكذلك أيضا لو تعارضت آية ودليل عقلي فإن الدليل العقلي ~~يكون حاكما عليها PageV03P172 وكذلك الإجماع وكثير من الأدلة على ما يأتي ~~في الترجيحات # وعلى هذا فلا يمتنع رفع حكم الآية بدليل السنة # كيف وإن السنة الناسخة ليست معارضة ولا نافية لمقتضى الآية بل مبينة ~~ومخصصة على ما سبق # # | المسألة الحادية عشرة # اختلفوا في جواز نسخ الحكم الثابت بالإجماع فنفاه الأكثرون وأثبته ~~الأقلون # والمختار مذهب الجمهور ودليله أن ما وجد من الإجماع بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وانقراض زمن الوحي لو نسخ حكمه فإما أن يكون بنص من كتاب أو ~~سنة أو بإجماع آخر أو قياس لا جائز أن يكون بنص لأن ذلك النص لا بد وأن ~~يكون موجودا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم سابقا على هذا الإجماع ~~لاستحالة حدوث نص بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان ذلك النص ~~متقدما على الإجماع لكان إجماعهم على ms623 خلاف مقتضاه خطأ وهو غير متصور من ~~الأمة ولا جائز أن يكون بإجماع آخر لأن الإجماع الثاني إما أن يكون بناء ~~على دليل رافع لحكم الإجماع الأول أو لا بناء على دليل فإن لم يكن مبينا ~~على دليل كان خطأ والأمة مصونة عنه وإن كان ذلك بدليل فذلك الدليل إما أن ~~يكون نصا أو قياسا لا جائز أن يكون نصا لأنه لا بد وأن يكون متقدما على ~~الإجماعين متحققا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ويلزم من ذلك الخطأ في ~~الإجماع الأول وهو محال # ولا جائز أن يكون قياسا لأنه لا بد له من أصل والحكم في ذلك الأصل إما أن ~~يكون بدليل متجدد بعد الإجماع الأول أو سابق عليه فإن كان بدليل متجدد فهو ~~إما إجماع أو قياس لاستحالة تجدد النص فإن كان إجماعا PageV03P173 فلا بد ~~له من دليل وذلك الدليل لا بد وأن يكون نصا أو قياسا على أصل آخر فإن قياسا ~~على أصل آخر فالكلام في ذلك الأصل كالكلام في الأول فإما أن يتسلسل أو ~~ينتهي إلى أصل ثابت بالنص والتسلسل محال والثاني يلزم منه أن يكون النص على ~~أصل القياس سابقا على الإجماع الأول # وعند ذلك فصحة القياس عليه مشروطة بعدم الإجماع الأول على مناقضته ونسخ ~~الإجماع الأول به متوقف على صحته وهو دور ممتنع # هذا كله إن كان دليل أصل القياس الذي هو مستند الإجماع متجددا # وإن كان سابقا على الإجماع الأول فعدول أهل الإجماع عنه دليل على عدم صحة ~~القياس عليه وإلا كان إجماعهم خطأ وهو محال # وأما إن كان الناسخ لحكم الإجماع الأول هو القياس فلا بد وأن يكون مستندا ~~إلى أصل ثابت بالنص والكلام في نسخ النص به مما يفضي إلى الدور كما قررناه ~~قبل # فإن قيل فلو اختلفت الأمة في المسألة على قولين فقد أجمعت على أن المقلد ~~له الأخذ بأي القولين شاء # ولو أجمعت بعد ذلك على أحد القولين فقد أجمعت على حصر ما أجمعت أولا عل ~~تجويزه وهو ms624 نسخ حكم الإجماع بالإجماع # قلنا نحن لا نسلم تصور انعقاد الإجماع الثاني على ما سبق في مسائل ~~الإجماع # # | المسألة الثانية عشرة # مذهب الجمهور أن الإجماع لا ينسخ به خلافا لبعض المعتزلة وعيسى بن أبان # ودليل الامتناع أن المنسوخ به إما أن يكون حكم نص أو إجماع أو قياس ~~PageV03P174 الأول محال لأن الإجماع إما أن يكون مستندا إلى دليل أو ليس ~~مستندا إلى دليل فإن لم يكن مستندا إلى دليل فهو خطأ # وإن كان مستندا إلى دليل فذلك الدليل إما أن يكون نصا أو قياسا لا جائز ~~أن يكون قياسا لما سنبينه بعد # وإن كان نصا فالناسخ ذلك النص لا الإجماع وإن قيل إن الإجماع ناسخ فليس ~~إلا بمعنى أنه يدل على الناسخ وإن كان ناسخا لحكم إجماع سابق فهو باطل بما ~~في المسألة التي قبلها # وإن كان ناسخا لحكم قياس فالقياس إما أن يكون صحيحا أو لا يكون صحيحا فإن ~~كان صحيحا فإجماع الأمة على خلاف مقتضاه إن كان لا لدليل فهو خطأ وإن كان ~~لدليل فذلك الدليل إما أن يكون نصا أو قياسا فإن كان نصا فالرافع لحكم ذلك ~~القياس هو النص وإن كان قياسا فإما أن يكون راجحا على القياس الأول أو ~~مرجوحا أو مساويا فإن كان راجحا فالأول لا يكون مقتضاه ثابتا لأن شرط ثبوت ~~الحكم رجحان مقتضيه وكذلك إن كان مساويا وإن كان القياس الأول راجحا ~~فالإجماع على القياس الثاني خطأ وهو ممتنع # فإن قيل ما ذكرتموه معارض بالنقل والمعنى # أما النقل فهو أن ابن عباس حين قال لعثمان كيف تحجب الأم عن الثلث ~~بالأخوين والله تعالى يقول @QB@ فإن كان له إخوة فلأمه السدس @QE@ 4 النساء ~~11 ) والأخوان ليسا بإخوة قال عثمان حجبها قومك يا غلام وذلك دليل النسخ ~~بالإجماع # وأما المعنى فهو أن الإجماع دليل من أدلة الشرع القطعية فجاز النسخ به ~~كالقرآن والسنة المتواترة PageV03P175 # قلنا أما قصة ابن عباس مع عثمان إنما يصح الاستدلال بها إن لو كان حكم ~~الأم مع الأخوين منسوخا وليس ms625 كذلك إلا أن يكون الأخوان ليسا بإخوة وليس ~~كذلك على ما سبق بيانه في مسائل العموم # وما ذكروه من المعنى فحاصله يرجع إلى إثبات كونه ناسخا بالقياس على النص ~~وهو غير مسلم الصحة في مثل هذه المسائل وإن كان صحيحا غير أنه مما يمتنع ~~التمسك به لما بيناه # # | المسألة الثالثة عشرة # اختلفوا في نسخ حكم القياس فمنهم من منع من ذلك مطلقا كالحنابلة والقاضي ~~عبد الجبار في بعض أقواله مصيرا منهم إلى أن القياس إذا كان مستنبطا من أصل ~~فالقياس باق ببقاء الأصل فلا يتصور رفع حكمه مع بقاء أصله # ومنهم من جوز ذلك مطلقا كأبي الحسين البصري لكنه فصل بين القياس الموجود ~~في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والقياس الموجود بعده فقال # إن كان PageV03P176 القياس موجودا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بأن ~~يكون قد نص على أصل كتنصيصه على تحريم بيع البر بالبر متفاضلا وتعبد الناس ~~بقياس غير البر على البر بواسطة الكيل مثلا بإمارة تدل عليه فإذا قضى ~~بتحريم بيع الأرز بناء على القياس على البر فلا يمتنع نسخه بالنص وبالقياس ~~أما النص فبأن ينص بعد ذلك على إباحة بيع الأرز وينسخ تحريمه وأما القياس ~~فبأن ينص على إباحة بيع بعض المأكولات ويتعبد بالقياس عليه بواسطة كونه ~~مأكولا بأمارة هي أقوى من الإمارة الدالة على أن علة تحريم البر هي الكيل # وإن كان القياس موجودا بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأن يكون قد اجتهد ~~بعض المجتهدين فأداه القياس إلى تحريم شيء بعد البحث عن الأدلة المعارضة ~~وعدم الظفر بها ثم اطلع بعد ذلك على نص أو إجماع متقدم أو قياس أرجح من ~~قياسه فإنه يلزم من ذلك رفع حكم قياسه الأول وإن كان ذلك لا يسمى نسخا # قال وهذا كله إنما يتم على القول بأن كل مجتهد مصيب حيث إنه تعبد بالقياس ~~الأول ثم رفع # وأما من لا يقول بأن كل مجتهد مصيب فإنه لا يقول بتعبده بالقياس الأول ~~فرفعه لا يكون متحققا # وهذا ms626 جملة ما ذكره أبو الحسين # وأما نحن فنقول العلة الجامعة في القياس إما أن تكون منصوصة أو مستنبطة ~~بنظر المجتهد # فإن كانت منصوصة فهي في معنى النص وما مثل هذا القياس فليكن نسخ حكمه بنص ~~أو بقياس في معناه ولو ذهب إليه ذاهب بعد النبي صلى الله عليه وسلم لعدم ~~اطلاعه على ناسخه بعد البحث عنه فإنه وإن كان متعبدا باتباع ما أوجبه ظنه ~~فرفع حكمه في حقه بعد اطلاعه على الناسخ لا يكون نسخا متحددا بل تبين أنه ~~كان منسوخا وفرق بين الأمرين PageV03P177 # وأما إن كانت العلة الجامعة مستنبطة بنظر المجتهد فحكمها في حقه غير ثابت ~~بالخطاب فرفعه في حقه عند الظفر بدليل يعارضه ويترجح عليه لا يكون نسخا على ~~قولنا إن النسخ رفع حكم خطاب على ما قررناه وإن كانت مشاركا للنسخ في رفع ~~الحكم وقطع استمراره وسواء قلنا إن كل مجتهد مصيب أو لم نقل بذلك # # | المسألة الرابعة عشرة # اختلفوا في النسخ بالقياس على ثلاثة أقوال ثالثها الفرق بين القياس الجلي ~~والخفي وهو قول أبي القاسم الأنماطي من أصحاب الشافعي # والمختار أنه إن كانت العلة الجامعة في القياس منصوصة فهي في معنى النص ~~فيصح النسخ به وإن كانت غير منصوصة فإما أن يكون القياس قطعيا أو ظنيا بأن ~~تكون العلة فيه مستنبطة بنظر المجتهد # فإن كان قطعيا كقياس الأمة على العبد في تقويم النصيب على السيد المعتق ~~فإنه وإن كان مانعا من إثبات حكم دليل آخر كان نصا أو قياسا فلا يكون ذلك ~~نسخا وإن كان في معنى النسخ لكونه ليس بخطاب عل ما بيناه من أن النسخ إنما ~~هو الخطاب الدال على ارتفاع حكم خطاب آخر # وإن كان القياس ظنيا فيمنع أن يكون ناسخا لأن المنسوخ حكمه إما أن يكون ~~نصا أو إجماعا أو قياسا الأول والثاني محال إن كان النص والإجماع خاصا لكون ~~النص الخاص والإجماع مقدما على القياس الظني بالاتفاق وإن كان عاما فلا نسخ ~~لأن القياس ليس بخطاب على ما سبق # وإن كان ms627 قياسا فلا بد وأن يكون القياس الثاني راجحا على الأول ~~PageV03P178 # وعند ذلك فتارة نقول إن القياس الأول لا يكون قياسا لعدم ترجحه وإن ~~الترجح شرط في الاقتضاء وتارة نقول إنه وإن لزم منه رفع حكمه فهو في معنى ~~النسخ ولكنه ليس بنسخ لما بيناه من أن النسخ هو الخطاب الدال على ارتفاع ~~حكم خطاب # وهو غير متحقق فيما نحن فيه # وللمخالف شبهتان الأولى قوله تعالى @QB@ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ~~ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين ~~بإذن الله @QE@ 8 الأنفال 66 ) أوجب نسخ ثبات الواحد للعشرة وليس مصرحا به ~~وإنما هو منبه عليه وذلك هو نفس نسخ حكم النص بالقياس # الثاني أنهم قالوا النسخ أحد البيانين فجاز بالقياس كالتخصيص # والجواب عن الأولى أنها إنما تصح إن لو كان ثبوت الواحد للاثنين الرافع ~~ثبوت الواحد للعشرة مستفادا من القياس وليس كذلك بل استفادته إنما هي من ~~نفس مفهوم اللفظ # وعن الثانية أنها منقوضة بالإجماع وبدليل العقل وبخبر الواحد فإنه يخصص ~~به ولا ينسخ به # # | المسألة الخامسة عشرة # اتفق الكل على جواز النسخ بفحوى الخطاب كدلالة قوله تعالى @QB@ فلا تقل ~~لهما أف @QE@ 17 الإسراء 23 ) على تحريم الضرب وغيره من أنواع الأذى وعلى ~~جواز نسخ حكمه # وإنما اختلفوا في جواز نسخ الأصل دون الفحوى والفحوى دون الأصل # غير أن الأكثر على أن نسخ الأصل يفيد نسخ الفحوى لأن الفحوى تابع للأصل ~~ولا يتصور بقاء التابع مع ارتفاع المتبوع # وأما نسخ الفحوى دون الأصل فقد تردد فيه قول القاضي عبد الجبار فجوزه ~~تارة نظرا إلى أن ذلك جار مجرى التنصيص على تحريم التأفيف PageV03P179 ~~وتحريم الضرب العنيف فكأنه قال لا تقل لهما أف ولا تضربهما فرفع حكم أحدهما ~~يفيد رفع حكم الآخر ومنع منه تارة ووافقه على المنع أبو الحسين البصري ~~مصيرا منهما إلى أن تحريم التأفيف إنما كان إعظاما للوالدين # فإذا أبيح ضربهما كان ذلك نقضا للغرض من تحريم التأفيف # والمختار في ذلك ms628 أن يقال إثبات تحريم الضرب في محل السكوت إما أن يقال ~~إنه ثابت بالقياس على تحريم التأفيف في محل النطق أو أنه ثابت بدلالة اللفظ ~~لغة على اختلاف المذاهب فيه # فإن كان الأول فيجب أن يقال بأن نسخ حكم الأصل يوجب رفع حكم الفرع ~~لاستحالة بقاء الفرع دون أصله وإن لم يسم ذلك نسخا لما سبق # وإن رفع حكم الفرع لا يوجب رفع حكم الأصل إذ لا يلزم من رفع التابع رفع ~~المتبوع # وإن كان الثاني فلا يخفى أن دلالة اللفظ على تحريم التأفيف بجهة صريح ~~اللفظ وعلى تحريم الضرب بجهة الفحوى وهما دلالتان مختلفتان غير أن دلالة ~~الفحوى تابعة لدلالة المنطوق # وعند ذلك أمكن أن يقال بأن رفع حكم إحدى الدلالتين لا يلزم منه رفع حكم ~~الدلالة الأخرى # فإن قيل فإذا كانت دلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق فرفع الأصل مما ~~يمتنع معه بقاء التابع وأيضا فإن الغرض من دلالة المنطوق إعظام الوالدين ~~فرفع حكم الفحوى مما يخل بالغرض من دلالة المنطوق فيمتنع معه بقاء حكم ~~المنطوق # قلنا أما الأول فمندفع وذلك لأن دلالة الفحوى وإن كانت تابعة لدلالة ~~المنطوق فنسخ حكم المنطوق ليس نسخا لدلالته بل نسخا لحكمه ودلالة الفحوى ~~تابعة لدلالة المنطوق على حكمه لا أنها تابعة لحكمه PageV03P180 ودلالته ~~باقية بعد نسخ حكمه كما كانت قبل نسخه فما هو أصل لدلالة الفحوى غير مرتفع ~~وما هو المرتفع ليس أصلا للفحوى # وأما الثاني فغاية ما يلزم من نسخ حكم الفحوى إبطال الغرض من أصل إثبات ~~الحكم فيه ولا يخفى أن غرض إثبات التحريم للتأفيف مغاير لغرض تخصيصه بالذكر ~~تنبيها بالأدنى على الأعلى ولا يلزم من إبطال أحد الغرضين إبطال الغرض ~~الآخر # # | المسألة السادسة عشرة # اختلفوا في نسخ حكم أصل القياس هل يبقى معه حكم الفرع أو لا فذهب بعض ~~أصحاب أبي حنيفة إلى بقائه والباقون إلى امتناعه وهو المختار لأن ثبوت ~~الحكم في الفرع تابع لاعتبار علته بحكم الأصل فإذا نسخ حكم الأصل خرجت ~~العلة المستنبطة منه عن أن ms629 تكون معتبرة في نظر الشارع فبطل ما كان تابعا ~~لاعتبارها # فإن قيل يلزم مما ذكرتموه نسخ حكم الفرع بالقياس على حكم الأصل حيث جعلتم ~~رفع حكم الفرع تابعا لرفع حكم الأصل والنسخ بالقياس غير جائز على ما ~~قررتموه ثم ما ذكرتموه من انتفاء التابع لانتفاء المتبوع متى يلزم ذلك إذا ~~كان الحكم يفتقر في دوامه إلى دوام سببه أو إذا لم يفتقر الأول مسلم ~~والثاني ممنوع فلم قلتم بافتقاره إليه وإن سلمنا ذلك ولكن ما ذكرتموه منتقض ~~بالأب فإنه يتبعه ولده الطفل في الإسلام والكفر ولو زال إسلام الأب بالردة ~~لم يلزم منه زوال ما كان ثابتا للولد من الإسلام تبعا له # قلنا جواب الأول أنا لا نسلم أن رفع الحكم في الفرع كان بالقياس على رفع ~~حكم الأصل وإلا لافتقر إلى علة جامعة نافية لهما وليس كذلك PageV03P181 # وإنما قيل برفعه لانتفاء علته وفرق بين انتفاء الحكم لانتفاء موجبه وبين ~~انتفائه بالقياس # وجواب الثاني أنه إن قيل بافتقار الحكم في دوامه إلى دوام علته فهو ~~المطلوب وإن لم يقل بذلك فلا خلاف بين أئمة الفقه أنه وإن لم يفتقر الحكم ~~في دوامه إلى دوام ضابط حكمة الحكم المعرف للحكم في الفرع في ابتدائه انه ~~لا بد من دوام احتمال الحكمة حتى إنه لو انتهت حكمة الحكم قطعا امتنع بقاؤه ~~بعدها وإذا لم يكن بد من دوام احتمال الحكمة فلا بد من أن تكون معتبرة ~~لاستحالة بقاء الحكم لحكمة غير معتبرة وبنسخ حكم الأصل زال اعتبارها ~~وانتفاء ما لا بد منه في دوام الحكم يوجب رفع الحكم # وعلى هذا فقد اندفع النقض فإنا لا نسلم أن إسلام الأب علة موجبة لإسلام ~~الابن حتى يلزم من انتفاء إسلامه انتفاء إسلام الابن ولا أن دوام إسلام ~~الأب معتبر في دوام إسلام الابن ليلزم من انتفائه انتفاؤه # # | المسألة السابعة عشرة # لا نعرف خلافا بين الأمة في أن الناسخ إذا كان مع جبريل عليه السلام لم ~~ينزل به إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم ms630 يثبت له حكم في حق المكلفين بل هم ~~في التكليف بالحكم الأول على ما كانوا عليه قبل إلقاء الناسخ إلى جبريل # وإنما الخلاف فيما إذا ورد النسخ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبلغ ~~الأمة هل يتحقق بذلك النسخ في حقهم أو لا فذهب بعض أصحاب الشافعي إلى ~~الإثبات وبعضهم إلى النفي وبه قال أصحاب أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل ~~وهو المختار # وبيانه أن النسخ له لازم وهو ارتفاع حكم الخطاب السابق وامتناع الخروج ~~بالفعل الواجب أولا عن العهدة ولزوم الإتيان بالفعل الواجب الناسخ والأثم ~~بتركه والثواب على فعله # وهذه اللوازم منتفية ويلزم من انتفاء اللازم PageV03P182 انتفاء الملزوم # أما أن الحكم السابق لم يرتفع فهو أن المكلف يثاب على فعله ويخرج به عن ~~العهدة ويأثم بتركه له قبل بلوغ النسخ إليه بالإجماع # ولهذا فإن أهل قبا لما بلغهم نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى ~~الكعبة استداروا والنبي صلى الله عليه وسلم اعتد لهم بالركعات التي أتوا ~~بها بعد نزول النسخ قبل علمهم بالنسخ ولم ينكر عليهم # وأما أن الخطاب بالنسخ غير لازم للمكلف قبل البلوغ فبيانه بالنص والحكم # أما النص فقوله تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ 17 ~~الإسراء 15 ) وقوله تعالى @QB@ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ~~@QE@ 4 النساء 165 ) وقوله تعالى @QB@ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في ~~أمها رسولا @QE@ 28 القصص 59 ) # وأما الحكم فهو أن المكلف لو فعل العبادة التي ورد بها الناسخ على وجهها ~~كان آثما عاصيا غير خارج به عن العهدة كما لو صلى إلى الكعبة قبل بلوغ ~~النسخ إليه ولو كان مخاطبا بذلك لخرج به عن العهدة ولما كان عاصيا بفعل ما ~~خوطب به وللمخالفين خمس شبه # الشبهة الأولى أن المكلف متصرف بالإذن من الشارع فلزم رفعه برفع الشرع له ~~وإن لم يعلم المكلف بالرفع كما لو عزل الموكل الوكيل عن التصرف فإنه لا ~~ينعقد تصرفه بعد ذلك وإن لم يعلم بعزله # الثانية أن النسخ إسقاط ms631 حق لا يعتبر فيه رضي من يسقط عنه فلا يعتبر فيه ~~علمه كالطلاق والعتق والإبراء PageV03P183 # الثالثة أن النسخ إباحة ترك الفعل بعد إيجابه أو إباحة فعله بعد خطره فلا ~~يتوقف ذلك على علم من أبيح له كما لو قال لزوجته إن خرجت بغير إذني فأنت ~~طالق ثم أذن لها من حيث لا تعلم فإنه يثبت حكم الإباحة في حق الزوجة ولا ~~يقع الطلاق بخروجها # الرابعة أن نسخ الحكم إباحة ترك المنسوخ الذي هو حق الشارع فوجب أن يثبت ~~قبل علم المباح له كما لو قال القائل أبحت ثمرة بستاني لكل من دخله فإنه ~~يباح لكل داخل وإن لم يعلم بذلك # الخامسة أن رفع الحكم يتحقق بعد علم المكلف بالنسخ فرفعه إما أن يكون ~~بعلمه أو بالنسخ والعلم غير مؤثر في الرفع فكان الرفع بالنسخ ولزم رفعه عند ~~تحقق النسخ # والجواب عن الأول بمنع عزل الوكيل قبل علمه بالعزل # وعن الثانية لم قالوا بأن النسخ إذا لم يتوقف على رضى المنسوخ عنه لا ~~يتوقف على علمه # ولا يلزم من عدم اعتبار العلم في صورة الاستشهاد عدم اعتباره في النسخ ~~فإنه لا مانع أن يكون عدم اعتبار العلم ثم لعدم تضمنه رفع حكم خطاب سابق ~~بخلاف ما نحن فيه فكان العلم مشترطا فيه لما ذكرناه # وعن الثالثة والرابعة بمنع الحكم فيما ذكروه من صوره الاستشهاد # وعن الخامسة أن رفع الحكم بالنسخ مشروط بالعلم ولا تحقق للمشروط دون شرطه # # | المسألة الثامنة عشرة # الزيادة على النص هل تكون نسخا وقد اتفق العلماء على أن الزيادة إذا كانت ~~عبادة منفردة بنفسها عن العبادة المزيد عليها أنها لا تكون نسخا لحكم ~~المزيد عليه وذلك كزيادة صلاة على صلوات أو صوم أو حجة أو زكاة إلا ما نقل ~~عن بعض العراقيين أنهم قالوا إن زيادة صلاة سادسة على الصلوات الخمس ~~PageV03P184 يكون نسخا من جهة أن الصلاة الوسطى المأمور بالمحافظة عليها في ~~قوله تعالى @QB@ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى @QE@ 2 البقرة 238 ) ~~تخرج عن كونها وسطى وهو غير ms632 صحيح لوجهين الأول أن النسخ إنما يكون لحكم ~~شرعي على ما تقدم وكون العبادة وسطى أمر حقيقي ليس بحكم شرعي # الثاني أنه يلزم عليه أن لو أوجب الشارع أربع صلوات ثم أوجب صلاة خامسة ~~أو زكاة أو صوما أن يكون ذلك نسخا لإخراج العبادة الأخيرة عن كونها أخيرة ~~وإخراج العبادات السابقة عن كونها أربعا وهو خلاف الإجماع # وإنما اختلفوا في غير هذه الزيادة كزيادة ركعة على ركعات صلاة واحدة ~~وزيادة جلدات على جلدات حد واحد وزيادة صفة في رقبة الكفارة كالإيمان إلى ~~غير ذلك من الزيادات فذهبت الشافعية والحنابلة وجماعة من المعتزلة كالجبائي ~~وأبي هاشم إلى أنها لا تكون نسخا # وقالت الحنفية تكون نسخا ومنهم من فصل # ثم القائلون بالتفصيل منهم من قال إن كانت الزيادة قد أفادت خلاف ما ~~أفاده مفهوم المخالفة والشرط كانت الزيادة نسخا كإيجاب الزكاة في معلوفة ~~الغنم فإنه خلاف ما أفاده قوله صلى الله عليه وسلم في الغنم السائمة زكاة ~~من نفي الزكاة عن المعلوفة وإلا فلا # ومنهم من قال إن كانت الزيادة مغيرة لحكم المزيد عليه في المستقبل كزيادة ~~التغريب في المستقبل على الحد وزيادة عشرين جلدة على حد القذف كانت نسخا ~~وإن لم تغير حكمه في المستقبل فإنها لا تكون نسخا وسواء كانت الزيادة لا ~~تنفك عن المزيد عليه كما لو وجب علينا ستر الفخذ فإنه يجب ستر بعض الركبة ~~ضرورة أن ما لا يتم الواجب PageV03P185 إلا به فهو واجب أو كانت الزيادة ~~عند تعذر المزيد عليه وذلك كإيجاب قطع رجل السارق بعد قطع يديه وهذا هو ~~مذهب الكرخي وأبي عبد الله البصري من المعتزلة # ومنهم من قال إن كانت الزيادة قد غيرت المزيد عليه تغيرا شرعيا بحيث صار ~~المزيد عليه لو فعل بعد الزيادة على حسب ما كان يفعل قبلها كان وجوده كعدمه ~~ووجب استئنافه كزيادة ركعة على ركعتي الفجر كان ذلك نسخا أو كان قد خير بين ~~فعلين فزيد فعل ثالث فإنه يكون نسخا لتحريم ترك الفعلين السابقين وإلا فلا ~~وذلك ms633 كزيادة التغريب على الحد وزيادة عشرين جلدة على حد القذف وزيادة شرط ~~منفصل في شرائط الصلاة كزيادة الوضوء وهذا هو مذهب القاضي عبد الجبار # ومنهم من قال إن كانت الزيادة متصلة بالمزيد عليه اتصال اتحاد رافع ~~للتعدد والانفصال كزيادة ركعتين على ركعتي الصبح فهو نسخ وإن لم تكن ~~الزيادة كذلك كزيادة عشرين جلدة على حد القذف فلا تكون نسخا # وهذا هو الذي اختاره الغزالي والمختار أنه إن كانت الزيادة متأخرة عن ~~المزيد عليه وكانت رافعة لحكم شرعي كان ذلك نسخا ووجب النظر في دليل ~~الزيادة فإن كان مما يجوز بمثله نسخ حكم النص فهو نسخ وإلا فلا # وإن لم تكن الزيادة متأخرة عن المزيد عليه أو كانت رافعة لحكم العقل ~~الأصلي لا غير لم يكن ذلك نسخا شرعيا وإن كان نسخا لغويا وجاز بكل ما يصلح ~~أن يكون دليلا في موضعه وإن لم يجز به النسخ كالقياس وخبر الواحد ونحوه ~~وهذا هو اختيار أبي الحسين البصري # وإذ أتينا على شرح المذاهب بالتفصيل فلا بد من النظر فيما يتفرع على هذه ~~المذاهب من المسائل الفرعية والكشف عن وجه الحق في كل واحدة منها تتمة ~~للمقصود وهي عشرة فروع الفرع الأول إذا وجبت الزكاة في معلوفة الغنم لا ~~يكون ذلك نسخا PageV03P186 لحكم قوله صلى الله عليه وسلم في الغنم السائمة ~~زكاة لأنه لا يقتضي نفي الزكاة عن المعلوفة كما سبق في إبطال دليل الخطاب ~~وإنما يقتضي نفي الزكاة عن المعلوفة بناء على حكم العقل الأصلي فرفعه لا ~~يكون نسخا لما تقدم وإن سلمنا أن دليل الخطاب حجة وأنه يدل على نفي الزكاة ~~عن المعلوفة فلا يخفى أن وجوب الزكاة فيها يكون رافعا لما اقتضاه دليل ~~الخطاب فيكون نسخا # الفرع الثاني إذا زيدت ركعة على ركعتي الصبح بحيث صارت صلاة الصبح ثلاث ~~ركعات قال أبو الحسين البصري هذا ليس بنسخ لحكم الدليل الدال على وجوب صلاة ~~الصبح لأن زيادة الركعة إما أن تكون نسخا للركعتين أو نسخا لأجزائها ~~ووجوبها أو نسخا لوجوب التشهد ms634 عقيب الركعتين لا جائز أن يكون نسخا للركعتين ~~لأن النسخ لا يتعلق بالأفعال كيف وإن الركعتين قارتان لم يرتفعا ولا جائز ~~أن يكون نسخا لأجزائها وإلا كان زيادة غسل عضو آخر في طهارة الصلاة ناسخا ~~لأجزائها ووجوبها الذي كان قبل إيجاب غسل العضو الزائد ولم يقل به من قال ~~بهذا المذهب كالقاضي عبد الجبار كما عرف من مذهبه ولا جائز أن يكون نسخا ~~لوجوب التشهد عقيب الركعتين لأنه إنما كان واجبا آخر الصلاة وذلك غير مرتفع ~~ولا متغير وإنما المتغير آخر الصلاة فإن آخرها كان بآخر الركعتين والآن صار ~~آخر الثلاث # وقد قيل في إبطاله لا نسلم الحصر فإنه كان يحرم الزيادة على الركعتين ~~والتحريم حكم شرعي وقد ارتفع بالزيادة وليس بحق إذ لقائل أن يقول إنما يصح ~~ذلك أن لو كان الأمر بالركعتين مقتضيا للنهي عن الزيادة عليهما وليس كذلك ~~بل أمكن أن يكون ذلك مستفادا من دليل آخر فزيادة الركعة PageV03P187 على ~~الركعتين لا يكون نسخا لحكم الدليل الدال على وجوب الركعتين # وقد قيل في إبطاله أيضا إن النسخ إنما هو لأجزاء الركعتين بتقدير ~~انفرادهما وهو حكم شرعي وقد ارتفع بالزيادة وفيه نظر إذ يمكن أن يقال معنى ~~كون الركعتين مجزية أنه يخرج بها عن عهدة الأمر ومعنى الخروج بها عن العهدة ~~أنه لا يجب مع فعلها شيء آخر وليس ذلك حكما شرعيا ليكون رفعه نسخا شرعيا بل ~~هو من مقتضيات النفي الأصلي وإنما طريق الرد عليه أن يقال ما ذكره من ~~الإلزام باشتراط غسل العضو الزائد وإن كان لازما على القاضي عبد الجبار ~~فغير لازم لغيره كالغزالي ونحوه من القائلين يكون ذلك نسخا فلا بد من ~~الدلالة عليه ولم يتعرض لذلك وإن قدر لزوم ذلك فلا يخفى أن وجوب التشهد بعد ~~الركعتين حكم شرعي وقد ارتفع بزيادة الركعة # والقول بأن المغير إنما هو آخر الصلاة ليس كذلك فإن التشهد كان واجبا ~~عقيب الركعتين وبالزيادة صار غير واجب # الفرع الثالث زيادة التغريب على الحد وزيادة عشرين جلدة على الثمانين ms635 ليس ~~بنسخ لأن النسخ يستدعي رفع ما ثبت للثمانين من الحكم الشرعي ولا تحقق له إذ ~~الأصل بقاء ما كان لها من الحكم قبل الزيادة بعدها # فإن قيل بيان ارتفاع حكم الثمانين من خمسة أوجه الأول أن الثمانين قبل ~~الزيادة كانت كل الحد الواجب وقد صارت بعد الزيادة بعض الحد # الثاني أن الثمانين كانت مجزئة قبل الزيادة وقد ارتفع إجزاؤها بالزيادة # الثالث الثمانون وحدها كان يتعلق بها التفسيق # ورد الشهادة وبعد الزيادة زال تعلق ذلك بالثمانين PageV03P188 # الرابع أن الثمانين قبل الزيادة كان يجب الاقتصار عليها وبعد الزيادة زال ~~هذا الوجوب # الخامس أن قبل الزيادة كانت الزيادة غير واجبة وقد زال هذا الحكم بإيجاب ~~الزيادة # والجواب عن الأول أنه لا معنى لكون الثمانين قبل الزيادة كل الواجب إلا ~~أنها واجبة وغيرها ليس بواجب ووجوبها لم يرتفع وإنما المرتفع بالزيادة عدم ~~وجوب الزيادة وذلك معلوم بالبراءة الأصلية فلا يكون رفعه نسخا شرعيا # وعن الثاني ما سبق في الفرع الذي قبله # وعن الثالث لا نسلم أن التفسيق ورد الشهادة متعلق بالثمانين بل بالقذف ~~وإن سلمنا تعلق ذلك بالثمانين إلا أن معنى التفسيق يرجع إلى عدم موافقة أمر ~~الشارع ورد الشهادة إلى عدم قبولها وذلك معلوم بالنفي الأصلي ورد الشهادة ~~وإن كان معلوما من قوله تعالى @QB@ ولا تقبلوا لهم شهادة @QE@ فليس من ~~مقتضيات دليل إيجاب الثمانين فرفعه لا يكون نسخا شرعيا # وعن الرابع أن معنى وجوب الاقتصار على الثمانين قبل الزيادة أنها واجبة ~~ولا تجوز الزيادة عليها ووجوبها لم يرتفع وإنما المرتفع عدم الجواز المستند ~~إلى البراءة الأصلية وذلك ليس بنسخ على ما تقدم # وعلى هذا فقد خرج الجواب عن الإلزام الخامس أيضا # الفرع الرابع إذا أوجب الله تعالى غسل الرجلين على التعيين ثم خيرنا بين ~~ذلك وبين المسح على الخفين أو خيرنا في الكفارة بين الإطعام والصيام ثم زاد ~~ثالثا وهو الإعتاق هل يكون ذلك نسخا لوجوب غسل الرجلين على التعيين ووجوب ~~التخيير بين الإطعام والصيام على التعيين الحق إنه ليس بنسخ لأن ms636 معنى كون ~~العمل واجبا على التعيين أنه واجب وأن غيره لايقوم مقامه وكونه واجبا لم ~~يرتفع وإنما المرتفع كون غيره لايقوم مقامه PageV03P189 وذلك حكم ثابت ~~بمقتضى النفي الأصلي فرفعه لايكون نسخا شرعيا وكذلك لتخيير بين الإطعام ~~والصيام على التعيين معناه أن الواجب واحد منهما وأن غيرهما لا يقوم ~~مقامهما ووجوب أحدهما لا بعينه غير مرتفع وإنما المرتفع كون غيرهما لا يقوم ~~مقامهما وذلك ثابت بمقتضى النفي الأصلي فرفعه لا يكون نسخا شرعيا # الفرع الخامس إذا وقف الله تعالى الحكم على شاهدين بقوله @QB@ واستشهدوا ~~شهيدين @QE@ 2 البقرة 282 ) فإذا جوز الحكم بشاهد ويمين بخبر الواحد فهل ~~يكون ذلك نسخا للحكم بالشاهدين على التعيين الحق أنه ليس بنسخ وذلك لأن ~~مقتضى الآية جواز الحكم بالشاهدين وأن شهادتهما حجة وليس فيه ما يدل على ~~امتناع الحكم بحجة أخرى إلا بالنظر إلى المفهوم ولا حجة فيه على ما تقدم # وإن كان حجة فرفعه يكون نسخا ولا يجوز بخبر الواحد # الفرع السادس إذا أوجب الله تعالى عتق رقبة مطلقة في كفارة الظهار ~~فتقييدها بعد ذلك بالإيمان إن ثبت أن الله تعالى أراد بكلامه الدلالة على ~~أجزاء الرقبة الكافرة وغيرها كان التقييد بالإيمان نسخا ولا يجوز بدليل ~~العقل والقياس وخبر الواحد وإلا كان تقييدا للمطلق لا نسخا # الفرع السابع إذا أوجب الله تعالى قطع يد السارق ورجله على التعيين ~~فإباحة قطع رجله الأخرى بعد ذلك إن كان رافعا لعدم الإباحة الثابتة بحكم ~~العقل الأصلي فلا يكون نسخا شرعيا وإن كان رافعا للتحريم وإن جاز أن يكون ~~نسخا فليس نسخا لمقتضى النص الأول لعدم دلالته عليه # الفرع الثامن إذا زيد في الطهارة اشتراط غسل عضو زائد على الأعضاء الستة ~~فلا يكون ذلك نسخا لوجوب غسل الأعضاء الستة إذ هي واجبة مع وجوب غسل العضو ~~الزائد ولا لإجزائها عند الاقتصار عليها لأن معنى كونها مجزئة أن امتثال ~~الأمر بفعلها غير متوقف على أمر آخر وامتثال الأمر بفعلها غير مرتفع وإنما ~~المرتفع عدم التوقف على شرط آخر وذلك المرتفع ms637 وهو عدم اشتراط أمر آخر إنما ~~كان مستندا إلى حكم العقلي الأصلي فلا يكون رفعه نسخا شرعيا PageV03P190 # وعلى هذا يكون الحكم فيما إذا زيد في الصلاة شرط آخر # الفرع التاسع قوله تعالى @QB@ ثم أتموا الصيام إلى الليل @QE@ 2 البقرة ~~187 ) دال على جعل أول الليل غاية للصوم فإيجاب صوم أول الليل بعد ذلك هل ~~يكون نسخا لما دلت عليه الآية من كون أول الليل غاية للصوم وظرفا له والحق ~~في ذلك أن يقال إن قلنا إن مفهوم الغاية ليس بحجة وأنه لا يدل على مد الحكم ~~إلى غاية أن يكون الحكم فيما بعد الغاية على خلاف ما قبلها فإيجاب صوم أول ~~الليل لا يكون نسخا لمدلول الآية وإلا كان نسخا وامتنع ذلك بدليل العقل ~~وخبر الواحد # الفرع العاشر إذا قال الله تعالى ( صلوا إن كنتم متطهرين ) فاشتراط شرط ~~آخر لا يكون نسخا لأنه إما أن يكون نسخا لوجوب الصلاة مع الطهارة أو ~~لأجزائها أو لما فيه من رفع عدم اشتراط شرط آخر أو لشيء آخر لا سبيل إلى ~~الأول لأن الوجوب مع الطهارة لم يرتفع والثاني لا سبيل إليه لما سبق في ~~الفرع الثامن ولا سبيل إلى الثالث لأنه رفع حكم العقل الأصلي فلا يكون نسخا ~~شرعيا والرابع لا بد من تصويره لأن الأصل عدمه # وعلى هذا أيضا قوله تعالى @QB@ وليطوفوا بالبيت العتيق @QE@ 22 الحج 29 ) ~~موجب للطواف مطلقا مع الطهارة ومن غير طهارة فاشتراط الطهارة بقوله صلى ~~الله عليه وسلم الطواف بالبيت صلاة لا يكون نسخا لوجوب الطواف لبقاء وجوبه ~~ولا لإجزائه ولا لعدم اشتراط الطهارة لما بيناه # ولذلك منع الشافعي من الإجزاء بقوله الطواف بالبيت صلاة # وأبو حنيفة لما لم يسعه مخالفة الخبر قال بوجوب الطهارة مع بقاء الطواف ~~مجزئا من غير طهارة حيث اعتقد أن رفع الإجزاء يكون نسخا لحكم الكتاب بخبر ~~الواحد PageV03P191 # # | المسألة التاسعة عشرة # اتفقوا على أن نسخ سنة من سنن العبادة لا يكون نسخا لتلك العبادة كنسخ ~~ستر الرأس والوقوف على يمين الإمام في ms638 الصلاة واختلفوا في أن نسخ ما تتوقف ~~عليه صحة العبادة هل يكون نسخا لتلك العبادة فذهب الكرخي وأبو الحسين ~~البصري إلى أن ذلك لا يكون نسخا للعبادة # وسواء كان المنسوخ جزءا من مفهوم العبادة كالركعة من صلاة الظهر مثلا أو ~~شرطا خارجا عن مفهوم الصلاة كالوضوء # ومن المتكلمين من قال إنه نسخ للعبادة مطلقا # وإليه ميل الغزالي # ومنهم من فصل بين الجزء والشرط وأوجب نسخ العبادة بنسخ جزئها دون شرطها ~~كالقاضي عبد الجبار # والمختار أنه لا يكون ذلك نسخا للعبادة مطلقا # أما إذا كانت الصلاة أربع ركعات فكل ركعتين منها واجبة فنسخ أحد الواجبين ~~لا يوجب نسخ الواجب الآخر وكذلك إذا كانت الصلاة واجبة والطهارة شرط فيها # فنسخ اشتراط الطهارة لا يكون موجبا لنسخ وجوب الصلاة بل الوجوب باق بحاله ~~فلا نسخ # فإن قيل إذا أوجب الشارع أربع ركعات ثم نسخ منها وجوب ركعتين فقد نسخ ~~وجوب أصل العبادة لا أنه نسخ للبعض وتبقية للبعض فإن الركعتين الباقيتين ~~ليست بعض الأربع بل هي عبادة أخرى وإلا فلو كانت بعضا منها لكان من صلى ~~الصبح أربع ركعات آتيا بالواجب وزيادة كما لو أوجب عليه التصدق بدرهم فتصدق ~~بدرهمين PageV03P192 # وإن سلمنا أن وجوب الركعتين باق بحاله غير أنها كانت قبل نسخ الركعتين لا ~~تجزىء وقد ارتفع ذلك بنسخ الركعتين الزائدتين حيث صارت تجزىء وكان يجب ~~تأخير التشهد إلى ما بعد الأربع وقد ارتفع ذلك وهو عين النسخ # وعلى هذا يكون الحكم فيما إذا نسخ شرط العبادة فإنها كانت قبل النسخ لا ~~تجزىء وقد ارتفع ذلك بنسخ الشرط # والجواب قولهم إن نسخ الركعتين نسخ لوجوب أصل العبادة ليس كذلك بدليل ~~بقاء وجوب الركعتين # قولهم الركعتان عبادة أخرى غير العبادة الأولى إن أرادوا بالغيرية أنها ~~بعض منها والبعض غير الكل فمسلم ولكن لا يكون نسخا للركعتين وإن كان نسخا ~~لوجوب الكل وإن أرادوا به أنها ليست بعضا من الأربع فهو غير مسلم # قولهم لو كانت بعضا من الأربع لكان من صلى الصبح أربعا قد ms639 أتى بالواجب ~~وزيادة # قلنا ولو لم تكن بعضا من الواجب الأول بل عبادة أخرى لافتقرت في وجوبها ~~إلى ورود أمر يدل على وجوبها وهو خلاف الإجماع وحيث لم تصح صلاة الصبح عند ~~الإتيان بأربع ركعات فإنما كان لإدخال ما ليس من الصلاة فيها # قولهم إنها كانت قبل نسخ الركعتين لا تجزىء # قلنا إن أريد به عدم امتثال الأمر والثواب عليها فذلك مستند إلى النفي ~~الأصلي فرفعه لا يكون نسخا وإن أريد به وجوب القضاء فهو نسخ لكن لا لنفس ~~العبادة # قولهم إنه كان يجب تأخير التشهد إلى ما بعد الأربع ليس كذلك فإن التشهد ~~بعد الركعتين جائز PageV03P193 # نعم غايته أنه لم يكن واجبا وعدم وجوبه فلبقائه على النفي الأصلي فرفعه ~~لا يكون نسخا شرعيا على ما عرف # نعم لو قيل برفع جوازه بحكم الشرع كان ذلك نسخا # وعلى هذا عرف الجواب عن قولهم إن العبادة كانت لا تجزىء دون الطهارة ثم ~~صارت مجزئة # # | المسألة العشرون # اتفق العلماء على جواز نسخ جميع التكاليف بإعدام العقل الذي هو شرط في ~~التكليف وأنه يستحيل أن يكلف الله أحدا بالنهي عن معرفته إلا على رأي من ~~يجوز التكليف بما لا يطاق # وذلك لأن تكليفه بالنهي عن معرفته يستدعي العلم بنهيه والعلم بنهيه ~~يستدعي العلم بذاته فإن من لا يعرف الباري تعالى يمتنع عليه أن يكون عالما ~~بنهيه # فإذا تحريم معرفته متوقف على معرفته وهو دور ممتنع # وإنما الخلاف في أمرين الأول أنه هل يتصور نسخ وجوب معرفة الله تعالى ~~وشكر المنعم ونسخ تحريم الكفر والظلم والكذب وكذلك كل ما قيل بوجوبه لحسنه ~~وتحريمه لقبحه في ذاته فذهبت المعتزلة بناء على فاسد أصولهم في اعتقاد ~~الحسن والقبح الذاتي ورعاية الحكمة في أفعال الله تعالى إلى امتناع نسخ هذه ~~الأحكام لاعتقادهم أن المقتضى لوجوبها وتحريمها إنما هو صفات ذاتية لا يجوز ~~تبديلها ولا تغييرها ونحن قد أبطلنا هذه الأصول ونبهنا على فسادها فيما ~~تقدم # الثاني أنه وإن جاز نسخ هذه الأحكام فبعد أن كلف الله العبد ms640 هل يجوز أن ~~ينسخ عنه جميع التكاليف أو لا PageV03P194 اختلفوا فيه نفيا وإثباتا واختار ~~الغزالي المنع من ذلك مصيرا منه إلى أن المنسوخ عنه يجب عليه معرفة النسخ ~~والناسخ والدليل المنصوب عليه # فهذا النوع من التكليف لا يمكن نسخه بل هو باق بالضرورة وليس بحق فإنا ~~وإن قلنا بأن النسخ لا يحصل في حق المكلف دون علمه بنزوله النسخ فلا يمتنع ~~تحقق النسخ لجميع التكاليف في حقه عند علمه بالنسخ وإن لم يكن مكلفا بمعرفة ~~النسخ PageV03P195 PageV03P196 # | خاتمة في طريق معرفة الناسخ والمنسوخ # فنقول النصان إذا تعارضا إما أن يتعارضا من كل وجه أو من وجه دون وجه فإن ~~تنافيا من كل وجه فإما أن يكونا معلومين أو مظنونين أو أحدهما معلوما ~~والآخر مظنونا فإن كانا معلومين أو مظنونين فإما أن يعلم تأخر أحدهما عن ~~الآخر أو اقترانهما أو لا يعلم شيء من ذلك فإن علم تأخر أحدهما عن الآخر ~~فهو ناسخ والمتقدم منسوخ وذلك قد يعرف إما بلفظ النسخ والمنسوخ كما لو قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم هذا ناسخ وهذا منسوخ أو أجمعت الأمة على ذلك وإما ~~بالتاريخ وذلك قد يعلم إما بأن يكون في اللفظ ما يدل على التقدم والتأخر ~~كقوله صلى الله عليه وسلم كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها وإما بإسناد ~~الراوي أحدهما إلى شيء متقدم كقوله كان هذا في السنة الفلانية وهذا في ~~السنة الفلانية وإحداهما معلومة التقدم على الأخرى هذا كله إذا كان سند ~~الناسخ والمنسوخ مستويا # وليس من الطرق الصحيحة في معرفة النسخ أن يقول الصحابي كان الحكم كذا ثم ~~نسخ فإنه ربما قال ذلك عن اجتهاد ولا أن يقول في أحد PageV03P197 ~~المتواترين إنه كان قبل الآخر لأنه يتضمن نسخ المتواتر بقول الواحد ولا ~~يلزم ثبوت نسب الولد من صاحب الفراش ضمنا من قبول قول القابلة في الولد إنه ~~من إحدى المرأتين وأن النسب لا يثبت بقولها ابتدأ مثل ذلك ها هنا كما قاله ~~القاضي عبد الجبار فإن غاية ذلك الجواز ولا يلزم ms641 منه الوقوع ولا أن يكون ~~أحدهما مثبتا في المصحف بعد الآخر لأنه ليس ترتيب الآيات في المصحف على ~~ترتيبها في النزول ولا أن يكون راوي أحدهما من أحداث الصحابة لأنه قد ينقل ~~عمن تقدمت صحبته # وإن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير واسطة فلجواز أن تكون رواية ~~متقدم الصحبة متأخرة ولا أن يكون إسلام أحد الراويين بعد إسلام الآخر لما ~~ذكرناه في رواية الحدث ولا أن يكون أحد الراويين متجدد الصحبة بعد انقطاع ~~صحبة الراوي الآخر لجواز سماعه عمن تقدمت صحبته ولا أن يكون أحد النصين على ~~وفق قضية العقل والبراءة الأصلية والآخر على خلافه فإنه ليس تقدم الموافق ~~لذلك أولى من المخالف # وأما إن علم اقترانهما مع تعذر الجمع بينهما فعندي أن ذلك غير متصور ~~الوقوع وإن جوزه قوم وبتقدير وقوعه فالواجب إما الوقف عن العمل بأحدهما أو ~~التخيير بينهما إن أمكن # وكذلك الحكم فيما إذا لم يعلم شيء من ذلك # وأما إن كان أحدهما معلوما والآخر مظنونا فالعمل بالمعلوم واجب سواء تقدم ~~أو تأخر أو جهل الحال في ذلك لكنه إن كان متأخرا عن المظنون كان ناسخا وإلا ~~كان مع وجوبه العمل به غير ناسخ # هذا كله فيما إذا تنافيا من كل وجه وأما إن تنافيا من وجه دون وجه بأن ~~يكون كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه دون وجه PageV03P198 كما في قوله ~~صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه فإنه خاص بالمبدل وعام في النساء ~~والرجال وقوله نهيت عن قتل النسوان فإنه خاص في النساء وعام بالنسبة إلى ~~المبدل فالحكم فيهما كما لو تنافيا من كل وجه فعليك بالاعتبار والله أعلم ~~PageV03P199 PageV03P200 # | الأصل الخامس في القياس # ويشتمل على مقدمة وخمسة أبواب # أما المقدمة ففي تحقيق معنى القياس وبيان أركانه # أما القياس فهو في اللغة عبارة عن التقدير ومنه يقال قست الأرض بالقصبة ~~وقست الثوب بالذراع أي قدرته بذلك وهو يستدعي أمرين يضاف أحدهما إلى الآخر ~~بالمساواة فهو نسبة وأضافة بين شيئين ولهذا ms642 يقال فلان يقاس بفلان ولا يقاس ~~بفلان أي يساويه ولا يساويه # وأما في اصطلاح الأصوليين فهو منقسم إلى قياس العكس وقياس الطراد # أما قياس العكس فعبارة عن تحصيل نقيض حكم معلوم ما في غيره لافتراقهما في ~~علة الحكم وذلك كما لو قيل لو لو يكن الصوم شرطا في الاعتكاف لما كان شرطا ~~له عند نذره أن يعتكف صائما كالصلاة فإن الصلاة لما لم تكن شرطا في ~~الاعتكاف لم تكن من شرطه إذا نذر أن يعتكف مصليا PageV03P201 فالأصل هو ~~الصلاة والفرع هو الصوم وحكم الصلاة أنها ليست شرطا في الاعتكاف والثابت في ~~الصوم نقيضه وهو أنه شرط في الاعتكاف وقد افترقا في العلة لأن العلة التي ~~لأجلها لم تكن الصلاة شرطا في الاعتكاف أنها لم تكن شرطا فيه حالة النذر ~~وهذه العلة غير موجودة في الصوم لأنه شرط في الاعتكاف حالة النذر إجماعا # وأما قياس الطرد فقد قيل فيه عبارات غير مرضية لا بد من الإشارة إليها ~~وإلى إبطالها ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار فيه # فمنها قول بعضهم إنه عبارة عن إصابة الحق وهو منتقض بإصابة الحق بالنص ~~والإجماع فإنه على ما قيل وليس بقياس كيف وإن إصابة الحق فرع للقياس وحكم ~~له وحكم القياس لا يكون هو القياس # ومنها قول بعضهم إنه بذل الجهد في استخراج الحق وهو أيضا باطل بما أبطلنا ~~به الحد الذي قبله كيف وإن بذل الجهد إنما هو منبىء عن حال القائس لا عن ~~نفس القياس # وقد قيل في إبطاله إنه غير منعكس لوجود المحدود دون الحد وذلك أن من رأى ~~حكما منصوصا عليه وعلى علته وكانت علته مما يشهد الحس بها في الفرع فإن ذلك ~~مقتضى تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع بطريق القياس وإن لم يوجد فيه بذل ~~جهد في استخراج الحق فقد وجد المحدود دون حده وليس بحق فإنه وإن لم يلحق ~~المكلف بذل جهد في معرفة الحكم وعلته لكونهما منصوصين ولا في معرفة وجود ~~العلة في الفرع لكونها محسة فيه ms643 فلا بد من الاجتهاد في معرفة صحة النص إن ~~كان آحادا وإن كان متواترا ولا بد من البحث عن كونه منسوخا أم لا وإن لم ~~يكن منسوخا فلا بد من النظر في PageV03P202 الأصل هل للعلة فيه معارض أو لا ~~وإن لم يكن لها معارض في الأصل فلا بد من النظر في الفرع هل وجد فيه مانع ~~أو فات شرط أو لا ثم وإن قدر انتفاء الاجتهاد مطلقا في الصورة المفروضة فلا ~~نسلم تحقق القياس فيها بل الحكم إنما يثبت في الفرع على هذا التقدير ~~بالاستدلال لا بالقياس على ما يأتي تحقيقه # ومنها قول بعضهم إن القياس هو التشبيه ويلزم عليه أن يكون تشبيه أحد ~~الشيئين بالآخر في المقدار وفي بعض صفات الكيفيات كالألوان والطعوم ونحوها ~~قياسا شرعيا إذ الكلام إنما هو في حد القياس في اصطلاح المتشرعين وليس كذلك # ومنها قول بعضهم القياس هو الدليل الموصل إلى الحق وهو باطل بالنص ~~والإجماع # ومنهم من قال هو العلم الواقع بالمعلوم عن نظر وهو أيضا باطل بالعلم ~~الحاصل بالنظر في دلالة النص والإجماع كيف وإن العلم غير حاصل من القياس ~~فإنه لا يفيد غير الظن وإن كان حاصلا منه فهو ثمرة القياس فلا يكون هو ~~القياس # وقال أبو هاشم إنه عبارة عن حمل الشيء على غيره وإجراء حكمه عليه وهو ~~باطل من وجهين الأول أنه غير جامع لأنه يخرج منه القياس الذي فرعه معدوم ~~ممتنع لذاته فإنه ليس بشيء الثاني أن حمل الشيء على غيره وإجراء حكمه عليه ~~قد يكون من غير جامع فلا يكون قياسا وإن كان بجامع فيكون قياسا وليس في ~~لفظه ما يدل على الجامع فكان لفظه عاما للقياس ولما ليس بقياس # وقال القاضي عبد الجبار إنه حمل الشيء على الشيء في بعض PageV03P203 ~~أحكامه بضرب من الشبه وهو باطل بما أبطلنا به حد أبي هاشم في الوجه الأول # وقال أبو الحسين البصري القياس تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في ~~علة الحكم عند المجتهد وقد أورد على نفسه في ms644 ذلك إشكالا وأجاب عنه # أما الإشكال فهو أن الفقهاء يسمون قياس العكس قياسا وليس هو تحصيل حكم ~~الأصل في الفرع لاشتباههما في علة الحكم بل هو تحصيل نقيض حكم الشيء في ~~غيره لافتراقهما في علة الحكم كما سبق تحقيقه # وأما الجواب فحاصله أن تسمية قياس العكس قياسا إنما كان بطريق المجاز ~~لفوات خاصية القياس فيه وهو إلحاق الفرع بالأصل في حكمه لما بينهما من ~~المشابهة # ويمكن أن يقال في جوابه أيضا إنه وإن كان قياس العكس قياسا حقيقة غير أن ~~اسم القياس مشترك بين قياس الطرد وقياس العكس فتحديد أحدهما بخاصيته لا ~~ينتقض بالمسمى الآخر المخالف له في خاصيته وإن كان مسمى باسمه # ولهذا فإنه لو حدت العين بحد يخصها لا ينتقض بالعين الجارية المخالفة لها ~~في حدها وإن اشتركا في الاسم # والمحدود ها هنا إنما هو قياس الطرد المخالف في حقيقته لقياس العكس غير ~~أن ما ذكره من الحد مدخول من وجهين # الأول أن قوله تحصيل حكم الأصل في الفرع مشعر بتحصيل عين حكم الأصل في ~~الفرع وهو ممتنع فكان من حقه أن يقول مثل حكم الأصل في الفرع # الثاني أن تحصيل حكم الأصل في الفرع هو حكم الفرع ونتيجة PageV03P204 ~~القياس ونتيجة الشيء لا تكون هي نفس ذلك الشيء فكان الأولى أن يقول القياس ~~هو اشتباه الفرع والأصل في علة حكم الأصل في نظر المجتهد على وجه يستلزم ~~تحصيل الحكم في الفرع # وقال القاضي أبو بكر القياس حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو ~~نفيه عنهما بأمر جامع بينهما وقد وافقه عليه أكثر أصحابنا وهو مشتمل على ~~خمسة قيود الأول قوله حمل معلوم على معلوم # الثاني قوله في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما # الثالث قوله بناء على جامع بينهما # الرابع قوله من إثبات حكم أو صفة لهما # الخامس قوله أو نفيه عنهما # أما القيد الأول فيستدعي بيان معنى الحمل وبيان فائدة إطلاق لفظ المعلوم ~~وفائدة حمل المعلوم على المعلوم # أما الحمل فمعناه مشاركة أحد المعلومين للآخر ms645 في حكمه وإنما أطلق لفظ ~~المعلوم لأنه ربما كانت صورة المحمول والمحمول عليه عدمية وربما كانت ~~وجودية فلفظ المعلوم يكون شاملا لهما فإنه لو أطلق لفظ الموجود لخرج منه ~~المعدوم ولو أطلق لفظ الشيء لاختص أيضا بالموجود على رأي أهل الحق ولو قال ~~حمل فرع على أصل ربما أوهم اختصاصه بالموجود من جهة أن وصف أحدهما بكونه ~~فرعا والآخر بكونه أصلا قد يظن أنه صفة وجودية والصفات الوجودية لا تكون ~~صفة للمعدوم وإن لم يكن حقا فكان استعمال لفظ المعلوم أجمع وأمنع وأبعد عن ~~الوهم الفاسد وإنما قال حمل معلوم PageV03P205 على معلوم لأن القياس يستدعي ~~المقايسة وذلك لا يكون إلا بين شيئين ولأنه لولاه لكان إثبات الحكم أو نفيه ~~في الفرع غير مستفاد من القياس أو كان معللا بعلة غير معتبرة فيكون بمجرد ~~الرأي والتحكم وهو ممتنع # وأما القيد الثاني فإنما ذكره لأن حمل الفرع على الأصل قد بان أن معناه ~~التشريك في الحكم وحكم الأصل وهو المحمول عليه قد يكون إثباتا وقد يكون ~~نفيا وكانت عبارته بذلك أجمع للنفي والإثبات # وأما القيد الثالث فإنما ذكره لأن القياس لا يتم إلا بالجامع بين الأصل ~~والفرع وإلا كان حمل الفرع على الأصل في حكمه من غير دليل وهو ممتنع # وأما القيد الرابع فإنما ذكره لأن الجامع بين الأصل والفرع قد يكون تارة ~~حكما شرعيا كما لو قال في تحريم بيع الكلب نجس فلا يجوز بيعه كالخنزير وقد ~~يكون وصفا حقيقيا كما لو قال في النبيذ مسكر فكان حراما كالخمر # وأما القيد الخامس فإنما ذكره لأن الجامع من الحكم أو الصفة قد يكون ~~إثباتا كما ذكرناه من المثالين وقد يكون نفيا أما في الحكم فكما لو قال في ~~الثوب النجس إذا غسل بالخل غير طاهر فلا تصح الصلاة فيه كما لو غسله باللبن ~~والمرق وأما في الصفة فكما لو قال في الصبي غير عاقل فلا يكلف كالمجنون # وقد أورد عليه تشكيكات لا بد في ذكرها والإشارة إلى دفعها # الإشكال الأول أن القول ms646 بحمل المعلوم على المعلوم إما أن يراد به إثبات ~~مثل حكم أحدهما للآخر أو شيء آخر PageV03P206 فإن كان الأول فالقول ثانيا ~~في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما يكون تكرارا من غير فائدة # وإن كان الثاني فلا بد من بيانه كيف وإنه بتقدير أن يراد به شيء آخر فلا ~~يجوز ذكره في تعريف القياس لأن ماهية القياس تتم بإثبات مثل حكم أحد ~~المعلومين للآخر بأمر جامع فكان ذكر ذلك الشيء زائدا عما يحتاج إليه # الثاني أن قوله في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما مشعر بأن الحكم في الأصل ~~والفرع مثبت بالقياس وهو محال من جهة أن القياس فرع على ثبوت الحكم في ~~الأصل فلو كان ثبوت الحكم في الأصل فرعا على القياس كان دورا # الثالث أنه كما يثبت الحكم بالقياس فقد ثبتت الصفة أيضا بالقياس كقولنا ~~في الباري تعالى ( عالم ) فكان له علم كالشاهد # فالقياس أعم من القياس الشرعي والعقلي # وعند ذلك إما أن تكون الصفة مندرجة في الحكم أو لا تكون فإن كان الأول ~~كان القول بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة أو نفيهما تكرارا لكون الصفة أحد ~~أقسام الحكم # وإن كان الثاني كان التعريف ناقصا # الرابع أن المعتبر في ماهية القياس الجامع من حيث هو جامع لا أقسام ~~الجامع وذلك إن ماهية القياس قد تنفك عن كل واحد من أقسامه بعينه وما تنفك ~~عنه الماهية لا يكون داخلا في حدها وأيضا فإنه لو وجب في ذكر ماهية القياس ~~ذكر أقسام الجامع فالحكم والصفة الجامعة أيضا كل واحد منهما منقسم إلى ~~أقسام كثيرة لا تحصى فكان يجب استقصاؤها في الذكر وإلا كان الحد ناقصا وهو ~~محال # الخامس أن كلمة ( أو ) للترديد والشك والتحديد إنما هو للتعيين والترديد ~~ينافي التعيين # السادس أن القياس الفاسد قياس وهو غير داخل في هذا الحد وذلك لأن هذا ~~القائل قد اعتبر في حده حصول الجامع ومهما حصل الجامع PageV03P207 كان ~~صحيحا فالفاسد الذي لم يحصل الجامع فيه في نفس الأمر لا يكون داخلا ms647 فيه ~~فكان يجب أن يقال بأمر جامع في ظن المجتهد فإنه يعم القياس الفاسد الذي لم ~~يحصل الجامع فيه في نفس الأمر # والجواب عن الإشكال الأول أن المراد بحمل المعلوم على المعلوم إنما هو ~~التشريك بينهما في حكم أحدهما مطلقا # وقوله بعد ذلك ( في إثبات حكم أو نفيه ) إشارة إلى ذكرها بفاصل ذلك الحكم ~~وأقسامه وهي زائدة على نفس التسوية في مفهوم الحكم فذكرها ثانيا لا يكون ~~تكرارا # وعن الثاني وإن كان هو أقوى الإشكالات الواردة ها هنا أن يقال لا نسلم أن ~~قول القائل ( حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما ) مشعر ~~بإثبات حكم الأصل بالقياس حتى يلزم منه الدور لأن القياس على ما علم مركب ~~من الأصل والفرع وحكم الأصل والوصف الجامع بين الأصل والفرع والحكم في ~~الأصل غير مستند في ثبوته ولا نفيه إلى مجموع هذه الأمور إذ هو غير متوقف ~~على الفرع ولا على نفيه وإنما هو متوقف في ثبوته على الوصف الجامع وهو ~~العلة حيث إن الشرع لم يثبت الحكم في الأصل إلا بناء عليه ولهذا قال الحاد ~~في هذه ( في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما ) والوصف ~~الجامع ركن القياس وليس هو نفس القياس فلا يكون ثبوت الحكم في الأصل ولا ~~نفيه بالقياس بل بالعلة وليست هي نفس القياس وإنما الثابت والمنفي بالقياس ~~إنما هو حكم الفرع لا غير # وعن الثالث من وجهين الأول أنه مبني على تصور القياس في غير الشرعيات وهو ~~غير مسلم على ما يأتي بيانه وما ذكروه من المثال فقد أبطلنا صحة القياس فيه ~~في أبكار الأفكار # الثاني وإن سلمنا تصور القياس في غير الشرعيات غير أن الكلام إنما وقع في ~~تحديد القياس الشرعي في مصطلح أهل الشرع وذلك لايكون إلا فيما كان حكم ~~الأصل فيه شرعيا والصفة ليست حكما شرعيا فلا تكون مندرجة فيه # وعلى هذا فخروج القياس PageV03P208 العقلي عن الحد المذكور للقياس الشرعي ~~لا يكون موجبا لنقصانه وقصوره # وعن الرابع أنه ms648 وإن كان ذكر أقسام الجامع من الحكم والصفة وتعيين كل واحد ~~غير داخل في مفهوم القياس فذكره لم يكن لتوقف مفهوم القياس عليه حتى يقال ~~بقصور التعريف بل للمبالغة في الكشف والإيضاح بذكر الأقسام وذلك مما لا يخل ~~بالحد ولا يلزم من ذلك الاستقصاء بذكر باقي أقسام الحكم والصفة لعدم وجوبه # وعن الخامس أن التحديد والتعريف قد تم بقولنا ( حمل معلوم على معلوم بأمر ~~جامع بينهما ) وما وقع فيه الترديد بحرف ( أو ) فقد بان التحديد والتعريف ~~غير متوقف عليه وإنما ذكر لزيادة البيان والإيضاح فلا يكون ذلك مانعا من ~~تعريف المحدود كيف وإنه لا معنى للترديد سوى بيان صحة انقسام الحكم والجامع ~~إلى ما قيد وصحة الانقسام من الصفات اللازمة التي لا ترديد فيها # وعن السادس أن المطلوب إنما هو تحديد القياس الصحيح الشرعي والفاسد ليس ~~من هذا القبيل فخروجه عن الحد لا يكون مبطلا له لكنه يرد عليه إشكال مشكل ~~لا محيص عنه وهو أن الحكم في الفرع نفيا وإثباتا متفرع على القياس إجماعا ~~وليس هو ركنا في القياس لأن نتيجة الدليل لا تكون ركنا في الدليل لما فيه ~~من الدور الممتنع وعند ذلك فيلزم من أخذ إثبات الحكم ونفيه في الفرع في حد ~~القياس أن يكون ركنا في القياس وهو دور ممتنع # وقد أخذه في حد القياس حيث قال ( في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما ) ~~إشارة إلى الفرع والأصل # والمختار في حد القياس أن يقال إنه عبارة عن الاستواء بين الفرع والأصل ~~في العلة المستنبطة من حكم الأصل # وهذه العبارة جامعة مانعة وافية بالغرض عرية عما يعترضها من التشكيكات ~~العارضة لغيرها على ما تقدم # وإذا عرف معنى القياس فهو يشتمل على أربعة أركان الأصل والفرع وحكم الأصل ~~والوصف الجامع PageV03P209 # أما الأصل فقد يطلق على أمرين الأول ما بني عليه غيره كقولنا إن معرفة ~~الله أصل في معرفة رسالة الرسول من حيث إن معرفة الرسول تنبني على معرفة ~~المرسل # الثاني ما عرف بنفسه من غير افتقار إلى غيره ms649 وإن لم يبن عليه غيره وذلك ~~كما تقوله في تحريم الربا في النقدين فإنه أصل وإن لم يبن عليه غيره # وعلى هذا اختلف العلماء في الأصل في القياس وذلك كما إذا قسنا النبيذ على ~~الخمر المنصوص عليه بقوله عليه السلام حرمت الخمرة لعينها في تحريم الشراب ~~هل الأصل هو النص أو الخمر أو الحكم الثابت في الخمر وهو التحريم مع اتفاق ~~الكل على أن العلة في الخمر وهي الشدة المطربة ليست هي الأصل # فقال بعض المتكلمين الأصل هو النص الدال على تحريم الخمر لأنه الذي بني ~~عليه التحريم والأصل ما بني عليه # وقالت الفقهاء الأصل إنما هو الخمر الثابتة حرمته لأن الأصل ما كان حكم ~~الفرع مقتبسا منه ومردودا إليه # وهذا إنما يتحقق في نفس الخمر # وقال بعضهم الأصل إنما هو الحكم الثابت في الخمر لأن الأصل ما انبنى عليه ~~غيره وكان العلم به موصلا إلى العلم بغيره أو الظن # وهذه الخاصية موجودة في حكم الخمر فكان هو الأصل # قالوا وليس الأصل هو النص لأن النص هو الطريق إلى العلم بالحكم ولو تصور ~~العلم بالحكم في الخمر دون النص كان القياس ممكنا ولأنه لو كان النص هو ~~الأصل لكونه طريقا إلى معرفة الحكم لكان قول الراوي هو أصل القياس بطريق ~~الأولى لكونه طريقا إلى معرفة النص وليس كذلك بالاتفاق # وليس الأصل أيضا هو الخمر لأنه يعلم الخمر ولا يعلم أن الحرمة جارية فيه ~~ولا في الفرع بخلاف ما إذا علم الحكم فكان هو الأصل PageV03P210 # واعلم أن النزاع في هذه المسألة لفظي وذلك لأنه إذا كان معنى الأصل ما ~~يبنى عليه غيره فالحكم أمكن أن يكون أصلا لبناء الحكم في الفرع عليه على ما ~~تقرر # وإذا كان الحكم في الخمر أصلا فالنص الذي به # معرفة الحكم يكون أصلا للأصل # وعلى هذا أي طريق عرف به حكم الخمر من إجماع أو غيره أمكن أن يكون أصلا ~~وكذلك الخمر فإنه إذا كان محلا للفعل الموصوف بالحرمة فهو أيضا أصل للأصل ~~فكان أصلا # والأشبه ms650 أن يكون الأصل هو المحل على ما قاله الفقهاء لافتقار الحكم والنص ~~إليه ضرورة من غير عكس فإن المحل غير مفتقر إلى النص ولا إلى الحكم # وأما الفرع فهل هو نفس الحكم المتنازع فيه أو محله اختلفوا فيه فمن قال ~~بأن الأصل هو الحكم في الخمر قال الفرع هو الحكم في النبيذ # ومن قال أن الأصل هو المحل قال الفرع هو المحل وهو النبيذ وإن كان الأولى ~~أن يكون الفرع هو الحكم المتفرع على القياس والمحل أصل الحكم المفرع على ~~القياس فتسمية الخمر أصلا أولى من تسمية النبيذ فرعا من حيث إن الخمر أصل ~~للتحريم الذي هو الأصل بخلاف النبيذ فإنه أصل للفرع لا أنه فرع له # وأما الوصف الجامع فهو فرع في الحكم لكونه مستنبطا من محل حكم المنصوص ~~عليه فهو تبع للنص والحكم ومحله وهو أصل في الفرع لكون الحكم المتنازع فيه ~~في النبيذ مبنيا عليه # وتسمية الوصف الجامع في الفرع أصلا أولى من تسمية النص في الخمر والتحريم ~~ومحله أصلا للاختلاف في ذلك والاتفاق على كون الوصف في ذلك أصلا # وإذا عرف معنى القياس وأركانه فلنشرع في بيان أبوابه PageV03P211 ~~PageV03P212 الباب الأول في شرائط القياس ويشتمل على مقدمة وأقسام # أما المقدمة فاعلم أن القياس على ما سبق تعريفه يستدعي أركانا لا يتم ~~دونها وثمرة هي نتيجته فأما الأركان فهي أربعة الفرع المسمى بصورة محل ~~النزاع وهي الواقعة التي يقصد تعدية حكمها إلى الفرع والحكم الشرعي الخاص ~~بالأصل والعلة الجامعة بين الأصل والفرع # وأما ثمرته فحكم الفرع فإنه إذا تم القياس أنتج حكم الفرع وليس حكم الفرع ~~من أركان القياس إذ الحكم في الفرع متوقف على صحة القياس فلو كان ركنا منه ~~لتوقف على نفسه وهو محال # وعلى هذا فشروط القياس لا تخرج عن شروط هذه الأركان فمنها ما يعود إلى ~~الأصل ومنها ما يعود إلى الفرع وما يعود إلى الأصل فمنها ما يعود إلى حكمه ~~ومنها ما يعود إلى علته # فلنرسم في كل واحد منهما قسما PageV03P213 PageV03P214 # | القسم الأول ms651 في شرائط حكم الأصل # وهي ثمانية الشرط الأول أن يكون حكما شرعيا لأن الغرض من القياس الشرعي ~~إنما هو تعريف الحكم الشرعي في الفرع نفيا وإثباتا # فإذا لم يكن الحكم في الأصل شرعيا فلا يكون الغرض من القياس الشرعي حاصلا ~~كيف وإنه إذا كان قضية لغوية فقد بينا امتناع جريان القياس فيه في اللغات # الشرط الثاني يكون ثابتا غير منسوخ حتى يمكن بناء الفرع عليه وإلا ~~فبتقدير أن لا يكون ثابتا فلا ينتفع به ناظر ولا مناظر لأنه إنما تعدى ~~الحكم من الأصل إلى الفرع بناء على الوصف الجامع وذلك متوقف على اعتبار ~~الشارع له # فإذا لم يكن الحكم المرتب على وصفه ثابتا في الشرع فلا يكون معتبرا # الشرط الثالث أن يكون دليل ثبوته شرعيا لأن ما لا يكون دليله شرعيا لا ~~يكون حكما شرعيا # الشرط الرابع أن لا يكون حكم الأصل متفرعا عن أصل آخر وهذا ما ذهب إليه ~~أكثر أصحابنا والكرخي خلافا للحنابلة وأبي عبد الله البصري وذلك لأن العلة ~~الجامعة بينه وبين أصله إما أن تكون هي العلة الجامعة بينه وبين فرعه أو هي ~~غيرها PageV03P215 فإن كان الأول فالأصل الذي به الشهادة بالاعتبار إنما هو ~~الأصل الأخير لا الأصل الأول فليقع الرد إليه وإلا فهو تطويل من غير فائدة ~~وذلك كما لو قال الشافعي مثلا في السفرجل مطعوم فجرى فيه الربا قياسا على ~~التفاح ثم قاس التفاح في تحريم الربا على البر بواسطة الطعم أيضا # وإن كان الثاني وهو أن تكون العلة في القياسين مختلفة فلا تخلو إما أن ~~تكون العلة التي عدي بها الحكم من الأصل الممنوع حكمه إلى فرعه مؤثرة أي ~~ثابتة بنص أو إجماع أو مستنبطة منه فإن كان الأول فقد أمكن إثبات الحكم في ~~الفرع الأول بالعلة المؤثرة ولم يبق للقياس على الأصل الممنوع حكمه وقياسه ~~على الأصل الأخير حاجة بل هو تطويل غير مفيد # وإن كان الثاني وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة فسخ النكاح بالجذام عيب ~~يثبت به الفسخ في ms652 البيع فيثبت به الفسخ في النكاح قياسا على الرتق والقرن ~~ثم قاس الرتق والقرن عند توجيه منعه على الجب والعنة بواسطة فوات غرض ~~الاستمتاع به فلا يصح القياس فيه وذلك لأن الحكم في الفرع المتنازع فيه ~~أولا إنما يثبت بما ثبت به حكم أصله فإذا كان حكم أصله ثابتا بعلة أخرى وهي ~~ما استنبطت من الأصل الآخر فيمتنع تعدية الحكم بغيرها لأن غيرها لم يثبت ~~اعتبار الشارع له ضرورة أن الحكم الثابت معه ثابت بغيره بالاتفاق فلو ثبت ~~الحكم به في الفرع الأول مع عدم اعتباره كان ذلك إثباتا للحكم بالمعنى ~~المرسل الخلي عن الاعتبار وذلك ممتنع # وعلى هذا فإن قلنا بجواز تعليل الحكم الواحد بعلتين مع كونه ممتنعا كما ~~يأتي تقريره فهو ممتنع ها هنا حيث إنا قطعنا بأن العلة المستنبطة من الأصل ~~الممنوع مما لم يلتفت إليها الشارع في إثبات الحكم في أصلها للاتفاق على ~~ثبوته بغيرها # والجمع بين العلل إنما يكون حيث يمكن الظن باعتبار الشارع لها من إثبات ~~الحكم على وفقها # هذا كله إن كان حكم الأصل مقولا به من جهة المستدل ممنوعا من جهة المعترض ~~PageV03P216 وأما إن كان مقولا به من جهة المعترض ممنوعا من جهة المستدل ~~وذلك كما لو قال الحنفي في مسألة تعيين النية عندما إذا نوى النفل أتى بما ~~أمر به فوجب أن يصح كما إذا كان عليه فريضة الحج ونوى النفل فإن الحكم في ~~الأصل مما لا يقول به الحنفي بل الشافعي فلا يصح من المستدل بناء الفرع ~~عليه لأنه إما أن يذكر ذلك في معرض التقرير لمأخذ من هو منتم إليه أو في ~~معرض الإلزام للخصم فإن كان الأول فهو ممتنع لأنه إنما يعرف كون الوصف ~~الجامع مأخذا لأمامه بإثباته للحكم على وفقه وبالقياس على الأصل الذي لا ~~يقول به إمامه لا يعرف ذلك # وإن كان الثاني وذلك بأن يقول هذا هو عندك علة الحكم في الأصل المقيس ~~عليه وهو موجود في محل النزاع فيلزمك الاعتراف بحكمه وإلا فيلزم منه ms653 إبطال ~~المعنى وانتقاضه لتخلف الحكم عنه من غير معارض ويلزم من إبطال التعليل به ~~امتناع إثبات الحكم به في الأصل فهو أيضا ممتنع لوجهين الأول أن للمعترض أن ~~يقول الحكم في الأصل لم يكن عندي ثابتا على هذا الوصف بل بناء على غيره ~~ويجب تصديقه فيه لكونه عدلا والظاهر من حاله الصدق وهو أعرف بمأخذ مذهبه # الثاني أنه وإن كان الحكم في الأصل معللا بالوصف المذكور غير أن حاصل ~~الإلزام يرجع إلى إلزام المعترض بالتخطئة في الفرع بإثبات خلاف حكمه ضرورة ~~تصويبه في اعتقاد كون الوصف الجامع علة للحكم في الأصل المقيس عليه وهو غير ~~لازم إذ ليس تخطئته في الفرع ضرورة تصويبه في تعليل حكم الأصل بالوصف ~~المذكور أولى من تخطئته في تعليل حكم الأصل بالوصف المذكور وتصويبه في حكم ~~الفرع # الشرط الخامس أن لا يكون حكم الأصل معدولا به عن سنن القياس والمعدول به ~~عن سنن القياس على قسمين PageV03P217 # الأول ما لا يعقل معناه وهو على ضربين إما مستثنى من قاعدة عامة أو مبتدأ ~~به فالأول كقبول شهادة خزيمة وحده فإنه مع كونه غير معقول المعنى مستثنى من ~~قاعدة الشهادة # والثاني كأعداد الركعات وتقدير نصب الزكوات ومقادير الحدود والكفارات ~~فإنه مع كونه غير معقول المعنى غير مستثنى من قاعدة سابقة عامة # وعلى كلا التقديرين يمتنع فيه القياس # القسم الثاني ما شرع ابتداء ولا نظير له ولا يجري فيه القياس لعدم النظير ~~وسواء كان معقول المعنى كرخص السفر والمسح على الخفين لعلة دفع المشقة أو ~~هو غير معقول المعنى كاليمين في القسامة وضرب الدية على العاقلة ونحوه # الشرط السادس إذا كان حكم الأصل متفقا عليه فقد اختلفوا في كيفية الاتفاق ~~فمنهم من قال بأنه يكفي أن يكون ذلك متفقا عليه بين الفريقين لا غير # ومنهم من قال لا يكفي ذلك بل لا بد وأن يكون متفقا عليه بين الأمة وإلا ~~فإن كان متفقا عليه بين الفريقين فقط فلا يصح القياس عليه وسموه قياسا ~~مركبا # وقبل النظر في مأخذ الحجاج ms654 فلا بد من النظر في معنى القياس المركب ~~وأقسامه # أما القياس المركب فهو أن يكون الحكم في الأصل غير منصوص عليه ولا مجمع ~~عليه من الأمة وهو قسمان الأول مركب الأصل والثاني مركب الوصف # أما التركيب في الأصل فهو أن يعين المستدل علة في الأصل المذكور ويجمع ~~بها بينه وبين فرعه فيعين المعترض فيه علة أخرى ويقول الحكم عندي ثابت بهذه ~~العلة وذلك كما إذا قال في مسألة الحر بالعبد مثلا PageV03P218 عبد فلا ~~يقتل به الحر كالمكاتب فإن المكاتب غير منصوص عليه ولا مجمع عليه بين الأمة ~~لاختلاف الناس في وجوب القصاص على قاتله وإنما هو متفق عليه بين الشافعي ~~وأبي حنيفة وعند ذلك فللحنفي أن يقول العلة في المكاتب المتفق عليه المانعة ~~من جريان القصاص فيه عندي إنما هو جهالة المستحق من السيد أو الورثة # فإن سلم ذلك امتنعت التعدية إلى الفرع لخلو الفرع عن العلة وإن أبطل ~~التعليل بها فأنا أمنع الحكم في الأصل لأنه إنما ثبت عندي بهذه العلة وهي ~~مدرك إثباته ولا محذور في نفي الحكم لانتفاء مدركه إذ لم يلزم منه مخالفة ~~نص ولا إجماع وعلى كلا التقديرين فالقياس يكون ممتنعا إما لمنع حكم الأصل ~~وإما لعدم علة الأصل في الفرع # قال بعض الأصوليين وإنما سمي هذا النوع قياسا مركبا لاختلاف الخصمين في ~~علة الأصل وليس بحق # وإلا كان كل قياس اختلف في علة أصله وإن كان منصوصا أو متفقا عليه بين ~~الأمة مركبا وليس كذلك # والأشبه أنه إنما سمي بذلك لاختلاف الخصمين في تركيب الحكم على العلة في ~~الأصل فإن المستدل يزعم أن العلة الجامعة مستنبطة من حكم الأصل وهي فرع له ~~والمعترض يزعم أن الحكم في الأصل فرع على العلة وهي المثبتة له وأنه لا ~~طريق إلى إثباته سواها وأنها غير مستنبطة منه ولا هي فرع عليه ولذلك منع ~~ثبوت الحكم عند إبطالها وإنما سمي مركب الأصل لأنه نظير في علة حكم الأصل # وأما مركب الوصف فهو ما وقع الاختلاف فيه في وصف ms655 المستدل هل له وجود في ~~الأصل أو لا وذلك كما لو قال المستدل في مسألة تعليق الطلاق بالنكاح تعليق ~~فلا يصح قبل النكاح كما لو قال زينب التي أتزوجها طالق فللخصم أن يقول لا ~~نسلم وجود التعليق في الأصل بل هو تنجيز فإن ثبت أنه تعليق فأنا أمنع الحكم ~~وأقول بصحته كما في الفرع ولا يلزمني من المنع PageV03P219 محذور لعدم النص ~~عليه وإجماع الأمة وإنما سمي مركب الوصف لأنه خلاف في تعيين الوصف الجامع # وإذ أتينا على بيان معنى القياس المركب وأقسامه فنقول لا يخلو إما أن ~~ينظر في ذلك إلى الناظر المجتهد أو المناظر فإن كان الأول فإن كان له مدرك ~~في ثبوت حكم الأصل سوى النص والإجماع فالقياس صحيح لأنه إذا غلب على ظنه ~~صحة القياس فلا يكابر نفسه فيما أوجبه ظنه وإن لم يكن له مدرك سوى النص ~~والإجماع فالقياس متعذر لتعذر إثبات حكم الأصل وإن كان الثاني فالمختار بعد ~~إبطال ما يعارض به الخصم في القسم الأول من التركيب وتحقيق وجود ما يدعيه ~~في الأصل في القسم الثاني منه إنما هو التفصيل وهو أن الخصم إما أن يكون ~~مجتهدا أو مقلدا # فإن كان مجتهدا وظهر في نظره إبطال المدرك الذي بني عليه حكم الأصل فله ~~منع حكم الأصل # وعند ذلك فالقياس لا يكون منتفعا به بالنسبة إلى الخصم # وإن كان مقلدا فليس له منع الحكم في الأصل وتخطئة إمامه فيه بناء على ~~عجزه هو عن تمشية الكلام مع المستدل وذلك لاحتمال أن لا يكون ما عينه ~~المعترض هو المأخذ في نظر إمامه وبتقدير أن يكون هو المأخذ في نظر إمامه ~~فلا يلزم من عجز المقلد عن تقريره عجز إمامه عنه لكونه أكمل حالا منه وأعرف ~~بوجه ما ذهب إليه وتقريره # وقد قيل إنه وإن كان لا بد من تخطئة إمام المعترض إما في حكم الأصل أو ~~الفرع فليس للخصم تخطئة إمامه في حكم الأصل دون الفرع وليس بحق فإنه كما ~~أنه ليس للخصم تخطئة إمامه في ms656 حكم الأصل دون الفرع فليس للمستدل تخطئة إمام ~~المعترض في الفرع دون الأصل ولا أولوية PageV03P220 # فإن قيل بل تخطئته في الفرع أولى لوقوع الخلاف فيه بين إمام المستدل ~~وإمام المعترض بخلاف حكم الأصل فيقال كما أن الخلاف واقع في الفرع بين ~~الإمامين فالخلاف في الأصل أيضا واقع بين الأئمة إذ هو غير مجمع عليه # وليس موافقة إمام المستدل في الفرع أولى من موافقة المخالف في الأصل # الشرط السابع أن لا يكون الدليل الدال على إثبات حكم الأصل دالا على ~~إثبات حكم الفرع وإلا فليس جعل أحدهما أصلا للآخر أولى من العكس # الشرط الثامن اختلف الأصوليون في اشتراط قيام الدليل على تعليل حكم الأصل ~~وجواز القياس عليه نفيا وإثباتا # والمختار أنه إن أريد بالدليل الدال على ذلك أن يكون دليلا خاصا بذلك ~~الأصل من كتاب أو سنة أو إجماع فهو باطل # وإن أريد به أنه لا بد من قيام دليل على ذلك بجهة العموم والشمول فهو حق ~~وذلك لأنا سنبين أن كل أصل أمكن تعليل حكمه فإنه يجب تعليله وإنه يجوز ~~القياس عليه وذلك لأن مدرك كون القياس حجة إنما هو إجماع الصحابة على ما ~~يأتي # وقد علمنا من تتبع أحوالهم في مجاري اجتهاداتهم أنهم كانوا يقيسون الفرع ~~على الأصل عند وجود ما يظن كونه علة لحكم الأصل في الأصل فظن وجوده في ~~الفرع وإن لم يقم دليل خاص على وجوب تعليل حكم ذلك الأصل وجواز القياس عليه ~~حتى قال عمر لأبي موسى الأشعري اعرف الأشباه والأمثال ثم قس الأمور برأيك ~~ولم يفصل # وكذلك اختلفوا في قوله أنت علي حرام حتى قاسه بعضهم على الطلاق وبعضهم ~~على الظهار وبعضهم على اليمين # ولم ينقل نص خاص ولا إجماع على القياس على تلك الأصول ولا على جواز ~~تعليلها PageV03P221 PageV03P222 # | القسم الثاني في شروط علة الأصل # وقد اتفق الكل على جواز تعليل حكم الأصل بالأوصاف الظاهرة الجلية العرية ~~عن الاضطراب # وسواء أكان الوصف معقولا كالرضى والسخط أم محسا كالقتل والسرقة أم عرفيا ~~كالحسن والقبح # وسواء ms657 أكان موجودا في محل الحكم كما ذكر من الأمثلة أم ملازما له غير ~~موجود فيه كتحريم نكاح الأمة لعلة رق الولد لكن اختلفوا في شروط # فلنفرض في كل واحد منها مسألة # # | المسألة الأولى # ذهب الأكثرون إلى أن شرط علة الأصل أن لا يكون محل حكم الأصل ولا جزأ من ~~محله # وذهب آخرون إلى جوازه # والمختار إنما هو التفصيل وهو امتناع ذلك في المحل دون الجزء وذلك لأن ~~الكلام إنما هو واقع في علة أصل القياس فلو كانت العلة فيه هي محل حكم ~~الأصل بخصوصه لكانت العلة قاصرة لاستحالة كون محل حكم الأصل بخصوصه متحققا ~~في الفرع وإلا كان الأصل والفرع متحدا وهو محال # نعم إنما يمكن ذلك فيما إذا لم تكن علة حكم الأصل متعدية لأنه لا يعد في ~~استلزام محل الحكم لحكمة داعية إلى ذلك الحكم كاستلزام الأوصاف العامة لمحل ~~الأصل والفرع PageV03P223 # وأما الجزء فلا يمتنع التعليل به لاحتمال عموم الأصل والفرع # # | المسألة الثانية # اختلفوا في جواز كون العلة في الأصل بمعنى الأمارة المجردة # والمختار أنه لا بد وأن تكون العلة في الأصل بمعنى الباعث أي مشتملة على ~~حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم وإلا فلو كانت وصفا طرديا ~~لا حكمة فيه بل أمارة مجردة فالتعليل بها في الأصل ممتنع لوجهين الأول أنه ~~لا فائدة في الأمارة سوى تعريف الحكم والحكم في الأصل معروف بالخطاب لا ~~بالعلة المستنبطة منه # الثاني أن علة الأصل مستنبطة من حكم الأصل ومتفرعة عنه فلو كانت معرفة ~~لحكم الأصل لكان متوقفا عليها ومتفرعا عنها وهو دور ممتنع # # | المسألة الثالثة # ذهب الأكثرون إلى امتناع تعليل الحكم بالحكمة المجردة عن الضابط # وجوزه الأقلون # ومنهم من فصل بين العلة الظاهرة المنضبطة بنفسها والحكمة الخفية المضطربة ~~فجوز التعليل بالأولى دون الثانية وهذا هو المختار # أما إذا كانت الحكمة ظاهرة منضبطة غير مضطربة فلأنا أجمعنا على أن الحكم ~~إذا اقترن بوصف ظاهر منضبط مشتمل على حكمة غير منضبطة بنفسها أنه يصح ~~التعليل به وإن لم يكن ms658 هو المقصود من شرع الحكم بل ما اشتمل عليه من الحكمة ~~الخفية # فإذا كانت الحكمة وهي المقصود من شرع الحكم مساوية للوصف في الظهور ~~والانضباط كانت أولى بالتعليل بها # وأما إذا كانت الحكمة خفية مضطربة غير منضبطة فيمتنع التعليل بها لثلاثة ~~أوجه PageV03P224 الأول أنها إذا كانت خفية مضطربة مختلفة باختلاف الصور ~~والأشخاص والأزمان والأحوال فلا يمكن معرفة ما هو مناط الحكم منها والوقوف ~~عليه إلا بعسر وحرج ودأب الشارع فيما هذا شأنه على ما ألفناه منه إنما هو ~~رد الناس فيه إلى المظان الظاهرة الجلية دفعا للعسر عن الناس والتخبط في ~~الأحكام # ولهذا فإنا نعلم أن الشارع إنما قضى بالترخص في السفر دفعا للمشقة ~~المضبوطة بالسفر الطويل إلى مقصد معين ولم يعلقها بنفس المشقة لما كانت مما ~~يضطرب ويختلف # ولهذا فإنه لم يرخص للحمال المشقوق عليه في الحضر وإن ظن أن مشقته تزيد ~~على مشقة المسافر في كل يوم فرسخ وإن كان في غاية الرفاهية والدعة لما كان ~~ذلك مما يختلف ويضطرب # الثاني أن الإجماع منعقد على صحة تعليل الأحكام بالأوصاف الظاهرة ~~المنضبطة المشتملة على احتمال الحكم كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد ~~العدوان لحكمة الزجر أو الجبر وتعليل صحة البيع بالتصرف الصادر من الأهل في ~~المحل لحكمة الانتفاع وتعليل تحريم شرب الخمر وإيجاب الحد به لحكمة دفع ~~المفسدة الناشئة منه ونحوه ولو كان التعليل بالحكمة الخفية مما يصح لم ~~احتيج إلى التعليل بضوابط هذه الحكم والنظر إليها لعدم الحاجة إليها ولما ~~فيه من زيادة الحرج بالبحث عن الحكمة وعن ضابطها مع الاستغناء بأحدهما # الثالث أن التعليل بالحكمة المجردة إذا كانت خفية مضطربة مما يفضي إلى ~~العسر والحرج في حق المكلف بالبحث عنها والاطلاع عليها والحرج منفي بقوله ~~تعالى @QB@ وما جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ 22 الحج 78 ) غير أنا ~~خالفناه في التعليل بالوصف الظاهر المنضبط لكون المشقة فيه أدنى فبقينا ~~عاملين بعموم النص فيما عداه # فإن قيل ما ذكرتموه في جواز التعليل بالحكمة الظاهرة المنضبطة فهو فرع ~~إمكان ذلك ms659 وهو غير مسلم في الحكمة فإنها راجعة إلى الحاجات إلى PageV03P225 ~~المصالح ودفع المفاسد والحاجات مما تخفى وتزيد وتنقص فلا تكون ظاهرة ولا ~~منضبطة وإن سلمنا إمكان ذلك نادرا غير أنه يلزم من التوسل إلى معرفتها في ~~آحاد الصور لتعيين القليل منها نوع عسر وحرج لا يلزم في التوسل إلى معرفة ~~الضوابط الجلية والمظان الظاهرة المنضبطة المشتملة على احتمال الحكم في ~~الغالب وذلك مدفوع بقوله تعالى @QB@ وما جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ # وما ذكرتموه في امتناع التعليل بالحكمة الخفية أما الوجه الأول فالبحث عن ~~الحكمة الخفية وإن كان فيه نوع حرج ومشقة غير أنه لا بد منه عند التعليل ~~بالوصف الظاهر المشتمل عليها ضرورة أنها علة لكون الوصف علة ولولا اشتمال ~~الوصف عليها لما كان علة للحكم وإذا لم يكن بد من معرفتها في جعل الوصف علة ~~للحكم وقد جعلت علة للعلة أمكن أن تجعل علة للحكم من غير حاجة إلى ضابطها # وحيث لم تقض بالترخص في حق الحمال في الحضر دفعا للمشقة عنه فغايته ~~امتناع تعليل الرخصة بمطلق المشقة بل بالمشقة الخاصة بالسفر ولا يلزم من ~~ذلك امتناع التعليل بالحكمة مطلقا # وأما الوجه الثاني فغاية ما فيه جواز التعليل بالضابط المشتمل على الحكمة # وليس فيه ما يدل على امتناع التعليل بالحكمة # قولكم إنه لا حاجة إليه لا نسلم ذلك فإن الاطلاع عليه أسهل من الاطلاع ~~على الحكمة # وأما الوجه الثالث فهو أن الحرج اللازم عن البحث عن الحكمة الخفية وإن ~~كان شاقا غير أنه لا يزيد على البحث عنها عند التعليل بضابطها بل المشقة في ~~تعرفها مع تعرف ضابطها أشق من تعرفها دون ضابطها # وقد أجمعنا على مخالفة النص المذكور عند التعليل بالضابط وكانت مخالفته ~~عند التعليل بالحكمة لا غير أقل مشقة وحرجا فكان أولى بالمخالفة ~~PageV03P226 # والجواب عن الاعتراض الأول أن الكلام إنما هو مفروض فيما إذا كانت الحكمة ~~ظاهرة منضبطة بنفسها في بعض الصور لا فيما لم يكن قولهم إن الاطلاع عليها ~~والبحث عنها أشق من البحث عن ms660 الضابط ليس كذلك # فإنها إذا كانت ظاهرة منضبطة كالوصف فلا تفاوت # وعن الاعتراض الأول على الوجه الثاني أن البحث عن الحكمة عند تجردها عن ~~الضابط لا بد فيه من معرفة كميتها وخصوصيتها حتى نأمن من الاختلاف بين ~~الأصل والفرع فيها وذلك غير ممكن في الحكمة الخفية المضطربة ولا يكفي فيه ~~مجرد معرفة احتمالها بخلاف ما إذا كانت مضبوطة بضابط فإنا نكتفي بمعرفة ~~الضابط ومعرفة أصل احتمال الحكمة لا غير # ويدل على ذلك ما ذكرناه من الاستشهاد وما ذكروه عليه فهو اعتراف بامتناع ~~التعليل بمجرد الحكمة وهو المطلوب # وعن الاعتراض على الوجه الثاني أنه لو أمكن التعليل بالحكمة لما احتيج ~~إلى التعليل بالضابط قولهم إن الوقوف عليه أسهل من الوقوف على الحكمة ~~بمجردها # قلنا فيلزم من ذلك امتناع التعليل بالحكمة لما فيه من تأخير إثبات الحكم ~~الشرعي إلى زمان إمكان الاطلاع على الحكمة مع إمكان إثباته بالضابط في أقرب ~~زمان وذلك ممتنع # وعن الاعتراض على الوجه الثالث أنا لا نسلم التساوي في الحرج والمشقة في ~~البحث عن الحكمة مع ضابطها ومع خلوها عن الضابط # وذلك لأنا نفتقر في البحث عنها عند خلوها عن الضابط إلى معرفة خصوصيتها ~~وكميتها حتى نأمن من التفاوت فيها بين الأصل والفرع كما سبق ولا كذلك في ~~البحث عنها مع ضابطها فإنا لا نفتقر في البحث عنها إلى أكثر من معرفة أصل ~~احتمالها # ولا يخفى أن الحرج في تعرفها على جهة التفصيل أتم من تعرفها لا بجهة ~~التفصيل PageV03P227 # # | المسألة الرابعة # اختلفوا في جواز تعليل الحكم الثبوتي بالعدم فجوزه قوم ومنع منه آخرون ~~وشرطوا أن تكون العلة للحكم الثبوتي أمرا وجوديا وهو المختار وبيانه من ~~ثلاثة أوجه الأول أن الحكم بكون الوصف علة صفة وجودية لأن نقيض العلة ( لا ~~علة ) و ( لا علة ) أمكن أن يكون صفة لبعض الأعدام ولو كان المفهوم ( من لا ~~علة ) وجوديا لكان الوجود صفة للعدم وهو محال # وإذا كان ( لا علة ) عدما فالمفهوم من نقيضها وجودي # الوجه الثاني أنه يصح قول القائل أي ms661 شيء وجد حتى حدث هذا الأمر ولو لم ~~يكن الحدوث متوقفا على وجود شيء لما صح هذا الكلام # كما لو قال أي رجل مات حتى حدث لفلان هذا المال حيث لم يكن حدوث المال ~~لفلان متوقفا على ما قيل # الثالث وهو خاص بما إذا كان الحكم ثابتا بخطاب التكليف كالوجوب والحظر ~~ونحوه وهو أن يقال قد ثبت أن العلة المستنبطة من الحكم لا بد وأن تكون ~~بمعنى الباعث لا بمعنى الأمارة # والباعث ما اشتمل على تحصيل مصلحة أو تكميلها أو دفع مفسدة أو تعليلها ~~كما يأتي بيانه # فإذا كان الحكم ثابتا بخطاب التكليف لمثل هذا الغرض فلا بد وأن يكون ضابط ~~ذلك الغرض مقدورا للمكلف في إيجاده وإعدامه وإلا لما كان شرع ذلك الحكم ~~مفيدا لمثل ذلك الغرض لعدم إفضائه إلى الغرض المطلوب والعدم المحض لا ~~انتساب له إلى قدرة المكلف لا بإيجاد ولا إعدام فجعل ضابطا لغرض الحكم ~~ومقصوده لا يكون مفضيا إلى مقصود شرع الحكم فيمتنع التعليل به PageV03P228 # فإن قيل ما ذكرتموه من الوجه الأول معارض بما يدل على أن المفهوم من صفة ~~العلة عدم وبيانه من وجهين الأول أنه لو كانت صفة العلة أمرا وجوديا لم يخل ~~إما أن تكون واجبة لذاتها أو ممكنة الأول محال وإلا لما افتقرت إلى الموصوف ~~بها # والثاني يوجب افتقارها إلى علة مرجحة لها # والكلام في صفة تلك العلة كالكلام في الأولى وهو تسلسل ممتنع # الوجه الثاني أنه يصح وصف الأمر العدمي بكونه علة للأمر العدمي ولهذا يصح ~~أن يقال إنما لم أسلم على فلان لأني لم أره وإنما لم أفعل كذا لعدم الداعي ~~إليه # وأما الوجه الثاني فليس فيه دلالة على توقف حدوث ذلك الأمر على تجدد وجود ~~أمر آخر # ولهذا فإنه يصح أن يقال أي شيء صنع هذا حتى حدث له هذا المال وإن لم يكن ~~حصول المال له موقوفا على صنع من جهته لجواز حدوثه له عن إرث أو وصية # وإن سلمنا دلالته على التوقف على الأمر الوجودي غير ms662 أنه معارض بما يدل ~~على صحة تعليل الأمر الوجودي بالأمر العدمي # وبيانه أنه يصح أن يقال ضرب فلان عبده لأنه لم يمتثل أمره وشتم فلان ~~فلانا لأنه لم يسلم عليه وهو تعليل للأمر الوجودي بالأمر العدمي # وأما الوجه الثالث فهو وإن سلمنا أن العلة لا بد وأن تكون بمعنى الباعث ~~وأن الباعث عبارة عما ذكرتموه ولكن لا نسلم امتناع كون الوصف العدمي باعثا ~~وذلك لأنا أجمعنا على جواز التعليل بالوصف الوجودي الظاهر المنضبط إذا كان ~~يلزم من ترتيب الحكم على وفقه تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة ظاهرا فالعدم ~~المقابل له يكون أيضا ظاهرا منضبطا ويكون مشتملا على نقيض ما اشتمل عليه ~~الوصف الوجودي وهو لا يخرج عن المصلحة أو المفسدة لأنه إن كان ما اشتمل ~~عليه الوصف الوجودي مصلحة فعدمه يلزمه PageV03P229 عدم تلك المصلحة وعدم ~~المصلحة مفسدة وإن كان ما اشتمل عليه الوصف الوجودي مفسدة فعدمه يلزمه عدم ~~تلك المفسدة وعدم المفسدة مصلحة وهو مقدور للمكلف لأنه إذا كان مقابله وهو ~~الوصف الوجودي مقدورا فلا معنى لكونه مقدورا إلا أنه مقدور على إيجاده ~~وإعدامه فإذا العدم المقابل للوجود مقدور وإذا كان مقدورا وهو ظاهر منضبط ~~مشتمل على مصلحة أو مفسدة فقد أمكن التعليل به كما أمكن التعليل بالوصف ~~الوجودي # والجواب عن الأول أن ما ذكروه من لزوم التسلسل بتقدير كون العلية صفة ~~وجودية لازم بتقدير كونها عدمية وذلك لأن المفهوم من صفة العلية إذا كان ~~أمرا عدميا فإما أن يكون واجبا لنفسه ومفهومه أو ممكنا لا جائز أن يكون ~~واجبا لذاته ولا لما افتقر في تحقيقه إلى نسبته إلى ذات العلة وكونه وصفا ~~لها وإن كان ممكنا فلا بد له من علة مرجحة # والتسلسل لازم له وعند ذلك فالجواب يكون متحدا # وما ذكروه من الاحتجاج ثانيا فلا يصح # وذلك لأن وجود الداعي إلى الفعل شرط لوجود الفعل # وكذلك الرؤية لزيد شرط في السلام عليه لا أن ذلك علة له وإنما أضيف عدم ~~الأثر إليه بلام التعليل بجهة التجوز لمشابهته للعلة ms663 في افتقار الأثر إلى ~~كل واحد منهما # ولذلك يقال في صورة تعليق الطلاق والعتق بدخول الدار إنما طلقت الزوجة ~~وعتق العبد لدخول الدار ويجب حمل ذلك على جهة التجوز جمعا بينه وبين ما ~~ذكرناه من الدليل # قولهم على الوجه الثاني ليس فيه دلالة على توقف الحدوث عل تجدد الوجود ~~قلنا دليله ما ذكرناه وما ذكروه من الاستشهاد # فإنما صح بناء على الظاهر من جهة أن الغالب في حدوث المال لبعض الأشخاص ~~أن يكون مستندا إلى صنعة لا إلى ما ذكروه # ونحن إنما نتمسك في هذا الوجه بالظاهر لا بالقطع PageV03P230 # وما ذكروه من المعارضة الدالة على تعليل الأمر الوجودي بالأمر العدمي غير ~~صحيح # فإن المعلل به ليس هو العدم المحض فإنه غير منتسب إلى فعل الشخص فلا يحسن ~~جعله علة للعقاب لا عقلا ولا شرعا وإنما التعليل بالامتناع عن ذلك وكف ~~النفس عنه وهو أمر وجودي لا عدمي # وما ذكروه على الوجه الثالث فحاصله راجع إلى التعليل بالإعدام المقدور ~~وهو أمر وجودي لا بالعدم المحض الذي لا قدرة للمكلف عليه # وذلك غير ما وقع فيه النزاع # وإذا عرف امتناع تعليل الوجود بالعدم المحض مما ذكرناه فبمثله يعلم أن ~~العدم لا يكون جزأ من العلة المقتضية للأمر الوجودي ولا داخلا فيها # والوجه في الاعتراض على ذلك والانفصال فعلى ما تقدم # ويخصه اعتراض آخر وهو أن انتفاء معارضة المعجزة بمثلها جزء من المعرف ~~لكونها معجزة # وكذلك الدوران فإنه معرف لعلية المدار وأحد أجزاء الدوران العدم مع العدم # وجوابه أنا لا نسلم أن العدم فيما ذكروه من صور الاستشهاد جزء من المعرف ~~بل شرط والشرط غير الجزء # وإذا عرف امتناع تعليل الحكم الثبوتي بالعدم المحض وامتناع جعله جزأ من ~~العلة لزم امتناع التعليل بالصفات الإضافية وذلك لأن المفهوم من الصفة ~~الإضافية إما أن يكون وجودا أو عدما لا جائز أن يكون وجودا لأن الصفة ~~الإضافية لا بد وأن تكون صفة للمضاف ويلزم من ذلك قيام الصفة الوجودية ~~بالمعدوم المحض وهو محال # وبيان لزوم ذلك ms664 أن الإضافة الواقعة بين المتناقضين وبين المتقدم والمتأخر ~~قائمة لكل واحد من الأمرين وأحد المتقابلين مما ذكرناه لا بد وأن يكون ~~معدوما # وإذا بطل أن يكون المفهوم من الإضافة وجودا تعين أن يكون عدما ~~PageV03P231 # # | المسألة الخامسة # اختلفوا في جواز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي فجوزه قوم ومنع منه ~~آخرون # وشرطوا في العلة أن لا تكون حكما شرعيا # ونحن نشير إلى مأخذ الفريقين وننبه على ما فيه ثم نذكر بعد ذلك ما هو ~~المختار فأما من قال بأن الحكم يجوز أن يكون علة للحكم فقد احتجوا عليه بأن ~~أحد الحكمين قد يكون دائرا مع الحكم الآخر وجودا وعدما # والدوران دليل كون المدار عليه للدائر وسنبين أن الدوران لا يدل على ~~التعليل فيما بعد # وأما القائلون بامتناع التعليل بالحكم فقد احتجوا بأن الحكم إذا كان علة ~~لحكم آخر فإما أن يكون متقدما عليه أو متأخرا عنه أو مقارنا له لا جائز أن ~~يقال بالأول وإلا لزم منه وجود العلة مع تخلف حكمها عنها وهو نقض للعلة # ولا جائز أن يقال بالثاني لأن المتأخر لا يكون علة للمتقدم # وإن كان الثالث فليس جعل أحدهما علة للآخر أولى من العكس # وأيضا فإنه يحتمل أن لا يكون لحكم الأصل علة ويحتمل أن يكون # وإذا كان معللا احتمل أن لا يكون الحكم به هو العلة واحتمل أن يكون وعلى ~~هذا فلا يكون علة على تقديرين وإنما يكون علة على تقدير واحد ولا يخفى أن ~~وقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد # وأيضا فإنه لو كان الحكم علة للحكم فإما أن يكون علة بمعنى الإمارة ~~المعرفة أو بمعنى الباعث لا جائز أن يقال بالأول لما سبق # ولا جائز أن يقال بالثاني لأن القول بكون الحكم داعيا وباعثا على الحكم ~~محال خارق للإجماع # ولقائل أن يقول أما الحجة الأولى فلا نسلم امتناع التقدم PageV03P232 # قولهم يلزم منه نقض العلة ليس كذلك فإن الحكم لم يكن علة لنفسه وذاته بل ~~إنما يصير علة باعتبار الشرع له بقران الحكم ms665 الآخر به وذلك كما في تعليل ~~تحريم شرب الخمر بالشدة المطربة فإن الشدة المطربة وإن كانت متقدمة على ~~التحريم فلا يقال إنها علة قبل اعتبارها من الشرع بقران التحريم بها فلا ~~تكون منتقضة بتخلف التحريم عنها قبل ورود الشرع # وإن سلمنا امتناع التقدم فما المانع أن يكون مقارنا قولهم ليس جعل أحد ~~المقترنين علة للآخر أولى من العكس ليس كذلك فإن الكلام إنما هو مفروض فيما ~~إذا كان أحد الحكمين مناسبا للحكم الآخر من غير عكس وإلا فمع قطع النظر عن ~~جهة البعث في أحد الحكمين فلا يكون علة # وما ذكروه من الترجيح فهو لازم عليهم في التعليل بالأوصاف الحقيقة وما هو ~~جواب ثم فهو الجواب فيما نحن فيه # وأما الحجة الثانية فالمختار من قسميها أنه علة بمعنى الباعث # قولهم إنه ممتنع خارق للإجماع دعوى مجردة لا دليل عليها # وعند هذا فنقول المختار أنه يجوز أن يكون الحكم علة للحكم بمعنى الإمارة ~~المعرفة لكن لا في أصل القياس بل في غيره فقد حرمت كذا فإنه لا يمتنع أن ~~يقول الشارع مهما رأيتم أنني حرمت كذا فقد حرمت كذا ومهما أبحت كذا فقد ~~أبحث كذا # كما لو قال مهما زالت الشمس فصلوا ومهما طلع هلال رمضان فصوموا # وأما في أصل القياس فقد بينا أنه لا يجوز أن تكون العلة فيه بمعنى ~~الإمارة المعرفة بل بمعنى الباعث فإذا كان الحكم علة لحكم أصل القياس فلا ~~بد وأن يكون باعثا عليه # وعلى هذا فحكم الأصل إما أن يكون حكما تكليفيا أو ثابتا بخطاب الوضع ~~والأخبار PageV03P233 # فإن كان ثابتا بخطاب التكليف امتنع أن يكون الحكم الشرعي علة له لأنه غير ~~مقدور للمكلف لا في إيجاده ولا في إعدامه فلا يصلح أن يكون علة لما ذكرناه ~~في امتناع التعليل بالوصف العدمي وبما ذكرناه أيضا يمتنع تعليله بالوصف ~~العرفي والتقديري والوصف الوجودي الذي لا قدرة للمكلف على تحصله كالشدة ~~المطربة والطعم والتعدية والصغر ونحوه # وأما إن كان حكم الأصل ثابتا بخطاب الوضع والأخبار فلا بد وأن ms666 يكون الحكم ~~المعلل به باعثا على حكم الأصل إما لدفع مفسدة لزمت من شرع الحكم # مصلحة تلزم منه فإن كان الأول فيمتنع أن يكون الحكم علة لأن المفسدة ~~اللازمة من الحكم المعلل به كانت مطلوبة الانتفاء بشرع حكم الأصل لما شرع ~~الحكم المعلل به لما يلزم من شرعه من وجوه مفسدة مطلوبة الانتفاء للشارع ~~وإن كان الثاني فلا يمتنع تعليل الحكم بالحكم فإنه لا يمتنع أن يكون ترتيب ~~أحد الحكمين على الآخر يستلزم حصول مصلحة لا يستقل بها أحدهما فقد ينحل من ~~هذه الجملة أن إطلاق القول بامتناع التعليل بالحكم الشرعي وجوازه ممتنع بل ~~لا بد من النظر إلى ما ذكرناه لما ذكرناه من التفصيل # # | المسألة السادسة # اشترط قوم أن تكون العلة ذات وصف واحد لا تركيب فيه كتعليل تحريم الخمر ~~بالإسكار ونحوه # ومنع من ذلك الأكثرون وهو المختار وذلك كتعليل وجوب القصاص بالمحدد ~~بالقتل العمد العدوان # ودليله أنه لا يمتنع أن تكون الهيئة الاجتماعية من الأوصاف المتعددة مما ~~يقوم الدليل على ظن التعليل بها إما بمناسبة أو شبه أو سبر وتقسم أو غير ~~ذلك من طرق الاستنباط والتخريج مع اقتران الحكم بها حسب دلالته على علية ~~الوصف الواحد فكانت علة PageV03P234 # فإن قيل ما ذكرتموه وإن دل على جواز التعليل بعلة ذات أوصاف غير أنه ~~معارض بما يدل على امتناعه # وبيانه من أربعة أوجه المعارضة الأولى أن مجموع الأوصاف إذا كان علة ~~للحكم فالعلية صفة زائدة على مجموع تلك الأوصاف # ودليله أمران الأول أنا نعقل الهيئة الاجتماعية من الأوصاف ونجهل كونها ~~علة والمعلوم غير المجهول # الثاني أنه يحسن أن يقال الهيئة الاجتماعية من الأوصاف علة فنصفها بها ~~والصفة يجب أن تكون غير الموصوف # وعند ذلك فإما أن تكون صفة العلية بتمامها قائمة بكل واحد من الأوصاف أو ~~بواحد منها أو أنها مع اتحادها قائمة بالمجموع كل بعض منها قائم بوصف لا ~~جائز أن يقال بالأول وإلا كان كل وصف علة مستقلة لأن العلة مجموع الأوصاف ~~وهو خلاف الفرض كيف وإن ms667 ذلك محال كما يأتي # وإن قيل بالثاني فالعلة ذلك الوصف الذي قامت به صفة العلية لا مجموع ~~الأوصاف وهو أيضا خلاف الفرض # ولا جائز أن يقال بالثالث لأن صفة العلية متحدة فيلزم من ذلك تعدد المتحد ~~لقيامه بالمتعدد أو اتحاد المتعدد وهو محال # المعارضة الثانية أنه لو كانت العلية صفة لأوصاف متعددة فهي متوقفة على ~~كل واحد من تلك الأوصاف ويلزم من ذلك أن يكون عدم كل وصف منها علة مستقلة ~~لعدم صفة العلية ضرورة انتفائها عند عدمه وذلك محال لوجهين الأول أنه إذا ~~انتفت جميع الأوصاف فإما أن يكون عدم كل وصف علة مستقلة لعدم العلية أو ~~البعض دون البعض أو أنه لا واحد منها مستقل بل المستقل الجميع PageV03P235 # لا جائز أن يقال بالأول لأن معنى استقلال عدم كل واحد من الأوصاف بعدم ~~العلية لا معنى له سوى أنه المفيد لذلك دون غيره ويلزم من ذلك امتناع ~~استقلال كل واحد منها # ولا جائز أن يقال بالثاني لأنه لا أولوية لاختصاص البعض بذلك دون البعض # ولا جائز أن يقال بالثالث لما فيه من إخراج كل واحد من تلك الأوصاف عن ~~الاستقلال بالعلية وقد قيل إنه مستقل # الوجه الثاني أنه إذا كان عدم كل وصف منها يستقل عند انفراده بعدم العلية ~~فبتقدير انتفاء العلية عند انتفاء بعض الأوصاف يلزم منه أنه إذا انتفى بعد ~~ذلك وصف آخر من تلك الأوصاف أن لا يكون موجبا لعدم العلية لكونها معدومة ~~ويلزم من ذلك نقض العلة العقلية وهو محال # المعارضة الثالثة أنه لا يخلو إما أن يكون كل واحد من تلك الأوصاف مناسبا ~~للحكم أو لا واحد منها مناسب له أو المناسب البعض دون البعض # فإن كان الأول فيلزم من مناسبة كل واحد للحكم مع اقتران الحكم به أن يكون ~~مستقلا بالتعليل وعند ذلك فالحكم إما أن يضاف إلى كل واحد على سبيل ~~الاستقلال أو إلى البعض دون البعض أو إلى الجملة والكل محال لما تقدم في ~~المعارضة السابقة # وإن كان الثاني فضم ما ms668 لا يصلح للتعليل إلى ما يصلح له لا يكون مفيدا ~~للتعليل # وإن كان الثالث فذلك هو العلة المستقلة لمناسبته وقران الحكم به ولا مدخل ~~لغيره في التعليل # المعارضة الرابعة أن كل واحد من الأوصاف إذا لم يكن علة عند انفراده فعند ~~انضمامه إن تجددت صفة العلية له فلا بد من تجدد أمر يقتضي العلية # وذلك الأمر المتجدد لا بد له من علة متجددة توجبه والكلام PageV03P236 في ~~ذلك المتجدد كالكلام في الأول وهو تسلسل ممتنع # الجواب عن المعارضة الأولى من ثلاثة أوجه الأول أنه لا معنى لكون مجموع ~~الأوصاف علة سوى أن الشارع قضى بالحكم رعاية لما اشتملت عليه الأوصاف من ~~الحكمة # وليس ذلك صفة لها فلا يلزم ما ذكروه # الثاني أنه إن كانت العلية صفة وجودية فممنوع وبيانه من وجهين الأول أنها ~~لو كانت صفة وجودية لكانت عرضا والصفات المعلل بها أعراض والعرض لا يقوم ~~بالعرض كما بيناه في أبكار الأفكار وغيره # الثاني أنها صفة إضافية وقد بينا فيما تقدم أن المفهوم من الصفة الإضافية ~~غير وجودي وما ذكروه من المحال إنما يلزم بتقدير كونها صفة وجودية وليس ~~كذلك غير أن هذين الجوابين يناقضان ما ذكر من الوجه الأول في امتناع ~~التعليل بالعدم # الثالث أن ما ذكروه منتقض بكون القول المخصوص خبرا أو استخبارا أو وعدا ~~أو وعيدا أو غير ذلك مع تعدل ألفاظه وحروفه فإن كل ما ذكروه من الأقسام ~~بعينه متحقق فيه # ومع ذلك لم يمتنع وصفه بما وصف به # فما هو الجواب ها هنا يكون جوابا في محل النزاع # وعن الثانية أنها مبنية على كون عدم الأوصاف علة لعدم العلية # وليس كذلك لوجهين الأول أن العدم لا يصلح أن يكون علية لما تقدم # الثاني أن وجود كل واحد من الأوصاف شرط في تحقق العلية فانتفاء ~~PageV03P237 العلية عند انتفاء بعض الأوصاف أو كلها إنما هو لانتفاء الشرط ~~لا لعلة عدم العلية # وعن الثالثة أنه وإن لم يكن كل واحد من الأوصاف مناسبا للحكم مناسبة ~~استقلال فلا يمتنع أن ms669 تكون مناسبة الاستقلال ناشئة أو ملازمة للهيئة ~~الاجتماعية من الأوصاف كما في القتل العمد العدوان بالنسبة إلى وجوب القصاص ~~ونحوه # وعن الرابعة أن المتجدد والمستلزم للعلية إنما هو الانضمام الحادث ~~بالفاعل المختار فلا تسلسل ثم يلزم على ما ذكروه تجدد الهيئة الاجتماعية من ~~الأوصاف المتعددة فإنها غير متحققة في كل واحد واحد من الأوصاف مع لزوم ما ~~ذكروه # فما هو الجواب عن تجدد الهيئة الاجتماعية يكون جوابا عن تجدد صفة العلية # # | المسألة السابعة # اتفق الكل على أن تعدية العلة شرط في صحة القياس وعلى صحة العلة القاصرة ~~كانت منصوصة أو مجمعا عليها وإنما اختلفوا في صحة العلة القاصرة إذا لم تكن ~~منصوصة ولا مجمعا عليها # وذلك كتعليل أصحاب الشافعي حرمة الربا في النقدين بجوهرية الثمينة فذهب ~~الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل والقاضي أبو بكر والقاضي عبد الجبار وأبو ~~الحسين البصري وأكثر الفقهاء والمتكلمين إلى صحتها وذهب أبو حنيفة وأصحابه ~~وأبو عبد الله البصري والكرخي إلى إبطالها PageV03P238 # والمختار صحتها # وقد احتج القائلون بذلك بمسالك المسلك الأول أنهم قالوا تعدية العلة إلى ~~الفرع موقوف على صحتها في نفسها فلو كانت صحتها متوقفة على تعديتها كان ~~دورا ممتنعا # ولقائل أن يقول إن أردتم بالتعدية الموقوفة على صحة العلة ثبوت الحكم بها ~~في الفرع فهو مسلم وإن أردتم بالتعدية نقول بأن التعدية بالاعتبار الأول ~~شرط في صحة العلة ليكون دورا وإنما نقول بأن شرط صحة العلة التعدية ~~بالاعتبار الثاني وهو غير مفض إلى الدور فإن صحة العلة وإن كانت مشروطة ~~بوجودها في غير محل النص فوجودها غير متوقف على صحتها في نفسها فلا دور وإن ~~سلمنا توقف التعدية على الصحة وتوقف الصحة على التعدية فإنما يلزم الدور أن ~~لو كان ذلك التوقف مشروطا بتقدم كل واحد من الأمرين على الآخر وأما إذا كان ~~ذلك بجهة المعية كما في توقف كل واحد من المضافين على الآخر فلا دور # المسلك الثاني أنهم قالوا إذا دار الحكم مع الوصف القاصر وجودا وعدما دل ~~على كونه علة كالمتعدي ms670 وهو غير صحيح لما سنبينه من إبطال التمسك بالدوران # المسلك الثالث أنهم قالوا إذا جاز أن تكون علة عند دلالة النص عليها جاز ~~أن يكون علة بالاستنباط وهو غير صحيح أيضا # وذلك لأن عليتها عند دلالة النص مستفادة من النص ودلالة النص عليها غير ~~متحققة حالة استنباطها فلا يلزم أن تكون علة # فإن قيل إذا دل النص على علية الوصوف القاصر وجب الحكم بعلية المستنبط ~~لما بينهما من الاشتراك في الحكمة قلنا هذا قياس في الأسباب وسيأتي إبطاله ~~PageV03P239 # والمعتمد في ذلك أن يقال إذا كان الوصف القاصر مناسبا للحكم والحكم ثابت ~~على وفقه غلب على الظن كونه علة للحكم بمعنى كونه باعثا عليه ولا معنى لصحة ~~العلة سوى ذلك # فإن قيل القضاء بصحة العلة يستدعي فائدة فإن ما لا فائدة فيه لا يمكن ~~القضاء بصحته وفائدة العلة إنما هي في إثبات الحكم بها والعلة القاصرة غير ~~مثبتة للحكم في الأصل لكونه ثابتا بالنص أو الإجماع ولأنها مستنبطة منه ~~فتكون فرعا عليه فلو كانت مثبتة له لكان فرعا عليها وهو دور ولا هي مثبتة ~~للحكم في الفرع لعدم تعديتها # فقد تعرت عن الفائدة بالكلية فلا تكون صحيحة قلنا وإن سلمنا امتناع إثبات ~~الحكم بالعلية القاصرة وأن إثبات الحكم بها فائدة لها ولكن لا نسلم انحصار ~~فائدتها في ذلك بل لها ثلاث فوائد أخر الأولى معرفة كونها باعثة على الحكم ~~بما اشتملت عليه من المناسبة أو الشبه وإذا كانت باعثة على الحكم كان الحكم ~~معقول المعنى وكان أدعى إلى الانقياد وأسرع في القبول له مما لم يظهر فيه ~~الباعث وكان تعبدا وإذا كان كذلك كان أفضى إلى تحصيل مقصود الشرع من شرع ~~الحكم فكان التعليل بها مفيدا # الثانية أن العلة إذا كانت قاصرة فبتقدير ظهور وصف آخر متعد في محلها ~~يمتنع تعدية الحكم به دون ترجيحه على العلة القاصرة وذلك من أجل الفوائد # الثالثة أنه إذا كانت القاصرة علة وعرفناها فقد امتنع بسببها تعدية الحكم ~~إلى الفرع وذلك أيضا من أتم الفوائد ms671 # فإن قيل وإن كان ما ذكرتموه من جملة الفوائد وأن ذلك مما يغلب على الظن ~~الصحة غير أن العمل بالظن على خلاف قوله تعالى @QB@ وإن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا @QE@ PageV03P240 وحيث خالفناه في العلة المتعدية لاشتمالها على ~~ما ذكرتموه من الفوائد وزيادة فائدة التعدية فلا يلزم منه المخالفة فيها ~~دون ذلك # قلنا يجب حمل الآية على ما المطلوب فيه القطع جمعا بينه وبين ما ذكرناه ~~من الدليل سلمنا أنه لا فائدة في العلة القاصرة ولكن لا يلزم من ذلك امتناع ~~القضاء بصحتها بدليل ما لو كانت منصوصة # # | المسألة الثامنة # اختلفوا في جواز تخصيص العلة المستنبطة فجوزه أكثر أصحاب أبي حنيفة ومالك ~~وأحمد بن حنبل ومنع من ذلك أكثر أصحاب الشافعي # وقد قيل إنه منقول عن الشافعي # ثم القائلون بجواز تخصيصها اتفقوا على جواز تخصيص العلة المنصوصة ~~PageV03P241 واختلفوا في جواز تخصيص المستنبطة إذا لم يوجد في محل التخلف ~~مانع ولا فوات شرط فمنع منه الأكثرون وجوزه الأقلون # والقائلون بالمنع في تخصيص العلة المستنبطة اختلفوا في جواز تخصيص العلة ~~المنصوصة # والمختار إنما هو التفصيل وهو أن يقال العلة الشرعية لا تخلو إما أن تكون ~~قطعية أو ظنية فإن كانت قطعية فتخلف الحكم عنها لايخلو إما أن يكون لا ~~بدليل أو بدليل # لا جائز أن يقال بالأول لأنه محال # وإن كانت ظنية فتخلف الحكم عنها إما في معرض الاستثناء أو لا في معرض ~~الاستثناء فإن كان الأول كتخلف إيجاب المثل في لبن المصراة عن العلة ~~الموجبة له وهي تماثل الأجزاء بالعدول إلى إيجاب صاع من التمر وتخلف وجوب ~~الغرامة عمن صدرت عنه الجناية في باب ضرب الدية على العاقلة وتخلف حكم ~~الربا مع وجود الطعم في العرايا ونحوه فذلك مما لا يدل على بطلان العلة بل ~~تبقي حجة فيما وراء صورة الاستثناء وسواء كانت العلة المخصوصة منصوصة أو ~~مستنبطة وذلك لأن الدليل من النص أو الاستنباط قد دل على كونها علة وتخلف ~~الحكم حيث ورد بطريق الاستثناء عن قاعدة القياس كان مقررا ms672 لصحة العلة لا ~~ملغيا لها # وأما إن كان تخلف الحكم عنها لا بطريق الاستثناء فلا يخلو إما أن تكون ~~العلة منصوصة أو مستنبطة فإن كانت منصوصة فلا يخلو PageV03P242 # إما أن يمكن حمل النص على أن الوصف المنصوص عليه بعض العلة وذلك كتعليل ~~انتقاض الوضوء بالخارج من غير السبيلين مأخوذا من قوله عليه السلام الوضوء ~~مما خرج فإنه إذا تخلف عنه الوضوء في الحجامة أمكن أخذ قيد الخارج من ~~السبيلين في العلة وتأويل النص بصرفه عن عموم الخارج النجس إلى الخارج من ~~المخرج المعتاد أو حمله على تعليل حكم آخر غير الحكم المصرح به في النص ~~وذلك قوله تعالى @QB@ يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين @QE@ 59 الحشر ~~2 ) معللا بقوله تعالى @QB@ ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله @QE@ 59 الحشر 4 ) ~~فإن الحكم المعلل المصرح به إنما هو خراب البيت وليس كل من شاق الله ورسوله ~~يخرب بيته فأمكن حمل الخراب على استحقاق الخراب وجد الخراب أو لم يوجد # أو أنه لا يمكن ذلك فإن أمكن تأويل النص بالحمل على معنى خاص أو حكم آخر ~~خاص وجب التأويل لما فيه من الجمع بين دليل التعليل بتأويله ودليل إبطال ~~العلة المذكورة # وإن لم يمكن تأويله بغير الوصف المذكور والحكم المرتب عليه فغايته امتناع ~~إثبات حكم العلية لما عارضها من النص النافي لحكمها والعلة المنصوصة في ~~معنى النص وتخلف حكم النص عنه في صوره لما عارضه لا يوجب إبطال العمل به في ~~غير صورة المعارضة فكذلك العلة المنصوصة # وأما إن كانت العلة مستنبطة فتخلف الحكم عنها إما أن يكون لمانع أو فوات ~~شرط أو لا يكون فإن كان الأول وذلك كما في تعليل إيجاب القصاص على القاتل ~~بالقتل العمد العدوان وتخلف الحكم عنه في الآب والسيد بمانع الأبوة ~~والسيادة فلا يكون ذلك مبطلا للعلية فيما وراء صورة المخالفة لأن دليل ~~الاستنباط قد دل على العلية بالمناسبة والاعتبار وقد أمكن إحالة نفي الحكم ~~على ما ظهر من المانع لا على إلغاء العلة فيجب الحمل عليه جمعا بين ms673 الدليل ~~الدال على العلة والدليل الدال عل مانعية الوصف النافي للحكم فإن الجمع بين ~~الأدلة أولى من إبطالها PageV03P243 # ولا يخفى أن القول بإبطال العلة يتخلف الحكم عنها مما يلزم منه إبطال ~~الدليل الدال على العلة والدليل الدال على مانعية المانع فكان القول بإحالة ~~نفي الحكم على المانع أولى # فإن قيل لا نسلم أن المناسبة وقران الحكم بها فقط دليل العلية بل مع ~~الاطراد وإن سلمنا ذلك لكن لا نسلم إمكان تعليل انتفاء الحكم بالمانع ~~لوجهين الأول أن تعليل انتفاء الحكم بالمانع أو فوات الشرط في صورة التخلف ~~يتوقف على وجود المقتضي للحكم فيها فإنه لو لم يكن المقتضي للحكم موجودا ~~فيها لكان الحكم منتفيا لانتفاء المقتضي لا للمانع ولا لفوات الشرط والقول ~~بكون الوصف المذكور علة يتوقف في صورة التخلف على وجود المانع أو فوات ~~الشرط فإنا إذا لم نتبين وجود المانع ولا فوات الشرط فالحكم يجب أن يكون ~~منتفيا لانتفاء ما يقتضيه وعند ذلك نتبين أن الوصف المذكور ليس بعلة وإذا ~~توقف كل واحد من المقتضي والمانع على الآخر كان دورا ممتنعا وهذا الامتناع ~~إنما لزم من التعليل بالمانع أو فوات الشرط في صورة التخلف فكان ممتنعا # الوجه الثاني أن انتفاء الحكم في صورة التخلف كان متحققا قبل وجود المانع ~~وفي تعليله بالمانع تعليل المتقدم بالمتأخر وهو محال وسواء كان المانع ~~بمعنى الإمارة أو الباعث # قلنا جواب الأول أنا إذا رأينا الوصف مناسبا والحكم مقترنا به غلب على ~~الظن تأول النظر إليه أنه علة مع قطع النظر عن البحث في جميع مجاري العلة ~~هل الحكم مقارن لها أو لا # وأما الاطراد فحاصله يرجع إلى السلامة عن النقص المعارض لدليل العلية ~~وعدم المعارض عن داخل في دليل العلية وعن الدور من ثلاثة أوجه الأول لا ~~نسلم أن تعليل انتفاء الحكم بالمانع يستدعي وجود المقتضي # ودليله أنه يصح انتفاؤه بالمانع مع وجود المقتضي ومع كون المقتضي ~~PageV03P244 معارضا للمانع فلأن يصح تعليل النفي به مع عدم المقتضي كان ~~أولى # الثاني وإن سلمنا ms674 توقف التعليل بالمانع على وجود المقتضي ولكن لا نسلم ~~توقف وجود المقتضي على وجود المانع فإن كون المقتضي مقتضيا إنما يعرف ~~بدليله من المناسبة والاعتبار أو غير ذلك من الطرق وذلك متحقق فيما نحن فيه # فيجب القضاء بكونه مقتضيا # والمانع إنما هو من قبيل المعارض فإن وجد انتفاء الحكم المقتضي مع بقاء ~~المقتضي بحاله مقتضيا وإن لم يوجد عمل المقتضي عمله # الثالث سلمنا توقف كل واحد منهما على الآخر لكن توقف معية أو توقف تقدم ~~الأول مسلم والثاني ممنوع # وعلى هذا فلا دور # وعن قولهم فيه تعليل المتقدم بالمتأخر أن المعلل نفيه بالمانع إنما هو ~~انتفاء الحكم الذي صار بسبب وجود المقتضي بعرضية الثبوت عرضية لازمة لا ~~مطلق حكم وذلك مما لا يسلم تقدمه على المانع المفروض وأما إن لم يظهر في ~~صورة التخلف مانع ولا فوات شرط فالحق بطلان العلة وذلك لأن العلة المستنبطة ~~إنما عرف كونها علة باعتبار الشارع لها بثبوت الحكم على وفقها وذلك إن دل ~~على اعتبارها # فتخلف الحكم عنها مع ظهور ما يكون مستندا لنفيه يدل على إلغائها وليس أحد ~~الدليلين أولى من الآخر فيتقاومان ويبقى الوصف على ما كان قبل الاعتبار ولم ~~يكن قبل ذلك علة فكذلك بعده # فإن قيل مناسبة الوصف وقران الحكم به دليل ظاهر على كونه علة وكذلك سائر ~~طرق الاستنباط وهذا الدليل قائم وإن وجد النقص وتخلف الحكم عن الوصف غايته ~~أنه يوجب الشك في فساد العلة وتقاوم احتمال انتفاء الحكم لانتفاء العلة أو ~~وجود المعارض على السواء وإذا كان دليل العلة ظاهرا ودليل الفساد مشكوكا ~~فيه فالمشكوك فيه لا يقع في مقابلة الظاهر # ودليل وقوع الشك في فساد العلة في صورة النقض وتقاوم الاحتمال فيها أنه ~~يحتمل أن يكون انتفاء الحكم في صورة النقض لمعارض من وجود PageV03P245 مانع ~~أو فوات شرط ويحتمل أنه لفساد العلة وهما متقاومان # وبيان التقاوم أن احتمال الانتفاء لانتفاء العلة وإن كان على وفق الأصل ~~بالنسبة إلى احتمال انتفائه للمعارض دفعا لمحذور المعارضة غير أنه ms675 على خلاف ~~الأصل بالنظر إلى إبطال العلة مع قيام الدليل الدال على كون الوصف علة ~~واحتمال انتفاء الحكم للمعارض وإن كان على خلاف الأصل لما فيه من نفي الحكم ~~مع قيام دليله غير أنه على وفق الأصل من جهة موافقة الدليل الدال على كون ~~الوصف علة فإذا احتمال انتفاء الحكم لانتفاء العلة موافق للأصل من وجه ~~ومخالف له من وجه فيتقاوم الاحتمالان على السواء # وذلك مما يوجب الشك في فساد العلة # والشك لا يعارض الظاهر بوجه # قلنا اذا اعترف بالشك في دليل فساد العلة فيلزم منه الشك في فساد العلة ~~ويلزم من الشك في فساد العلة انتفاء الظن بكونها علة لأن الصحة والفساد ~~متقابلان فمهما وقع الشك في أحد المتقابلين وقع الشك في الآخر وإن كان ~~أحدهما ظاهرا والآخر بعيدا فالقول بوقوع الشك في أحد المتقابلين مع ظهور ~~الآخر ممتنع كما يمتنع الشك في الغيم مع ظن الصحو والشك في موت زيد مع ظن ~~حياته # وهذا بخلاف ما اذا شككنا في الطهارة وحكمنا بالنجاسة نظرا إلى النجاسة ~~السابقة فإن الشك في هذه الصور لا يجامع النظر إلى الأصل بل عند النظر إلى ~~الأصل يترجح أحد احتمالي الشك على الآخر فلا يبقى الشك متحققا حتى إنه لو ~~وقع الشك في النجاسة أو الطهارة مع النظر إلى الأصل لبقي الشك معمولا به # وهذا بخلاف ما نحن فيه فإن الشك انما وقع في فساد العلة في صورة النقض مع ~~النظر إلى دليل العلة ولولا النظر إلى دليل العلة لكان الظاهر انتفاء الحكم ~~لا انتفاء العلة # ومهما كان كذلك فلا يمكن القضاء بظهور العلة مع أن تقاوم الاحتمال إنما ~~كان بالنظر إلى دليل العلة # كيف وإنه قد يمكن أن يقال انتفاء الحكم مع وجود الوصف دليل ظاهر على أنه ~~ليس بعلة وثبوت الحكم على وفقه مع مناسبته مما يوجب الشك في صحة التعليل به ~~في محل الاعتبار والمشكوك فيه لايعارض الظاهر وبيان PageV03P246 وقوع الشك ~~في صحة التعليل في الأصل المستروح إليه أنه وإن كان ms676 ثبوت الحكم به على وفق ~~الأصل غير أنه على خلاف الأصل بالنظر إلى دليل الفساد # وثبوت الحكم لغيره وإن كان على خلاف الأصل مع عدم الظفر به إلا أنه على ~~وفق الأصل بالنظر إلى دليل الفساد # ويلزم من ذلك تقاوم الاحتمالات في صحة العلة # وكان الظاهر قد دل على فسادها فلا يترك بالمشكوك فيه # فإن قيل ما ذكرتموه من دلائل عدم الانتقاض في الصور المذكورة معارض من ~~ثمانية أوجه الأول وهو اختيار أبي الحسين البصري أن تخصيص العلة مما يمنع ~~من كونها أمارة على الحكم في شيء من الفروع سواء ظن بها أنها جهة للمصلحة ~~أو لم يكن ظن بها ذلك وبيان ذلك أنا إذا علمنا أن علة تحريم بيع الذهب ~~بالذهب متفاضلا هي كونه موزونا ثم علمنا إباحة بيع الرصاص بالرصاص متفاضلا ~~مع أنه موزون لم يخل إما أن يعلم ذلك بعلة أخرى تقتضي إباحته أو بنص فإن ~~علمنا إباحته بعلة أخرى يقايس بها الرصاص على أصل مباح لكونه أبيض مثلا ~~فإنا عند ذلك لا نعلم تحريم بيع الحديد بالحديد متفاضلا إلا بكونه موزونا ~~غير أبيض فإنا لو شككنا في كونه أبيض لم نعلم قبح بيعه متفاضلا كما لو ~~شككنا في كونه موزونا فبان أنا لا نعلم بعد التخصيص تحريم شيء لكونه موزونا ~~فقط فبطل أن يكون الموزون وحده علة بل الموزون مع كونه غير أبيض # وعلى هذا يكون الكلام فيما إذا دل على إباحة بيع الرصاص نص وسواء علمت ~~علة الإباحة أو لم تعلم # الثاني قال بعض أصحابنا اقتضاء العلة للحكم إما أن يعتبر فيه انتفاء ~~المعارض أو لا يعتبر فإن اعتبر لم تكن العلة علة الا عند انتفاء المعارض ~~وذلك يقتضي أن الحاصل قبل انتفاء المعارض ليس هو تمام العلة بل بعضها # وإن لم يعتبر فسواء حصل المعارض أو لم يحصل يكون الحكم حاصلا وذلك يقدح ~~في كون المعارض معارضا PageV03P247 # الثالث أنه لا بد وأن يكون بين كون المقتضي مقتضيا اقتضاء حقيقيا بالفعل ~~وبين كون المانع مانعا ms677 حقيقيا بالفعل منافاة بالذات وشرط طريان أحد ~~المتنافيين بالذات انتفاء الأول وليس انتفاء الأول لطريان اللاحق وإلا لزم ~~الدور وحيث كان شرط كون المانع مانعا خروج المقتضي عن كونه مقتضيا بالفعل ~~لم يجز أن يكون خروجه عن كونه مقتضيا بالفعل لأجل تحقق والا لزم الدور فاذا ~~المقتضي إنما خرج عن كونه مقتضيا لا بالمانع بل بذاته وقد انعقد الإجماع ~~على أن ما يكون كذلك لا يصلح للعلية # الرابع أن الوصف وإن وجد مع الحكم في الأصل فقد وجد مع الحكم في صورة ~~النقض مع عدم الحكم # ووجوده مع الحكم لا يقتضي القطع بكونه علة لذلك الحكم ووجوده مع عدم ~~الحكم في صورة النقض يقتضي القطع بأنه ليس بعلة لذلك الحكم في تلك الصورة # والوصف الحاصل في الفرع كما إنه مثل الوصف الحاصل في الأصل فهو مثل الوصف ~~الحاصل في صورة النقض وليس إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر فلم يجز الحكم ~~عليه بكونه علة # الخامس قالوا لا طريق إلى صحة العلة الشرعية سوى جريانها مع معلولها فإذا ~~لم تجر معه لم يكن إلى صحتها طريق # السادس قالوا العلة الشرعية إذا دل الدليل على تعلق الحكم بها امتنع ~~تخصيصها كالعلة العقلية # السابع قالوا العلة في القياس طريق إلى إثبات الحكم في الفرع فإذا وجدت ~~العلة في نوعين امتنع أن تكون طريقا إلى العلم بحكم أحدهما دون الآخر كما ~~في الإدراكات والأدلة العقلية # الثامن قالوا لو جاز وجود العلة الشرعية في فروع يثبت الحكم معها في ~~البعض دون البعض لم يكن البعض بالإثبات أولى من البعض الآخر # وما ذكرتموه من دليل الانتقاض في الصورة الأخيرة معارض من أربعة أوجه ~~PageV03P248 الأول إجماع الصحابة على ذلك # ودليله ما روي عن ابن مسعود أنه كان يقول هذا حكم معدول به عن سنن القياس ~~واشتهر ذلك فيما بين الصحابة من غير نكير فصار إجماعا # الثاني أن العلة الشرعية أمارة على الحكم في الفرع ووجودها في موضع من ~~غير حكم لا يخرجها عن كونها أمارة فإنه ليس من ms678 شرط كون الأمارة أمارة على ~~شيء أن يكون ذلك الشيء ملازما لها دائما بدليل وجود جميع الأمارات الشرعية ~~على إثبات الأحكام وإن لم تكن الأحكام ملازمة لها قبل ورود الشرع وبدليل ~~الغيم الرطب فإنه أمارة على وجود المطر وإن لم يكن المطر ملازما له ولذلك ~~فإن وقوف مركوب القاضي على باب الملك أمارة على كونه في دار الملك ولا يخرج ~~في ذلك أمارة لوجوده في بعض الأوقات والقاضي غير موجود في دار الملك بأن ~~يكون مركوبه مستعارا وكذلك خبر الواحد فإنه أمارة على وجود الحكم وتخلف ~~حكمه عند وجود النص الراجح المخالف له لا يخرجه عن كونه أمارة عليه عند عدم ~~ذلك النص # الثالث أن العلة المستنبطة أمارة فجاز تخصيصها كالمنصوصة # الرابع أن كون الوصف أمارة على الحكم في محل إما أن يتوقف على كونه إمارة ~~على ذلك الحكم في محل آخر أو لا يتوقف فإن توقف فإما أن لا يتعاكس الحال في ~~ذلك أو يتعاكس الأول محال لما فيه من الدور # والثاني أيضا محال لعدم الأولوية # وإن لم يتوقف فهو المطلوب # والجواب عن المعارضة الأولى من المعارضات الدالة على امتناع التخصيص أنا ~~وإن سلمنا أن علة القياس أمارة على حكم الفرع معرفة له وأنه إذا تخلف الحكم ~~عنها في صورة أخرى للمعارض لا يمكن إثبات الحكم بها في فرع من الفروع دون ~~العلم بانتفاء ذلك المعارض لها المتفق عليه ولكن لا يلزم أن يكون انتفاء ~~المعارض من جملة المعرف للحكم بل المعرف للحكم إنما هو ما كان باعثا عليه ~~في الأصل وانتفاء المعارض انما توقف إثبات حكم الامارة عليه ضرورة أن الحكم ~~لا يثبت مع تحقق المعارض PageV03P249 النافي له فكان نفيه شرطا في إثبات ~~حكم الأمارة لا أنه داخل في مفهوم الأمارة # وعن الثانية أنه وإن سلم أن اقتضاء العلة للحكم لا يتوقف على عدم المعارض ~~فما المانع منه قولهم إنه يكون الحكم حاصلا # وإن حصل المعارض لا نسلم ذلك فإن العلة وان كانت مقتضية للحكم فإنما يلزم ~~وجود ms679 الحكم أن لو انتفى المعارض الراجح أو المساوي # وعلى هذا فلا يلزم من انتفى القدح في المعارض ولا في العلة # وعن الثالثة لا نسلم المنافاة بين اقتضاء المقتضي واقتضاء المانع ولا ~~استحالة الجمع بينهما وإن استحال الجمع بين حكميهما # وعلى هذا فلا يلزم من تحقق المانع خروج المقتضي عن جهة اقتضائه لا بذاته ~~ولا بغيره بخلاف المتنافيات بالذات # وعن الرابعة أنه وإن كان وجود الوصف مع الحكم في الأصل لا يوجب القطع ~~بكونه علة لكنه يغلب على الظن كونه علة ووجوده مع عدم الحكم في صورة النقص ~~لا نسلم أنه يقتضي القطع بأنه ليس بعلة لذلك الحكم بل الظن بالعلية باق ~~بحاله وانتفاء الحكم إنما كان لوجود المعارض النافي للحكم على ما هو معلوم ~~من قاعدة القائلين بتخصيص العلة # وعن الخامسة لا نسلم أن اطراد العلة طريق إلى صحتها كما يأتي مفصلا من ~~كونه لا طريق سواه # وعن السادسة لا نسلم أن العلة العقلية يمتنع تخلف الحكم عنها بل ذلك جائز ~~عند فوات القابل لحكمها كما بيناه في الكلاميات # وإن سلمنا امتناع تخلف حكمها عنها فليس ذلك لدلالة الدليل على تعلق الحكم ~~بها ولا لكونها علة بل إنما كان ذلك بكونها مقتضية للحكم لذاتها وذلك غير ~~PageV03P250 متحقق في العلة الشرعية فإنها ليست مقتضية للحكم لذاتها وإنما ~~هي علة بوضع الشارع لها أمارة على الحكم في الفرع # وعن السابعة أنه ليست العلة في امتناع الافتراق في الدليل العقلي المتعلق ~~بمدلولين وامتناع الافتراق في الإدراك المتعلق بمدركين كونه طريقا لا دليلا ~~بل لكون الدليل العقلي موجبا لذاته ولكون الإدارك مما يجب العلم بالمدرك ~~عنده عادة بخلاف العلل الشرعية على ما سبق # وعن الثامنة أنه إنما اختص البعض بتخلف الحكم دون البعض لاختصاصه بمعارض ~~لا تحقق له فيما كان الحكم ثابتا فيه # وعن المعارضة الأولى من المعارضات الدالة على التخصيص أنه لا دلالة لقول ~~ابن مسعود على أن القياس الذي كان الحكم ثابتا على خلافه أنه حجة فالإجماع ~~على ذلك لا يكون مفيدا ms680 وإن كان حجة لكن يمكن حمله على ما إذا كان تخلف ~~الحكم عنه بطريق الاستثناء # ويجب الحمل عليه جمعا بين الأدلة # وعن الثانية لا نسلم أن تخلف الحكم عن الأمارة من غير معارض لا يخرجها عن ~~كونها أمارة وذلك لأنه إما أن يكون كل ما توقف عليه التعريف في صورة كانت ~~الأمارة أمارة فيه قد تحقق في صورة تخلف الحكم أو لم يتحقق فإن كان الأول ~~فتخلف الحكم عنه ممتنع # وإن كان الثاني فالموجود في صورة التخلف ليس هو الأمارة التي توقف عليها ~~التعريف بل البعض منها # وعلى هذا يكون تخريج كل ما ذكروه من الصور # وعن الثالثة بمنع كون المستنبطة مع تخلف الحكم عنها من غير معارض أمارة # وعلى هذا فلم يوجد الجامع بين الأصل والفرع # وإن دلوا PageV03P251 على كونها أمارة مع التخصيص بطريق آخر فهو كاف في ~~المطلوب وخروج عن خصوص هذه الدلالة # وعن الرابعة أن المختار مما ذكروه من الأقسام قسم التوقف من الطرفين # قولهم إن ذلك يفضي إلى الدور إنما يلزم إن لو توقف كون الأمارة في كل ~~واحدة من الصورتين على كونها أمارة في الصورة الأخرى توقف تقدم أما إذا كان ~~ذلك بطريق المعية فلا كما عرف ذلك فيما تقدم والله أعلم # # | المسألة التاسعة # اختلفوا في الكسر # وهو تخلف الحكم المعلل عن معنى العلة وهو الحكمة المقصوده من الحكم هل هو ~~مبطل للعلة أو لا وصورته ما لو قال الحنفي في مسألة العاصي بسفره مسافر ~~فوجب أن يترخص في سفره كغير العاصي في سفره وبين مسافة السفر بما فيه من ~~المشقة فقال المعترض ما ذكرته من الحكمة وهي المشقة منتقضة فإنها موجودة في ~~حق الحمال وأرباب الصنائع الشاقة في الحضر ومع ذلك فإنه لا رخصة والأكثرون ~~على أن ذلك غير مبطل للعلة # والوجه فيه أن الكلام إنما هو مفروض في الحكمة التي ليست منطبطة بنفسها ~~بل بضابطها وعند ذلك فلا يخفى أن مقدارها مما لا ينضبط بل هو مختلف باختلاف ~~الأشخاص والأزمان والأحوال وما هذا ms681 شأنه فدأب الشارع فيه رد الناس إلى ~~المظان الظاهرة الجلية دفعا للعسر عن الناس والتخبط في الأحكام على ما قال ~~تعالى @QB@ وما جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ PageV03P252 وعلى هذا ~~فيمتنع التعليل بها دون ضابطها # وإذا لم تكن علة فلا معنى لإيراد النقض عليها # فإن قيل المقصود من شرع الحكم إنما هو الحكمة دون ضابطها وعند ذلك فيحتمل ~~أن يكون مقدار الحكمة في صورة النقض مساويا لمقدارها في صورة التعليل ~~ويحتمل أن يكون أزيد ويحتمل أن يكون أنقص # وعلى تقدير المساواة والزيادة فقد وجد في صورة النقص ما كان موجودا في ~~صورة التعليل وإنما لا يكون موجودا بتقدير أن يكون أنقض # ولا يخفى أن ما يتم على تقديرين أغلب على الظن مما لا يتم إلا على تقدير ~~واحد # ومع ذلك فيظهر إلغاء ما ظن أن الحكم معلل به # قلنا الحكمة وإن كانت هي المقصودة من شرع الحكم لكن على وجه تكون مضبوطة ~~إما بنفسها أو بضابطها لما ذكرناه # وما فرض من الحكمة في صورة النقض مجردة عن ضابطها فامتنع كونها مقصودة ~~وبتقدير كونها مقصودة فالنقض إنما هو من قبيل المعارض لدليل كونها معللا ~~بها # وعلى هذا فانتفاء الحكم مع وجود الحكمة في دلالته على إبطال التعليل ~~بالحكمة مرجوح بالنظر إلى دليل التعليل بها وذلك لأنه من المحتمل أن يكون ~~انتفاء الحكم في صورة النقص لمعارض # ومع هذا الاحتمال فتخلف الحكم عنها لا يدل على إبطالها # فإن قيل بحثنا وسبرنا فلم نطلع على ما يصلح معارضا في صورة النقص فيظهر ~~أن انتفاءه لانتفاء العلة فهو معارض بقول المستدل بحثت في محل التعليل فلم ~~أطلع على ما يصلح للتعليل سوى ما ذكرته فدل على التعليل به # فإن قيل بحثنا راجح لما فيه من موافقة انتفاء الحكم لانتفاء علته إذ هو ~~الأصل نفيا للتعارض فهو معارض بما بحث المستدل من موافقة ما ظهر من دليل ~~العلة من المناسبة والاعتبار فيتقاومان ويترجح كلام المستدل بأن مقدار ~~الحكمة في صورة التعليل وإن كان مظنون الوجود ms682 في صورة النقض PageV03P253 ~~فيحتمل أن لا يكون موجودا فيها وإلا كان مقطوعا لا مظنونا وهو موجود في ~~صورة التعليل قطعا مع قران الحكم به قطعا وهو دليل العلية وما هو دليل ~~البطلان موجودها في صورة النقض ظنا مع انتفاء الحكم قطعا والمقطوع به من ~~وجهين راجح على ما هو مقطوع من وجه ومظنون من وجه # ولا يخفى أن مثل هذا الترجيح مما لا يتجه على النقض على المظنة # فلذلك كان النقض لازما على المظنة دون الحكمة # فإن قيل فلو فرض وجود الحكمة في صورة النقض قطعا فما المختار فيه قلنا ~~ذلك مما يمتنع وقوعه # وبتقدير وقوعه فقد قال بعض أصحابنا إنه لا الفتات إليه مصيرا منه إلى أن ~~التوسل إلى معرفة ذلك في آحاد الصور بخفائه وندرته مما يلزم منه نوع عسر ~~وحرج ولا يلزم مثله في التوسل إلى معرفة الضوابط الجلية # فكان من المناسب حط هذه الكلفة عن المجتهد ورد الناس إلى الضوابط الجلية ~~المشتملة على احتمال الحكم في الغالب # ولقائل أن يقول البحث عن الحكمة في آحاد الصور هل هي موجودة قطعا وإن كان ~~يفضي إلى العسر والحرج إلا أنا نعلم أن المقصود الأصلي من إثبات الأحكام ~~ونفيها إنما هو الحكم والمقاصد # فعلى تقدير وجود الحكمة في بعض الصور مماثلة لها في محل التعليل قطعا لو ~~لم نقل بوجوب التعليل بها في غير محل التعليل # لزم منه انتفاء الحكم مع وجود حكمته قطعا وذلك ممتنع كما يمتنع إثبات ~~الحكم مع انتفاء حكمته قطعا فيما عدا الصورة النادرة وكذلك لو لم نقل ~~بإلغائها عند تخلف الحكم عنها فيصح مع تيقنها فيلزم منه إثبات الحكم بها مع ~~الضابط مع كونها ملغاة قطعا # ولا يخفى أن محذور إثبات الحكم لحكمة ألغاها الشارع أو نفي الحكم مع وجود ~~حكمته يقينا أعظم من المحذور اللازم للمجتهد من البحث عن الحكمة في آحاد ~~الصور على ما لا يخفى PageV03P254 # وعلى هذا يكون الكلام فيما إذا فرض وجود الحكمة في صورة النقض أزيد منها ~~في محل ms683 التعليل يقينا # لكن إن كان قد ثبت معها في صورة النقض حكم هو أليق بها بأن يكون وافيا ~~بتحصيل أصل الحكمة وزيادة ولو رتب عليها في تلك الصورة الحكم المعلل كان ~~فيه الإخلال بتلك الزيادة في صورة النقض فلا يكون ذلك نقضا للحكمة ولا ~~إلغاء لها بل الواجب تخلف الحكم المعلل عنها وإثبات الحكم اللائق بها ~~الوافي بتحصيل الزيادة لما فيه من رعاية أصل المصلحة وزيادتها فإنه أولى من ~~رعاية أصل المصلحة وإلغاء الزيادة # فإذا انتفاء الحكم في هذه الصورة لا يدل على إلغاء الحكمة بل على ~~اعتبارها بأصلها وصفتها ومثال ذلك ما إذا علل المستدل وجوب القطع قصاصا ~~بحكمة الزجر فقال المعترض مقصود الزجر في القتل العمد العدوان أعظم # ومع ذلك فإنه لا يجب به القطع فللمستدل أن يقول الحكمة في صورة النقض وإن ~~كانت أزيد منها في محل التعليل غير أنه قد ثبت معها في صورة النقض حكم هو ~~أليق بها وهو وجوب القتل # # | المسألة العاشرة # اختلفوا في النقض المكسور وهو النقض على بعض أوصاف العلة # وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة بيع الغائب مبيع مجهول الصفة عند ~~العاقد حال العقد فلا يصح بيعه كما لو قال بعتك عبدا فقال المعترض هذا ~~ينتقض بما لو تزوج امرأة لم يرها فإنها مجهولة الصفة عند العاقد لدى العقد ~~ومع ذلك فإن النكاح يصح والأكثرون على رده وإبطاله # وذلك لأن التعليل إنما وقع بكونه مبيعا مجهول الصفة لا بكونه مجهول الصفة ~~فقط والمنكوحة ليست مبيعة وإن كانت مجهولة الصفة # وإبطال التعليل ببعض أوصاف العلة لا يكون إبطالا بجملة العلة PageV03P255 # نعم إن بين المعترض أنه لا تأثير للوصف الذي وقع به الأحتراز عن النقص في ~~الحكم لا بانفراده ولا مع ضميمة إلى الوصف الآخر فالمستدل بين أمرين بين أن ~~يبقى مصرا على التعليل بمجموع الوصفين وبين أن يترك الكلام على التعليل ~~بالوصف المنقوض فإن كان الأول فقد بطل التعليل بما علل به لعدم التأثير لا ~~بالنقض # وإن كان الثاني فقد بطل ms684 التعليل بالنقض لكونه واردا على كل العلة # فإن قيل الوصف المحذوف وإن لم يكن مناسبا ولا له تأثير في إثبات الحكم ~~المعلل لا بانفراده ولا مع ضميمة إلى غيره فلا يمتنع أخذه في التعليل ~~لفائدة الاحتراز عن النقض وإنما يخرج عن التعليل إن لو تعرى عن الفائدة ~~بالكلية وليست الفائدة منحصرة في المناسبة على ما تقدم # قلنا فائدة الاحتراز به عن النقض متوقفة على كونه من أجزاء العلة حتى إنه ~~لو لم يكن من أجزاء العلة لكانت العلة ما وراءه والنقض إذ ذاك يكون واردا ~~عليها # وكونه من أجزاء العلة يتوقف على إمكان الاحتراز به عن النقض وهو دور ~~ممتنع # # | المسألة الحادية عشرة # اختلفوا في اشتراط العكس في العلل الشرعية فأثبته قوم ونفاه أصحابنا ~~والمعتزلة # وقبل الخوض في الحجاج لا بد من بيان أقسام العكس واختلاف الاصطلاحات فيه ~~وتعيين محل النزاع منها فنقول أما العكس في اللغة فمأخوذ من رد أول الأمر ~~إلى آخره وآخره إلى أوله وأصله شد رأس البعير بخطامه إلى ذراعه # وأما في اصطلاح الحكماء فهو عبارة عن جعل اللازم ملزوما والملزوم لازما ~~مع بقاء كيفية القضية بحالها من السلب والإيجاب وذلك كقول القائل في ~~PageV03P256 عكس القضية الحملية إذا كانت موجبة كلية كقولنا كل إنسان حيوان ~~أو جزئية كقولنا بعض الإنسان حيوان بعض الحيوان إنسان أو كلية سالبة كقولنا ~~لا شيء من الإنسان بحجر لا شيء من الحجر بإنسان وعلى قياسه عكس القضية ~~الشرطية # وأما في اصطلاح الفقهاء والأصوليين فقد يطلق العكس باعتبارين الأول منهما ~~مثل قول الحنفي لما لم يجب القتل بصغير المثقل لم يجب بكبيره بدليل عكسه في ~~المحدد وهو أنه لما وجب بكبير الجارح وجب بصغيره وهو باطل فإنه لا مانع من ~~ورود الشارع بوجوب القصاص بكل جارح وإن تخصص وجوبه في المثقل بالكبير منه # وأما الثاني فهو انتفاء الحكم عند انتفاء العلة والعكس بهذا الاعتبار هو ~~المقصود بالخلاف ها هنا # والمختار فيه إنما هو التفصيل وهو أن جنس الحكم المعلل إما أن لا ms685 يكون له ~~سوى علة واحدة أو أنه معلل بعلل في كل صورة بعلة # فإن كان الأول وذلك كتعليل جنس وجوب القصاص في النفس بالقتل العمد ~~العدوان فإنه لا علة له سواه فلا شك في لزوم انتفائه عند انتفاء علته لا ~~لأنه يلزم من نفي العلة الواحدة نفي الحكم بل لأن الحكم لا بد له من دليل ~~ولا دليل # وإن كان الثاني كما في تعليل إباحة الدم بالقتل العمد العدوان والردة عن ~~الإسلام والزنى في الإحصان وقطع الطريق وتعليل نقض الوضوء بالمس واللمس ~~والبول والغائط فلا شك أنه لا يلزم من انتفاء بعض هذه العلل نفي جنس الحكم ~~لجواز وجود علة أخرى وإنما يلزم نفيه بتقدير انتفاء جميع العلل # هذا في جنس الحكم المعلل وأما آحاد أشخاص الحكم في آحاد الصور فإنه يمتنع ~~تعليله بعلتين على ما يأتي تقريره # وإنما يكون معللا بعلة واحدة على طريق البدل فلا يلزم PageV03P257 من نفي ~~العلة المعينة نفيه لجواز وجود بدلها لما سبق # فإن قيل وإن كان الحكم معللا بعلة واحدة ولا علة له سواها في دليل عليه ~~فكانت مشابهة للدليل العقلي في العقليات ولا يلزم من نفي الدليل في ~~العقليات نفي المدلول # ولهذا فإن الصنعة دليل وجود الرب تعالى # ولو قدر انتفاؤها لم يلزم منه انتفاء وجود الرب تعالى فكذلك العلة ~~الشرعية # قلنا العلة وإن كانت دليل الحكم فلا نعني بانتفاء الحكم عند انتفائها ~~انتفاءه في نفسه بل انتفاء العلم أو الظن به ضرورة توقف ذلك على النظر ~~الصحيح في الدليل ولا دليل # وكذلك الحكم في الصنعة مع الصانع # # | المسألة الثانية عشرة # اتفقوا على جواز تعليل الحكم بعلل في كل صورة بعلة واختلفوا في جواز ~~تعليل الحكم الواحد في صورة واحدة بعلتين معا فمنهم من منع ذلك مطلقا ~~كالقاضي أبي بكر وإمام الحرمين ومن تابعهما ومنهم من جوز ذلك مطلقا ومنهم ~~من فصل بين العلل المنصوصة والمستنبطة فجوزه في المنصوصة ومنع منه في ~~المستنبطة كالغزالي ومن تابعه # والمختار إنما هو المذهب الأول # وذلك لأنه ms686 لو كان معللا بعلتين لم يخل إما أن تستقل كل واحدة بالتعليل أو ~~أن المستقل بالتعليل إحداهما دون الأخرى أو أنه لا استقلال لواحدة منهما بل ~~التعليل لا يتم إلا باجتماعهما # لا جائز أن يقال بالأول لأن معنى كون الوصف مستقلا بالتعليل أنه علة ~~PageV03P258 الحكم دون غيره ويلزم من استقلال كل واحدة منهما بهذا التفسير ~~امتناع استقلال كل واحدة منهما وهو محال # وإن كان الثاني أو الثالث فالعلة ليست إلا واحدة # وعلى هذا فلا فرق بين أن تكون العلة في محل التعليل بمعنى الباعث أو ~~بمعنى الأمارة # فإن قيل نحن لا نفسر استقلال العلة بأن الحكم ثبت بها لا غير ليلزمنا ما ~~قيل بل معنى استقلالها أنها لو انفردت لكان الحكم ثابتا لها ولا أثر ~~لانتفاء غيرها # ولا يخفى وجه الفرق بينه وبين القسمين الآخرين سلمنا دلالة ما ذكرتموه ~~على امتناع تعليل الحكم بعلتين على وجه تكون كل واحدة مستقلة بالحكم لكنه ~~معارض بما يدل على جوازه بالنظر إلى ما هو الواقع من أحكام الشرع وذلك أنا ~~قد اتفقنا على ثبوت الحكم الواحد عقيب علل مختلفة كل واحدة قد ثبت ~~استقلالها بالتعليل في صورة # وعند ذلك فإما أن يقال العلة منها واحدة أو الكل علة واحدة ذات أوصاف أو ~~أن كل واحدة علة مستقلة لا جائز أن يقال بالأول وإلا فهي معينة أو مبهمة ~~القول بالتعيين ممتنع لعدم الأولوية ولما فيه من خروج الباقي عن التعليل مع ~~استقلال كل واحدة به وبهذا يبطل الإبهام # والقسم الثاني أيضا فلم يبق سوى القسم الثالث وهو الاستقلال ودليل ثبوت ~~مثل هذه الأحكام الإجماع على إباحة قتل من قتل مسلما قتلا عمدا عدوانا ~~وارتد عن الإسلام وزنى محصنا وقطع الطريق معا وعلى ثبوت الولاية على الصغير ~~المجنون وعلى امتناع نكاح من أولدته وأرضعته وعلى تحريم وطء الحائض المعتدة ~~المحرمة وعلى انتقاض الوضوء بالمس واللمس والبول والغائط معا # والجواب عن الإشكال الأول أن الكلام إنما هو مفروض في حالة PageV03P259 ~~الاجتماع لا في حالة الانفراد والتقسيم ms687 في حالة الاجتماع فعلى ما سبق # وأما الأحكام فالوجه في دفعها أن تقول أما إباحة قتل من قتل وارتد وزنى ~~محصنا وقطع الطريق فالعلل وإن كانت فيه متعددة فالحكم أيضا متعدد شخصا وإن ~~اتحد نوعا # ولذلك فإنه لا يلزم من انتفاء إباحة القتل بعد العود عن الردة إلى ~~الإسلام انتفاء إباحة بباقي الأسباب الأخر ولا من انتفاء الإباحة بسبب ~~إسقاط القصاص انتفاؤها بباقي الأسباب # ويدل على تعدد الحكم أيضا أن الإباحة بجهة القتل العمد العدوان حق للآدمي ~~بجهة الخلوص # ولذلك يتمكن من إسقاطه مطلقا والإباحة بجهة الزنى والردة حق لله تعالى ~~بجهة الخلوص دون الآدمي وذلك غير متصور في شيء واحد وعلى تقدير الاستيفاء ~~فالمقدم حق الآدمي وهو الإباحة بجهة القصاص لأن حقه مبني على الشح ~~والمضايقة وحق الله تعالى مبني على المسامحة والمساهلة من حيث إن الآدمي ~~يتضرر بفوات حقه دون الباري تعالى # وأما ثبوت الولاية على الصغير المجنون فمستندة إلى الصغر لسبقه على ~~الجنون لكون الجنون لا يعرف إلا بعد حين # وكذلك امتناع نكاح الوالدة المرضعة فإنه مستند إلى الولادة دون الرضاع ~~لسبقها عليه # وأما الوطء في حق الحائض المعتدة المحرمة فغير محرم على التحقيق وإنما ~~المحرم في حق الحائض ملابسة الأذى وفي حق المعتدة تطويل العدة وفي حق ~~المحرمة إفساد العبادة وهي أحكام متعددة لا أنها حكم واحد # وأما المس واللمس وباقي الأسباب فالأحداث المرتبة عليها متعددة على رأي ~~لنا # وعلى هذا فلو نوى رفع حدث واحد منها لارتفع الباقي فأحكامها أيضا متعددة ~~لا أنها حكم واحد والنزاع إنما هو في تعليل الحكم الواحد بالشخص بعلتين لا ~~في تعليل حكمين PageV03P260 # وعلى هذا فلا يخفى وجه التخريج لكل ما يرد من هذا القبيل # # | المسألة الثالثة عشرة # اختلفوا في العلة الواحدة الشرعية هل تكون علة لحكمين شرعيين أو لا ~~والمختار جوازه # وذلك لأن العلة إما بمعنى الأمارة أو الباعث # فإن كانت بمعنى الأمارة فغير ممتنع لا عقلا ولا شرعا نصب أمارة واحدة على ~~حكمين مختلفين # وذلك مما لا نعرف ms688 فيه خلافا كما لو قال الشارع جعلت طلوع الهلال أمارة ~~على وجوب الصوم والصلاة ونحوه # وأما إن كانت بمعنى الباعث فلا يمتنع أيضا أن يكون الوصف الواحد باعثا ~~للشرع على حكمين مختلفين أي مناسبا لهما # وذلك كمناسبة شرب الخمر للتحريم ووجوب الحد وكذلك التصرف بالبيع من الأهل ~~في المحل المرئي فإنه مناسب لصحة البيع ولزومه # فإن قيل إذا كان الوصف مناسبا لأحد الحكمين فمعنى كونه مناسبا له أنه لو ~~رتب ذلك الحكم عليه لحصل مقصوده # وعلى هذا فيمتنع أن يكون مناسبا للحكم الآخر لأنه لو ناسبه لكان بمعنى أن ~~ترتيبه عليه محصل للمقصود منه وفي ذلك تحصيل الحاصل لكونه حاصلا به لحكم ~~الآخر وأيضا فإنه إذا كان الوصف الواحد مناسبا لحكمين مختلفين فإما أن ~~يناسبهما من جهة واحدة أو من جهتين مختلفتين فإن كان الأول فهو ممتنع إذ ~~الشيء الواحد لا يكون مناسبا لشيء من جهة ما يناسب مخالفه # وإن كان الثاني فعلة الحكمين مختلفة لا أنها متحدة PageV03P261 # والجواب عن الأول أن معنى المناسب للحكم أعم مما ذكروه # وذلك لأن المناسب ينقسم إلى ما ترتيب الحكم الواحد عليه يستقل بتحصيل ~~مقصوده وذلك مما يمنع كونه مناسبا للحكمين بهذا التفسير وإلى ما يتوقف حصول ~~مقصوده على ترتيب الحكم عليه وإن لم يكن ذلك الحكم وافيا بتحصيل المقصود ~~دون الحكم الآخر # وعلى هذا فامتناع مناسبة الوصف الواحد للحكمين بالتفسير الأول وإن كان ~~لازما فلا يمتنع أن يكون مناسبا للحكمين بالتفسير الثاني # وعن الإشكال الثاني أنه إذا عرف أن معنى مناسبة الوصف للحكمين توقف حصول ~~المقصود منه على شرع الحكمين فلا يمتنع أن يكون الوصف مناسبا لهما من جهة ~~واحدة # # | المسألة الرابعة عشرة # إذا كانت العلة في أصل القياس بمعنى الباعث كما قررناه فشرطها أن تكون ~~ضابط الحكمة المقصودة للشرع من إثبات الحكم أو نفيه بحيث لا يلزم منه إثبات ~~الحكم مع تيقن انتفاء الحكمة في صورة وإلا كان فيه إثبات الحكم مع انتفاء ~~الحكمة المطلوبة منه يقينا وهو ممتنع ومثاله ما لو ms689 قيل بأن حكمة القصاص ~~إنما هي صيانة النفس المعصومة عن الفوات فمن ضبط صيانة النفس عن الفوات ~~بالجرح لا غير كما يقوله أبو حنيفة فيلزمه شرع القصاص في حق من جرح ميتا ~~ضرورة وجود الضابط مع تيقن انتفاء الحكمة أو نفي الحكم مع وجود علته وهو ~~ممتنع # فإن قيل وإن لزم من ذلك إثبات الحكم في صورة بدون حكمة واحدة PageV03P262 # فذلك الضابط في الأصل المذكور إنما يمتنع الضبط به إن لو لم يكن له سوى ~~حكمة واحدة وأما إذا جاز أن يكون الوصف الواحد ضابطا في كل صورة لحكمة ~~فانتفاء حكمة إحدى الصورتين عن الأخرى لا يوجب أن يكون ثبوت الحكم في ~~الصورة التي انتفت عنها تلك الحكمة عريا عن الفائدة بل يكون ثبوته بالحكمة ~~الخاصة بتلك الصورة والضابط لها ولحكمة الحكم في الصورة الأخرى شيء واحد # قلنا إذا اتحد الضابط فاختصاصه في كل صورة بحكمة مخالفة للحكمة المختصة ~~به في الصورة الأخرى إما أن يكون ذلك لذاته أو لمخصص مختص بتلك الصورة دون ~~الصورة الأخرى لا جائز أن يقال بالأول وإلا لزم الاشتراك بين الصورتين في ~~الحكمتين ضرورة اتحاد المستلزم لها # وإن قيل بالثاني فما به التخصيص في كل واحدة من الصورتين ولا وجود له في ~~الصورة الأخرى يكون من جملة الضابط فالضابط للحكمتين يكون مختلفا وإن كان ~~مركبا من الوصف المشترك وما به تخصصت كل صورة من المخصص الزائد # # | المسألة الخامسة عشرة # ذهب جماعة إلى إن شرط ضابط الحكمة أن يكون جامعا بحيث لا توجد الحكمة ~~يقينا في صورة دونه مصيرا منهم إلى أنه لو كان كذلك فلا يخلو إما أن يثبت ~~الحكم في الصورة التي وجدت فيها الحكمة دون ذلك الضابط أو لا يثبت فإن كان ~~الأول فيلزم مه إدارة الحكم على الحكمة دون ضابطها وهو ممتنع لما فيه من ~~الاستغناء عن الضابط لإمكان إثبات الحكم بالحكمة دونه # وإن كان الثاني فيلزم منه إهمال الحكمة مع العلم بأن الحكم لم يثبت إلا ~~بها وهو ممتنع PageV03P263 # وصورة ذلك ms690 ضبط الحنفي العمدية باستعمال الجارح حيث إنه يلزم منه إهمال ~~العمدية مع تيقن وجودها فيما إذا أدار حجر البزارة على رأسه أو ألقاه في ~~بحر مغرق أو نار محرقة # ولقائل أن يقول ما ذكر من المحذور إنما يلزم إن لو امتنع تعليل الحكم في ~~صورتين بعلتين وهو باطل لما سبق # ومع جواز تعليل الحكم في صورتين بعلتين لا يمتنع أن تكون حكمة الحكم في ~~الصورتين واحدة ولها في كل صورة ضابط بحسب تلك الصورة وذلك لا يجر إلى ~~إهمال الحكمة ولا إلى إلغاء الضابط # # | المسألة السادسة عشرة # اختلفوا في جواز تعليل حكم الأصل بعلة متأخرة عن ذلك الحكم في الوجود ~~وذلك كتعليل إثبات الولاية للأب على الصغير الذي عرض له الجنون بالجنون فإن ~~الولاية ثابتة قبل عروض الجنون # والمختار امتناعه # وذلك لأن علة حكم الأصل إما أن تكون بمعنى الباعث أو بمعنى الأمارة ~~المعرفة له # فإن كان الأول فيلزم من تأخر العلة عن الحكم في الوجود أن يكون الحكم ~~ثابتا قبل ذلك إما لا بباعث أو بباعث غير العلة المتأخرة عنه لاستحالة ثبوت ~~الحكم بباعث لا تحقق له مع الحكم # وإن كان الثاني فهو ممتنع لوجهين الأول ما بيناه من امتناع كون العلة في ~~الأصل بمعنى الأمارة # الثاني أنها وإن كانت بمعنى الأمارة فإنما هو في تعريف الحكم وقد عرف ~~قبلها ضرورة سبقه في الوجود عليها وتعريف المعروف محال # فإن قيل ما ذكرتموه إنما يستقيم بتقدير امتناع تعليل الحكم الواحد ~~PageV03P264 بعلتين وإلا فبتقدير تعليله بعلتين فلا يمتنع تعليله بعلة ~~موجودة معه وعلة متأخرة عنه # قلنا أما أولا فقد بينا امتناع تعليل الحكم بعلتين في صورة واحدة وبتقدير ~~جواز ذلك فإنما يجوز لتقدير أن لا تكون إحدى العلتين متقدمة على الأخرى لما ~~بيناه فيما تقدم # # | المسألة السابعة عشرة # إذا كان الحكم في الأصل نفيا والعلة له وجود مانع أو فوات شرط فقد ~~اختلفوا في اشتراط وجود المقتضي لإثباته # والمختار اشتراطه # وذلك لأن الأحكام إنما شرعت لمصالح الخلق فما لا فائدة في ms691 إثباته فلا ~~يشرع # فانتفاؤه يكون لانتفاء فائدته وسواء وجدت ثم حكمة تقتضي نفيه أو لم توجد # وفرق بين انتفاء الحكم لانتفاء فائدته وبين انتفائه لوجود فائدة نافية له # وإذا كان كذلك فما لم يوجد المقتضي للإثبات كان نفي الحكم للمانع أو ~~لفوات الشرط ممتنعا # فإن قيل لا خفاء بأن وجود المقتضب من قبيل المعارض لوجود المانع وفوات ~~الشرط فإذا استقل المانع وفوات الشرط بنفي الحكم مع وجود ما يعارضه ويكسر ~~سورته فلأن يستقل بالنفي مع انتفاء المعارض كان أولى وأيضا فإنا لو اشترطنا ~~وجود المقتضي فيلزم منه التعارض بينه وبين المانع أو فوات الشرط والتعارض ~~على خلاف الأصل لما فيه من إهمال أحد الدليلين # وعند انتفاء المقتضي لو أحلنا نفي الحكم على نفي المقتضى مع تحقق ما ~~يناسب نفي الحكم من المانع أو فوات الشرط لزم منه إهمال مناسبة المانع ~~وفوات الشرط مع اقتران نفي الحكم به وهو خلاف الأصل # قلنا جواب الإشكال الأول أنه لا يلزم من انتفاء الحكم بالمانع وفوات ~~الشرط مع وجود المقتضي المشترط في إعماله لما بيناه انتفاؤه له مع فوات شرط ~~أعماله PageV03P265 # وجواب الثاني أنه وإن لزم من وجود المقتضي التعارض بينه وبين المانع أو ~~فوات الشرط فهو أهون من نفيه لوجود المانع مع فوات شرط إعماله على ما ~~حققناه # ولهذا كان نفي الحكم بالمانع وفوات الشرط مع وجود المقتضي متفقا عليه بين ~~القائلين بتخصيص العلة ومختلفا فيه مع انتفاء المقتضي # وبتقدير انتفاء المقتضي فنفي الحكم له دون ما ظهر من المانع وفوات الشرط ~~وإن أفضى إلى إلغاء مناسبة المانع وفوات الشرط مع اعتباره إلا أنه أولى من ~~انتفائه للمانع أو فوات الشرط # ولهذا وقع الاتفاق من الكل على استقلاله بالنفي عند عدم المعارض ووقع ~~الخلاف في استقلال المانع وفوات الشرط بالنفي مع القائلين بامتناع تخصيص ~~العلة فكان النفي له أولى # ولا يمكن أن يقال بإحالة النفي على نفي المقتضي والمانع معا لأنه معا ~~لأنه لا يخلو إما أن يكون كل واحد مستقلا بالنفي أو ms692 أن المقتضي للنفي ~~الهيئة الاجتماعية منهما وهما بمنزلة أجزاء العلة النافية لا سبيل إلى ~~الأول لما بيناه من امتناع تعليل الحكم الواحد في صورة واحدة بعلتين ~~مستقلتين ولا سبيل إلى الثاني لأن نفي المقتضي بتقدير انتفاء معارضه مستقل ~~بالنفي إجماعا وفيه إخراج المستقل عن الاستقلال وهو ممتنع # وإذا ثبت أنه لا بد في التعليل بالمانع وفوات الشرط من وجود المقتضي فلا ~~بد من بيانه بطريق تفصيلي يدل على وجوده وعليته بما يساعد من الأدلة وإن ~~اتفق أن كان الشارع قد نص على نفي الحكم فهو دليل ظاهر على وجود المقتضى ~~لأنه لو لم يكن المقتضي موجودا كانت فائدة التنصيص على النفي التأكيد ~~لاستقلال نفي المقتضي بالنفي # والأصل أن يحمل كلام الشارع على فائدة التأسيس لكونها أصلا وإنما يتم ذلك ~~بالنظر إلى وجود المقتضي PageV03P266 # فإن قيل اعتقاد وجود المقتضي حملا للكلام على فائدة التأسيس يلزم منه نفي ~~الحكم مع وجود ما يقتضيه وهو خلاف الأصل وليس مخالفة محذور مخالفة المقتضى ~~مع كونه خلاف الأصل دفعا لمحذور حمل الكلام على فائدة التأكيد أولى من ~~العكس # قلنا بل المحذور اللازم من نفي الحكم مع وجود ما يقتضيه مخالفة المقتضي ~~لا غير وهو غالب في الشرع ومحذور التأكيد مع كونه نادرا فيه مخالفة ما ظهر ~~من مناسبة المانع واعتباره مع أن الغالب من حال الشارع اعتبار المناسبات لا ~~إلغاؤها # ولا يخفى أن التزام محذور عهد التزامه في الشرع غالبا وليس فيه التزام ~~محذور آخر أولى من التزام محذور لم يعهد التزامه في الشرع غالبا وفيه ~~التزام محذور آ خر # # | المسألة الثامنة عشرة # يجب أن لا تكون العلة المستنبطة من الحكم المعلل بها مما ترجع على الحكم ~~الذي استنبطت منه بالإبطال وذلك كتعليل وجوب الشاة في باب الزكاة بدفع حاجة ~~الفقراء لما فيه من رفع وجوب الشاة وأن ارتفاع الأصل المستنبط منه يوجب ~~إبطال العلة المستنبطة منه ضرورة توقف عليتها على اعتبارها به وأن لا تكون ~~طردية محضة كالطول والقصر والسواد والبياض ونحوه لما بيناه ms693 من أن العلة في ~~الأصل لا تكون إلا بمعنى الباعث والوصف الطردي لا يكون باعثا ولأن الحكم في ~~الفرع إنما يثبت بما غلب على الظن أن الحكم في الأصل ثابت له وذلك غير ~~متصور في الوصف الطردي وأن لا يكون لها في الأصل معارض لا تحقق له في الفرع ~~لما يأتي تقريره وأن لا تكون مخالفة للنص الخاص أو للإجماع # وهذا كله من الشروط المتفق عليها PageV03P267 # وقد اشترط فيها أن لا تكون مخصصة لعموم القرآن وقد أبطلناه فيما تقدم وأن ~~لا تعارضها علة أخرى تقتضي نقيض حكمها وإنما يصح ذلك أن لو كانت العلة ~~المعارضة لها راجحة عليها وممتنعة التخصيص وقد عرف ما في ذلك وأن لا تتضمن ~~زيادة على النص وإنما يصح ذلك أن لو كانت الزيادة منافية لمقتضى النص وأن ~~تكون منتزعة من أصل مقطوع بحكمه وليس كذلك لما بيناه من جواز القياس على ~~أصل حكمه ثابت بدليل مظنون وأن لا تكون مخالفة لمذهب الصحابي وليس كذلك ~~لجواز أن يكون مذهب الصحابي مستندا إلى علة مستنبطة من أصل آخر إلا أن تكون ~~علته مع ظهورها راجحة وأن يكون وجودها في الفرع مقطوعا به وليس كذلك لأن ~~وجودها أحد ما يتوقف عيه الحكم في الفرع فكان الظن كافيا فيه كما في وجودها ~~في الأصل وفي كونها علة وفي نفي المعارض عنها في الأصل والفرع # وبالجملة فهذه الشروط في محل الاجتهاد # # | المسألة التاسعة عشرة # اتفقوا على أن نصب الوصف سببا وعلة من الشارع وأن دليله لا بد وأن يكون ~~شرعيا وسواء كان كونه سببا وعلة وحكما شرعيا أو لم يكن كما سبق وجه الكلام ~~فيه وإنما اختلفوا في الدليل الدال على العلة الجامعة في القياس ~~PageV03P268 فذهب بعض أصحابنا إلى أن شرطه أن لا يكون متناولا لإثبات الحكم ~~في الفرع وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة الفواكه مطعوم فجرى فيه الربا ~~قياسا على البر ثم دل على كون الطعم علة بقوله عليه السلام لا تبيعوا ~~الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل ms694 فإنه وإن كان دليلا على كون الطعم علة ~~بالإيماء فهو دليل على تحريم الربا في الفواكه بعمومه # وربما كان الدليل الدال على العلة متناولا لحكم الفرع بخصوصه دون حكم ~~الأصل وذلك كما لو قال الحنفي في مسألة الخارج من غير السبيلين خارج نجس ~~فينفض الوضوء كالخارج من السبيلين # ثم دل على كون الخارج النجس علة للنقض بقوله عليه السلام من قاء أو رعف ~~أو أمذى فليتوضأ وضوءه للصلاة فإن القيء والرعاف والمذي من حيث هو خارج نجس ~~مناسب لنقض الوضوء فترتيب الحكم عليه في كلام الشارع يدل على التعليل به ~~كما يأتي في طرق إثبات العلة ولكنه مع ذلك متناول لإثبات حكم الفرع بخصوصه ~~دون حكم الأصل وإنما شرطوا امتناع ذلك مصيرا منهم إلى أنه إذا كان دليل ~~العلة يستقل بالدلالة على الحكم المتنازع فيه فالاستدلال بالعلة على الحكم ~~على وجه لا بد من إثباتها بدليل يستقل بإثبات الحكم المتنازع فيه يكون ~~تطويلا بلا فائدة فليعدل إليه أولا # ولقائل أن يقول الاستدلال بالعلة المثبتة بالنص المتناول لحكم الفرع وإن ~~أفضى إلى التطويل فحاصله يرجع إلى مناقشة جدلية وليس ذلك مما يقدح في صحة ~~القياس المذكور ولا يكون قادحا في المقصود وقد ينقدح عنه جواب آخر في بعض ~~الصور وهو عند ما إذا كان العام الدال على حكم الفرع قد خص في صورة وكان ~~المستدل ممن يرى أن العام بعد PageV03P269 التخصيص لا يبقى حجة إلا في أقل ~~الجمع فله أن يقول إنما لم أتمسك بعموم النص في إثبات حكم الفرع لعدم ~~مساعدة الدليل على إدراج الفرع فيه وذلك لا يمنع من التمسك به في إثبات ~~العلة ولو في صورة واحدة ومهما كان كذلك لزم إثبات الحكم بتلك العلة في أي ~~صورة وجدت ولذلك وقع التمسك به في إثبات العلة دون الحكم # # | المسألة العشرون # اختلف الشافعية والحنفية في حكم أصل القياس المنصوص عليه هل هو ثابت ~~بالعلة أو النص فقالت الشافعية إنه ثابت بالعلة وقالت الحنفية إنه ثابت ~~بالنص محتجين على ذلك ms695 بأمور ثلاثة الأول أن الحكم في الأصل مقطوع به والعلة ~~المستنبطة منه مظنونة # والمقطوع به لا يكون ثابتا بالمظنون # الثاني أن العلة مستنبطة من حكم الأصل ومتفرعة عليه وتابعة له في الوجود ~~فلو كان الحكم ثابتا بها لكان الأصل ثابتا بما لا ثبوت له دون ثبوته وهو ~~دور # الثالث أنه قد يثبت الحكم تعبدا من غير علة فلو كان ثابتا بالعلة لما ثبت ~~مع عدمها # واعلم أن الخلاف في هذه المسألة آئل إلى اختلاف في اللفظ # وذلك أن قول أصحابنا بأن الحكم ثابت بالعلة لا يريدون به أن العلة معرفة ~~له بالنسبة إلينا ضرورة أنها مستنبطة منه وأنها لا تعرف دون معرفته وإنما ~~يريدون به أنها الباعثة للشارع على إثبات الحكم في الأصل PageV03P270 وأنها ~~التي لأجلها أثبت الشارع الحكم وأصحاب أبي حنيفة غير منكرين لذلك وحيث قالت ~~الحنفية إن العلة غير مثبتة للحكم لم يريدوا بذلك أنها ليست باعثة وإنا ~~أرادوا بذلك أنها غير معرفة لحكم الأصل بالنسبة إلينا وأصحابنا غير منكرين ~~لذلك فلا خلاف في المعنى بل في اللفظ PageV03P271 PageV03P272 # | القسم الثالث في شروط الفرع # وهي خمسة الشرط الأول أن يكون خاليا عن معارض راجح يقتضي نقيض ما اقتضته ~~علة القياس على رأي القائلين بجواز تخصيص العلة ليكون القياس مفيدا # الشرط الثاني أن تكون العلة الموجودة فيه مشاركة لعلة الأصل إما في عينها ~~كتعليل تحريم شرب النبيذ بالشدة المطربة المشتركة بينه وبين الخمر أو في ~~جنسها كتعليل وجوب القصاص في الأطراف بجامع الجناية المشتركة بين القطع ~~والقتل لأن القياس على ما تقدم إنما هو تعدية حكم الأصل إلى الفرع بواسطة ~~علة الأصل # فإذا لم تكن علة الفرع مشاركة لها في صفة عمومها ولا خصوصها فلم تكن علة ~~الأصل في الفرع فلا يمكن تعدية حكم الأصل إلى الفرع # الشرط الثالث أن يكون الحكم في الفرع PageV03P273 مماثلا لحكم الأصل في ~~عينه كوجوب القصاص في النفس المشترك بين المثقل والمحدد أو جنسه كإثبات ~~الولاية على الصغيرة في نكاحها قياسا على إثبات الولاية في ms696 مالها فإن ~~المشترك بينهما إنما هو جنس الولاية لا عينها ولو لم يكن كذلك لكان القياس ~~باطلا # وذلك لأن شرع الأحكام لم يكن مطلوبا لذاته بل لما يفضي إليه من مقاصد ~~العبد وسواء ظهر المقصود أم لم يظهر # فإذا كان حكم الفرع مماثلا لحكم الأصل علمنا أن ما يحصل به من المقصود ~~مثل ما يحصل من حكم الأصل ضرورة اتحاد الوسيلة فيجب إثباته # وأما إذا كان حكم الفرع مخالفا لحكم الأصل مع أنه الوسيلة إلى تحصيل ~~المقصود فإفضاؤه إلى الحكمة المطلوبة يجب أن يكون مخالفا لإفضاء حكم الأصل ~~إليها # والمخالفة بينهما من الإفضاء إما أن تكون بزيادة في إفضاء حكم الأصل ~~إليها أو في إفضاء حكم الفرع فإن كان الأول فلا يلزم من شرع الحكم في الأصل ~~رعاية لأصل المقصود وزيادة الإفضاء إليه شرع حكم الفرع تحصيلا لأصل المقصود ~~دون زيادة الإفضاء إليه لأن زيادة الإفضاء إلى المقصود مقصودة في نظر ~~العقلاء وأهل العرف # وإن كان الثاني فهو ممتنع لأنا أجمعنا على امتناع ثبوت مثل حكم الفرع في ~~الأصل # وعند ذلك فتنصيص الشارع على حكم الأصل دون حكم الفرع يدل على أن حكم ~~الأصل أفضى إلى المقصود من حكم الفرع وإلا فلو كان حكم الفرع أفضى إلى ~~المقصود من حكم الأصل لكان أولى بالتنصيص عليه فإن قيل ما ذكرتموه فرع تصور ~~الاختلاف في الأحكام الشرعية وليس كذلك وذلك لأن حكم الله هو كلامه وخطابه ~~وذلك مما لا اختلاف فيه وإنما الاختلاف في تعلقاته ومتعلقاته # وحكم الشارع بالوجوب لا يخالف حكمه بالتحريم من حيث هو حكم الله وكلامه # وإن وقع الاختلاف في أمر خارج كالذم على الفعل والذم على الترك بسبب ~~اختلاف محل الخطاب # ولا يخفى أن اختلاف محل الخطاب غير موجب لاختلاف الحكم في PageV03P274 ~~نفسه بدليل اشتراك الصوم والصلاة في حكم الوجوب والقتل والزنى في التحريم # وإن سلمنا تصور الاختلاف في نفس الحكم الشرعي ولكن ما المانع أن يكون ~~إفضاء حكم الفرع إلى المقصود أتم من إفضاء حكم الأصل إليه ms697 # قولكم لو كان كذلك لكان التنصيص عليه في الأصل أولى إنما يلزم أن لو لم ~~تكن فائدة التنصيص على حكم الأصل لقصد التنبيه بالأدنى على الأعلى وبتقدير ~~أن لا يكون ذلك مقصودا للشارع فإنما لم ينص عليه لاحتمال أن يكون ذلك لمانع ~~مختص به لا وجود له في حكم الأصل # والجواب عن السؤل الأول أنه ليس حكم الشارع عبارة عن مطلق كلامه وخطابه ~~ليصح ما قيل بل الخطاب المقيد بتعلق خاص كما بيناه في حد الحكم # وإذا كان التعلق داخلا في مفهوم الحكم فالتعلقات مختلفة ويلزم من ~~اختلافها اختلاف الأحكام PageV03P275 # وعن الثاني أنه لو كانت فائدة تخصيص حكم الأصل بالتنصيص عليه التنبيه به ~~على حكم الفرع لكان حكم الفرع ثابتا بمفهوم الموافقة لا بالقياس ولجاز ~~إثباته في الأصل وهو ممتنع # قولهم إنما لم ينص عليه لاحتمال اختصاصه بمانع # قلنا المانع إما أن يكون من لوازم صورة الأصل أو من لوازم مثل حكم الفرع ~~أو من لوازم اجتماع الأمرين فإن كان الأول فيلزم منه امتناع إثبات حكم ~~الأصل في الأصل بطريق الأولى ضرورة كون مقصوده أدنى من مقصود حكم الفرع على ~~ما وقع به الفرض # وإن كان الثاني فيلزم منه امتناع ثبوته في الفرع أيضا ضرورة أن ما هو ~~المانع من إثباته في الأصل من لوازم نفس ذلك الحكم # وإن كان الثالث فالأصل عدمه # الشرط الرابع أن لا يكون حكم الفرع منصوصا عليه وإلا ففيه قياس المنصوص ~~على المنصوص وليس أحدهما بالقياس على الآخر أولى من العكس # وهذا مما لا نعرف خلافا بين الأصوليين في اشتراطه # الشرط الخامس أن لا يكون حكم الفرع متقدما على حكم الأصل وذلك كما لو قاس ~~الشافعي الوضوء على التيمم في الافتقار إلى النية لأنه يلزم منه أن يكون ~~الحكم في الفرع ثابتا قبل كون العلة الجامعة في قياسه علة ضرورة كونها ~~مستنبطة من حكم متأخر عنه اللهم إلا أن يذكر ذلك بطريق الإلزام للخصم لا ~~بطريق مأخذ القياس # وقد شرط قوم أن يكون الحكم في ms698 الفرع ثابتا بالنص جملة لا تفصيلا وهو باطل # فإن الصحابة قاسوا قوله أنت علي حرام على الطلاق واليمين والظهار ولم ~~يوجد في الفرع نص لا جملة ولا تفصيلا PageV03P276 # # | الباب الثاني في مسالك إثبات العلة الجامعة في القياس # # | المسلك الأول الإجماع # وهو أن يذكر ما يدل على إجماع الأمة في عصر من الأعصار على كون الوصف ~~الجامع علة لحكم الأصل إما قطعا أو ظنا فإنه كاف في المقصود # وذلك # كإجماعهم على كون الصغر علة لثبوت الولاية على الصغير في قياس ولاية ~~النكاح على ولاية المال # فإن قيل فإذا كانت العلة مجمعا عليها قطعا فكيف يسوغ الخلاف معها في ~~مسائل الاجتهاد قلنا بأن يكون وجودها ظنيا في الأصل أو الفرع # وأما إن كان وجودها فيهما مع كونها مقطوعا بعليتهما فلا # # | المسلك الثاني النص الصريح # وهو أن يذكر دليل من الكتاب أو السنة على التعليل بالوصف بلفظ موضوع له ~~في اللغة من غير احتياج فيه إلى نظر واستدلال # وهو قسمان PageV03P277 # الأول ما صرح فيه بكون الوصف علة أو سببا للحكم الفلاني وذلك كما لو قال ~~العلة كذا أو السبب كذا # القسم الثاني ما ورد فيه حرف من حروف التعليل كاللام والكاف ومن وإن ~~والباء # أما ( اللام ) فكقوله تعالى @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس @QE@ الإسراء 78 ~~أي زوال الشمس # وكقوله تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ الذاريات 56 ~~وكقوله عليه السلام كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة أي ~~القوافل السيارة # وذلك يدل على التعليل بالوصف الذي دخلت عليه ( اللام ) لتصريح أهل اللغة ~~بأنها للتعليل # وأما ( الكاف ) فكقوله تعالى @QB@ كي لا يكون دولة بين الأغنياء @QE@ ~~الحشر 7 أي كي لا تبقى الدولة بين الأغنياء بل تنتقل إلى غيرهم # وأما ( من ) فكقوله تعالى @QB@ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل @QE@ ~~المائدة 32 # وأما ( إن ) فكقوله عليه السلام في قتلى أحد زملوهم بكلومهم فإنهم يحشرون ~~يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك وكقوله ~~عليه السلام في حق محرم وقصت به ناقته ms699 لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه ~~يبعث يوم القيامة ملبيا # وأما ( الباء ) فكقوله تعالى @QB@ جزاء بما كانوا يعملون @QE@ الأحقاف 14 # فهذه هي الصيغ الصريحة في التعليل وعند ورودها يجب اعتقاد التعليل إلا أن ~~يدل الدليل على أنها لم يقصد بها التعليل فتكون مجازا فيما قصد بها وذلك في ~~( اللام ) كما لو قيل لم فعلت كذا فقال لأني PageV03P278 قصدت أن أفعل وكما ~~في قول القائل أصلي لله وقول الشاعر لدوا للموت وابنوا للخراب فقصد الفعل ~~لا يصلح أن تكون علة للفعل وغرضا له وكذلك ذات الله تعالى لا تصلح أن تكون ~~علة للصلاة ولا الموت علة للولادة ولا الخراب علة للبناء بل علة الفعل ما ~~يكون باعثا على الفعل وهي الأشياء التي تصلح أن تكون بواعث # وكما في قوله تعالى @QB@ يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين @QE@ ~~الحشر 2 @QB@ ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله @QE@ الحشر 4 وليس كل من شاق ~~الله ورسوله يخرب بيته فليست المشاقة علة لخراب البيت اللهم إلا أن يحمل ~~لفظ الخراب على استحقاق الخراب أو على استحقاق العذاب فإنه يكون معللا ~~بالمشاقة # # | المسلك الثالث # # | ما يدل على العلية بالتنبيه والإيماء # وذلك بأن يكون التعليل لازما من مدلول اللفظ وضعا لا أن يكون اللفظ دالا ~~بوضعه على التعليل وهو ستة أقسام # القسم الأول ترتيب الحكم على الموصف بفاء التعقيب والتسبيب في كلام الله ~~أو رسوله أو الراوي عن الرسول # أما في كلام الله تعالى فكما في قوله تعالى @QB@ والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما @QE@ المائدة 38 @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~@QE@ المائدة 6 # وأما في كلام رسوله فكقوله عليه السلام من أحيا أرضا ميتة فهي له وقوله ~~ملكت نفسك فاختاري # وأما في كلام الراوي فكما في قوله سها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الصلاة فسجد وزنى ماعز فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV03P279 ~~وذلك في جميع هذه الصور يدل على أن ما رتب عليه الحكم ( بالفاء ) يكون علة ~~للحكم لكون ( الفاء ) في اللغة ظاهرة في التعقيب # ولهذا ms700 فإنه لو قيل جاء زيد فعمرو فإن ذلك يدل على مجيء عمرو عقيب مجيء ~~زيد من غير مهلة ويلزم من ذلك السببية لأنه لا معنى لكون الوصف سببا إلا ما ~~ثبت الحكم عقيبه وليس ذلك قطعا بل ظاهرا لأن ( الفاء ) في اللغة قد ترد ~~بمعنى الواو في إرادة الجمع المطلق وقد ترد بمعنى ( ثم ) في إرادة التأخير ~~مع المهلة كما سبق تعريفه # غير أنها ظاهرة في التعقيب بعيدة فيما سواه # وهذه الرتب متفاوتة فأعلاها ما ورد في كلام الله تعالى ثم ما ورد في كلام ~~رسوله ثم ما ورد في كلام الراوي وسواء كان فقهيا أو لم يكن لكنه إن كان ~~فقيها كان الظن بقوله أظهر وإذا لم يكن فقيها وإن كان في أدنى الرتب غير ~~أنه مغلب على الظن لأنه إذا قال سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد ~~فالظاهر من حاله مع كونه متدينا عالما بكون ( الفاء ) موضوعة للتعقيب أنه ~~لو لم يفهم أن السهو سبب للسجود وإلا لما رتب السجود على السهو بالفاء لما ~~فيه من التلبيس بنقل ما يفهم منه السببية ولا يكون سببا بل ولما كان تعليقه ~~للسجود بالسهو أولى من غيره # القسم الثاني ما لو حدثت واقعة فرفعت إلى النبي عليه السلام فحكم عقيبها ~~بحكم فإنه يدل على كون ما حدث علة لذلك الحكم # وذلك كما روي أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له هلكت ~~وأهلكت # فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ماذا صنعت فقال واقعت أهلي في نهار ~~رمضان عامدا # فقال له عليه السلام اعتق رقبة # فإنه يدل على كون الوقاع علة للعتق # وذلك لأنا نعلم أن الأعرابي إنما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن واقعته ~~لبيان حكمها شرعا وأن النبي عليه السلام إنما ذكر ذلك الحكم في معرض الجواب ~~له لا أنه ذكره ابتداء منه لما فيه من إخلاء السؤال عن الجواب وتأخير ~~البيان عن وقت الحاجة وكل ذلك وإن كان ممكنا إلا أنه على ms701 خلاف الظاهر وإذا ~~PageV03P280 # كان ذلك جوابا عن سؤاله فالسؤال الذي عنه الجواب يكون ذكره مقدرا في ~~الجواب في كلام المجيب فيصير كأنه قال واقعت فكفر # وقد عرف أن الوصف إذا رتب الحكم عليه في كلام الشارع بفاء التعقيب تحقيقا ~~فإنه يكون علة فكذلك إذا كان الحكم مرتبا عليه بفاء التعقيب تقديرا # ولهذا كان هذا القسم ملحقا بالقسم الذي قبله وإن كان دونه في الظهور ~~والدلالة لكون ( الفاء ) فيه مقدرة وفي الأول محققة ولاحتمال أن يكون قد ~~بدأ به لا عن قصد الجواب وذلك كما لو قال العبد لسيده قد طلعت الشمس أو ~~غربت # فقال له اسقني ماء فإنه لا يفهم منه الجواب لسؤاله ولا التعليل بل هو أمر ~~له ابتداء بسقي الماء وعدول عن السؤال بالكلية إما لذهوله عن السؤال أو ~~لعدم الالتفات اليه لعدم تعلق الغرض به غير أن هذا الاحتمال وإن كان منقدحا ~~ها هنا فهو بعيد في حق النبي عليه السلام فيما فرض السؤال عنه إذ الغالب ~~عدم الذهول وأنه إنما قصد الجواب حتى لا يكون مؤخرا للبيان عن وقت الحاجة ~~مع كونه خلاف الظاهر # القسم الثالث أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا لو لم يقدر التعليل به لما ~~كان لذكره فائدة ومنصب الشارع مما ينزه عنه وذلك لأن الوصف المذكور إما أن ~~يكون مذكورا مع الحكم في كلام الله تعالى أو كلام رسوله # فإن كان في كلام الله تعالى وقدرنا أنه لو لم يقدر التعليل به فذكره لا ~~يكون مفيدا ولا يخفى أن ذلك غير جائز في كلام الله تعالى إجماعا نفيا لما ~~لا يليق بكلامه عنه # وإن كان ذلك في كلام رسوله فلا يخفى أن الأصل إنما هو انتفاء العبث عن ~~العاقل في فعله وكلامه ونسبة ما لا فائدة فيه إليه لكونه عارفا بوجوه ~~المصالح والمفاسد فلا يقدم في الغالب على ما لا فائدة فيه # واذا كان ذلك هو الظاهر من آحاد العقلاء فمن هو أهل للرسالة عن الله ~~تعالى ونزول الوحي عليه وتشريع الأحكام ms702 أولى PageV03P281 # وإذا عرف ذلك فيجب اعتقاد كون الوصف المذكور في كلامه مع الحكم علة له # وهذا القسم على أصناف # وذلك لأن الشارع إما أن يذكر ذلك ابتداء من غير سؤال أو بعد السؤال # فإن كان من غير سؤال فهو الصنف الأول وذلك كما في حديث ابن مسعود ليلة ~~الجن حيث توضأ عليه السلام بماء كان قد نبذ فيه تميرات لاجتناب ملوحته فقال ~~ثمرة طيبة وماء طهور فإنه يدل على جواز الوضوء به # وإلا كان ذكره ضائعا # لكون ما ذكر ظاهرا غير محتاج إلى بيان # وان كان مع السؤال فلا يخلو إما أن يذكر ذلك الوصف في محل السؤال أو في ~~غيره فإن كان في محل السؤال فهو الصنف الثاني وذلك كما روي عنه عليه السلام ~~أنه سئل عن جواز بيع الرطب بالتمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم أينقص ~~الرطب إذا يبس فقالوا نعم # فقال فلا إذا فهذا وإن فهم منه أن النقصان علة امتناع بيع الرطب بالتمر ~~من ترتيبه الحكم على الوصف بالفاء واقترانه بحرف ( إذا ) وهي من صيغ ~~التعليل غير أنا لو قدرنا انتفاء هذين لبقي فهم التعليل بالنقصان بحاله ~~نظرا إلى أنه لو لم يقدر التعليل به لكان ذكره والاستفسار عنه غير مفيد # وإن كان في غير محل السؤال وهو أن يعدل في بيان الحكم إلى ذكر نظير لمحل ~~السؤال فهو الصنف الثالث # وذلك كما روي عنه عليه السلام أنه لما سألته الجارية الخثعمية وقالت يا ~~رسول الله إن أبي أدركته الوفاة وعليه فريضة الحج فإن حججت عنه أينفعه ذلك ~~فقال عليه السلام أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه ذلك فقالت ~~نعم # قال فدين الله أحق بالقضاء # فالخثعمية إنما سألت عن الحج والنبي عليه السلام ذكر PageV03P282 دين ~~الآدمي والحج من حيث هو دين نظير لدين الآدمي فذكره لنظير المسؤول عنه مع ~~ترتيب الحكم عليه يدل على التعليل به وإلا كان ذكره عبثا # ويلزم من كون نظير الواقعة علة للحكم المرتب عليها أن يكون المسؤول ms703 عنه ~~أيضا علة لمثل ذلك الحكم ضرورة المماثلة # وما مثل هذا يسميه الأصوليون التنبيه على أصل القياس # فكأنه نبه على الأصل وعلى علة حكمه وعلى صحة إلحاق المسؤول عنه بواسطة ~~العلة المومي إليها # وليس من هذا القبيل ما مثل به بعض الأصوليين وذلك كما روي عن عمر أنه سأل ~~النبي عليه السلام عن قبلة الصائم هل تفسد الصوم فقال عليه السلام أرأيت لو ~~تمضمضت أكان ذلك يفسد الصوم فقال لا وذلك لأن النبي عليه السلام إنما ذكر ~~ذلك بطريق النقض لما توهمه عمر من كون القبلة مفسدة للصوم لكونها مقدمة ~~للوقاع المفسد للصوم فنقض النبي عليه السلام ذلك بالمضمضة فإنها مقدمة ~~للشرب المفسد للصوم وليست مفسدة للصوم أما أن يكون ذلك تنبيها على تعليل ~~عدم الإفساد بكون المضمضة مقدمة للفساد فلا # وذلك لأن كون القبلة والمضمضة مقدمة لإفساد الصوم ليس فيه ما يتخيل أن ~~يكون مانعا من الإفطار بل غايته أن لا يكون مفطرا فكان الأشبه بما ذكره ~~النبي عليه السلام أن يكون نقضا لا تعليلا # وأيضا فإن الأصل أن يكون الجواب مطابقا للسؤال لا زائدا عليه ولا ناقصا ~~عنه أما الزيادة فلعدم تعلق الغرض بها PageV03P283 # وأما النقصان فلما فيه من الإخلال بمقصود السائل # وعمر إنما سأل عن كون القبلة مفسدة للصوم أم لا فالجواب المطابق إنما ~~يكون بما يدل على الإفساد أو عدمه # وكون القبلة علة لنفي الفساد غير مسؤول عنه فلا يكون اللفظ الدال على ذلك ~~جوابا مطابقا للسؤال بخلاف النقض فإنه يتحقق به أن القبلة غير مفسدة فكان ~~جوابا مطابقا للسؤال # القسم الرابع أن يفرق الشارع بين أمرين في الحكم بذكر صفة فإن ذلك يشعر ~~بأن تلك الصفة هي علة التفرقة في الحكم حيث خصصها بالذكر دون غيرها فلو لم ~~تكن علة لكان ذلك على خلاف ما أشعر به اللفظ وهو تلبيس يصان منصب الشارع ~~عنه # وذلك منقسم إلى ما يكون حكم أحد الأمرين مذكورا في ذلك الخطاب دون ذكر ~~الآخر وإلى ما لا يكون مذكورا فيه ms704 الأول كما في قوله عليه السلام القاتل لا ~~يرث فإنه خصص القاتل بعدم الميراث بعد سابقة إرث من يرث # والثاني فمنه ما تكون التفرقة فيه بلفظ الشرط والجزاء كقوله لا تبيعوا ~~البر بالبر إلى قوله فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد ومنه ما ~~يكون بالغاية كقوله تعالى @QB@ ولا تقربوهن حتى يطهرن @QE@ البقرة 222 ومنه ~~ما يكون بالاستثناء كقوله تعالى @QB@ فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون @QE@ ~~البقرة 237 ومنه ما يكون بلفظ الاستدراك كقوله تعالى @QB@ لا يؤاخذكم الله ~~باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان @QE@ PageV03P284 ~~المائدة 89 ومنه أن يستأنف أحد الشيئين بذكر صفة من صفاته بعد ذكر الآخر ~~كقوله عليه السلام للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم # القسم الخامس أن يكون الشارع قد أنشأ الكلام لبيان مقصود وتحقيق مطلوب ثم ~~يذكر في أثنائه شيئا آخر لو لم يقدر كونه علة لذلك الحكم المطلوب لم يكن له ~~تعلق بالكلام لا بأوله ولا بآخره فإنه يعد خبطا في اللغة واضطرابا في ~~الكلام وذلك مما تبعد نسبته إلى الشارع وذلك كقوله تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا ~~البيع @QE@ فالآية إنما سيقت لبيان أحكام الجمعة لا لبيان أحكام البيع # فلو لم يعتقد كون النهي عن البيع علة للمنع عن السعي الواجب إلى الجمعة ~~لما كان مرتبطا بأحكام الجمعة وما سيق له الكلام ولا تعلق به وذلك ممتنع ~~لما سبق # وقوله تعالى @QB@ وذروا البيع @QE@ وإن كانت صيغته صيغة أمر إلا أنه في ~~معنى النهي إذا النهي طلب ترك الفعل # وقوله تعالى @QB@ وذروا البيع @QE@ طلب لترك البيع فكان نهيا # القسم السادس أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا مناسبا كقوله عليه السلام لا ~~يقضي القاضي وهو غضبان فإنه يشعر بكون الغضب علة مانعة من القضاء لما فيه ~~من تشويش الفكر واضطراب الحال وكذلك اذا قال أكرم العالم وأهن الجاهل فإنه ~~يسبق إلى الفهم منه أن العلم علة للإكرام والجهل علة للإهانة وذلك لوجهين # الأول ما ms705 ألف من عادة الشارع من اعتبار المناسبات دون إلغائها فإذا قرن ~~بالحكم في لفظه وصفا مناسبا غلب على الظن اعتباره له PageV03P285 # الثاني ما علمنا من حال الشارع أنه لا يرد بالحكم خليا عن الحكمة إذ ~~الأحكام إنما شرعت لمصالح العبيد وليس ذلك بطريق الوجوب بل بالنظر إلى جري ~~العادة المألوفة من شرع الأحكام فإذا ذكر مع الحكم وصفا مناسبا غلب على ~~الظن أنه علة له إلا أن يدل الدليل على أنه لم يرد به ما هو الظاهر منه ~~فيجوز تركه # وذلك كما في قوله لا يقضي القاضي وهو غضبان فإنه وإن دل بظاهره على أن ~~مطلق الغضب علة فجواز القضاء مع الغضب اليسير يدل على أن مطلق الغضب ليس ~~بعلة بل الغضب المانع من استيفاء النظر # وإذا عرفت أقسام الوصف المومي إليه ترتب عليه النظر في مسألتين # # | المسألة الاولى # اختلف الأصوليون في اشتراط مناسبة الوصف المومي إليه فأثبته قوم ونفاه ~~آخرون كالغزالي وأتباعه # حجة من قال باشتراط المناسبة أن الغالب من تصرفات الشارع أن تكون على وفق ~~تصرفات العقلاء وأهل العرف # ولو قال الواحد من أهل العرف لغيره أكرم الجاهل وأهن العالم قضى كل عاقل ~~أنه لم يأمر بإكرام الجاهل لجهلة ولا أن أمره بإهانة العلم لعلمه وإن ذلك ~~لا يصلح للتعليل نظرا إلى أن تصرفات العقلاء لا تتعدى مسالك الحكمة وقضايا ~~العقل # وأيضا فإن الاتفاق من الفقهاء واقع على امتناع خلو الاحكام الشرعية عن ~~الحكم إما بطريق الوجوب على رأي المعتزلة وإما بحكم الاتفاق على رأي ~~أصحابنا وسواء ظهرت الحكمة أم لم تظهر PageV03P286 # وما يعلم قطعا أنه لا مناسبة فيه ولا وهم المناسبة يعلم امتناع التعليل ~~به # والمختار أن تقول أما ما كان من القسم السادس الذي فهم التعليل فيه ~~مستندا إلى ذكر الحكم مع الوصف المناسب فلا يتصور فهم التعليل فيه دون فهم ~~المناسبة لأن عدم المناسبة فيما المناسبة شرط فيه يكون تناقضا # وأما ما سواه من الأقسام فلا يمتنع التعليل فيها بما لا مناسبة فيه إلا ~~أن ms706 تكون العلة بمعنى الباعث وأما بمعنى الأمارة والعلامة فلا # وعلى هذا فما ذكروه من الحجة على امتناع التعليل بالوصف الطردي إنما يصح ~~إن لو قيل إن التعليل بالوصف الطردي بمعنى الباعث ولا اتجاه لها في التعليل ~~بمعنى الأمارة والعلامة # وعلى هذا فلا امتناع في جعل الجهل علامة على الإكرام والعلم علامة على ~~الإهانة إذا لم يكن هو الباعث بل الباعث غيره # # | المسألة الثانية # اتفقوا على صحة الإيماء فيما إذا كان حكم الوصف المومي إليه مدلولا عليه ~~بصريح اللفظ كالأمثلة السابق ذكرها # وأما إذا كان اللفظ يدل على الوصف بصريحه والحكم مستنبط منه غير مصرح به ~~كما في قوله تعالى @QB@ وأحل الله البيع وحرم الربا @QE@ فإن اللفظ بصريحة ~~يدل على الحل والصحة مستنبطة منه # ووجه استنباط الصحة منه أنه لو لم يكن البيع صحيحا لم يكن مثمرا إذ هو ~~معنى نفي الصحة وإذا لم يكن مثمرا مفيدا كان تعاطيه عبثا والعبث مكروه ~~والمكروه لا يحل # وعند ذلك فيلزم من الحل الصحة لتعذر الحل مع انتفاء الصحة PageV03P287 ~~فهذا مما اختلف في كونه مومى إليه فذهب قوم إلى امتناع الإيماء تمسكا منهم ~~بأن الإيماء إنما يتحقق إذا دل اللفظ بوضعه على الوصف والحكم كما سبق من ~~الأمثلة # وأما اذا دل على الوصف بالوضع وكان الحكم مستنبطا منه فلا يدل ذلك على ~~كونه مومي إليه كما إذا دل اللفظ على الحكم بوضعه وكان الوصف مستنبطا منه ~~فإنه لا يدل على الإيماء إلى الوصف وذلك كما في قوله عليه السلام حرمت ~~الخمرة لعينها فإنه يدل على الحكم وهو التحريم وضعا والشدة المطربة علة ~~مستنبطة منه وليست مومي إليها # وذهب المحققون إلى كونه مومي إليه وهو الحق # وذلك لأنه إذا كان اللفظ بصريحه يدل على الوصف وهو الحل والصحة لازمة له ~~لما تقرر فإثبات الحل وضعا يدل على إرادة ثبوت الصحة ضرورة كونها لازمة ~~للحل فيكون ثابتا بإثبات الشارع له مع وصف الحل وإثبات الشارع للحكم مقترنا ~~بذكر وصف مناسب دليل الإيماء إلى الوصف كما لو ms707 ذكر معه الحكم بلفظ يدل عليه ~~وضعا ضرورة تساويهما في الثبوت وإن اختلفا في طريق الثبوت بأن كان أحدهما ~~ثابتا بدلالة اللفظ وضعا والآخر مستنبطا من مدلول اللفظ وضعا لأن الإيماء ~~إنما كان مستفادا عند ذكر الحكم والوصف بطريق الوضع من جهة اقتران الحكم ~~بالوصف لا من جهة كون الحكم ثابتا بطريق الوضع # وهذا بخلاف ما إذا كان الحكم مدلولا عليه وضعا والوصف مستنبط منه # وذلك لأن الوصف المستنبط من الحكم المصرح به كما في المثال المذكور لم ~~يكن وجوده لازما من الحكم المصرح به ولا مناسبته لتحققه قبل شرع الحكم ~~بخلاف الصحة مع الحل كما تقدم تحقيقه # والمعتبر في الإيماء أن يكون الوصف المومي إليه مذكورا في كلام ~~PageV03P288 الشارع مع الحكم أو لازما من مدلول كلامه # والأمران مفقودان في الوصف المستبط بخلاف الحل مع الصحة # # | المسلك الرابع في إثبات العلة بالسير والتقسيم # وذلك أن يقال الحكم الثابت في الأصل إما أن يكون ثابتا لعلة أو لا لعلة ~~لا جائز أن يقال بالثاني إذا هو خلاف إجماع الفقهاء # على أن الحكم لا يخلو عن علة إما بجهة الوجوب كما قالت المعتزلة أو لا ~~بجهة الوجوب كقول أصحابنا # وبتقدير جواز خلوه عن العلة فالخلو عنها على خلاف الغالب المألوف من شرع ~~الأحكام وذلك يدل ظاهرا على استلزام الحكم فيما نحن فيه للعلة وإذا كان لا ~~بد له من علة فإما بأن تكون ظاهرة أو غير ظاهرة لا جائز أن تكون غير ظاهرة ~~وإلا كان الحكم تعبدا وهو خلاف الأصل لوجوه ثلاثة الأول أن إثبات الحكم ~~بجهة التعقل أغلب من إثباته بجهة التعبد وإدراج ما نحن فيه تحت الغالب أغلب ~~على الظن # الثاني أنه إذا كان الحكم معقول المعنى كان على وفق المألوف من تصرفات ~~العقلاء وأهل العرف والأصل تنزيل التصرفات الشرعية على وزان التصرفات ~~العرفية # الثالث أنه إذا كان معقول المعنى كان أقرب إلى الانقياد وأسرع في القبول ~~فكان أفضى إلى تحصيل مقصود الشارع من شرع الحكم فكان أولى وإذا كان ms708 لا بد ~~من علة ظاهرة # فإذا قال المناظر الموجود في محل الحكم لا يخرج عن وصفين أو ثلاثة مثلا ~~لأني بحثت وسبرت فلم أطلع PageV03P289 على ما سواه وكان أهلا للنظر بأن ~~كانت مدارك المعرفة بذلك لديه متحققة من الحس والعقل وكان عدلا ثقة فيما ~~يقول # والغالب من حاله الصدق غلب على الظن انتفاء ما سوى المذكور من الأوصاف أو ~~قال الأصل عدم كل موجود سوى ما وجد من الأوصاف المذكورة # إلا أن يدل الدليل عليه # والأصل عدم ذلك الدليل فإنه يغلب على الظن الحصر فيما عينه # وإذا ثبت حصر الأوصاف فيما عينه فإذا بين بعد ذلك حذف البعض عن درجة ~~الاعتبار في التعليل بدليل صالح مساعد له عليه بحيث يغلب على الظن ذلك ~~فيلزم من مجموع الأمرين انحصار التعليل فيما استبقاه ضرورة امتناع خلو محل ~~الحكم عن علة ظاهرة وامتناع وجود ما وراء الأوصاف المذكورة وامتناع إدراج ~~المحذوف في التعليل لما دل عليه الدليل # فإن قيل لعله لم يبحث ولم يسبر وإن بحث وسبر فلعله وجد وصفا وراء ما أدعى ~~الحصر فيه ولم يذكره ترويجا لكلامه وإن لم يجد شيئا وراء المذكور فلا يدل ~~ذلك على عدمه فإن عدم العلم بالوصف جهل به والجهل بوجود الوصف لا يدل على ~~عدمه وإن دل على عدمه بالنسبة إلى الباحث فلا يدل على عدمه بالنسبة إلى ~~الخصم فإنه ربما كان عالما بوجود وصف آخر وراء المذكور # وعند ذلك فلا ينتهض بحث المستدل دليلا في نظر خصمه على العدم لعلمه ~~بمناقضته # ثم وإن دل ذلك على حصر الأوصاف فيما ذكره فحذف بعض الأوصاف عن درجة ~~الاعتبار في التعليل إنما يلزم منه انحصار التعليل في المستبقي أن لو كان ~~الحكم في محل التعليل معقول المعنى # وإما على تقدير كونه غير معقول المعنى فلا لأنه جاز أن يشترك المحذوف ~~والمستبقي في انتفاء الاعتبار وإن كان الحكم معقول المعنى فغاية ما في حذف ~~الوصف المحذوف إبطال معارض العلة # ولا يلزم من ذلك صحة كون المستبقي علة لأن ms709 صحة العلة إنما تكون بالنظر ~~إلى وجود مصححها لا بالنظر إلى انتفاء معارضها # قلنا إذا كان الباحث مسلما عدلا فالظاهر أنه صادق فيما أخبر به من البحث ~~وعدم الاطلاع على وصف آخر # وعند ذلك فالقضاء بنفي الوصف لا PageV03P290 يكون مستندا إلى عدم العلم ~~به بل بناء على الظن بعدمه فإن الظن بعدم الشيء ملازم للبحث عن ذلك الشيء ~~ممن هو أهله مع عدم الاطلاع عليه # وعند ذلك فالظاهر أنه لو كان الخصم يعلم وجود وصف آخر لأبرزه وأظهره ~~إفحاما لخصمه وإظهارا لعلم مست الحاجة إلى اظهاره فدعوى العلم منه بوجود ~~وصف آخر من غير بيان مع إمكان البيان لا يكون مقبولا لظهور العناد فيه ولو ~~بين الخصم وجود وصف آخر فإنا وإن تبينا انخرام حصر المستدل به # غير أنه إذا أدرجه في الإبطال معما أبطل فإنه لا يعد منقطعا فيما يقصده ~~من التعليل بالوصف المستبقي # واذا ثبت انحصار الأوصاف في القدر المذكور فلا يخفى أنه إذا أخرج البعض ~~عن درجة الاعتبار تعين انحصار التعليل في المستبقي فإنه وإن جاز أن يكون ~~الحكم تعبدا غير أنه بعيد لما سبق تقريره # وليس القضاء بكون المستبقي علة بناء على إبطال المعارض بل على أن الحكم ~~في محل التعليل لا بد له من علة ظاهرا # وعند ذلك يغلب على الظن انحصارها في الأوصاف المذكورة # فإذا قام الدليل على إبطال البعض غلب على الظن التعليل بالمستبقي ويكون ~~ذلك الظن مستفادا من جملة القواعد الممهدة لا من نفس إبطال المعارض # هذا كله في حق المناظر # وأما الناظر المجتهد فإنه مهما غلب على ظنه شيء من ذلك فلا يكابر نفسه ~~وكان مؤاخذا بما أوجبه ظنه وعند ذلك فلا بد من بيان طرق الحذف # الأول منها أن يبين المستدل أن الوصف الذي استبقاه قد ثبت به الحكم في ~~صورة بدون الوصف المحذوف وهو ملقب بالإلغاء وهو شديد الشبه بالعكس الذي ليس ~~بمقبول وسيأتي الفرق بينهما # ولا بد من بيان ثبوت الحكم مع الوصف المستبقي فإنه لو ثبت دونه ms710 كما ثبت ~~المحذوف كان ذلك إلغاء للمستبقي أيضا وعند ذلك فيتبين استقلال المستبقي ~~بالتعليل ومع ظهور ذلك فيمتنع إدخال الوصف المحذوف في التعليل في محل ~~التعليل PageV03P291 لأنه يلزم منه إلغاء وصف المستدل في الفرع مع استقلاله ~~ضرورة تخلف ما لم يثبت كونه مستقلا وهو ممتنع # ويمتنع أيضا إضافة الحكم في محل التعليل إلى الوصف المحذوف لا غير لما ~~فيه من إثبات الحكم بما لم يثبت استقلاله وإلغاء ما ثبت استقلاله وهو ممتنع # لكن لقائل أن يقول دعوى استقلال الوصف المستبقي في صورة الإلغاء بالتعليل ~~من مجرد إثبات الحكم مع وجوده وانتفاء الوصف المحذوف غير صحيحة فإنه لو كان ~~مجرد ثبوت الحكم مع الوصف في صورة الإلغاء كافيا في التعليل بدون ضميمة ما ~~يدل على استقلالة بطريق من طرق إثبات العلة لكان ذلك كافيا في أصل القياس ~~ولم يكن إلى البحث والسبر حاجة # وكذا غيره من الطرق فإذا لا بد من بيان الاستقلال بالاستدلال ببعض طرق ~~إثبات العلة وعند ذلك إن شرع المستدل في بيان الاستقلال ببعض طرق إثبات ~~العلة فإن بين الاستقلال في صورة الإلغاء بالبحث والسبر كما أثبت ذلك في ~~الأصل الأول فقد استقلت صورة الإلغاء بالاعتبار وأمكن أن تكون أصلا لعلته ~~وتبينا أن الأصل الأول لا حاجة إليه فإن المصير إلى أصل لا يمكن التمسك به ~~في الاعتبار إلا بذكر صورة أخرى مستقلة بالاعتبار يكون تطويلا بلا فائدة ~~وإن بين الاستقلال بطريق آخر فيلزمه مع هذا المحذور محذور آخر وهو الانتقال ~~في إثبات كون الوصف # علة من طريق إلى طريق آخر وهو شنيع في مقام النظر # الطريق الثاني أن يكون ما يحذفه من جنس ما ألفنا من الشارع عدم الالتفات ~~إليه في إثبات الأحكام كالطول والقصر والسواد والبياض ونحوه # الطريق الثالث أن يكون ما يحذفه من جنس ما ألفنا من الشارع إلغاءه في جنس ~~ذلك الحكم المعلل فيجب إلغاؤه وإن كان مناسبا # وذلك كما في قوله عليه السلام من أعتق شركا له من عبد قوم عليه نصيب ~~شريكه ms711 فإنه وإن أمكن تقرير مناسبة بين صفة الذكورة وسراية العتق غير أنا ~~لما عهدنا من PageV03P292 الشارع التسوية بين الذكر والأنثى في أحكام العتق ~~ألغينا صفة الذكورة في السراية بخلاف ما عداه من الأحكام # الطريق الرابع إذا قال بحثت في الوصف المحذوف فلم أجد فيه مناسبة ولا ما ~~يوهم المناسبة وكان أهلا للنظر والبحث عدلا فالظاهر صدقه وأن الوصف غير ~~مناسب ويلزم من ذلك حذفه ضرورة كون العلة في الأصل بمعنى الباعث على ما ~~تقرر قبل وامتناع اعتبار ما لا يكون مناسبا # فإن قيل البحث والسبر وإن دل على عدم المناسبة في الوصف المحذوف فللمعترض ~~أن يقول بحثت في الوصف المستبقي فلم أجد فيه مناسبة # وعند ذلك فإن بين المستدل المناسبة فيه فقد انتقل في إثبات العلة من ~~طريقة السبر إلى المناسبة # وإن لم يبين ذلك لم يكن وصف المعترض بالحذف أولى من وصف المستدل # قلنا إن كان قد سبق من المعترض تسليم مناسبة كل واحد من الوصفين فلا يسمع ~~منه بعد بيان المستدل نفي المناسبة في الوصف المحذوف منع المناسبة في ~~المستبقي لكون مانعا لما سلمه ولا يجب على المستدل بيان المناسبة في الوصف ~~المستبقي # وإن لم يسبق من المعترض تسليم ذلك فللمستدل طريق صالح في دفع السؤال من ~~غير حاجة إلى بيان المناسبة في الوصف المستبقي وهو ترجيح سبره على سبر ~~المعترض بموافقته للتعدية وموافقة سبر المعترض للقصور والتعدية أولى من ~~القصور على ما يأتي تقريره في الترجيحات # # | المسلك الخامس في إثبات العلة المناسبة والإحالة # ويشتمل على ثمانية فصول PageV03P293 # | الفصل الأول في تحقيق معنى المناسب قال أبو زيد المناسب # عبارة عما لو عرض على العقول تلقته بالقبول # وما ذكره وإن كان موافقا للوضع اللغوي حيث يقال هذا الشيء مناسب لهذا ~~الشيء أي ملائم له غير أن تفسير المناسب بهذا المعنى وإن أمكن أن يتحققه ~~الناظر مع نفسه فلا طريق للمناظر إلى إثباته على خصمه في مقام النظر لإمكان ~~أن يقول الخصم هذا مما لم يتلقه عقلي بالقبول فلا يكون ms712 مناسبا بالنسبة الي ~~وإن تلقاه عقل غيري بالقبول # فإنه ليس الاحتجاج علي بتلقي عقل غيري له بالقبول أولى من الاحتجاج على ~~غيري بعدم تلقي عقلي له بالقبول وعلى هذا بني أبو زيد امتناع التمسك في ~~إثبات العلة في مقام النظر بالمناسبة وقران الحكم بها وإن لم يمتنع التمسك ~~بذلك في حق الناظر لأنه لا يكابر نفسه فيما يقضي به عقله # والحق في ذلك أن يقال المناسب عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب ~~الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودا من شرع ذلك الحكم # وسواء كان ذلك الحكم نفيا أو إثباتا # وسواء كان ذلك المقصود جلب PageV03P294 مصلحة أو دفع مفسدة # وهو أيضا غير خارج عن وضع اللغة لما بينه وبين الحكم من التعلق والارتباط # وكل ما له تعلق بغيره وارتباط فإنه يصح لغة أن يقال إنه مناسب له # ولا يخفى إمكان إثبات مثل ذلك في مقام النظر على الخصم بما لو أعرض عنه ~~الخصم وأصر معه على المنع كان معاندا PageV03P295 # # | الفصل الثاني في تحقيق معنى المقصود المطلوب من شرع الحكم # المقصود من شرع الحكم إما جلب مصلحة أو دفع مضرة أو مجموع الأمرين ~~بالنسبة إلى العبد لتعالى الرب تعالى عن الضرر والانتفاع # وربما كان ذلك مقصودا للعبد لأنه ملائم له وموافق لنفسه # ولذلك إذا خير العاقل بين وجود ذلك وعدمه اختار وجوده على عدمه # وإذا عرف أن المقصود من شرع الحكم إنما هو تحصيل المصلحة أو دفع المضرة ~~فذلك إما أن يكون في الدنيا أو في الآخرة فإن كان في الدنيا فشرع الحكم إما ~~أن يكون مفضيا إلى تحصيل أصل المقصود ابتداء أو دواما أو تكميلا # فالأول مثل القضاء بصحة التصرف الصادر من الأهل في المحل تحصيلا لأصل ~~المقصود المتعلق به من الملك أو المنفعة كما في البيع والإجارة ونحوهما # وأما الثاني فكالقضاء بتحريم القتل وإيجاب القصاص على من قتل الله تبارك ~~وتعالى رضي الله عنهن الرب عز وجل PageV03P296 عمدا عدوانا لإفضائه إلى ~~دوام المصلحة المعلقة بالنفس ms713 الإنسانية المعصومة # وأما الثالث فكالحكم باشتراط الشهادة ومهر المثل في النكاح فإن مكمل ~~لمصلحة النكاح لا أنه محصل لأصلها لحصولها بنفس اعتبار التصرف وصحته # وأما في الاخرى فالمقصود العائد إليها من شرع الحكم لا يخرج عن جلب ~~الثواب ودفع العقاب # فالأول كالحكم بإيجاب الطاعات وأفعال العبادات لإفضائه إلى نيل الثواب ~~ورفع الدرجات # والثاني فكالحكم بتحريم أفعال المعاصي وشرع الزواجر عليها دفعا لمحذور ~~العقاب المرتب عليها PageV03P297 # | الفصل الثالث في بيان مراتب إفضاء الحكم إلى المقصودمن شرع الحكم ~~واختلافها # المقصود إما أن يكون حاصلا من شرع الحكم يقينا أو ظنا أو أن الحصول وعدمه ~~متساويان أو أن عدم الحصول راجح على الحصول # أما الأول فمثاله إفضاء الحكم بصحة التصرف بالبيع إلى إثبات الملك # وأما الثاني فكشرع القصاص المرتب على القتل العمد العدوان صيانة للنفس ~~المعصومة عن الفوات فإنه مظنون الحصول راجح الوقوع إذ الغالب من حال العاقل ~~أنه إذا علم أنه إذا قتل قتل أنه لا يقدم على القتل فتبقى نفس المجني عليه ~~إلى نظائره من الزواجر وليس ذلك مقطوعا به لتحقق الإقدام على القتل مع شرع ~~القصاص كثيرا # وأما القسم الثالث فقلما يتفق له في الشرع مثال على التحقيق بل على طريق ~~التقريب وذلك كشرع الحد على شرب الخمر لحفظ العقل فإن إفضاءه إلى ذلك متردد ~~حيث إنا نجد كثرة الممتنعين عنه مقاومة لكثرة المقدمين عليه لا على وجه ~~الترجيح والغلبة لأحد الفريقين على الآخر في العادة # ومثال القسم الرابع إفضاء الحكم بصحة نكاح الآيسة إلى مقصود التوالد ~~والتناسل فإنه وإن كان ممكنا عقلا غير أنه بعيد عادة فكان الإفضاء إليه ~~مرجوحا PageV03P298 # فهذه الأقسام الأربعة وإن كانت مناسبة نظرا إلى أنها موافقة للنفس غير أن ~~أعلاها القسم الأول لتيقنه ويليه الثاني لكونه مظنونا راجحا # ويليه الثالث لتردده ويليه الرابع لكونه مرجوحا # والقسمان الأولان متفق على صحة التعليل بهما عند القائلين بالمناسبة # وأما القسم الثالث والرابع فلكون المقصود فيهما غير ظاهر للمساواة في ~~الثالث والمرجوحية في الرابع # فالاتفاق واقع على صحة التعليل ms714 بهما إذا كان ذلك في آحاد الصور الشاذة ~~وكان المقصود ظاهرا من الوصف في غالب صور الجنس وإلا فلا # وذلك كما ذكرناه من مثال صحة نكاح الآيسة لمقصود التوالد فإنه وإن كان ~~غير ظاهر بالنسبة إلى الآيسة إلا انه ظاهر فيما عداها # وعلى هذا فلو خلا الوصف الذي رتب عليه الحكم عن المقصود الموافق للنفس ~~قطعا وإن كان ظاهرا في غالب صور الجنس كما في لحوق النسب في نكاح المشرقي ~~للمغربية وشرع الاستبراء في شراء الجارية لمعرفة فراغ الرحم فيما إذا اشترى ~~الجارية ممن باعها منه في مجلس البيع الأول لعلمنا بفراغ رحمها من غيره ~~قطعا وإن كان ذلك ظاهرا في غالب صور الجنس فيما عدا هذه الصور فلا يكون ~~مناسبا ولا يصح التعليل به لأن المقصود من شرع الأحكام الحكم فشرع الأحكام ~~مع انتفاء الحكمة يقينا لا يكون مفيدا فلا يرد به الشرع خلافا لأصحاب أبي ~~حنيفة PageV03P299 # | الفصل الرابع في أقسام المقصود من شرع الحكم واختلاف مراتبه في نفسه ~~وذاته # وهو لا يخلو إما أن يكون من قبيل المقاصد الضرورية أو لا يكون من قبيل ~~المقاصد الضرورية # فإن كان من قبيل المقاصد الضرورية فإما أن يكون أصلا أو لا يكون أصلا # فإن كان أصلا فهو الراجع إلى المقاصد الخمسة التي لم تخل من رعايتها ملة ~~من الملل ولا شريعة من الشرائع وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال ~~فإن حفظ هذه المقاصد الخمسة من الضروريات وهي أعلى مراتب المناسبات # والحصر في هذه الخمسة الأنواع إنما كان نظرا إلى الواقع العلم بانتفاء ~~مقصد ضروري خارج عنها في العادة # أما حفظ الدين فبشرع قتل الكافر المضل وعقوبة الداعي إلى البدع # وأما حفظ النفوس فبشرع القصاص # وأما حفظ العقول فبشرع الحد على شرب المسكر PageV03P300 # وأما حفظ الأموال التي بها معاش الخلق فبشرع الزواجر للغصاب والسراق # وأما إن لم يكن أصلا فهو التابع المكمل للمقصود الضروري # وذلك كالمبالغة في حفظ العقل بتحريم شرب القليل من المسكر الداعي إلى ~~الكثير وإن لم يكن مسكرا ms715 # فإن أصل المقصود من حفظ العقل حاصل بتحريم شرب المسكر لا بتحريم قليله ~~وإنما يحرم القليل للتكميل والتتميم # وأما إن لم يكن المقصود من المقاصد الضرورية فإما أن يكون من قبيل ما ~~تدعو حاجة الناس إليه أو لا تدعو إليه الحاجة # فإن كان من قبيل ما تدعو إليه الحاجة فإما أن يكون أصلا أو لا يكون أصلا # فإن كان أصلا فهو القسم الثاني الراجع إلى الحاجات الزائدة # وذلك كتسليط الولي على تزويج الصغيرة لا لضرورة ألجأت إليه بل لحاجة ~~تقييد الكفوء الراغب خيفة فواته عند دعو الحاجة إليه بعد البلوغ لا إلى خلف # وأما تسليط الولي على تربية الصغير وإرضاعه وشرآء المطعوم والملبوس له ~~فليس من هذا القبيل بل من قبيل الضروريات الأصلية التي لا تخلو شريعة عن ~~رعايتها # وهذا القسم في الرتبة دون القسم الأول ولهذا جاز اختلاف الشرائع فيه دون ~~القسم الأول وهو في محل المعارضة مع ما كان من قبيل التكملة والتتمة للقسم ~~الأول # ولهذا اشتركا في جواز اختلاف الشرائع فيهما # وإن لم يكن أصلا فهو التابع الجاري مجرى التتمة والتكملة للقسم الثاني ~~وذلك كرعاية الكفاءة ومهر المثل في تزويج الصغيرة فإنه أفضى إلى دوام ~~النكاح وتكميل مقاصده وإن كان أصل المقصود حاصلا دون ذلك PageV03P301 # وهذا النوع في الرتبة دون ما تقدم أما بالنظر إلى المقصود الذي هو من باب ~~الضرورات والحاجات فظاهر وأما بالنظر إلى ما هو من قبيل التكملة للمقصود ~~الضروري فلكونه مكملا لما ليس بضروري # وأما إن كان المقصود ليس من قبيل الحاجات الزائدة فهو القسم الثالث وهو ~~ما يقع موقع التحسين والتزيين ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات ~~وذلك كسلب العبيد أهلية الشهادة من حيث إن العبد نازل القدر والمنزلة لكونه ~~مستسخرا للمالك مشغولا بخدمته فلا يليق به منصب الشهادة لشرفها وعظم خطرها ~~جريا للناس على ما ألفوه وعدوه من محاسن العادات وإن كان لا تتعلق به حاجة ~~ضرورية ولا زائدة ولا هو من قبيل التكملة لأحدهما وليس هذا من قبيل سلب ~~ولايته ms716 على الطفل فإن سلب ولايته من قبيل الحاجات لأن الولاية على الطفل ~~تستدعي الخلو والفراغ والنظر في أحواله واستغراق العبد بما هو الواجب عليه ~~من خدمة مالكه مانع له من ذلك # ولا كذلك في الشهادة لاتفاقهما في بعض الأحيان PageV03P302 # # | الفصل الخامس # اختلفوا في الحكم إذا ثبت لوصف مصلحي على وجه يلزم منه وجود مفسدة مساوية ~~له أو راجحة عليه هل تنخرم مناسبته أو لا فأثبته قوم ونفاه آخرون # وقد احتج من قال ببقاء المناسبة من وجوه أربعة # الأول أن مناسبة الوصف تنبني على ما فيه من المصلحة والمصلحة أمر حقيقي ~~لا تختل بمعارضة المفسدة # ودليله أن المصلحة والمفسدة المتعارضتان إما أن يتساويا أو تترجح إحداهما ~~على الأخرى # فإن كان الأول فإما أن تبطل كل إحداة منهما بالأخرى أو أن تبطل إحداهما ~~بالأخرى من غير عكس أو لا تبطل واحدة منها بالأخرى الأول محال لأن عدم كل ~~واحدة منهما إنما هو بوجود الأخرى وذلك يجر إلى وجودهما مع عدمهما ضرورة أن ~~العلة لا بد وأن تكون متحققة مع المعلول والثاني محال لعدم الأولوية ~~PageV03P303 والثالث هو المطلوب وإن كانت إحداهما أرجح من الأخرى فلا يلزم ~~منه إبطال المرجوحة إلا أن تكون بينهما منافاة ولا منافاة لما بيناه من ~~جواز اجتماعهما في القسم الأول ولأن الراجحة منهما إذا كانت معارضة ~~بالمرجوحة فإما أن ينتفي شيء من الراجحة لأجل المرجوحة أو لا ينتفي منها ~~شيء فإن كان الأول فهو محال أن تتساويا لما سبق في القسم الأول ولأنه ليس ~~انتفاء بعض الراحج وبقاء بعضه أولى من العكس ضرورة التساوي في الحقيقة وإن ~~تفاوتا فالكلام في الراجح كالكلام في الأول وهو تسلسل ممتنع # وإذا كانت المصلحة لا تختل بمعارضة المفسدة فالعقل يقضي بمناسبتها للحكم ~~وبالنظر إلى المعارض يقضي بانتفاء الحكم لأجل المعارض # ولهذا يحسن من العاقل أن يقول الداعي إلى إثبات الحكم موجود غير أنه ~~يمنعني منه مانع ولو اختلت مناسبة الوصف لما حسن من العاقل هذه المقالة # الوجه الثاني أنه قد يتعارض في نظر ms717 الملك عند الظفر بجاسوس عدوه المنازع ~~له في ملكه قتله وعقوبته زجرا له ولأمثاله عن الحبس المضر به والإحسان إليه ~~وإكرامه إما للاستهانة بعدوه أو لقصد كشف أسراره # وأي الأمرين سلك فإنه لا يعد خارجا عن مذاق الحكمة ومقتضى المناسبة وإن ~~لزم منه فوات المقصود الحاصل من سلوك مقابله وسواء تساويا أو كان أحدهما ~~راجحا # الثالث أنه إذا اجتمع الأخ من الأبوين مع الأخ من الأب في الميراث فإنه ~~قد يتعارض في نظر الناظر تقديم الأخ من الأبوين لاختصاصه بقرابة الأمومة ~~والتسوية بينهما لاشتراكهما في جهة العصوبة وإلغاء قرابة الأمومة وتفضيل ~~الأخ من الأبوين لاختصاصه بمزيد القرابة # ومع ذلك فالعقل يقضي بتأدي النظر من غير احتياج إلى ترجيح بأن ورود الشرع ~~بالاحتمال الأول مناسب غير خارج عن مذاق العقول ولو كان ترجيح الوصف ~~المصلحي معتبرا في مناسبته لما كان كذلك PageV03P304 # الرابع أن الشرع قد ورد بصحة الصلاة في الدار المغصوبة نظرا إلى ما فيها ~~من المصلحة وبتحريمها نظرا إلى ما فيها من مفسدة الغصب # فلو اشترط الترجيح في المناسبة لما ثبت الصحة ولا التحريم بتقدير التساوي ~~بين مصلحة الصحة ومفسدة التحريم ولا حكم الصحة بتقدير رجحان مفسدة الغصب ~~ولا التحريم بتقدير رجحان مصلحة الصحة لعدم المناسبة # وهذه الحجج ضعيفة أما الحجة الأولى فلقائل أن يقول إن أردت أن مناسبة ~~الوصف تنبني على أنه لا بد في المناسبة من المصلحة على وجه لا يستقل ~~بالمناسبة فمسلم # ولكن لا يلزم من وجود بعض ما لا بد منه في المناسبة تحقق المناسبة # وإن أردت أنها مستقلة بتحقيق المناسبة فممنوع # وذلك لأن المصلحة وإن كانت متحققة في نفسها فالمناسبة أمر عرفي وأهل ~~العرف لا يعدون المصلحة العارضة بالمفسدة المساوية أو الراجحة مناسبة # ولهذا إن من حصل مصلحة درهم على وجه يفوت عليه عشرة يعد سفيها خارجا في ~~تصرفه عن تصرفات العقلاء # ولو كان ذلك مناسبا لما كان كذلك وعلى هذا فلا يلزم من اجتماع المصلحة ~~والمفسدة تحقق المناسبة # وقول القائل إن الداعي موجود فالمراد ms718 به المصلحة دون المناسبة # وقوله غير أنه يمنعني منه مانع # وإن كان صحيحا في العرف فليس ذلك إلا لإخلال المانع المفسدي بمناسبة ~~المصلحة لا بمعنى أن الانتفاء محال على المفسدة مع وجود المناسب للحكم # وعلى هذا نقول بأن مناسبة كل واحدة من المصلحة والمفسدة تختل بتقدير ~~التساوي وبتقدير مرجوحية إحداهما فالمختل مناسبتها دون مناسبة الراجحة ~~ضرورة فوات شرط المناسبة لا لأن كل واحدة علة للإخلال بمناسبة الأخرى أو ~~إحداهما ليلزم في ذلك ما قيل # وأما الحجة الثانية فلقائل أن يقول أيضا مهما لم يترجح في نظر الملك وأهل ~~العرف مصلحة ما عينه من أحد الطريقين من الإحسان أو الإساءة بمقتضى الحالة ~~الراهنة فإن فعله لا يكون مناسبا ويكون بتصرفه خارجا عن تصرفات العقلاء ~~PageV03P305 # وأما الحجة الثالثة فلقائل أن يقول لا نسلم جواز الجزم بمناسبة ما عين ~~دون ظهور الترجيح في نظر الناظر وبعد ظهور الترجيح فليس الجزم بمناسبة ~~الوصف في نفس الأمر قطعا لجواز أن يكون في نفسه مرجوحا وإن لم يطلع عليه # وأما الحجة الرابعة فبعيدة عن التحقيق وذلك لأن الكلام إنما هو مفروض في ~~إثبات حكم لمصلحة يلزم من إثباته تحصيلا للمصلحة مفسدة مساوية أو راجحة وما ~~ذكر من مفسدة تحريم الغصب وهي شغل ملك الغير غير لازمة من ترتيب حكم ~~المصلحة عليها وهو صحة الصلاة فإنا وإن لم نقض بصحة الصلاة فالمفسدة ~~اللازمة من الغضب لا تختل بل هي باقية بحالها ولو كانت لازمة من حكم ~~المصلحة لا غير لانتفت المفسدة المفروضة بانتفاء حكم المصلحة وليس كذلك # وحيث لم تكن مفسدة تحريم الغضب لازمة عن حكم المصلحة كان من المناسب ~~اعتبار كل واحدة منهما في حكمها وهي المصلحة والمفسدة إذ لا معارضة بينهما ~~على ما تقرر # وإذا تقرر توقف المناسبة على الترجيح فللمعلل ترجيح وصفه بطرق تفصيلية ~~تختلف باختلاف المسائل وله الترجيح بطريق إجمالي يطرد في جميع المسائل ~~وحاصله أن يقول المعلل لو لم يقدر ترجيح المصلحة على ما عارضها من المفسدة ~~مع البحث وعدم الاطلاع على ms719 ما يمكن إضافة الحكم إليه في محل التعليل سوى ما ~~ذكرته لزم أن يكون الحكم قد ثبت تعبدا وهو خلاف الأصل لوجهين # الأول أن الغالب من الأحكام التعقل دون التعبد فإدراج ما نحن فيه تحته ~~أولى # الثاني أنه إذا كان معقول المعنى كان الحكم أقرب إلى الانقياد وأدعى إلى ~~القبول فإن الانقياد إلى المعقول المألوف أقرب مما ليس كذلك فكان أفضى إلى ~~المقصود من شرع الحكم PageV03P306 # لكن لقائل أن يقول ما ذكرتموه من البحث عن وصف آخر تمكن إضافة الحكم إليه ~~مع عدم الظفر به وإن دل على ترجيح جهة المصلحة فهو معارض بما يدل على عدم ~~ترجيحها وهو عدم الاطلاع على ما به تكون راجحة على معارضها مع البحث عنه ~~وعدم الظفر به وليس أحد البحثين أولى من الآخر # فإن قلتم بل ما ذكرناه أولى من جهة أن بحثنا عن وصف صالح للتعليل وذلك لا ~~يتعدى محل الحكم فمحله متحد وبحثكم إنما هو عما به الترجيح وهو منحصر في ~~محل الحكم فإن ما به الترجيح قد يكون بما يعود إلى ذات العلة وقد يكون بأمر ~~خارج عنها كما يأتي تقريره # فكان ما ذكرناه أولى # قلنا ما به الترجيح إن كان خارجا عن محل الحكم فلا يتحقق به الترجيح في ~~محل الحكم وإن كان في محل الحكم فقد استوى البحثان في اتحاد محلهما ولا ~~ترجيح بهذه الجهة وبتقدير تسليم اتحاد محل بحث المستدل والتعدد في محل بحث ~~المعترض # غير أن الظن الحاصل من البحثين إما أن يكون متساويا أو متفاوتا وبتقدير ~~المساواة ورجحان ظن المعترض فلا ترجيح في جانب المستدل # وإنما يترجح بتقدير أن يكون ظنه راجحا # ولا يخفى أن ما يقع على تقدير من تقديرين يكون أغلب مما لا يقع إلا على ~~تقدير واحد # وينبغي أن يعلم أن اشتراط الترجيح في تحقيق المناسبة إنما يتحقق على رأي ~~من لا يرى تخصيص العلة # وأما من يرى جواز تخصيصها وجواز إحالة انتفاء الحكم على تحقق المعارض مع ~~وجود المقتضي فلا بد ms720 له من الاعتراف بالمناسبة وإن كانت PageV03P307 ~~المصلحة مرجوحة أو مساوية # فإن انتفاء الحكم بالمانع مع وجود المقتضي إما أن يكون لمقصود راجح على ~~مقصود المقتضي للإثبات أو مساو له أو مرجوح بالنسبة إليه فإن كان راجحا فقد ~~قيل بمناسبة المقتضي للإثبات مع كون مقصوده مرجوحا وإلا فلو لم يكن مناسبا ~~كان الحكم منتفيا لانتفاء المناسب لا لوجود المانع وإن كان مساويا # فكذلك أيضا وإن كانت مفسدة المانع مرجوحة فقد قيل بانتفاء الحكم له ولولا ~~مناسبته للانتفاء لما انتفى الحكم به فإنه لو جاز أن ينتفي الحكم بما ليس ~~بمناسب لجاز أن يثبت بما ليس بمناسب PageV03P308 # # | الفصل السادس في كيفية ملازمة الحكمة لضابطها وبيان أقسامها # فنقول الحكمة اللازمة لضابطها إما أن تكون ناشئة عنه وإما أن لا تكون ~~ناشئة عنه # والتي لا تكون ناشئة عنه إما أن تكون للوصف دلالة على الحاجة إليها أو لا ~~تكون كذلك # فالأول كشرع الرخصة في السفر لدفع المشقة الناشئة من السفر # والثاني كالحكم بصحة البيع بإفضائه إلى الانتفاع بالعوض # فإن الانتفاع لازم لصحة البيع ظاهرا وليس ناشئا عن البيع ولكن للبيع وهو ~~التصرف الصادر من الأهل في المحل وهو الإيجاب والقبول دلالة على الجاحة ~~إليه # والثالث كما في ملك نصاب الزكاة فإنه يناسب إيجاب الزكاة من حيث إنه نعمة ~~والنعمة تناسب الشكر لإفضاء الشكر إلى زيادة النعمة على ما قال تعالى @QB@ ~~لئن شكرتم لأزيدنكم @QE@ # والزكاة صالحة لأن تكون شكرا لما فيها من إظهار النعمة وإظهار النعمة في ~~العرف يعد شكرا PageV03P309 # ولا يخفى أن ما مثل هذا المقصود وهو زيادة النعمة ملازم لترتيب إيجاب ~~الزكاة على ذلك النصاب وليس زيادة النعمة ناشئة عن نفس ملك النصاب كما كانت ~~المشقة ناشئة عن السفر ولا لملك النصاب دلالة على الحاجة إلى زيادة النعمة ~~كدلالة البيع على الحاجة إلى الانتفاع PageV03P310 # | الفصل السابع في أقسام المناسب بالنظر إلى اعتباره وعدم اعتباره # فنقول الوصف المناسب إما أن يكون معتبرا في نظر الشارع أو لا يكون معتبرا ~~فإن كان معتبرا فاعتباره إما ms721 أن يكون بنص أو إجماع أو بترتيب الحكم على ~~وفقه في صورة بنص أو إجماع # فإن كان معتبرا بنص أو إجماع فيسمى المؤثر على ما سبق تحقيقه في المسائل ~~المتقدمة وإذا كان معتبرا بترتيب الحكم على وفقه في صورة فالذي تقتضيه ~~القسمة العقلية تسعة أقسام وذلك لأنه إما أن يكون معتبرا بخصوص وصفه أو ~~بعموم وصفه أو بخصوصه وعمومه وإن كان معتبرا بخصوص وصفه دون عموم وصفه فإما ~~أن يكون معتبرا في عين الحكم المعلل أو في جنسه أو في عينه وجنسه ~~PageV03P311 # وإن كان معتبرا بعموم وصفه فإما أن يكون معتبرا في عين الحكم أو جنسه أو ~~في عينه وجنسه وإن كان معتبرا بعموم وصفه وخصوصه فإما أن يكون معتبرا في ~~عين الحكم أو جنسه أو في عينه وجنسه # وأما إن لم يكن الوصف معتبرا فلا يخلو إما أن يظهر مع ذلك إلغاؤه أو لم ~~يظهر منه ذلك # فهذه جملة الأقسام المذكورة غير أن الواقع منها في الشرع لا يزيد على ~~خمسة # القسم الأول أن يكون الشارع قد اعتبر خصوص الوصف في خصوص الحكم وعموم ~~الوصف في عموم الحكم في أصل آخر وذلك كما في إلحاق القتل بالمثقل بالمحدد ~~لجامع القتل العمد العدوان فإنه قد ظهر تأثير عين القتل العمد العدوان في ~~عين الحكم وهو وجوب القتل في المحدد وظهر تأثير جنس القتل من حيث هو جناية ~~على المحل المعصوم بالقود في جنس القتل من حيث هو قصاص في الأيدي وهذا ~~القسم هو المعبر عنه بالملائم وهو متفق عليه بين القياسين ومختلف فيما عداه # القسم الثاني أن يكون الشارع قد اعتبر خصوص الوصف في خصوص الحكم من غير ~~أن يظهر اعتبار عينه في جنس ذلك الحكم في أصل آخر متفق عليه ولا جنسه في ~~عين ذلك الحكم ولا جنسه في جنسه ولا دل على كونه علة نص ولا إجماع لا ~~بصريحه ولا إيمائه وذلك كمعنى الإسكار فإنه يناسب تحريم تناول النبيذ وقد ~~ثبت اعتبار عينه في عين التحريم في الخمر ms722 ولم يظهر تأثير عينه في جنس ذلك ~~الحكم ولا جنسه في عينه ولا جنسه في جنسه ولا إجماع عليه فلو قدرنا انتفاء ~~النصوص الدالة على كون الإسكار علة فلا يكون معتبرا بنص أيضا وهذا هو ~~المناسب الغريب وهو مختلف فيه بين القياسين وقد أنكره بعضهم وإنكاره غير ~~متجه لأنه يفيد الظن بالتعليل # ولهذا فإنا إذا رأينا شخصا قابل الإحسان بالإحسان والإساءة بالإساءة ~~PageV03P312 مع أنه لم يعهد من حاله قبل ذلك شيء فيما يرجع إلى المكافأة ~~وعدمها غلب على الظن ما رتب الحكم عليه # والذي يؤيد ذلك أنه لا يخلو إما أن يكون الحكم قد ثبت لعلة أو لا لعلة # فإن كان لا لعلة فهو بعيد لما سبق تقريره من امتناع خلو الأحكام عن العلل # وإن كان لعلة فإما أن يكون لما لم يظهر أو لما ظهر الأول ويلزم منه ~~التعبد وهو بعيد على ما عرف والثاني هو المطلوب # فإن قيل الفرق بين ما نحن فيه وبين صورة الاستشهاد إنا قد ألفنا من ~~تصرفات العقلاء مقابلة الإحسان بالإحسان والإساءة بالإساءة فكان ذلك من ~~قبيل القسم الأول وهو الملائم المتفق عليه لا من قبيل القسم الثاني وهو ~~الغريب المختلف فيه # قلنا نحن إنما نفرض الكلام في شخص لم يعهد من حاله قبل ذلك الفعل موافقة ~~ولا مخالفة فلا يكون من الملائم المتفق عليه ولا من الملغى # ومع ذلك فإن التعليل يظهر من فعله لكل عاقل نظرا إلى أن الغالب إنما هو ~~غلبة طبيعة المكافأة بالانتقام والإحسان في حق العاقل كما أن الغالب من ~~الشارع اعتبار المناسبات دون إلغائها # وليس هذا من القسم الأول في شيء لأن القسم الأول مفروض فيما علم من ~~الشارع اعتبار العين في العين فيه والجنس في الجنس والفرق بين الأمرين ظاهر # القسم الثالث أن يكون الشارع قد اعتبر جنس الوصف في جنس الحكم لا غير أي ~~أنه لم يعتبر مع ذلك عينه في عينه ولا عينه في جنسه ولا جنسه في عينه ولا ~~دل عليه نص ولا إجماع ms723 # وهذا أيضا من جنس المناسب الغريب المختلف فيه بين القياسين إلا أنه دون ~~القسم الثاني وذلك لأن الظن الحاصل باعتبار الخصوص لكثرة ما به الاشتراك ~~أقوى من الظن الحاصل من اعتبار العموم في العموم وذلك كاعتبار جنس المشقة ~~المشتركة بين الحائض والمسافر في جنس التخفيف PageV03P313 فإن عين مشقة ~~الحائض ليست عين مشقة المسافر بل من جنسها وعين التخفيف عن المسافر بإسقاط ~~الركعتين الزائدتين ليس عين التخفيف عن الحائض بإسقاط أصل الصلاة بل من ~~جنسها # واعلم أن الوصف المعلل به وكذلك الحكم المعلل له أجناس منها ما هو عال ~~ليس فوقه ما هو أعلى منه ومنها ما هو قريب إليه ليس بينه وبينه واسطة ومنها ~~ما هو متوسط بين الطرفين إما على السواء أو أنه إلى أحد الطرفين أقرب من ~~الآخر # فأما الجنس العالي للحكم الخاص فكونه حكما وأخص منه كونه وجوبا أو تحريما ~~أو غير ذلك من الأحكام # وأخص من الوجوب العبادة وغير العبادة # وأخص من العبادة الصلاة وغير الصلاة وأخص من الصلاة الفرض والنفل # وأما الجنس العالي للوصف الخاص فكونه وصفا تناط الأحكام به وأخص منه كونه ~~مناسبا بحيث يخرج منه الشبهي وأخص منه المصلحة الضرورية وأخص منه حفظ النفس ~~والعقل وعلى هذا النحو فالظن في هذا القسم مما يزيد وينقص بسبب التفاوت ~~فيما به الاشتراك من الجنس العالي والسافل والمتوسط فيما كان الاشتراك فيه ~~بالجنس السافل فهو أغلب على الظن وما كان الاشتراك فيه بالأعم فهو أبعد وما ~~كان بالمتوسط فمتوسط على الترتيب في الصعود والنزول PageV03P314 القسم ~~الرابع المناسب الذي لم يشهد له أصل من أصول الشريعة بالاعتبار بطريق من ~~الطرق المذكورة ولا ظهر إلغاؤه في صورة ويعبر عنه بالمناسب المرسل وسيأتي ~~الكلام عنه فيما بعد # القسم الخامس المناسب الذي لم يشهد له أصل بالاعتبار بوجه من الوجوه وظهر ~~مع ذلك إلغاؤه وإعراض الشارع عنه في صوره فهذا مما اتفق على إبطاله وامتناع ~~التمسك به # وذلك كقول بعض العلماء لبعض الملوك لما جامع في نهار رمضان وهو صائم ms724 يجب ~~عليك صوم شهرين متتابعين # فلما أنكر عليه حيث لم يأمره بإعتاق رقبة مع اتساع ماله قال لو أمرته ~~بذلك لسهل عليه ذلك واستحقر إعتاق رقبة في قضاء شهوة فرجه فكانت المصلحة في ~~إيجاب الصوم مبالغة في زجره # فهذا وإن كان مناسبا غير أنه لم يشهد له شاهد في الشرع بالاعتبار مع ثبوت ~~الغاية بنص الكتاب PageV03P315 # # | الفصل الثامن في إقامة الدلالة على أن المناسبة والاعتباردليل كون ~~الوصف علة # وذلك لأن الأحكام إنما شرعت لمقاصد العباد # أما أنها مشروعة لمقاصد وحكم فيدل عليه الإجماع والمعقول # أما الإجماع فهو أن أئمة الفقه مجمعة على أن أحكام الله تعالى لا تخلو عن ~~حكمة ومقصود وإن اختلفوا في كون ذلك بطريق الوجوب كما قالت المعتزلة أو ~~بحكم الاتفاق والوقوع من غير وجوب كقول أصحابنا وأما المعقول فهو أن الله ~~تعالى حكيم في صنعه فرعاية الغرض في صنعه إما أن يكون واجبا أو لا يكون ~~واجبا فإن كان واجبا فلم يخل عن المقصود وإن لم يكن واجبا ففعله للمقصود ~~يكون أقرب إلى موافقة المعقول من فعله بغير مقصود فكان المقصود لازما من ~~فعله ظنا # وإذا كان المقصود لازما في صنعه فالأحكام من صنعه فكانت لغرض ومقصود # والغرض إما أن يكون عائدا إلى الله تعالى أو إلى العباد # ولا سبيل إلى الأول لتعاليه عن الضرر والانتفاع ولأنه على خلاف الإجماع ~~فلم يبق سوى الثاني # وأيضا فإن الأحكام مما جاء بها الرسول فكانت رحمة للعالمين PageV03P316 ~~لقوله تعالى @QB@ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين @QE@ الأنبياء 107 # فلو خلت الأحكام عن حكمة عائدة إلى العالمين ما كانت رحمة بل نقمة لكون ~~التكليف بها محض تعب ونصب # وأيضا قوله تعالى @QB@ ورحمتي وسعت كل شيء @QE@ الأعراف 156 فلو كان شرع ~~الأحكام في حق العباد لا لحكمة لكانت نقمة لا رحمة لما سبق وأيضا قوله عليه ~~السلام لا ضرر ولا ضرار في الإسلام # فلو كان التكليف بالأحكام لا لحكمة عائدة إلى العباد لكان شرعها ضررا ~~محضا وكان ذلك بسبب الإسلام وهو خلاف النص ms725 # وإذا ثبت أن الأحكام إنما شرعت لمصالح العباد فإذا رأينا حكما مشروعا ~~مستلزما لأمر مصلحي فلا يخلو إما أن يكون ذلك هو الغرض من شرع الحكم أو ما ~~لم يظهر لنا لا يمكن أن يكون الغرض ما لم يظهر لنا وإلا كان شرع الحكم ~~تعبدا وهو خلاف الأصل لما سبق تقريره # فلم يبق إلا أن يكون مشروعا لما ظهر وإذا كان ذلك مظنونا فيجب العمل به ~~لأن الظن واجب الاتباع في الشرع ويدل على ذلك إجماع الصحابة على العمل ~~بالظن ووجوب اتباعه في الأحكام الشرعية # فمن ذلك ما اشتهر عنهم في زمن عمر من تقدير حد شارب الخمر بثمانين جلدة ~~بسبب ظن وقع لهم من قول علي رضي الله عنه أرى أنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذي ~~وإذا هذي افترى فأرى أن يقام عليه حد المفترين إقامة للشرب الذي هو مظنة ~~الافتراء مقام الافتراء في حكمه # ومن ذلك حكمهم في إمامة أبي بكر بالرأي والظن وقياسهم العهد على العقد في ~~الإمامة ورجوعهم إلى اجتهاد أبي بكر في قتال بني حنيفة حيث امتنعوا من أداء ~~الزكاة واتفاقهم على كتبة المصحف وجمع القرآن بين الدفتين بالرأي والظن ~~واتفاقهم على الاجتهاد في مسألة الجد والإخوة على وجوه مختلفة PageV03P317 # ومن ذلك ما اشتهر عن آحاد الصحابة من العمل بالظن والرأي من غير نكير ~~عليه # فمن ذلك قول أبي بكر أقول في الكلالة برأيي وحكمه # بالرأي في التسوية في العطاء # ومن ذلك قول عمر أقول في الجد برأيي وأقضي فيه برأيي وقضى فيه بآراء ~~مختلفة # وقوله في حديث الجنين لولا هذا لقضينا فيه برأينا # وتشريكه في المسألة الحمارية لما قيل له هب أن أبانا كان حمارا ألسنا من ~~أم واحدة ومن ذلك ما نقل عن عثمان إنه قال لعمر في بعض الأحكام إن اتبعت ~~رأيك فرأيك أشد وإن تتبع من قبلك فنعم ذلك الرأي # إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تحصى # فإن قيل لا نسلم استلزام شرع الأحكام للحكم والمقاصد وذلك لأن شرع ms726 ~~الأحكام من صنع الله تعالى وصنعه إما أن يستلزم الحكمة والمقصود أو لا ~~يستلزم # والأول ممتنع لسبعة عشر وجها الأول أن القائل قائلان قائل يقول بأن أفعال ~~العبيد مخلوقة لله تعالى وقائل إنها مخلوقة للعبيد # فمن قال إنها مخلوقة لله تعالى فيلزمه من ذلك أن يكون خالقا للكفر ~~والمعاصي وأنواع الشرور مع أنه لا حكمة ولا مقصود في خلق هذه الأشياء ومن ~~قال إنها مخلوقة للعبيد فإنما كانت مخلوقة لهم PageV03P318 بواسطة خلق الله ~~تعالى القدرة لهم على ذلك فخلقه للقدرة الموجبة لهذه الأمور لا يكون أيضا ~~لحكمة # الثاني أنه لو استلزم فعله للحكمة ما أمات الأنبياء وأنظر إبليس وما أوجب ~~تخليد أهل النار في النار لعدم الحكمة في ذلك # الثالث أنه لو كان لحكمة ومقصود فعند تحقق الحكمة لا يخلو إما أن يجب ~~الفعل بحيث لا يمكن عدمه أو لا يجب فإن كان الأول فيلزم منه أن يصير الباري ~~تعالى مضطرا غير مختار وإن لم يجب الفعل فقد أمكن وجوده تارة وعدمه تارة ~~وعند ذلك إما أن يترجح أحد الممكنين على الآخر لمقصود أو لا لمقصود فإن كان ~~الأول فالكلام فيه كالكلام في الأول وهو تسلسل ممتنع # وإن كان الثاني فهو المطلوب # الرابع أنه لو كان صنع الرب تعالى يستلزم الغرض والمقصود فذلك المقصود ~~إما أن يكون حادثا أو قديما فإن كان قديما فيلزم منه قدم الصنع والمصنوع ~~وهو محال # وإن كان حادثا فإما أن يتوقف حدوثه على مقصود آخر أو لا يتوقف فالأول ~~يلزم منه التسلسل والثاني هو المطلوب # الخامس أنه تعالى قد كلف بالإيمان من علم أنه لا يؤمن كأبي جهل وغيره ~~وذلك مما يستحيل معه الإيمان وإلا كان علمه جهلا # والتكليف بما لا يمكن وقوعه على وجه يعاقب المكلف على عدم فعله مجرد عن ~~الغرض والحكمة # السادس أن حكم الله هو كلامه وخطابه # وكلامه وخطابه قديم والمقصود لا جائز أن يكون قديما وإلا لزم منه موجود ~~قديم غير الباري تعالى وصفاته وهو محال # وإن كان حادثا فيلزم ms727 منه تعليل القديم بالحادث وهو ممتنع # السابع أن خلق الباري تعالى للعالم في وقته المعلوم المحدود من ~~PageV03P319 جواز خلقه قبله أو بعده وتقديره بشكله المقدر مع جواز أن يكون ~~أصغر أو أكبر مما لا يوقف منه على غرض ومقصود # الثامن أنه لو كان له في فعله غرض ومقصود لم يخل إما أن يكون فعله لذلك ~~الغرض أولى من تركه أو لا يكون أولى فإن كان الأول فيلزمه منه أن يكون الرب ~~تعالى مستكملا بذلك الصنع وناقصا قبله وهو محال وإن لم يكن فعله أولى من ~~الترك امتنع الفعل لعدم الأولوية # التاسع أن الحكم والمقاصد خفية وفي ربط الأحكام الشرعية بها ما يوجب ~~الحرج في حق المكلف باطلاعه عليها بالبحث عنها # والحرج منفي بقوله تعالى @QB@ وما جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ # العاشر أن وجود الحكمة مما يجب تأخره عن وجود شرع الحكم وما يكون متأخرا ~~في الوجود يمتنع أن يكون علة لما هو متقدم عليه # الحادي عشر أنه لو كان شرع الأحكام للحكم لكانت مفيدة لها قطعا وذلك لأن ~~الله تعالى قادر على تحصيل تلك الحكمة قطعا # فلو فعل ما فعله قصدا لتحصيل تلك الحكمة لكان الظاهر منه أنه فعله على ~~وجه تحصل الحكمة به قطعا وأكثر الأحكام من الزواجر وغيرها غير مفيدة لما ظن ~~أنها حكم لها قطعا # الثاني عشر أنه لا يخلو إما أن يكون الرب تعالى قادرا على تحصيل تلك ~~الحكمة الحاصلة من شرع الحكم دون شرع الحكم أو لا يكون قادرا عليه لا جائز ~~أن لا يكون قادرا إذ هو صفة نقص والنقص على الله محال وإن كان قادرا على ~~ذلك فشرع الحكم وتوسطه في البين لا يكون مفيدا بل هو محض عناء وتعب # الثالث عشر أن خلق الكافر شقيا في الدنيا مخلدا في العذاب أخرى مما لا ~~حكمة فيه ولا مقصود PageV03P320 # الرابع عشر أن الله تعالى قد أوجب على المكلف معرفته وذلك إما أن يكون ~~على العارف به أو على غير العارف الأول فيه تحصيل ms728 الحاصل والثاني يلزم منه ~~المحال حيث أوجب معرفته على من لا يعرفه مع توقف معرفة إيجابه على معرفة ~~ذاته وهو دور ولا مصلحة في شيء من ذلك # الخامس عشر أن الله تعالى قد أقدر العباد على المعاصي وتركهم يرتكبون ~~الفواحش وهو مطلع عليهم وقادر على منعهم من ذلك ولم يفعل شيئا من ذلك وذلك ~~مما لا حكمة فيه # السادس عشر أن الحكمة إنما تطلب في حق من تميل نفسه في صنعه إلى جلب نفع ~~أو دفع ضرر والرب تعالى منزه عن ذلك # السابع عشر أن الحكمة إنما تطلب في فعل من لو خلا فعله عن الحكمة لحقه ~~الذم وكان عابثا والرب يتعالى عن ذلك لكونه متصرفا في ملكه بحسب ما يشاء ~~ويختار من غير سؤال عما يفعل على ما قال تعالى @QB@ لا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون @QE@ الأنبياء 23 وإن لم يكن فعله مستلزما للحكمة فهو المطلوب # سلمنا استلزام شرع الحكم للحكمة ولكن لا يلزم أن يكون ما ظهر من المناسب ~~علة ولو كان يدل المناسب على كونه علة لكانت أجزاء العلة المناسبة عللا بل ~~غايته أن تكون جزء علة # ولا يلزم من وجود جزء العلة في الفرع وجود الحكم # سلمنا غلبة الظن بكون ما ظهر من المناسب علة ولكن لا نسلم وجوب العمل ~~بالظن مطلقا لما سنبينه في مسألة كون القياس حجة وما ذكرتموه من الدلائل ~~فسيأتي الكلام عليها أيضا في مسألة كون القياس حجة # والجواب عما ذكروه من المنع ما سبق تقريره وعن الشبهة الأولى من ثلاثة ~~أوجه PageV03P321 # الأول أن القدرة إنما تتعلق بالحدوث والوجود لا غير والكفر وأنواع ~~المعاصي والشرور راجعة إلى مخالفة نهي الشارع وليس ذلك من متعلق القدرة في ~~شيء # الثاني وإن سلمنا أن جميع ذلك مخلوق لله تعالى فنحن لا ندعي ملازمة ~~الحكمة لأفعاله مطلقا حتى يطرد ذلك في كل مخلوق بل إنما ندعي ذلك فيما يمكن ~~مراعاة الحكمة فيه وذلك ممكن فيما عدا أنواع الشرور والمعاصي ولا ندعي ذلك ~~قطعا بل ظاهرا # الثالث ms729 وإن سلمنا لزوم الحكمة لأفعاله مطلقا ولكن لا نسلم امتناع ذلك ~~فيما ذكروه من الصور قطعا لجواز أن يكون لازمها حكم لا يعلمها سوى الرب ~~تعالى # وبهذين الجوابين الأخيرين يكون جواب الشبهة الثانية # وعن الثالثة أن وجود الفعل وإن قدر تحقق الحكمة غير واجب بل هو تبع لتعلق ~~القدرة والإرادة به ومع ذلك فالباري لا يكون مضطرا بل مختارا # وعن الرابعة أن المقصود حادث ولكن لا يفتقر إلى مقصود آخر فإنا إنما ندعي ~~ذلك فيما هو ممكن وافتقار المقصود إلى مقصود آخر غير ممكن لإفضائه إلى ~~التسلسل الممتنع وإن كان مفتقرا إلى مقصود فذلك المقصود هو نفسه لا غيره ~~فلا تسلسل # وعن الخامسة أنا لا ندعي لزوم المقصود في كل فعل ليلزمنا ما قيل وإن كان ~~ذلك لازما فلا يمتنع أن يكون ذلك لحكمة استأثر الرب تعالى بالعلم بها كما ~~بيناه في التكليف بما لا يطاق # وعن السادسة أن الحكم ليس هو نفس الكلام القديم كما سبق تقريره بل الكلام ~~بصفة التعلق فكان حادثا وإن كان الحكم قديما # والمقصود حادثا فإنما يمتنع تعليله به أن لو كان موجبا للحكم وليس كذلك ~~بل إما بمعنى الأمارة والعلامة عند من يقول بذلك والحادث لا يمتنع أن يكون ~~أمارة على PageV03P322 القديم وإما بمعنى الباعث فلا يمتنع أيضا أن يكون ~~متأخرا ويكون حكم الله القديم بما حكم به لأجل ما سيوجد من المقصود الحادث # وعن السابعة بمنع انتفاء الحكمة فيما قيل وإن لم تكن معلومة لنا # وعن الثامنة أن فعله لذلك الغرض أولى من تركه لكن بالنظر إلى المخلوق دون ~~الخالق # وعن التاسعة أنه لا حرج في ربط الأحكام بالحكم إذا كانت منضبطة بأنفسها ~~أو بأوصاف ظاهرة ضابطة لها لعدم العسر في معرفتها وإن كان في ذلك نوع عسر ~~وحرج يكد العقل في الاجتهاد فيها فلا نسلم خلو ذلك عن المقصود وهو زيادة ~~الثواب على ما قال عليه السلام ثوابك على قدر نصبك # وعن العاشرة أن الحكمة وإن كانت متأخرة في الوجود عن شرع ms730 الحكم فإنما ~~يمتنع أن تكون علة بمعنى المؤثر لا بمعنى الباعث # وعن الحادية عشرة أنه لا يمتنع أن تكون الحكمة المقصودة من شرع الحكم ~~إنما هو حصول الحكمة ظاهرا لا قطعا # وعن الثانية عشرة أنه لا يمتنع على بعض آراء المعتزلة أن يقال بأن الرب ~~تعالى غير قادر على تحصيل ذلك الغرض الخاص من شرع ذلك الحكم دون شرعه ولا ~~يلزم منه العجز ضرورة كونه غير ممكن وإن قدر أنه قادر على ذلك وهو الحق فلا ~~يلزم أن يكون شرع الحكم غير مفيد مع حصول الفائدة به وإن قدر إمكان حصول ~~الفائدة بطريق آخر # وعن الثالثة عشرة أن الحكمة فيما ذكروه إما أن تكون ممتنعة أو جائزة # فإن كان الأول فلا يلزم امتناعها فيما هي ممكنة فيه وإن كان الثاني فلا ~~مانع من وجودها وإن لم نطلع نحن عليها # وهو الجواب عن الرابعة عشرة PageV03P323 كيف وأنه إنما يلزم الدور ~~الممتنع أن لو قيل بتوقف الوجوب على معرفة المكلف للوجوب وليس كذلك على ما ~~سبق تقريره في شكر المنعم # وعن الخامسة عشرة ما هو جواب الشبهتين قبلها # وعن السادسة عشرة بمنع ما ذكروه في رعاية الحكمة بل الحكمة إنما تطلب في ~~فعل من لو وجدت الحكمة في فعله لما كان ممتنعا بل واقعا في الغالب # وعن السابعة عشرة أن ما ذكروه إنما يلزم في حق من تجب مراعاة الحكمة في ~~فعله والباري تعالى ليس كذلك على ما حققناه في كتبنا الكلامية # قولهم لا يلزم أن يكون ما ظهر من المناسب علة قلنا لا يلزم أن يكون علة ~~قطعا وإنما يلزم أن يكون علة ظاهرا ضرورة أنه لا بد للحكم من علة ظاهرة على ~~ما سبق تقريره ولا ظاهر سواه # وأما أجزاء العلة وإن كانت مناسبة فإنما يمتنع التعليل بكل واحد منها لما ~~سبق من امتناع تعليل الحكم الواحد في محل واحد بعلل بخلاف ما إذا اتحد ~~الوصف أو تعدد وكانت العلة مجموع الأوصاف # قولهم لا نسلم وجوب العمل بذلك وإن كان ms731 مظنونا قلنا دليله ما ذكرناه وما ~~سيأتي في مسألة إثبات القياس على منكريه # وما يذكرونه على ذلك فسيأتي جوابه ثم أيضا PageV03P324 # # | المسلك السادس إثبات العلة بالشبه ويشتمل على ثلاثة فصول # # | الفصل الأول في حقيقة الشبه واختلاف الناس فيه وما هو المختار فيه # نقول اعلم أن اسم الشبه وإن أطلق على كل قياس ألحق الفرع فيه بالأصل ~~لجامع يشبهه فيه غير أن آراء الأصوليين مختلفة فيه فمنهم من فسره بما تردد ~~فيه الفرع بين أصلين ووجد فيه المناط الموجود في كل واحد من الأصلين إلا ~~أنه يشبه أحدهما في أوصاف هي أكثر من الأوصاف التي بها مشابهته للأصل الآخر ~~فإلحاقه بما هو أكثر مشابهة هو الشبه # وذلك كالعبد المقتول خطأ إذا زادت قيمته على دية الحر فإنه قد اجتمع فيه ~~مناطان متعارضان أحدهما النفسية وهو مشابه للحر فيها ومقتضى ذلك أن لا يزاد ~~فيه على الدية والثاني المالية وهو مشابه للفرس فيها ومقتضى ذلك الزيادة # إلا أن مشابهته للحر في كونه آدميا مثابا معاقبا ومشابهته للفرس في كونه ~~مملوكا مقوما في الأسواق فكان إلحاقه بالحر أولى لكثرة مشابهته له وليس هذا ~~من الشبه في شيء # فإن كل واحد من المناطين مناسب وما ذكر من كثرة المشابهة إن كانت مؤثرة ~~فليست إلا من باب الترجيح لأحد المناطين على الآخر وذلك لا يخرجه عن ~~المناسب وإن كان يفتقر إلى نوع ترجيح PageV03P325 # ومنهم من فسره بما عرف المناط فيه قطعا غير أنه يفتقر في آحاد الصور إلى ~~تحقيقه وذلك كما في طلب المثل في جزاء الصيد بعد أن عرف أن المثل واجب ~~بقوله تعالى @QB@ فجزاء مثل ما قتل من النعم @QE@ المائدة 95 وليس هذا أيضا ~~من الشبه إذ الكلام إنما هو مفروض في العلة الشبهية والنظر ها هنا إنما هو ~~في تحقيق الحكم الواجب وهو الأشبه لا في تحقيق المناط وهو معلوم بدلالة ~~النص # ودليل أن الواجب هو الأشبه أنه أوجب المثل ونعلم أن الصيد لا يماثله شيء ~~من النعم فكان ذلك محمولا على ms732 الأشبه كيف وهو مجزوم مقطوع به والشبه مختلف ~~فيه وكيف يكون المتفق عليه هو نفس المختلف فيه # ومنهم من فسره بما اجتمع فيه مناطان مختلفان لا على سبيل الكمال إلا أن ~~أحدهما أغلب من الآخر فالحكم بالأغلب حكم بالأشبه وذلك كاللعان فإنه قد وجد ~~فيه لفظ الشهادة واليمين وليسا بمتمحضين لأن الملاعن مدع والمدعي لا تقبل ~~شهادته لنفسه ولا يمينه وهذا وإن كان أقرب من المذاهب المتقدمة إلا أنه ~~مهما غلبت إحدى الشائبتين فقد ظهرت المصلحة الملازمة لها في نظرنا فيجب ~~الحكم بها ولكنه غير خارج عن التعليل بالمناسب # وقد ذهب القاضي أبو بكر إلى تفسيره بقياس الدلالة وهو الجمع بين الأصل ~~والفرع بما لا يناسب الحكم ولكن يستلزم ما يناسب الحكم وسيأتي تحقيقه في ~~موضعه بعد # ومنهم من فسره بما يوهم المناسبة من غير اطلاع عليها وذلك أن الوصف ~~المعلل به لا يخلو إما أن تظهر فيه المناسبة أو لا تظهر فيه المناسبة بوقوف ~~من هو أهل معرفة المناسبة عليها وذلك بأن يكون ترتيب الحكم على وفقه مما ~~يفضي إلى تحصيل مقصود من المقاصد المبينة من قبل فهو المناسب PageV03P326 # وإن لم تظهر فيه المناسبة بعد البحث التام ممن هو أهله فإما أن يكون مع ~~ذلك مما لم يؤلف من الشارع الالتفات إليه في شيء من الأحكام أو هو مما ألف ~~من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام # فإن كان من الأول فهو الطردي الذي لا التفات إليه # ومثاله ما لو قال الشافعي مثلا في إزالة النجاسة بمائع لا تبنى القنطرة ~~على جنسه فلا تجوز إزالة النجاسة به كالدهن وكما لو علل في مسألة من ~~المسائل بالطول والقصر والسواد والبياض ونحوهما وإن كان الثاني فهو الشبهي ~~وذلك لأنه بالنظر إلى عدم الوقوف على المناسبة فيه بعد البحث يجزم المجتهد ~~بانتفاء مناسبته وبالنظر إلى اعتباره في بعض الأحكام يوجب إيقاف المجتهد عن ~~الجزم بانتفاء المناسبة فيه فهو مشابه للمناسب في أنه غير مجزوم به في ظهور ~~المناسبة فيه ومشابه للطردي في ms733 أنه غير مجزوم بظهور المناسبة فيه # فهو دون المناسب وفوق الطردي # ولعل المستند في تسميته شبهيا إنما هو هذا المعنى ومثاله قول الشافعي في ~~مسألة إزالة النجاسة طهارة تراد لأجل الصلاة فلا تجوز بغير الماء كطهارة ~~الحدث فإن الجامع هو الطهارة ومناسبتها لتعيين الماء فيها بعد البحث التام ~~غير ظاهرة # وبالنظر إلى كون الشارع اعتبرها في بعض الأحكام كمس المصحف والصلاة ~~والطواف يوهم اشتمالها على المناسبة كما تقرر # واعلم أن إطلاق اسم الشبه وإن كان حاصله في هذه الصور راجعا إلى ~~الاصطلاحات اللفظية غير أن أقربها إلى قواعد الأصول الاصطلاح الأخير وهو ~~الذي ذهب إليه أكثر المحققين ويليه في القرب مذهب القاضي أبي بكر ~~PageV03P327 # # | الفصل الثاني في أن الشبه مع قران الحكم به دليل على كون الوصف علة # وبيانه أنا إذا رأينا حكما ثابتا عقيب وصفين وأحد الوصفين شبهي بالتفسير ~~الأخير والآخر طردي فلا يخلو إما أن يكون الحكم ثابتا لمصلحة أو لا لمصلحة ~~لا جائز أن يقال بالثاني إذ الحكم الشرعي لا يخلو عن مصلحة وإن لم يكن ذلك ~~بطريق الوجوب كما تقرر قبل فلم يبق غير الأول وهو أنه ثابت لمصلحة وتلك ~~المصلحة لا تخلو إما أن تكون في ضمن الوصف الشبهي أو الطردي لعدم ما سواهما ~~ولا يخفى أن اشتمال الوصف الشبهي على المصلحة أغلب على الظن من اشتمال ~~الطردي عليها لأن الطردي مجزوم بنفي مناسبته والشبهي متردد فيه على ما تقرر # وإذا كان ذلك هو الغالب على الظن فالظن معمول به في الشرعيات على ما تقدم ~~تقريره PageV03P328 # # | الفصل الثالث # زعم بعض أصحابنا أن الشبهي إذا اعتبر جنسه في جنس الحكم دون اعتبار عينه ~~في عينه لا يكون حجة بخلاف الوصف المناسب مصيرا منه إلى أن الشبهي إذا ظهر ~~تأثير عينه في عين الحكم فالظن المستفاد منه في أدنى درجات الظن فإذا انحط ~~عن هذه الرتبة إلى رتبة اعتبار الجنس في الجنس فقد اضمحل الظن بالكلية لأنه ~~ليس تحت أدنى درجات الظن درجة سوى ما ليس بظن ms734 وما ليس بمظنون لا يكون حجة ~~وهذا بخلاف المناسب فإن الظن المستفاد منه باعتبار العين في العين قوي جدا ~~فنزوله عن هذه الرتبة إلى رتبة اعتبار الجنس في الجنس وإن فات معه ذلك الظن ~~الغالب فقد بقي له أصل الظن فكان حجة # وأيضا فإن الوصف الشبهي إنما صار شبهيا باعتبار الشارع له في جنس الحكم ~~المعلل وذلك في إفادة الظن دون المناسب المرسل والمناسب المرسل ليس بحجة ~~لما سيأتي تقريره فما هو دونه أولى أن لا يكون حجة وهذا بخلاف المناسب ~~المتأيد بشهادة الجنس في الجنس فإنه فوق المناسب المرسل # فلا يلزم من كون المرسل ليس بحجة أن يكون ذلك ليس بحجة # ولقائل أن يقول أما الأول فهو مبني على أن الشبهي المتأيد بشهادة العين ~~في العين في أدنى درجات الظنون وهو غير مسلم بل للخصم أن PageV03P329 يقول ~~ما هو في أدنى درجات الظنون إنما هو الشبهي المتأيد بشهادة الجنس في الجنس ~~والنزول عن تلك الدرجة إلى ما دونها لا يوجب انمحاق الظن بالكلية كما قيل # وأما الثاني فهو وإن سلم أن الشبهي إنما صار شبهيا بالتفات الشارع إليه ~~في بعض الأحكام وأنه أدنى من المناسب المرسل من حيث إن مناسبة المرسل ظاهرة ~~ومناسبة الشبهي غير ظاهرة بل موهومة متردد فيها # غير أن الشبهي بعد أن ثبت كونه شبيها بالتفات الشارع إليه في بعض الأحكام ~~إذا رأينا الشارع قد اعتبر جنسه في جنس الحكم المعلل فقد صار معتبرا ولا ~~كذلك المرسل فإنه غير معتبر ولا يلزم من عدم الاحتجاج بما ليس معتبرا عدم ~~الاحتجاج بالمعتبر # # | المسلك السابع إثبات العلة بالطرد والعكس # وقد اختلف فيه فذهب جماعة من الأصوليين إلى أنه يدل على كون الوصف علة # لكن اختلف هؤلاء فمنهم من قال إنه يدل على العلية قطعا كبعض المعتزلة ~~ومنهم من قال يدل عليها ظنا كالقاضي أبي بكر وبعض الأصوليين وهو مذهب أكثر ~~أبناء زماننا # والذي عليه المحققون من أصحابنا وغيرهم أنه لا يفيد العلية لا قطعا ولا ~~ظنا وهو المختار ms735 وصورته ما إذا قيل في مسألة النبيذ مثلا ( مسكر ) فكان ~~حراما كالخمر وأثبت كون المسكر علة للتحريم بدورانه مع التحريم وجودا وعدما ~~في الخمر فإنه إذا صار مسكرا حرم وإن زال الإسكار عنه بأن صار خلا فإنه لا ~~يحرم PageV03P330 وقد احتج القائلون إنه ليس بحجة بأمرين الأول ما ذكره ~~الغزالي وهو أن قال حاصل الاطراد يرجع إلى سلامة العلة عن النقض وسلامة ~~العلة عن مفسد واحد لا يوجب سلامتها عن كل مفسد وعلى تقدير السلامة عن كل ~~مفسد فصحة الشيء لا تكون بسلامته عن المفسدات بل لوجود المصحح والعكس ليس ~~شرطا في العلل فلا يؤثر # وهذه الحجة ضعيفة فإنه وإن سلم أن كل واحد من الأمرين على انفراده لا ~~دلالة له على العلية فلا يلزم منه عدم التأثير بتقدير الإجتماع ودليله ~~إجزاء العلة فإن كل واحد منها لا يستقل بإثبات الحكم ولم يلزم من ذلك عدم ~~استقلال المجموع # الحجة الثانية لبعض أصحابنا قال إن الصور التي دار الحكم فيها مع الوصف ~~وجودا وعدما لا بد أن تكون متمايزة بصفات خاصة بها وإلا كانت متحدة لا ~~متعددة # وعند ذلك فللخصم أن يأخذ الوصف الخاص بكل صورة من صور الطرد والعكس في ~~العلة في تلك الصورة ويجعل العلة في كل صورة مجموع الوصفين وهما الوصف ~~المشترك والوصف الخاص بها وهي من النمط الأول إذ لقائل أن يقول الترجيح ~~للتعليل بالوصف المشترك لكونه مطردا في جميع مجاري الحكم فيكون أغلب على ~~الظن بخلاف التعليل بالمركب من الوصف الخاص والمشترك # فإن قيل بل التعليل بالمركب أولى لما فيه من تعدد مدارك الحكم فإنه أولى ~~من اتحاده لكونه أقرب إلى تحصيل مقصود الشارع من الحكم فهو مقابل بأن ~~التعليل بالوصف المشترك يكون منعكسا بخلاف التعليل بالمركب من الوصفين في ~~كل صورة ولا يخفى أن التعليل بالمطرد المنعكس أولى من التعليل بالمطرد الذي ~~لا ينعكس للاتفاق عليه ولأن التعليل بالوصف المشترك يكون متعديا بخلاف ~~التعليل بالمركب من الوصفين في كل صورة فإنه يكون قاصرا والتعليل ~~PageV03P331 بالمتعدية ms736 أولى للاتفاق عليها والاختلاف في القاصرة # والحق في ذلك أن يقال مجرد الدوران لا يدل على التعليل بالوصف لوجهين ~~الأول أنه يجوز أن يكون الوصف وصفا ملازما للعلة وليس هو العلة وذلك ~~كالرائحة الفائحة الملازمة للشدة المطربة ولا سبيل إلى دفع ذلك إلا بالتعرض ~~لانتفاء وصف غيره بدلالة البحث والسبر أو بأن الأصل عدمه # ويلزم من ذلك الانتقال من طريقة الدوران إلى طريقة السبر والتقسيم وهو ~~كاف في الاستدلال على العلية # الثاني أن الدوران قد وجد فيما لا دلالة له على العلية كدوران أحد ~~المتلازمين المتعاكسين كالمتضايفين وليس أحدهما علة للآخر وكذلك فإن ~~الدوران كما وجد في جانب الحكم مع الوصف فقد وجد في جانب الوصف مع الحكم ~~وليس الحكم علة للوصف # فإن قيل نحن لا ندعي أن مطلق الدوران دليل على علية الوصف ليلزم ما قيل ~~بل بقيود ثلاثة وهي أن يكون حدوث ذلك الأثر مرتبا على وجود ذلك الوصف ترتبا ~~عقليا بحيث يصدق قول القائل وجد هذا الشيء فحدث ذلك الأثر # وأن لا يقطع بخروج هذا الوصف عن أن يكون علة وموجبا لحدوث ذلك الأثر # وأن لا يقطع بوجود علة أخرى لهذا الحكم سوى هذا الوصف # ومهما وجد الدوران على هذه القيود كان دليلا على العلية # وذلك كما إذا دعي الإنسان باسم فغضب منه وإذا لم يدع به لم يغضب ورأينا ~~ذلك منه مرارا مرة بعد مرة وجودا وعدما فإنه يغلب على الظن أن ذلك الاسم هو ~~سبب الغضب حتى إن الصبيان يعلمون ذلك منه ويتبعونه في الدروب داعين له بذلك ~~الاسم المغضب له والدوران بهذه القيود متحقق في السكر مع التحريم فكان ~~دليلا على كونه علة وخرج عليه ما ذكر من الرائحة الفائحة حيث قطعنا أنها ~~ليست علة وكذلك الحكم في كل واحد من المتضايفين بالنسبة إلى الآخر ولأنه ~~يمتنع PageV03P332 ترتيب كل واحد على الآخر في الوجود بالتفسير المذكور ~~وكذلك الكلام في نسبة الحكم إلى الوصف # وخرج عليه أيضا ما إذا ظهر ثم علة مغايرة للمدار # قلنا ms737 إذا كان من جملة قيود صحة دلالة الدوران أن يكون حدوث ذلك الأمر ~~مرتبا على وجود ذلك الوصف بالتفسير المذكور فإما أن يراد به أن وجود الحكم ~~يتعقب وجود الوصف أو أنه أمارة عليه أو باعث عليه أو معنى آخر الأول ممتنع ~~إذ الكلام إنما هو في شرعية الحكم ولا يخفي أن شرعية الحكم ولا يخفي أن ~~شرعيته تكون سابقة في الوجود على وجود سببها والثاني أيضا ممتنع إذ الكلام ~~إنما هو في شرعية الحكم ولا يخفي أن شرعيته تكون سابقة في الوجود على وجود ~~سببها والثاني أيضا ممتنع إذ الكلام إنما هو في العلة المستنبطة من حكم ~~الأصل وهي فلا تكون إلا بمعنى الباعث على ما سبق تقريره وعند ذلك فإما أن ~~يظهر فيه معنى يقتضي كونه باعثا على الحكم من مناسبة أو شبه أو لا يظهر ذلك ~~فإن كان الأول فلا يكون باعثا وإن الثاني فالمناسبة مع قرآن الحكم بها كاف ~~في التعليل ولا حاجة إلى الدوران وإن كان بمعنى آخر فلا بد من تصويره ~~والدلالة عليه وقد ترد عليه أسئلة # قلنا ما ذكروه من دوران غضب الانسان مع دعائه ببعض الأسماء بالقيود ~~المذكورة # لا نسلم غلبة الظن بكون ذلك الاسم علة بل به أو بملازمه وإنما يظهر كونه ~~علة مع ظهور انتفاء الملازم والطريق في ذلك إنما هو التمسك بالعدم الأصلي ~~أو بعدم الاطلاع عليه بعد البحث والسبر والتقسيم ويلزم منه الانتقال من ~~طريقة الدوران إلى طريقة السبر والتقسيم وهي كافية في التعليل # وقد ترد عليه أسئلة أخرى مشهورة الجواب آثرنا الإعراض عن ذكرها اكتفاء في ~~إبطال الدوران بما ذكرناه فإنه في غاية القوة والدقة # وإذا عرف أن الطرد والعكس لا يصلح دليلا على العلية فالاطراد بانفراده ~~أولى أن لا يكون دليلا نظرا إلى أن الاطراد عبارة عن السلامة عن النقض ~~المفسد والسلامة عن مفسد واحد غير موجبة للتصحيح PageV03P333 PageV03P334 ~~خاتمة في أنواع النظر والاجتهاد في مناط الحكم وهو العلة ولما كانت العلة ~~متعلق الحكم ومناطه فالنظر والاجتهاد ms738 فيه إما في تحقيق المناط أو تنقيحه أو ~~تخريجه أما تحقيق المناط فهو النظر في معرفة وجود العلة في آحاد الصور بعد ~~معرفتها في نفسها وسواء كانت معروفة بنص أو إجماع أو استنباط أما إذا كانت ~~معروفة بالنص فكما في جهة القبلة فإنها مناط وجوب استقبالها وهي معروفة ~~بإيماء النص وهو قوله تعالى @QB@ وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره @QE@ ~~البقرة 144 # وكون هذه الجهة هي جهة القبلة في حالة الاشتباه فمظنون بالاجتهاد والنظر ~~في الأمارات # وأما إذا كانت معلومة بالإجماع فكالعدالة فإنها مناط وجوب قبول الشهادة ~~وهي معلومة بالإجماع وأما كون هذا الشخص عدلا فمظنون بالاجتهاد # وأما إذا كانت مظنونة بالاستنباط فكالشدة المطربة فإنها مناط تحريم ~~PageV03P335 الشرب في الخمر فالنظر في معرفتها في النبيذ هو تحقيق المناط ~~ولا نعرف خلافا في صحة الاحتجاج بتحقيق المناط إذا كانت العلة فيه معلومة ~~بنص أو إجماع وإنما الخلاف فيه فيما إذا كان مدرك معرفتها الاستنباط # وأما تنقيح المناط فهو النظر والاجتهاد في تعيين ما دل النص على كونه علة ~~من غير تعيين بحذف ما لا مدخل له في الاعتبار مما اقترن به من الأوصاف كل ~~واحد بطريقة كما علم فيما تقدم مما ذكرناه من التعليل بالوقاع في قصة ~~الأعرابي فإنه وإن كان مومى إليه بالنص غير أنه يفتقر في معرفته عينا إلى ~~حذف كل ما اقترن به من الأوصاف عن درجة الاعتبار بالرأي والاجتهاد وذلك بأن ~~يبين أن كونه أعرابيا وكونه شخصا معينا وأن كون ذلك الزمان وذلك الشهر ~~بخصوصه وذلك اليوم بعينه وكون الموطوءة زوجة وامرأة معينة لا مدخل له في ~~التأثير بما يساعد من الأدلة في ذلك حتى يتعدى إلى كل من وطىء في نهار ~~رمضان عامدا وهو مكلف صائم # وهذا النوع وإن أقر به أكثر منكري القياس فهو دون الأول # وأما تخريج المناط فهو النظر والاجتهاد في إثبات علة الحكم الذي دل النص ~~أو الإجماع عليه دون عليته # وذلك كالاجتهاد في إثبات كون الشدة المطربة علة لتحريم شرب الخمر وكون ms739 ~~القتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص في المحدد وكون الطعم علة ربا الفضل ~~في البر ونحوه حتى يقاس عليه كل ما ساواه في علته وهذا في الرتبة دون ~~النوعين الأولين ولذلك أنكره أهل الظاهر والشيعة وطائفة من المعتزلة ~~البغداديين PageV03P336 # | الباب الثالث في أقسام القياس وأنواعه # وهي خمس قسم # | القسمة الأولى # القياس ينقسم إلى ما المعنى الجامع فيه باقتضاء الحكم في الفرع أولى منه ~~في الأصل وإلى ما هو مساو وإلى ما هو أدنى فالأول كتحريم ضرب الوالدين ~~بالنسبة إلى تحريم التأفيف لهما وما في معناه وسواء كان قطعيا أو ظنيا كما ~~سبق تقريره في مسائل المفهوم # وإن كان الثاني فكما في إلحاق الأمة بالعبد في تقويم نصيب الشريك على ~~المعتق وكما في إلحاق نجاسة الماء بصب البول فيه من كوز بنجاسته بالبول فيه ~~ونحوه # وإن كان الثالث فكما في إلحاق النبيذ بالخمر في تحريم الشرب وإيجاب ~~PageV04P005 الحد ونحوه # غير أن هذا النوع الثالث متفق على كونه قياسا ومختلف في النوعين الأولين ~~كما سبق # # | القسمة الثانية # القياس ينقسم إلى جلي وخفي فالجلي ما كانت العلة فيه منصوصة أو غير ~~منصوصة غير أن الفارق بين الأصل والفرع مقطوع بنفي تأثيره # فالأول كإلحاق تحريم ضرب الوالدين بتحريم التأفيف لهما بعلة كف الأذى ~~عنهما # والثاني كإلحاق الأمة بالعبد في تقويم النصيب حيث عرفنا أنه لا فارق ~~بينهما سوى الذكورة في الأصل والأنوثة في الفرع وعلمنا عدم التفات الشارع ~~إلى ذلك في أحكام العتق خاصة # وأما الخفي فما كانت العلة فيه مستنبطة من حكم الأصل كقياس القتل بالمثقل ~~على المحدد ونحوه # # | القسمة الثالثة # القياس ينقسم إلى مؤثر وملائم # أما المؤثر فإنه يطلق باعتبارين الأول ما كانت العلة الجامعة فيه منصوصة ~~بالصريح أو الإيماء أو مجمعا عليها # والثاني ما أثر عين الوصف الجامع في عين الحكم أو عينه في جنس الحكم أو ~~جنسه في عين الحكم # وأما الملائم فما أثر جنسه في جنس الحكم كما سبق تحقيقه # ومن PageV04P006 الناس من جعل المؤثر من هذه الأقسام ما ms740 أثر عينه في عين ~~الحكم لا غير والملائم ما بعده من الأقسام # # | القسمة الرابعة # القياس ينقسم إلى قياس علة ودلالة والقياس في معنى الأصل وذلك لأنه لا ~~يخلو إما أن يكون الوصف الجامع بين الأصل والفرع قد صرح به أو لم يصرح به ~~فإن صرح به فلا يخلو إما أن يكون هو العلة الباعثة على الحكم في الأصل أو ~~لا يكون هو العلة بل هو دليل عليها # فإن كان الأول فيسمى قياس العلة وذلك كالجمع بين النبيذ والخمر في تحريم ~~الشرب بواسطة الشدة المطربة ونحوه # وإنما سمي قياس العلة للتصريح فيه بالعلة # وإن كان الثاني فيسمى قياس الدلالة وذلك كالجمع بين النبيذ والخمر ~~بالرائحة الفائحة الملازمة للشدة المطربة أو الجمع بين الأصل والفرع بأحد ~~موجبي العلة في الأصل استدلالا به على الموجب الآخر كما في الجمع بين قطع ~~الجماعة ليد الواحد وقتل الجماعة للواحد في وجوب القصاص بواسطة الاشتراك في ~~وجوب الدية عليهم بتقدير إيجابها # وأما إن كان الوصف الجامع لم يصرح به في القياس كما في إلحاق الأمة ~~بالعبد في تقويم نصيب الشريك على المعتق بواسطة نفي الفارق بينهما فيسمى ~~القياس في معنى الأصل # # | القسمة الخامسة # القياس لا يخلو إما أن يكون طريق إثبات العلة المستنبطة فيه المناسبة أو ~~الشبه أو السبر والتقسيم أو الطرد والعكس كما سبق تحقيقه PageV04P007 # فإن كان الأول فيسمى قياس الإحالة # وإن كان الثاني فيسمى قياس الشبه # وإن كان الثالث فيسمى قياس السبر # وإن كان الرابع فيسمى قياس الاطراد PageV04P008 # # | الباب الرابع في مواقع الخلاف في القياس وإثباته على منكريه وفيه ست ~~مسائل # # | المسألة # الأولى يجوز التعبد بالقياس في الشرعيات عقلا # وبه قال السلف من الصحابة والتابعين والشافعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد بن ~~حنبل وأكثر الفقهاء والمتكلمين وقالت الشيعة والنظام وجماعة من معتزلة ~~بغداد كيحيى الإسكافي وجعفر بن مبشر وجعفر بن حرب بإحالة ورود التعبد به ~~عقلا وإن اختلفوا في مأخذ الإحالة العقلية كما سنبينه # وقال القفال من أصحاب الشافعي وأبو الحسين البصري بأن العقل موجب ms741 لورود ~~التعبد بالقياس # والمختار إنما هو الجواز ويدل على ذلك الإجمال والتفصيل أما الإجمال فهو ~~أنه لا خلاف بين العقلاء أنه يحسن من الشارع أن ينص ويقول لا يقضي القاضي ~~وهو غضبان لأن الغضب مم يوجب اضطراب رأيه PageV04P009 وفهمه فقيسوا على ~~الغضب ما كان في معناه كالجوع والعطش والإعياء المفرط وأن يقول حرمت عليكم ~~شرب الخمر ومهما غلب على ظنونكم أن علة التحريم الشدة المطربة الصادة عن ~~ذكر الله المفضية إلى وقوع الفتن والعدواة والبغضاء لتغطيتها على العقل ~~فقيسوا عليها كل ما في معناه من النبيذ وغيره ولو كان ذلك ممتنعا عقلا لما ~~حسن ورود الشرع بذلك # وأما من جهة التفصيل فمن وجهين الأول هو أن العاقل إذا صح نظره واستدلاله ~~أدرك بالأمارات الحاضرة المدلولات الغائبة وذلك كمن رأى جدارا مائلا منشقا ~~فإنه يحكم بهبوطه أو رأى غيما رطبا وهواء باردا حكم بنزول المطر أو رأى ~~إنسانا خارجا من بيت فيه قتيل وبيده سكين مخضبة بالدم حكم بكونه قاتلا فإذا ~~رأى الشارع قد أثبت حكما في صورة من الصور ورأى ثم معنى يصلح أن يكون داعيا ~~إلى إثبات ذلك الحكم ولم يظهر له ما يبطله بعد البحث التام والسبر الكامل ~~فإنه يغلب على ظنه أن الحكم ثبت له وإذا وجد ذلك الوصف في صورة أخرى غير ~~الصورة المنصوص عليها ولم يظهر له أيضا ما يعارضه فإنه يغلب على ظنه ثبوت ~~الحكم به في حقنا وقد علمنا أن مخالفة حكم الله تعالى سبب للعقاب فالعقل ~~يرجح فعل ما ظن فيه المصلحة ودفع المضرة على تركه ولا معنى للجواز العقلي ~~سوى ذلك # الثاني أن التعبد بالقياس فيه مصلحة لا تحصل دونه وهي ثواب المجتهد على ~~اجتهاده وإعمال فكره وبحثه في استخراج علة الحكم المنصوص عليه لتعديته إلى ~~محل آخر على ما قال عليه السلام ثوابك على قدر نصبك وما كان طريقا إلى ~~تحصيل مصلحة المكلف فالعقل لا يحيله بل يجوزه # فإن قيل ما ذكرتموه من جواز التعبد بالقياس بناء على ظن حصول ms742 PageV04P010 ~~المصلحة ودفع المضرة إنما يحسن إذا لم يكن الوصول إلى ذلك بطريق يقيني وأما ~~إذا أمكن فلا وذلك لأنه مهما أمكن الوصول إلى المطلوب بطريق يؤمن فيه الخطأ ~~فالعقل يمنع من سلوك طريق لا يؤمن فيه الخطأ فما لم تثبتوا أنه لم يوجد ~~دليل شرعي قاطع يدل على ذلك من كتاب أو سنة أو إجماع أمة فاتباع الظن يكون ~~ممتنعا عقلا # سلمنا أنه لم يوجد دليل قطعي على ذلك لكن إنما يسوغ العقل التمسك بالظن ~~إذا لم يوجد دليل ظني راجع على ظن القياس مفض إلى حكم القياس وإلا كان ~~العمل بما الخطأ فيه أقرب مما ترك وهو ممتنع عقلا # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على تجويز العقل لذلك غير أنه منقوض ومعارض # أما النقض فبصور منها أن قول الشاهد الواحد بل العبيد والنساء المتمحضات ~~في الحقوق المالية والدماء والفروج بل الفساق مغلب على ظن القاضي الصدق ومع ~~ذلك لا يجوز له العمل به ومنها أن مدعى النبوة إذا غلب على الظن صدقه من ~~غير دلالة المعجزة عليه لا يجوز اتباعه والعمل بقوله ومنها أن المصالح ~~المرسلة وإن غلبت على الظن لا يجوز العمل بها ومنها أنه لو اشتبهت رضيعة ~~بعشر أجنبيات أو ميتة بعشر مذكيات لم يجز مد اليد إلى واحدة منها وإن وجدت ~~علامات مغلبة على الظن # وأما المعارضة فمن خمسة وعشرين وجها الأول قال النظام إن العقل يقتضي ~~التسوية بين المتماثلات في أحكامها والاختلاف بين المختلفات في أحكامها ~~والشارع قد رأيناه فرق بين PageV04P011 المتماثلات وجمع بين المختلفات وهو ~~على خلاف قضية العقل وذلك يدل على أن القياس الشرعي غير وارد على مذاق ~~العقل فلا يكون العقل مجوزا له # أما تفرقته بين المتماثلات فإنه فرض الغسل من المني وأبطل الصوم بإنزاله ~~عمدا دون البول والمذي وأوجب غسل الثوب من بول الصبية والرش عليه من بول ~~الغلام ونقص من عدد الرباعية في حق المسافر الشطر دون الثنائية وأوجب الصوم ~~على الحائض دون الصلاة مع أن الصلاة أولى بالمحافظة عليها وحرم ms743 النظر إلى ~~العجوز القبيحة المنظر وأباحه في حق الأمة الحسناء وقطع سارق القليل دون ~~غاصب الكثير وأوجب الجلد بالقذف بالزنى دون القذف بالكفر وقبل في القتل ~~شاهدين دون الزنى وجلد قاذف الحر الفاسق دون العبد العفيف وفرق في العدة ~~بين الموت والطلاق مع استواء حال الرحم فيهما وجعل استبراء الرحم بحيضة ~~واحدة في حق الأمة والحرة المطلقة بثلاث حيضات وأوجب تطهير غير الموضع الذي ~~خرجت منه الريح مع أن القياس كان مقتضيا للتسوية في جميع هذه الصور بل ربما ~~كان بعض الصور التي لم يثبت فيها الحكم أولى به مما ثبت فيها # وأما تسويته بين المختلفات فإنه سوى بين قتل الصيد عمدا وخطأ في إيجاب ~~الضمان وسوى في إيجاب القتل بين الردة والزنى وسوى في إيجاب الكفارة بين ~~قتل النفس والوطء في رمضان والظهار مع الاختلاف وذلك مما يبطل الاعتبار ~~بالأمثال ويوجب امتناع العمل بالقياس # الثاني قالت الشيعة إن القول بالتعبد بالقياس يفضي إلى الاختلاف وذلك عند ~~ما إذا ظهر لكل واحد من المجتهدين قياس مقتضاه نقيض حكم الآخر والاختلاف ~~ليس من الدين لقوله تعالى @QB@ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا @QE@ PageV04P012 وقوله تعالى @QB@ أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ~~@QE@ الشورى 13 وقوله @QB@ ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم @QE@ الأنفال ~~46 وقوله @QB@ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا @QE@ الأنعام 159 وقوله ~~تعالى @QB@ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا @QE@ آل عمران 105 ذكر ذلك ~~في معرض الذم ولا ذم على ما يكون من الدين وقد ذم الصحابة الاختلاف حتى قال ~~عمر لا تختلفوا فإنكم إن اختلفتم كان من بعدكم أشد اختلافا وأنه لما سمع ~~ابن مسعود وأبي بن كعب يختلفان في صلاة الرجل في الثوب الواحد أو الثوبين ~~صعد المنبر وقال رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفا فعن ~~أي فتياكم يصدر المسلمون لا أسمع اثنين يختلفان بعد مقامي هذا إلا فعلت ~~وصنعت وقال جرير بن كليب رأيت عمر ينهى عن المتعة وعليا يأمر بها فقلت إن ms744 ~~بينكما لشرا # وكتب علي إلى قضاته أيام خلافته أن اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره ~~الخلاف وأرجو أن أموت كما مات أصحابي # الثالث أنه إذا اختلفت الأقيسة في نظر المجتهدين فإما أن يقال بأن كل ~~مجتهد مصيب فيلزم منه أن يكون الشيء ونقيضه حقا وهو محال وإما أن يقال بأن ~~المصيب واحد وهو أيضا محال فإنه ليس تصويب أحد الظنين مع استوائهما دون ~~الآخر أولى من العكس # الرابع قال النبي صلى الله عليه وسلم أوتيت جوامع الكلم واختصرت لي ~~الحكمة PageV04P013 اختصارا فلو كان التنصيص منه على الأشياء الستة الربوية ~~قصدا لقياس ما عداها من المطعومات عليها مع أنه كان قادرا على ما هو أصرح ~~منه وللخلاف والجهل أدفع وهو أن يقول حرمت الربا في كل مطعوم لكان عدولا ~~منه عن الظاهر المفهوم إلى الخفي الموهوم وهو غير لائق بفصاحته وحكمته وهو ~~خلاف نصه # الخامس أن الحكم في أصل القياس إن كان ثابتا بالنص امتنع إثباته في الفرع ~~لعدم وجود النص في الفرع وامتناع ثبوته فيه بغير طريق حكم الأصل وإلا لما ~~كان تابعا للأصل ولا فرعا له وإن كان ثابتا بالعلة فهو ممتنع لوجهين الأول ~~أن الحكم في الأصل مقطوع والعلة مظنونة والمقطوع به لا يثبت بالمظنون # الثاني أن العلة في الأصل مستنبطة من حكم الأصل ومتفرعة عليه والمتفرع ~~على الشيء لا يكون مثبتا لذلك الشيء وإلا كان دورا ممتنعا # السادس أنه لو كانت العلة منصوصة كما لو قال حرمت الربا في البر لكونه ~~مطعوما فإنه لا يقتضي التحريم في غير البر فالمستنبطة أولى بعدم التعدية ~~وبيان أن المنصوصة لا تقتضي التحريم في غير محل النص قصور دلالة اللفظ عن ~~ذلك PageV04P014 ولهذا فإنه لو قال أعتقت كل عبد لي أسود عتق كل السودان من ~~عبيده ولو قال أعتقت عبدي سالما لسواده أو لسوء خلقه فإنه لا يعتق غانم وإن ~~كان أشد سوادا من سالم وأسوأ خلقا # السابع أن حكم القياس إما أن يكون موافقا للبراءة الأصلية أو مخالفا لها ~~فإن ms745 كان الأول لم يكن القياس مفيدا لأنه لو قدر عدمه كان مقتضاه متحققا ~~بالبراءة الأصلية وإن كان الثاني فهو ممتنع لأن البراءة الأصلية متيقنة ~~والقياس مظنون واليقين تمتنع مخالفته بالظن # الثامن أنه لو جاز التعبد بالقياس عقلا في الفروع لظن المصلحة لجاز مثل ~~ذلك في أصول الأقيسة وهو محال لما فيه من التسلسل # التاسع أن الشرعيات مصالح فلو جاز إثباتها بالقياس لجاز أن يتعبد ~~بالإخبار عن كون زيد في الدار عند غلبة الظن بكونه فيها بالأمارات وهو ~~ممتنع # العاشر أن الرجم بالظن جهل ولا صلاح للخلق في إقحامهم ورطة الجهل حتى ~~يتخبطوا فيه ويحكموا بما يجوز أن يكون مخالفا لحكم الله تعالى # الحادي عشر أنه لا يستقيم قياس إلا بعلة والعلة ما توجب الحكم بذاتها ~~وعلل الشرع ليس كذلك فلا قياس PageV04P015 # الثاني عشر أن حكم الله تعالى خبره وذلك إنما يعرف بالتوقيف لا بالقياس ~~لأن القياس من فعلنا لا من توقيف الشارع # الثالث عشر أن جلي الأحكام الشرعية لا يعرف إلا بالنصوص فكذلك خفيها ~~كالمدركات فإن جليها وخفيها لا يدرك بغير الحس # الرابع عشر أنه لو كان للشرعيات علل لاستحال انفكاكها عن أحكامها كما في ~~العلل العقلية فإنه يستحيل انفكاك الحركة القائمة بالجسم عن كون متحركا لما ~~كانت الحركة علة لكونه متحركا وذلك يوجب ثبوت الأحكام الشرعية قبل ورود ~~الشرع لتقدم العلل عليها وهو محال # الخامس عشر أنه لو كان القياس صحيحا لكان حجة مع النص وذلك ممتنع ~~بالإجماع # السادس عشر أن نظر القائس لا بد وأن يقع في منظور فيه والمنظور فيه ليس ~~سوى النص والحكم وهو الواجب والحرام مثلا وليس المنظور فيه هو النص إذ ~~هوغير متناول للفرع والحكم فهو فعل المكلف # ويلزم من ذلك أنه إذا لم يوجد فعل المكلف أن لا يصح القياس ويلزم من فساد ~~الأمرين فساد القياس الشرعي # السابع عشر أنه لو جاز التعبد بتحريم شيء أو وجوبه عند ظننا أنه مشابه ~~لأصل محرم أو واجب بناء على أمارة لجاز أن يتعبد بذلك عند ms746 ظننا المشابهة من ~~غير أمارة وهو محال # الثامن عشر أنه لو جاز التعبد بالقياس الشرعي لكان على عليته دلالة ~~والدلالة عليها إما النص والعلة المستنبطة التي فيها الخلاف غير منصوصة ~~PageV04P016 وإما العادات والعادات تكون مثبتة للأحكام الشرعية فلا تكون ~~مثبتة لأماراتها # التاسع عشر لو كانت المعاني المشروعة من الأصول أدلة على ثبوب الأحكام في ~~الفروع لم يقف كونها أدلة على شيء سواها كما في النصوص والاتفاق واقع على ~~احتياج المستنبطة إلى دليل والمحتاج إلى الدليل لا يكون دليلا كما في ~~الأحكام # العشرون أنه إذا غلب على الظن تحريم ربا الفضل في البر إما لكونه مطعوم ~~جنس أو مكيل جنس أو قوتا أو مالا فلا بد من رعاية المصلحة في ذلك وأي مصلحة ~~في تحريم بيع ما هذه صفته # الحادي والعشرون أنه لو صح معرفة الحكم الشرعي مع كونه غيبيا بالقياس لصح ~~معرفة الأمور الغيبية بالقياس وهو محال # الثاني والعشرون أن القياس فعل القائس وذلك مما لا يجوز أن يتوصل به إلى ~~معرفة المصالح # الثالث والعشرون أن القياس لا بد فيه من علة مستنبطة من حكم الأصل والحكم ~~في الأصل جاز أن يكون معللا وجاز أن لا يكون معللا وبتقدير كونه معللا ~~يحتمل أن يكون الحكم ثابتا بغير ما استنبط وبتقدير أن يكون ثابتا بما ~~استنبط يحتمل أن لا يكون متحققا في الفرع إذا كان وجوده فيه ظنيا # وما هذا شأنه لا يصلح للدلالة # الرابع والعشرون أنه لو جاز التعبد بالقياس لأفضى ذلك إلى تقابل الأدلة ~~وتكافئها وأن يكون الرب تعالى موجبا للشيء ومحرما له وهو محال على الله ~~تعالى # وبيان ذلك أنه قد يتردد الفرع بين أصلين حكم أحدهما الحل والآخر الحرمة # فإذا ظهر في نظر المجتهد شبه الفرع بكل واحد منهما لزم الحكم بالحل ~~والحرمة في شيء واحد وذلك محال PageV04P017 # الخامس والعشرون أن القياس لا بد فيه من علة جامعة والعلل الشرعية لا بد ~~وأن تكون على وزان العلل العقلية والعلة الشرعية يجوز عند القائلين بالقياس ~~أن تكون ذات ms747 أوصاف والعلة العقلية ليست كذلك فإنها تستقل بحكمها كاستقلال ~~الحركة بكون المحل الذي قامت به متحركا واستقلال السواد بكون محله أسود ~~ونحوه # وأما من زعم أن العقل موجب للتعبد بالقياس الشرعي فقد احتج بثلاث شبه ~~الأولى أن الأنبياء عليهم السلام مأمورون بتعميم الحكم في كل صورة والصور ~~لا نهاية لها فلا تمكن إحاطة النصوص بها فاقتضى العقل وجوب التعبد بالقياس # الثانية أنه إذا غلب على الظن أن المصلحة في إثبات الحكم بالقياس وأنه ~~أنفى للضرر فيجب اتباعه عقلا تحصيلا للمصلحة ودفعا للمضرة كما يجب القيام ~~من تحت حائط ظن سقوطه لفرط ميله وإن جاز أن تكون السلامة في القعود والهلاك ~~في النهوض # الثالثة أن العلل الشرعية ومناسبتها للأحكام مدركة بالعقل فكان العقل ~~موجبا لورود التعبد بها كما توجب أحكام العلل العقلية # والجواب عن السؤال الأول أنه إذا سلم أن القياس مغلب على الظن وجود ~~المصلحة فهو بيان وهو وإن كان البيان فيه مرجوحا بالنسبة إلى البيان القاطع ~~فليس ذلك مما يمنع من التعبد به مع عدم الظفر بالبيان القاطع وإن كان ممكن ~~الوجود وإلا لما جاز التعبد بالنصوص الظنية وأخبار الآحاد مع إمكان أن يخلق ~~الله تعالى لنا العلم الضروري بالأحكام وإمكان وجود النصوص القاطعة الجلية # وعلى هذا يخرج الجواب عن السؤال الثاني أيضا # وعن النقض بما ذكروه من الصور أن العقل يجوز ورود التعبد بكل ما هو ~~PageV04P018 مغلب عن الظن غير أنه لما ورد التعبد من الشارع بامتناع العمل ~~به كان ذلك لمانع الشرع لا لعدم الجواز العقلي # وعن المعارضة الأولى أن كل ما ظن فيه الجامع بين الأصل والفرع وظهرت ~~صلاحيته للتعليل فالعقل لا يمنع من ورود التعبد من الشارع فيه بالإلحاق ~~وحيث فرق الشارع في الصور المذكورة فلم يكن ذلك لاستحالة ورود التعبد ~~بالقياس بل إنما كان ذلك إما لعدم صلاحية ما وقع جامعا أو لمعارض له في ~~الأصل أو في الفرع وحيث جمع بين مختلفات الصفات فإنما كان لاشتراكها في ~~معنى جامع صالح للتعليل أو لاختصاص ms748 كل صورة بعلة صالحة للتعليل فإنه لا ~~مانع عند اختلاف الصورة وإن اتحد نوع الحكم أن تعلل بعلل مختلفة لا أن ~~الحكم ثبت في الكل بالقياس # وعلى هذا نقول ما لم يظهر تعليله وصحة القياس عليه إما لعدم صلاحية ~~الجامع أو لتحقق الفارق أو لظهور دليل التعبد فلا قياس فيه أصلا وإنما ~~القياس فيما ظهر كون الحكم في الأصل معللا فيه وظهر الاشتراك في العلة ~~وانتفى الفارق # وعن الثانية أن ذلك وإن أفضى إلى الاختلاف بين المجتهدين فإن ذلك غير ~~محذور مطلقا فإن جميع الشرائع والملل كلها من عند الله وهي مختلفة ولا ~~محذور فيها وإلا لما كانت مشروعة من عند الله كيف وإن الأمة الإسلامية ~~معصومة عن الخطإ على ما عرف # فلو كان الاختلاف مذموما ومحذورا على الإطلاق لكانت الصحابة مع اشتهار ~~اختلافهم وتباين أقوالهم في المسائل الفقهية مخطئة بل الأمة قاطبة وذلك ~~ممتنع # وعلى هذا فيجب حمل ما ورد من ذم الاختلاف والنهي عنه على الاختلاف في ~~التوحيد والإيمان بالله ورسوله والقيام بنصرته وفيما المطلوب فيه ~~PageV04P019 القطع دون الظن والاختلاف بعد الوفاق واختلاف العامة ومن ليس ~~له أهلية النظر والاجتهاد وبالجملة كل ما لا يجوز فيه الاختلاف جمعا بين ~~الأدلة بأقصى الإمكان وقوله تعالى @QB@ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا @QE@ النساء 82 إنما المراد به نفي التناقض والاضطراب ~~والاختلاف المناقض للبلاغة عن القرآن لا نفي الاختلاف في الأحكام الشرعية # وأما إنكار عمر على ابن مسعود وأبي بن كعب فيجب أيضا حمله على اختلافهما ~~فيما سبق فيه الإجماع أو على اختلافهما بالنظر إلى مستفت واحد حذرا من ~~تحيره # وأما قول جرير لعلي وعمر عند اختلافهما في مسألة المتعة فيجب حمله على ما ~~ظنه من إفضاء ذلك إلى فتنة وثوران أمر # وأما ما كتبه علي إلى قضاته فيجب حمله أيضا على خوفه من انفتاق فتق بسبب ~~نسبته إلى تعصب لمخالفة من سبق # وعن الثالثة باختيار تصويب كل مجتهد بناء على أن الحكم عند الله تعالى في ms749 ~~حق كل واحد ما أدى إليه اجتهاده وذلك مما لا يمنع من كون الشيء ونقيضه حقا ~~بالنسبة إلى شخصين مختلفين كما في الصلاة وتركها بالنسبة إلى الحائض ~~والطاهر وكالجهات المختلفة في القبلة حال اشتباهها بالنسبة إلى شخصين ~~وبالنسبة إلى شخص واحد في حالتين مختلفتين وكجواز ركوب البحر في حق من غلب ~~على ظنه السلامة وتحريمه في حق من غلب على ظن الهلاك # وهذا بخلاف القضايا العقلية وما الحق فيه في نفس الأمر لا يكون إلا واحدا ~~معينا كحدوث العالم وقدمه ووجود الصانع وعدمه # وعن الرابعة من وجهين الأول أنه لو كان العدول من أصرح الطريقين وأبينهما ~~إلى أدناهما مما يمتنع ويخل بالبلاغة لما ساغ ورود الكتاب بالألفاظ ~~PageV04P020 المجملة وإرادة المعين والعامة وإرادة الخاص والمطلقة وإرادة ~~المقيد والألفاظ المحتملة ولما ساغ أيضا مثل ذلك من الرسول مع إمكان ~~الإتيان بألفاظ صريحة ناصة على الغرض المطلوب وهو ممتنع خلاف الواقع # الوجه الثاني أنه غير بعيد أن يكون الله تعالى ورسوله قد علم أن في ~~التعبد بالقياس والاجتهاد مصلحة للمكلفين لا تحصل من التنصيص # وذلك بسبب بعث دواعيهم على الاجتهاد طلبا لزيادة الثواب الحاصل به على ما ~~نطق به النص في حق عائشة حتى تبقى الشريعة مستمرة غضة طرية # وعن الخامسة أن الحكم في الأصل وإن كان ثابتا بالنص أو الإجماع لا بالعلة ~~وأن ذلك غير متحقق في الفرع فلا نسلم وجوب ثبوت الحكم في الفرع بمثل طريق ~~إثبات حكم الأصل بل يمكن أن يكون إثبات الحكم في الأصل مع كونه مقطوعا به ~~بدليل مقطوع به وفي الفرع بوجود ما كان قد ظهر كونه باعثا على الحكم في ~~الأصل ولا يلزم من كون الفرع تابعا في حكمه للأصل اتحاد الطريق المثبت ~~للحكم فيهما وإلا لما كان أحدهما تابعا للآخر بل التبعية متحققة بمجرد ~~إثبات الحكم في الفرع بما عرف كونه باعثا على الحكم في الأصل # وعن السادسة من وجهين الأول قال بعضهم إن علم قطعا قصده للسواد عتق كل ~~عبد أسود له # وقال ms750 بعضهم لا يكفي مجرد القصد بل لا بد مع ذلك من أن ينوي بهذا اللفظ ~~عتق جميع السودان فإنه كاف في عتق كل عبد له أسود وغايته إطلاق اللفظ الخاص ~~وإرادة العام وهو سائغ لغة كما حمل قوله تعالى @QB@ ولا تأكلوا أموالهم ~~@QE@ على النهي عن الإتلاف العام وكما حمل قول القائل والله لا أكلت لفلان ~~خبزا ولا شربت من مائه PageV04P021 جرعة إذا قصد به دفع المنة على أخذ ~~الدراهم وغيرها من العروض حتى إنه يحنث بكل ذلك # وقال بعضهم لا يكفي ذلك لأن مجرد النية والإرادة لذلك غير كافية في العتق ~~بل إن قال مع ذلك وقيسوا عليه كل أسود عتق كل عبد له أسود # وهذا هو اختيار الصيرفي من أصحاب الشافعي وهو أقرب من الذي قبله # الثاني أنه لا يلزم من امتناع التعدية هاهنا امتناع التعدية في العلل ~~المستنبطة الشرعية وذلك لأن العتق من باب التصرف في أملاك العبيد بالزوال ~~ولا كذلك في الأحكام الشرعية وعند ذلك فلا يلزم من امتناع التعدية هاهنا ~~مبالغة في صيانة ملك العبيد مثله في الأحكام الشرعية # ولهذا فإنه لو اجتمع في المحل الواحد حقان لله وللآدمي وتضايق المحل عن ~~استيفائهما كما لو وجب القتل على شخص بالردة وبالقتل الموجب للقصاص فإنه ~~يقدم حق الآدمي على حق الله تعالى ويقتل قصاصا لا بالردة # ولهذا طرد أهل اللغة مثل ذلك وعدوه فيما لا يقتضي زوال ملك الآدمي فإنه ~~لو قال القائل لغيره لا تأكل هذا الطعام فأنه مسموم ولا تشرب هذا الشراب ~~فأنه مسهل ولا تجالس فلانا لسواده فإن أهل اللغة يعدونه إلى كل ما هو من ~~جنسه مشارك له في العلة # وعلى هذا نقول إنه لو قال لوكيله بع هذا العبد لسواده أو لسوء خلقه وكان ~~قد قال له مهما ظهر لك رضائي بشيء من التصرفات بقرائن الأحوال دون صريح ~~الأقوال فافعله # وعلم أن العلة في إطلاق البيع السواد وسوء الخلق خاصة فله بيع كل ما ~~شاركه في تلك العلة على وزان ذلك في ms751 الشرع # وعن السابعة أنها منقوضة بمخالفة البراءة الأصلية بالنصوص الظنية ~~وبالإقرار والشهادة والفتوى وغير ذلك # وعن الثامنة أنه لو لم يرد النص بالحكم في أصول الأقيسة وإلا كان ~~PageV04P022 التعبد بإثبات أحكامها بالقياس على أصل آخر جائزا وإن امتنع ~~ذلك لما فيه من التسلسل فلا يرد به التعبد لاستحالته في نفسه # وعن التاسعة أنه لا يمتنع في العقل أيضا ورود التعبد بإخبارنا عن كون زيد ~~في الدار عن ظن إذا ظهرت أمارة كونه في الدار # وعن العاشرة أنها مبينة على فاسد أصول الخصوم في وجوب رعاية الصلاح ~~والأصلح وهو باطل على ما عرف من أصلنا # وإن سلمنا وجوب رعاية المصلحة فلا يمتنع أن يكون في التعبد بالقياس مصلحة ~~وقد استأثر الرب تعالى بالعلم بها كيف وإن ما ذكروه منقوض بورود التعبد ~~بالنصوص الظنية وقبول الشهادة والاجتهاد في القبلة حالة الاشتباه وبقبول ~~قول العدول في قيم المتلفات وأرش الجنايات وتقدير النفقات # وعن الحادية عشرة أن العلة في القياس إنما هي بمعنى الأمارة والعلامة على ~~الحكم في الفرع وذلك مما لا يمتنع التعبد باتباعه # ولهذا فإنه لو قال الشارع مهما رأيتم وصف الشدة المطربة فاعلموا أني قضيت ~~بتحريم ذلك المشتد المطرب كان واجب الاتباع # وعن الثانية عشرة أنه مهما لم يقم دليل يدل على وجوب التعبد بالقياس من ~~نص أو إجماع فإنا لا نثبت به الحكم ولا ننفيه # وإن كان يجوز ورود التعبد به عقلا # فإذا قال الشارع قد تعبدتكم بالقياس فمهما رأيتم الحكم قد ثبت في صورة ~~وغلب على ظنونكم أنه ثبت لعلة وأنها وأنها متحققة في صورة أخرى # فقيسوها كان ذلك إخبارا عن إثبات الحكم في الفرع # وإن لم يرد مثل هذا النص فانعقاد الإجماع على ذلك يكون كافيا # وعن الثالثة عشرة أنها قياس تمثيلي من غير جامع فلا يصح وقد أجاب بعضهم ~~بأن كثير الزعفران الواقع في الماء يعلم بالإدراك PageV04P023 وخفيه إنما ~~يعلم بإخبار من شاهده لا بنفس الإدراك وليس بحق فإن الخبر مستند إلى ~~المشاهدة # فإن قيل الحكم في ms752 الفرع أيضا مستند إلى الحكم الثابت بالنص فكان جلي ~~الأحكام وخفيها مستندا إلى النص # قيل النص الوارد في الأصل لم يكن واردا في الفرع ولو ورد في الفرع لما ~~احتيج إلى القياس # وعن الرابعة عشرة أنا لا نسلم أن كون المتحرك متحركا يزيد على قيام ~~الحركة بالمحل فلا علة ولا معلول وإن سلمنا أن المتحركية معللة بالحركة ~~ولكن ما ذكروه تمثيل من غير جامع وذلك لأن اسم العلة مشترك بين العلة ~~العقلية والعلة الشرعية لأن العلة العقلية مقتضية للحكم بذاتها لا بوضع ~~بخلاف العلة الشرعية فإنها بمعنى الأمارة والعلامة أو بمعنى الباعث ولا ~~يمتنع أن يكون الوصف علامة على الحكم في بعض الأزمان دون البعض اتباعا لوضع ~~الشارع ولا يمتنع أن يكون الوصف باعثا لما يختص به من المصلحة في بعض ~~الأزمان دون البعض كما أبيحت الخمرة في زمان وحرمت في زمان وجوز الصوم في ~~زمان وحرم في زمان # ويكون مناط معرفة ذلك اعتبار الشارع للوصف في وقت وإلغاءه في وقت آخر # وعن الخامسة عشرة أن القياس عندنا حجة مع النص الموافق ولا يلزم أن يكون ~~حجة مع النص المخالف الراجح بدليل خبر الواحد فإنه حجة وإن لم يكن حجة مع ~~النص المخالف الراجح # وعن السادسة عشرة أن نظر القائس في الفرع وإن لم يكن في دلالة النص فهو ~~ناظر في المعنى الجامع والدلالة على عليته وفي الحكم في الفرع وليس الحكم ~~هو فعل المكلف بل الحكم إنما هو الوجوب أو التحريم المتعلق بفعله # وعن السابعة عشرة أنه إن غلب على الظن مشابهة شيء لشيء محرم PageV04P024 ~~وأمكن ذلك من غير أمارة فالعقل يجوز ورود الشرع بالتعبد بتحريمه وإن لم يرد ~~الشرع به # وعن الثامنة عشرة بمنع الحصر فيما ذكروه وما المانع من طريق آخر يعرف كون ~~الوصف الجامع علة من الإيماء أو غيره من طرق التخريج كما عرف # وعن التاسعة عشرة أن العلل المستنبطة من الأصول وإن كانت أدلة على ~~الأحكام في الفروع فليست أدلة لذواتها وصفات أنفسها الذاتية كما ms753 في العلل ~~العقلية بل إنما كانت أدلة بالوضع والتوقيف وجعل الشارع لها أدلة فلذلك ~~افتقرت في جعلها أدلة إلى غيرها # وعن العشرين أن الكلام في هذه المسألة غير مختص بتصحيح القياس في آحاد ~~الصور بل إنما هو في جواز ورود التعبد بالقياس في الجملة كيف وإن الوجه في ~~ظهور المصلحة في التعليل بمطعوم جنس أو مكيل جنس أو غير ذلك مما قد تكلف ~~بيانه في مسائل الفروع فعلى الناظر في ذلك بالاعتبار حتى إن كل ما لم يظهر ~~فيه وجه المصلحة ولا دفع المفسدة من الأوصاف المستنبطة بدليله فالقياس فيه ~~غير جائز # وعن الحادية والعشرين أن كل ما هو غيب عنا لو جعل الله عليه أمارة تدل ~~عليه كما جعل ذلك في الأحكام الشرعية كان الحكم في معرفته كما في الأحكام ~~وحيث لم يجعل له أمارة تدل عليه لم يكن معلوما # وعن الثانية والعشرين لا نسلم أن التوصل إلى معرفة المصالح بفعل القائس ~~وإنما فعل القائس وهو إثبات مثل حكم الأصل في الفرع تبع لمعرفة المصلحة ~~المأخوذة من حكم الأصل # وعن الثالثة والعشرين أنه متى غلب على ظن القائس كون الحكم معللا وظهرت ~~له علة في نظره مجردة عن المعارض وتحقق وجودها في الفرع كان له القياس وإلا ~~فلا PageV04P025 # وعن الرابعة والعشرين أنه مهما تقابل في نظر القائس قياسان على التحليل ~~والتحريم مثلا فكل واحدة من العلتين غير موجبة لحكمها لذاتها فلا يلزم من ~~ذلك اجتماع الحكمين وعلى هذا إن ترجحت إحداهما على الأخرى كان العمل بها ~~وإن تعارضا من كل وجه أمكن أن يقال بالوقف إلى حين ظهور الترجيح وأمكن أن ~~يقال بتخيير المجتهد في العمل بأي القياسين شاء على ما عرف من مذهب الشافعي ~~وأحمد بن حنبل # وعن الخامسة والعشرين لا نسلم أن العلل الشرعية على وزان العلل العقلية ~~وإنما هي بمعنى الأمارات والعلامات وما كان بمعنى الأمارة والعلامة لا ~~يمتنع أن يكون الظن الحاصل منه من مجموع أوصاف لا يستقل البعض بها وذلك ~~كالظن الحاصل بنزول المطر ms754 عند طلوع الغيم وتكاثفه ودنوه من الأرض وهبوب ~~الهواء البارد # وكذلك ظن سقوط الجدار بميله وانشقاقه وتخلخل أجزائه إلى غير ذلك # والجواب عن الشبهة الأولى للقائلين بكون العقل موجبا لورود التعبد ~~بالقياس أن الذي لا يتناهى إنما هو الجزئيات الداخلة تحت الأجناس الكلية # أما الأجناس الكلية فلا نسلم أنها غير متناهية # وعلى هذا فقد أمكن التنصيص على كل واحد من الأجناس بأن يقول الشارع كل ~~مطعوم ربوي وكل مسكر حرام وكل قاتل عمدا عداونا مقتول وكل سارق من حرز مثله ~~لا شبهة له فيه مقطوع إلى نظائره والحكم في كل صورة من جزئيات ذلك الجنس ~~يكون ثابتا بالنص # وإن افتقرنا فيه إلى الاجتهاد في إدراج كل واحد تحت جنسه ليتم إثبات ~~الحكم فيه بالنص فذلك إنما هو من باب تحقيق متعلق الحكم لا أنه قياس # وعلى هذا فلا حاجة إلى القياس # وإن سلمنا امتناع التعميم بغير القياس فإنما يجب التعبد به أن لو كان ~~النبي عليه السلام مكلفا بالتعميم وهو غير مسلم بل يمكن أن يقال بأنه إنما ~~كلف بما يقدر على تبليغه بطريق المخاطبة PageV04P026 # وما ذكروه مبني على وجوب رعاية الصلاح والأصلح وهو غير مسلم على ما ~~عرفناه في الكلاميات # وعن الثانية أنها مبنية على كون العقل موجبا وعلى وجوب رعاية المصلحة وهو ~~باطل على ما عرفناه # وإن سلمنا أن العقل موجب عند ظهور المصلحة في نظر العاقل لكن متى إذا كان ~~علم الله تعالى متعلقا بما ظنه العبد على وفق ما ظنه العبد أو على خلافه ~~الأول مسلم والثاني ممنوع # وعند ذلك فمن الجائز أن يكون الرب تعالى قد علم أنه لا مصلحة للمكلفين في ~~القياس وأنه مضر في حقهم على خلاف مظنون العبد # ومع ذلك فلا يكون العقل موجبا للقياس # وإن سلمنا إيجاب ذلك مطلقا لكن إذا أمكن إثبات الحكم في الفرع بطريق غير ~~القياس أو إذا لم يمكن الأول ممنوع والثاني مسلم # وقد بينا إمكان ذلك في دفع الشبهة التي قبلها # وعن الثالثة أنها مبينة على ms755 كون العقل موجبا وعلى وجوب رعاية المصلحة ~~وعلى أنه لا طريق إلى معرفة الحكم في الفرع سوى القياس وعلى أن الله تعالى ~~عالم بأن المصلحة في القياس كما ظنه العبد وكل ذلك ممنوع وأيضا فإن العلة ~~الجامعة قد لا يكون طريق إثباتها المناسبة كما سبق تعريفه # وبتقدير أن يكون لا طريق سوى المناسبة وأنه لا طريق إلى معرفتها إلا ~~بالعقل فلا نسلم أنه يلزم من ذلك وجوب التعبد بها عقلا # وما ذكروه من العلل العقلية مبني على العلة والمعلول العقليين وهو غير ~~مسلم # وبتقدير تحقق ذلك فالعقل إنما يقضي بملازمة معلول العلة العقلية لها ~~لكونها مقتضية لمعلولها بذاتها ولا كذلك العلل الشرعية فإنها إنما كانت ~~عللا بمعنى الأمارات والعلامات فلا يصح القياس PageV04P027 # # | المسألة الثانية # الذين اتفقوا على جواز التعبد بالقياس عقلا اختلفوا فمنهم من قال لم يرد ~~التعبد الشرعي به بل ورد بحظره كداود بن علي الأصفهاني وابنه القاشاني ~~والنهرواني ولم يقضوا بوقوع ذلك إلا فيما كانت علته منصوصة أو مومى إليها # وذهب الباقون إلى أن التعبد الشرعي به واقع بدليل السمع واختلفوا في ~~وقوعه بدليل العقل كما بيناه في المسألة المتقدمة وأومأنا إلى إبطاله # ثم الدليل السمعي هل هو قاطع أو ظني اختلفوا فيه فقال الكل إنه قطعي سوى ~~أبي الحسين البصري فإنه قال إنه ظني وهو المختار # وقد احتج على ذلك بحجج ضعيفة لا بد من الإشارة إليها والتنبيه على ضعفها ~~ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار # فمنها كتابية وإجماعية ومعنوية أما الكتابية فقوله تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ النساء 59 ووجه الاحتجاج به أنه أمر بطاعة ~~الله والرسول # والمراد من ذلك إنما هو امتثال أمرهما ونهيهما فقوله ثانيا @QB@ فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ النساء 59 والظاهر من الرد هو ~~القياس ولأنه لو أراد به اتباع أوامرهما ونواهيهما لكان ذلك تكرارا فلم يبق ~~إلا أن يكون المراد به الرد ms756 إلى ما استنبط من الأمر والنهي # ولقائل أن يقول لا نسلم أن المراد من قوله تعالى @QB@ فردوه @QE@ القياس ~~PageV04P028 على ما أمر الله ورسوله بل يمكن أن يكون المراد البحث عن كون ~~المتنازع فيه مأمورا أو منهيا حتى يدخل تحت قوله أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول فالأمر الأول بالطاعة للأمر والنهي والثاني بالبحث عن المتنازع فيه ~~هل هو مأمور أو منهي أو لا فلا تكرار # وإنما يمكن حمل الرد على القياس مع كونه مختلفا في الاحتجاج به أن لو ~~تعذر حمل لفظ الرد على غيره وليس بمتعذر # وإن سلمنا امتناع حمله على البحث عن كون المتنازع فيه مأمورا أو منهيا ~~أمكن أن يكون المراد بقوله أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فيما أمركم به ~~ونهاكم عنه والمراد من قوله فإن تنازعتم في شيء أي فيما لم يسبق فيه أمر ~~ولا نهي فردوه إلى الله والرسول بالسؤال للرسول لينبئكم عن مقتضى ذلك في ~~كتاب الله وسنة رسوله # فإن قيل هذا يوجب اختصاص الآية بمن وجد في زمن النبي عليه السلام لتعذر ~~ذلك بالنسبة إلى من بعدهم والإجماع منعقد على تعميم وجوب الطاعة والرد إلى ~~الله والرسول في كل زمان # فلو كان معنى الرد السؤال للرسول لما تصور ذلك في حق من وجد بعد النبي ~~عليه السلام # قلنا وإن سلمنا أن الطاعة واجبة بالنسبة إلى كل زمان ولكن لا نسلم أن ~~وجوب الرد ثابت في كل زمان لأنه إن حمل الرد على القياس فهو محل النزاع وإن ~~حمل على السؤال للنبي عليه السلام فظاهر أنه غير واجب على من لم يره # فإن قيل الضمير في المخاطب بالرد عائد إلى المخاطب بالطاعة فإذا كان ~~الخطاب بالطاعة عاما فكذلك الخطاب بالرد وإذا تعذر حمل الرد على السؤال في ~~حق الكل تعين أن يكون المراد به القياس # قلنا وإن سلمنا أن الطاعة واجبة بالنسبة إلى كل زمان ولكن لا نسلم أنها ~~واجبة بقوله أطيعوا الله وأطيعو الرسول لأنها خطاب مشافهة على ما ~~PageV04P029 سبق تقريره في الأوامر # وإن سلمنا عموم ms757 خطاب الأمر بالطاعة فغايته أن يكون الضمير في قوله فردوه ~~إلى الله والرسول ظاهرا في العود إلى كل من أمر بالطاعة فعوده إلى البعض ~~وهو من كان في زمن النبي عليه السلام لضرورة حمل الرد على السؤال للنبي ~~عليه السلام غايته أن يكون تخصيصا للعموم وهو مقابل بمثله في حمل الرد على ~~القياس وذلك لأن الآية عامة في حق كل مجتهد وعامي ويلزم من حمل لفظ الرد ~~على القياس تخصيص الآية بالمجتهدين دون غيرهم وليس مخالفة أحد العمومين ~~والتمسك بالآخر أولى من العكس وأيضا قوله تعالى @QB@ ولو ردوه إلى الرسول ~~وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم @QE@ النساء 83 ~~والاستنباط هو القياس وهو ضعيف أيضا # ولك لأنه إنما يجب حمل الاستنباط في الآية على القياس أن لو تعذر حمله ~~على غيره وليس كذلك إذ أمكن أن يراد به استخراج الحكم من دليله وهو أعم من ~~القياس # ولهذا يصح أن يقال لمستخرج الحكم من دلالة النص إنه مستنبط كيف وإن ~~المذكور في صدر الآية إنما هو الأمن والخوف بقوله تعالى @QB@ وإذا جاءهم ~~أمر من الأمن أو الخوف @QE@ فيجب أن يكون الضمير في قوله أذاعوا به وفي ~~قوله ولو ردوه وفي قوله لعلمه وفي قوله يستنبطونه عائدا إليه لأنه المذكور ~~لا إلى غيره لكونه غير مذكور # وليس ذلك من القياس في شيء # وأيضا قوله تعالى @QB@ إن أنتم إلا بشر مثلنا @QE@ إبراهيم 10 ووجه ~~الاحتجاج به أنهم أوردوا ذلك في معرض صدهم عما كان يعبد أباؤهم لما بينهم ~~من المشابهة في البشرية ولم ينكر عليهم ذلك وهو عين القياس فكان حجة وهو ~~ضعيف أيضا لوجهين PageV04P030 # الأول لا نسلم عدم النكير عليهم فإن الآية إنما خرجت مخرج الإنكار لقولهم ~~ذلك ولذلك قال تعالى @QB@ إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء ~~من عباده @QE@ إبراهيم 11 # الثاني أنه وإن كان قياسا وتشبيها في الأمور الحقيقية فلا يلزم مثله في ~~الأحكام الشرعية إلا بطريق القياس أيضا وهو محل النزاع # وأما الإجماعية فمنها ms758 أنهم قالوا الأمة قد علقت من قوله تعالى @QB@ فلا ~~تقل لهما أف @QE@ الإسراء 23 تحريم الشتم والضرب بطريق القياس وهو غير صحيح ~~لإمكان قول الخصم إن ذلك إنما عقل من دلالة اللفظ وفحوى الخطاب على ما سبق ~~وإن كان ذلك بطريق القياس غير أن العلة فيه معلومة بدلالة النص وهي كف ~~الأذى عن الوالدين ولا يلزم مثله فيما كانت العلة فيه مستنبطة مظنونة كما ~~قاله النظام # ومنها أن الأمة مجمعة على رجم الزاني المحصن قياسا على رجم النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( لماعز ) وهو ضعيف وأيضا لإمكان أن يقال بل إنما حكموا ~~بذلك بناء على قوله صلى الله عليه وسلم حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ~~ومنها أن الأمة مجمعة على أن الله تعالى تعبدنا بالاستدلال بالأمارات على ~~جهة القبلة عند اشتباهها وذلك أيضا مما لا يمكن التمسك به لأن الخصم لا ~~يمنع من التمسك بالأمارات مطلقا بل يجوز ذلك في القبلة وفي تقويم أروش ~~الجنايات وقيم المتلفات وتقدير النفقات وفيما كانت الأمارات فيه خفية ولا ~~يلزم مثله في الأمارات الشرعية والأقيسة كيف وإن من الخصوم من يمنع من صحة ~~الاجتهاد عند اشتباه القبلة ويوجب التوجه إلى الجهات الأربع حتى يخرج عن ~~العهدة بيقين PageV04P031 وأما الحجة المعنوية فهي أن النص والإجماع مما ~~يقل في الحوادث ويندر # فلو لم يكن القياس حجة أفضى ذلك إلى خلو أكثر الوقائع عن الأحكام الشرعية ~~وهو خلاف المقصود من بعثة الرسل وذلك ممتنع وهي ضعيفة أيضا وذلك لأن ~~الوقائع التي خلت عن النصوص والإجماع إنما يلزم خلوها عن الأحكام الشرعية ~~أن لو لم يكن نفي الحكم الشرعي بعد ورود الشرع حكما شرعيا وأما إذا كان ~~حكما شرعيا وكان مدركه شرعيا وهو استصحاب الحال وانتفاء المدارك الشرعية ~~المقتضية للأحكام الإثباتية فلا # وإن سلمنا أن انتفاء الحكم عند انتفاء النص والإجماع ليس حكما شرعيا ولكن ~~إنما يمتنع ذلك أن لو كنا مكلفين بإثبات الأحكام الشرعية في كل قضية وهو ~~غير مسلم وذلك لأن الشارع كما يورد إثبات ms759 الأحكام في بعض الوقائع قد يورد ~~نفيها في بعض آخر على حسب اختلاف المصالح ثم يلزم على ما ذكروه أن تكون ~~المصالح المرسلة الخلية عن الاعتبار حججا في الشريعة وهو محال وذلك لأنه ~~ليس كل واقعة يمكن وجود النص أو الإجماع أو القياس فيها # فلو لم تكن المصلحة المرسلة حجة أفضى ذلك أيضا إلى خلو الوقائع عن ~~الأحكام الشرعية لعدم وجود النص أو الإجماع أو القياس فيها والعذر إذ ذاك ~~يكون مشتركا والمعتمد في المسألة الكتاب والسنة والإجماع # أما الكتاب فقوله تعالى @QB@ فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ الحشر 2 أمر ~~بالاعتبار والاعتبار هو الانتقال من الشيء إلى غيره وذلك متحقق في القياس ~~PageV04P032 حيث إن فيه نقل الحكم من الأصل إلى الفرع # ولهذا قال ابن عباس في الأسنان اعتبر حكمها بالأصابع في أن ديتها متساوية ~~أطلق الاعتبار وأراد به نقل حكم الأصابع إلى الأسنان والأصل في الإطلاق ~~الحقيقة وإذا ثبت أن القياس مأمور به فالأمر إما أن يكون للوجوب أو للندب ~~على ما سبق في الأوامر # وعلى كلا التقديرين فالعمل بالقياس يكون مشروعا # فإن قيل لا نسلم أنه أمر بالاعتبار وصيغة افعلوا مترددة بين الأمر وغيره ~~كما سبق في الأوامر وليس جعلها ظاهرة في البعض أولى من البعض سلمنا أنها ~~للأمر ولكن لا نسلم أن الاعتبار ما ذكرتموه بل هو عبارة عن الاتعاظ ويدل ~~عليه أمران الأول قوله تعالى @QB@ إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار @QE@ آل ~~عمران 13 وقوله @QB@ وإن لكم في الأنعام لعبرة @QE@ النحل 66 والمراد به ~~الاتعاظ إذ هو المتبادر إلى الفهم من إطلاق هذا اللفظ # الثاني أن القائس في الفروع إذا أقدم على المعاصي ولم يتفكر في أمر آخرته ~~يقال إنه غير معتبر ولو كان القياس هو الاعتبار لما صح سلب ذلك عنه # سلمنا أن الاعتبار ظاهر في القياس لكنه قد وجد في الآية ما يمنع من الحمل ~~عليه ويصرفه إلى الاعتبار بمعنى الاتعاظ وذلك قوله تعالى @QB@ يخربون ~~بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين @QE@ الحشر 2 ولو كان الاعتبار بمعنى القياس ms760 ~~لما حسن ترتيبه على ذلك وإنما يحسن ذلك عند إرادة الاتعاظ # سلمنا أن المراد به القياس غير أنه ليس في الآية صيغة عموم تقتضي العمل ~~بكل قياس فكانت الآية مطلقة والمطلق إذا عمل به في صورة أو PageV04P033 صور ~~لا يبقى حجة فيما عداها ضرورة الوفاء بالعمل بدلالته وقد عملنا بذلك في ~~القياس العقلي والقياس الذي علته منصوصة أو مومى إليها وبقياس الفروع على ~~الأصول في امتناع إثباتها بالقياس # سلمنا العموم لكنه قد خص بما كلفنا فيه باليقين وبما كان منصوصا عليه ~~وبما لم نعلم له أصلا ولا وصفا جامعا فإن القياس غير مأمور به في ذلك كله # وكذلك إذا قال لوكيله أعتق غانما لسواده فإنه لا يجوز تعدية ذلك إلى سالم ~~وإن كان مسودا # والعام بعد التخصيص لا يبقى حجة وإن بقي حجة ففي أقل ما يتناوله الاسم ~~العام على ما سبق في العموم # وإن سلمنا أنه يبقى حجة فيما عدا محل التخصيص غير أن الآية خطاب مع ~~الموجودين فيختص ذلك بمن كان موجودا في وقت نزول الوحي بالآية وإن عم جميع ~~الأزمان ولكنه أمر مطلق فلا يكون مفيدا للفور ولا للتكرار وإن كان مفيدا ~~لذلك لكن بطريق ظني لا قطعي والمسألة قطعية لا ظنية # والجواب عن السؤال الأول أنا قد بينا أن صيغة ( افعل ) ظاهرة في الطلب ~~وأن الطلب لا يخرج عن اقتضاء الوجوب أو الندب في الأوامر وأي الأمرين قدر ~~كان دليلا على شرع القياس # قولهم لا نسلم أن الاعتبار عبارة عما ذكرتموه # قلنا دليله ما ذكرناه # قولهم يطلق بمعنى الاتعاظ # قلنا عنه جوابان الأول المنع ويدل عليه قولهم اعتبر فلان فاتعظ ولو كان ~~الاعتبار هو الاتعاظ لما حسن هذا الكلام والترتيب ولأن ترتيب الشيء على ~~نفسه ممتنع # الثاني أن الاعتبار بمعنى الانتقال من الشيء إلى غيره هو القياس وهو ~~متحقق في الاتعاظ وذلك لأن المتعظ بغيره منتقل من العلم بحال ذلك الغير ~~PageV04P034 إلى العلم بحال نفسه فكان مأمورا به من جهة ما فيه من الانتقال ~~وذلك هو ms761 القياس # وعلى هذا فقد خرج الجواب عن الآيتين # قولهم القائس إذا كان معرضا عن أمر آخرته يقال إنه غير معتبر # قلنا لا يصح ذلك بالنظر إلى كونه قائسا وإنما صح ذلك بالنظر إلى أمر ~~الآخرة وإنما أطلق النفي بطريق المجاز نظرا إلى إخلاله بأعظم المقاصد وهو ~~أمر المعاد # وعن الثالث أنه إذا كان الانتقال متحققا في الاتعاظ على ما قدمناه وذلك ~~هو القياس فلا نسلم امتناع ترتيب القياس على ما ذكروه # وعن الرابع أن اللفظ إن كان عاما فهو المطلوب وإن كان مطلقا فيجب حمله ~~على القياس الشرعي نظرا إلى أن الغالب من الشارع أنه إنما يخاطبنا بالأمور ~~الشرعية دون غيرها وهو إما أن تكون العلة فيه منصوصة أو مستنبطة والأول ليس ~~بقياس على ما حققناه قبل # وإن كانت مستنبطة فقد سلم صحة الاحتجاج ببعض الأقيسة المختلف فيها ويلزم ~~من ذلك تسليم الباقي ضرورة أن لا قائل بالفرق # وعن الخامس أن العام بعد التخصيص يكون حجة فيما وراء صور التخصيص على ما ~~سبق في العموم PageV04P035 # وعن قولهم إنه خطاب مع الموجودين في زمن النبي عليه السلام فلا يعم # قلنا لا نسلم أنه لا يعم بتقدير الوجود والفهم # وإن سلمنا أنه لا يعم بلفظه فهو عام بمعناه نظرا إلى انعقاد الإجماع عل ~~أن أحكام الخطاب الثابث في زمن النبي عليه السلام عامة في حق من بعد النبي ~~صلى الله عليه وسلم # فإذا لم يكن الخطاب عاما بلفظه وجب أن يكون عاما بمعناه ضرورة انعقاد ~~الإجماع على ذلك # وبتقدير أن لا يكون عاما لا بلفظه ولا بمعناه فهو حجة على الخصوم في بعض ~~صور النزاع ويلزم من ذلك الحكم في الباقي ضرورة أن لا قائل بالتفصيل # وبهذا الجواب يكون الجواب عن قولهم إن الأمر المطلق لا يقتضي الفور ولا ~~التكرار # وعن السؤال الأخير أن المسألة ظنية غير قطعية # وأما من جهة السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ ~~حين بعثه إلى اليمن قاضيا بم تحكم قال بكتاب ms762 الله # قال فإن لم تجد قال فبسنة رسول الله # قال فإن لم تجد قال أجتهد رأيي والنبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك # وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله واجتهاد ~~الرأي لا بد وأن يكون مردودا إلى أصل وإلا كان مرسلا والرأي المرسل غير ~~معتبر وذلك هو القياس # وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه قال لمعاذ وأبي موسى الأشعري وقد ~~انفذهما إلى اليمن بم تقضيان فقالا أن لم نجد الحكم في الكتاب ولا السنة ~~قسنا الأمر بالأمر فما كان أقرب إلى الحق عملنا به صرحوا بالعمل بالقياس ~~والنبي صلى الله عليه وسلم أقرهما عليه فكان حجة PageV04P036 # وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه قال لمعاذ وأبي موسى الأشعري وقد ~~أنفذهما إلى اليمن بم تقضيان فقالا إن لم نجد الحكم في الكتاب ولا السنة ~~قسنا الأمر بالأمر فما كان أقرب إلى الحق عملنا به صرحوا بالعمل بالقياس ~~والنبي صلى الله عليه وسلم أقرهما عليه فكان حجة # وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه قال لابن مسعود اقض بالكتاب والسنة إذا ~~وجدتهما فإذا لم تجد الحكم فيهما اجتهد رأيك ووجه الاحتجاج به كما تقدم في ~~الخبر الأول # وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه لما سألته الجارية الخثعمية وقالت يا ~~رسول الله إن أبي أدركته فريضة الحج شيخا زمنا لا يستطيع أن يحج # إن حججت عنه أينفعه ذلك فقال لها أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ~~ينفعه ذلك قالت نعم # قال فدين الله أحق بالقضاء ووجه الاحتجاج به أنه ألحق دين الله بدين ~~الآدمي في وجوب القضاء ونفعه وهو عين القياس # وما مثل هذا يسميه الأصوليون التنبيه على أصل القياس كما سبق تحقيقه # وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه قال لأم سلمة وقد سئلت عن قبلة الصائم ~~هل أخبرته أني أقبل وأنا صائم وإنما ذكر ذلك تنبيها على قياس غيره عليه # وأيضا ما روي عنه أنه أمر سعد بن معاذ أن ms763 يحكم في بني قريظة برأيه وأمرهم ~~بالنزول على حكمه فأمر بقتلهم وسبي نسائهم فقال عليه السلام لقد وافق حكمه ~~حكم الله # وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم ~~فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها حكم بتحريم ثمنها باعتبار تحريم أكلها # وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه علل كثيرا من الأحكام والتعليل موجب ~~لاتباع العلة أين كانت وذلك هو نفس القياس # فمن ذلك قوله عليه السلام كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة ~~فادخروها PageV04P037 # وقوله كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم بالآخرة # ومنا قوله لما سئل عن بيع الرطب بالتمر أينقص الرطب إذا يبس فقالوا نعم # فقال فلا إذا # ومنها قوله في حق محرم وقصت به ناقته لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا ~~فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا # ومنها قوله في حق شهداء أحد زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يحشرون يوم ~~القيامة وأوداجهم تشخب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك # ومنها قوله في الهرة إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات # وقوله إذا استيقظ أحدكم من نوم الليل فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ~~ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده # وقوله في الصيد فإن وقع في الماء فلا تأكل منه لعل الماء أعان على قتله # وأيضا قوله أنا أقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي والرأي إنما هو ~~تشبيه شيء بشيء وذلك هو القياس إلى غير ذلك من الأخبار المختلف لفظها ~~المتحد معناها النازل جملتها منزلة التواتر وإن كانت آحادها آحادا # فإن قيل أما حيث معاذ فإنه مرسل وخبر واحد ورد في إثبات كون القياس حجة ~~وهو مما تعم به البلوى والمرسل ليس بحجة عند الشافعي PageV04P038 وخبر ~~الواحد فيما تعم به البلوى ليس بحجة عند أبي حنيفة فالإجماع من الفريقين ~~على أنه ليس بحجة # والذي يدل على ضعفه أن النبي عليه السلام كان قد ولاه القضاء وذلك لا ~~يكون إلا بعد معرفة اشتمال معاذ على معرفه ما ms764 به يقضي # فالسؤال عما علم لا معنى له # وأيضا فإنه وقف العمل بالرأي على عدم وجدان الكتاب والسنة ووقف العمل ~~بالسنة على عدم وجدان الكتاب # والأول على خلاف قوله تعالى @QB@ ما فرطنا في الكتاب من شيء @QE@ الأنعام ~~38 # وعلى خلاف قوله @QB@ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين @QE@ الأنعام 59 ~~والثاني على خلاف الدليل الدال على جواز نسخ الكتاب وتخصيصه بالسنة # سلمنا صحته وأنه حجة غير أن اجتهاد الرأي أعم من القياس وذلك لأن اجتهاد ~~الرأي كما يكون بالقياس قد يكون بالاجتهاد في الاستدلال بخفي النصوص من ~~الكتاب والسنة وطلب الحكم فيهما على التمسك بالبراءة الأصلية ولفظه غير عام ~~في كل رأي فلا يكون حمله على اجتهاد الرأي بالقياس أولى من غيره # سلمنا أن المراد به اجتهاد الرأي بالقياس غير أن القياس ينقسم إلى ما ~~علته منصوصة أو مومى إليها وإلى ما علته مستنبطة بالرأي واللفظ أيضا مطلق ~~وقد عملنا به في القياس الذي علته منصوصة على ما قاله النظام # سلمنا أنه حجة مطلقا في كل قياس ولكن قبل إكمال الدين أو بعده على ما قال ~~تعالى @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم @QE@ المائدة 3 الأول مسلم والثاني ممنوع # وذلك أن إكمال الدين إنما يكون باشتمال الكتاب والسنة على تعريف كل ما لا ~~بد من معرفته # وعلى هذا فالقياس لا حاجة إليه بعد ذلك # وبتقدير كونه حجة مطلقا لكن فيما تعبد في إثباته بالظن لا باليقين # والقياس ليس من هذا الباب PageV04P039 # وبهذا يكون الاعتراض على حديث ابن مسعود أيضا # وأما حديث الجارية الخثعمية فالورود عليه من جملة الأسئلة الواردة على ~~حديث معاذ أنه خبر واحد فيما تعم به البلوى وأنه ظني فلا يتمسك به في مسائل ~~الأصول وهما عامان في جميع ما ذكر من الأخبار ويخصه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إنما ذكر دين الآدمي بطريق التقريب إلى فهم الجارية في حصول نفع ~~القضاء # أما أن يكون ذلك بطريق القياس فلا # وأما حديث أم سلمة فيدل على أن فعل النبي ms765 صلى الله عليه وسلم حجة متبعة ~~أما أن يكون ذلك بطريق القياس على فعل النبي صلى الله عليه وسلم فلا # وأما حديث سعد بن معاذ فليس فيه أيضا ما يدل على صحة القياس فإن أمره له ~~بأن يحكم في بني قريظة برأيه لا يخص القياس لما تقدم من أن اجتهاد الرأي ~~أعم من القياس فلعله أمره أن يحكم باجتهاد رأيه في الاستدلال بخفي النصوص ~~من الكتاب والسنة ولذلك قال عليه السلام لقد وافق حكمه حكم الله ورسوله # وأما خبر تحريم الشحوم على اليهود فليس فيه ما يدل على تحريم البيع ~~بالقياس على تحريم الأكل فإن تحريم الشيء أعم من تحريم أكله فإن تحريم ~~الشيء تحريم للتصرف فيه مطلقا # وبتقدير أن يكون تحريم الأكل مصرحا به فالمراد به تحريم التصرف مطلقا ~~بدليل قوله تعالى @QB@ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل @QE@ البقرة 188 ~~وقوله @QB@ ولا تقربوا مال اليتيم @QE@ # وقوله @QB@ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم @QE@ النساء 2 والمراد به ~~المنع من التصرف في ذلك بغير حق # وأما الأخبار الدالة على تعليل الأحكام فليس يلزم من تعليل الحكم المنصوص ~~عليه بعلة إلحاق غير المنصوص به لاشتراكهما في تلك العلة إذ هو محل النزاع # وليس في الأخبار ما يدل على الإلحاق بل التعليل إنما كان PageV04P040 ~~لتعريف الباعث على الحكم ليكون أقرب إلى الانقياد وأدعى إلى القبول # ولهذا أمكن التنصيص على العلة القاصرة ولا قياس عنها # وبتقدير دلالتها على الإلحاق # فالعلل فيها منصوصة ومومى إليها # ونحن نقول بهذا النوع من القياس كما قاله النظام وقوله عليه السلام إني ~~أحكم بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي فهو على خلاف قوله تعالى @QB@ وما ~~ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى @QE@ النجم 3 وبتقدير أن يكون حكمه ~~بالرأي فلا يلزم أن يكون ذلك بالقياس لما تقدم # وبتقدير أن يكون بالقياس فلا يلزم من جواز التمسك بالقياس للنبي عليه ~~السلام مع كونه معصوما عن الخطإ مسددا في أحكامه جواز ذلك لغيره # والجواب عن السؤال الأول على خبر معاذ أنا ms766 قد بينا أن المرسل وخبر الواحد ~~فيما تعم به البلوى حجة # وأما سؤال معاذ عما به يقضي فإنما كان قبل توليه القضاء ليعلم صلاحيته ~~لذلك وإن كان ذلك بعد توليه القضاء فإنما كان ذلك بطريق التأكيد أو بأعلام ~~الغير بأهليته للقضاء وأما توقيفه للعمل بالرأي على عدم وجدان الكتاب ~~والسنة فغير مخالف لقوله تعالى @QB@ ما فرطنا في الكتاب من شيء @QE@ ~~الأنعام 38 إذ المراد منه إنما هو عدم التفريط فيما ورد من الكتاب لا أن ~~المراد به بيان كل شيء فإنا نعلم عدم اشتماله على بيان العلوم العقلية من ~~الهندسية والحسابية وكثير من الأحكام الشرعية وبتقدير أن يكون المراد به ~~بيان كل شيء لكن لا بطريق الصريح بل بمعنى أنه أصل لبيان كل شيء # فإنه أصل لبيان صدق الرسول في قوله وقوله بيان للقياس وغيره وبه يخرج ~~الجواب عن الآية الأخرى PageV04P041 # وأما توقيفه العمل بالسنة على عدم الكتاب فالمراد به الكتاب الذي لا ~~معارض له ولا ناسخ ويجب تنزيله على ذلك ضرورة الجمع بين تقرير النبي عليه ~~السلام له على ذلك وبين الدليل الدال على نسخ الكتاب وتخصيصه بالسنة # وعن السؤال الثاني أنه يمتنع حمل اجتهاد الرأي على الاجتهاد في الاستدلال ~~بخفي نصوص الكتاب والسنة لأن قوله فإن لم تجد عام في الجلي والخفي بدليل ~~صحة الاستثناء وورود الاستفهام # فتخصيص ذلك بالجلي دون الخفي من غير دليل ممتنع والتمسك بالبراءة الأصلية ~~في نفي الأحكام الشرعية ليس بحجة على ما يأتي # فلا يكون اجتهاد الرأي فيه مستندا للحكم # وبتقدير أن يكون حجة فذلك معلوم لكل عاقل فلا يكون مفتقرا إلى اجتهاد ~~الرأي # وعن السؤال الثالث أنا لا نسلم أن ما كانت علته منصوصة يكون قياس على ما ~~سيأتي # وإن سلمنا أنه قياس فما ذكرناه وإن لم يكن حجة على النظام فهو حجة على ~~غيره # وعن الرابع أن إكمال الدين إنما يكون ببيان كل شيء إما بلا واسطة أو ~~بواسطة على ما بيناه # وعلى هذا فلا يمتنع العمل بالقياس بعد إكمال الدين ms767 لكونه من جملة الوسائط # وعن الخامس ما سبق من أن المسألة ظنية غير قطعية # وعلى هذا فلا يخفى الجواب عما يعترض به على خبر ابن مسعود # وكذلك جواب كل ما يعترض به من هذه الأسئلة على باقي الأخبار # وما ذكروه على خبر الجارية الخثعمية فبعيد أيضا فإنه لو لم يكن مدرك ~~PageV04P042 الحكم فيما سألت عنه القياس على دين الآدمي لما كان التعرض ~~لذكره مفيدا بل كان يجب الاقتصار على قوله نعم # وما ذكروه على حديث أم سلمة فغير صحيح # وذلك لأنه لو لم يكن اتباعنا له في فعله بطريق التأسي به لما كان حكم ~~فعله ثابتا في حقنا ولا معنى للقياس سوى ذلك # وما ذكروه على حديث سعد بن معاذ باطل أيضا لأن حكمه لو كان مستندا إلى ~~الكتاب أو السنة لما كان ذلك برأيه وقد قال أحكم فيهم برأيك وقوله عليه ~~السلام لقد وافق حكمه حكم الله ورسوله لا منافاة بينه وبين الحكم بالقياس ~~فإنه إذا كان القياس من طرق الشرع فالحكم المستند إليه يكون حكما لله ~~ولرسوله # وما ذكروه على خبر الشحوم مندفع من حيث إن الظاهر من إضافة التحريم إلى ~~المأكول إنما هو تحريم الأكل # وكذلك التحريم المضاف إلى النساء إنما هو تحريم الوطء وإلى الدابة تحريم ~~الركوب وإلى الدار تحريم السكنى # وكذلك في كل شيء على حسبه وهو المتبادر إلى الفهم عند إطلاقه # فتحريم البيع لا يكون مأخوذا من مطلق التحريم المضاف إلى أكل الشحوم فلم ~~يبق إلا أن يكون بطريق الإلحاق به وهو معنى القياس # وما ذكروه على الأخبار الدالة على التعليل بالعلل المذكورة من أن ذلك لا ~~يدل على التعدية فحق # غير أن ما ذكروه بتقدير تسليم التعدية على مذهب النظام فقد سبق جوابه # وأما الإجماع وهو أقوى الحجج في هذه المسألة فهو أن الصحابة اتفقوا على ~~استعمال القياس في الوقائع التي لا نص فيها من غير نكير من أحد منهم ~~PageV04P043 # فمن ذلك رجوع الصحابة إلى اجتهاد أبي بكر رضي الله عنه في أخذ ms768 الزكاة من ~~بني حنيفة وقتالهم على ذلك وقياس خليفة رسول الله على الرسول في ذلك بوساطة ~~أخذ الزكاة للفقراء وأرباب المصارف # ومن ذلك قول أبي بكر لما سئل عن الكلالة أقول في الكلالة برأيي فإن يكن ~~صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان الكلالة ما عدا الوالد والولد # ومن ذلك أن أبا بكر ورث أم الأم دون أم الأب فقال له بعض الأنصار لقد ~~ورثت امرأة من ميت لو كانت هي الميتة لم يرثها وتركت امرأة لو كانت هي ~~الميتة ورث جميع ما تركت فرجع إلى التشريك بينهما في السدس # ومن ذلك حكم أبي بكر بالرأي في التسوية في العطاء حتى قال له عمر كيف ~~تجعل من ترك دياره وأمواله وهاجر إلى رسول الله كمن دخل في الإسلام كرها ~~فقال أبو بكر إنما أسلموا لله وأجورهم على الله وإنما الدنيا بلاغ وحيث ~~انتهت النوبة إلى عمر فرق بينهم # ومن ذلك قياس أبي بكر تعيين الإمام بالعهد على تعيينه بعقد البيعة حتى ~~إنه عهد إلى عمر بالخلافة ووافقه على ذلك الصحابة # ومن ذلك ما روي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري اعرف الأشباه ~~والأمثال ثم قس الأمور برأيك # ومن ذلك قول عمر أقضي في الجد برائي وأقول فيه برائي وقضى فيه بآراء ~~مختلفة # ومن ذلك قوله لما سمع حديث الجنين لولا هذا لقضينا فيه برأينا ~~PageV04P044 # ومن ذلك أنه لما قيل له في مسألة المشركة هب أن أبانا كان حمارا ألسنا من ~~أم واحدة فشرك بينهم # ومن ذلك أنه لما قيل لعمر إن سمرة قد أخذ الخمر من تجار اليهود في العشور ~~وخللها وباعها قال قاتل الله سمرة أما علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها قاس ~~الخمر على الشحم وأن تحريمها تحريم لثمنها # ومن ذلك أنه جلد أبا بكرة حيث لم يكمل نصاب الشهادة بالقياس على القاذف ~~وإن كان شاهدا لا قاذفا # ومن ذلك قول ms769 عثمان لعمر في واقعة إن تتبع رأيك فرأيك أسد وإن تتبع رأي من ~~قبلك فنعم ذلك الرأي كان ولو كان فيه دليل قاطع على أحدهما لم يجز تصويبهما # ومن ذلك أنه ورث المبتوتة بالرأي # ومن ذلك قول علي عليه السلام في حد شارب الخمر إنه إذا شرب سكر وإذا سكر ~~هذى وإذا هذى افترى فحدوه حد المفترين قاس حد الشارب على القاذف # ومن ذلك أن عمر كان يشك في قود القتيل الذي اشترك في قتله سبعة فقال له ~~علي يا أمير المؤمنين أرأيت لو أن نفرا اشتركوا في سرقة أكنت تقطعهم قال ~~نعم # قال فكذلك وهو قياس للقتل على السرقة # ومن ذلك ما روي عن علي أنه قال في أمهات الأولاد اتفق رأيي ورأي عمر على ~~أن لا يبعن وقد رأيت الآن بيعهن حتى قال له عبيدة السلماني رأيك مع الجماعة ~~أحب إلينا من رأيك وحدك # ومن ذلك قول علي في المرأة التي أجهضت بفزعها بإرسال عمر إليها ~~PageV04P045 أما المأثم فأرجو أن يكون منحطا عنك ورأى عليك الدية فقال له ~~عزمت عليك أن لا تبرح حتى تضربها على بني عدي يعني قومه وألحقه عثمان وعبد ~~الرحمن بن عوف بالمؤدب وقالا إنما أنت مؤدب ولا شيء عليك # ومن ذلك قول ابن عباس لما ورث زيد ثلث ما بقي في مسألة زوج وأبوين أين ~~وجدت في كتاب الله ثلث ما بقي فقال له زيد أقول برأيي وتقول برأيك # ومن ذلك قوله في مسألة الجد ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابنا ولا ~~يجعل أبا الأب أبا # ومن ذلك قول ابن مسعود في المفوضة برأيه بعد أن استمهل شهرا وأنه كان ~~يوصي من يلي القضاء بالرأي ويقول لا ضير في القضاء بالكتاب والسنة وقضايا ~~الصالحين فإن لم تجد شيئا من ذلك فاجتهد رأيك # ومن ذلك اختلاف الصحابة في الجد حتى ألحقه بعضهم بالأب في إسقاط الأخوة ~~وألحقه بعضهم بالأخوة # ومن ذلك اختلافهم في قول الرجل لزوجته أنت علي حرام حتى قال أبو ms770 بكر وعمر ~~هو يمين # وقال علي وزيد هو طلاق ثلاث # وقال ابن مسعود هو طلقة واحدة # وقال ابن عباس هو ظهار إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تحصى وذلك يدل على ~~أن الصحابة مثلوا الوقائع بنظائرها وشبهوها بأمثالها وردوا بعضها إلى بعض ~~في أحكامها وأنه ما من واحد من أهل النظر والاجتهاد منهم إلا وقد قال ~~بالرأي والقياس # ومن لم يوجد منه الحكم بذلك فلم يوجد منه في ذلك إنكار فكان إجماعا ~~سكوتيا وهو حجة مغلبة على الظن لما سبق تقريره في مسائل الإجماع # وإنما قلنا إنهم قالوا بالرأي والقياس في جميع هذه الصور وذلك ~~PageV04P046 لا بد لهم فيها من مستند وإلا كانت أحكامهم بمحض التشهي ~~والتحكم في دين الله من غير دليل وهو ممتنع وذلك المستند يمتنع أن يكون نصا ~~وإلا لأظهر كل واحد ما اعتمد عليه من النص إقامة لعذره وردا لغيره عن الخطإ ~~بمخالفته على ما اقتضته العادة الجارية بين النظار ولأن العادة تحيل على ~~الجمع الكثير كتمان نص دعت الحاجة إلى إظهاره في محل الخلاف # وهذا بخلاف ما إذا أجمعوا على حكم في واقعة بناء على نص فإنه لا يمتنع ~~اتفاقهم على عدم نقله بناء على الاكتفاء في ذلك الحكم بإجماعهم ولو أظهروا ~~تلك النصوص واحتجوا بها لكانت العادة تحيل عدم نقلها فحيث لم تنقل دل على ~~عدمها وإذا لم يكن نصا تعين أن يكون قياسا واستنباطا # فإن قيل لا نسلم أن أحدا من الصحابة عمل بالقياس وما نقل عنهم من ~~الاجتهاد في الوقائع المذكورة والعمل بالرأي فلعلهم إنما استندوا فيه إلى ~~الاجتهاد في دلالات النصوص الخفية من الكتاب والسنة كحمل المطلق على المقيد ~~والعام على الخاص وترجيح أحد النصين على الآخر والنظر في تقرير النفي ~~الأصلي ودلالة الاقتضاء والإشارة والتنبيه والإيماء وأدلة الخطاب وتحقيق ~~المناط وغير ذلك من الاجتهادات المتعلقة بالأدلة النصية # قولكم لو كان ثم نص لظهر قلنا ولو كانوا قائسين لتلك الصور على غيرها ~~لأظهروا العلل الجامعة فيها وصرحوا بها كما في ms771 النصوص ولو أظهروها واحتجوا ~~بها لنقلت أيضا فعدم نقلها يدل على عدمها # وإذا لم يكن قياس واستنباط تعين أن يكون المستند إنما هو النص وليس أحد ~~الأمرين أولى من الآخر # وما نقل عن الصحابة من التصريح بالعمل بالرأي في الوقائع المذكورة لا ~~يلزم أن يكون قياسا فإن اجتهاد الرأي أعم من اجتهاد الرأي بالقياس على ما ~~تقرر ولا يلزم من وجود الأعم وجود الأخص # سلمنا أنهم عملوا بالقياس غير أنا لا نسلم عمل الكل به فإنه لم ينقل ذلك ~~إلا عن جماعة يسيرة لا تقوم الحجة بقولهم PageV04P047 # قولكم إنه لم يوجد من غيرهم نكير عليهم لا نسلم ذلك # وبيان وجود الإنكار ما روي عن أبي بكر أنه لما سئل عن الكلالة قال أي ~~سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي وأيضا ما روي عن عمر ~~أنه قال إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء الدين أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها ~~فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا وقال إياكم والمكايلة فسئل عن ذلك فقال ~~المقايسة وروي عن شريح أنه قال كتب إلي عمر اقض بما في كتاب الله فإن جاءك ~~ما ليس في كتاب الله فاقض بما في سنة رسول الله فإن جاءك ما ليس في سنة ~~رسول الله فاقض بما أجمع عليه أهل العلم فإن لم تجد فلا عليك أن لا تقضي ~~وأيضا ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال لعمر في مسألة الجنين إن اجتهدوا ~~فقد أخطؤوا وإن لم يجتهدوا فقد غشوك وروي عن عثمان وعلي أنهما قالا لو كان ~~الدين بالقياس لكان المسح على باطن الخف أولى من ظاهره وروي عن ابن عباس ~~أنه قال إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم @QB@ وأن احكم بينهم ~~بما أنزل الله @QE@ المائدة 49 ولم يقل بما رأيت ولو جعل لأحد أن يحكم ~~برأيه لجعل ذلك لرسول الله وقال إياكم والمقاييس فإنما عبدت الشمس والقمر ~~بالمقاييس وقال إن الله لم يجعل لأحد أن يحكم في دينه برأيه وروي عن ms772 ابن ~~عمر أنه قال السنة ما سنة رسول الله لا تجعلوا الرأي سنة وقال أيضا إن قوما ~~يفتون بآرائهم لو نزل القرآن لنزل بخلاف ما يفتون PageV04P048 # وقال أيضا اتهموا الرأي على الدين فإنه منا تكلف وظن وإن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا وروي عن ابن مسعود أنه قال إذا قلتم في دينكم بالقياس أحللتم ~~كثيرا مما حرم الله وحرمتم كثيرا مما حلل الله وقال أيضا قراؤكم صلحاؤكم ~~يذهبون ويتخذ الناس رؤوسا جهالا يقيسون ما لم يكن بما كان وقالت عائشة ~~أخبروا زيد بن أرقم أنه أحبط جهاده مع رسول الله بفتواه بالرأي في مسألة ~~العينة وقد أنكر التابعون ذلك أيضا حتى قال الشعبي ما أخبروك عن أصحاب محمد ~~فاقبله وما أخبروك عن رأيهم فألقه في الحش وقال مسروق لا أقيس شيئا بشيء ~~أخاف أن تزل قدم بعد ثبوتها وكان ابن سيرين يذم المقاييس ويقول أول من قاس ~~إبليس # ومع هذه الإنكارات من الصحابة والتابعين فلا إجماع # سلمنا أنه لم يظهر النكير في ذلك لكن لا يلزم منه أن يكون سكوت الباقين ~~عن موافقة لما ذكر في الإجماع # سلمنا أنه عن موافقة لكنه لا حجة في إجماع الصحابة # وكيف يقال بذلك وقد عدلوا عما أمروا به ونهوا عنه وتجبروا وتآمروا وجعلوا ~~الخلاف طريقا إلى أغراضهم الفاسدة # حتى جرى بينهم ما جرى من الفتن والحروب وتألبوا على أهل البيت وكتموا ~~النص على علي رضي الله عنه غصبوه الخلافة ومنعوا فاطمة إرثها من أبيها ~~المنصوص عليه في كتاب الله برواية انفرد بها أبو بكر وعدلوا عن طاعة الإمام ~~المعصوم المحيط بجميع النصوص الدالة على جميع الأحكام الشرعية إلى غير ذلك ~~من الأمور التي لا يجوز معها الاحتجاج بأقوالهم # وهذا السؤال مما أورده الرافضة PageV04P049 # سلمنا أن قول البعض بالقياس وسكوت الباقين حجة لكنها حجة ظنية على ما سبق ~~في الإجماع # وكون القياس حجة أمر قد تعبدنا فيه بالعلم فلا يكون مستفادا من الدليل ~~الظني # سلمنا صحة الاحتجاج به ولكن ما المانع أن يكون ms773 عملهم بالقياس المنصوص على ~~علته ونحن نقول به كما قاله النظام والقاشاني والنهرواني # سلمنا عملهم بكل قياس لكن لم قلتم إنه إذا جاز العمل بالقياس للصحابة جاز ~~ذلك لمن بعدهم وذلك لأن الصحابة لما كانوا عليه من شدة اليقين والصلابة في ~~الدين ومشاهدة الوحي والتنزيل وكثرة التحفظ في أمور دينهم حتى نقل عنهم قتل ~~الأباء والأبناء وبذل الأنفس والأموال ومهاجرة الأهل والأوطان في نصرة ~~الدين حتى ورد في حقهم من التفضيل والتعظيم في الكتاب والسنة ما لم يرد ~~مثله في حق غيرهم على ما ذكر في الإجماع # وعند ذلك فلا يلزم من جواز عملهم بالقياس جوازه لغيرهم # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على صحة القياس وأنا متعبدون به لكنه معارض ~~بالكتاب والسنة # أما الكتاب فقوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله @QE@ الحجرات 1 والحكم بالقياس تقدم بين يدي الله ورسوله لأنه حكم ~~بغير قوليهما # وقوله تعالى @QB@ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ البقرة 169 ~~وقوله تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ الإسراء 36 والحكم بالقياس ~~قول بما لا يعلم # وقوله تعالى @QB@ إن الظن لا يغني من الحق شيئا @QE@ النجم 28 وقوله ~~تعالى @QB@ إن بعض الظن إثم @QE@ PageV04P050 الحجرات 12 وقوله تعالى @QB@ ~~وأن احكم بينهم بما أنزل الله @QE@ المائدة 49 والحكم بالقياس حكم بغير ما ~~أنزل الله # وقوله تعالى @QB@ وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله @QE@ الشورى 10 ~~وقوله تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ النساء ~~59 والحكم بالقياس لا يكون حكما لله ولا مردودا إليه # وقوله تعالى @QB@ ما فرطنا في الكتاب من شيء @QE@ الأنعام 38 وقوله تعالى ~~@QB@ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين @QE@ الأنعام 59 وذلك يدل على أنه ~~لا حاجة إلى القياس # وأما من جهة السنة فما روى عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ستفترق ~~أمتي فرقا أعظمها فتنة الذين يقيسون الأمور بالرأي وأيضا ما روى أبو هريرة ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله ms774 عليه وسلم # أنه قال تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله وبرهة بسنة رسول الله وبرهة ~~بالرأي فإذا فعلوا ذلك ضلوا وأضلوا وذلك يدل على أن القياس والعمل بالرأي ~~غير صحيح # والجواب قولهم لا نسلم أن أحدا من الصحابة عمل بالقياس قلنا دليله ما ~~ذكرناه # قولهم يحتمل أن يكون عملهم بدلالات النصوص الخفية قلنا لو كان كذلك لظهر ~~المستند واشتهر على ما قررناه # قولهم ولو كان ذلك لمحض القياس لأظهروا العلل الجامعة وصرحوا بها كما في ~~النصوص قلنا منهم من صرح كتصريح أبي بكر في التسوية في العطاء بين ~~المهاجرين وغيرهم وهو قوله إنما الدنيا بلاغ وتصريح علي في قياسه حد شارب ~~الخمر على حد القاذف بواسطة الاشتراك في الافتراء وتصريح PageV04P051 عثمان ~~وعبد الرحمن بن عوف في إلحاقهم عمر في صورة المرأة التي أجهضت الجنين ~~بالمؤدب بواسطة التأديب # ومنهم من اعتمد في التنبيه عليها بفتواه وجري العادة بفهم المستمع وجه ~~المأخذ والشبه بين محل النزاع ومحل الإجماع # ولهذا فإن العادة جارية من بعض الملوك بقتل الجاسوس إذا ظفر به زجرا له ~~ولغيره عن التجسس عليه وعادة البعض الإحسان إليه لاستمالته له حتى يدله على ~~أحوال عدوه فإذا رأينا ملكا قد قتل جاسوسا أو أحسن إليه ولم نعهد من عادته ~~قبل ذلك شيئا كان ذلك كافيا في التنبيه على رعاية العلة الموجبة للقتل أو ~~الإحسان في محل الوفاق ولا كذلك النصوص فإن الأذهان غير مستقلة بمعرفتها ~~فدعت الحاجة إلى التصريح بها # وعلى هذا فمن قال منهم في قوله أنت علي حرام إنه طلاق ثلاث نبه على أن ~~مطلق التحريم يقتضي نهاية التحريم وذلك مشترك بينه وبين الطلاق الثلاث ~~فلذلك عدى الطلاق الثلاث إليه # ومن جعله طلقة واحدة نبه على أنه اعتبر فيه أقل ما يثبت معه التحريم ~~فلذلك ألحقه بالطلقة الواحدة ومن جعله ظهارا ألحقه بالظهار من حيث إنه يفيد ~~التحريم بلفظ ليس هو لفظ الطلاق ولا لفظ الإيلاء # ومن شرك بين الجد وابن الابن نبه على أن العلة في ذلك استواؤهما ms775 في ~~الإدلاء إلى الميت في طرفي العلو والسفل ولهذا شبههما بغصني شجرة وجدولي ~~نهر ومن ذلك تنبيه عمر في قياسه الخمور على الشحوم على أن العلة في تحريم ~~أثمانها تحريمها # ومن ذلك التنبيه في التشريك بين الإخوة من الأب والأم والإخوة من الأم ~~على أن العلة الاشتراك في جهة الأمومة إلى غير ذلك من التنبيهات ~~PageV04P052 # ويدل على ما ذكرناه تصريح أكثر الصحابة فيما عملوا به بالرأي # قولهم اجتهاد الرأي أعم من القياس قلنا وإن كان الأمر على ما قيل غير أنا ~~قد بينا أنه لم يكن ذلك مستندا إلى النصوص فتعين استناده إلى القياس ~~والاستنباط # قولهم لا نسلم عمل الكل بالقياس قلنا وإن عمل به البعض فقد بينا أنه لم ~~يوجد من الباقين في ذلك نكير فكان إجماعا # قولهم قد وجد الإنكار لا نسلم ذلك # وما ذكروه من صور الإنكار فهي منقولة عمن نقلنا عنهم القول بالرأي ~~والقياس فلا بد من التوفيق بين النقلين لاستحالة الجمع بينهما والعمل ~~بأحدهما من غير أولوية وعند ذلك فيجب حمل ما نقل عنهم من إنكار العمل ~~بالرأي والقياس على ما كان من ذلك صادرا عن الجهال ومن ليس له رتبة ~~الاجتهاد وما كان مخالفا للنص وما ليس له أصل يشهد له بالاعتبار وما كان ~~على خلاف القواعد الشرعية وما استعمل من ذلك فيما تعبدنا فيه بالعلم دون ~~الظن جمعا بين النقلين # هذا من جهة الإجمال وأما من جهة التفصيل أما قول أبي بكر أي سماء تظلني ~~وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي فإنما أراد به قوله في تفسير ~~القرآن ولا شك أن ذلك مما لا مجال للرأي فيه لكونه مستندا إلى محض السمع عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأهل اللغة بخلاف الفروع الشرعية # وأما قول عمر إياكم وأصحاب الرأي الخبر إلى آخره فإنما قصد به ذم من ترك ~~الأحاديث وحفظ ما وجد منها وعدل إلى الرأي مع أن العمل مشروط بعدم النصوص # وقوله إياكم والمكايلة أي المقايسة فالمراد به المقايسة ms776 الباطلة لما ~~ذكرناه PageV04P053 # وأما قوله لأبي موسى الأشعري فإنما يفيد أن لو لم يكن القياس مما أجمع ~~عليه أهل العلم وإلا فبتقدير أن يكون واجدا له فلا # وقول علي لعمر في مسألة الجنين لا يدل على أن كل اجتهاد خطأ ونحن لا ننكر ~~الخطأ في بعض الاجتهادات كما سبق تعريفه # وأما قول عثمان وعلي لو كان الدين بالقياس # # الخبر # فيجب حمله على أنه لو كان جميع الدين بالقياس لكان المسح على باطن الخف ~~أولى من ظاهره ويكون المقصود منه أنه ليس كل ما أتت به السنن على ما يقتضيه ~~القياس # وأما قول ابن عباس إن الله قال لنبيه الخبر ليس فيه ما يدل على عدم الحكم ~~بالقياس إلا بمفهومه وليس بحجة على ما سبق بيانه # وقوله إياكم والمقاييس يجب حمله على المقاييس الفاسدة كالمقاييس التي ~~عبدت بها الشمس والقمر وغير ذلك مما بيناه لما سلف من الجمع بين النقلين # وقوله إن الله لم يجعل لأحد أن يحكم في دينه برأيه يجب حمله على الرأي ~~المجرد عن اعتبار الشارع له لما سبق # وأما قول ابن عمر السنة ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما ينفع ~~أن لو كان القياس ليس مما سنه الرسول # وقوله لا تجعلوا الرأي سنة أراد به الرأي الذي لا اعتبار له وإلا فالرأي ~~المعتبر من السنة لا يكون خارجا عن السنة # وقوله إن قوما يفتون بآرائهم # # الخبر # ليس فيه ما يدل على أن كل من أفتى برأيه يكون كذلك # ونحن لا ننكر أن بعض الآراء باطل PageV04P054 # وقوله اتهموا الرأي على الدين غايته الدلالة على احتمال الخطإ فيه وليس ~~فيه ما يدل على إبطاله # وقوله وإن الظن لا يغني من الحق شيئا المراد به استعمال الظن في مواضع ~~اليقين لا أن المراد به إبطال الظن بدليل صحة العمل بظواهر الكتاب والسنة # وأما قول ابن مسعود إذا قلتم في دينكم بالقياس # # الخبر يجب حمله على القياس الفاسد لما سبق # وقوله ويتخذ الناس رؤوسا جهالا # # إلى آخره فالمراد ms777 به أيضا القياس الباطل ولهذا وصفهم بكونهم جهالا # وعلى ذلك يجب حمل قول عائشة في حق زيد بن أرقم وكذلك قول الشعبي ومسروق ~~وابن سيرين جميعا بين النقلين كما سبق تقريره # قولهم لا نسلم أن السكوت يدل على الموافقة قلنا دليله ما سبق في مسائل ~~الإجماع # قولهم لا نسلم أن إجماع الصحابة حجة قد دللنا عليه في مسائل الإجماع أيضا # وما ذكروه من القوادح في الصحابة فمن أقوال المبتدعة الزائغين كالنظام ~~ومن تابعه من الرافضة # الضلال وقد أبطلنا ذلك كله في كتاب أبكار الأفكار في المواضع اللائقة ~~بذلك # قولهم إنه حجة ظنية قلنا والمسألة أيضا عندنا ظنية # قولهم ما المانع أن يكون عملهم بالأقيسة المنصوص على عللها عنه أجوبة ~~ثلاثة الأول أنه لو كان ثم نص لنقل كما ذكرناه في النصوص الدالة على ~~الأحكام # الثاني أنه إذا كانت العلة منصوصة فإن لم يرد التعبد بإثبات الحكم ~~PageV04P055 بها في غير محل النص فيمتنع إثباته لما يأتي في المسألة التي ~~بعدها وإن ورد الشرع بذلك فالحكم يكون في الفرع ثابتا بالاستدلال أي بعلة ~~منصوصة لا بالقياس على ما يأتي تقريره # وعلى هذا فلا يكونون عاملين بالقياس # الثالث أن ذلك يكون حجة على من أنكر القياس مطلقا وإن لم يكن حجة على ~~النظام والقائلين بقوله # قولهم لا يلزم أن يكون القياس حجة بالنسبة إلى غير الصحابة قلنا القائل ~~قائلان قائل يقول بالقياس مطلقا بالنسبة إلى الكل وقائل بنفيه مطلقا ~~بالنسبة إلى الكل # وقد اتفق الفريقان على نفي التفصيل كيف وإنه حجة على من قال بنفيه مطلقا # وما ذكروه من المعارضة أما الآية الأولى فإنما تفيد أن لو لم يكن القياس ~~مما عرف التعبد به من الله تعالى ورسوله وعند ذلك فيتوقف كون العمل بالقياس ~~تقدما بين يدي الله ورسوله على كون الحكم به غير مستفاد من الله ورسوله ~~وذلك متوقف على كون الحكم به تقدما بين يدي الله ورسوله فلا يكون حجة # وأما الآية الثانية والثالثة فجوابهما من ثلاثة أوجه الأول أنا نقول ms778 ~~بموجب الآيتين وذلك لأنا إذا حكمنا بمقتضى القياس عند ظننا به فحكمنا به ~~يكون معلوم الوجوب لنا بالإجماع لا أنه غير معلوم # الثاني أنه يجب حمل الآيتين على النهي عن القول بما ليس بمعلوم على ما ~~تعبدنا فيه بالعلم جمعا بينهما وبين ما ذكرناه من الأدلة # الثالث أن الآيتين حجة على الخصوم في القول بإبطال القياس إذا هو غير ~~معلوم لهم لكون المسألة غير علمية فكانت مشتركة الدلالة # وبمثل هذه الأجوبة يكون الجواب عن قوله تعالى @QB@ وإن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا @QE@ PageV04P056 يونس 36 وقوله @QB@ إن بعض الظن إثم @QE@ ~~الحجرات 12 # وأما قوله تعالى @QB@ وأن احكم بينهم بما أنزل الله @QE@ المائدة 49 فنحن ~~نقول بموجبه فإن من حكم بما هو مستنبط من المنزل فقد حكم بالمنزل كيف وأن ~~ذلك خطاب مع الرسول ولا يلزم من امتناع ذلك في حق الرسول لإمكان تعرفه ~~أحكام الوقائع بالوحي امتناع ذلك في حق غيره # وقوله تعالى @QB@ وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله @QE@ الشورى 10 ~~وقوله @QB@ فردوه إلى الله والرسول @QE@ النساء 59 غير مانع من القياس لأن ~~العمل بالمستنبط من قول الله وقول الرسول حكم من الله ورد إليه وإلى الرسول # وأما من قال بإبطال القياس فلم يعمل بقول الله وقول الرسول ولا بما ~~استنبط منهما فكان ذلك حجة عليه لا له # وقوله تعالى @QB@ ما فرطنا في الكتاب من شيء @QE@ الأنعام 38 وقوله @QB@ ~~ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين @QE@ الأنعام 38 فالمراد به أن الكتاب ~~بيان لكل شيء إما بدلائل ألفاظه من غير واسطة وإما بواسطة الاستنباط منه أو ~~دلالته على السنة والإجماع الدالين على اعتبار القياس فالعمل بالقياس يكون ~~عملا بما بينه الكتاب لا أنه خارج عنه كيف وإنه مخصوص بالإجماع فإنا نعلم ~~عدم اشتماله على تعريف العلوم الرياضية من الهندسية والحسابية بل وكثير من ~~الأحكام الشرعية كمسائل الجد والإخوة وأنت علي حرام والمفوضة ومسائل العول ~~ونحوه PageV04P057 # وعند ذلك فيجب حمله على أن ما اشتمل عليه الكتاب من الأحكام ms779 المبينة به ~~لا تفريط فيها حذرا من مخالفة عموم اللفظ # وأما ما ذكروه من السنة في ذم الرأي فيجب حمله على الرأي الباطل كما ~~ذكرناه جمعا بين الأدلة # # | المسألة الثالثة # إذا نص الشارع على علة الحكم هل يكفي ذلك في تعدية الحكم بها إلى غير محل ~~الحكم المنصوص دون ورود التعبد بالقياس بها اختلفوا فيه فقال أبو إسحاق ~~الاسفرايني وأكثر أصحاب الشافعي وجعفر بن مبشر وجعفر بن حرب وبعض أهل ~~الظاهر لا يكفي ذلك # وقال أحمد بن حنبل والنظام والقاشاني والنهرواني وأبو بكر الرازي من ~~أصحاب أبي حنيفة والكرخي يكفي ذلك في إثبات الحكم بها أين وجدت وإن لم ~~يتعبد بالقياس بها # وقال أبو عبد الله البصري إن كانت العلة المنصوص عليها علة للتحريم وترك ~~الفعل كان التنصيص عليها كافيا في تحريم الفعل بها أين وجدت وإن كانت علة ~~لوجوب الفعل أو ندبه لم يكن ذلك كافيا في إيجاب الفعل بها ولا في ندبه أين ~~وجدت دون ورود التعبد بالقياس لأن من تصدق على فقير لفقره بدرهم لا يجب أن ~~يتصدق على كل فقير ومن أكل شيئا من السكر لأنه حلو لا يجب عليه أن يأكل كل ~~سكر وهذا بخلاف من ترك أكل رمانة لحموضتها فإنه يجب عليه أن يترك كل رمانة ~~حامضة # والمختار هو القول الأول لأنه إذا قال الشارع حرمت الخمر لأنه مسكر ولم ~~يرد التعبد بإثبات التحريم بالمسكر في غير الخمر فالقضاء بالتحريم في غير ~~الخمر كالنبيذ إما أن يكون ذلك لأن اللفظ اقتضى بعمومه تحريم كل مسكر وأن ~~قوله حرمت الخمر لأنه مسكر نازل منزلة قوله PageV04P058 حرمت كل مسكر كما ~~قاله النظام ومن قال بمقالته وإما لوجود العلة في غير الخمر لعدم إمكان قسم ~~ثالث # فإن كان الأول فهوممتنع من حيث إن قوله حرمت الخمر لإسكاره لا دلالة له ~~من جهة اللغة على تحريم كل مسكر كدلالة قوله حرمت كل مسكر ولهذا فإنه لو ~~قال أعتقت عبيدي السودان عتق كل عبد أسود له ولو قال أعتقت ms780 سالما لسواده ~~فإنه لا يعتق كل عبد له أسود وإن كان أشد سوادا من سالم وكذلك إذا قال ~~لوكيله بع سالما لسوء خلقه لم يكن له التصرف في غيره من العبيد بالبيع وإن ~~كان أسوأ خلقا من سالم # وإن كان الثاني فهو ممتنع لوجهين الأول أنه لو كان وجود ما نص على عليته ~~كافيا في إثبات الحكم أينما وجدت العلة دون التعبد بالقياس للزم من قوله ~~أعتقت سالما لسواده عتق غانم إذا كان مشاركا له في السواد وهو ممتنع # الثاني أنه من الجائز أن يكون ما وقع التنصيص عليه هو عموم الإسكار ومن ~~الجائز أن يكون خصوص إسكار الخمر لما علم الله فيه من المفسدة الخاصة به ~~التي لا وجود لها في غير الخمر # وإذا احتمل واحتمل فالتعدية به تكون ممتنعة إلا أن يرد التعبد بالتعدية # فإن قيل لم قلتم إن اللفظ لا يقتضي بعمومه تحريم كل مسكر وقوله أعتقت ~~عبدي سالما لسواده دال على عتق غانم أيضا إذا كان أسود ولهذا فإن أهل ~~اللسان وكل عاقل يناقضه في ذلك عند عدم إعتاقه ويقول له فغانم أيضا أسود ~~فلم خصصت سالما بالعتق وكذلك القول في قوله لوكيله بع سالما لسواده # هذا بالنظر إلى المفهوم من اللفظة لغة وحيث لم يقع العتق بغير سالم ولا ~~جاز بيعه شرعا فإنما كان لأن اللفظ وإن كان له على ذلك دلالة لكنها غير ~~صريحة فالشارع قيد التصرف في أملاك العبيد بصريح القول نظرا لهم في ~~PageV04P059 عاقبة الأمر لجواز طرو الندم والبداء عليهم بخلاف تصرف الشارع ~~في الأحكام الشرعية # ولهذا فإنه لو قال الشارع حرمت الخمر لإسكاره وقيسوا عليه كل مسكر لزم ~~منه تحريم كل مسكر # ولو قال لوكيله بع سالما لسواده وقس عليه كل أسود فإنه لا ينفذ تصرفه ~~بذلك # وإن سلمنا أنه لا عموم في اللفظ ولكن لم قلتم إنه يمتنع إثبات الحكم ~~لوجود العلة وما ذكرتموه من الوجه الأول فالعذر عنه ما ذكرناه من تقييد ~~الشارع التصرف في أملاك العبيد بصريح القول ms781 دون غيره وما ذكرتموه من الوجه ~~الثاني فغير صحيح لستة أوجه الأول أن العرف شاهد بأن الأب إذا قال لولده لا ~~تأكل هذا فإنه مسموم وكل هذا لأنه غذاء نافع فإنه يفهم منه المنع من أكل كل ~~طعام مسموم وجواز أكل كل غذاء نافع ولو أمكن أن يكون لخصوص الإضافة تأثير ~~أو احتمل أن تكون داخلة في التعليل لما تبادر إلى الفهم التعميم من ذلك ~~والأصل تنزيل التصرفات الشرعية على وفق التصرفات العرفية # الثاني أن الغالب من العلة المنصوص عليها أن تكون مناسبة للحكم حتى تخرج ~~عن التعبد ولا مناسبة في خصوص إضافة الإسكار إلى الخمر بل المناسبة في كونه ~~مسكرا لا غير # الثالث أنه لو لم يكن الوصف المنصوص عليه علة بعمومه بحيث يثبت به الحكم ~~في موضع آخر بل العلة خصوص إضافة ذلك الوصف إلى محله لم يكن للتنصيص عليه ~~فائدة وذلك لأن اختصاص الخمر بوصف الإسكار ملازم له غير مفارق فكان يكفيه ~~أن يقول حرمت الخمر لا غير # الرابع أن أخذ خصوص إضافة الوصف المنصوص على عليته في التعليل على خلاف ~~الظاهر في جميع التعاليل ولهذا فإن عقلاء العرب ما PageV04P060 نطقوا بعلة ~~إلا وطردوها في غير المحل الذي أضافوها إليه ولهذا فإنهم إذا قالوا اضرب ~~هذا الأسود لكونه سارقا فإنهم يلغون خصوص إضافة السرقة إلى الأسود حتى إن ~~السرقة لو وجدت من أبيض كانت مقتضية لضربه # الخامس أنه لو أمكن أخذ خصوص إضافة الصفة إلى محلها في التعليل لما صح ~~قياس أصلا # وذلك ممتنع # السادس أنه إذا قال الشارع حرمت التأفيف للوالدين فإنه يفهم منه كل عاقل ~~تحريم ضربهما لما كان الشارع موميا إلى العلة وهي كف الأذى عنهما فإذا صرح ~~بالعلة ونص عليها كان ذلك أولى بالتعدية ولو كان لخصوص الأذى بالتأفيف مدخل ~~في التعليل لما فهم تحريم الضرب # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على امتناع التعدية فيما إذا قال حرمت الخمر ~~لكونها مسكرة لكنه غير مطرد فيما إذا قال علة تحريم الخمر الإسكار حيث إنه ~~لا ms782 إضافة # والجواب قولهم لم قلتم إن اللفظ بعمومه لا يقتضي ذلك قلنا لما ذكرناه # قولهم إن قوله أعتقت سالما لسواده مقتض بلفظه عتق غيره من العبيد السودان ~~غير صحيح فإن اللفظ الدال على العتق إنما هو قوله أعتقت سالما وذلك لا ~~دلالة له على غيره # وإن قيل إنه يدل عليه من جهة التعليل فهو عود إلى الوجه الثاني # قولهم إن العقلاء يناقضونه في ذلك بغانم # قلنا ليس ذلك بناء على عموم لفظ العتق لهما وإنما ذلك منهم طلبا لفائدة ~~التخصيص لسالم بالعتق مع ظنهم عموم العلة التي علل بها # وإذا بطل القول بتعميم اللفظ فالعتق يكون منتفيا في غانم لعدم دلالة ~~اللفظ على عتقه لا لما ذكروه كيف وإنه يجب اعتقاد ذلك حتى لا يلزم منه نفي ~~العتق مع وجود دليله في PageV04P061 حق غانم لأنه لو دل اللفظ عليه لكان ~~الأصل اعتبار لفظه في مدلوله نظرا إلى تحصيل مصلحة العاقل التي دل لفظه ~~عليها # قولهم إنه لو قال لوكيله بع سالما لسواده وقس عليه كل أسود من عبيدي لا ~~ينفذ تصرفه في غير سالم # لا نسلم ذلك فإنه لو قال له مهما ظهر لك من إرادتي ورضائي بشيء ~~بالاستدلال دون صريح المقال فافعله فله فعله # فإذا قال أعتق سالما لسواده وقس عليه غيره فإذا ظهر أن العلة السواد ~~الجامع بين سالم وغانم وأنه لا فارق بينهما فقد ظهر له إرادته لعتق غانم ~~فكان له عتقه # قولهم لم قلتم بامتناع الحكم لوجود العلة قلنا لما ذكرناه من الوجهين وما ~~ذكروه على الوجه الأول فإنما يصح أن لو كان ما ذكروه من العلة موجبا للحكم ~~في غير محل النص ويجب اعتقاد انتفاء الحكم لانتفاء العلة حذرا من التعارض ~~فإنه على خلاف الأصل # والجواب عما ذكروه على الوجه الثاني من الإشكال الأول أنا إنما قضينا ~~فيما ذكروه بالتعميم نظرا إلى قرينة حال الآباء مع الأبناء وأنهم لا يفرقون ~~في حقهم بين سم وسم وغذاء نافع وما في معناه من الأغذية النافعة وهذا بخلاف ms783 ~~ما إذا حرم الله شيئا أو أوجبه فإن العادة الشرعية مطردة بإباحة مثل ما حرم ~~وتحريم مثل ما أوجب حتى أنه يوجب الصوم في نهار رمضان ويحرمه في يوم العيد ~~ويبيح شرب الخمر في زمان ويحرمه في زمان ويوجب الغسل من بول الصبية والرش ~~من بول الغلام ويوجب الغسل من المني دون البول والمذي مع اتحاد مخرجهما ~~ويوجب الحائض قضاء الصوم دون الصلاة ويبيح النظر إلى وجه الرقيقة الحسناء ~~دون الحرة العجوز الشوهاء إلى غير ذلك مما ذكرناه فيما تقدم من التفرقة بين ~~المتماثلات وعلى عكسه الجمع بين المختلفات وذلك لما علمه الله تعالى من ~~اختصاص أحد المثلين بمصلحة مقارنة لزمانه لا وجود لها في مثله إذ ليست ~~المصالح والمفاسد من الأمور التابعة PageV04P062 لذوات الأوصاف وطباعها حتى ~~تكون لازمة لها بل ذلك مختلف باختلاف الأوقات # هذا كله إن قلنا بوجوب رعاية المصالح وإلا فلله أن يفعل ما يشاء ويحكم ما ~~يريد # وعن الإشكال الثاني أن النظر في التعليل إلى مناسبة القدر المشترك وإلغاء ~~ما به الافتراق من الخصوصية إما أن يكون دالا على وجوب الاشتراك بين الأصل ~~والفرع أو لا يكون موجبا له فإن كان موجبا فهو دليل التعبد بالقياس ~~والتنصيص على العلة دونه لا يكون كافيا في تعدية الحكم وهو المطلوب وإن لم ~~يكن موجبا للتعدية فلا أثر لإيراده # وعن الإشكال الثالث بأن فائدة التنصيص على العلة أن تعلم حتى يكون الحكم ~~معقول المعنى إن كان الوصف مناسبا للحكم فإنه يكون أسرع في الانقياد وأدعى ~~إلى القبول وأن ينتفي الحكم في محل التنصيص عند انتفائها ولمثل هذه الفائدة ~~يكون التنصيص على الوصف وإن لم يكن مناسبا للحكم # وعن الإشكال الرابع ما ذكرناه في حل الإشكال الأول # وعن الإشكال الخامس أنه لا يلزم من إمكان أخذ خصوص المحل في التعليل ~~إبطال القياس لجواز أن يقوم الدليل على إبطال أخذه في التعليل في آحاد ~~الصور ومهما لم يقم الدليل على ذلك فالقياس يكون متعذرا # وعن السادس أنه إنما فهم تحريم ضرب ms784 الوالدين من تحريم التأفيف لهما نظرا ~~إلى القرينة الدالة على ذلك من إنشاء الكلام وسياقه لقصد إكرام الوالدين ~~ودفع الأذى عنهما # ولا يخفى أن اقتضاء ذلك لتحريم الضرب أشد منه لتحريم التأفيف ولذلك كان ~~سابقا إلى الفهم من تحريم التأفيف والتنبيه بالأدنى على الأعلى # أما أن يكون ذلك مستفادا من نفس اللفظ والتنصيص على العلة بمجرده فلا ~~PageV04P063 # وعن الإشكال الأخير أنه مهما قال جعلت شرب المسكر علة للتحريم فالحكم ~~يكون ثابتا في كل صورة وجد فيها شرب المسكر بالعلة المنصوص عليها بجهة ~~العموم حتى في الخمر وذلك من باب الاستدلال لا من باب القياس فإنه ليس قياس ~~بعض المسكر هاهنا على البعض أولى من العكس لتساوي نسبة العلة المنصوصة إلى ~~الكل ولا كذلك فيما نحن فيه # وعلى هذا فلا معنى لما ذكره أبو عبد الله البصري من التفصيل بين الفعل ~~والترك وذلك لأنه لا مانع ولا بعد في تحريم الخمر لشدة الخمر خاصة دون غيره ~~من المسكرات ولعلم الله باختصاصه بالحكمة الداعية إلى التحريم وأن يشرك بين ~~المتماثلات في إيجاب الفعل أو تركه أو ندبه لعلمه باشتراكها في الحكمة ~~الداعية إلى الإيجاب والندب # وأما من أكل سكرا فلم يأكله لمجرد حلاوته بل لحلاوته وصدق شهوته عند فراغ ~~معدته فإذا زالت الشهوة بالأكل وامتلأت المعدة وتبدلت الحالة الأولى إلى ~~مقابلها امتنع لزوم الأكل لكل سكر مرة بعد مرة حتى إنه لو لم تتبدل الحال ~~لعم ذلك كل سكر وحلو # # | المسألة الرابعة # مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر الناس جواز إثبات الحدود والكفارات ~~بالقياس خلافا لأصحاب أبي حنيفة # ودليل ذلك النص والإجماع والمعقول # أما النص فتقرير النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ في قوله اجتهد رأيي ~~مطلقا من غير تفصيل وهو دليل الجواز وإلا لوجب التفصيل لأنه في مظنة الحاجة ~~إليه وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع # وأما الإجماع فهو أن الصحابة لما اشتوروا في حد شارب الخمر قال علي رضي ~~الله عنه ( إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى ms785 افترى فحدوه PageV04P064 ~~حد المفتري ) # قاسه على حد المفتري ولم ينقل عن أحد من الصحابة في ذلك نكير فكان إجماعا # وأما المعقول فهو أنه مغلب على الظن فجاز إثبات الحد والكفارة به لقوله ~~عليه السلام نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر وقياسا على خبر الواحد # فإن قيل ما ذكرتموه من الدلائل ظنية والمسألة أصولية قطعية فلا يسوغ ~~التمسك بالظن فيها سلمنا دلالة ما ذكرتموه على المطلوب ولكنه معارض بما يدل ~~على عدمه وذلك من ثلاثة أوجه الأول أن الحدود والكفارات من الأمور المقدرة ~~التي لا يمكن تعقل المعنى الموجب لتقديرها والقياس فرع تعقل علة حكم الأصل ~~فما لا تعقل له من الأحكام علة فالقياس فيه متعذر كما في أعداد الركعات ~~وأنصبة الزكاة ونحوها # الثاني أن الحدود عقوبات وكذلك الكفارات فيها شائبة العقوبة والقياس مما ~~يدخله احتمال الخطإ وذلك شبهة والعقوبات مما تدرأ بالشبهات لقوله عليه ~~السلام ادرؤوا الحدود بالشبهات # الثالث أن الشارع قد أوجب حد القطع بالسرقة ولم يوجبه بمكاتبة الكفار مع ~~أنه أولى بالقطع وأوجب الكفارة بالظهار لكونه منكرا وزورا ولم يوجبها في ~~الردة مع أنها أشد في المنكر وقول الزور فحيث لم يوجب ذلك فيما هو أولى دل ~~على امتناع جريان القياس فيه # والجواب عن الأول لا نسلم أن المسألة قطعية PageV04P065 # وعن المعارضة الأولى أن الحكم المعدى من الأصل إلى الفرع إنما هو وجوب ~~الحد والكفارة من حيث هو وجوب وذلك معقول بما علم في مسائل الخلاف لا أنه ~~مجهول # وعن الثانية لا نسلم احتمال الخطإ في القياس على قولنا إن كل مجتهد مصيب ~~وإن سلمنا احتمال الخطإ فيه لكن لا نسلم أن ذلك يكون شبهة مع ظهور الظن ~~الغالب بدليل جواز إثبات الحدود والكفارات بخبر الواحد مع احتمال الخطإ فيه ~~لما كان الظن فيه غالبا # وعن الثالثة من وجهين الأول أن غاية ما يقدر أن الشارع قد منع من إجراء ~~القياس في بعض صور وجوب الحد والكفارة وذلك لا يدل على المنع مطلقا بل يجب ~~اعتقاد اختصاص تلك ms786 الصور بمعنى لا وجود له في غيرها تقليلا لمخالفة ما ~~ذكرناه من الأدلة # الثاني الفرق # وذلك أما بين السرقة ومكاتبة الكفار فلأن داعية الأراذل وهم الأكثرون ~~متحققة بالنسبة إليها فلولا شرع القطع لكانت مفسدة السرقة مما تقع غالبا ~~ولا كذلك في مكاتبة الكفار # وأما بين الظهار والردة فهو أن الحاجة إلى شرع الكفارة في الردة دون ~~الحاجة إلى شرعها في الظهار وذلك لما ترتب على الردة من شرع القتل الوازع ~~عنها بخلاف الظهار وربما أورد الأصحاب مناقضة على أصحاب أبي حنيفة في منعهم ~~من إيجاب الكفارة بالقياس بإيجاب الكفارة بالأكل والشرب في نهار رمضان ~~بالقياس على المجامع وهو غير لازم على من قال منهم بذلك وذلك لأن العلة ~~عندهم في حق المجامع لإيجاب الكفارة مومى إليها في قصة الأعرابي وهي عموم ~~الأفساد فالحكم في الأكل والشرب يكون ثابتا بالاستدلال أي بعلة مومى إليها ~~لا بالقياس وذلك لأن القياس لا بد فيه من النظر إلى حكم الأصل إذ هو أحد ~~أركان القياس لضرورة اعتبار العلة الجامعة والعلة إذا كانت PageV04P066 ~~منصوصة أو مومى إليها فقد ثبت اعتبارها بالنص لا بحكم الأصل ومهما كان ~~الحكم في الأصل غير ملتفت إليه في اعتبار العلة لاستقلال النص باعتبارها ~~فلا يكون الحكم في الفرع ثابتا بالقياس لأن العمل بالقياس لا بد فيه من ~~النظر إلى حكم الأصل # وقد قيل إنه لا نظر إليه بل غايته أن النص قد دل في الوقاع على الحكم ~~وعلى العلة فالحكم في الفرع إذا كان ثابتا بالعلة المنصوصة لا يكون حكما ~~بالقياس ولا بالنص لعدم دلالة النص عليه وإن دل على العلة ولا إجماع لوقوع ~~الخلاف فيه وما كان ثابتا لا بنص ولا إجماع ولا قياس فالذي ثبت به هو ~~المعبر عنه بالاستدلال # # | المسألة الخامسة # ذهب أكثر أصحاب الشافعي إلى جواز إجراء القياس في الأسباب ومنع من ذلك ~~أبو زيد الدبوسي وأصحاب أبي حنيفة وهو المختار # وصورته إثبات كون اللواط سببا للحد بالقياس على الزنى # ودليل ذلك أن الحكمة وهي كونه ms787 إيلاج فرج في فرج محرم مشتهى طبعا التي ~~يكون الوصف سببا بها وهي الحكمة التي لأجلها يكون الحكم المرتب على الوصف ~~ثابتا وعند ذلك فقياس أحد الوصفين على الآخر في حكم السببية لا بد وأن يكون ~~لاشتراكهما في حكمة الحكم بالسببية # وتلك الحكمة إما أن تكون منضبطة بنفسها ظاهرة جلية غير مضطربة وإما أن ~~تكون خفية مضطربة # فإن كان الأول فلا يخلو إما أن يقال بأن الحكمة إذا كانت منضبطة بنفسها ~~يصح تعليل الحكم بها أو لا يصح إذ الاختلاف في ذلك واقع فإن قيل بالأول ~~كانت مستقلة بإثبات الحكم ( وهو الحد ) المرتب على الوصف ولا PageV04P067 ~~حاجة إلى الوصف المحكوم عليه بكونه سببا للاستغناء عنه وإن كان الثاني فقد ~~امتنع التعليل والجمع بين الأصل والفرع بها # وأما إن كانت خفية مضطربة فإما أن تكون مضبوطة بضابط أو لا فإن كانت ~~مضبوطة بضابط فذلك الضابط لها هو السبب وهو القدر المشترك بين الأصل والفرع ~~ولا حاجة إلى النظر إلى خصوص كل واحد من الوصفين المختلفين وهما الزنى ~~واللواط هنا المقتضي على أحدهما بالأصالة والآخر بالفرعية # وإن لم تكن مضبوطة بضابط فالجمع بها يكون ممتنعا إجماعا لاحتمال التفاوت ~~فيها بين الأصل والفرع فإن الحكم مما يختلف باختلاف الصور والأشخاص ~~والأزمان والأحوال # فإن قيل ما المانع أن يكون الوصف الجامع بينهما هو الحكمة وما ذكرتموه من ~~كون الحكمة إذا كانت خفية مضطربة يمتنع الجمع بها لاحتمال التفاوت فيها # قلنا احتمال التفاوت وإن كان قائما غير أن احتمال التساوي راجح وذلك لأنه ~~يحتمل أن تكون الحكمة التي في الفرع مساوية لما في الأصل ويحتمل أن تكون ~~راجحة ويحتمل أن تكون مرجوحة وعلى التقديرين الأولين فالمساواة حاصلة ~~وزيادة على التقدير الثاني منهما وإنما تكون مرجوحة على التقدير الثالث وهو ~~احتمال واحد ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب وقوعا من احتمال ~~واحد بعينه فكان الجمع أولى ثم كيف وقد جعلتم القتل بالمثقل سببا لوجوب ~~القصاص بالقياس على القتل بالمحدد وجعلتم اللواط سببا للحد بالقياس ms788 ~~PageV04P068 على الزنا وجعلتم النية في الوضوء شرطا لصحة الصلاة بالقياس ~~على نية التيمم # والجواب أما ما ذكروه من دليل ظهور التساوي في الحكمة فلا يخلو إما أن ~~يكون ذلك كافيا في الجمع أو لا يكون كافيا فإن كان كافيا فليجمع بين الأصل ~~والفرع في الحكم المرتب على السبب ولا حاجة إلى الجمع بالسبب وإن لم يكن ~~ذلك كافيا فهو المطلوب # وما ذكروه من الإلزامات فلا وجه لها # أما قياس القتل بالثقل على المحدد فلم يكن ذلك في السببية وإنما ذلك في ~~إيجاب القصاص بجامع القتل العمد العدوان وهو السبب لا غير # وأما قياس اللواط على الزنى فإنما كان ذلك في وجوب الحد بجامع إيلاج فرج ~~في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا وذلك هو السبب مع قطع النظر عن خصوصية الزنى ~~واللواط # وأما قياس الضوء على التيمم فإنما هو في اعتبار النية بجامع الطهارة ~~المقصودة للصلاة وذلك هو السبب لا أن القياس في الاشتراط # وعلى هذا النحو كل ما يرد من هذا القبيل # # | المسألة السادسة # اختلفوا في جواز إجراء القياس في جميع الأحكام الشرعية فأثبته بعض الشذوذ ~~مصيرا منه إلى أن جميع الأحكام الشرعية من جنس واحد ولهذا تدخل جميعها تحت ~~حد واحد وهو حد الحكم الشرعي وتشترك فيه وقد جاز على بعضها أن يكون ثابتا ~~بالقياس وما جاز على بعض المتماثلات كان جائزا على الباقي وهو غير صحيح # وذلك أنه وإن دخلت جميع الأحكام الشرعية تحت حد الحكم الشرعي وكان الحكم ~~الشرعي من PageV04P069 حيث هو حكم شرعي جنسا لها غير أنها متنوعة ومتمايزة ~~بأمور موجبة لتنوعها # وعلى هذا فلا مانع أن يكون ما جاز على بعضها وثبت له أن يكون ذلك له ~~باعتبار خصوصيته وتعينه لا باعتبار ما به الاشتراك وهو عام لها # كيف وإن ذلك مما يمتنع لثلاثة أوجه # الأول أنا قد بينا امتناع إجراء القياس في الأسباب والشروط وبينا أن حكم ~~الشارع على الوصف بكونه سببا وشرطا حكم شرعي # الثاني أن ذلك مما يفضي إلى أمر ممتنع فكان ms789 ممتنعا وبيان لزوم ذلك أن كل ~~قياس لا بد له من أصل يستند إليه على ما علم فلو كان كل حكم يثبت بالقياس ~~لكان حكم أصل القياس ثابتا بالقياس وكذلك حكم أصل أصله فإن تسلسل الأمر إلى ~~غير النهاية امتنع وجود قياس ما لتوقفه على أصول لا نهاية لها وإن انتهى ~~إلى أصل لا يتوقف على القياس على أصل آخر فهو خلاف الفرض # الثالث أن من الأحكام ما ثبت غير معقول المعنى كضرب الدية على العاقلة ~~ونحوه وما كان كذلك فإجراء القياس فيه متعذر وذلك لأن القياس فرع تعقل علة ~~حكم الأصل وتعديتها إلى الفرع فما لا يعقل له علة فإثباته بالقياس يكون ~~ممتنعا # # | خاتمة لهذا الباب # القياس مأمور به لقوله تعالى @QB@ فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ الحشر 2 ~~كما سبق تقريره وهو منقسم إلى واجب ومندوب # والواجب منه منقسم إلى ما هو واجب على بعض الأعيان وذلك في حق كل من نزلت ~~به نازلة من القضاة والمجتهدين ولا يقوم غيره فيها مقامه مع ضيق الوقت ~~PageV04P070 وإلى ما هو واجب على الكفاية وذلك بأن يكون كل واحد من ~~المجتهدين يقوم مقام غيره في تعريف حكم ما حدث من الواقعة بالقياس # وأما المندوب وهو القياس فيما يجوز حدوثه من الوقائع ولم يحدث بعد فإن ~~المكلف قد يندب إليه ليكون حكمه معدا لوقت الحاجة وهل يوصف القياس بكونه ~~دينا لله تعالى فذلك مما وصفه به القاضي عبد الجبار مطلقا ومنع منه أبو ~~الهذيل وفصل الجبائي بين الواجب والمندوب منه فوصف الواجب بذلك دون المندوب # والمختار أن يقال إن عني بالدين ما كان من الأحكام المقصودة بحكم الأصالة ~~كوجوب الفعل وحرمته ونحوه فالقياس واعتباره ليس بدين فإنه غير مقصود لنفسه ~~بل لغيره # وإن عني بالدين ما تعبدنا به كان مقصودا أصليا أو تابعا فالقياس من الدين ~~لأنا متعبدون به على ما سبق # وبالجملة فالمسألة لفظية PageV04P071 PageV04P072 # | الباب الخامس في الاعتراضات الواردة على القياس وجهات الانفصال عنها ~~أما الاعتراضات الواردة على قياس العلة فخمسة وعشرون اعتراضا ms790 # # | الاعتراض الأول الاستفسار # وهو طلب شرح دلالة اللفظ المذكور وإنما يحسن ذلك إذا كان اللفظ مجملا ~~مترددا بين محامل على السوية أو غريبا لا يعرفه السامع المخاطب فعلى السائل ~~بيان كونه مجملا أو غريبا لأن الاستفسار عن الواضح عناد أو جهل # ولهذا قال القاضي أبو بكر ما ثبت فيه الاستبهام صح عنه الاستفهام ولذلك ~~وجب أن يكون سؤال الاستفسار أولا وما سواه متأخرا عنه لكونه فرعا على فهم ~~معنى اللفظ وصيغه متعددة فمنها ( الهمزة ) كقوله أعندك زيد وهي الأصل في ~~الاستفسار إذ لا ترد لغيره بخلاف غيرها من الأسئلة فإنها قد ترد لغير ~~الاستفهام # فمن ذلك ( هل ) وهي تلي الهمزة في الرتبة إذ هي أصل في الاستفهام كقولك ~~هل زيد موجود ولكنها قد ترد نادرا للتأكيد كقوله تعالى PageV04P073 @QB@ هل ~~أتى على الإنسان حين من الدهر @QE@ الإنسان 1 والمراد به قد أتى # ومن ذلك ( ما ) فإنها قد ترد بمعنى الاستفهام كقولك ما عندك ولكنها قد ~~ترد للنفي كقولك ما رأيت أحدا وللتعجب كقولك ما أحسن زيدا إلى معان أخر ~~ولذلك كانت متأخرة في الرتبة عن ( هل ) # ومن ذلك ( من ) وهي قد ترد بمعنى الاستفهام كقولك من عندك وقد ترد بمعنى ~~الشرط والجزاء كقوله عليه السلام من دخل دار أبي سفيان فهو آمن وقد ترد ~~بمعنى الخبر كقولك جاءني من أحبه وهي مختصة بمن يعقل دون ما لا يعقل وهي ~~متأخرة في الرتبة عن ( ما ) لأن ( ما ) قد ترد لما لا يعقل ولمن يعقل كقوله ~~تعالى @QB@ والسماء وما بناها @QE@ أي ومن بناها # ومن ذلك ( أين ) وهي سؤال عن المكان # و ( متى ) عن الزمان # و ( كيف ) عن الكيفية # و ( كم ) عن الكمية # و ( أي ) عن التمييز # والهمزة تقوم مقام الكل في السؤال # وإذا ثبت أن شرط قبول الاستفسار كون اللفظ مجملا أو غريبا فيجب على ~~السائل بيان ذلك لصحة سؤاله # فإن قيل لا خفاء بأن ظهور الدليل شرط في صحة الدليل كما سبق وإنما يتم ~~الظهور أن لو لم يكن اللفظ مجملا فنفي ms791 الإجمال إذا شرط في الدليل وبيان شرط ~~الدليل على المستدل لا على المعترض PageV04P074 قلنا ظهور الدليل وإن كان ~~متوقفا على نفي الإجمال غير أن الأصل عدم الإجمال # وسؤال الاستفسار يستدعي الإجمال المخالف للأصل فكان بيانه على المستفهم ~~ولا تقبل منه دعوى الإجمال بجهة الاشتراك أو الغرابة بناء على أنه لم يفهم ~~منه شيئا فيما كان ظاهرا مشهورا في ألسنة أهل اللغة والشرع لانتسابه إلى ~~العناد لعدم خفائه عليه في الغالب لكن إن بين الإجمال بجهة الغرابة بطريقة ~~أو بجهة الاشتراك بسبب تردده بين احتمالين كفاه ذلك من غير احتياج إلى بيان ~~التسوية بينهما لأن الأصل عدم الترجيح ولعدم قدرته على بيان التسوية وقدرة ~~المستدل على الترجيح وطريق المستدل في جواب دفع الإجمال بجهة الغرابة ~~التفسير إن عجز عن إبطال غرابته وفي جواب دفع الإجمال بجهة الاشتراك منع ~~تعدد محامل اللفظ إن أمكن أو بيان الظهور في أحد الاحتمالين وله فيه طريق ~~تفصيلي بالنقل عن أهل الوضع أو الشرع أو ببيان أنه مشهور فيه والشهرة دليل ~~الظهور والحقيقة غالبا وطريق إجمالي وهو أن يقول الإجمال على خلاف الأصل ~~لإخلاله بالتفاهم فيجب اعتقاد ظهوره في أحد الاحتمالين نفيا للإجمال عن ~~الكلام وهو وإن لزم منه التجوز في أحدهما وهو خلاف الأصل أيضا غير أن محذور ~~الاشتراك أعظم من محذور التجوز كما سبق تقريره # وإن تعذر عليه بيان ذلك فقد يقدر على دفع الإجمال أيضا بدعوى كون اللفظ ~~متواطئا فيهما لموافقته لنفي الإجمال والتجوز أو أن يفسر لفظه بما أراد ~~منهما PageV04P075 # # | الاعتراض الثاني فساد الاعتبار # ومعناه أن ما ذكرته من القياس لا يمكن اعتباره في بناء الحكم عليه لا ~~لفساد في وضع القياس وتركيبه وذلك كما إذا كان القياس مخالفا للنص فهو فاسد ~~الاعتبار لعدم صحة الاحتجاج به مع النص المخالف له # وقد مثل ذلك أيضا بقياس الكافر على المسلم في صحة الطهارة وبقياس الصبي ~~على البالغ في إيجاب الزكاة من جهة الظهور الفرق بين الأصل والفرع # وعلى هذا النحو كل قياس ظهر ms792 الفارق في بين الأصل والفرع # وأقرب هذه الأمثلة إنما هو المثال الأول لأنه مهما ثبت أن القياس مخالف ~~للنص كان باطلا لما سبق تقريره # وأما باقي الأمثلة فحاصلها يرجع إلى إبداء الفرق بين الأصل والفرع وهو ~~سؤال آخر غير سؤال فساد الاعتبار وسيأتي الكلام عليه # وجوابه إما بالطعن في سند النص إن أمكن أو بمنع الظهور أو التأويل أو ~~القول بالموجب أو المعارضة بنص آخر ليسلم له القياس أو أن يبين أن القياس ~~من قبيل ما يجب ترجيحه على النص المعارض له بوجه من وجوه الترجيحات ~~المساعدة له # # | الاعتراض الثالث # فساد الوضع واعلم أن صحة وضع القياس أن يكون على هيئة صالحة لاعتباره في ~~ترتيب الحكم عليه وفساد الوضع لا يكون على الهيئة الصالحة لاعتباره في ~~ترتيب الحكم عليه # وقد مثله الفقهاء بما تلقي الحكم فيه من مقابله كتلقي التضييق من ~~PageV04P076 التوسيع والتخفيف من التغليظ والإثبات من النفي وبالعكس وأن ~~يكون ما جعله علة للحكم مشعرا بنقيض الحكم المرتب عليه وذلك كقولهم في ~~النكاح بلفظ الهبة لفظ ينعقد به غير النكاح فلا ينعقد به النكاح كلفظ ~~الإجارة فإنه من حيث إنه ينعقد به غير النكاح يقتضي انعقاد النكاح به لا ~~عدم الانعقاد لأن الاعتبار يقتضي الاعتبار لا عدم الاعتبار # وعلى هذا فكل فاسد الوضع فاسد الاعتبار وليس كل فاسد الاعتبار يكون فاسد ~~الوضع لأن القياس قد يكون صحيح الوضع وإن كان اعتباره فاسدا بالنظر إلى أمر ~~خارج كما سبق تقريره # ولهذا وجب تقديم سؤال فساد الاعتبار على سؤال فساد الوضع لأن النظر في ~~الأعم يجب أن يتقدم على النظر في الأخص لكون الأخص مشتملا على ما اشتمل ~~عليه الأعم وزيادة # وإذا عرف ما قررناه في سؤال فساد الوضع فلقائل أن يقول اقتضاء الوصف ~~لنقيض الحكم المرتب عليه أما أن يدعي أنه يراد به اقتضاؤه له أنه مناسب ~~نقيض الحكم على ما هو إشعار اللفظ وأما اعتبار الوصف في نقيض الحكم في صوره ~~كما قاله بعض المتأخرين PageV04P077 فإن كان ذلك من ms793 الجهة التي تمسك بها ~~المستدل فيلزم منه أن يكون وصف المستدل غير مناسب لحكمه ضرورة أن الوصف ~~الواحد لا يناسب حكمين متقابلين من جهة واحدة ولكن يرجع حاصله إلى القدح في ~~المناسبة وعدم التأثير لا إنه سؤال آخر # وإن كان ذلك من جهة أخرى فلا يمتنع مناسبة وصف المستدل لحكمه من الجهة ~~التي تمسك بها ( ويرجع حاصله إلى سؤال الاشتراك في الدلالة وهو حقيقة ~~المعارضة لأنه سؤال آخر وإن أريد باقتضائه لنقيض الحكم اعتباره في نقيض ~~الحكم # فلا يخلو إما أن يكون معتبرا في نقيض الحكم من الجهة التي تمسك بها ~~المستدل أو من جهة أخرى فإن كان من جهة أخرى فلا يقدح في اعتباره في حكم ~~المستدل أو من جهة أخرى فإن كان من جهة أخرى فلا يقدح في اعتباره في حكم ~~المستدل من جهته فإنه جاز أن يعتبر الوصف الواحد في حكمين متقابلين يكون من ~~جهتين كالصلاة في الدار المعضوبة وإن كان معتبرا في نقيض الحكم من الجهة ~~التي تمسك بها المستدل أو من جهة أخرى فإن كان من جهة أخرى فلا يقدح في ~~اعتباره في حكم المستدل من جهته فإنه جاز أن يعتبر الوصف الواحد في حكمين ~~متقابلين يكون من جهتين كالصلاة في الدار المعضوبة وإن كان معتبرا في نقيض ~~الحكم من الجهة التي تمسك بها المستدل فإنه وإن منع من اعتباره في حكم ~~المستدل ضرورة امتناع اعتباره من جهة واحدة في حكمين متقابلين غير أن حاصله ~~يرجع إلى سؤال القلب كما يأتي تحقيقه وسواء كان اعتباره في نقيض الحكم ~~متفقا عليه أو ثابتا بالدليل لأنه سؤال آخر وقد يشبه بسؤال النقض من وجه ~~آخر من حيث أنا وجدنا العلة في صورة مع انتفاء الحكم لكن مع مزيد وهو كون ~~العلة في صورة النقيض هو علة النقيض وجوابه من وجهين الأول مع اقتضاء الوصف ~~لنقيض الحكم والقدح فيما أبداه المعترض الثاني أن نسلم ذلك ونبين أنه يقتضي ~~الحكم الذي قصده من جهة أخرى PageV04P078 # ثم لا يخلو إما ms794 أن تكون جهة المناسبة لنقيض الحكم معتبرة في صوره أو غير ~~معتبرة فإن لم تكن معتبرة كان ما يبديه المستدل من جهة المناسبة كافيا في ~~دفع السؤال ضرورة كونها معتبرة ومناسبة المعترض غير معتبرة # وإن كانت مناسبة المعترض معتبرة فإن أورد المعترض ما ذكره في معرض ~~المعارضة فقد انتقل عن سؤاله الأول إلى سؤال المعارضة ووجب على المستدل ~~الترجيح لما ذكره ضرورة التساوي في المناسبة والاعتبار وإن لم يورد ذلك في ~~معرض المعارضة وبقي مصرا على السؤال الأول فلا يحتاج المستدل إلى الترجيح ~~لكونه خاصا بالمعارضة # وهذا من مستحسنات صناعة الجدل فليتأمل # # | الاعتراض الرابع منع حكم الأصل # ولما كان منع حكم الأصل من قبيل النظر في تفصيل القياس كان متأخرا عما ~~قبله لكون ما قبله نظرا في القياس من جهة الجملة لا من جهة التفصيل # والنظر في الجملة يتقدم على النظر في التفصيل # ومثاله ما لو قال الشافعي في إزالة النجاسة مثلا مائع لا يرفع الحدث فلا ~~يزيل حكم النجاسة كالدهن # فقال الحنفي لا أسلم الحكم في الأصل فإن الدهن عندي مزيل لحكم النجاسة # وقد اختلف الفقهاء في انقطاع المستدل بتوجيه منع حكم الأصل عليه فمنهم من ~~قال بانقطاعه لأنه أنشأ الكلام للدلالة على حكم الفرع لا على حكم الأصل ~~فإذا منع حكم الأصل فإما أن يشرع في الدلالة عليه أو لا يشرع فإن لم يشرع ~~في الدلالة عليه لم يتم دليله على مقصوده وهو انقطاع وإن شرع في الدلالة ~~عليه فقد ترك ما كان بصدد الدلالة عليه أولا PageV04P079 وعدم عما أنشأه من ~~الدليل على حكم الفرع إلى الدلالة على حكم الأصل ولا معنى للانقطاع سوى هذا # ومنهم من قال لا يكون منقطعا لأنه إنما أنشأ الدليل على حكم الفرع إنشآء ~~من يحاول تمشيته وتقريره وبالدلالة على حكم الأصل يحصل هذا المقصود لا أنه ~~تارك لما شرع فيه أولا ولا منع من ذلك فإن الحكم في الفرع كما يتوقف على ~~وجود علة الأصل في الأصل وكونها علة فيه وعلى وجودها ms795 في الفرع يتوقف علي ~~ثبوت حكم الأصل وكل ذلك من أركان القياس ولم يمنع أحد من محاولة تقرير ~~القياس عند منع وجود علة الأصل ومنع كونها علة فيه ومنع وجودها في الفرع من ~~الدلالة على محل المنع فكذلك حكم الأصل ضرورة التساوي بين الكل في افتقار ~~صحة القياس إليه # ومنهم من فصل بين أن يكون المنع خفيا وبين أن يكون ظاهرا فحكم بانقطاعه ~~عند ظهور المنع وبعدم انقطاعه عند خفائه لظهور عذره # وهذا هو اختيار الاستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني # ومنهم من قال يجب اتباع عرف المكان الذي هو فيه ومصطلح أهله في ذلك # وهذا هو اختيار الغزالي # والمختار أنه لا يعد منقطعا إذا دل على موقع المنع لما قررناه فيما تقدم # وقد بينا شرط الدلالة على حكم الأصل في أركان القياس # وقد قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي لا يفتقر إلى الدلالة على محل المنع بل ~~له أن يقول إنما قست على أصلي ولا وجه لذلك فإنه إن قصد إثبات الحكم على ~~أصل نفسه فالخصم غير منازع له في ثبوت حكم الفرع على أصله ولا وجه للمناظرة ~~بينهما في ذلك # وإن قصد إثبات الحكم في الفرع بالنسبة إلى الخصم بحيث يوجب الانقياد إليه ~~فذلك متعذر مع منع حكم الأصل وعدم ثبوته بالدلالة # وإنما يتصور الاستغناء عن الدلالة على حكم الأصل إذا كان PageV04P080 ~~اللفظ الدال على حكم الأصل عاما وهو منقسم إلى ممنوع وغير ممنوع كالدهن ~~فإنه وإن منع الحكم في الطاهر منه فهو غير ممنوع في الدهن النجس وعند ذلك ~~فله أن يقول إنما قست على الدهن النجس دون الطاهر وإن كان قياسي عليهما ~~فغايته القياس على أصلين وقد بطل التمسك بأحدهما فيبقى التمسك بالآخر # وإذا ذكر الدليل على موقع المنع فمنهم من حكم بانقطاع المعترض لتبين فساد ~~المنع وتعذر الاعتراض منه على دليل المستدل لإفضائه إلى التطويل فيما هو ~~خارج عن المقصود الأصلي في أول النظر # ومنهم من قال لا يعد منقطعا ولا يمنع من الاعتراض على دليل المنع ولا ms796 ~~يكتفي من المستدل بما يدعيه دليلا وإلا لما كان لقبول المنع معنى بل ~~الانقطاع إنما يتحقق في حق كل واحد بعجزه عما يحاوله نفيا وإثباتا وهذا هو ~~المختار # # | الاعتراض الخامس التقسيم # وهو في عرف الفقهاء عبارة عن ترديد اللفظ بين احتمالين أحدهما ممنوع ~~والآخر مسلم غير أن المطالبة متوجهة ببناء الغرض عليه إما أنه لا بد من ~~ترديده بين احتمالين لأنه لو لم يكن محتملا لأمرين لم يكن للترديد والتقسيم ~~معنى بل كان يجب حمل اللفظ على ما هو دليل عليه وإما أنه لا بد وأن يكون ~~احتمال اللفظ لهما على السوية لأنه لو كان ظاهرا في أحدهما لم يكن للتقسيم ~~أيضا وجه بل كان يجب تنزيل اللفظ على ما هو ظاهر فيه كان ممنوعا أو مسلما # وذلك كما لو قال المستدل في البيع PageV04P081 بشرط الخيار وجد سبب ثبوت ~~الملك للمشتري فوجب أن يثبت وبين وجود السبب بالبيع الصادر من الأهل من ~~المحل فقال المعترض السبب هو مطلق بيع أو البيع المطلق أي الذي لا شرط فيه ~~الأول ممنوع والثاني مسلم ولكن لم قلت بوجوده # ولقائل أن يقول التقسيم وإن كان من شرطه تردد اللفظ بين احتمالين على ~~السوية فليس من شرطه أن يكون أحد الاحتمالين ممنوعا والآخر مسلما بل كما ~~يجوز أن يكون كذلك يجوز أن يشترك الاحتمالان في التسليم ولكن بشرط أن ~~يختلفا باعتبار ما يرد على كل واحد منهما من الاعتراضات القادحة فيه وإلا ~~فلو اتحدا فيما يرد عليهما من الاعتراضات مع التساوي في التسليم لم يكن ~~للتقسيم معنى بل كان يجب تسليم المدلول وإيراد ما يختص به # ولا خلاف أنهما لو اشتركا في المنع أن التقسيم لا يكون مفيدا # وعلى هذا فلو أراد المعترض تصحيح تقسيمه فيكفيه بيان إطلاق اللفظ بإزاء ~~الاحتمالين من غير تكليف ببيان التساوي بينهما في دلالة اللفظ عليهما بجهة ~~التفصيل لأن ذلك مما يعسر من جهة أن ما من وجه يبين التساوي فيه إلا ~~وللمستدل أن يقول ولم قلت بعدم التفاوت من ms797 وجه آخر بلى لو قيل إنه يكلف ~~التساوي بينهما من جهة الإجمال وهو أن يقول التفاوت يستدعي ترجح أحدهما على ~~الآخر وزيادته عليه والأصل عدم تلك الزيادة لم يكن ذلك شاقا وكان وافيا ~~بالدلالة على شرط التقسيم # ولو ذكر المعترض احتمالين لا دلالة للفظ المستدل عليهما وأورد الاعتراض ~~عليهما كما لو قال المستدل في مسألة الالتجاء إلى الحرم وجد سبب استيفاء ~~القصاص فيجب استيفاؤه # وبين وجود السبب بالقتل العمل العدوان فقال المعترض متى يمكن القول ~~بالاستيفاء إذا وجد المانع أو إذا لم يوجد الأول ممنوع والثاني مسلم # ولكن لم قلت إنه لم يوجد وبيان وجوده أن الحرم مانع وبينه بطريقة لم يخل ~~إما أن يورد ذلك بناء على أن لفظ المستدل متردد بين الاحتمالين المذكورين ~~أو على دعواه الملازمة بين الحكم ودليله PageV04P082 فإن كان الأول فهو ~~باطل لعدم تردد لفظ السبب بين ما ذكر من الاحتمالين وإن كان الثاني فإن ~~اقتصر على المطالبة ببيان انتفاء المانع فهو غير مقبول لما تقرر في ~~الاصطلاح من حط مؤنة ذلك عن المناظر في الموانع والمعارضات المختلف فيها ~~وإن أضاف إلى ذلك الدلالة على وجود المعارض فحاصل السؤال يرجع إلى المعارضة ~~ولا حاجة إلى التقسيم وإذا اتجه سؤال التقسيم على التفسير الأول # فجوابه من جهة الجدل من ستة أوجه الأول أن يعين المستدل بعض محامل لفظه ~~ويبين أن اللفظ موضوع بإزائه حقيقة في لغة العرب إما بالنفل عن أهل الوضع ~~أو الشارع الصادق أو ببيان كونه مشهورا به في الاستعمال فيكون حقيقة لأنه ~~الغالب وبما يساعد من الأدلة ومع بيان ذلك فالتقسيم يكون مردودا لتبين فوات ~~شرطه من التساوي في الدلالة # الثاني أن يقول إنه وإن لم يكن ظاهرا بحكم الوضع فيما عينته من الاحتمال ~~غير أنه ظاهر بعرف الاستعمال كما في لفظ الغائط ونحوه # الثالث أنه وإن لم يكن ظاهرا بالأمرين إلا أنه ظاهر في عرف الشرع كلفظ ~~الصلاة والصوم ونحوه # الرابع أنه وإن تعذر كونه ظاهرا بأحد الأنحاء المذكورة لكنه ظاهر بحكم ms798 ما ~~اقترن به من القرائن المساعدة له في كل مسألة # الخامس أنه وإن تعذر بيان الظهورية بأحد الطرق المفصلة فله دفع التقسيم ~~بوجه إجمالي وهو أن يقول الإجمال على خلاف الأصل فيجب اعتقاد ظهور اللفظ في ~~بعض احتمالاته ضرورة نفي الإجمال عن اللفظ # ومع ذلك فالتقسيم لا يكون واردا # وقد يقدر على بيان كون اللفظ ظاهرا فيما عينه PageV04P083 بهذا الطريق ~~الإجمالي وهو أن يقول إذا ثبت أنه لا بد وأن يكون اللفظ ظاهرا في بعض ~~محامله نفيا للإجمال عن الكلام فيجب اعتقاد ظهوره فيما عينه المستدل ضرورة ~~الاتفاق على عدم ظهوره فيما عداه أما عند المعترض فلضرورة دعواه الإجمال في ~~اللفظ # وأما عند المستدل فلضرورة دعواه أنه ظاهر فيما ادعاه دون غيره # السادس أن يبين أن اللفظ له احتمال آخر غير ما تعرض له المعترض بالمنع ~~والتسليم وأنه مراده إلا أن يحترز المعترض عن ذلك بأن يعين مجملا ويقول إن ~~أردت هذا فمسلم # ولكن لم قلت ببناء الغرض عليه # وإن أردت ما عداه فممنوع # فما مثل هذا الجواب لا يكون متجها وإن أراد المستدل الجواب الفقهي فإن ~~كان قادرا على تنزيل كلامه على أحد القسمين فالأولى في الاصطلاح تنزيله على ~~أحدهما حذرا من التطويل وليكن منزلا على أسهلهما في التمشية والقرب إلى ~~المقصود إن أمكن وإن كان الجمع جائزا شرعا # وإن لم يقدر على شيء من ذلك كان منقطعا # وأما موقع سؤال التقسيم فيجب أن يكون بعد منع حكم الأصل لكونه متعلقا ~~بالوصف المتفرع عن حكم الأصل وأن يكون مقدما على منع وجود الوصف لدلالة منع ~~الوجود على تعيين الوصف والتقسيم على الترديد وإن يكون مقدما على سؤال ~~المطالبة بتأثير الوصف المدعي علة لكونه مشعرا بترديد لفظ المستدل بين ~~أمرين والمطالبة بتأثير الوصف مشعرة بتسليم كونه مدلولا للفظ لا غير ضرورة ~~تخصيصه بالكلام عليه وإلا كان التخصيص به غير مفيد وإيراد ما يشعر بالترديد ~~بعد ما يشعر بتسليم اتحاد المدلول يكون متناقضا # وقد علل ذلك بعض أرباب الاصطلاح بأن المطالبة ms799 بتأثير الوصف PageV04P084 ~~تستدعي تسليم وجود الوصف # والتقسيم مشتمل على منع الوجود ومنع الوجود بعد تسليم الوجود لا يكون ~~مقبولا لما فيه من التناقض وهو غير صحيح لوجهين الأول أن ما ذكره إنما هو ~~مبني على أن أحد القسمين لا بد وأن يكون ممنوع الوجود وليس كذلك لما سبق في ~~مبدأ السؤال وبتقدير أن يكون أحد القسمين ممنوع الوجود فإنما يلزم التناقض ~~والمنع بعد التسليم أن لو كان ما أورد عليه سؤال المطالبة أو لا هو نفس ~~القسم الذي منع وجوده في التقسيم وبتقدير أن يكون غيره فلا # وبالجملة فيمتنع أيضا قبول سؤال التقسيم بعد سؤال الاستفسار لأن المسؤول ~~إن كان قد دفع سؤال الاستفسار جدلا بنفي الإجمال فالتقسيم بعده لا يرد ~~ضرورة توقفه على الإجمال وقد انتفى # وإن أجاب عنه بتعيين ما قصده بكلامه فبعد التعيين لا حاجة إلى التقسيم بل ~~يجب ورود الاعتراض على عينه دون غيره # # | الاعتراض السادس منع وجود العلة في الأصل # ولكون النظر في علة الأصل متفرعا عن حكم الأصل وجب تأخيره عن النظر في ~~حكم الأصل وعن التقسيم لما ذكرناه في السؤال الذي قبله # ومثاله ما لو قال الشافعي في مسألة جلد الكلب مثلا حيوان يغسل الإناء من ~~ولوغه سبعا فلا يطهر جلده بالدباغ كالخنزير فيقول الخصم لا أسلم وجوب غسل ~~الإناء من ولوغ الخنزير سبعا # وجوابه بذكر ما يدل على وجوده من العقل أو الحس أو الشرع على حسب حال ~~الوصف في كل مسألة أو أن يفسر لفظه بما لا يمكن الخصم منعه وإن كان احتمال ~~اللفظ له بعيدا # وذلك كما لو قال في المثال المذكور أعني به ما إذا لم يغلب على ظنه ~~الطهارة PageV04P085 # وإن فسر لفظه بما له وجود في الأصل غير أن لفظه لا يحتمله لغة فالمختار ~~أنه لا يقبل وإن ذهب إلى قبوله بعض المتأخرين وذلك لأن وضع اللفظ إنما كان ~~لقصد تحصيل المعنى منه وأن يعرف كل أحد ما في ضميره لغيره بواسطة اللفظ ~~المستعمل وذلك مشروط بضبط الوضع ms800 ضبطا يمتنع معه دخول الزيادة والنقصان # وإذا قبل من كل أحد تفسير لفظه بما لا يحتمله لغة حالة عجزه عن تقرير ~~كلامه أفضى ذلك إلى اضطراب اللغة وإبطال فائدة وضعها كيف وإن إطلاقه لذلك ~~اللفظ دليل ظاهر على إرادة مدلوله وعدوله عند المنع مشعر بالانقطاع في ~~تقريره # # | الاعتراض السابع منع كون الوصف المدعى علة # ولما كانت العلية صفة للوصف المذكور ومتوفقة على وجوده وجب أن يكون النظر ~~فيها نفيا وإثباتا متأخرا عن النظر في وجود الوصف # وهذا هو أعظم الأسئلة الواردة على القياس لعموم وروده على كل ما يدعى ~~كونه علة واتساع طرق إثباته وتشعب مسالكه كما تقدم تقريره # وقد اختلف العلماء في قبوله نفيا وإثباتا والمختار لزوم قبوله # وذلك لأن إثبات الحكم في الفرع مما لا يمكن إسناده إلى مجرد إثبات حكم ~~الأصل دون جامع بينهما PageV04P086 # والجامع يجب أن يكون في الأصل بمعنى الباعث لا بمعنى الأمارة على ما سبق ~~تقريره # والوصف الطردي لا يصلح أن يكون باعثا فيمتنع التمسك به في القياس فلو لم ~~يقبل منع تأثير الوصف والمطالبة بتأثيره أفضى ذلك إلى التمسك بالأوصاف ~~الطردية ثقة من المتكلم بامتناع مطالبته بالتأثير # ولا يخفى وجه فساده # وأيضا فإن الأصل عدم الدليل الدال على جواز التمسك بالقياس غير أنا ~~استثنينا منه ما كانت علة القياس فيه مخيلة أو شبهية لإجماع الصحابة عليه ~~ولم ينقل عنهم أنهم تمسكوا بقياس علته طردية فبقينا فيه على حكم الأصل # فلذلك وجب قبول سؤال منع التأثير وبيان كون الوصف مؤثرا # وعند هذا فلا بد من ذكر شبه الرادين له وتحقيق جوابها # وقد احتجوا بشبه # الأولى أنه لو قبل سؤال منع التأثير فما من دليل يذكره المستدل على كون ~~الوصف علة إلا وهذا السؤال وارد عليه إلى ما لا يتناهى فيجب رده حفظا ~~للكلام عن الخبط والنشر # الثانية أنه لا معنى للقياس سوى رد الفرع إلى الأصل بجامع وقد أتى به ~~المستدل وخرج عن وظيفته فعلى المعترض القدح فيه # الثالثة أن الأصل أن كل ما ms801 ثبت الحكم عقيبه في الأصل أن يكون علة فمن ~~ادعى أن الوصف الجامع ليس بعلة احتاج إلى بيانه # الرابعة أنا بحثنا فلم نجد سوى هذه العلة فعلى المعترض القدح فيها أو ~~إبداء غيرها # الخامسة أنهم قالوا عجز المعترض عن الاعتراض على الوصف المذكور دليل صحته ~~كالمعجزة فالمنع من الصحة مع وجود دليل الصحة لا يكون مقبولا PageV04P087 # السادسة قولهم حاصل هذا السؤال يرجع إلى المنازعة في علة الأصل ويجب أن ~~يكون متنازعا فيها ليتصور الخلاف في الفرع # السابعة أن حاصل القياس يرجع إلى تشبيه الفرع بالأصل والشبه حجة # وقد تحقق ذلك بما ذكر من الوصف الجامع فلا حاجة إلى إبداء غيره # الثامنة قولهم هذا الوصف مطرد لم يتخلف حكمه عنه في صورة فكان صحيحا # والجواب عن الأولى أن التسلسل منقطع بذكر ما يفيد أدنى ظن بالتعليل من ~~الطرق التي بيناها قبل فإن المطالبة بعلية ما غلب على الظن كونه علة بعد ~~ذلك يكون عنادا وهو مردود إجماعا # وعن الثانية بمنع تحقق القياس بجامع لا يغلب على الظن كونه علة # وعن الثالثة بمنع أن الأصل علية كل ما ثبت الحكم معه من الأوصاف # وعن الرابعة أن البحث مع عدم الاطلاع على غير الوصف المذكور طريق من طرق ~~إثبات العلة كما سبق فكان ذلك جوابا عن سؤال المطالبة وقبولا له لا أنه رد ~~له # وعن الخامسة أنه لو كان عجز المعترض عن الاعتراض دليل صحة العلة لكان عجز ~~المستدل عن تصحيح العلة دليل فسادها ولا أولوية ولكان عجز المعترض عن ~~الاعتراض على إبطال ما ادعى من الحكم في الفتوى دليلا على ثبوت الحكم ولم ~~يقل به قائل # وعن السادسة أن علة الأصل وإن كانت متنازعا فيها فلا بد من دليل ظني يدل ~~على كونها علة كما في الحكم المختلف فيه # وعن السابعة أن إثبات الحكم في الفرع متوقف على ظن إثباته ولا نسلم أن ~~مطلق المشابهة بين الأصل والفرع في مطلق وصف مفيد للظن الله تبارك وتعالى ~~رضي الله عنهن الرب عز وجل ms802 PageV04P088 # وعن الثامنة أن حاصلها يرجع إلى الاكتفاء بالوصف الطردي لكونه غير منتقض ~~وهو باطل بما سبق في طرق إثبات العلة # وإذا علم أنه لا بد من قبول سؤال المطالبة بالتأثير وأنه لا بد من ~~الدلالة على كون الوصف علة وطريق إثبات ذلك ما يساعد من الأدلة التي ~~قررناها قبل # # | الاعتراض الثامن سؤال عدم التأثير # وهو إبداء وصف في الدليل مستغنى عنه في إثبات الحكم أو نفيه # وقد قسمه الجدليون أربعة أقسام الأول عدم التأثير في الوصف وذلك بأن يكون ~~الوصف المأخوذ في الدليل طرديا لا مناسبة فيه ولا شبه وذلك كما يقال في ~~صلاة الصبح صلاة لا يجوز قصرها فلا تقدم في الأداء على وقتها كالمغرب فإن ~~عدم القصر وصف طردي بالنسبة إلى الحكم المذكور # الثاني عدم التأثير في الأصل وهو أن يكون الوصف قد استغني عنه في إثبات ~~الحكم في الأصل المقيس عليه بغيره وذلك كما إذا قال المستدل في بيع الغائب ~~مبيع غير مرئي فلا يصح بيعه كالطير في الهواء والسمك في الماء فإن ما وجد ~~في الأصل من العجز عن التسليم مستقل بالحكم # وهذا النوع مما اختلف فيه فرده الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني ومن تابعه ~~مصيرا منهم إلى أنه إشارة إلى علة أخرى في الأصل ولا يمتنع تعليل الحكم ~~الواحد في محل واحد بعلتين PageV04P089 ومنهم من قبله مصيرا منهم إلى ~~امتناع تعليل الحكم بعلتين وقد سبق تقرير كل واحد من المأخذين وما هو ~~المختار منهما # الثالث عدم التأثير في الحكم وهو أن يذكر في الدليل وصفا لا تأثير له في ~~الحكم المعلل وذلك كما لو قال المستدل في مسألة المرتدين إذا أتلفوا ~~أموالنا طائفة مشركة فلا يجب عليهم الضمان بتلف أموالنا في دار الحرب كأهل ~~الحرب فإن الإتلاف في دار الحرب لا تأثير له في نفي الضمان ضرورة الاستواء ~~في الحكم عندهم بين الإتلاف في دار الحرب ودار الإسلام # وحاصل هذا القسم يرجع إلى عدم التأثير في الوصف بالنسبة إلى الحكم ~~المذكور إن كان طرديا أو إلى ms803 سؤال الإلغاء إن كان مؤثرا # الرابع عدم التأثير في محل النزاع وهو أن يكون الوصف المذكور في الدليل ~~لا يطرد في جميع صور النزاع وإن كان مناسبا # وذلك كما لو قال المستدل في مسألة ولاية المرأة زوجت نفسها من غير كفوء ~~فلا يصح نكاحها # وذلك من حيث إن النزاع واقع فيما إذا زوجت نفسها من الكفء وغير الكفء # وهذا أيضا مما اختلف في قبوله فرده قوم مصيرا منهم إلى منع جواز الفرض في ~~الدليل وقبله من لم يمنع من ذلك وهو المختار على ما عرفناه في كتاب الجدل # وإذا بطل القسم الرابع وهو عدم التأثير في محل النزاع ورجع حاصل القسم ~~الثالث وهو عدم التأثير في الحكم إلى عدم التأثير في الوصف أو الإلغاء فلم ~~يبق غير عدم التأثير في الوصف وعدم التأثير في الأصل # وعدم التأثير في الوصف راجع إلى بيان انتفاء مناسبة الوصف وسؤال المطالبة ~~يغني عنه وجوابه جوابه فلا يجتمعان وعدم التأثير في الأصل فحاصله يرجع إلى ~~المعارضة في الأصل لا أنه غيره # وجوابه جوابه كما يأتي # ومع ذلك كله فقد PageV04P090 يكون أخذ الوصف الذي لا يناسب الحكم في ~~الدليل مفيدا بأن يكون مشيرا إلى نفي المانع الموجود في صورة النقض أو وجود ~~الشرط الفائت فيها لقصد دفع النقض أو مشيرا إلى قصد الفرض في الدليل في بعض ~~صور النزاع كما ذكر من مثال أخذ الإتلاف في دار الحرب في مسألة المرتدين ~~ولا يكون عديم التأثير إذ هو غير مستغنى عنه في إثبات الحكم إما لقصد دفع ~~النقض أو لقصد الفرض # # | الاعتراض التاسع القدح في مناسبة الوصف المعلل به # وذلك بما يلزم من ترتيب الحكم على وفقه لتحصيل المصلحة المطلوبة منه وجود ~~مفسدة مساوية لها أو راجحة عليها # وقد بينا وجه الاختلاف فيه وأن المختار إبطاله لا أن يبين ترجيح المصلحة ~~على المفسدة إما بطريق إجمالي أو تفصيلي كما بيناه فيما سبق # # | الاعتراض العاشر القدح في صلاحية إفضاء الحكم إلى ما علل به من المقصود # وذلك كما ms804 لو عللت حرمة المصاهرة على التأبيد في حق المحارم بالحاجة إلى ~~ارتفاع الحجاب بين الرجال والنساء إلى سد باب الفجور بالحرمة المؤبدة وعلم ~~الرجل امتناع وصوله إلى الأنثى على الوجه المشروع حتى ينسد عليه باب الطمع ~~في مقدمات الهم بها والنظر إليها فإن للمعترض أن يقول هذا الحكم غير صالح ~~لإفضائه إلى هذا المقصود من حيث إن سد باب النكاح أدعى إلى محذور الوقوع في ~~الزنى # وجوابه أن الحرمة المؤبدة مما تمنع من النظر إلى المرأة بشهوة عادة ~~والامتناع العادي على مر الزمان يلتحق بالامتناع الطبعي وبه يتحقق انسداد ~~باب الفجور PageV04P091 # # | الاعتراض الحادي عشر أن يكون الوصف المعلل به باطنا خفيا # وذلك لو علل بالرضا أو القصد فإنه قد يقال القصد والرضا من الأوصاف ~~الباطنة الخفية التي لا يطلع عليها بأنفسها فلا تكون علة للحكم الشرعي ~~الخفي ولا معرفة له # وجوابه أن يبين ضبط الرضا بما يدل عليه من الصيغ الظاهرة وضبط القصد بما ~~يدل عليه من الأفعال الظاهرة # وكل ذلك معلوم في الخلافيات # # | الاعتراض الثاني عشر # أن يكون الوصف المعلل به مضطربا غير منضبط كالتعليل بالحكم والمقاصد مثل ~~التعليل بالحرج والمشقة والزجر والردع ونحوه # فإنه قد يقال مثل هذه الأوصاف مما تضطرب وتختلف باختلاف الأشخاص والأزمان ~~والأحوال # وما هذا شأنه فدأب الشارع فيه رد الناس إلى المظان الظاهرة الجلية دفعا ~~للعسر والحرج عن الناس في البحث عنها ومنعا للاضطراب في الأحكام عند اختلاف ~~الصور بسبب الاختلاف في هذه الأوصاف بالزيادة والنقصان # وجوابه إما ببيان كون ما علل به مضبوطا بنفسه أو بضابطه كضبط الحرج ~~والمشقة بالسفر ونحوه # # | الاعتراض الثالث عشر النقض # وهو عبارة عن تخلف الحكم مع وجود ما ادعى كونه علة له وقد أومأنا في ~~مسألة تخصيص العلة إلى وجه دلالة ذلك على إبطالها ووجه الانفصال عنه فيما ~~إذا كانت العلة منصوصة أو مجمعا عليها أو مستنبطة وفي صورة PageV04P092 ~~النقض مانع أو فوات شرط بالاستقصاء التام المفصل والذي يختص بما نحن فيه ~~هاهنا وجوه أخر في الجواب الأول ms805 منع وجود العلة في صورة النقض إن أمكن # وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة زكاة الحلي مال غير نام فلا تجب فيه ~~الزكاة كثياب البذلة # فقال المعترض هذا ينتقض بالحلي المحظور فإنه غير نام ومع ذلك فإن الزكاة ~~تجب فيه # فقال المستدل لا أسلم أن الحلي المحظور غير نام وإنما كان منع وجود العلة ~~في صورة النقض دافعا للنقض لأن النقض وجود العلة ولا حكم فإذا لم توجد ~~العلة في صورة النقض فلا نقض لكن اختلفوا في المعترض هل له الدلالة على ~~وجود العلة في صورة النقض عند منع المستدل لوجودها فمنهم من قال له ذلك إذ ~~به يتحقق انتقاضها وهدم كلام المستدل فكان له ذلك كغيره من الاعتراضات # ومنهم من منع من ذلك لما فيه من قلب القاعدة بانقلاب المستدل معترضا ~~والمعترض مستدلا # والواجب إنما هو التفصيل وهو أنه إن تعين ذلك طريقا للمعترض في هدم كلام ~~المستدل وجب قبوله منه تحققا لفائدة المناظرة وإن أمكنه القدح بطريق آخر هو ~~أفضى إلى المقصود فلا نعم لو كان المستدل قد دل على وجود العلة في محل ~~التعليل بدليل هو موجود في صورة النقض فإذا منع وجود العلة فإن قال المعترض ~~فقد انتقض الدليل الذي دللت به على وجود العلة لا يكون مسموعا لكونه ~~انتقالا من النقض على نفس العلة إلى النقض على دليلها # وذلك كما لو قال الحنفي في مسألة تبييت النية وتعيينها أي بمسمى الصوم ~~فوجب أن يصح كما في محل الوفاق ودل على وجود الصوم بقوله إن الصوم عبارة في ~~الإمساك مع النية وهو موجود فيما نحن فيه PageV04P093 # فقال المعترض هذا منتقض بما إذا نوى بعد الزوال # وإن قال المعترض للمستدل ابتداء أمرك لا يخلو من حالين إما أن تعتقد وجود ~~الصوم في صورة النقض أو لا تعتقده # فإن كان الأول فقد انتقضت علتك وإن كان الثاني فقد انتقض ما ذكرته من ~~الدليل على وجود العلة كان متجها # وإن أورد ذلك لا في معرض نقض دليل وجود ms806 العلة بل في معرض الدلالة به على ~~وجود العلة ي صورة النقض فالحكم فيه على ما سبق في الدلالة على نفي الحكم ~~في صورة النقض فهو غير مسموع على ما يأتي الثاني منع تخلف الحكم وإنما كان ~~ذلك دافعا للنقض لما ذكرناه في منع وجود العلة وذلك كما لو قال الشافعي في ~~مسألة الثيب الصغيرة ثيب فلا يجوز إخبارها كالثيب البالغ فقال المعترض هذا ~~منقوض بالثييب المجنونة فإنه يجوز إجبارها # فقال المستدل لا نسلم صحة إجبار الثيب المجنونة # والكلام في تمكين المعترض من الاستدلال على تخلف الحكم في صورة النقض ~~كالكلام في دلالته على وجود العلة وقد عرف ما فيه # الثالث أن يكون النقض على أصل المستدل خاصة وذلك كما لو قال الشافعي في ~~مسألة الرطب بالتمر باع مال الربا بجنسه متفاضلا فلا يصح كما لو باع صاعا ~~بصاعين فقال الحنفي هذا منتقض على أصلك بالعرايا فإنه يصح وإن باع مال ~~الربا بجنسه متفاضلا PageV04P094 وجوابه من ثلاثة أوجه الأول أن يبين في ~~صورة النقض مناسبا يقتضي النفي من مانع أو فوات شرط مع قران الحكم به على ~~أصله # الثاني أن يقول النقض إنما هو من قبيل المعارض لدليل العلة فتخلف الحكم ~~عن العلة إنما هو على مذهب أحد الفريقين وثبوت الحكم على وفق العلة المعلل ~~بها بالاتفاق ولا مساواة بين المتفق عليه والمختلف فيه فلا يقع في معارضة ~~دليل العلة # الثالث أن يبين أن تخلف الحكم عن العلة في معرض الاستثناء والمستثنى لا ~~يقاس عليه ولا يناقض به كما في صورة العرايا المذكورة # الرابع أن يكون إبداء النقض على أصل المعترض لا غير وتوجيهه أن يقول ~~المعترض هذا الوصف مما لم يطرد على أصلي فلا يلزمني الانقياد إليه # وجوابه أن يقول المستدل ما ذكرته حجة عليك في الصورتين إذ هي محل النزاع ~~ومذهبك في صورة النقض لا يكون حجة في درء الاحتجاج وإلا كان حجة في محل ~~النزاع وهو محال # وهل يجب على المستدل الاحتراز في دليله عن النقض اختلفوا ms807 فمنهم من قال ~~بوجوبه لقربه من الضبط وبعده عن النشر والخبط ولأن ما أشار إليه المستدل من ~~الوصف المعلل به إذا كان منتقضا فإما أن يكون انتفاء الحكم في صورة النقض ~~لا لمعارض أو لمعارض فإن كان الأول فلا يكون الوصف علة لما سبق تقريره في ~~مسألة تخصيص العلة # وإن كان الثاني فقد ثبت أن للعلة معارضا متفقا عليه فلا بد من نفيه في ~~الدليل لأن المناظر تلو الناظر وليس للناظر الجزم بالحكم عند ظهور سببه ~~PageV04P095 دون ظهور انتفاء معارضه فكذلك المناظر غير أنا أسقطنا عنه كلفة ~~نفي المعارض المختلف فيه لعسر نفيه فبقينا فيما عداه على حكم الأصل # ومنهم من لم يوجبه تمسكا منه بأن ما يقع به الاحتراز عن النقض إما أن ~~يكون من جملة أجزاء العلة أو خارجا عنها فإن كان الأول فالعلة لا تكون علة ~~دونه وما مثل هذا لا خلاف في وجوب ذكره في العلة لعدم تمام العلة دونه ومن ~~نازع فيه فقد نازع في أنه هل يجب على المستدل ذكر العلة أو لا وإن كان ~~الثاني فلا يخلو إما أن يكون مشيرا إلى نفي المعارض أو لا يكون كذلك فإن ~~كان الأول # فقد تعرض لما لم يسأل عنه لكونه مسؤولا بعد الفتوى عن الدليل المقتضي ~~للحكم وانتفاء المعارض ليس من الدليل ولو قيل إنه من الدليل كان خلاف الغرض ~~في هذا القسم # وإن كان الثاني فالنقض غير مندفع به لأن النقض عبارة عن وجود العلة ولا ~~حكم فإذا كان المذكور خارجا عن العلة ولا فيه إشارة إلى نفي المعارض فالعلة ~~ما دونه وقد وجدت في صورة النقض ولا معارض فكان النقض متجها # وإن قيل إن الوصف المأخوذ للاحتراز من جملة العلة لتعلق فائدة دفع النقض ~~به وإن لم يكن مناسبا فقد سبق إبطاله في تخصيص العلة # # | الاعتراض الرابع عشر الكسر # وهو النقض على المعنى # وقد ذكرنا طريق إيراده ووجه الانفصال عنه في شروط العلة # ويخصه من الأجوبة هاهنا منع وجود المعنى المشار إليه في ms808 صورة PageV04P096 ~~النقض ومنع تخلف الحكم عنه وباقي الأجوبة التي أوردناها في سؤال النقض قبله # # | الاعتراض الخامس عشر المعارضة في الأصل بمعنى وراء ما علل به المستدل # وسواء كان مستقلا بالتعليل كمعارضة من علل تحريم ربا الفضل في البر ~~بالطعم أو بالكيل أو بالقوت أو غير مستقل بالتعليل على وجه يكون داخلا في ~~التعليل وجزءا من العلة وذلك كمعارضة من علل وجوب القصاص في القتل بالمثقل ~~بالقتل العمد العدوان بالجارح في الأصل ونحوه # وقد اختلف الجدليون في قبوله فمنهم من رده بناء منه على أنه لا يمتنع ~~تعليل الحكم الواحد بعلتين كما سبق تقريره ولهذا فإنا لو قدرنا انفراد ما ~~ذكر المستدل مجردا عن المعارض صح التعليل به إجماعا وإنما صح التعليل به ~~لصلاحية فيه لا لعدم المعارض فإن العدم لا يكون علة ولا داخلا فيها لما سبق ~~تقريره # فإذا صح التعليل به مع عدم المعارض صح مع وجوده ولأنه لا معنى للعلة إلا ~~ما يثبت الحكم عقيبها وهذا المعنى موجود في الوصفين فكان كل واحد علة # ومنهم من قبله وأوجب جوابه على المستدل وهو المختار # وذلك لأنه إذا وجد في الأصل وصفان # فإما أن يكون كل واحد علة مستقلة أو لا يكون كذلك لا جائز أن يكون كل ~~واحد علة مستقلة لما سبق تقريره في امتناع ذلك سواء كانت العلة بمعنى ~~الأمارة أو الباعث # وإن كان القسم الثاني فإما أن يكون الحكم ثابتا لما ذكره المستدل لا غير ~~أو لما ذكره المعترض لا غير أو لهما جميعا بحيث تكون العلة مجموع الوصفين ~~وكل واحد منهما جزؤها # لا جائز أن يقال بالأول ولا بالثاني PageV04P097 # فإنه ليس تعيين أحدهما للتعليل وإلغاء الآخر مع تساويهما في الاقتضاء ~~أولى من الآخر فلم يبق غير الثالث # ويلزم منه امتناع تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع # وبتقدير تساوي الاحتمالات الثلاثة فلا يخفى أن التعدية تمتنع بتقدير أن ~~تكون العلة ما ذكره المعترض # وبتقدير أن تكون العلة هي الهيئة الاجتماعية من الوصفين # وإنما يصح بتقدير التعليل بما ms809 ذكره المستدل لا غير # ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه # ومع ذلك فالتعدية تكون ممتنعة لكن بشرط أن يكون ما أبداه المعترض صالحا ~~للتعليل أو لدخوله فيه عند كون ما أبداه المستدل صالحا وإلا فلا معارضة وهل ~~يجب على المعترض نفي ما أبداه معارضا في الأصل في الفرع اختفوا فيه فمنهم ~~من قال لا يجب عليه ذلك فإنه إن كان موجودا في الفرع فيفتقر المستدل إلى ~~بيان وجوده فيه ليصح الإلحاق # وإن لم يبين ذلك فقد انقطع الجمع # ومنهم من قال لا بد له من نفيه عن الفرع لأن مقصوده الفرق # وذلك لا يتم دون نفيه عن الفرع # والمختار أنه إن قصد المعترض الفرق فلا بد له من نفيه وإن لم يقصد الفرق ~~بأن يقول هذا الوصف قد ثبت أنه لا بد من إدراجه في التعليل لما دل عليه من ~~الدليل فإن كان غير موجود في الفرع فقد ثبت الفرق وإن كان موجودا في الفرع ~~فالحكم يكون ثابتا في الفرع بمجموع الوصفين ونتبين أن المستدل لم يكن ذاكرا ~~للعلة في الابتداء بل لبعضها وأي الأمرين قدر فالإشكال لازم # هذا كله فيما إذا كان المقيس عليه أصلا واحدا PageV04P098 # وإن كان المقيس عليه أصولا متعددة فمنهم من منع من ذلك لإفضائه إلى النشر ~~مع إمكان حصول المقصود بالواحد منها ومنهم من جوز ذلك لكونه أقوى في إفادة ~~الظن # ومن جوز ذلك اختلفوا في جواز الاقتصار في المعارضة في الأصل على أصل واحد ~~فمنهم من جوزه لأن المستدل قصد إلحاق الفرع بجميع الأصول فإذا وقع الفرق ~~بين الفرع وبعض الأصول فقد تم مقصود المعترض من إبطال غرض المستدل ومنهم من ~~قال لا بد من المعارضة في كل أصل لأنه إذا عارض في البعض دون البعض فقد بقي ~~قياس المستدل صحيحا على الأصل الذي لم يعارض فيه وبه يتم المقصود من إثبات ~~الحكم أو نفيه والذين أوجبوا المعارضة في جميع الأصول # منهم من أوجب اتحاد المعارض في ms810 الكل دفعا لانتشار الكلام ولأن يكون ~~مقابلا في اتحاده لاتحاد وصف المستدل ومنهم من جوز المعارضة في كل أصل بغير ~~ما في الأصل الآخر لجواز أن لا يساعده في الكل علة واحدة # ثم اختلف هؤلاء فمنهم من قال يجوز للمستدل الاقتصار في الجواب على أصل ~~واحد إذ به يتم مقصوده ومنهم من لم يجوز ذلك حيث إن المستدل التزم صحة ~~القياس على الكل وعلى هذا يقع الخلاف فيما لو عارض في بعض الأصول هل يجب ~~على المستدل الجواب أو لا والوجه في الجواب من ستة أوجه PageV04P099 الأول ~~منع وجود الوصف المعارض به في الأصل # الثاني المطالبة بتأثير الوصف إن كان طريق إثبات العلة من جانب المستدل ~~المناسبة أو الشبه دون السبر والتقسيم # الثالث أن يبين كونه ملغى في جنس الأحكام كالطول والقصر ونحوه # الرابع أن يبين أنه ملغى في جنس الحكم المعلل وإن كان مناسبا وذلك ~~كالذكورة في باب العتق # الخامس أن يبين أنه قد استقل بالحكم في صورة دون الوصف المعارض به وعند ~~ذلك فيمتنع أن يكون علة مستقلة في محل التعليل لما فيه من إلغاء المستقل ~~واعتبار غير المستقل ويمتنع أن يكون داخلا في التعليل لما فيه من إلغاء ما ~~علل به المستدل في الفرع مع استقلاله لفوات ما لم يثبت استقلاله وهو ممتنع # فإن عارض المعترض في صورة الإلغاء بوصف آخر غير ما عارض به في الأصل فلا ~~بد من إبطاله وإلا فالقياس متعذر ولا يمكن أن يقال في جوابه إن كل وصف اختص ~~بصورة فهو ملغى بالصورة الأخرى # وهذا هو المسمى في الاصطلاح بتعدد الوضع # فإن للمعترض أن يقول العكس غير لازم في العلل الشرعية لجواز ثبوت الحكم ~~في كل صورة بعلة غير علة الصورة الأخرى وإذا جاز ثبوت الحكم في صورتين ~~بعلتين مختلفتين فلا يلزم من إثبات الحكم في كل صورة بعلة مع عدم علة ~~الصورة الأخرى فيها إلغاء ما وجد في تلك الصورة # السادس أن يبين رجحان ما ذكره على ما عارض به المعترض ms811 بوجه من وجوه ~~الترجيحات التي يأتي ذكرها PageV04P100 # وعند ذلك # فيمتنع جعل ما عارض به المعترض علة مستقلة في محل التعليل لما فيه من ~~إهمال الراجح واعتبار المرجوح ويمتنع أن يكون داخلا في التعليل لما فيه من ~~إلغاء ما علل به المستدل في الفرع بتخلف الحكم عنه مع رجحانه ضرورة إنتفاء ~~الوصف المرجوح # وهاهنا ترجيح آخر وهو أن يكون أحد الوصفين في الأصل المستنبط منه متعديا ~~والآخر قاصرا وذلك لا يخلو إما أن يكون في طرف الإثبات أو النفي فإن كان في ~~طرف الإثبات فلا يخلو إما أن يكون الوصف المتعدي جزءا من العلة أو خارجا ~~عنها بأن يكون المعارض في الأصل بالوصف القاصر لا غير فإن كان خارجا عنها ~~فلا يخلو إما أن يكون الوصف المتعدي مساويا للقاصر في جهة اقتضائه أو أن ~~الترجيح لأحدهما فإن كان مساويا للقاصر من جهة الاقتضاء فالتعليل بالمتعدي ~~أولى وبيانه من جهة الإجمال والتفصيل # أما الإجمال فهو أن التعليل بالمتعدي متفق عليه بخلاف التعليل بالقاصر ~~والتعليل بالمتفق عليه أولى # وأما التفصيل فهو أن فائدة المتعدي أكثر من القاصر لأن فائدة القاصر إنما ~~هي في ظهور الحكمة الباعثة في الأصل لسرعة الانقياد وسهولة القبول والمتعدي ~~مشارك للقاصر في هذا المعنى وزيادة التعريف للحكم في الفرع وهو أعظم فوائد ~~العلة عند الأكثرين وهو وإن لزم من التعليل به إهمال المناسب القاصر فمقابل ~~بمثله حيث إنه يلزم من التعليل بالقاصر إهمال المناسب المتعدي مع كونه ~~راجحا # والتعليل بالقاصر وإن كان على وفق النفي الأصلي في الفرع والتعليل ~~بالمتعدي على خلافه إلا أنه مخالفة لما وقعت مخالفته في الأصل بما لم تظهر ~~مخالفته ولو عملنا بالقاصر لموافقة PageV04P101 النفي الأصلي لكان فيه ~~العمل بموافقة ما وقع الاتفاق على مخالفته ومخالفة ما لم يقع الاتفاق على ~~مخالفته وهو الوصف المتعدي فكان مرجوحا # فإن قيل إلا أن التعليل بالوصف المتعدي يلزم منه مخالفة ما لم يتفق على ~~مخالفته من الوصف القاصر وما اتفق على مخالفته من النفي الأصلي فكان فيه ~~مخالفة ms812 ظاهرين أحدهما متفق على مخالفته والآخر عير متفق على مخالفته ~~والتعليل بالوصف القاصر يلزم منه العمل بهذين الظاهرين ومخالفة ظاهر واحد ~~وهو الوصف المعتدي # قلنا هذا مقابل بمثله فإنه بعد أن ثبت الحكم في الأصل لمعنى وإن كان ~~قاصرا فالأصل أن يثبت في الفرع بما وجد مساويا لوصف الأصل في الاقتضاء نظرا ~~إلى تماثل مقصود الشارع والمحافظة على هذا الأصل أولى من المحافظة على ~~النفي الأصلي لكون النفي الأصلي مخالفا في الأصل بمثل ما قيل باقتضائه ~~للحكم في الفرع # وعند ذلك فيترجح ما ذكرناه من جهة أن العمل بالوصف المتعدي عمل به وبأصل ~~مترجح على النفي الأصلي والعمل بالقاصر عمل به وبأصل مرجوح بالنظر إلى ~~الأصل المعمول به من جانبنا فكان ما ذكرناه أولى # فإن قيل ربما كان المانع للحكم قائما مطلقا وعند ذلك فالتعليل بالقاصر ~~أولى لما فيه من موافقة الدليل الشرعي النافي وموافقة النفي الأصل بخلاف ~~المتعدي # قلنا المانع في الفرع بستدعي وجود المقتضي وإلا فالحكم يكون فيه منتفيا ~~لانتفاء ما يقتضيه لا لوجود منافيه فدعوى وجود المانع في الفرع مع وجوب ~~قصور العلة المقتضية للإثبات على الأصل تناقض لا حاصل له كيف وإن ما مثل ~~هذا المانع مرجوح عند الخصم بالنسبة إلى الوصف القاصر والمتعدي على ما وقع ~~به الفرض في ابتداء الكلام مساو للقاصر في PageV04P102 المقصود فكان مرجوحا ~~بالنسبة إلى المتعدي أيضا فكان المتعدي أولى كما بيناه في النفي الأصلي # فإن قيل كما أن المتعدية قد تعرف إثبات الحكم في الفرع فالقاصرة تعرف ~~نفيه عن الفرع وكما أن معرفة ثبوت الحكم في الفرع مقصود للشارع فمعرفة ~~انتفائه أيضا عنه مقصود له # قلنا هذا إنما يستقيم أن لو لم يوجد في الفرع ما هو مساو للعلة القاصرة ~~في الأصل فيما يرجع إلى جهة الاقتضاء # والمقصود المطلوب للشارع من إثبات الحكم لأن تعريف العلة القاصرة لنفي ~~الحكم في الفرع إنما هو بناء على انتفاء مقصود الحكم ولن يتصور ذلك مع وجود ~~ما هو مساو في الطلب والاقتضاء لما ms813 هو المقصود في الأصل فلا ينتهض الوصف ~~القاصر في الأصل علامة على انتفاء الحكم في الفرع مع وجود الوصف المتعدى ~~فيه ومساواته للقاصر في الاقتضاء على ما وقع به الفرض كيف وإن العلة ~~القاصرة غير مستقلة بتعريف انتفاء الحكم في الفرع إلا مع ضميمة انتفاء علة ~~غيرها وانتفاء النص والإجماع بخلاف العلة المتعدية في طرف الإثبات فما ~~استقل بالتعريف يكون أولى مما لا يستقل # نعم قد يتوقف العمل بالعلة المثبتة على انتفاء المعارض لا أن انتفاء ~~المعارض من جملة المعرف ولا الداعي بخلاف ما تتوقف عليه العلة القاصرة في ~~تعريفها نفي الحكم في الفرع # والعمل بما هو معرف بنفسه من غير توقف في تعريفه على غيره أولى # وعلى هذا يكون الحكم إن كان الوصف المتعدي راجحا في جهة اقتضائه أولى ~~والوصف المتعدي وإن توقف استقلاله على إخراج القاصر عن التعليل فليس إخراج ~~القاصر موقوفا على استقلال المتعدي ليلزم الدور لجواز اتفاقهما في إخراجهما ~~عن التعليل كيف وإنه مقابل بدور آخر حيث إنه يتوقف إدخال القاصر في التعليل ~~على عدم استقلال المتعدي وكذلك بالعكس PageV04P103 # وأما إن كان المتعدي مرجوحا في جهة اقتضائه بالنسبة إلى الوصف القاصر ~~فالوصف القاصر أولى نظرا إلى المحافظة على زيادة المناسبة المعتبرة بثبوت ~~الحكم على وفقها والنظر إليها وإن أوجب إهمال فائدة المتعدية أولى لما فيه ~~من زيادة المصلحة وصلاح المكلف وما يتعلق به من زيادة التعقل وسرعة ~~الانقياد في ابتداء ثبوت الحكم لأنه الأصل في كون الحكم معللا # وفائدة التعدية إنما تعرف بعد تعرف تعليل الحكم بما علل به بنظر ثان ~~متأخر عن النظر فيما علل به الحكم في الأصل ولا شك أن ما هو أشد مناسبة ~~للحكم يكون أسبق إلى الفهم بالتعليل للحكم الثابت في الأصل فكان التعليل به ~~أولى # وإن كانت جهة التساوي والأرجحية غير معلومة ولا ظاهرة فالتعليل بالمتعدي ~~أولى نظرا إلى أن العمل به أولى على تقدير أن يكون مساويا وعلى تقدير أن ~~يكون راجحا # وإنما يمتنع العمل به على تقدير أن ms814 يكون مرجوحا في نفس الأمر # ولا يخفى أن العمل بما العمل به يتم على تقدير من التقديرين أولى مما لا ~~يتم العمل به إلا على تقدير واحد بعينه # وعلى ما فصلناه في طرف الإثبات يكون الحكم في طرف النفي هذا كله إن كان ~~الوصف المتعدي خارجا عن العلة القاصرة وأما إن كان داخلا فيها بأن كان ~~المعارض معللا بمجموع الوصفين الوصف القاصر والمتعدي معا فالقاصر أولى ~~وسواء كان ذلك في طرف الإثبات أو النفي وسواء كان المتعدي راجحا على القاصر ~~أو مرجوحا أو مساويا # أما في طرف الإثبات فلأن التعليل بالعلة المتعدية يلزم منه إهمال الوصف ~~القاصر وتعطيله ولا كذلك بالعكس # ولايخفى أن الجمع أولى من التعطيل PageV04P104 # فإن قيل إلا أنه على تقدير أن يكون الوصف المتعدي راجحا لو جعلنا الوصف ~~القاصر داخلا في التعليل فيلزم منه أن يتخلف الحكم في الفرع عن الوصف ~~المتعدي الراجح رعاية لما فات من الوصف المرجوح وهو ممتنع # قلنا هذا إنما يستقيم علي تقدير أن يكون رجحانه ظاهرا ولا يستقيم على ~~تقدير أن يكون مرجوحا أو مساويا # ولا يخفى أن احتمال وقوع العمل بما يتم على تقدير من تقديرين أولى من ~~العمل بما لا يتم العمل به إلا على تقدير واحد بعينه # كيف وإن العمل بالقاصر وإن كان يفضي إلى إهمال الوصف المتعدي في الفرع ~~إلا إنه لا يلزم منه إهماله مطلقا إذ هو داخل في العلة ولو عملنا بالوصف ~~المتعدي فقط يلزم منه إهمال القاصر وتعطيله مطلقا فالعمل بالقاصر يكون أولى ~~وعلى هذا يكون الحكم إن كان ذلك في طرف النفي أيضا بل أولى لما فيه من ~~تقليل مخالفة المقتضي للإثبات # هذا إن ظهر الترجيح وأما إن تحققت المعارضة من غير ترجيح بعد البحث التام ~~فعلى مقتضى ما أسلفناه من القول بالتخيير عند التعارض مع التنافي فلا مانع ~~من الجري على تلك القاعدة هاهنا # # | الاعتراض السادس عشر سؤال التركيب # وهو الوارد على القياس المركب # وقد بينا معنى القياس المركب وأقسامه ووجه تسميته بذلك ms815 والسؤال الوارد ~~عليه وجوابه في شرط حكم الأصل PageV04P105 # # | الاعتراض السابع عشر سؤال التعدية # وهو أن يعين المعترض في الأصل معنى ويعارض به ثم يقول للمستدل ما عللت به ~~وإن تعدى إلى فرع مختلف فيه فالذي عللت به أيضا قد تعدى إلى فرع مختلف فيه ~~وليس أحدهما أولى من الآخر # وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة إجبار البكر البالغ بكر فجاز إجبارها ~~كالبكر الصغيرة فعارضه الحنفي بالصغر وقال البكارة وإن تعدت إلى البكر ~~البالغة فالصغر متعد إلى الثيب الصغيرة # وهذا أيضا مما اختلف فيه والحق أنه لا يخرج عن سؤال المعارضة في الأصل مع ~~زيادة التسوية في التعدية # وجوابه بإبطال ما عارض به المعترض وحذفه عن درجة الاعتبار بما أسلفناه في ~~سؤال المعارضة في الأصل # ومهما حقق شيء من تلك الطرق فقد اندفع ولا أثر لما أشير إليه من التسوية ~~خلافا للداركي # # | الاعتراض الثامن عشر منع وجود الوصف المعلل به في الفرع # وجوابه كجواب منع وجوده في الأصل وقد عرف # # | الاعتراض التاسع عشر # المعارضة في الفرع بما يقتضي نقيض حكم المستدل إما بنص أو إجماع ظاهر أو ~~بوجود مانع الحكم أو بفوات شرط الحكم # ولا بد من بيان تحققه وطريق كونه مانعا أو شرطا على نحو طريق إثبات ~~المستدل كون PageV04P106 الوصف الذي علل به من التأثير أو الاستنباط # وقد اختلف في قبوله فمنع منه قوم تمسكا منهم بأن المعارضة استدلال وبناء ~~وحق المعترض أن يكون هادما لا بانيا # وقبله الأكثرون وهو المختار إذ يلزم منه هدم ما بناه المستدل لمقاومة ~~دليله لدليله ولا حجر عليه في سلوك طرق الهدم ولا سيما إذا تعين ذلك طريقا ~~في الهدم بأن لم يكن له هادم سواه فلو لم يقبل منه لبطل مقصود المناظرة ~~واختلت فائدة البحث والاجتهاد # والوجه في جوابه عند توجهه أن يقدح فيه المستدل بكل ما للمعترض أن يقدح ~~به فيه أن لو كان المستدل متمسكا به وإن عجز عن جميع ذلك فقد اختلفوا في ~~جواز دفعه بالترجيح فمنهم من لم ms816 يجوز ذلك اعتمادا منهم على أن ما ذكره ~~المعترض وإن كان مرجوحا بالنسبة إلى ما ذكره المستدل فلا يخرج بذلك عن كونه ~~اعتراضا # ومنهم من جوزه وهو المختار لأنه مهما ترجح ما ذكره المستدل بوجه من وجوه ~~الترجيحات الآتية كان العمل به متعينا # وهل يجب على المستدل أن يذكر في دليله ما يومىء إلى الترجيح منهم من ~~أوجبه لتوقف العمل بالدليل عليه فكان من الدليل فلو لم يذكره لم يكن ذاكرا ~~للدليل أولا بل لبعضه ومنهم من لم يوجبه لما في التكليف به من الحرج ~~والمشقة # والمختار أن يقال إما أن يكون ما به الترجيح يرجع إلى العلة بأن يكون ~~وصفا من أوصافها أو لا يكون كذلك فإن كان الأول فلا بد من ذكره في الدليل ~~أولا ليكون ذاكرا للدليل # وإن كان الثاني فلا لأنه مسؤول عن الدليل وقد أتى بمسماه حقيقة والترجيح ~~بأمر خارج عن الدليل إنما هو من توابع ورود المعارضة PageV04P107 فذكره بعد ~~المعارضة وإن توقف عليه إعمال الدليل بدفع المعارض لا يوجب أن يكون داخلا ~~في مسمى الدليل حتى يقال إنه لم يكن ذاكرا للدليل أولا # # | الاعتراض العشرون الفرق # واعلم أن سؤال الفرق عند أبناء زماننا لا يخرج عن المعارضة في الأصل أو ~~الفرع إلا أنه عند بعض المتقدمين عبارة عن مجموع الأمرين حتى إنه لو اقتصر ~~على أحدهما لا يكون فرقا # ولهذا اختلفوا فمنهم من قال إنه غير مقبول لما فيه من الجمع بين أسئلة ~~مختلفة وهي المعارضة في الأصل والمعارضة في الفرع # ومنهم من قال بقبوله واختلفوا مع ذلك في كونه سؤالين أو سؤالا واحدا # فقال ابن سريج إنه سؤالان جوز الجمع بينهما لكونه أدل على الفرق # وقال غيره بل هو سؤال واحد لاتحاد مقصوده وهو الفرق وإن اختلفت صيغته # ومن المتقدمين من قال ليس سؤال الفرق هو هذا وإنما هو عبارة عن بيان معنى ~~في الأصل له مدخل في التعليل ولا وجود له في الفرع فيرجع حاصله إلى بيان ~~انتفاء علة الأصل في الفرع ms817 وبه ينقطع الجمع # وجوابه على كل تقدير لا يخرج عما ذكرناه في جواب المعارضة في الأصل ~~والفرع # # | الاعتراض الحادي والعشرون إذا اختلف الضابط بين الأصل والفرع واتحدت ~~الحكمة # كما لو قيل في شهود القصاص تسببوا في القتل عمدا عدوانا فلزمهم القصاص ~~زجرا لهم عن التسبب كالمكره PageV04P108 # فللمعترض أن يقول ضابط الحكمة في الأصل إنما هو الإكراه وفي الفرع ~~الشهادة والمقصود منهما وإن كان متحدا وهو الزجر فلا يمكن تعدية الحكم به ~~وحده وما جعل ضابطا له في الأصل غير موجود في الفرع والضابط في الفرع يحتمل ~~أن لا يكون مساويا لضابط الأصل في الإفضاء إلى المقصود فامتنع الإلحاق # وجوابه إما بأن يبين أن التعليل إنما هو بعموم ما اشترك فيه الضابط من ~~التسبب المضبوط عرفا أو بأن يبين أن إفضاء الضابط في الفرع إلى المقصود ~~أكثر من إفضاء ضابط الأصل فكان أولى بالثبوت # وذلك كما لو كان أصله في مثل هذه المسألة ( المغرى للحيوان ) من حيث إن ~~انبعاث الولي للتشفي والانتقام في الفرع لغلبة إقدام المكره بالإكراه على ~~القتل طلبا لخلاص نفسه أغلب من إقدام الحيوان بالإغراء على الآدمي بسبب ~~غلبة نفرته عنه # وبالجملة فيبين الغلبة بما يساعد في آحاد المسائل # # | الاعتراض الثاني والعشرون # إذا اتحد الضابط بين الأصل والفرع واختلف جنس المصلحة كما لو قال الشافعي ~~في مسألة اللواط أولج فرجا في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا فوجب به الحد ~~كالزنى # فللمعترض أن يقول الضابط وإن كان متحدا غير أن الحكمة التي في الفرع وهي ~~صيانة النفس عن رذيلة اللياطة مخالفة لحكمة الأصل وهي دفع محذور اختلاط ~~المياه واشتباه الأنساب المفضي إلى تضييع المولود وانقطاع نسل جنس الإنسان # وعند ذلك فلا يلزم من اعتبار الضابط في الأصل لما لزمه من الحكمة اعتباره ~~في الفرع لغير تلك الحكمة لجواز أن لا تكون قائمة مقامها في نظر الشارع ~~PageV04P109 # وجوابه أن يقال التعليل إنما وقع بالضابط المشترك المستلزم لدفع المحذور ~~اللازم من عموم الجماع والتعرض لحذف خصوص ما اختص به الأصل من ms818 الزنى ~~ومقصوده اللازم عنه وحذفه بطريق من طرق الحذف التي سبق بيانها في السبر ~~والتقسيم # # | الاعتراض الثالث والعشرون # أن يقال حكم الفرع مخالف الأصل فلا قياس لأن القياس عبارة عن تعدية حكم ~~الأصل إلى الفرع بواسطة الجامع بينهما ومع اختلاف الحكم فحكم الأصل لا يكون ~~متعديا إلى الفرع فلا قياس # وجوابه ببيان اتحاد الحكم إما عينا وذلك كما في قياس وجوب الصوم على وجوب ~~الصلاة وقياس صحة البيع على صحة النكاح وأن الاختلاف إنما هو عائد إلى ~~المحل وهو غير قادح في صحة القياس لكونه شرطا فيه وإما جنسا كما في قياس ~~وجوب قطع الأيدي باليد الواحدة على وجوب قتل الأنفس بالنفس الواحدة وأن ~~الاختلاف إنما هو في عين الحكم فكان إما ملائما إن كان الاشتراك في جنس ~~العلة أو مؤثرا إن كان الاشتراك في عينها على ما سبق تحقيقه # وذلك غير مبطل للقياس عند القائلين به # وأما إن كان الحكم مختلفا جنسا ونوعا كما في إلحاق الإثبات بالنفي أو ~~الوجوب بالتحريم وبالعكس فقد بينا وجه الاختلاف في صحته وأن المختار إبطاله # # | الاعتراض الرابع والعشرون سؤال القلب # وهو قسمان الأول قلب الدعوى والآخر قلب الدليل # أما قلب الدعوى فضربان وذلك لأن الدعوى PageV04P110 إما أن يكون الدليل ~~مضمرا فيها أو لا يكون كذلك فإن كان الأول فهو كما لو قال الأشعري أعلم ~~بالضرورة أن كل موجود مرئي # فهذه دعوى فيها إضمار الدليل وتقديره لأنه موجود إذ الوجود هو المصحح ~~للرؤية عنده # فقال المعتزلي أعلم بالضرورة أن كل ما ليس في جهة لا يكون مرئيا # فهذه الدعوى مقابلة للأولى من جهة أن الموجود ينقسم إلى ما هو في جهة ~~وإلى ما ليس في جهة فالقول بأن ما ليس في جهة لا يكون مرئيا يقابل قول ~~القائل كل موجود مرئي # ودليلها مضمر فيها وتقديره أن انتفاء الجهة مانع من الرؤية # وأما إن لم يكن الدليل مضمرا فيها فكما لو قال القائل في مسألة إفضاء ~~النظر إلى العلم أو في مسألة التحسين والتقبيح مثلا ms819 أعلم بالضرورة أن النظر ~~لا يفضي إلى العلم وأن الكفر قبيح لعينه والشكر حسن لعينه # فقال المعترض أعلم بالضرورة أن النظر يفضي إلى العلم وأن الكفر ليس قبيحا ~~لعينه ولا الشكر حسنا لعينه # وهذا هو عين مقابلة بالفاسد والمقصود منه استنطاق المدعي باستحالة دعوى ~~الضرورة من خصمه في محل الخلاف فيقال وهذا لازم لك أيضا PageV04P111 # وقد أورد الجدليون في هذا الباب قلب الاستبعاد في الدعوى وذلك كما لو قال ~~الشافعي في مسألة إلحاق الولد بأحد الأبوين المدعيين تحكيم الولد في ذلك ~~تحكم بلا دليل فقال الحنفي وتحكيم القائف في ذلك أيضا تحكم بلا دليل # قالوا والمقصود منه أيضا استنطاق المدعي بأن ما ذكره ليس بتحكم بل له ~~مأخذ صحيح فيقول المعترض وكذلك ما ذكرته # وهو في غاية البعد فإنه إما أن يعترف المدعى بأن ما ذهب إليه تحكم أو أن ~~يبين مأخذه فيه فإن كان تحكما فلا تغني معارضته بتحكمه في مذهبه في إبطال ~~دعواه التحكم في مذهب خصمه وإن بين له مأخذا فلا يلزم منه أن يكون ما ~~استبعده من مذهب خصمه كذلك # وإن تعرض المعترض لبيان المأخذ فيما استبعده المدعي فهو الجواب ولا حاجة ~~إلى القلب # وأما قلب الدليل وهو عبارة عن بيان كون ما ذكره المستدل يدل عليه ثم لا ~~يخلو إما أن يسلم المعترض أن ما ذكره المستدل من الدليل يدل له من وجه أو ~~يبين أنه لا دلالة له على مذهب المستدل ولا من وجه فإن بين أن ما ذكره لا ~~يدل له وهو دليل عليه فهذا قلما يوجد له مثال في غير المنصوص وذلك كما لو ~~استدل في توريث الخال بقوله عليه السلام الخال وارث من لا وارث له فقال ~~المعترض المراد به نفي توريث الخال بطريق المبالغة كما يقال الجوع زاد من ~~لا زاد له والصبر حيلة من لا حيلة له معناه نفي كون الجوع زادا والصبر حيلة # ويدل على إرادة هذا الاحتمال أنه لا يخلو إما أن يكون المراد من قوله ~~PageV04P112 لا ms820 وارث له نفي كل وارث فتوريث الخال لا يتوقف عند من يراه ~~وارثا على نفي جميع الوراث لإرثه مع الزوج والزوجة وإما نفي من عداه من ~~الوراث بجهة العصوبة فتخصيص الخال بالذكر لا يكون مفيدا لأن من عداه من ذوي ~~الأرحام كذلك # وهذا النوع من القلب وإن دل على مذهب المعترض فهو شبيه بفساد الوضع من ~~حيث إنه لا يدل على مذهب المستدل # وإن سلم أن ما ذكره المستدل يدل له من وجه فهذا النوع من القلب ثلاثة ~~أقسام وذلك لأن المعترض إما أن يتعرض في القلب لتصحيح مذهبه أو لإبطال مذهب ~~المستدل وإن تعرض لإبطال مذهب المستدل فإما أن يتعرض له صريحا بأن يجعله ~~حكما للدليل بلا واسطة أو لا بصريحه بل بطريق الالتزام بأن يرتب على الدليل ~~حكما يلزم منه إبطال مذهب المستدل # فإن كان من القسم الأول فهو كما لو قال الحنفي مثلا في مسألة الاعتكاف ~~لبث محض فلا يكون قربة بنفسه كالوقوف بعرفة فقال المعترض لبث محض فلا يشترط ~~الصوم في صحته كالوقوف بعرفة فكل واحد منهما قد تعرض في دليله لتصحيح مذهبه ~~غير أن المستدل أشار بعلته إلى اشتراط الصوم بطريق الالتزام والمعترض أشار ~~إلى نفي اشتراطه صريحا # وعند التحقيق فتعليل المستدل في هذا المثال لنفي القربة ليس تعليلا ~~بمناسب يقتضي نفي القربة بل بانتفاء المناسب من حيث إن اللبث المحض لا ~~يناسب ولا يشم منه رائحة المناسبة للقرابة # وتعليل المعترض بأمر طردي فإنه لا مناسبة في اللبث المحض لنفي اشتراط ~~الصوم # وقد يتفق أن يكون المستدل قد تعرض لتصحيح مذهبه صريحا والمعترض كذلك كما ~~لو قال الشافعي في إزالة النجاسة طهارة تراد لأجل الصلاة فلا تجوز بغير ~~الماء كطهارة الحدث PageV04P113 فقال المعترض طهارة تراد لأجل الصلاة فتصبح ~~بغير الماء كطهارة الحدث فكل واحد منهما متعرض في الدليل لتصحيح مذهبه ~~صريحا والعلة في الطرفين شبهية # وإن كان من القسم الثاني وهو أن يتعرض المعترض في القلب لإبطال مذهب ~~المستدل صريحا فمثاله ما لو قال الحنفي ms821 في مسألة مسح الرأس عضو من أعضاء ~~الوضوء # فلا يكتفي فيه بأقل ما ينطلق عليه الاسم كسائر الأعضاء # فقال الشافعي عضو من أعضاء الوضوء فلا يتقدر بالربع كسائر الأعضاء فكل ~~واحد منهما قد صرح في دليله بإبطال مذهب خصمه وليس في ذلك ما يدل على تصحيح ~~مذهب أحدهما فإنه ليس يلزم من إبطال مذهب كل واحد منهما تصحيح مذهب الآخر ~~لجواز أن يكون الصحيح هو مذهب مالك وهو وجوب الاستيعاب # نعم لو كان القائل في المسألة قائلان والاتفاق منهما واقع على نفي قول ~~ثالث فإنه يلزم من تعرض كل واحد منهما لإبطال مذهب الآخر تصحيح مذهبه ضرورة ~~الاجتماع على إبطال قول ثالث # وذلك كالحكم بالأولوية في مسألة التخلي للعبادة # وإن كان من القسم الثالث فهو كما لو قال الحنفي في مسألة بيع الغائب عقد ~~معاوضة فيصح مع الجهل بالمعوض كالنكاح فقال الشافعي عقد معاوضة فلا يشترط ~~فيه خيار الرؤية كالنكاح # فإن المعترض في هذا المثال لم يتعرض لإبطال مذهب المستدل في القول بالصحة ~~صريحا بل بطريق الالتزام # وذلك أن من قال بالصحة فقد قال بخيار الرؤية # فخيار الرؤية لازم الصحة # فإذا بطل خيار الرؤية فقد انتفى اللازم ويلزم من انتفاء اللازم انتفاء ~~الملزوم # ويلتحق بأذيال هذا القسم الثالث قلب التسوية PageV04P114 ومثاله قول ~~الحنفي في مسألة إزالة النجاسة بالخل مائع طاهر مزيل للعين والأثر فتحصل به ~~الطهارة كالماء فيقول الشافعي مائع طاهر مزيل للعين والأثر فتستوي فيه ~~طهارة الحدث والخبث كالماء فإنه يلزم من القول بالتسوية في الخل بين طهارة ~~الحدث والخبث عدم حصول الطهارة بالخل في الخبث لعدم حصولها به في الحدث ~~والحكم بالتسوية # واعلم أن أعلى مراتب أنواع القلب ما بين فيه أنه يدل على المستدل ولا يدل ~~له ثم يليه النوع الثاني وهو ما بين فيه أنه يدل له وعليه وأعلى مراتب هذا ~~النوع ما صرح فيه بإثبات مذهب المعترض وهو القسم الأول منه ثم ما صرح فيه ~~بإبطال مذهب المستدل فإنه دون ما قبله من حيث إنه ms822 لا يلزم منه تصحيح مذهبه ~~على ما تقدم وهو القسم الثاني منه ثم القسم الثالث فإنه وإن شارك ما قبله ~~من القسم الثاني في إبطال مذهب المستدل إلا أنه يدل عليه بطريق الالتزام ~~وما قبله بصريحه وهذا النوع من القلب لا تعرض فيه لدلالة المستدل بالقدح بل ~~غايته بيان دلالة أخرى منه تدل على نقيض مطلوبه فكان شبيها بالمعارضة وإن ~~فارقها من جهة أنه معارضة نشأت من نفس دليل المستدل # وإذا أتينا على ما أردناه من تحقيق معنى القلب وأقسامه فقد اختلف في ~~قبوله فقبله قوم من حيث إنه يشير إلى ضعف الدليل لدلالته على نقيض مذهب ~~المستدل ورده آخرون من حيث إن المعترض إما أن يتعرض في دليله لنقيض حكم ~~المستدل أو إلى غيره فإن كان الأول فقد تعذر عليه القياس على أصل المستدل ~~لاستحالة اجتماع حكمين متقابلين مجمع عليهما في صورة واحدة PageV04P115 # وإن كان الثاني فلا يكون ذلك اعتراضا على الدليل # والحق في ذلك أنه وإن تعرض في الدليل لحكم يقابل حكم المستدل صريحا فقد ~~لا يمتنع الجمع بينهما في أصل واحد كما ذكرناه من مثال إزالة النجاسة في ~~القسم الأول # وإن تعرض لغيره فيصح القلب إذا كان ذلك لازما عما ذكره المعترض كما ~~ذكرناه من المثال في القسم الثاني من النوع الثاني من التمثيل في مسألة بيع ~~الغائب ومن التمثيل بقلب التسوية في إزالة النجاسة # وإنما يمتنع قبوله لأن ما ذكره المستدل إما أن يكون مقصود الشارع من ~~الحكم المرتب عليه ملازما له أو لا يكون كذلك فإن كان الأول فتعليل المعترض ~~به لمقابل حكم المستدل إما أن يكون بحيث يلزمه مقصود من مقابل الحكم أو لا ~~يكون كذلك فإن كان الأول فإما أن يكون ذلك من جهة ما علل به المستدل أو من ~~غيرها فإن كان الأول فمحال أن يكون الوصف الواحد من جهة واحدة يناسب الحكم ~~ومقابله وإن كان الثاني فما ذكره ليس بقلب إذ القلب لا بد فيه من اتحاد ~~العلة في القياسين بل ms823 هو معارضة بدليل آخر وإن كان بحيث لا يلازمه المقصود ~~فهو بالنسبة إلى حكم المعترض طردي ووصف المستدل مناسب أو شبهي فلا يكون ~~قادحا فيه # وإن كان ما ذكره المستدل طرديا بالنسبة إلى ما رتبه عليه فهو باطل في ~~نفسه لتعذر التعليل بالطردي المحض ولا حاجة إلى شيء من الاعتراضات ~~PageV04P116 # # | الاعتراض الخامس والعشرون سؤال القول بالموجب # وحاصله يرجع إلى تسليم ما اتخذه المستدل حكما لدليله على وجه لا يلزم منه ~~تسليم الحكم المتنازع فيه # ومهما توجه على هذا الوجه كان المستدل منقطعا لتبين أن ما نصه من الدليل ~~لم يكن متعلقا بمحل النزاع وهو منحصر في قسمين # وذلك لأن المستدل إما أن ينصب دليله على تحقيق مذهبه وما نقل عن إمامه من ~~الحكم أو على إبطال ما يظنه مدركا لمذهب خصمه # فإن كان الأول فهو كما لو قال الشافعي في الملتجىء إلى الحرم وجد سبب ~~جواز استيفاء القصاص فكان استيفاؤه جائزا # فقال الخصم أقول بموجب هذا الدليل فإن استيفاء القصاص عندي جائز # وإنما النزاع في جواز هتك حرمة الحرم # وإن كان الثاني فهو كما لو قال الشافعي في مسألة استيلاد الأب جارية ابنه ~~وجوب القيمة لا يمنع من إيجاب المهر كاستيلاد أحد الشريكين أو قال في مسألة ~~القتل بالمثقل التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص كالتفاوت في المتوسل ~~إليه # فقال الخصم أقول بموجب هذا الدليل وأن وجوب القيمة لا يمنع من وجوب المهر ~~والتفاوت في الوسيلة لا يمنع من التفاوت في المتوسل إليه # والنزاع إنما هو في وجوب المهر ووجوب القصاص ولا يلزم من إبطال ما ذكر من ~~الموانع إثبات وجوب المهر والقصاص لجواز انتفاء المقتضي لذلك أو وجود مانع ~~آخر أو فوات شرط # وورود هذا النوع من القول بالموجب أغلب في المناظرات من ورود النوع الأول ~~من جهة أن خفاء المدارك أغلب من خفاء الأحكام لكثرة المدارك وتشعبها وعدم ~~الوقوف على ما هو معتمد الخصم من جملتها بخلاف الأحكام فإنه قلما يتفق ~~الذهول عنها PageV04P117 # ولهذا قد يشترك في ms824 معرفة الحكم المنقول عن الإمام الخواص والعوام دون ~~معرفة المدارك فكان احتمال الخطإ في اعتقاد كون المدرك المعين هو مدرك ~~الإمام أقرب من احتمال الخطإ فيما ينسب إلى الإمام من الحكم المدلول عليه # وقد اختلف الجدليون في وجوب تكليف المعترض إبداء مستند القول بالموجب في ~~هذا النوع # فقال بعضهم لا بد من تكليفه بذلك لاحتمال أن يكون هذا هو المأخذ عنده ~~فإذا علم أنه لا يكلف بإبداء المأخذ عند إيراد القول بالموجب فقد يقول بذلك ~~عنادا قصدا لإيقاف كلام خصمه ولا كذلك إذا وظف عليه بيان المأخذ فكان أفضى ~~إلى صيانة الكلام عن الخبط والعناد فكان أولى # وقال آخرون لا وجه لتكليفه بذلك بعد وفائه بشرط القول بالموجب وهو ~~استبقاء محل النزاع وهو الأظهر لأنه عاقل متدين وهو أعرف بمأخذ إمامه فكان ~~الظاهر من حاله الصدق فيما ادعاه فوجب تصديقه كيف وإنا لو أوجبنا عليه ~~إبداء المأخذ فإن مكنا المستدل من إبطاله والاعتراض عليه يلزم منه قلب ~~المستدل معترضا والمعترض مستدلا ولا يخفى ما فيه من الخبط # وإن لم يمكن من ذلك فلا فائدة في إبداء المأخذ لإمكان ادعائه ما يصلح ~~للتعليل ترويحا لكلامه ثقة منه بامتناع ورود الاعتراض عليه # وللمستدل في دفع القول بالموجب بالاعتبار الأول طرق # الأول أن يقول المسألة مشهورة بالخلاف فيما فرض فيه الكلام إن أمكن ~~والشهرة بذلك دليل وقوع الخلاف فيه # الثاني أن يبين أن محل النزاع لازم فيما فرض الكلام فيه وذلك كما لو كان ~~حكم دليله أنه لا يجوز قتل المسلم بالذمي فقال المعترض هو عندي غير جائز بل ~~واجب PageV04P118 # فيقول المستدل المعنى بعدم الجواز لزوم التبعة بفعله ويلزم من ذلك نفي ~~الوجوب لاستحالة لزوم التبعة بفعل الواجب # الثالث أن يقول المستدل القول بالموجب فيه تغيير كلامي عن ظاهره فلا يكون ~~قولا بموجبه وذلك كما لو كان المستدل قد قال في زكاة الخيل حيوان تجوز ~~المسابقة عليه فوجبت فيه الزكاة قياسا على الإبل # فقال المعترض عندي تجب فيه زكاة التجارة # والنزاع إنما هو ms825 في زكاة العين # فيقول المستدل إذا كان النزاع في زكاة العين # فظاهر كلامي منصرف إليها لقرينة الحال ولظهور عود الألف واللام في الزكاة ~~إلى المعهود وأيضا فإن لفظ الزكاة يعم زكاة العين والتجارة فالقول به في ~~زكاة التجارة قول بالموجب في صورة واحدة وهو غير متجه لأن موجب الدليل ~~التعميم فالقول ببعض الموجب لا يكون قولا بالموجب بل ببعضه # وكذلك إذا قال في مسألة إزالة النجاسة مائع لا يزيل الحدث فلا يزيل الخبث ~~كالمرقة فقال المعترض أقول به فإن الخل النجس لا يزيل الحدث ولا الخبث ~~فيقول المستدل ظاهر كلامي إنما هو الخل الطاهر ضرورة وقوع النزاع فيه ~~وإيراد القول بالموجب على وجه يلزم منه تغيير كلام المستدل عن ظاهره لا ~~يكون قولا بمدلوله وموجبه بل بغيره فلا يكون مقبولا # وله في دفع القول بالموجب بالاعتبار الثاني أيضا طرق # الأول أن يكون المستدل قد أفتى بما وقع مدلولا لدليله وفرض المعترض ~~الكلام معه فيه وطالبه بالدليل عليه فإذا قال بالموجب بعد ذلك فقد سلم ما ~~PageV04P119 وقع النزاع فيه وأفسد على نفسه القول بالموجب بالمطالبة ~~بالدليل عليه أولا # وبمثل هذا يمكن أن يجاب عن القول بالاعتبار الأول أيضا # الثاني أن يبين لقب المسألة مشهور بذلك بين النظار كما سبق تقريره أولا # الثالث أن يبين أن محل النزاع لازم من مدلول دليله إن أمكن وذلك بأن يكون ~~المعترض قد ساعد على وجود المقتضي لوجوب القصاص وكانت الموانع التي يوافق ~~المستدل عليها منتفية والشروط متحققة # فإذا أبطل كون المانع المذكور مانعا فيلزم منه الحكم المتنازع فيه ظاهرا # وأما قياس الدلالة والقياس في معنى الأصل فيرد عليهما كل ما كان واردا ~~على قياس العلة سوى الأسئلة المتعلقة بمناسبة الوصف الجامع # فإنها لا ترد عليهما أما قياس الدلالة فلأن الوصف الجامع فيه ليس بعلة ~~وأما القياس في معنى الأصل فلعدم ذكر الجامع فيه # والأسئلة الواردة على نفس الوصف الجامع لا ترد على القياس في معنى الأصل ~~لعدم ذكر الجامع فيه # ويختص قياس الدلالة بسؤال آخر ms826 وهو عند ما إذا كان الجامع بين الأصل ~~والفرع أحد موجبي الأصل كما إذا قال القائل في مسألة الأيدي باليد الواحدة ~~أحد موجبي الأصل فالطرف المعصوم يساوي النفس فيه دليله الموجب الثاني وقرره ~~بأن الدية أحد الموجبين في الأصل وهي واجبة في الفرع على الكل ويلزم من ~~وجود أحد الموجبين في الفرع وجود الموجب الآخر وذلك لأن علة الموجبين في ~~الأصل إما أن تكون واحدة أو متعددة PageV04P120 فإن كانت واحدة فيلزم من ~~وجود أحد موجبيها في الفرع وجودها فيه ومن وجودها فيه وجود الموجب الآخر ~~وهو القصاص على الكل # وإن كانت متعددة فتلازم الحكمين في الأصل دليل تلازم العلتين وعند ذلك ~~فيلزم من وجود أحد الحكمين في الفرع وجود علته التي وجد بها في الأصل ويلزم ~~من وجود علته وجود علة الحكم الآخر # والسؤال الوارد عليه أن يقال لا يلزم من وجود أحد حكمي الأصل في الفرع ~~وجود الحكم الآخر سواء اتحدت علتهما في الأصل أو تعددت # أما إذا اتحدت فلأنه لا يمتنع عند تعدد المحال وإن اتحد نوع الحكم أن ~~يكون الحكم الثابت في الفرع ثابتا بغير علة الأصل وهو الأولى لما فيه من ~~تكثير مدارك الحكم فإنه أفضى إلى اقتناص مقصود الشارع من الحكم مما إذا ~~اتحد المدرك وإذا كان كذلك فلا يلزم منه وجود الحكم الآخر لجواز أن لا تكون ~~علة الفرع مستقلة بإثبات الحكم الآخر كاستقلال علة الأصل # وأما إذا تعددت العلة فإن وقع التلازم بينهما فلجواز أن تكون علة الحكم ~~الثابت في الفرع غير علته في الأصل لما ذكرناه وعند ذلك فلا يلزم منها وجود ~~العلة الأخرى في الفرع فإنه لا يلزم من التلازم بين علة ذلك الحكم وعلة ~~الحكم الآخر في الأصل التلازم بين علته في الفرع وعلة الحكم الآخر # وعلى هذا لا يكون الحكم الآخر لازما في الفرع # وجوابه أن يقال ثبوت أحد الحكمين في الفرع يدل ظاهرا على وجود علته التي ~~ثبت بها في الأصل وإن جاز ثبوته في الفرع بغيرها لأن ms827 الأصل عدم وجود علة ~~أخرى غير علته في الأصل # والقول بأن تعدد المدارك أولى معارض بأن الاتحاد أولى لما فيه من التعليل ~~بعلة مطردة منعكسة وما ذكروه وإن كانت العلة فيه مطردة إلا أنها غير منعكسة # والتعليل بالعلة المطردة المنعكسة متفق عليه بخلاف غير المنعكسة فكانت ~~أولى PageV04P121 # فإن قيل وكما أن الأصل عدم علة أخرى في الفرع غير علة الأصل فالأصل عدم ~~علة الأصل في الفرع وليس العمل بأحد الأصلين أولى من الآخر # قلنا بل العمل بما ذكرناه أولى لأن العلة فيه تكون متعدية وهي متفق على ~~صحة التعليل بها # وما ذكروه يلزم منه أن تكون العلة في الأصل قاصرة لأن الأصل عدم وجودها ~~في صورة أخرى وهي مختلف في صحة التعليل بها فكان ما ذكرناه أولى # # | خاتمة لهذا الباب # في ترتيب الأسئلة الواردة على القياس والاعتراضات الواردة على القياس أما ~~أن تكون من جنس واحد كالنقوض أو المعارضات في الأصل أو في الفرع وإما أن ~~تكون من أجناس مختلفة كالمنع والمطالبة والنقض والمعارضة ونحوها # فإن كان الأول فقد اتفق الجدليون على جواز إيرادها معا إذ لا يلزم منها ~~تناقض ولا نزول عن سؤال إلى سؤال # وإن كان الثاني فلا يخلو إما أن تكون الأسئلة غير مرتبة أو مرتبة فإن ~~كانت غير مرتبة فقد أجمع الجدليون على جواز الجمع بينهما سوى أهل سمرقند ~~فإنهم أوجبوا الاقتصار على سؤال واحد لقربه إلى الضبط وبعده عن الخبط # ويلزمهم على ذلك ما كان من الأسئلة المتعددة من جنس واحد فإنها وإن أفضت ~~إلى النشر فالجمع بينها مقبول من غير خلاف بين الجدلين PageV04P122 # وإن كانت مرتبة فقد منع منه أكثر الجدليين من حيث إن المطالبة بتأثير ~~الوصف بعد منع وجوده نزول عن المنع ومشعر بتسليم وجوده لأنه لو بقي مصرا ~~على منع وجود الوصف فالمطالبة بتأثير ما لا وجود له محال # وعند ذلك فلا يستحق المعترض غير جواب الأخير من الأسئلة # ومنهم من لم يمنع منه وذلك بأن يورد المطالبة بتأثير الوصف بعد منع ms828 وجود ~~الوصف مقدرا لتسليم وجود الوصف # وذلك بأن يقول وإن سلم عن المنع تقديرا فلا يسلم عن المطالبة وغيرها ولا ~~شك أنه أولى لعدم إشعاره بالمناقضة والعود إلى منع ما سلم وجوده أولا كمنع ~~وجود الوصف بعد المطالبة بتأثيره المشعر بتسليم وجوده # وهذا هو اختيار الأستاذ أبي إسحاق وهو المختار # وإذا كان لا بد من رعاية الترتيب في الأسئلة فأول ما تجب البداية به سؤال ~~الاستفسار لأن من لا يعرف مدلول اللفظ لا يعرف ما يتجه عليه # ثم بعده سؤال فساد الاعتبار لأنه نظر في فساده من جهة الجملة قبل النظر ~~في تفصيله ثم سؤال فساد الوضع لأنه أخص من سؤال فساد الاعتبار كما سبق ~~تقريره والنظر في الأعم يجب أن يكون قبل النظر في الأخص # ثم بعده منع الحكم في الأصل ويجب أن يكون مقدما على ما يتعلق بالنظر في ~~العلة لأن العلة مستنبطة من حكم الأصل فهي فرع عليه والكلام في الفرع يجب ~~تأخيره عن الكلام في أصله ثم بعده منع وجود العلة في الأصل # ثم بعده النظر فيما يتعلق بعلية الوصف كالمطالبة وعدم التأثير والقدح في ~~المناسبة والتقسيم وكون الوصف غير ظاهر ولا منضبط وكون الحكم غير صالح ~~لإفضائه إلى المقصود منه PageV04P123 # ثم بعلمه النقض والكسر لكونه معارضا لدليل العلية ثم بعده المعارضة في ~~الأصل لأنه معارضة لنفس العلة فكان متأخرا عن المعارض لدليل العلية ~~والتعدية والتركيب لأن حاصلهما يرجع إلى المعارضة في الأصل كما سبق تقريره ~~ثم بعده ما يتعلق بالفرع كمنع وجود العلة في الفرع ومخالفة حكمه لحكم الأصل ~~ومخالفته للأصل في الضابط والحكمة والمعارضة في الفرع وسؤال القلب ثم بعد ~~ذلك القول بالموجب لتضمنه تسليم كل ما يتعلق بالدليل المثمر له من تحقيق ~~شروطه وانتفاء القوادح فيه # وهذا آخر الأصل الخامس PageV04P124 # # | الأصل السادس في معنى الاستدلال وأنواعه # أما معناه في اللغة فهو استفعال من طلب الدليل والطريق المرشد إلى ~~المطلوب # وأما في اصطلاح الفقهاء فإنه يطلق تارة بمعنى ذكر الدليل وسواء كان ~~الدليل نصا ms829 أو إجماعا أو قياسا أو غيره ويطلق تارة على نوع خاص من أنواع ~~الأدلة وهذا هو المطلوب بيانه هاهنا # وهي عبارة عن دليل لا يكون نصا ولا إجماعا ولا قياسا فإن قيل تعريف ~~الاستدلال بسلب غيره من الأدلة عنه ليس أولى من تعريف غيره من الأدلة بسب ~~حقيقة الاستدلال عنه # قلنا إنما كان تعريف الاستدلال بما ذكرناه أولى بسبب سبق التعريف لحقيقة ~~ما عداه من الأدلة دون تعريف الاستدلال كما سبق # وتعريف الأخفى بالأظهر جائز دون العكس # وإذا عرف معنى الاستدلال فهو على أنواع منها قولهم وجد السبب فثبت الحكم ~~ووجد المانع وفات الشرط فينتفي الحكم فإنه دليل من حيث إن الدليل ما يلزم ~~من ثبوته لزوم المطلوب قطعا أو ظاهرا ولا يخفى لزوم PageV04P125 المطلوب من ~~ثبوت ما ذكرناه فكان دليلا وليس هو نصا ولا إجماعا ولا قياسا فكان استدلالا # فإن قيل تعريف الدليل بما يلزم من إثباته الحكم المطلوب تعريف للدليل ~~بالمدلول والمدلول لا يعرف إلا بدليله فكان دورا ممتنعا # وإن سلمنا صحة الحد ولكن لا نسلم أن المذكور ليس بقياس فإنه إذا آل الأمر ~~إلى إثبات المدعى كان مفتقرا إلى المناسبة والاعتبار ولا معنى للقياس سوى ~~هذا # قلنا أما الدور فإنما يلزم أن لو اتحدت جهة التوقف وليس كذلك وذلك لأن ~~المطلوب إنما يتوقف على الدليل من جهة وجوده في آحاد الصور لا من جهة ~~حقيقته لأنا نعرف حقيقة الحكم من حيث هو حكم وإن جهلنا دليل وجوده # والدليل إنما يتوقف على لزوم المطلوب له من جهة حقيقته لا من جهة وجوده ~~في آحاد الصور # وإذا اختلفت الجهة فلا دور # وما ذكروه في تحقيق كونه قياسا فإنما يلزم أن لو كان تقرير السببية ~~والمانعية والشرطية لا يكون إلا بما ذكروه وليس ذلك بلازم لإمكان تقريره ~~بنص يدل عليه أو إجماع # والثابت بالنص أو الإجماع لا يكون نصا ولا إجماعا كما تقرر قبل ~~والاعتراضات الواردة على طريق تقريره ووجوه الانفصال عنها غير خافية # ومنها نفي الحكم لانتفاء مداركه كقولهم ms830 الحكم يستدعي دليلا لا دليل فلا ~~حكم # أما أنه يستدعي دليلا فبالضرورة وأما أنه لا دليل فلا يدل عليه سوى البحث ~~والسبر وإن الأصل في الأشياء كلها العدم وطريق الاعتراض بإبداء ما يصلح ~~دليلا من نص أو إجماع أو قياس أو استدلال # وجوابه بالقدح في الدليل المذكور بما يساعد في كل موضع على حسبه ولا يخفى # وقد ترد عليه أسئلة كثيرة أوردناها في كتاب المؤاخذات وقررناها ~~PageV04P126 اعتراضا وانفصالا فعليك بالالتفات إليها # ومنها الدليل المؤلف من أقوال يلزم من تسليمها لذاتها تسليم قول آخر # وذلك القول اللازم إما أن لا يكون ولا نقيضه مذكورا فيما لزم عنه بالفعل ~~أو هو مذكور فيه # فإن كان الأول فيسمى اقترانيا وأقل ما يتركب من مقدمتين ولا يزيد عليهما # وكل مقدمة تشتمل على مفردين الواحد منهما مكرر في المقدمتين ويسمى حدا ~~أوسط والمفردان الآخران اللذان بهما افتراق المقدمتين منهما يكون المطلوب ~~اللازم ويسمى أحدهما وهو ما كان محكوم به في المطلوب حدا أكبر وما كان ~~منهما محكوما عليه في المطلوب يسمى حدا أصغر والمقدمة التي فيها الحد ~~الأكبر كبرى والتي فيها الحد الأصغر صغرى # ثم هيئة الحد الأوسط في نسبته إلى الحدين المختلفين تسمى شكلا وهيئته في ~~النسبة إما بكونه محمولا على الحد الأصغر وموضوعا للحد الأكبر ويسمى الشكل ~~الأول وإما بكونه محمولا عليهما ويسمى الشكل الثاني وإما بكونه موضوعا لهما ~~ويسمى الشكل الثالث وإما بكونه موضوعا للأصغر ومحمولا على الأكبر ويسمى ~~الشكل الرابع # وهو بعيد عن الطباع ومستغنى عنه بباقي الأشكال فلنقتصر على ذكر ما قبله ~~من الأشكال الثلاثة # أما الشكل الأول منها فهو أبينها وما بعده فمتوقف في معرفة ضروبه عليه ~~وهو منتج للمطالب الأربعة الكلي موجبا وسالبا والجزئي موجبا وسالبا # وشرطه في الإنتاج إيجاب صغراه وأن تكون في حكم الموجبة وكلية كبراه # وضروبه المنتجة أربعة الضرب الأول من كليتين موجبتين كقولنا كل وضوء # عبادة وكل PageV04P127 عبادة تفتقر إلى النية واللازم كل وضوء يفتقر إلى ~~النية # الضرب الثاني من كلية صغرى موجبة كلية ms831 كبرى سالبة كقولنا كقولنا كل وضوء ~~عبادة ولا شيء من العبادة يصح بدون النية واللازم لا شيء من الوضوء يصح ~~بدون النية # الضرب الثالث بعض الوضوء عبادة وكل عبادة تفتقر إلى النية واللازم بعض ~~الوضوء يفتقر إلى النية # الضرب الرابع بعض الوضوء عبادة ولا شيء من العبادة يصح بدون النية ~~واللازم بعض الوضوء لا يصح بدون النية # الشكل الثاني وشروطه في الإنتاج اختلاف مقدمتيه في الكيفية وكلية كبراه # وضروبه المنتجة أربعة الضرب الأول من كليتين الصغرى موجبة والكبرى سالبة ~~كقولنا كل بيع غائب فصفات المبيع فيه مجهولة ولا شيء مما يصح بيعه صفات ~~المبيع فيه مجهولة واللازم لا شيء من بيع الغائب صحيح # الضرب الثاني من كلية صغرى سالبة وكلية كبرى موجبة كقولنا لا شيء من بيع ~~الغائب معلوم الصفات وكل بيع صحيح فمعلوم الصفات واللازم كالذي قبله # الضرب الثالث من جزئية صغرى موجبة وكلية كبرى سالبة كقولنا بعض بيع ~~الغائب مجهول الصفات ولا شيء مما يصح بيعه مجهول الصفات ولازمه بعض بيع ~~الغائب لا يصح # الضرب الرابع من جزئية صغرى سالبة وكلية كبرى موجبة كقولنا ليس كل بيع ~~غائب معلوم الصفات وكل بيع صحيح معلوم الصفات ولازمه كلازم الذي قبله # والإنتاج في هذا الشكل غير بين بنفسه بل هو مفتقر إلى بيان وذلك بأن ~~PageV04P128 تعكس الكبرى من الأول وتبقيها كبرى بحالها فإنه يعود إلى الضرب ~~الثاني من الشكل الأول ناتجا عين المطلوب وتعكس الصغرى من الثاني فتجعلها ~~كبرى ثم تستنتج وتعكس النتيجة فيعود إلى عين المطلوب وأن تعكس الكبرى من ~~الثالث وتبقيها كبرى بحالها فأنه يعود إلى الضرب الرابع من الشكل الأول ~~ناتجا عين المطلوب والضرب الرابع منه لا يتبين بالعكس لأنك إن عكست الكبرى ~~منه عادت جزئية ولا قياس عن جزئيتين والصغرى فلا عكس لها وإن شئت بينت ~~الإنتاج بالخلف وهو أن تأخذ نقيض النتيجة من كل ضرب منه وتجعله صغرى ~~للمقدمة الكبرى من ذلك الضرب فإنه ينتج نقيض المقدمة الصغرى الصادقة وهو ~~محال وليس لزوم المحال عن ms832 نفس الصورة القياسية لتحقق شروطها ولا عن نفس ~~المقدمة الكبرى لكونها صادقة فكان لازما عن نقيض المطلوب فكان محالا وإلا ~~لما لزم عنه المحال # وإذا كان نقيض المطلوب محالا كان المطلوب الأول هو الصادق # الشكل الثالث وشرط إنتاجه إيجاب صغراه أو أن تكون في حكم الموجبة وكلية ~~إحدى مقدميته ولا ينتج غير الجزئي الموجب والسالب # وضروبه المنتجة ستة الضرب الأول من كليتين موجبتين كقولنا كل بر مطعوم ~~وكل بر ربوي ولازمه بعض المطعوم ربوي # الضرب الثاني من جزئية صغرى موجبة وكلية موجبة كبرى كقولنا بعض البر ~~مطعوم وكل بر ربوي ولازمه كلازم ما قبله # الضرب الثالث من كلية موجبة صغرى وجزئية موجبة كبرى كقولنا كل بر مطعوم ~~وبعض البر ربوي ولازمه كلازم ما قبله # الضرب الرابع من كلية موجبة صغرى وكلية سالبة كبرى كقولنا كل بر مطعوم ~~ولا شيء من البر يصح بيعه بجنسه متفاضلا ولازمه لا شيء من المطعوم يصح بيعه ~~يجنسه متفاضلا PageV04P129 # الضرب الخامس من جزئية موجبة صغرى وكلية سالبة كبرى كقولنا بعض البر ربوي ~~ولا شيء من البر يصح بيعه بجنسه متفاضلا ولازمه كلازم ما قبله # الضرب السادس من كلية موجبة صغرى وجزئية سالبة كبرى كقولنا كل بر مطعوم ~~وبعض البر لا يصح بيعه بجنسه متفاضلا ولازمه كلازم ما قبله # وإنتاج هذا الشكل غير بين بنفسه دون بيان وهو أن تعكس الصغرى من الأول ~~والثاني وتبقيها صغرى بحالها فإنه يعود إلى الضرب الثالث من الشكل الأول ~~ناتجا عين المطلوب وتعكس الصغرى من الرابع والخامس وتبقيها صغرى بحالها ~~فإنه يعود إلى الضرب الرابع من الشكل الأول ناتجا عين المطلوب وتعكس الكبرى ~~من الثالث وتجعلها صغرى للصغرى ثم تعكس النتيجة فتعود إلى عين المطلوب # وأما السادس منه فلا يتبين بالعكس لأنك إن عكست الصغرى عادت جزئية ولا ~~قياس عن جزيئتين والكبرى فلا عكس لها # وإن شئت بينت بالخلف وهو أن تأخذ نقيض النتيجة وتجعله كبرى للصغرى في ~~جميع ضروبه فإنه ينتج نقيض المقدمة الكبرى الصادقة ويلزم من ذلك كذب ms833 النقيض ~~لما بيناه في الشكل الثاني # ويلزمه صدق المطلوب الأول # وأما إن كان القسم الثاني وهو أن يكون اللازم أو نقيضه مذكورا فيما لزم ~~عنه بالفعل فيسمى استثنائيا # ولا بد فيه من قضيتين إحداهما استثنائية لعين أحد جزئي القضية الأخرى أو ~~نقيضه ثم القضية المستثنى منها لا بد فيها من جزئين بينهما نسبة بإيجاب أو ~~سلب # والنسبة الإيجابية بينهما إما أن تكون باللزوم والاتصال وفي حالة السلب ~~برفعه أو بالعناد والانفصال وفي حالة السلب برفعه # فإن كان الأول فتسمى تلك القضية شرطية متصلة وأحد جزئيها وهو PageV04P130 ~~ما دخل عليه حرف الشرط ( مقدما ) والثاني وهو ما دخل عليه حرف الجزاء ( ~~تاليا ) وما هي مقدمة فيه يسمى قياسا شرطيا متصلا # وإن كان الثاني فتسمى منفصلة وما هي مقدمة فيه يسمى قياسا منفصلا # أما الشرطي المتصل فشرط إنتاجه أن تكون النسبة بين المقدم والتالي كلية ~~أي دائمة وأن يكون الاستثناء إما بعين المقدم منها أو نقيض التالي وذلك لأن ~~التالي إما أن يكون أعم من المقدم أو مساويا له # ولا يجوز أن يكون أخص منه وإلا كانت القضية كاذبة # وعند ذلك فاستثناء عين المقدم يلزم منه عين التالي سواء كان التالي أعم ~~من المقدم أو مساويا له # واستثناء نقيض التالي يلزم منه نقيض المقدم # وأما استثناء نقيض المقدم وعين التالي فلا يلزم منه شيء لجواز أن يكون ~~التالي أعم من المقدم فلا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم ولا من وجود الأعم ~~وجود الأخص # وإن لزم ذلك فإنما يكون عند التساوي بينهما فلا يكون الإنتاج لازما لنفس ~~صورة الدليل بل لخصوص المادة وذلك كما في قولنا دائما إن كان هذا الشيء ~~إنسانا فهو حيوان لكنه إنسان فيلزمه أنه حيوان أو لكنه ليس بحيوان فيلزمه ~~أنه ليس إنسانا # وأما المنفصل فالمنفصلة منه إما أن تكون مانعة الجمع بين الجزأين والخلو ~~معا أو مانعة الجمع دون الخلو أو مانعة الخلو دون الجمع فإن كان الأول ~~فيلزم من استثناء عين كل واحد من الجزئين نقيض الآخر ms834 ومن استثناء نقيضه عين ~~الآخر وذلك كما في قولنا دائما إما أن يكون العدد زوجا وإما أن يكون فردا ~~لكنه زوج فليس بفرد أو لكنه فرد ليس بزوج أو لكنه ليس بزوج فهو فرد أو لكنه ~~ليس بفرد فهو زوج # وإن كان الثاني فاستثناء عين أحدهما يلزمه نقيض الجزء الآخر ولا يلزم من ~~استثناء نقيض أحدهما عين الآخر ولا نقيضه وذلك كقولنا دائما إما أن يكون ~~الجسم جمادا وإما حيوانا لكنه حيوان فليس بجماد أو لكنه جماد PageV04P131 ~~فليس بحيوان ولا يلزم من استثناء نقيض أحدهما عين الآخر ولا نقيضه # وإن كان الثالث فاستثناء نقيض كل واحد منهما يلزم منه عين الآخر ولا يلزم ~~من استثناء عين أحدهما عين الآخر ولا نقيضه وذلك كما إذا قلنا دائما إما أن ~~يكون المحل لا أسود وإما لا أبيض # فاستثناء نقيض أحدهما يلزمه عين الآخر ولا يلزم من استثناء عين أحدهما ~~عين الآخر ولا نقيضه # فهذه جملة ضروب هذا النوع من الاستدلال لخصناها في أوجز عبارة # ومن أراد الاطلاع على ذلك بطريق الكمال والتمام فعليه بمراجعة كتبنا ~~المخصوصة بهذا الفن # ولا يخفى ما يرد عليها من الاعتراضات من منع المقدمات والقوادح في الأدلة ~~الدالة عليها على اختلاف أنواعها وكذلك الجواب عنها # ومن أنواع الاستدلال استصحاب الحال وفيه مسألتان # | المسألة الأولى في الاستدلال باستصحاب الحال # وقد اختلف فيه فذهب أكثر الحنفية وجماعة من المتكلمين كأبي الحسين البصري ~~وغيره إلى بطلانه # ومن هؤلاء من جوز به الترجيح لا غير PageV04P132 # وذهب جماعة من أصحاب الشافعي كالمزني والصيرفي والغزالي وغيرهم من ~~المحققين إلى صحة الاحتجاج به وهو المختار وسواء كان ذلك الاستصحاب لأمر ~~وجودي أو عدمي أو عقلي أو شرعي وذلك لأن ما تحقق وجوده أو عدمه في حالة من ~~الأحوال فإنه يستلزم ظن بقائه والظن حجة متبعة في الشرعيات على ما سبق ~~تحقيقه # وإنما قلنا إنه يستلزم ظن بقائه لأربعة أوجه # الأول أن الإجماع منعقد على أن الإنسان لو شك في وجود الطهارة ابتداء لا ~~تجوز له ms835 الصلاة ولو شك في بقائها جازت له الصلاة ولو لم يكن الأصل في كل ~~متحققا دوامه للزم إما جواز الصلاة في الصورة الأولى أو عدم الجواز في ~~الصورة الثانية وهو خلاف الإجماع # وإنما قلنا ذلك لأنه لو لم يكن الراجح هو الاستصحاب لم يخل إما أن يكون ~~الراجح عدم الاستصحاب أو أن الاستصحاب وعدمه سيان فإن كان الأول فيلزم منه ~~امتناع جواز الصلاة في الصورة الثانية لظن فوات الطهارة وإن كان الثاني فلا ~~يخلو إما أن يكون استواء الطرفين مما تجوز معه الصلاة أو لا تجوز فإن كان ~~الأول فيلزم منه جواز الصلاة في الصورة الأولى وإن كان الثاني فيلزمه عدم ~~جواز الصلاة في الصورة الثانية # وكل ذلك ممتنع # الوجه الثاني أن العقلاء وأهل العرف إذا تحققوا وجود شيء أو عدمه وله ~~PageV04P133 أحكام خاصة به فإنهم يسوغون القضاء والحكم بها في المستقبل من ~~زمان ذلك الوجود أو العدم حتى إنهم يجيزون مراسلة من عرفوا وجوده قبل ذلك ~~بمدد متطاولة وإنفاذ الودائع إليه ويشهدون في الحالة الراهنة بالدين على من ~~أقر به قبل تلك الحالة # ولولا أن الأصل بقاء ما كان على على ما كان لما ساغ لهم ذلك الثالث أن ظن ~~البقاء أغلب من ظن التغير وذلك لأن الباقي لا يتوقف على أكثر من وجود ~~الزمان المستقبل ومقابل ذلك الباقي له كان وجودا أو عدما # وأما التغير فمتوقف على ثلاثة أمور وجود الزمان المستقبل وتبدل الوجود ~~بالعدم أو العدم بالوجود ومقارنة ذلك الوجود أو العدم لذلك الزمان # ولا يخفى أن تحقق ما يتوقف على أمرين لا غير أغلب مما يتوقف على ذينك ~~الأمرين وثالث غيرهما # الوجه الرابع إذا وقع العرض فيما هو باق بنفسه الجوهر فقد يقال غلبة الظن ~~بدوامه أكثر من تغيره فكان دوامه أولى # وذلك لأن بقاءه مستغن عن المؤثر حالة بقائه لأنه لو افتقر إلى المؤثر ~~فإما أن يصدر عن ذلك المؤثر أثر أو لا يصدر عنه أثر فإن صدر عنه أثر فإما ~~أن يكون هو عين ms836 ما كان ثابتا أو شيئا متجددا الأول محال لما فيه من تحصيل ~~الحاصل والثاني فعلى خلاف الفرض # وإن لم يصدر عنه أثر فلا معنى لكونه مؤثرا وإذا كان مستغنيا في بقائه عن ~~المؤثر فتغيره لا بد وأن يكون بمؤثر وإلا كان منعدما بنفسه وهو محال وإلا ~~لما بقي وإذا كان البقاء غير مفتقر إلى مؤثر وتغيره مفتقر إلى المؤثر فعدم ~~الباقي لا يكون إلا بمانع يمنع منه # وأما المتجدد سواء كان عدما أو وجودا فإنه قد ينتفي تارة لعدم مقتضيه ~~وتارة لمانعه وما يكون عدمه بأمرين يكون أغلب مما عدمه بأمر واحد # وعلى هذا فالأصل في جميع الأحكام الشرعية إنما هو العدم وبقاء ما كان على ~~ما كان إلا ما ورد الشارع # بخالفته فإنا نحكم به ونبقى فيما PageV04P134 عداه عاملين بقضية النفي ~~الأصلي كوجوب صوم شوال وصلاة سادسة ونحوه # فإن قيل لا نسلم أن كل ما تحقق وجوده في حالة من الأحوال أو عدمه فهو ~~مظنون البقاء وما ذكرتموه من الوجه الأول فالاعتراض عليه من وجوه # الأول أنا نسلم انعقاد الإجماع على الفرق في الحكم فيما ذكرتموه من ~~الصورتين فإن مذهب مالك وجماعة من الفقهاء إنما هو التسوية بينهما في عدم ~~الصحة وإن سلمنا ذلك وسلمنا أنه لو لم يكن الأصل البقاء في كل متحقق للزم ~~رجحان الطهارة أو المساواة في الصورة الأولى ورجحان الحدث أو المساواة في ~~الصورة الثانية # ولكن لا يلزم من رجحان الطهارة في الصورة الأولى جوز الصلاة بدليل امتناع ~~الصلاة بعد النوم والإغماء والمس على الطهارة وإن كان وجود الطهارة راجحا # ولامتناع الصلاة مع ظن الحدث في الصورة الثانية حيث قلتم بأن ظن الحدث لا ~~يلحق بتيقين الحدث # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن الأصل في الطهارة والحدث البقاء ولكن لا ~~نسلم أنه يلزم من ذلك الطهارة والحدث أن يكون الأصل في كل متحقق سواهما ~~البقاء لا بد لهذا من دليل # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن الأصل البقاء في كل شيء # لكنه منقوض بالزمان والحركات ms837 من حيث إن الأصل فيهما التقضي دون البقاء ~~والاستمرار # وما ذكرتموه من الوجه الثاني فليس فيه ما يدل على ظن البقاء بل إنما كان ~~ذلك مجوزا منهم لاحتمال إصابة الغرض فيما فعلوه وذلك كاستحسان الرمي إلى ~~الغرض لقصد الإصابة لاحتمال وقوعها وإن لم تكن الإصابة ظاهرة بل مرجوحة أو ~~مساوية PageV04P135 # وما ذكرتموه من الوجه الثالث لا نسلم أن ظن البقاء أغلب من ظن التغير # وما ذكرتموه من زيادة توقف التغير على تبدل الوجود بالعدم أو بالعكس ~~معارض بما يتوقف عليه البقاء من تجدد مثل السابق وإن سلمنا أن ما يتوقف ~~عليه التغير أكثر لكن لا نسلم أنه يدل على غلبة البقاء على التغير لجواز أن ~~تكون الأشياء المتعددة التي يتوقف عليها التغير أغلب في الوجود من الأعداد ~~القليلة التي يتوقف عليها البقاء أو مساوية لها # وإن سلمنا أن البقاء أغلب من التغير ولكن لا نسلم كونه غالبا على الظن ~~لجواز أن يكون الشيء أغلب من غيره وإن غلب على الظن عدمه في نفسه # سلمنا دلالة ذلك على الأغلبية لكن فيما هو قابل للبقاء أو فيما ليس قابلا ~~له الأول مسلم والثاني ممنوع # فلم قلتم بأن الأعراض التي وقع النزاع في بقائها قابلة للبقاء كيف وإنها ~~غير قابلة لما علم في الكلاميات # وما ذكرتموه من الوجه الرابع لا نسلم أن الباقي لا يفتقر إلى مؤثر # وما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه وذلك لأن الباقي في حالة بقائه إما ~~أن يكون واجبا لذاته أو ممكنا لذاته الأول محال وإلا لما تصور عليه العدم ~~وإن كان ممكنا فلا بد له من مؤثر وإلا لانسد علينا باب إثبات واجب الوجود # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن الأصل في كل متحقق دوامه لكنه معارض بما ~~يدل على عدمه وبيانه من ثلاثة أوجه # الأول أنه لو كان الأصل في كل شيء استمراره ودوامه لكان حدوث جميع ~~الحوادث على خلاف الدليل المقتضي لاستمرار عدمها وهو خلاف الأصل # الثاني أن الإجماع منعقد على أن بينة الإثبات تقدم ms838 على بينة النفي ~~PageV04P136 ولو كان الأصل في كل متحقق دوامه لكانت بينة النفي لاعتضادها ~~بهذا الأصل أولى بالتقدم # الثالث أن مذهب الشافعي أنه لا يجزي عتق العبد الذي انقطع خبره عن ~~الكفارة ولو كان الأصل بقاءه لأجزأ # سلمنا أن الأصل هو البقاء والاستمرار ولكن متى يمكن التمسك به في الأحكام ~~الشرعية إذا كان محصلا لأصل الظن أو غلبة الظن الأول ممتنع وإلا كانت شهادة ~~العبيد والنساء المتمحضات والفساق مقبولة لحصول أصل الظن بها # والثاني مسلم ولكن لا نسلم أن مثل هذا الأصل يفيد غلبة الظن وذلك لأن ~~الأصل عدم هذه الزيادة بنفس ما ذكرتم # سلمنا كون ذلك مغلبا على الظن لكن قبل ورود الشرع أو بعده الأول مسلم ~~والثاني ممنوع # وبيانه أن قبل ورود الشرع قد أمنا الدليل المغير فكان الاستصحاب لذلك ~~مغلبا وبعد ورود الشرع لم نأمن التغير وورود الدليل المغير فلا يبقى مغلبا ~~على الظن # والجواب عن منع الإجماع على التفرقة فيما ذكرناه من الصورتين أن المراد ~~به إنما هو الإجماع بين الشافعي وأبي حنيفة وأكثر الأئمة فكان ما ذكرناه ~~حجة على الموافق دون المخالف # وعن السؤال الأول على الوجه الأول أنه يلزم من رجحان الطهارة في الصورة ~~الأولى صحة الصلاة تحصيلا لمصلحة الصلاة مع ظن الطهارة كالصورة الثانية # وأما النوم فإنما امتنعت معه الصلاة لكونه سببا ظاهرا لوجود الخارج ~~الناقض للطهارة لتيسر خروج الخارج معه باسترخاء المفاصل على ما قال عليه ~~السلام العينان وكاء السته # وقال إذا نامت العينان انطلق الوكاء وإذا كان النوم مظنة الخارج ~~PageV04P137 المحتمل وجب إدارة الحكم عليه كما هو الغالب من تصرفات الشارع ~~لا على حقيقه الخروج دفعا للعسر والحرج عن المكلفين # وبه يقع الجواب عن الإغماء والمس # ويلزم من رجحان الحدث في الصورة الثانية امتناع صحة الصلاة زجرا له عن ~~التقرب إلى الله تعالى والوقوف بين يديه مع ظن الحدث فإنه قبيح عقلا وشرعا ~~ولذلك نهي عنه # والشاهد له بالاعتبار الصورة الأولى # قولهم إنه لا تأثير للحدث المظنون عندكم قلنا إنما لا ms839 يكون مؤثرا بتقدير ~~أن لا نقول باستصحاب الحال كالتقدير الذي نحن فيه وإلا فلا # وعن السؤال الثاني أنه لو لم يكن الاستصحاب والاستمرار مقتضى الدليل في ~~كل متحقق لكان الاستمرار في هاتين الصورتين على خلاف حكم الأعم أغلب إن كان ~~عدم الاستمرار هو الأغلب أو أن يكون عدم الاستمرار على خلاف الغالب إن كان ~~الاستمرار هو الأغلب وهو على خلاف الأصل وإن تساوى الطرفان فهو احتمال من ~~ثلاثة احتمالات ووقوع احتمال من احتمالين أغلب من احتمال واحد بعينه # وعن السؤال الثالث أنا إنما ندعي أن الأصل البقاء فيما يمكن بقاؤه إما ~~بنفسه كالجواهر أو بتجدد أمثاله كالأعراض وعليه بناء الأدلة المذكورة وعلى ~~هذا فالأصل في الزمان بقاؤه بتجدد أمثاله # وأما الحركات فإما أن تكون من قبيل ما يمكن بقاؤه واستمراره أو لا من هذا ~~القبيل فإن كان الأول فهو من جملة صور النزاع وإن كان الثاني فالنقض به ~~يكون مندفعا وعما ذكروه على الوجه الثاني أن الإقدام على الفعل لغرض موهوم ~~غير ظاهر إنما يكون فيما لا خطر في فعله ولا مشقة كما ذكروه من المثال ~~PageV04P138 # وأما ما يلزم الخطر والمشقة في فعله فلا بد وأن يكون لغرض ظاهر راجح على ~~خطر ذلك الفعل ومشقته على ما تشهد به تصرفات العقلاء وأهل العرف من ركوب ~~البحار ومعاناة المشاق من الأسفار فإنهم لا يرتكبون ذلك إلا مع ظهور ~~المصلحة لهم في ذلك ومن فعل ذلك لا مع ظهور المصلحة في نظره عد سفيها مخبطا ~~في عقله وما وقع به الاستشهاد من تنفيذ الودائع وإرسال الرسل إلى من بعدت ~~مدة غيبته والشهادة بالدين على من تقدم إفراره من هذا القبيل فكان ~~الاستصحاب فيه ظاهرا # وعما ذكروه على الوجه الثالث أولا فجوابه بزيادة افتقار التغير إلى تجدد ~~علة موجبة للتغير بخلاف البقاء لإمكان اتحاد علة المتجددات # وما ذكروه ثانيا فجوابه من وجهين # الأول أن الشيء إذا كان موقوفا على شيء واحد والآخر على شيئين فما يتوقف ~~على شيء واحد لا يتحقق عدمه إلا ms840 بتقدير عدم ذلك الشيء وما يتوقف تحققه على ~~أمرين يتم عدمه بعدم كل واحد من ذينك الأمرين # ولايخفى أن ما يقع عدمه على تقديرين يكون عدمه أغلب من عدم ما لا يتحقق ~~عدمه إلا بتقدير واحد # وما كان عدمه أغلب كان تحققه أندر وبالعكس مقابله # فإن قيل عدم الواحد المعين إما أن يكون مساويا في الوقوع لعدم الواحد من ~~الشيئين أو غالبا أو مغلوبا ولا تتحقق غلبة الظن فيما ذكرتموه بتقدير غلبة ~~الواحد المعين ومساواته وإنما يتحقق ذلك بتقدير كونه مغلوبا # ولا يخفى أن وقوع أحد أمرين لا بعينه أغلب من وقوع الواحد المعين كما ~~ذكرتموه # قلنا إذا نسبنا أحد الشيئين لا بعينه إلى ذلك الواحد المعين فإما أن ~~PageV04P139 يكون عدمه أغلب من ذلك المعين أو مساويا له أو مغلوبا فإن كان ~~الأول لزم ما ذكرناه وإن كان الثاني فكذلك أيضا لترجحه بضم عدم الوصف الآخر ~~إليه وإن كان مغلوبا فنسبة الوصف الآخر إليه لا تخلو من الأقسام الثلاثة ~~ويترجح ما ذكرناه بتقديرين آخرين منها وإنما لا يترجح ما ذكرناه بتقدير أن ~~يكون كل واحد من الوصفين مرجوحا فإذا ما ذكرناه يتم على تقديرات أربعة ولا ~~يتم على تقدير واحد وفيه دقة فليتأمل # الوجه الثاني أن العاقل إذا عن له مقصودان متساويان وكانت المقدمات ~~الموصلة إلى أحدهما أكثر من مقدمات الآخر فإنه يبادر إلى مقدماته أقل ولولا ~~أن ذلك أفضى إلى مقصوده وأغلب لما كان إقدامه عليه أغلب لخلوه عن الفائدة ~~المطلوبة من تصرفات العقلاء # قولهم وإن كان البقاء أغلب من التغير فلا يلزم أن يكون غالبا على الظن ~~قلنا إذا كان البقاء أغلب من مقابله فهو أغلب على الظن منه ويجب المصير ~~إليه نظرا إلى أن المجتهد مؤاخد بما هو الأظهر عنده # قولهم إنما يدل ما ذكرتموه على غلبة الظن فيما هو قابل للبقاء # قلنا الأعراض إن كانت باقية فلا إشكال وإن لم تكن باقية بأنفسها فممكنة ~~البقاء بطريق التجدد كسواد الغراب وبياض الثلج # وعلى كل تقدير فالكلام إنما ms841 هو واقع فيما هو ممكن التجدد من الأعراض لا ~~فيما هو غير ممكن # وعما ذكروه على الوجه الرابع أن يقال مجرد الإمكان غير محوج إلى المؤثر ~~بل المحوج إليه إنما هو الإمكان المشروط بالحدوث أو الحدوث المشروط ~~بالإمكان # وعن المعارضات أما الحوادث فإنما خالفنا فيها الأصل لوجود السبب الموجب ~~للحدوث ونفي حكم الدليل مع وجوده لمعارض أولى من إخراجه عن الدلالة وإبطاله ~~بالكلية مع ظهور دلالته PageV04P140 # وأما تقديم الشهادة المثبتة على النافية وإن كانت معتضدة بأصل براءة ~~الذمة فإنما كان لاطلاع المثبت على السبب الموجب لمخالفة براءة الذمة وعدم ~~اطلاع النافي عليه لإمكان حدوثه حالة غيبة النافي عن المنكر وتعذر صحبته له ~~واطلاعه على أحواله في سائر الأوقات # وأما مسألة العبد فهي ممنوعة وبتقدير تسليمها فلأن الذمة مشغولة بالكفارة ~~يقينا ولا تحصل البراءة منها إلا بيقين وجود العبد ولا يقين # فمن ادعى وجود مثل ذلك فيما نحن فيه فعليه الدليل # قولهم إنما يمكن التمسك به في الأحكام الشرعية إذا كان مفيدا لغلبة الظن ~~لا نسلم ذلك بل أصل الظن كاف وبه يظهر الشيء على مقابله وأما رد الشهادة في ~~الصور المذكورة فلم يكن لعدم صلاحيتها بل لعدم اعتبارها في الشرع بخلاف ما ~~نحن فيه من استصحاب الحال فإنه معتبر بدليل ما ذكرناه من صورة الشاك في ~~الطهارة والحدث # قولهم إنه مغلب على الظن قبل ورود الشرع لا بعده ليس كذلك فإنا بعد ورود ~~الشرع إذا لم نظفر بدليل يخالف الأصل بقي ذلك الأصل مغلبا على الظن # نعم غايته أنه قبل ورود الشرع أغلب على الظن لتيقن عدم المعارض منه بعد ~~ورود الشرع لظن عدم المعارض # # | المسألة الثانية # اختلفوا في جواز استصحاب حكم الإجماع في محل الخلاف فنفاه جماعة من ~~الأصوليين كالغزالي وغيره وأثبته آخرون وهو المختار # وصورته ما لو قال الشافعي مثلا في مسألة الخارج النجس من غير السبيلين ~~إذا تطهر ثم خرج منه خارج من غير السبيلين فهو بعد الخروج PageV04P141 ~~متطهر ولو صلى فصلاته صحيحة لأن الإجماع منعقد على ms842 هذين الحكمين قبل الخارج ~~والأصل في كل متحقق دوامه لما تحقق في المسألة التي قبلها إلا أن يوجد ~~المعارض النافي والأصل عدمه فمن ادعاه يحتاج إلى الدليل # فإن قيل القول بثبوت الطهارة وصحة الصلاة في محل النزاع إما أن يكون ~~لدليل أو لا لدليل لا جائز أن يكون لا لدليل فإنه خلاف الإجماع وإن كان ~~لدليل فإما نص أو قياس أو إجماع فإن كان بنص أو قياس فلا بد من إظهاره ولو ~~ظهر لم يكن إثبات الحكم في محل الخلاف بناء على الاستصحاب بل بناء على ما ~~ظهر من النص أو القياس # وإن كان بالإجماع فلا إجماع في محل الخلاف وإن كان الإجماع قبل خروج ~~الخارج ثابتا # قلنا متى يفتقر الحكم في بقائه إلى دليل إذا قيل بنزوله منزلة الجواهر أو ~~الأعراض الأول ممنوع بل هو باق بعد ثبوته بالإجماع لا بدليل لما سبق تقريره ~~في المسألة المتقدمة والثاني مسلم ولكن لم قلتم إنه نازل منزلة الأعراض ~~سلمنا أنه نازل منزلة الأعراض وأنه لا بد له من دليل ولكن لا نسلم انحصار ~~الدليل المبقى فيما ذكروه من النص والإجماع والقياس إلا أن يبينوا أن ~~الاستصحاب ليس بدليل وهو موضوع النزاع # سلمنا أن الاستصحاب بنفسه لا يكون دليلا على الحكم الباقي بنفسه ولكنه ~~دليل الدليل على الحكم وذلك لأنا بينا في المسألة المتقدمة وجود غلبة الظن ~~ببقاء كل ما كان متحققا على حاله وذلك يدل من جهة الإجمال على دليل موجب ~~لذلك الظن PageV04P142 # | القسم الثاني فيما ظن أنه دليل صحيح وليس كذلك # وهو أربعة أنواع PageV04P143 PageV04P144 # | النوع الاول شرع من قبلنا وفيه مسألتان # # | المسألة الأولى # اختلفوا في النبي عليه السلام قبل بعثته هل كان متعبدا بشرع أحد من ~~الأنبياء قبله فمنهم من نفى ذلك كأبي الحسين البصري وغيره ومنهم من أثبته ~~ثم اختلف المثبتون فمنهم من نسبه إلى شرع نوح ومنهم من نسبه إلى شرع ~~إبراهيم ومنهم من نسبه إلى موسى ومنهم من نسبه إلى عيسى # ومن الأصوليين # من قضى بالجواز وتوقف ms843 في الوقوع كالغزالي والقاضي عبد الجبار وغيرهما من ~~المحققين وهو المختار # أما الجواز فثابت وذلك لأنه لو امتنع إما أن يمتنع لذاته أو لعدم المصلحة ~~في ذلك أو لمعنى آخر الأول ممتنع فإنا لو فرضنا وقوعه لم يلزم عنه لذاته في ~~العقل محال # والثاني فمبني على وجوب رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى وقد أبطلناه ~~في كتبنا الكلامية وبتقدير رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى فغير بعيد أن ~~يعلم الله تعالى أن مصلحة الشخص قبل نبوته في تكليفه بشريعة من قبله ~~PageV04P145 والثالث فلا بد من إثباته إذ الأصل عدمه # وأما الوقوع فيستدعي دليلا والأصل عدمه وما يتخيل من الأدلة الدالة على ~~الوقوع وعدمه فمع عدم دلالتها في أنفسها متعارضة كما يأتي وليس التمسك ~~بالبعض منها أولى من البعض # فإن قيل الدليل على أنه لم يكن قبل البعثة متعبدا بشريعة أحد قبله أنه لو ~~كان متعبدا بشريعة من الشرائع السالفة لنقل عنه فعل ما تعبد به واشتهر ~~تلبسه بتلك الشريعة ومخالطة أهلها كما هو الجاري من عادة كل متشرع بشريعة ~~وقد عرفت أحواله قبل البعثة ولم ينقل عنه شيء من ذلك # وأيضا فإنه لو كان متعبدا ببعض الشرائع السالفة لافتخر أهل تلك الشريعة ~~بعد بعثته واشتهاره وعلو شأنه بنسبته إليهم وإلى شرعهم # ولم ينقل شيء من ذلك # سلمنا أنه لا دليل يدل على عدم تعبده بشرع من قبله ولكن لا نسلم عدم ~~الدليل الدال على تعبده بشرع من قبله # ويدل على ذلك أمران # الأول أن كل من سبق من المرسلين كان داعيا إلى اتباع شرعه كل المكلفين ~~وكان النبي عليه السلام داخلا في ذلك العموم # الثاني أنه عليه السلام قبل البعثة كان يصلي ويحج ويعتمر ويطوف بالبيت ~~ويعظمه ويذكي ويأكل اللحم ويركب البهائم ويستسخرها ويتجنب الميتة وذلك كله ~~مما لا يرشد إليه العقل ولا يحسن بغير الشرع # والجواب عن الاعتراض الأول أنه مقابل بأنه لو لم يكن على شريعة من ~~الشرائع ولا متعبدا بشيء منها لظهر منه التلبس بخلاف ما أهل ms844 تلك الشرائع ~~متلبسون به # واشتهرت مخالفته لهم في ذلك وكانت الدواعي متوفرة على نقله ولم ينقل عنه ~~شيء من ذلك وليس أحد الأمرين أولى من الآخر # وعن الاعتراض الأول للمذهب الثاني بمنع دعوة من سبق من الأنبياء ~~PageV04P146 لكافة المكلفين إلى اتباعه فإنه لم ينقل في ذلك لفظ يدل على ~~التعميم ليحكم به # وبتقدير نقله فيحتمل أن يكون زمان نبينا عليه السلام زمان اندراس الشرائع ~~المتقدمة وتعذر التكليف بها لعدم نقلها وتفصيلها ولذلك بعث في ذلك الزمان # وعن الاعتراض الثاني أنا لا نسلم ثبوت شيء مما ذكروه بنقل يوثق به ~~وبتقدير ثبوته لا يدل ذلك على أنه كان متعبدا به شرعا لاحتمال أن تكون ~~صلاته وحجته وعمرته وتعظيمه للبيت بطريق التبرك بفعل مثل ما نقل جملته عن ~~أفعال الأنبياء المتقدمين واندرس تفصيله # وأما أكل اللحم وذبح الحيوان واستسخاره للبهائم فإنما كان بناء منه على ~~أنه لا تحريم قبل ورود الشرع # وأما تركه للميتة بناء على عيافة نفسه لها كعيافته لحم الضب أما أن يكون ~~متعبدا بذلك شرعا فلا # # | المسألة الثانية # اختلفوا في النبي عليه السلام وأمته بعد البعث هل هم متعبدون بشرع من ~~تقدم فنقل عن أصحاب أبي حنيفة وعن أحمد في إحدى الراويتين عنه وعن بعض ~~أصحاب الشافعي أن النبي عليه السلام كان متعبدا بما صح من شرائع من قبله ~~بطريق الوحي إليه لا من جهة كتبهم المبدلة ونقل أربابها # ومذهب الأشاعرة والمعتزلة المنع من ذلك وهو المختار ويدل على ذلك أمور ~~أربعة # الأول أن النبي عليه السلام لما بعث معاذا إلى اليمن قاضيا قال له بم ~~تحكم قال بكتاب الله # قال فإن لم تجد قال بسنة رسول الله # قال فإن لم تجد قال أجتهد رأيي ولم يذكر شيئا من كتب الأنبياء الأولين ~~وسننهم PageV04P147 والنبي عليه السلام أقره على ذلك ودعا له وقال الحمد ~~لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله ولو كانت من مدارك ~~الأحكام الشرعية لجرت مجرى الكتاب والسنة في وجوب الرجوع إليها ولم يجز ms845 ~~العدول عنها إلى اجتهاد الرأي إلا بعد البحث عنها واليأس من معرفتها # الثاني أنه لو كان النبي عليه السلام متعبدا بشريعة من قبله وكذلك أمته ~~لكان تعلمها من فروض الكفايات كالقرآن والأخبار ولوجب على النبي عليه ~~السلام مراجعتها وأن لا يتوقف على نزول الوحي في أحكام الوقائع التي لا خلو ~~للشرائع الماضية عنها ولوجب أيضا على الصحابة بعد النبي عليه السلام ~~مراجعتها والبحث عنها والسؤال لناقليها عند حدوث الوقائع المختلف فيها فيما ~~بينهم كمسألة الجد والعول وبيع أم الولد والمفوضة وحد الشرب وغير ذلك على ~~نحو بحثهم عن الأخبار النبوية في ذلك وحيث لم ينقل شيء من ذلك علم أن شريعة ~~من تقدم غير متعبد بها لهم # الثالث أنه لو كان متعبدا باتباع شرع من قبله إما في الكل أو البعض لما ~~نسب شيء من شرعنا إليه على التقدير الأول ولا كل الشرع إليه على التقدير ~~الثاني كما لا ينسب شرعه عليه السلام إلى من هو متعبد بشرعه من أمته وهو ~~خلاف الإجماع من المسلمين # الرابع أن إجماع المسلمين على أن شريعة النبي عليه السلام ناسخة لشريعة ~~من تقدم فلو كان متعبدا بها لكان مقررا لها ومخبرا عنها لا ناسخا لها ولا ~~مشرعا وهو محال # فإن قيل على الحجة الأولى إنما لم يتعرض معاذ لذكر التوراة والإنجيل ~~إكتفاء منه بآيات في الكتاب تدل على اتباعهما على ما يأتي ولأن اسم الكتاب ~~يدخل تحته التوراة والإنجيل لكونهما من الكتب المنزلة # وأما الحجة الثانية لا نسلم أن تعلم ما قيل بالتعبد به من الشرائع ليس من ~~فروض الكفايات ولا نسلم عدم مراجعة النبي عليه السلام لها # ولهذا نقل عنه مراجعة التوارة في مسألة الرجم وما لم يراجع فيه شرع من ~~تقدم إما لأن PageV04P148 تلك الشرائع لم تكن مبينة له أو لأنه ما كان ~~متعبدا باتباع الشريعة السالفة الا بطريق الوحي ولم يوح اليه به # وأما عدم بحث الصحابة عنها فإنما كان لأن ما تواتر منها كان معلوما لهم ~~وغير محتاج إلى بحث ms846 عنه وما كان منها منقولا على لسان الآحاد من الكفار لم ~~يكونوا متعبدين به # وأما الحجة الثالثة فإنما ينسب إليه ما كان متعبدا به من الشرائع بأنه من ~~شرعه بطريق التجوز لكونه معلوما لنا بواسطته وإن لم يكن هو الشارع له # وأما الحجة الرابعة فنحن نقول بها وأن ما كان من شرعه مخالفا لشرع من ~~تقدم فهو ناسخ له وما لم يكن من شرعه بل هو متعبد فيه باتباع شرع من تقدم ~~فلا # ولهذا فإنه لا يوصف شرعه بأنه ناسخ لبعض ما كان مشروعا قبله كوجوب ~~الإيمان وتحريم الكفران والزنى والقتل والسرقة وغير ذلك مما شرعنا فيه ~~موافق لشرع من تقدم # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على مطلوبكم لكنه معارض بما يدل على نقيضه وبيانه ~~من جهة الكتاب والسنة # أما من جهة الكتاب فآيات # الأولى قوله تعالى في حق الأنبياء @QB@ أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده @QE@ الأنعام 90 أمره باقتدائه بهداهم وشرعهم من هداهم فوجب عليه ~~اتباعه # الثانية قوله تعالى @QB@ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح @QE@ النساء ~~163 وقوله تعالى @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا @QE@ الشورى 13 فدل ~~على وجوب اتباعه لشريعة نوح PageV04P149 # الثالثة قوله تعالى @QB@ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم @QE@ النحل ~~123 أمره باتباع ملة إبراهيم والأمر للوجوب # الرابعة قوله تعالى @QB@ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون @QE@ المائدة 44 والنبي عليه السلام من جملة النبيين فوجب عليه ~~الحكم بها # وأما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رجع إلى التوراة في ~~رجم اليهودي # وأيضا ما روي عنه عندما طلب منه القصاص في سن كسرت فقال كتاب الله يقضي ~~بالقصاص وليس في الكتب ما يقضي بالقصاص في السن سوى التوراة وهو قوله تعالى ~~فيها @QB@ والسن بالسن @QE@ المائدة 45 وأيضا ما روي عنه أنه قال من نام عن ~~صلاة أو أنسيها فليصلها إذا ذكرها وتلا قوله تعالى @QB@ وأقم الصلاة لذكري ~~@QE@ طه 14 وهو خطاب مع موسى عليه السلام # والجواب قولهم ms847 ( إنما لم يذكر معاذ التوراة والإنجيل لدلالة القرآن ~~عليهما ) لا نسلم ذلك وما يذكرونه في ذلك فسيأتي الكلام عليه # وإن سلمنا ذلك لكن لا يكون ذلك كافيا عن ذكرهما كما لو لم يكن ما في ~~القرآن من ذكر السنة والقياس على ما بيناه كافيا عن ذكرهما أو أن لا يكون ~~إلى ذكر السنة والقياس في خبر معاذ حاجة وكل واحد من الأمرين على خلاف ~~الأصل # قولهم ( إن الكتب السالفة مندرجة في لفظ الكتاب ) ليس كذلك لأن المتبادر ~~من إطلاق لفظ الكتاب في شرعنا عند قول القائل قرأت كتاب الله وحكمت بكتاب ~~الله ليس غير القرآن # وذلك لما علم من معاناة المسلمين لحفظ القرآن ودراسته والعمل بموجباته ~~دون غيره من الكتب السالفة PageV04P150 # قولهم لا نسلم أن تعلم ما تعبد به من الشرائع الماضية ليس فرضا على ~~الكفاية قلنا لأن إجماع المسلمين قبل ظهور المخالفين على أنه لا تأثيم بترك ~~النظر على كافة المجتهدين في ذلك # وأما مراجعة النبي عليه السلام التوراة فإنما كان لإظهار صدقه فيما كان ~~قد أخبر به من أن الرجم مذكور في التوراة وإنكاره اليهود ذلك لا لأن يستفيد ~~حكم الرجم منها ولذلك فإنه لم يرجع إليها فيما سوى ذلك # وما ذكروه في امتناع بحث الصحابة عن ذلك فغير صحيح لأن ما نقل من ذلك ~~متواترا إنما يعرفه من خالط النقلة له وكان فاحصا عنه ولم ينقل عن أحد من ~~الصحابة شيء من ذلك كيف وإنه قد كان يمكن معرفة ذلك ممن أسلم من أحبار ~~اليهود وهو ثقة مأمون كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار وغيرهما ولم ينقل عن ~~النبي عليه السلام ولا عن أحد من الأمة السؤال لهم عن ذلك # وما ذكروه على الحجة الثالثة فترك للظاهر المشهور المتبادر إلى الفهم من ~~غير دليل فلا يسمع # وما ذكروه على الحجة الرابعة فمندفع وذلك لأن إطلاق الأمة أن شرع النبي ~~عليه السلام ناسخ للشرائع السالفة بينهم يفهم منه أمران أحدهما رفع أحكامها ~~والثاني أنه غير متعبد بها # فما ms848 لم يثبت رفعه من تلك الأحكام بشرعه ضرورة استمراره فلا يكون ناسخا له ~~فيبقى المفهوم الآخر وهو عدم تعبده به # ولا يلزم من مخالفة دلالة الدليل على أحد مدلوليه مخالفته بالنظر إلى ~~المدلول الآخر # والجواب عن المعارضة بالآية الأولى أنه إنما أمره باتباع هدى مضاف إلى ~~جميعهم مشترك بينهم دون ما وقع به الخلاف فيما بينهم والناسخ والمنسوخ منه ~~لاستحالة اتباعه وامتثاله والهدى المشترك فيما بينهم إنما هو التوحيد ~~PageV04P151 والأدلة العقلية الهادية إليه وليس ذلك من شرعهم في شيء # ولهذا قال فبهداهم اقتده ولم يقل بهم وبتقدير أن يكون المراد من الهدي ~~المشترك ما اتفقوا فيه من الشرائع دون ما اختلفوا فيه فاتباعه له إنما كان ~~بوحي إليه وأمر مجدد لا أنه بطريق الاقتداء بهم # وعن قوله تعالى @QB@ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح @QE@ النساء 163 ~~أنه لا دلالة له على أنه موحى إليه بعين ما أوحي به إلى نوح والنبيين من ~~بعده حتى يقال باتباعه لشريعتهم بل غايته أنه أوحى إليه كما أوحى إلى غيره ~~من النبيين قطعا لاستبعاد ذلك وإنكاره # وبتقدير أن يكون المراد به أنه أوحى إليه بما أوحى به إلى غيره من ~~النبيين فغايته أنه أوحى إليه بمثل شريعة من قبله بوحي مبتدإ لا بطريق ~~الاتباع لغيره # وعن قوله تعالى @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا @QE@ الشورى 13 أن ~~المراد من الدين إنما هو أصل التوحيد لا ما اندرس من شريعته # ولهذا لم ينقل عن النبي عليه السلام البحث عن شريعة نوح وذلك مع التعبد ~~بها في حقه ممتنع وحيث خصص نوحا بالذكر مع اشتراك جميع الأنبياء في الوصية ~~بالتوحيد كان تشريفا له وتكريما كما خصص روح عيسى بالإضافة إليه والمؤمنين ~~بلفظ العباد وعن قوله تعالى @QB@ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم @QE@ ~~النحل 123 أن المراد بلفظ الملة إنما هو أصول التوحيد وإجلال الله تعالى ~~بالعبادة دون الفروع الشرعية ويدل على ذلك أربعة أوجه الأول أن لفظ الملة ~~لا يطلق على الفروع ms849 الشرعية بدليل أنه لا يقال ملة الشافعي وملة أبي حنيفة ~~لمذهبيهما في الفروع الشرعية # الثاني أنه قال عقيب ذلك @QB@ وما كان من المشركين @QE@ النحل 123 ذكر ~~ذلك في مقابلة الدين ومقابل الشرك إنما هو التوحيد # الثالث أنه قال @QB@ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه @QE@ ولو ~~كان PageV04P152 المراد من الدين الأحكام الفرعية لكان من خالفه فيها من ~~الأنبياء سفيها وهو محال # الرابع أنه لو كان المراد من الدين فروع الشريعة لوجب على النبي عليه ~~السلام البحث عنها لكونه مأمورا بها وذلك مع اندراسها ممتنع # ثم وإن سلمنا أن المراد بالملة الفروع الشرعية غير أنه إنما وجب عليه ~~اتباعها بما أوحى # ولهذا قال ثم أوحينا إليك # وعن قوله تعالى @QB@ إنا أنزلنا التوراة @QE@ المائدة 44 الاية أن قوله ~~@QB@ يحكم بها النبيون @QE@ المائدة 44 صيغة إخبار لا صيغة أمر وذلك لا يدل ~~على وجوب اتباعها # وبتقدير أن يكون ذلك أمرا فيجب حمله على ما هو مشترك الوجوب بين جميع ~~الأنبياء وهو التوحيد دون الفروع الشرعية المختلف فيها فيما بينهم لإمكان ~~تنزيل لفظ النبيين على عمومه بخلاف التنزيل على الفروع الشرعية # كيف وإن هذه الآيات متعارضة والعمل بجميعها ممتنع وليس العمل بالبعض أولى ~~من البعض # وعن الخبر الأول وهو رجوع النبي عليه السلام إلى التوراة في رجم اليهودي ~~ما سبق # وعن الخبر الثاني لا نسلم أن كتابنا غير مشتمل على قصاص السن بالسن ~~ودليله قوله تعالى @QB@ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ~~@QE@ البقرة 194 وهو عام في السن وغيره # وعن الخبر الثالث أنه لم يذكر الخطاب مع موسى لكونه موجبا لقضاء الصلاة ~~عند النوم والنسيان وإنما أوجب ذلك بما أوحى إليه ونبه على أن أمته مأمورة ~~بذلك كما أمر موسى عليه السلام # ثم ما ذكرتموه من النقل معارض بقوله عليه السلام بعثت إلى الأحمر والأسود ~~وكل نبي بعث إلى قومه والنبي عليه السلام لم يكن من أقوام الأنبياء ~~PageV04P153 المتقدمين فلا يكون متعبدا بشرعهم وبما روي عنه عليه السلام ~~أنه ms850 رأى مع عمر بن الخطاب قطعة من التوراة ينظر فيها فغضب وقال ألم آت بها ~~بيضاء نقية لو أدركني أخي موسى لما وسعه إلا اتباعي أخبر بأن موسى لو كان ~~حيا لما وسعه إلا اتباعه فلأن لا يكون النبي عليه السلام متبعا لموسى بعد ~~موته أولى # وربما عورض أيضا بقوله تعالى @QB@ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا @QE@ ~~المائدة 48 والشرعة الشريعة والمنهاج الطريق وذلك يدل على عدم اتباع الأخير ~~لمن تقدم من الأنبياء لأن الشريعة لا تضاف إلا إلى من اختص بها دون التابع ~~لها ولا حجة فيه فإن الشرائع وإن اشتركت في شيء فمختلفة في أشياء # وباعتبار ما به الاختلاف بينها كانت شرائع مختلفة وذلك كما يقال لكل إمام ~~مذهب باعتبار اختلاف الأئمة في بعض الأحكام وإن وقع الاتفاق بينهم في كثير ~~منها # وربما أورد النفاة في ذلك طرقا أخرى شتى ضعيفة آثرنا الإعراض عن ذكرها # وكما أن النبي عليه السلام لم يكن متعبدا بشريعة من تقدم إلا بوحي مجدد ~~لم يكن قبل بعثته على ما كان قومه عليه بل كان متجنبا لأصنامهم معرضا عن ~~أزلامهم ولا يأكل من ذبائحهم على النصب # هذا هو مذهب أصحاب الشافعي وأئمة المسلمين # ومن الأصوليين من قال بالوقف وهو بعيد PageV04P154 # # | النوع الثاني مذهب الصحابي وفيه مسألتان # # | المسألة الأولى # اتفق الكل على أن مذهب الصحابي في مسائل الاجتهاد لا يكون حجة على غيره ~~من الصحابة المجتهدين إماما كان أو حاكما أو مفتيا # واختلفوا في كونه حجة على التابعين ومن بعدهم من المجتهدين فذهبت ~~الأشاعرة والمعتزلة والشافعي في أحد قوليه وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين ~~عنه والكرخي إلى أنه ليس بحجة وذهب مالك بن انس والرازي والبرذعي من أصحاب ~~أبي حنيفة والشافعي في قول له وأحمد بن حنبل في رواية له إلى أنه حجة مقدمة ~~على القياس وذهب قوم إلى أنه إن خالف القياس فهو حجة وإلا فلا وذهب قوم إلى ~~أن الحجة في قول أبي بكر وعمر دون غيرهما # والمختار أنه ليس بحجة مطلقا ms851 # وقد احتج النافون بحجج ضعيفة لا بد من ذكرها والإشارة إلى وجه ضعفها قبل ~~ذكر ما هو المختار في ذلك # الحجة الأولى قوله تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ~~@QE@ PageV04P155 النساء 59 أوجب الرد عند الاختلاف إلى الله والرسول فالرد ~~إلى مذهب الصحابي يكون تركا للواجب وهو ممتنع # ولقائل أن يقول لا نسلم أن قوله تعالى @QB@ فردوه إلى الله والرسول @QE@ ~~النساء 59 يدل على الوجوب على ما سبق تقريره # فالرد إلى مذهب الصحابي لا يكون تركا للواجب # وإن سلمنا أنه للوجوب ولكن عند إمكان الرد وهو أن يكون حكم المختلف فيه ~~مبينا في الكتاب أو السنة وأما بتقدير أن لا يكون مبينا فيهما فلا # ونحن إنما نقول باتباع مذهب الصحابي مع عدم الظفر بما يدل على حكم ~~الواقعة من الكتاب والسنة # الحجة الثانية قالوا أجمعت الصحابة على جواز مخالفة كل واحد من آحاد ~~الصحابة المجتهدين للآخر # ولو كان مذهب الصحابي حجة لما كان كذلك وكان يجب على كل واحد منهم اتباع ~~الآخر وهو محال # ولقائل أن يقول الخلاف إنما هو في كون مذهب الصحابي حجة على من بعده من ~~مجتهدة التابعين ومن بعدهم لا مجتهدة الصحابة فلم يكن الإجماع دليلا على ~~محل النزاع # الحجة الثالثة أن الصحابي من أهل الاجتهاد والخطأ ممكن عليه فلا يجب على ~~التابع المجتهد العمل بمذهبه كالصحابيين والتابعيين # ولقائل أن يقول لا يلزم من امتناع وجوب العمل بمذهب الصحابي على صحابي ~~مثله وامتناع وجوب العمل بمذهب التابعي على تابعي مثله امتناع وجوب عمل ~~التابعي بمذهب الصحابي مع تفاوتهما على ما قال عليه السلام خير القرون ~~القرن الذي أنا فيه وقال عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ~~ولم يرد مثل ذلك في حق غيرهم PageV04P156 # الحجة الرابعة أن الصحابة قد اختلفوا في مسائل وذهب كل واحد إلى خلاف ~~مذهب الآخر كما في مسائل الجد مع الأخوة وقوله أنت علي حرام كما سبق تعريفه ~~فلو كان مذهب الصحابي حجة على غيره من التابعين لكانت حجج الله ms852 تعالى ~~مختلفة متناقضة ولم يكن اتباع التابعي للبعض أولى من البعض # ولقائل أن يقول اختلاف مذاهب الصحابة لا يخرجها عن كونها حججا في أنفسها ~~كأخبار الآحاد والنصوص الظاهرة ويكون العمل بالواحد منها متوققا على ~~الترجيح ومع عدم الوقوف على الترجيح فالواجب الوقف أو التخيير كما عرف فيما ~~تقدم # الحجة الخامسة أن قول الصحابي عن اجتهاد مما يجوز عليه الخطأ فلا يقدم ~~على القياس كالتابعي # ولقائل أن يقول اجتهاد الصحابي وإن جاز عليه الخطأ فلا يمنع ذلك من ~~تقديمه على القياس كخبر الواحد ولا يلزم من امتناع تقديم مذهب التابعي على ~~القياس امتناع ذلك في مذهب الصحابي لما بيناه من الفرق بينهما # الحجة السادسة أن التابعي المجتهد متمكن من تحصيل الحكم بطريقه فلا يجوز ~~له التقليد فيه كالأصول # ولقائل أن يقول اتباع مذهب الصحابي إنما يكون تقليدا له إن لو لم يكن ~~قوله حجة متبعة وهو محل النزاع وخرج عليه الأصول فإن القطع واليقين معتبر ~~فيها ومذهب الغير من أهل الاجتهاد فيها ليس بحجة قاطعة فكان اتباعه في ~~مذهبه تقليدا من غير دليل وذلك لا يجوز # والمعتمد في ذلك الاحتجاج بقوله تعالى @QB@ فاعتبروا يا أولي الأبصار ~~@QE@ الحشر 2 أوجب الاعتبار وأراد به القياس كما سبق تقريره في إثبات كون ~~القياس حجة # وذلك ينافي وجوب اتباع مذهب الصحابي وتقديمه على القياس # فإن قيل لا نسلم دلالة على وجوب اتباع القياس وقد سبق PageV04P157 تقريره ~~من وجوه سلمنا دلالته على ذلك لكنه معارض من جهة الكتاب والسنة والإجماع ~~والمعقول # أما الكتاب فقوله تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~@QE@ آل عمران 110 وهو خطاب مع الصحابة بأن ما يأمرون به معروف والأمر ~~بالمعروف واجب القبول # وأما السنة فقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ~~وقوله عليه السلام اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ولا يمكن حمل ذلك ~~على مخاطبة العامة والمقلدين لهم لما فيه من تخصيص العموم من غير دليل ولما ~~فيه من إبطال فائدة تخصيص الصحابة بذلك من جهة وقوع ms853 الاتفاق على جواز تقليد ~~العامة لغير الصحابة من المجتهدين فلم يبق إلا أن يكون المراد به وجوب ~~اتباع مذاهبهم # وأما الإجماع فهو أن عبد الرحمن بن عوف ولى عليا رضي الله عنه الخلافة ~~بشرط الاقتداء بالشيخين فأبى وولى عثمان فقبل ولم ينكر عليه منكر فصار ~~إجماعا # وأما المعقول فمن وجوه # الأول أن الصحابي إذا قال قولا يخالف القياس فإما أن لا يكون له فيما قال ~~مستند أو يكون لا جائز أن يقال بالأول وإلا كان قائلا في الشريعة بحكم لا ~~دليل عليه وهو محرم وحال الصحابي العدل ينافي ذلك # وإن كان الثاني فلا مستند وراء القياس سوى النقل فكان حجة متبعة # الثاني أن قول الصحابي إذا انتشر ولم ينكر عليه منكر كان حجة فكان حجة مع ~~عدم الانتشار كقول النبي عليه السلام # الثالث أن مذهب الصحابي إما أن يكون عن نقل أو اجتهاد فإن كان الأول كان ~~حجة وإن كان الثاني فاجتهاد الصحابي مرجح على اجتهاد PageV04P158 التابعي ~~ومن بعده لترجحه بمشاهدة التنزيل ومعرفة التأويل ووقوفه من أحوال النبي ~~عليه السلام ومراده من كلامه على ما لم يقف عليه غيره فكان حال التابعي ~~إليه كحال العامي بالنسبة إلى المجتهد التابعي فوجب اتباعه له # والجواب عن منع دلالة الآية ما ذكرناه # وعن القوادح ما سبق # وعن المعارضة بالكتاب أنه لا دلالة فيه لما سبق في إثبات الإجماع # وإن كان دالا فهو خطاب مع جملة الصحابة ولا يلزم من كون ما أجمعوا عليه ~~حجة أن يكون قول الواحد والاثنين حجة # وعن السنة أنه لا دلالة فيها أيضا لما سبق في الإجماع ولأن الخبر الأول ~~وإن كان عاما في أشخاص الصحابة فلا دلالة فيه على عموم الاقتداء في كل ما ~~يقتدى فيه # وعند ذلك فقد أمكن حمله على الاقتداء بهم فيما يرونه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وليس الحمل على غيره أولى من الحمل عليه وبه يظهر فساد التمسك ~~بالخبر الثاني # وعن الإجماع أنه إنما لم ينكر أحد من الصحابة على عبد الرحمن ms854 وعثمان ذلك ~~لأنهم حملوا لفظ الاقتداء على المتابعة في السيرة والسياسة دون المتابعة في ~~المذهب بدليل الإجماع على أن مذهب الصحابي ليس حجة على غيره من الصحابي ~~المجتهدين كيف وإنه لو كان المراد بشرط الاقتداء بهما المتابعة في مذهبهما ~~فالقائل بأن مذهب الصحابي حجة قائل بوجوب اتباعه والقائل أنه ليس بحجة قائل ~~بتحريم اتباعه على غيره من المجتهدين ويلزم من ذلك الخطأ بسكوت الصحابة عن ~~الإنكار إما على علي حيث امتنع من الاقتداء إن كان ذلك واجبا وإما على ~~عثمان وعبد الرحمن بن عوف إن كان الاقتداء بالشيخين محرما # وذلك ممتنع عن المعارضة الأولى من المعقول أنها منتقضة بمذهب التابعي فإن ~~ما PageV04P159 ذكروه بعينه ثابت فيه وليس بحجة بالاتفاق # وعن الثانية أنه لا يخلو إما أن يقول بأن قول الصحابي إذا انتشر ولم ينكر ~~عليه منكر أيكون ذلك إجماعا أم لا يكون إجماعا فإن كان الأول فالحجة في ~~الإجماع لا في مذهب الصحابي وذلك غير متحقق فيما إذا لم ينتشر وإن كان ~~الثاني فلا حجة فيه مطلقا كيف وإن ما ذكروه منتقض بمذهب التابعي فإنه إذا ~~انتشر في عصره ولم يوجد له نكير كان حجة ولا يكون حجة بتقدير عدم انتشاره ~~إجماعا # وعن الثالثة لا نسلم أن مستنده النقل لأنه لو كان معه نقل لأبداه ورواه ~~لأنه من العلوم النافعة # وقد قال عليه السلام من كتم علما نافعا ألجمه الله بلجام من نار وذلك ~~خلاف الظاهر من حال الصحابي فلم يبق إلا أن يكون عن رأي واجتهاد وعند ذلك ~~فلا يكون حجة على غيره من المجتهدين بعده لجواز أن يكون دون غيره في ~~الاجتهاد وإن كان متميزا بما ذكروه من الصحبة ولوازمها # ولهذا قال عليه السلام فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثم هو منتقض ~~بمذهب التابعي فإنه ليس بحجة على من بعده من تابعي التابعين وإن كانت نسبته ~~إلى تابعي التابعين كنسبة الصحابي إليه # # | المسألة الثانية # إذا ثبت أن مذهب الصحابي ليس بحجة واجبة الاتباع فهل يجوز ms855 لغيره تقليده ~~أما العامي فيجوز له ذلك من غير خلاف وأما المجتهد من التابعين ومن ~~PageV04P160 بعدهم فيجوز له تقليده إن جوزنا تقليد العالم للعالم وإن لم ~~نجوز ذلك فقد اختلف قول الشافعي في جواز تقليد العالم من التابعين للعالم ~~من الصحابة فمنع من ذلك في الجديد وجوزه في القديم # غير أنه اشترط انتشار مذهبه تارة ولم يشترطه تارة # والمختار امتناع ذلك مطلقا لما يأتي في قاعدة الاجتهاد ان شاء الله تعالى ~~PageV04P161 # # | النوع الثالث الاستحسان # وقد اختلف فيه فقال به أصحاب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأنكره الباقون حتى ~~نقل عن الشافعي أنه قال من استحسن فقد شرع # ولا بد قبل النظر في الحجاج من تلخيص محل النزاع ليكون التوارد بالنفي ~~والإثبات على محز واحد فنقول # الخلاف ليس في نفس إطلاق لفظ الاستحسان جوازا وامتناعا لوروده في الكتاب ~~والسنة وإطلاق أهل اللغة # أما الكتاب فقوله تعالى @QB@ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه @QE@ ~~الزمر 18 وقوله تعالى @QB@ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها @QE@ الأعراف 145 # وأما السنة فقوله عليه السلام ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن # وأما الإطلاق فما نقل عن الأئمة من استحسان دخول الحمام من غير تقدير عوض ~~للماء المستعمل ولا تقدير مدة السكون فيها وتقدير أجرته واستحسان شرب الماء ~~من أيدي السقائين من غير تقدير في الماء وعوضه # وقد نقل عن الشافعي أنه قال أستحسن في المتعة أن تكون ثلاثين درهما ~~PageV04P162 وأستحسن ثبوت الشفعة للشفيع إلى ثلاثة أيام وأستحسن ترك شيء ~~للمكاتب من نجوم الكتابة # وقال في السارق إذا أخرج يده اليسرى بدل اليمنى فقطعت القياس أن تقطع ~~يمناه والاستحسان أن لا تقطع # فلم يبق الخلاف إلا في معنى الاستحسان وحقيقته ولا شك أن الاستحسان قد ~~يطلق على ما يميل إليه الإنسان ويهواه من الصور والمعاني وإن كان مستقبحا ~~عند غيره وهو في اللغة استفعال من الحسن وليس ذلك هو محز الخلاف لاتفاق ~~الأمة قبل ظهور المخالفين على امتناع حكم المجتهد في شرع الله تعالى ~~بشهواته وهواه من غير دليل ms856 شرعي وأنه لا فرق في ذلك بين المجتهد والعامي ~~وإنما محز الخلاف فيما وراء ذلك # وقد اختلف أصحاب أبي حنيفة في تعريفه بحده فمنهم من قال إنه عبارة عن ~~دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على إظهاره لعدم مساعدة العبارة عنه # والوجه في الكلام عليه أنه إن تردد فيه بين أن يكون دليلا محققا ووهما ~~فاسدا فلا خلاف في امتناع التمسك به وإن تحقق أنه دليل من الأدلة الشرعية ~~فلا نزاع في جواز التمسك به أيضا وإن كان ذلك في غاية البعد وإنما النزاع ~~في تخصيصه باسم الاستحسان عند العجز عن التعبير عنه دون حالة إمكان التعبير ~~عنه ولا حاصل للنزاع اللفظي # ومنهم من قال إنه عبارة عن العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه ويخرج ~~منه الاستحسان عندهم بالعدول عن موجب القياس إلى النص من الكتاب أو السنة ~~أو العادة # أما الكتاب فكما في قول القائل مالي صدقة فإن القياس لزوم التصدق بكل مال ~~له وقد استحسن تخصيص ذلك بمال الزكاة كما في قوله تعالى @QB@ خذ من أموالهم ~~صدقة @QE@ التوبة 9 ولم يرد به سوى مال الزكاة # وأما السنة فكاستحسانهم أن لا قضاء على من أكل ناسيا في نهار رمضان ~~والعدول عن حكم القياس إلى قوله عليه السلام لمن أكل ناسيا الله أطعمك ~~وسقاك PageV04P163 # وأما العادة فكالعدول عن موجب الإجارات في ترك تقدير الماء المستعمل في ~~الحمام وتقدير السكنى فيها ومقدار الأجرة كما ذكرناه فيما تقدم للعادة في ~~ترك المضايقة في ذلك # ومنهم من قال إنه عبارة عن تخصيص قياس بدليل هو أقوى منه وحاصله يرجع إلى ~~تخصيص العلة وقد عرف ما فيه # وقال الكرخي الاستحسان هو العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها ~~إلى خلافه لوجه هو أقوى ويدخل فيه العدول عن حكم العموم إلى مقابله للدليل ~~المخصص والعدول عن حكم الدليل المنسوخ إلى مقابله للدليل الناسخ وليس ~~باستحسان عندهم # وقال أبو الحسين البصري هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول ms857 ~~الألفاظ لوجه هو أقوى منه وهو في حكم الطارىء على الأول وقصد بقوله ( غير ~~شامل شمول الألفاظ ) الاحتراز عن العدول عن العموم إلى القياس لكونه لفظا ~~شاملا وبقوله ( وهو في حكم الطارىء ) الاحتراز عن قولهم تركنا الاستحسان ~~بالقياس فإنه ليس استحسانا من حيث إن القياس الذي ترك له الاستحسان ليس في ~~حكم الطارىء بل هو الأصل وذلك كما لو قرأ أية سجدة في آخر سورة فالاستحسان ~~أن يسجد لها ولا يجتزىء بالركوع ومقتضى القياس أن يجتزىء بالركوع فإنهم ~~قالوا بالعدول هاهنا عن الاستحسان إلى القياس # وهذا الحد وإن كان أقرب مما تقدم لكونه جامعا مانعا غير أن حاصله يرجع ~~إلى تفسير الاستحسان بالرجوع عن حكم دليل خاص إلى مقابله بدليل طارىء عليه ~~أقوى منه من نص أو إجماع أو غيره ولا نزاع في صحة الاحتجاج به # وإن نوزع في تلقيبه بالاستحسان فحاصل النزاع راجع فيه إلى الإطلاقات ~~اللفظية ولا حاصل له وإنما النزاع في إطلاقهم الاستحسان على PageV04P164 ~~العدول عن حكم الدليل إلى العادة وهو أن يقال إن أردتم بالعادة ما اتفق ~~عليه الأمة من أهل الحل والعقد فهو حق وحاصله راجع إلى الاستدلال بالإجماع # وإن أريد به عادة من لا يحتج بعادته كالعادات المستحدثة للعامة فيما ~~بينهم فذلك مما يمتنع ترك الدليل الشرعي به # وإذا تحقق المطلوب في هذه المسألة فلا بد من الإشارة إلى شبه تمسك بها ~~القائلون بالاستحسان في بيان كون المفهوم منه حجة مع قطع النظر عن تفصيل ~~القول فيه والإشارة إلى جهة ضعفها # وقد تمسكوا في ذلك بالكتاب والسنة وإجماع الأمة # أما الكتاب فقوله تعالى @QB@ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه @QE@ ~~الزمر 18 وقوله تعالى @QB@ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم @QE@ الزمر ~~55 # ووجه الاحتجاج بالآية الأولى ورودها في معرض الثناء والمدح لمتبع أحسن ~~القول وبالآية الثانية من جهة أنه أمر باتباع أحسن ما أنزل ولولا أنه حجة ~~لما كان كذلك # وأما السنة فقوله عليه السلام ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ~~ولولا أنه ms858 حجة لما كان عند الله حسنا # وأما إجماع الأمة فما ذكر من استحسانهم دخول الحمام وشرب الماء من أيدي ~~السقائين من غير تقدير لزمان السكون وتقدير الماء والأجرة # والجواب عن الآية الأولى أنه لا دلالة له فيها على وجوب اتباع أحسن القول ~~وهو محل النزاع # وعن الآية الثانية أنه لا دلالة أيضا فيها على أن ما صاروا إليه دليل ~~منزل فضلا عن كونه أحسن ما أنزل # وعن الخبر كذلك أيضا فإن قوله ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ~~PageV04P165 إشارة إلى إجماع المسلمين والإجماع حجة ولا يكون الا عن دليل ~~وليس فيه دلالة على أن ما رآه آحاد المسلمين حسنا أنه حسن عند الله وإلا ~~كان ما رآه آحاد العوام من المسلمين حسنا أن يكون حسنا عند الله وهو ممتنع # وعن الإجماع على استحسان ما ذكروه لا نسلم أن استحسانهم لذلك هو الدليل ~~على صحته بل الدليل ما دل على استحسانهم له وهو جريان ذلك في زمن النبي ~~عليه السلام مع علمه به وتقريره لهم عليه أو غير ذلك PageV04P166 # # | النوع الرابع المصالح المرسلة # وقد بينا في القياس حقيقة المصلحة وأقسامها في ذاتها وانقسامها باعتبار ~~شهادة الشارع لها إلى معتبرة وملغاة وإلى ما لم يشهد الشرع لها باعتبار ولا ~~إلغاء وبينا ما يتعلق بالقسمين الأولين ولم يبق غير القسم الثالث وهو ~~المعبر عنه بالمناسب المرسل وهذا أوان النظر فيه # وقد اتفق الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم على امتناع التمسك به وهو ~~الحق إلا ما نقل عن مالك أنه يقول به مع إنكار أصحابه لذلك عنه ولعل النقل ~~إن صح عنه فالأشبه أنه لم يقل بذلك في كل مصلحة بل فيما كان من المصالح ~~الضرورية الكلية الحاصلة قطعا لا فيما كان من المصالح غير ضروري ولا كلي ~~ولا وقوعه قطعي وذلك كما لو تترس الكفار بجماعة من المسلمين بحيث لو كففنا ~~عنهم لغلب الكفار على دار الإسلام واستأصلوا شأفة المسلمين ولو رمينا الترس ~~وقتلناهم اندفعت المفسدة عن كافة المسلمين قطعا غير ms859 أنه يلزم منه قتل مسلم ~~لا جريمة له # فهذا القتل وإن كان مناسبا في هذه الصورة والمصلحة ضرورية كلية قطعية غير ~~أنه لم يظهر من الشارع اعتبارها ولا إلغاؤها في صورة # وإذا عرف ذلك فالمصالح على ما بينا منقسمة إلى ما عهد من الشارع اعتبارها ~~وإلى ما عهد منه إلغاؤها # وهذا القسم متردد بين ذينك القسمين PageV04P167 وليس الحاقه بأحدهما أولى ~~من الآخر فامتنع الاحتجاج به دون شاهد بالاعتبار يعرف أنه من قبيل المعتبر ~~دون الملغى # فإن قيل ما ذكرتموه فرع تصور وجود المناسب المرسل وهو غير متصور وذلك ~~لأنا أجمعنا على أن ثم مصالح معتبرة في نظر الشارع في بعض الأحكام وأي وصف ~~قدر من الأوصاف المصلحية فهو من جنس ما اعتبر وكان من قبيل الملائم الذي ~~أثر جنسه في جنس الحكم وقد قلتم به قلنا وكما أنه من جنس المصالح المعتبرة ~~فهو من جنس المصالح الملغاة فإن كان يلزم من كونه من جنس ما اعتبر من ~~المصالح أن يكون معتبرا فيلزم أن يكون ملغى ضرورة كونه من جنس المصالح ~~الملغاة وذلك يؤدي إلى أن يكون الوصف الواحد معتبرا ملغى بالنظر إلى حكم ~~واحد وهو محال # وإذا كان كذلك فلا بد من بيان كونه معتبرا بالجنس القريب منه لنأمن ~~إلغاءه والكلام فيما إذا لم يكن كذلك PageV04P168 # # | القاعدة الثالثة في المجتهدين وأحوال المفتين والمستفتين وتشتمل على ~~بابين # # | الباب الأول في المجتهدين # ويشتمل على مقدمة ومسائل # أما المقدمة ففي تعريف معنى الاجتهاد والمجتهد والمجتهد فيه # أما ( الاجتهاد ) فهو في اللغة عبارة عن استفراغ الوسع في تحقيق أمر من ~~الأمور مسلتزم للكلفة والمشقة # ولهذا يقال اجتهد فلان في حمل حجر البزارة ولا يقال اجتهد في حمل خردلة # وأما في اصطلاح الأصوليين فمخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من ~~الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه # فقولنا ( استفراغ الوسع ) كالجنس للمعنى اللغوي والأصولي وما وراءه خواص ~~مميزة للاجتهاد بالمعنى الأصولي # وقولنا ( في طلب الظن ) احتراز عن الأحكام القطعية وقولنا ms860 ( بشيء من ~~الأحكام الشرعية ) ليخرج عنه الاجتهاد في المعقولات والمحسات وغيرها # وقولنا ( بحيث يحس من النفس العجز عن المزيد فيه ) ليخرج عنه اجتهاد ~~المقصر في اجتهاده مع إمكان الزيادة عليه فإنه لا يعد في اصطلاح الأصوليين ~~اجتهادا معتبرا PageV04P169 # وأما ( المجتهد ) فكل من اتصف بصفة الاجتهاد وله شرطان الشرط الأول أن ~~يعلم وجود الرب تعالى وما يجب له من الصفات ويستحقه من الكمالات وأنه واجب ~~الوجود لذاته حي عالم قادر مريد متكلم حتى يتصور منه التكليف وأن يكون ~~مصدقا بالرسول وما جاء به من الشرع المنقول بما ظهر على يده من المعجزات ~~والآيات الباهرات ليكون فيما يسنده إليه من الأقوال والأحكام محققا # ولا يشترط أن يكون عارفا بدقائق علم الكلام متبحرا فيه كالمشاهير من ~~المتكلمين بل أن يكون عارفا بما يتوقف عليه الإيمان مما ذكرناه ولا يشترط ~~أن يكون مستند علمه في ذلك الدليل المفصل بحيث يكون قادرا على تقريره ~~وتحريره ودفع الشبه عنه كالجاري من عادة الفحول من أهل الأصول بل أن يكون ~~عالما بأدلة هذه الأمور من جهة الجملة لا من جهة التفصيل # الشرط الثاني أن يكون عالما عارفا بمدارك الأحكام الشرعية وأقسامها وطرق ~~إثباتها ووجوه دلالاتها على مدلولاتها واختلاف مراتبها والشروط المعتبرة ~~فيها على ما بيناه وأن يعرف جهات ترجيحها عند تعارضها وكيفية استثمار ~~الأحكام منها قادرا على تحريرها وتقريرها والانفصال عن الاعتراضات الواردة ~~عليها # وإنما يتم ذلك بأن يكون عارفا بالرواة وطرق الجرح والتعديل والصحيح ~~والسقيم كأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأن يكون عارفا بأسباب النزول والناسخ ~~والمنسوخ في النصوص الإحكامية عالما باللغة والنحو ولا يشترط أن يكون في ~~اللغة كالأصمعي وفي النحو كسيبويه والخليل بل أن يكون قد حصل من ذلك على ما ~~يعرف به أوضاع العرب والجاري من عاداتهم في المخاطبات بحيث يميز بين دلالات ~~الألفاظ من PageV04P170 المطابقة والتضمين والالتزام والمفرد والمركب ~~والكلي منها والجزئي والحقيقة والمجاز والتواطىء والاشتراك والترادف ~~والتباين والنص والظاهر والعام والخاص والمطلق والمقيد والمنطوق والمفهوم ~~والاقتضاء والإشارة والتنبيه والإيماء ونحو ms861 ذلك مما فصلناه # ويتوقف عليه استثمار الحكم من دليله # وذلك كله أيضا إنما يشترط في حق المجتهد المطلق المتصدي للحكم والفتوى في ~~جميع مسائل الفقه # وأما الاجتهاد في حكم بعض المسائل فيكفي فيه أن يكون عارفا بما يتعلق ~~بتلك المسألة وما لا بد منه فيها ولا يضره في ذلك جهله بما لا تعلق له بها ~~مما يتعلق بباقي المسائل الفقهية كما أن المجتهد المطلق قد يكون مجتهدا في ~~المسائل المتكثرة بالغا رتبة الاجتهاد فيها وإن كان جاهلا ببعض المسائل ~~الخارجة عنها فإنه ليس من شرط المفتي أن يكون عالما بجميع أحكام المسائل ~~ومداركها # فإن ذلك مما لا يدخل تحت وسع البشر # ولهذا نقل عن مالك أنه سئل عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين منها لا ~~أدري # وأما ما فيه الاجتهاد فما كان من الأحكام الشرعية دليله ظني # فقولنا ( من الأحكام الشرعية ) تمييز له عما كان من القضايا العقلية ~~واللغوية وغيرها # وقولنا ( دليله ظني ) تمييز له عما كان دليله منها قطعيا كالعبادات الخمس ~~ونحوها فإنها ليست محلا للاجتهاد فيها لأن المخطىء فيها يعد آثما والمسائل ~~الاجتهادية ما لا يعد المخطىء فيها باجتهاده آثما # هذا ما أردناه من بيان المقدمة # وأما المسائل فاثنتا عشرة مسألة PageV04P171 # # | المسألة الاولى # اختلفوا في أن النبي عليه السلام هل كان متعبدا بالاجتهاد فيما لا نص فيه ~~فقال أحمد بن حنبل والقاضي أبو يوسف إنه كان متعبدا به وقال أبو علي ~~الجبائي وابنه أبو هاشم إنه لم يكن متعبدا به # وجوز الشافعي في رسالته ذلك من غير قطع وبه قال بعض أصحاب الشافعي ~~والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري # ومن الناس من قال إنه كان له الاجتهاد في أمور الحروب دون الأحكام ~~الشرعية # والمختار جواز ذلك عقلا ووقوعه سمعا # أما الجواز العقلي فلأنا لو فرضنا أن الله تعالى تعبده بذلك وقال له حكمي ~~عليك أن تجتهد وتقيس لم يلزم عنه لذاته محال عقلا ولا معنى للجواز العقلي ~~سوى ذلك # وأما الوقوع السمعي فيدل عليه الكتاب والسنة والمعقول ms862 أما الكتاب فقوله ~~تعالى @QB@ فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ الحشر 2 أمر بالاعتبار على ~~العموم لأهل البصائر والنبي عليه السلام أجلهم في ذلك فكان داخلا في العموم ~~وهو دليل التعبد بالاجتهاد والقياس على ما سبق تقريره في إثبات القياس على ~~منكريه وأيضا قوله تعالى @QB@ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس بما أراك الله @QE@ النساء 15 وما أراه يعم الحكم بالنص والاستنباط ~~من النصوص وأيضا قوله تعالى وشاورهم في الأمر PageV04P172 والمشاورة إنما ~~تكون فيما يحكم فيه بطريق الاجتهاد لا فيما يحكم فيه بطريق الوحي # وأيضا قوله تعالى بطريق العتاب للنبي عليه السلام في أسارى بدر وقد ~~أطلقهم @QB@ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض @QE@ الأنفال ~~67 فقال عليه السلام لو نزل من السماء إلى الأرض عذاب ما نجا منه إلا عمر ~~لأنه كان قد أشار بقتلهم وذلك يدل على أن ذلك كان بالاجتهاد لا بالوحي # وأيضا قوله تعالى @QB@ عفا الله عنك لم أذنت لهم @QE@ التوبة 43 عاتبه ~~على ذلك ونسبه إلى الخطإ وذلك لا يكون فيما حكم فيه بالوحي فلم يبق سوى ~~الاجتهاد وليس ذلك خاصا بالنبي عليه السلام بل كان غيره أيضا من الأنبياء ~~متعبدا بذلك # ويدل عليه قوله تعالى @QB@ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث @QE@ ~~الأنبياء 78 الآية وقوله @QB@ ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ ~~الأنبياء 79 وما يذكر بالتفهيم إنما يكون بالاجتهاد لا بطريق الوحي # وأما السنة فما روى الشعبي أنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي ~~القضية وينزل القرآن بعد ذلك بغير ما كان قضى به فيترك ما قضى به على حاله ~~ويستقبل ما نزل به القرآن والحكم بغير القرآن لا يكون إلا باجتهاد # وأيضا ما روي عنه أنه قال في مكة لا يختلا خلاها ولا يعضد شجرها # فقال العباس إلا الأذخر # فقال عليه السلام ألا إلا ذخر PageV04P173 ومعلوم أن الوحي لم ينزل عليه ~~في تلك الحالة فكان الاستثناء بالاجتهاد # وأيضا ما روى عنه عليه السلام أنه قال العلماء ورثة ms863 الأنبياء وذلك يدل ~~على أنه كان متعبدا بالاجتهاد والا لما كانت علماء أمته وارثة لذلك عنه وهو ~~خلاف الخبر # وأما المعقول فمن وجهين الأول أن العمل بالاجتهاد أشق من العمل بدلالة ~~النص لظهوره وزيادة المشقة سبب لزيادة الثواب لقوله عليه السلام لعائشة ~~ثوابك على قدر نصبك وقوله عليه السلام أفضل العبادات أحمذها أي أشقها فلو ~~لم يكن النبي عليه السلام عاملا بالاجتهاد مع عمل أمته به # لزم اختصاصهم بفضيلة لم توجد له وهو ممتنع فإن آحاد أمة النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يكون أفضل من النبي في شيء أصلا # الثاني أن القياس هو النظر في ملاحظة المعنى المستنبط من الحكم المنصوص ~~عليه وإلحاق نظير المنصوص به بواسطة المعنى المستبنط والنبي عليه السلام ~~أولى بمعرفة ذلك من غيره لسلامة نظره وبعده عن الخطإ والإقرار عليه ~~PageV04P174 # وإذا عرف ذلك فقد ترجح في نظره إثبات الحكم في الفرع ضرورة فلو لم يقض به ~~لكان تاركا لما ظنه حكما لله تعالى على بصيرة منه وهو حرام بالإجماع # فإن قيل ما ذكرتموه في بيان الجواز العقلي فالاعتراض عليه يأتي فيما ~~نذكره من المعقول # وأما الآية الأولى فقد سبق الاعتراض عليها فيما تقدم # وأما قوله تعالى @QB@ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما ~~أراك الله @QE@ النساء 105 أي بما أنزل اليك # وأما الآية الثالثة فالمراد منها المشاورة في أمور الحروب والدنيا وكذلك ~~العتاب في قوله تعالى @QB@ عفا الله عنك لم أذنت لهم @QE@ التوبة 43 # وأما عتابه في أسارى بدر فلعله كان مخيرا بالوحي بين قتل الكل أو إطلاق ~~الكل أو فداء الكل فأشار بعض الأصحاب بإطلاق البعض دون البعض فنزل العتاب ~~للذين عينوا لا لرسول الله صلى الله عليه وسلم غير أنه ورد بصيغة الجمع في ~~قوله تريدون عرض الدنيا والمراد به أولئك خاصة # وأما الخبر الأول فهو مرسل ولا حجة في المراسيل كما سبق # وإن كان حجة غير أنه يحتمل أنه كان يقضي بالوحي والوحي الثاني يكون ناسخا ~~للأول # أما الخبر الثاني ms864 فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مريدا لاستثناء ~~الإذخر فسبقه به العباس # وأما الخبر الثالث فيدل على أن العلماء ورثة الأنبياء فيما كان للأنبياء # ولا نسلم أن الاجتهاد كان للأنبياء حتى يكون موروثا عنهم كيف ويحتمل أنه ~~أراد به الإرث في تبليغ أحكام الشرع إلى العامة كما كان الأنبياء مبلغين ~~للمبعوث إليهم ويحتمل أنه أراد به الإرث فيما كان للأنبياء في حفظ قواعد ~~الشريعة PageV04P175 وأما الوجه الأول من المعقول فالثواب فيما عظمت مشقته ~~وإن كان أكثر ولكن لا يلزم منه ثبوته للنبي عليه السلام وإلا لما ساغ له ~~الحكم إلا بالاجتهاد تحصيلا لزيادة الثواب وهو ممتنع واختصاص علماء الأمة ~~بذلك دون النبي عليه السلام لا يوجب كونهم أفضل من النبي صلى الله عليه ~~وسلم مع اختصاصه بمنصب الرسالة ورتبة النبؤة وتشريفه بالبعثة وهداية الخلق ~~بعد الضلالة على جهة العموم # وأما الوجه الثاني وإن كان النبي عليه السلام أشد علما من غيره بمعرفة ~~القياس وجهات الاستنباط إلا أن وجوب العمل به في حقه مشروط بعدم معرفة ~~الحكم بالوحي # وهذا الشرط مما لم يتبين في حقه عليه السلام فلا مشروط وهذا بخلاف علماء ~~أمته فافترقا # وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على تعبده بالقياس والاجتهاد غير أنه معارض ~~بما يدل على عدمه # وبيانه من جهة الكتاب والمعقول أما الكتاب فقوله تعالى @QB@ وما ينطق عن ~~الهوى إن هو إلا وحي يوحى @QE@ النجم 3 4 وقوله تعالى @QB@ ما يكون لي أن ~~أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي @QE@ يونس 15 وذلك ينفي أن ~~يكون الحكم الصادر عنه بالاجتهاد # وأما المعقول فمن عشرة أوجه الأول أن النبي عليه السلام نزل منزلا فقيل ~~له إن كان ذلك عن وحي فالسمع والطاعة وإن كان ذلك عن رأي فليس ذلك منزل ~~مكيدة # فقال بل هو بالرأي فدل على أنه تجوز مراجعته في الرأي وقد علم أنه لا ~~تجوز مراجعته في الأحكام الشرعية فلا تكون عن رأي # الثاني أنه لو كان في الأحكام الصادرة عنه ms865 ما يكون عن اجتهاد لجاز أن ~~PageV04P176 لا يجعل أصلا لغيره وأن يخالف فيه وأن لا يكفر مخالفه لأن جميع ~~ذلك من لوازم الأحكام الثابتة بالاجتهاد # الثالث لو كان متعبدا بالاجتهاد لأظهره ولما توقف على الوحي فيما كان ~~يتوفق فيه في بعض الوقائع لما فيه من ترك ما وجب عليه من الاجتهاد واللازم ~~ممتنع # الرابع أن الاجتهاد لا يفيد سوى الظن والنبي عليه السلام كان قادرا على ~~تلقي الأحكام من الوحي القاطع والقادر على تحصيل اليقين لا يجوز له المصير ~~إلى الظن كالمعاين للقبلة لا يجوز له الاجتهاد فيها # الخامس أن الأمور الشرعية مبنية على المصالح التي لا علم للخلق بها # فلو قيل للنبي عليه السلام احكم بما ترى كان ذلك تفويضا إلى من لا علم له ~~بالأصلح وذلك مما يوجب اختلال المصالح الدينية والأحكام الشرعية # السادس أن لنا صوابا في الرأي وصدقا في الخبر وقد أجمعنا على أن النبي ~~عليه السلام ليس له أن يخبر بما لا يعلم كونه صدقا فكذلك لا يجوز له الحكم ~~بما لا علم له بصوابه # السابع أنه لو جاز أن يكون متعبدا بالاجتهاد لجاز أن يرسل الله رسولا ~~ويجعل له أن يشرع شريعة برأيه وأن ينسخ ما تقدمه من الشرائع المنزلة من ~~الله تعالى وأن ينسخ أحكاما أنزلها الله تعالى عليه برأيه وذلك ممتنع # الثامن أنه لو جاز صدور الأحكام الشرعية عن رأيه واجتهاده فربما أورث ذلك ~~تهمة في حقه وأنه هو الواضع للشريعة من تلقاء نفسه وذلك مما يخل بمقصود ~~البعثة وهو ممتنع # التاسع أن الاجتهاد عرضة للخطإ فوجب صيانة النبي عليه السلام عنه # العاشر أن الاجتهاد مشروط بعدم النص وهذا الشرط غير متحقق في حق النبي ~~عليه السلام لأن الوحي متوقع في حقه في كل حالة PageV04P177 # والجواب عما ذكروه على الآية الأولى قد سبق فيما تقدم أيضا وعما ذكروه ~~على الآية الثانية من وجهين # الأول أن الحكم بما استنبط من المنزل يكون حكما بالمنزل لأنه حكم بمعناه # ولهذا قال في آخر الآية @QB@ فاعتبروا ms866 يا أولي الأبصار @QE@ الحشر 2 # الثاني أن حكمه بالاجتهاد # حكم بما أراه الله فتقييده بالمنزل خلاف الإطلاق # وعما ذكروه على الآية الثالثة أنه إنما أمر بالمشاورة في أمر الفداء وهو ~~من أحكام الدين لتعلقه بأعظم مصالح العبادات وبتقدير أن يكون كما ذكروه فهو ~~حجة على من خالف فيه وبه دفع ما ذكروا على الآية الرابعة # وعما ذكروه على العتاب في أسارى بدر فهو على خلاف عموم الخطاب الوارد في ~~الآية وتخصيص من غير دليل فلا يصح # وعما ذكروه على الخبر الأول من السنة بما بيناه فيما سبق من أن المرسل ~~حجة # وقولهم يحتمل أنه كان يحكم بالوحي والوحي الثاني ناسخ له # قلنا النسخ خلاف الأصل لما فيه من تعطليل الدليل المنسوخ وذلك وإن كان ~~نسخا لما حكم به النبي عليه السلام غير أن تعطيل دليل الاجتهاد بنسخ حكمه ~~أولى من تعطيل القرآن # وعما ذكروه على الخبر الثاني أنه لو كان الإذخر مستثنى فيما نزل إليه ~~لكان تأخيره إلى ما بعد قول العباس تأخيرا للاستثناء عن المستثنى منه مع ~~دعو الحاجة إلى اتصاله به حذرا من التلبيس خلاف الأصل # وعما ذكروه على الخبر الثالث أن الظاهر من قوله العلماء ورثة الأنبياء ~~فيما اختصوا به من العلم مطلقا فلو لم تكن علومهم الاجتهادية موروثة عن ~~PageV04P178 الأنبياء لكان ذلك تقييدا للمطلق وتخصيصا للعام من غير ضرورة ~~وهو ممتنع # وبه يبطل ما ذكروه من التأويلات # وعما ذكروه على الوجه الأول من المعقول إنما يصح أن لو كان ذلك ممكنا في ~~جميع الأحكام وليس كذلك فان الاجتهاد بالقياس يستدعي أصلا ثابتا لا ~~بالاجتهاد قطعا للتسلسل # قولهم إنه قد اختص بمنصب الرسالة فلا يكون أحد أفضل منه قلنا وإن كان ~~كذلك غير أن زيادة الثواب بزيادة المشقة نوع فضيلة فيبعد اختصاص أحد من ~~أمته بفضيلة لا تكون موجودة في حق النبي عليه السلام وإلا كان أفضل منه من ~~تلك الجهة وهو بعيد # وعما ذكروه على الثاني من المعقول أنه باطل باجتهاد أهل عصره فإنه كان ~~واقعا ms867 بدليل تقريره لمعاذ على قوله أجتهد رأيي ولم يكن احتمال معرفة الحكم ~~بورود الوحي إلى النبي عليه السلام مانعا من الاجتهاد في حقه وإنما المانع ~~وجود النص لاحتمال وجوده # وعن المعارضة بالآية الأولى أنها إنما تتناول ما ينطق به واجتهاده من ~~فعله لا من نطقه والخلاف إنما هو في الاجتهاد لا في النطق # فإن قيل فإذا اجتهد فلا بد وأن ينطق بحكم اجتهاده والإخبار عما ظنه من ~~الحكم فتكون الآية متناولة له ومن المعلوم أن ما ينطق به إذا كان مستنده ~~الاجتهاد فليس عن وحي وإن لم يكن عن هوى # قلنا إذا كان متعبدا بالاجتهاد من قبل الشارع وقيل له مهما ظننت باجتهادك ~~حكما فهو حكم الشرع فنطقه بذلك يكون عن وحي لا عن هوى # وعن الآية الثانية أنها إنما تدل على أن تبديله للقرآن ليس من تلقاء نفسه ~~وإنما هو بالوحي والنزاع إنما وقع في الاجتهاد والاجتهاد وإن وقع في دلالة ~~القرآن فذلك تأويل لا تبديل # وعن المعارضة الأولى من جهة المعقول أن المراجعة إنما كانت في أمر ~~PageV04P179 دنيوي متعلق بالحروب وليس ذلك من المراجعة في أحكام الشرع في ~~شيء # وعن الثانية لا نسلم أن ما ذكروه من لوازم الأحكام الثابتة بالاجتهاد ~~بدليل إجماع الأمة على الاجتهاد واجتهاد النبي عليه السلام لا يتقاصر عن ~~اجتهاد الأمة الذين ثبتت عصمتهم بقول الرسول إن لم يكن مترجحا عليه # وعن الثالثة أنه لا مانع أن يكون متعبدا بالاجتهاد وإن لم يظهره صريحا ~~لمعرفة ذلك لما ذكرناه من الأدلة # وأما تأخره عن جواب بعض ما كان يسأل عنه فلاحتمال انتظار النص الذي لا ~~يجوز معه الاجتهاد إلى حين اليأس منه أو لأنه كان في مهلة النظر في ~~الاجتهاد فيما سئل عنه فأن زمان الاجتهاد في الأحكام الشرعية غير مقدر # وعن الرابعة النقض بما وقع الإجماع عليه من تعبد النبي عليه السلام ~~بالحكم بقول الشهود حتى قال إنكم لتختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من ~~بعض مع إمكان انتظاره في ذلك لنزول الوحي الذي ms868 لا ريب فيه # وعن الخامسة أنها مبنية على وجوب اعتبار المصالح وهو غير مسلم على ما ~~عرفناه في علم الكلام # وإن سلمنا ذلك فلا مانع من إلهام الله تعالى له بالصواب فيما يجتهد فيه ~~من الحوادث كيف وإن ما ذكروه منتقض بتعبد غيره بالاجتهاد # وعن السادسة من ثلاثة أوجه # الأول أنها تمثيل من غير جامع صحيح فلا تكون حجة # الثاني الفرق وهو أن الإخبار بما لا يعلم كونه صادقا قد لا نأمن فيه ~~الكذب وهو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه وذلك مما لا يجوز لأحد ~~الإقدام عليه # وأما الاجتهاد فعلى قولنا بأن كل مجتهد مصيب فالنبي أولى أن يكون مصيبا ~~في اجتهاده والخطأ في الاجتهاد مبني على أن الحكم عند الله تعالى ~~PageV04P180 واحدة في كل واقعة في نفس الأمر وليس كذلك بل الحكم عند الله ~~في كل واقعة ما أدى إليه نظر المجتهد على ما يأتي تقريره # الثالث أن ما ذكروه منتقض بإجماع الأمة إذا كان عن اجتهاد # وعن السابعة أنها أيضا تمثيل من غير جامع صحيح كيف وإنا لا نمنع من إرسال ~~رسول بما وصفوه لا عقلا ولا شرعا فإن لله تعالى أن يفعل ما يشاء ويحكم بما ~~يريد ولا سيما إذا قلنا بأن المصالح غير معتبرة في أفعاله تعالى # وإن قلنا إنها معتبرة فلا يبعد أن يعلم الله تعالى المصلحة للمكلفين في ~~إرسال رسول بهذه المثابة ويعصمه عن الخطإ في اجتهاده كما في إجماع الأمة # وعن الثامنة أن التهمة منفية عنه في وضع الشريعة برأيه بما دل على صدقه ~~فيما يدعيه من تبليغ الأحكام بجهة الرسالة من المعجزة القاطعة # وعن التاسعة أنا لا نسلم أن كل اجتهاد في الأحكام الشرعية عرضة للخطإ ~~بدليل إجماع الصحابة على الاجتهاد # واجتهاد النبي عليه السلام غير متقاصر عن اجتهاد أهل الإجماع فكان معصوما ~~فيه عن الخطإ # وعن العاشرة أن المانع من الاجتهاد دائما هو وجود النص لا إمكان وجود ~~النص ثم ما ذكروه منتقض باجتهاد الصحابة في زمن النبي ms869 عليه السلام # # | المسألة الثانية # اتفقوا على جواز الاجتهاد بعد النبي عليه السلام واختلفوا في جواز ~~الاجتهاد لمن عاصره # فذهب الأكثرون إلى جوازه عقلا ومنع منه الأقلون ثم اختلف القائلون ~~بالجواز في ثلاثة أمور الأول منهم من جوز ذلك للقضاة والولاة في غيبته دون ~~حضوره ومنهم من جوزه مطلقا PageV04P181 # الثاني أن منهم من قال بجواز ذلك مطلقا إذا لم يوجد من ذلك منع ومنهم من ~~قال لا يكتفي في ذلك بمجرد عدم المنع بل لا بد من الإذن في ذلك ومنهم من ~~قال السكوت عنه مع العلم بوقوعه كاف # الثالث اختلفوا في وقوع التعبد به سمعا فمنهم من قال إنه كان متعبدا به ~~ومنهم من توقف في ذلك مطلقا كالجبائي ومنهم من توقف في حق من حضر دون من ~~غاب كالقاضي عبد الجبار # والمختار جواز ذلك مطلقا وأن ذلك مما وقع مع حضوره وغيبته ظنا لا قطعا # أما الجواز العقلي فيدل عليه ما دللنا به على جواز ذلك في حق النبي عليه ~~السلام في المسألة المتقدمة # وأما بيان الوقوع أما في حضرته فيدل عليه قول أبي بكر رضي الله عنه في حق ~~أبي قتادة حيث قتل رجلا من المشركين فأخذ سلبه غيره لا نقصد إلى أسد من أسد ~~الله يقاتل عن الله ورسوله فنعطيك سلبه # فقال النبي عليه السلام صدق وصدق في فتواه ولم يكن قال ذلك بغير الرأي ~~والاجتهاد # وأيضا ما روي عن النبي عليه السلام أنه حكم سعد بن معاذ في بني قريظة ~~فحكم بقتلهم وسبي ذراريهم بالرأي فقال عليه السلام لقد حكمت بحكم الله من ~~فوق سبعة أرقعة # وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه أمر عمرو بن العاص وعقبة بن عامر ~~الجهني أن يحكما بين خصمين وقال لهما إن أصبتما فلكما عشر حسنات وإن ~~أخطأتما فلكما حسنة واحدة # وأما في غيبته فيدل عليه قصة معاذ وعتاب بن أسيد حين بعثهما قاضيين إلى ~~اليمن # فإن قيل الموجود في عصر النبي عليه السلام قادر على معرفة الحكم ~~PageV04P182 بالنص وبالرسول ms870 عليه السلام # والقادر على التوصل إلى الحكم على وجه يؤمن فيه الخطأ إذا عدل إلى ~~الاجتهاد الذي لا يؤمن فيه الخطأ كان قبيحا والقبيح لا يكون جائزا # وأيضا فإن الحكم بالرأي في حضرة النبي عليه السلام من باب التعاطي ~~والافتيات على النبي عليه السلام وهو قبيح فلا يكون جائزا # وهذا بخلاف ما بعد النبي عليه السلام # وأيضا فإن الصحابة كانوا يرجعون عند وقوع الحوادث إلى النبي عليه السلام ~~ولو كان الاجتهاد جائزا لهم لم يرجعوا إليه # وأما ما ذكرتموه من أدلة الوقوع فهي أخبار آحاد لا تقوم الحجة بها في ~~المسائل القطعية وبتقدير أن تكون حجة فلعلها خاصة بمن وردت في حقه غير عامة # والجواب عن السؤال الأول ما مر في جواز اجتهاد النبي عليه السلام # وعن الثاني أن ذلك إذا كان بأمر رسول الله وإذنه فيكون ذلك من باب امتثال ~~أمره لا من باب التعاطي والافتيات عليه # وعن قولهم ( إن الصحابة كانوا يرجعون في أحكام الوقائع إلى النبي عليه ~~السلام ) يمكن أن يكون ذلك فيما لم يظهر لهم فيه وجه الاجتهاد وإن ظهر غير ~~أن القادر على التوصل إلى مقصوده بأحد طريقين لا يمتنع عليه العدول عن ~~أحدهما إلى الآخر ولا يخفى أنه إذا كان الاجتهاد طريقا يتوصل به إلى الحكم ~~فالرجوع إلى النبي عليه السلام أيضا طريق آخر # وما ذكروه من أن الأخبار المذكورة في ذلك أخبار آحاد فهو كذلك غير أن ~~المدعي إنما هو حصول الظن بذلك دون القطع # قولهم يحتمل أن يكون ذلك خاصا بمن وردت تلك الأخبار في حقه PageV04P183 ~~قلنا المقصود من الأخبار المذكورة إنما هو الدلالة على وقوع الاجتهاد في ~~زمن النبي عليه السلام ممن عاصره لا بيان وقوع الاجتهاد من كل من عاصره # # | المسألة الثالثة # مذهب الجمهور من المسلمين أنه ليس كل مجتهد في العقليات مصيبا وأن الإثم ~~غير محطوط عن مخالف ملة الإسلام سواء نظر وعجز عن معرفة الحق أم لم ينظر # وقال الجاحظ وعبيد الله بن الحسن العنبري من المعتزلة بحط ms871 الإثم عن مخالف ~~ملة الإسلام إذا نظر واجتهد فأداه اجتهاده إلى معتقده وأنه معذور بخلاف ~~المعاند # وزاد عبيد الله بن الحسن العنبري بأن قال كل مجتهد في العقليات مصيب وهو ~~إن أراد بالإصابة موافقة الإعتقاد للمعتقد فقد أحال وخرج عن المعقول وإلا ~~كان يلزم من ذلك أن يكون حدوث العالم وقدمه في نفس الأمر حقا عند اختلاف ~~الاجتهاد وكذلك في كل قضية عقلية اعتقد فيها النفي PageV04P184 والإثبات ~~بناء على ما أدى إليه من الاجتهاد وهو من أمحل المحالات وما أظن عاقلا يذهب ~~إلى ذلك # وإن أراد بالإصابة أنه أتى بما كلف به مما هو داخل تحت وسعه وقدرته من ~~الاجتهاد وأنه معذور في المخالفة غير آثم فهو ما ذهب إليه الجاحظ وهو أبعد ~~عن الأول في القبح # ولا شك أنه غير محال عقلا وإنما النزاع في إحالة ذلك وجوازه شرعا # وقد احتج الجمهور على مذهبهم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة # أما الكتاب فقوله تعالى @QB@ ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ~~النار @QE@ ص 27 وقوله @QB@ وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم @QE@ فصلت ~~23 وقوله تعالى @QB@ ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون @QE@ ~~المجادلة 18 # ووجه الاحتجاج بهذه الآيات أنه ذمهم على معتقدهم وتوعدهم بالعقاب عليه ~~ولو كانوا معذورين فيه لما كان كذلك # وأما السنة فما علم منه عليه السلام علما لا مراء فيه تكليفه للكفار من ~~اليهود والنصاري بتصديقه واعتقاد رسالته وذمهم على معتقداتهم وقتله لمن ظفر ~~بهم وتعذيبه على ذلك منهم مع العلم الضروري بأن كل من قاتله وقتله لم يكن ~~معاندا بعد ظهور الحق له بدليله فان ذلك مما تحيله العادة # ولو كانوا معذورين في اعتقاداتهم وقد أتوا بما كلفوا به لما ساغ ذلك منه # وأما الإجماع فهو أن الأمة من السلف قبل ظهور المخالفين اتفقوا أيضا على ~~قتال الكفار وذمهم ومهاجرتهم على اعتقاداتهم ولو كانوا معذورين في ذلك لما ~~ساغ ذلك من الأمة المعصومة عن الخطإ # فإن قيل أما الآية الأولى فغاية ما فيها ذم الكفار ms872 وذلك غير متحقق في ~~PageV04P185 محل النزاع لأن الكفر في اللغة مأخوذ من الستر والتغطية ومنه ~~يقال لليل كافر لأنه ساتر للحوادث وللحارث كافر لسترة الحب وذلك غير متصور ~~إلا في حق المعاند العارف بالدليل مع إنكاره لمقتضاه كيف وإنه يجب حمل هذه ~~الآية والآيتين بعدها على المعاند دون غيره جمعا بينه وبين ما سنذكره من ~~الدليل # وأما ما ذكرتموه من قتل النبي عليه السلام الكفار فلا نسلم أنه كان على ~~ما اعتقدوه عن اجتهادهم بل على إصرارهم على ذلك وإهمالهم لترك البحث عما ~~دعوا إليه والكشف عنه مع إمكانه # وأما الإجماع فلا يمكن الاستدلال به في محل الخلاف كيف وإنه يمكن حمل فعل ~~أهل الإجماع على ما حمل عليه فعل النبي عليه السلام # ودليل هذه التأويلات أن تكليفهم باعتقاد نقيض معتقدهم الذي أدى إليه ~~اجتهادهم واستفرغوا الوسع فيه تكليف بما لا يطاق وهو ممتنع للنص والمعقول # أما النص فقوله تعالى @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ البقرة 286 # وأما المعقول فهو أن الله تعالى رؤوف بعباده رحيم لهم فلا يليق به ~~تعذيبهم على ما لا قدرة لهم عليه # ولهذا كان الإثم مرتفعا عن المجتهدين في الأحكام الشرعية مع اختلاف ~~اعتقاداتهم فيها بناء على اجتهاداتهم المؤدية إليها كيف وقد نقل عن بعض ~~المعتزلة أنهم أولوا قول الجاحظ وابن العنبري بالحمل على المسائل الكلامية ~~المختلف فيها بين المسلمين ولا تكفير فيها كمسألة الرؤية وخلق الأعمال ~~PageV04P186 وخلق القرآن ونحو ذلك لأن الأدلة فيها ظنية متعارضة # الجواب عما ذكروه على الآية أنه خلاف الإجماع في صحة إطلاق اسم الكافر ~~على من اعتقد نقيض الحق وإن كان عن اجتهاد # وقولهم إن الكفر في اللغة مأخوذ من التغطية مسلم ولكن لا نسلم انتفاء ~~التغطية فيما نحن فيه وذلك لأنه باعتقاده لنقيض الحق بناء على اجتهاده مغط ~~للحق وهو غير متوقف على علمه بذلك # وما ذكروه من التأويل ففيه ترك الظاهر من غير دليل وما يذكرونه من الدليل ~~فسيأتي الكلام عليه # وما ذكروه على السنة فبعيد أيضا ms873 وذلك لأنه إن تعذر قتلهم وذمهم على ما ~~كانوا قد اعتقدوه عن اجتهادهم واستفراغ وسعهم فهو لازم أيضا على تعذر قتلهم ~~وذمهم على عدم تصديقه فيما دعاهم إليه لأن الكلام إنما هو مفروض فيمن أفرغ ~~وسعه وبذل جهده في التوصل إلى معرفة ما دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إليه ~~وتعذر عليه الوصول إليه # وما ذكروه في امتناع التمسك بالإجماع في محل الخلاف إنما يصح فيما كان من ~~الإجماع بعد الخلاف أو حالة الخلاف # وأما الإجماع السابق على الخلاف فهو حجة على المخالف وقد بينا سبقه # وما ذكروه من التأويل فجوابه كما تقدم # قولهم إن ذلك يفضي إلى التكليف بما لا يطاق لا نسلم ذلك فإن الوصول إلى ~~معرفة الحق ممكن بالأدلة المنصوبة عليه ووجود العقل الهادي وغايته امتناع ~~الوقوع باعتبار أمر خارج وذلك لا يمنع من التكليف به وإنما يمتنع ~~PageV04P187 من التكليف بما لا يكون ممكنا في نفسه كما سبق تقريره في موضعه # وما ذكروه فقد سبق تخريجه أيضا في مسألة تكليف ما لا يطاق # وأما رفع الإثم في المجتهدات الفقهية فإنما كان لأن المقصود منها إنما هو ~~الظن بها وقد حصل بخلاف ما نحن فيه فإن المطلوب فيها ليس هو الظن بل العلم ~~ولم يحصل # وما ذكروه من التأويل إن صح أنه المراد من كلام الجاحظ وابن العنبري ففيه ~~رفع الخلاف والعود إلى الحق ولا نزاع فيه # # | المسألة الرابعة # اتفق أهل الحق من المسلمين على أن الإثم محطوط عن المجتهدين في الأحكام ~~الشرعية وذهب بشر المريسي وابن علية وأبو بكر الأصم ونفاة القياس كالظاهرية ~~PageV04P188 والإمامية إلى أنه ما من مسألة إلا والحق فيها متعين وعليه ~~دليل قاطع فمن أخطأه فهو آثم غير كافر ولا فاسق # وحجة أهل الحق في ذلك ما نقل نقلا متواترا لا يدخله ريبة ولا شك وعلم ~~علما ضروريا من اختلاف الصحابة فيما بينهم في المسائل الفقهية كما بيناه ~~فيما تقدم مع استمرارهم على الاختلاف إلى انقراض عصرهم ولم يصدر من أحد ~~منهم نكير ولا ms874 تأثيم لأحد لا على سبيل الإبهام ولا التعيين مع علمنا بأنه ~~لو خالف أحد في وجوب العبادات الخمس وتحريم الزنى والقتل لبادروا إلى ~~تخطئته وتأثيمه # فلو كانت المسائل الاجتهادية نازلة منزلة هذه المسائل في كونها قطعية ~~ومأثوما على المخالفة فيها لبالغوا في الإنكار والتأثيم حسب مبالغتهم في ~~الإنكار على من خالف في وجوب العبادات الخمس وفي تأثيمه لاستحالة تواطئهم ~~على الخطإ ودلالة النصوص النازلة منزلة التواتر على عصمتهم عنه كما سبق ~~تقريره في مسائل الإجماع # فإن قيل فقد وقع الإنكار من بعضهم على بعض في العمل بالرأي والاجتهاد في ~~المسائل الفقهية كما ذكرناه في إثبات القياس على منكريه ومع الإنكار فلا ~~إجماع # وإن سلمنا عدم نقل إنكارهم لذلك فيحتمل أنهم أنكروا ولم ينقل إلينا # وبتقدير عدم صدور الإنكار منهم ظاهرا فيحتمل أنهم أضمروا الإنكار ~~والتأثيم تقية وخوفا من ثوران فتنة وهجوم آفة # قلنا أما السؤال الأول فقد أجبنا عنه فيما تقدم # وأما الثاني فهو خلاف مقتضى العادة فإنه لو وجد الإنكار لتوفرت الدواعي ~~على نقله واستحال في العادة كتمانه كما نقل عنهم الإنكار على الخوارج ~~ومانعي الزكاة وغير ذلك # وبمثل هذا يندفع أيضا ما ذكروه من السؤال الثالث # # | المسألة الخامسة # المسألة الظنية من الفقهيات إما أن يكون فيها نص أو لا يكون فإن لم يكن ~~فيها نص فقد اختلفوا فيها PageV04P189 فقال قوم كل مجتهد فيها مصيب وإن حكم ~~الله فيها لا يكون واحدا بل هو تابع لظن المجتهد فحكم الله في حق كل مجتهد ~~ما أدى إليه اجتهاده وغلب على ظنه وهو قول القاضي أبي بكر وأبي الهذيل ~~والجبائي وابنه # وقال آخرون المصيب فيها واحد ومن عداه مخطىء لأن الحكم في كل واقعة لا ~~يكون إلا معينا لأن الطالب يستدعي مطلوبا وذلك المطلوب هو الأشبه عند الله ~~في نفس الأمر بحيث لو نزل نص لكان نصا عليه # لكن منهم من قال بأنه لا دليل عليه وإنما هو مثل دفين يظفر به حالة ~~الاجتهاد بحكم الاتفاق فمن ظفر به فهو مصيب ms875 ومن لم يصبه فهو مخطىء # ومنهم من قال عليه دليل لكن اختلف هؤلاء فمنهم من قال إنه قطعي ثم اختلف ~~هؤلاء فمنهم من قال بتأثيم المجتهد بتقدير عدم الظفر به ونقض حكمه كأبي بكر ~~الأصم وابن علية وبشر المريسي ومنهم من قال بعدم التأثيم لخفاء الدليل ~~وغموضه فكان معذورا ومنهم من قال إنه ظني فمن ظفر به فهو مصيب وله أجران ~~ومن لم يصبه فهو مخطىء وله أجر واحد # وهذا هو مذهب ابن فورك والأستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني # ومنهم من نقل عنه القولان التخطئة والتصويب كالشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن ~~حنبل والأشعري # وأما إن كان في المسألة نص فإن قصر في طلبه فهو مخطىء آثم لتقصيره فيما ~~كلف به من الطلب # وإن لم يقصر فيه وأفرغ الوسع في طلبه لكن تعذر عليه الوصول إليه إما لبعد ~~المسافة أو لإخفاء الراوي له وعدم تبليغه فلا إثم لعدم تقصيره وهل هو مخطىء ~~أو مصيب ففيه من الخلاف ما سبق # والمختار إنما هو امتناع التصويب لكل مجتهد غير أن القائلين بذلك قد ~~PageV04P190 احتجوا بحجج ضعيفة لا بد من الإشارة إليها والتنبيه على ما ~~فيها ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار # الحجة الأولى من جهة الكتاب قوله تعالى @QB@ وداود وسليمان إذ يحكمان في ~~الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان @QE@ ~~الأنبياء 78 ووجه الاحتجاج به أنه خصص سليمان بفهم الحق في الواقعة وذلك ~~يدل على عدم فهم ( داود ) له وإلا لما كان التخصيص مفيدا وهو دليل اتحاد ~~حكم الله في الواقعة وأن المصيب واحد # وأيضا قوله تعالى @QB@ لعلمه الذين يستنبطونه منهم @QE@ النساء 83 وقوله ~~تعالى @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم @QE@ آل عمران 7 ~~ولولا أن في محل الاستنباط حكما معينا لما كان كذلك وأيضا قوله تعالى @QB@ ~~ولا تتفرقوا فيه @QE@ الشورى 13 @QB@ ولا تنازعوا فتفشلوا @QE@ الأنفال 46 ~~@QB@ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا @QE@ آل عمران 105 وذلك أيضا يدل ~~على اتحاد الحق في كل واقعة # ولقائل أن يقول ms876 على الآية الأولى غاية ما فيها تخصيص سليمان بالفهم ولا ~~دلالة له على عدم ذلك في حق ( داود ) إلا بطريق المفهوم وليس بحجة على ما ~~تقرر في مسائل المفهوم # وان سلمنا أنه حجة غير أنه قد روي أنهما حكما في تلك القضية بالنص حكما ~~واحدا ثم نسخ الله الحكم في مثل تلك القضية في المستقبل وعلم ( سليمان ) ~~بالنص الناسخ دون ( داود ) فكان هذا هو الفهم الذي أضيف إليه # والذي يدل عى هذا قوله تعالى @QB@ وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ ولو كان ~~PageV04P191 أحدهما مخطئا لما كان قد أتي في تلك الواقعة حكما وعلما # وإن سلمنا أن حكمهما كان مختلفا لكن يحتمل أنهما حكما بالاجتهاد مع الأذن ~~فيه وكانا محقين في الحكم إلا أنه نزل الوحي على وفق ما حكم به سليمان فصار ~~ما حكم به حقا متعينا بنزول الوحي به ونسب التفهيم إلى سليمان بسبب ذلك # وإن سلمنا أن داود كان مخطئا في تلك الواقعة غير أنه يحتمل أنه كان فيها ~~نص اطلع عليه سليمان دون داود ونحن نسلم الخطأ في مثل هذه الصورة وإنما ~~النزاع فيما إذا حكما بالاجتهاد وليس في الواقعة نص # وعلى الآية الثانية والثالثة أنه يجب حملهما على الأمور القطعية دون ~~الاجتهادية # ودليله قوله تعالى @QB@ لعلمه الذين يستنبطونه منهم @QE@ النساء 83 وقوله ~~تعالى @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم @QE@ آل عمران 7 ~~والقضايا الاجتهادية لا علم فيها وإن سلمنا أن المراد بهما القضايا ~~الاجتهادية فقوله تعالى @QB@ لعلمه الذين يستنبطونه منهم @QE@ النساء 83 ~~وقوله تعالى @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم @QE@ آل ~~عمران 7 يدل على تصويب المستنبطين والراسخين في العلم وليس فيه ما يدل على ~~تصويب البعض منهم دون البعض بل غايته الدلالة بمفهومه على عدم ذلك في حق ~~العوام ومن ليس من أهل الاستنباط والرسوخ في العلم # وعلى الآيات الدالة على النهي عن التفرق أن المراد منها إنما هو التفرق ~~في أصل الدين والتوحيد وما يطلب فيه القطع دون الظن # ويدل على ذلك ms877 أن القائلين بجواز الاجتهاد مجمعون على أن كل واحد من ~~المجتهدين مأمور باتباع ما أوجبه ظنه ومنهي عن مخالفته وهو أمر بالاختلاف ~~ونهي عن الاتفاق في المجتهدات # الحجة الثانية من جهة السنة قوله عليه السلام إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله ~~أجران وإن أخطأ فله أجر واحد وذلك صريح في انقسام الاجتهاد إلى خطإ وصواب # ولقائل أن يقول نحن نقول بموجب الخبر وأن الحاكم إذا أخطأ في PageV04P192 ~~اجتهاده فله أجر واحد غير أن الخطأ عندنا في ذلك إنما يتصور فيما إذا كان ~~في المسألة نص أو إجماع أو قياس جلى وخفي عليه بعد البحث التام عنه وذلك ~~غير متحقق في محل النزاع أو فيما إذا أخطأ في مطلوبه من رد المال إلى ~~مستحقه بسبب ظنه صدق الشهود وهم كاذبون أو مغالطة الخصم لكونه أخصم من خصمه ~~وألحن بحجته لا فيما وجب عليه من حكم الله تعالى # ولهذا قال عليه السلام إنما أحكم بالظاهر وإنكم لتختصمون إلي ولعل أحدكم ~~ألحن بمجته من صاحبه فمن حكمت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له ~~قطعة من النار # الحجة الثالثة من جهة الإجماع أن الصحابة أجمعوا على إطلاق لفظ الخطإ في ~~الاجتهاد فمن ذلك ما روى عن أبي بكر أنه قال أقول في الكلالة برأيي فإن يكن ~~صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان ومن ~~ذلك ما روي عن عمر أنه حكم بحكم فقال رجل حضره هذا والله الحق # فقال عمر أن عمر لا يدري أنه أصاب الحق لكنه لم يأل جهدا وروي عنه أنه ~~قال لكاتبه اكتب هذا ما رأى عمر فإن يكن خطأ فمنه وإن يكن صوابا فمن الله ~~وأيضا قوله في جواب المرأة التي ردت عليه النهي عن المبالغة في المهر أصابت ~~امرأة وأخطأ عمر ومن ذلك ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال في المرأة ~~التي استحضرها عمر فأجهضت ما في بطنها وقد قال له عثمان وعبد الرحمن بن عوف ms878 ~~إنما أنت مؤدب لا نرى عليك شيئا إن كانا قد اجتهدا فقد أخطأ وإن لم يجتهدا ~~فقد غشاك أرى عليك الدية ومن ذلك ما روي عن ابن مسعود أنه قال في المفوضة ~~أقول فيها PageV04P193 برأيي فإن كان صوابا فمن الله ورسوله وإن كان خطأ ~~فمني ومن الشيطان ومن ذلك ما روي أن عليا وابن مسعود وزيدا رضي الله عنهم ~~خطؤوا ابن عباس في ترك القول بالعول وأنكر عليهم ابن عباس قولهم بالعول ~~بقوله من شاء أن يباهلني باهلته إن الذي أحصى رمل عالج عددا لم يجعل في مال ~~واحد نصفا ونصفا وثلثا هذان نصفان ذهبا بالمال فأين موضع الثلث ومن ذلك ما ~~روي عن ابن عباس أنه قال ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ~~ولا يجعل أبا الأب أبا إلى غير ذلك من الوقائع ولم ينكر بعضهم على بعض في ~~التخطئة فكان ذلك إجماعا على أن الحق من أقاويلهم ليس إلا واحدا # ولقائل أن يقول نحن لا ننكر وقوع الخطإ في الاجتهاد لكن فيما إذا لم يكن ~~المجتهد أهلا للاجتهاد أو كان أهلا لكنه قصر في اجتهاده أو إن لم يقصر لكنه ~~خالف النص أو الإجماع أو القياس الجلي أو في مطلوبه دون ما وجب عليه من حكم ~~الله كما سبق تقريره في جواب السنة # وأما ما تم فيه الاجتهاد من أهله ولم يوجد له معارض مبطل فليس فيما ذكروه ~~من قضايا الصحابة ما يدل على وقوع الخطإ فيه # الحجة الرابعة من جهة المعقول من ستة أوجه # الأول أن الاجتهاد مكلف به بالإجماع فعند اختلاف المجتهدين في حكم ~~الحادثة ومصير كل واحد إلى مناقضة الآخر إما أن يكون اجتهاد كل واحد منهما ~~مستندا إلى دليل أو لا دليل لواحد منهما أو أن الدليل مستند أحدهما دون ~~الآخر فإن كان الأول فالدليلان المتقابلان إما أن يكون أحدهما راجحا على ~~الآخر أو هما متساويان فإن كان أحدهما راجحا فالذاهب إليه مصيب ومخالفه ~~مخطىء # وإن كان الثاني فمقتضاهما التخيير ms879 أو الوقف فالجازم بالنفي أو الإثبات ~~يكون مخطئا # وإن كان لا دليل لواحد منهما فهما PageV04P194 مخطئان # وإن كان الدليل لأحدهما دون الآخر فأحدهما مصيب والآخر مخطىء لا محالة # الثاني أن القول بتصويب المجتهدين يفضي عند اختلاف المجتهدين بالنفي ~~والإثبات أو الحل والحرمة في مسألة واحدة إلى الجمع بين النقيضين وهو محال ~~وما أفضى إلى المحال يكون محالا # الثالث أن الأمة مجمعة على تجويز المناظرة بين المجتهدين ولو كان كل واحد ~~مصيبا فيما ذهب إليه لم يكن للمناظرة معنى ولا فائدة وذلك لأن كل واحد ~~يعتقد أن ما صار اليه مخالفه حق وأنه مصيب فيه # والمناظرة إما لمعرفة أن ما صار إليه خصمه صواب أو لرده عنه فإن كان ~~الأول ففيه تحصيل الحاصل # وإن كان الثاني فقصد كل واحد لرد صاحبه عما هو عليه مع اعتقاده أنه صواب ~~يكون حراما # الرابع أن المجتهد في حال اجتهاده إما أن يكون له مطلوب أو يكون فإن كان ~~الأول فهو محال إذ المجتهد طالب وطالب لا مطلوب له محال # وإن كان الثاني فمطلوبه متقدم على اجتهاده ونظره وذلك مع عدم تعين ~~المطلوب في نفسه محال # الخامس أنه لو صح تصويب كل واحد من المجتهدين لوجب عند الاختلاف في ~~الآنية بالطهارة والنجاسة أن يقضى بصحة اقتداء كل واحد من المجتهدين بالآخر ~~لاعتقاد المأموم صحة صلاة إمامه # السادس أن القول بتصويب المجتهدين يلزم منه أمور ممتنعة فيمتنع # الأول أنه إذا تزوج شافعي بحنفية وكانا مجتهدين وقال لها أنت بائن فإنه ~~بالنظر إلى ما يعتقده الزوج من جواز الرجعة تجوز له المراجعة PageV04P195 ~~والمرأة بالنظر إلى ما تعتقده من امتناع الرجعة يحرم عليها تسليم نفسها ~~إليه وذلك مما يفضي إلى منازعة بينهما لا سبيل إلى رفعها شرعا وهو محال # الثاني أنه إذا نكح واحد امرأة بغير ولي ونكحها آخر بعده بولي فيلزم من ~~صحة المذهبين حل الزوجة للزوجين وهو محال # الثالث أن العامي إذا استفتى مجتهدين واختلفا في الحكم فإما أن يعمل ~~بقوليهما وهو محال أو بقول أحدهما ms880 ولا أولوية وإما لا بقول واحد منهما ~~فيكون متحيرا وهو ممتنع ولقائل أن يقول على الوجه الأول إن المختار إنما هو ~~القسم الأول من أقسامه # قولهم الدليلان إما أن يتساويا أو يترجح أحدهما على الآخر قلنا في نفس ~~الأمر أو في نظر الناظر الأول ممنوع وذلك لأن الأدلة في مسائل الظنون ليست ~~أدلة لذواتها وصفات أنفسها حتى تكون في نفس الأمر متساوية في جهة دلالتها ~~أو متفاوتة وإن كان في نظر الناظر فلا نسلم صحة هذه القسمة بل كل واحد ~~منهما راجح في نظر الناظر الذي صار إليه وذلك لأن الأدلة الظنية مما تختلف ~~باختلاف الظنون فهي أمور إضافية غير حقيقية كما أن ما وافق غرض زيد فهو حسن ~~بالنسبة إليه وإن كان قبيحا بالنسبة إلى من خالف غرضه # وعلى هذا فلا تخطئة على ما ذكروه # وإن سلمنا أن الدليلين في نفسيهما لا يخرجان عن المساواة أو الترجيح ~~لأحدهما على الآخر غير أن النزاع إنما هو في الخطإ بمعنى عدم الإصابة لحكم ~~الله في الواقعة لا بمعنى عدم الظفر بالدليل الراجح ولا يلزم من عدم الظفر ~~بالدليل الراجح عدم الظفر بحكم الله في الواقعة لأن حكم الله تعالى عندنا ~~عبارة عما أدى إليه نظر المجتهد وظنه لا ما أدى إليه الدليل الراجح في نفس ~~الأمر PageV04P196 # وعلى الوجه الثاني أن التناقض إنما يلزم أن لو اجتمع النفي والإثبات ~~والحل والحرمة في حق شخص واحد من جهة واحدة أما بالنظر إلى شخصين فلا # ولهذا فإن الميتة تحل للمضطر وتحرم على غيره وإفطار رمضان مباح للمريض ~~والمسافر ومن له عذر دون غيره # وفيما نحن فيه كذلك فأن من وجب عليه الحكم بالحل الذي أداه نظره إليه غير ~~من وجب عليه الحكم بالتحريم الذي أداه نظره إليه # ثم لو كان ذلك ممتنعا لما وجب على كل واحد من المجتهدين في القبلة إذا ~~أدى اجتهاده إلى خلاف ما أدى إليه اجتهاد الآخر التوجه إلى الجهة التي غلب ~~على ظنه أنها جهة القبلة كتحريم التوجه إليها ms881 بالنسبة إلى الآخر ولما حرم ~~على كل واحد ما وجب على الآخر وهو ممتنع # وعلى الثالث أن فائدة المناظرة غير منحصرة فيما ذكروه بل لها فوائد أخر ~~تجب المناظرة لها أو تستحب # فالأولى كالمناظرة لتعرف انتفاء الدليل القاطع الذي لا يجوز معه الاجتهاد ~~أو لطلب تعرف الترجيح عند تساوي الدليلين في نظر المجتهد حتى يجزم بالنفي ~~أو الإثبات أو يحل له الوقف أو التخيير لكونه مشروطا بعدم الترجيح # والثانية كالمناظرة التي يطلب بها تذليل طرق الاجتهاد والقوة على استثمار ~~الأحكام من الأدلة واستنباطها منها وشحذ الخاطر وتنبيه المستمعين على مدارك ~~الأحكام ومآخذها لتحريك دواعيهم إلى طلب رتبة الاجتهاد لنيل الثواب الجزيل ~~وحفظ قواعد الشريعة # وعلى الرابع أن مطلوب المجتهد ما يؤدي إليه نظره واجتهاده لا غير # وذلك غير معين لا عنده ولا عند الله تعالى # وعلى الخامس أن ما ذكروه إنما يلزم أن لو كان القضاء بصحة صلاة المأموم ~~مطلقا وليس كذلك # وإنما هي صحيحة بالنسبة إليه غير صحيحة PageV04P197 بالنسبة إلى مخالفه # وشرط صحة اقتداء المأموم بالإمام اعتقاد صحة صلاة إمامه بالنسبة إليه # وعلى السادس أما الإلزام الأول فلا نسلم إفضاء ذلك إلى منازعة لا ترتفع ~~لأنه يمكن رفعها فيما فرضوه من الصورة برفع الأمر إلى حاكم من حكام ~~المسلمين أو محكم منهم فما حكم به وجب اتباعه كيف وإن ما ذكروه لم يكن ~~لازما من القول بتصويب المجتهدين بل إنما كان لازما من القول بأنه يجب على ~~كل مجتهد اتباع ما أوجبه ظنه وسواء كان مخطئا أو مصيبا لأن المصيب غير معين ~~وذلك متفق عليه فما هو جواب لهم ها هنا فهو جواب الخصم في قوله بالتصويب # وإما الإلزام الثاني فنقول أي النكاحين وجد من معتقد صحته أولا فهو صحيح ~~والنكاح الثاني باطل لكونه نكاحا لزوجة الغير وإن صدر الأول ممن لا يعتقد ~~صحته كالنكاح بلا ولي من الشافعي فهو باطل والثاني صحيح # وأما الإلزام الثالث فنقول حكم العامي عند تعارض الفتاوى في حقه حكم ~~تعارض الدليلين في حق ms882 المجتهد من غير ترجيح # وحكم المجتهد في ذلك إما التوقف أو التخيير على ما يأتي والأقرب في ذلك ~~أن يقال الأصل عدم التصويب والأصل في كل متحقق دوامه إلا ما دل الدليل على ~~مخالفته # والأصل عدم الدليل المخالف فيما نحن فيه فيبقى فيه على حكم الأصل # غير أنا خالفناه في تصويب واحد غير معين للإجماع ولا إجماع فيما نحن فيه ~~فوجب القضاء بنفيه # فإن قيل وإن كان الأصل عدم الدليل المخالف للنفي الأصلي إلا أنه قد وجد ~~ودليله من جهة الكتاب والسنة والإجماع والمعقول # أما الكتاب فقوله تعالى في حق داود وسليمان @QB@ وكلا آتينا حكما وعلما ~~@QE@ الأنبياء 79 ولو كان أحدهما مخطئا لما كان ما صار إليه حكما لله ولا ~~علما # وأما السنة فقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم PageV04P198 ~~اهتديتم ووجه الاحتجاج به أنه عليه السلام جعل الاقتداء بكل واحد من ~~الصحابة هدى مع اختلافهم في الأحكام نفيا وإثباتا كما بيناه قبل # فلو كان فيهم مخطىء لما كان الاقتداء به هدى بل ضلالة # وأما الإجماع فهو أن الصحابة اتفقوا على تسويغ خلاف بعضهم لبعض من غير ~~نكير منهم على ذلك بل ونعلم أن الخلفاء منهم كانوا يولون القضاة والحكام مع ~~علمهم بمخالفتهم لهم في الأحكام ولم ينكر عليهم منكر # ولو تصور الخطأ في الاجتهاد لما ساغ ذلك من الصحابة كما لم يسوغوا ترك ~~الإنكار على مانعي الزكاة وكل منكر أنكروه # وأما من جهة المعقول فمن سبعة أوجه # الأول أنه لو كان الحق متعينا في باب الاجتهاد في كل مسألة لنصب الله ~~تعالى عليه دليلا قاطعا دفعا للإشكال وقطعا لحجة المحتج كما هو المألوف من ~~عادة الشارع في كل ما دعا إليه ومنه قوله تعالى @QB@ رسلا مبشرين ومنذرين ~~لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل @QE@ النساء 165 وقوله تعالى @QB@ ~~وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم @QE@ إبراهيم 4 وقوله تعالى ~~@QB@ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~@QE@ طه 134 ولو كان عليه ms883 دليل قاطع لوجب الحكم على مخالفه بالفسق والتأثيم ~~كالمخالف في العقليات # الثاني أنه لو كان الحق في جهة واحدة لما ساغ لأحد من العامة تقليد أحد ~~من العلماء إلا بعد الاجتهاد والتحري فيمن يقلده وليس كذلك # وحيث PageV04P199 خير في التقليد دل على التساوي بين المجتهدين فإن الشرع ~~لا يخير إلا في حالة التساوي # الثالث أنه لو كان الحق في جهة واحدة لوجب نقض كل حكم خالفه كما قاله بشر ~~المريسي والأصم # وحيث لم ينقض دل على التساوي # الرابع أنه لو كان الحق في جهة واحدة لما وجب على كل واحد من المجتهدين ~~اتباع ما أوجبه ظنه ولا كان مأمورا به لأن الشارع لا يأمر بالخطإ وحيث كان ~~مأمورا باتباعه دل # على كونه صوابا # الخامس أنه لا خلاف في ترجيح الأدلة المتقابلة في المجتهدات بما لا يستقل ~~بإثبات أصل الحكم ولا نفيه فدل على أن الدليل من الجانبين ما هو خارج عن ~~الترجيح فالدليل على كل واحد من الحكمين قائم فكان حقا # السادس أن حصر الحق في جهة واحدة مما يفضي إلى الضيق والحرج وهو منفي ~~بقوله تعالى @QB@ وما جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ الحج 78 وقوله تعالى ~~@QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ البقرة 185 # السابع أنه لو كان المجتهد مخطئا لما علم كونه مغفورا له واللازم ممتنع # وبيان الملازمة أنه لو كان مخطئا فلا يخلو إما أن لا يجوز كونه مخطئا أو ~~يجوز كونه مخطئا الأول محال فإن من قال بالتخطئة لم يعين الخطأ في واحد بل ~~أمكن أن يكون قائلا بالنفي أو الإثبات # والثاني فلا يخلو إما أن يعلم مع تجويز كونه مخطئا أنه قد انتهى في النظر ~~إلى الرتبة التي يغفر له بترك ما بعدها أو لا يعلم ذلك الأول محال فإن ~~المجتهد لا يميز ما بين الرتبتين PageV04P200 # وإن كان الثاني فهو مجوز لترك النظر الذي إذا أخل به بعد النظر الذي ~~انتهى إليه لا يكون مغفورا له وذلك ممتنع مخالف لإجماع الأمة على ms884 ثواب كل ~~مجتهد وغفران ما أخل به من النظر # والجواب عن الآية أن غايتها الدلالة على أن كل واحد منهما أوتي حكما ~~وعلما وهو نكرة في سياق الإثبات فيخص وليس فيه ما يدل على أنه أوتي حكما ~~وعلما فيما حكم به # وقد أمكن حمل ذلك على أنه أوتي حكما وعلما بمعرفة دلالات الأدلة على ~~مدلولاتها وطرق الاستنباط فلا يبقى حجة في غيره # وعن السنة أن الخبر وإن كان عاما في الأصحاب والمقتدين بهم غير أن ما فيه ~~الاقتداء غير عام ولا يلزم من العموم في الأشخاص العموم في الأحوال # وعلى هذا فقد أمكن حمله على الاقتداء في الرواية عن النبي عليه السلام لا ~~في الرأي والاجتهاد # وقد عمل به فيه فلا يبقى حجة فيما عداه ضرورة إطلاقه # وعن الإجماع أنه إنما لم ينكر بعض الصحابة على بعض المخالفة لأن المخطىء ~~غير معين ومع ذلك فهو مأمور باتباع ما أوجبه ظنه ومثاب عليه # والذي يجب إنكاره من الخطإ ما كان مخطئه معينا وهو منهي عنه # وما نحن فيه ليس كذلك # وعن الشبهة الأولى من المعقول لا نسلم أنه لو كان الحكم في الواقعة معينا ~~لنصب الله عليه دليلا قاطعا إذ هو مبني على وجوب رعاية الحكمة في أفعال ~~الله تعالى وقد أبطلناه في كتبنا الكلامية # وإن سلمنا وجوب رعاية الحكمة ولكن لا مانع أن تكون الحكمة طلب الظن بذلك ~~الحكم بناء على الأدلة الظنية لا طلب العلم به لنيل ثواب النظر والاجتهاد # فإن ثوابه لزيادة المشقة فيه أزيد على ما قال عليه السلام ثوابك على قدر ~~نصبك وإن لم تظهر فيه حكمة فلا مانع من اختصاصه بحكمة لا يعلمها سوى الرب ~~تعالى PageV04P201 # وعن الثانية أنه إنما خير العامي في التقليد لمن شاء لكونه لا يقدر على ~~معرفة الأعلم دون معرفة مأخذ المجتهدين ووجه الترجيج فيه # وذلك مما يخرجه عن العامية ويمنعه من جواز الاستفتاء بل غاية ما يقدر على ~~معرفته كون كل واحد منهما عالما أهلا للاجتهاد ومن هذه الجهة قد ms885 استويا في ~~نظره فلذلك كان مخيرا حتى إنه لو قدر على معرفة الأعلم ولو بإخبار العلماء ~~بذلك لم يجز له تقليد غيره # وعن الثالثة أنه إنما امتنع نقض ما خالف الصواب لعدم معرفة الصواب من ~~الخطإ # وعن الرابعة أنها منقوضة بما إذا كان في المسألة نص أو إجماع ولم يعلم به ~~المجتهد بعد البحث التام فان الحكم فيها معين ومع ذلك فالمجتهد مأمور ~~باتباع ما أوجبه ظنه # وعن الخامسة أنا وإن سلمنا أن الترجيح قد يكون بما لا يستقل بالحكم فلا ~~يمنع ذلك من اعتباره جزءا من الدليل # وعلى هذا فالمرجوح لا يكون دليلا وإن كان دليلا لكن لا نسلم جواز ترتب ~~الحكم على المرجوح مع وجود الراجح في نفس الأمر # وعن السادسة أن الحرج إنما يلزم من تعيين الحق أن لو وجب على المجتهدين ~~اتباعه قطعا # أما إذا كان ذلك مفوضا إلى ظنونهم واجتهاداتهم فلا # كيف ويلزم على ما ذكروه ما إذا كان في المسألة نص أو إجماع فإن ~~PageV04P202 الحكم فيها يكون معينا وإن لزم منه الحرج # وعن السابعة بمنع ما ذكروه من الملازمة وذلك لأن الكلام إنما هو مفروض ~~فيما إذا علم المجتهد من نفسه انتهاءه في الاجتهاد واستفراغ الوسع إلى حد ~~يقطع بانتفاء قدرته على المزيد عليه وذلك هو ضابط العلم بكونه مغفورا له ما ~~وراءه # # | المسألة السادسة # اتفقوا في الأدلة العقلية المتقابلة بالنفي والإثبات على استحالة التعادل ~~بينها # وذلك لأن دلالة الدليل العقلي يجب أن يكون مدلولها حاصلا فلو تعادل ~~الدليلان في نفسيهما لزم من ذلك حصول مدلوليهما كالدليل الدال على حدوث ~~العالم والدال على قدمه ويلزم من ذلك اجتماع النقيضين وهو محال # واختلفوا في تعادل الأمارات الظنية # فذهب أحمد بن حنبل والكرخي إلى المنع من ذلك وذهب القاضي أبو بكر ~~والجبائي وابنه وأكثر الفقهاء إلى جوازه وهو المختار # وذلك لأنه لو استحال تعادل الأمارتين في نفسيهما فإما أن يكون ذلك محالا ~~في ذاته أو لدليل خارج الأول ممتنع فإنا لو قدرنا ذلك لم يلزم عنه ms886 لذاته ~~محال عقلا وإن كان الدليل من خارج عقليا كان أو شرعيا فالأصل عدمه # وعلى مدعيه بيانه # فإن قيل إذا قيل بتعادل الأمارتين فإما أن يعمل بكل واحدة منهما أو ~~بأحديهما دون الأخرى أو لا يعمل ولا بواحدة منهما الأول محال لما فيه من ~~الجمع بين النقيضين والثاني محال لأنه إما أن يعمل بواحدة منهما على طريق ~~التعيين أو الإبهام فإن كان على طريق PageV04P203 التعيين فلا أولوية مع ~~التساوي وإن كان على سبيل التخيير فهو ممتنع لوجوه ثلاثة الأول أن الأمة ~~مجمعة على امتناع تخيير المكلفين في مسائل الاجتهاد # الثاني أن التخيير إباحة للفعل والترك وهو عمل بأمارة الإباحة وهو ممتنع # لما سبق # الثالث أنه يلزم منه جواز تخيير الحاكم للمتخاصمين وكذلك المفتي للعامي ~~بين الحكم ونقيضه وأن يحكم لزيد بحكم ولعمرو بنقيضه وأن يحكم في يوم بحكم ~~وفي الغد بنقيضه وذلك محال والثالث أيضا محال لما فيه من الجمع بين ~~النقيضين ولأن وضع الأمارتين يكون عبثا والعبث في تصرفات الشارع ممتنع # وأيضا فإن الحكم عند الله تعالى في الواقعة لا يكون إلا واحدا على ما سبق ~~تقريره في المسألة المتقدمة وهو الذي وقع عليه اختياركم فلو تعادلت ~~الأمارتان لزم من ذلك التضليل والحيرة في إصابة الحق وهو ممتنع على الشارع ~~الحكيم # والجواب عن الشبهة الأولى بمنع الحصر فيما ذكروه إذ قد أمكن قسم ثالث وهو ~~العمل بمجموعهما بأن يكونا كالدليل الواحد ومقتضاهما الوقف أو التخيير # وإن سلمنا امتناع ذلك فما المانع من العمل بإحداهما على طريق التخيير بأن ~~يعمل المكلف بما شاء منهما إن شاء أثبت وإن شاء نفي # قولهم إن الأمة مجمعة على امتناع تخيير المكلف في مسائل الاجتهاد # قلنا متى إذا ترجح في نظره إحدى الأمارتين أو إذا تعادلتا الأول مسلم ~~والثاني ممنوع ولا بعد في التخيير عند التعارض مع التساوي نازلا منزلة ورود ~~التخيير من الشارع بلفظ التخيير كما في خصال PageV04P204 الكفارة أو كما في ~~التخيير بين إخراج الحقاق وبنات اللبون عندما إذا اجتمع في ماله ms887 مائتان من ~~الإبل بقوله عليه السلام في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حق فإنه إن ~~أخرج أربع حقاق فقد عمل بالنص وإن أخرج خمس بنات لبون فقد عمل بالنص # قولهم إن التخيير إباحة للفعل والترك وهو عمل بأمارة الإباحة وترك ~~للأمارة الوجوب قلنا إنما يلزم ذلك أن لو كان التخيير بين الفعل والترك ~~مطلقا وليس كذلك # وإنما هو تخيير في العمل بأحد الحكمين مشروطا بقصد العمل بدليله كما في ~~التخيير بين القصر في السفر والإتمام بشرط قصد العمل بدليل الرخصة أو دليل ~~الإتمام # قولهم إنه يلزم منه جواز تخيير الحاكم للخصمين والمفتي للعامي بين ~~الحكمين المتناقضين ليس كذلك بل التخيير إنما هو للحاكم والمفتي في العمل ~~بإحدى الأمارتين عند الحكم والفتوى فلا بد من تعين ما اختاره دفعا للنزاع ~~بين الخصوم وللتحير عن المستفتى # وأما حكمه لزيد بحكم ولعمرو بنقيضه فغير ممتنع كما لو تغير اجتهاده # وكذلك الحكم في يوم وبنقيضه في الغد وإنما يمتنع ذلك أن لو كان المحكوم ~~عليه واحدا لما فيه من إضرار المحكوم عليه بالحكم له بحل النكاح والانتفاع ~~بالملك في وقت وتحريمه عليه في وقت آخر # وإن سلمنا امتناع التخيير فما المانع من ترك العمل بهما والقول بتساقطهما # قولهم إنه يلزم منه الجمع بين النقيضين # إنما يلزم ذلك أن لو اعتقد نفي الحل والإباحة # وأما إذا لم يعتقد شيئا من ذلك فلا # قولهم إن وضع الأمارتين يكون عبثا فهو مبني على وجوب رعاية الحكمة في ~~أفعال الله تعالى وقد أبطلناه في مواضعه # وبتقدير التسليم فلا يمتنع استلزام PageV04P205 ذلك لحكمة استأثر الله ~~تعالى بالعلم بها دون المخلوقين # كيف وقد أمكن أن تكون الحكمة فيه إيقاف المجتهد عن الجزم بالنفي أو ~~الإثبات # وعن الشبهة الثانية أنا وإن سلمنا أن الحكم في المسألة لا يكون إلا واحدا ~~ولكن ما المانع من تعادل الأمارات # قولهم يلزم منه التحير والتضليل إنما يلزم ذلك أن لو كان مكلفا بإصابة ما ~~هو الحكم عند الله تعالى وليس كذلك # وإنما هو ms888 مكلف بما أوجبه ظنه على ما سبق # فإن لم يغلب على ظنه شيء ضرورة التعادل كان الواجب التخيير أو التوقف أو ~~التساقط # # | المسألة السابعة # فيما يصح نسبته من الأقوال إلى المجتهد وما لا يصح # ولا خلاف في صحة اعتقاد الوجوب والتحريم أو النفي والإثبات معا في ~~مسألتين مختلفتين كوجوب الصلاة وتحريم الزنى وفي اعتقاد الجمع بين الأحكام ~~المختلفة التي لا تقابل بينها في شيء واحد كالتحريم ووجوب الحد ونحوه وفي ~~اعتقاد وجوب فعلين متضادين على البدل كالاعتداد بالأطهار والحيض أو فعلين ~~غير متضادين كخصال الكفارة # وأما اعتقاد حكمين متقابلين في شيء واحد على سبيل البدل فقد اختلفوا فيه ~~وبينا مأخذ القولين في المسألة المتقدمة وما هو المختار في ذلك # وأما ما يقال في هذه المسألة للمجتهد الفلاني قولان فلا يخلو إما أن ~~يكونا منصوصين في تلك المسألة أو أحدهما منصوص عليه والآخر منقول فإن كان ~~الأول فلا يخلو إما أن يكون التنصيص عليهما في وقتين أو في وقت واحد ~~PageV04P206 فإن كان ذلك في وقتين فلا يخلو إما أن يكون التاريخ معلوما أو ~~غير معلوم فإن كان الأول فالقول الثاني ناسخ للأول وهو الذي يجب إسناده ~~إليه دون الأول لكونه مرجوعا عنه # وإن قيل إن الأول قوله فليس إلا بمعنى أنه كان قولا له لا بمعنى انه الآن ~~قوله ومعتقده وإن كان الثاني فيجب اعتقاد نسبة أحدهما إليه والرجوع عن ~~الآخر وإن لم يكن ذلك معلوما ولا معينا # وعلى هذا فيمتنع العمل بأحدهما قبل التبيين لاحتمال أن يكون ما عمل به هو ~~المرجوع عنه # وهذا كما إذا وجدنا نصين وعلمنا أن أحدهما ناسخ للآخر ولم يتبين لنا ~~الناسخ من المنسوخ فإنه يمتنع العمل بكل واحد منهما لاحتمال أن يكون ما عمل ~~به هو المنسوخ # وكذلك الراوي فإنه إذا سمع كتابا من الأخبار سوى خبر واحد منه وأشكل عليه ~~ما سمعه عن غيره فإنه لا يجوز له رواية شيء منه لاحتمال أن يكون ذلك ما لم ~~يروه # وأما إن كان التنصيص عليهما ms889 في وقت واحد فإما أن ينص على الراجح منهما ~~بأن يقول وهذا القول أولى أو يفرع عليه دون الآخر فيظهر من ذلك أن قوله وما ~~يجب أن يكون معتقدا له هو الراجح دون المرجوح # وأما أن لا يوجد منه ما يدل على الترجيح كما نقل عن الشافعي ذلك في سبع ~~عشرة مسألة فلا يخلو إما أنه ذكر ذلك بطريق الحكاية لأقوال من تقدم فلا ~~تكون أقوالا له # وإما أن يكون ذلك بمعنى اعتقاده للقولين وهو محال # وذلك لأن دليلي القولين إما أن يكون أحدهما راجحا على الآخر في نظره أو ~~هما متساويان # فإن كان الأول فاعتقاده لحكم الدليل المرجوح ممتنع # وإن كان الثاني فاعتقاده للتحريم والإباحة معا في شيء واحد من جهة واحدة ~~محال PageV04P207 وإن كان معنى القولين التخيير بين الحكمين أو التردد ~~والشك كتردد الشافعي في التسمية هل هي آية من أول كل سورة فذلك مما لا يصح ~~معه نسبة القولين إليه # ولهذا فإن من قال بالتخيير بين خصال الكفارة لا يقال إن له في الكفارة ~~أقوالا # وكذلك من شك في شيء وتردد فيه لا يقال له فيه أقوال وإنما يمكن تصحيح ذلك ~~بأن يحمل قوله ( في المسألة قولان ) على أنه قد وجد فيها دليلين متعارضين ~~ولا موجود سواهما إما نصان أو استصحابان كما إذا أعتق عن كفارته عبدا غائبا ~~منقطع الخبر # فإن الأصل بقاء حياته والأصل بقاء اشتغال الذمة أو أصلان مختلفان ~~والمسألة مشابهة لكل واحد من الأصلين على السوية ويمكن أن يقول بكل واحد ~~منهما قائل فقوله بوجود هذا الاحتمال وهذا الاحتمال قولان لكنه ليس قولا ~~بحكم شرعي # وأما إن كان منصوصا عليه والآخر منقولا فذلك إنما يتصور في صورتين ~~متناظرتين وعند ذلك فلا يخلو إما أن يظهر بين الصورتين فارق أو لا يظهر فإن ~~ظهر بينهما فارق فالنقل يكون ممتنعا # وإن لم يظهر بينهما فارق وكان الإمام قد نص على حكم الصورتين فلا يخلو ~~إما أن يكون قد نص عليهما في وقتين أو في وقت واحد ms890 # فإن كان في وقتين فإما أن يكون التاريخ معلوما أو غير معلوم فإن كان ~~معلوما فتنصيصه على الحكم الأخير يستلزم ثبوت مثله في الصورة المنصوص عليها ~~أولا ضرورة عدم الفرق ويلزم من ذلك رجوعه عن الحكم المنصوص عليه أولا # وإن لم يكن التاريخ معلوما فيجب اعتقاد اشتراك الصورتين في أحد الحكمين ~~وهو ما نص عليه آخرا وإن لم يكن معلوما بعينه # وعلى هذا فلا يمكن العمل بأحدهما على سبيل التعيين لجواز أن يكون هو ~~المرجوع عنه كما أسلفناه PageV04P208 وأما إن نص على حكمي الصورتين في وقت ~~واحد فهو كما لو نص عليهما في صورة واحدة وقد عرف ما فيه # # | المسألة الثامنة # اتفقوا على أن حكم الحاكم لا يجوز نقضه في المسائل الاجتهادية لمصلحة ~~الحكم فإنه لو جاز نقض حكمه إما بتغيير اجتهاده أو بحكم حاكم آخر لأمكن نقض ~~الحكم بالنقض ونقض نقض النقض إلى غير النهاية # ويلزم من ذلك اضطراب الأحكام وعدم الوثوق بحكم الحاكم وهو خلاف المصلحة ~~التي نصب الحاكم لها # وإنما يمكن نقضه بأن يكون حكمه مخالفا لدليل قاطع من نص أو إجماع أو قياس ~~جلي وهو ما كانت العلة فيه منصوصة أو كان قد قطع فيه بنفي الفارق بين الأصل ~~والفرع كما سبق تحقيقه # ولو كان حكمه مخالفا لدليل طني من نص أو غيره فلا ينقض ما حكم به بالظن ~~لتساويهما في الرتبة ولو حكم على خلاف اجتهاده مقلدا لمجتهد آخر فقد اتفقوا ~~على امتناعه وإبطال حكمه ولو كان الحاكم مقلدا لإمام وحكم بحكم يخالف مذهب ~~إمامه فإن قضينا بصحة حكم المقلد ضرورة عدم المجتهد في زماننا فنقض حكمه ~~مبني على الخلاف في أنه هل يجوز له تقليد غير إمامه فإن منعنا من ذلك نقض ~~وإلا فلا # وأما المجتهد إذا أداه اجتهاده إلى حكم في حق نفسه كتجويز نكاح المرأة ~~بلا ولي # ثم تغير اجتهاده فإما أن يتصل بذلك حكم حاكم آخر أو لا يتصل فإن كان ~~الأول لم ينقض الاجتهاد السابق نظرا إلى المحافظة على حكم ms891 الحاكم ومصلحته # وإن كان الثاني لزمه مفارقة الزوجة وإلا كان مستديما لحل الاستمتاع بها ~~على خلاف معتقده وهو خلاف الإجماع PageV04P209 # وأما إن كان قد أفتى بذلك لغيره وعمل ذلك الغير بفتواه # ثم تغير اجتهاده فقد اختلفوا في أن المقلد هل يجب عليه مفارقة الزوجة ~~لتغير اجتهاد مفتيه # والحق وجوبه كما لو قلد من ليس له أهلية الاجتهاد في القبلة من هو من أهل ~~الاجتهاد فيها ثم تغير اجتهاده إلى جهة أخرى في أثناء صلاة المقلد له فإنه ~~يجب عليه التحول إلى الجهة الأخرى كما لو تغير اجتهاده هو في نفسه # # | المسألة التاسعة # المكلف إذا كان قد حصلت له أهلية الاجتهاد بتمامها في مسألة من المسائل ~~فإن اجتهد فيها وأداه اجتهاده إلى حكم فيها فقد اتفق الكل على أنه لا يجوز ~~له تقليد غيره من المجتهدين في خلاف ما أوجبه ظنه وترك ظنه # وإن لم يكن قد اجتهد فيها فقد اختلفوا فيه # فقال أبو علي الجبائي الأولى له أن يجتهد وإن لم يجتهد وترك الأولى جاز ~~له تقليد الواحد من الصحابة إذا كان مترجحا في نظره على غيره ممن خالفه وإن ~~استووا في نظره يخير في تقليد من شاء منهم ولا يجوز له تقليد من عداهم # وبه قال الشافعي في رسالته القديمة # ومن الناس من قال يجوز له تقليد الواحد من الصحابة أو التابعين دون من ~~عداهم قال محمد بن الحسن يجوز تقليد العالم لمن هو أعلم منه ولا يقلد من هو ~~مثله أو دونه وسواء كان من الصحابة أو غيرهم وقال ابن سريج يجوز تقليد ~~العالم لمن هو أعلم منه إذا تعذر عليه وجه الاجتهاد # وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وسفيان الثوري يجوز تقليد العالم ~~للعالم مطلقا # وعن أبي حنيفة في ذلك روايتان # وقال بعض أهل العراق يجوز تقليد العالم فيما يفتي به وفيما يخصه # ومنهم من قال بجواز ذلك فيما يخصه دون ما يفتى به PageV04P210 # ومن هؤلاء من خصص ذلك بما يفوت وقته لو اشتغل بالاجتهاد # وذهب ms892 القاضي أبو بكر وأكثر الفقهاء إلى منع تقليد العالم للعالم سواء كان ~~أعلم منه أو لم يكن # وهو المختار # إلا أن القائلين بذلك قد احتجوا بحجج ضعيفة لا بد من ذكرها والتنبيه على ~~ضعفها ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار # الحجة الأولى أن من له أهلية الاجتهاد متمكن من الاجتهاد فلا يجوز مع ذلك ~~مصيره إلى قول غيره كما في العقليات # الثانية أنه لو كان قد اجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم من الأحكام لم يجز له ~~تقليد غيره وترك ما أدى إليه اجتهاده فكذا لا يجوز له تقليده قبل الاجتهاد ~~لإمكان أن يؤديه اجتهاده إلى خلاف رأي من قلده # الثالثة أنه لو جاز لغير الصحابة تقليد الصحابة مع تمكنه من الاجتهاد ~~لجاز لبعض الصحابة من المجتهدين تقليد البعض ولو جاز ذلك لما كان ~~لمناظراتهم فيما وقع بينهم من المسائل الخلافية معنى # الرابعة أن الصحابة كانت تترك ما رأته باجتهادها لما تسمعه من الخبر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فكان عمل غيرهم بالخبر وترك العمل برأيهم أولى # ولقائل أن يقول على الحجة الأولى إنما لم يجز التقليد العقليات ضرورة أن ~~المطلوب فيها هو العلم وهذا غير حاصل بالتقليد بخلاف مسائل الاجتهاد فإن ~~المطلوب فيها هو الظن وهو حاصل بالتقليد فافترقا # وعلى الثانية أنه إذا اجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم من الأحكام فوثوقه به ~~أتم من وثوقه بما يقلد فيه الغير لأنه مع مساواة اجتهاده لاجتهاد الغير ~~يحتمل أن لا يكون الغير صادقا فيما أخبر به عن اجتهاده والمجتهد لا يكابر ~~نفسه فيما أدى إليه اجتهاده # وقبل أن يجتهد لم يحصل له الوثوق بحكم ما فلا يلزم من امتناع التقليد مع ~~الاجتهاد امتناعه مع عدمه # وعلى الثالثة أن من المخالفين في هذه المسألة من يجوز تقليد الصحابة ~~PageV04P211 بعضهم لبعض إذا كان المقلد أعلم كما سبق في تفصيل المذاهب في ~~أول المسألة # وبتقدير التسليم فلا يخفى أن الوثوق باجتهاد الصحابي لمشاهدة الوحي ~~والتنزيل ومعرفة التأويل والاطلاع على أحوال النبي صلى الله ms893 عليه وسلم ~~وزيادة اختصاص الصحابة بالتشدد في البحث عن قواعد الدين وتأسيس الشريعة ~~وعدم تسامحهم فيها أشد من غيرهم على ما قال عليه السلام خير القرون القرن ~~الذي أنا فيه أتم من الوثوق باجتهاد غير الصحابي # وما مثل هذا التفاوت فغير واقع بين الصحابة # وعلى هذا فلا يلزم من جواز تقليد غير الصحابي للصحابي تقليد الصحابي ~~للصحابي # وعن الرابعة أن الخبر لا يخلو إما أن يكون صريحا في مناقضة مذهب الصحابي ~~أو لا يكون صريحا بل دلالته على ذلك ظنية اجتهادية فإن كان الأول فلا خفاء ~~في امتناع تقليد الصحابي معه كما يمتنع على الصحابي العمل برأيه مع ذلك ~~الخبر # وإن كان الثاني فلا نسلم أنه يجب على الصحابي الرجوع إليه مع استمراره ~~على اعتقاد ما رآه أولا وترجيح ما أداه إليه اجتهاده على ذلك الخبر # وعلى ذلك فلا يمتنع تقليد الصحابي مع وجود ذلك الخبر # والمعتمد في المسألة أن يقال القول بجواز التقليد حكم شرعي ولا بد له من ~~دليل والأصل عدم ذلك الدليل فمن ادعاه يحتاج إلى بيانه ولا يلزم من جواز ~~ذلك في حق العامي العاجز عن التوصل إلى تحصيل مطلوبه من الحكم جواز ذلك في ~~حق من له أهلية التوصل إلى الحكم وهو قادر عليه ووثوقه به أتم مما هو مقلد ~~فيه لما سبق # فإن قيل دليل جواز التقليد في حق من لم يجتهد وإن كانت له أهلية الاجتهاد ~~الكتاب والسنة والإجماع والمعقول PageV04P212 # أما الكتاب فقوله تعالى @QB@ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون @QE@ ~~النحل 43 أمر بالسؤال وأدنى درجاته جواز اتباع المسؤول واعتقاد قوله وليس ~~المراد به من لم يعلم شيئا أصلا بل من لم يعلم تلك المسألة ومن لم يجتهد في ~~المسألة وإن كانت له أهلية الاجتهاد فيها غير عالم بها فكان داخلا تحت عموم ~~الآية وأيضا قوله تعالى @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~@QE@ والمراد ( بأولي الأمر ) العلماء أمر غير العالم بطاعة العالم وأدنى ~~درجاته جواز اتباعه فيما هو مذهبه # وأما السنة ms894 فقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ~~وقوله صلى الله عليه وسلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وقوله ~~عليه السلام اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر # وأما الإجماع فهو أن عمر رجع إلى قول علي رضي الله عنه وإلى قول معاذ ~~وبايع عبد الرحمن بن عوف عثمان على اتباع سنة الشيخين أبي بكر وعمر ولم ~~ينكر ذلك أحد من الصحابة مع أن المقلد كان أهلا للاجتهاد فصار ذلك إجماعا # وأما المعقول فهو أنه لا يقدر باجتهاده على غير الظن واتباع المجتهد فيما ~~ذهب إليه مفيد للظن والظن معمول به في الشرعيات على ما سبق تقريره فكان ~~اتباعه فيه جائزا # والجواب عن الآية الأولى أن المراد بأهل الذكر أهل العلم أي المتمكن ~~PageV04P213 من تحصيل العلم بأهليته فيما يسأل عنه لا من العلم بالمسألة ~~المسؤول عنها حاضر عتيد لديه # فإن أهل الشيء # من هو متأهل لذلك الشيء لا من حصل له ذلك الشيء # والأصل تنزيل اللفظ على ما هو حقيقة فيه # وعلى هذا فتخص الآية بسؤال من ليس من أهل العلم كالعامي لمن هو أهل له # وما نحن فيه فهو من أهل العلم بالتفسير المذكور فلا يكون داخلا تحت الآية ~~لأن الآية لا دلالة لها على أمر أهل العلم بسؤال أهل العلم فإنه ليس السائل ~~أولى بذلك من المسؤول # وعن الآية الثانية أن المراد ( بأولي الأمر ) الولاة بالنسبة إلى الرعية ~~والمجتهدين بالنسبة إلى العوام بدليل أنه أوجب الطاعة لهم # واتباع المجتهد للمجتهد وإن جاز عند الخصوم فغير واجب بالإجماع فلا يكون ~~داخلا تحت عموم الآية # وعن السنة ما سبق في مسألة مذهب الصحابي هل هو حجة أو لا وعن الإجماع أما ~~عمر فإنه لم يكن مقدا لعلي ولمعاذ فيما ذهبا إليه بل لأنه اطلع من قوليهما ~~على دليل أوجب رجوعه إليه وأما قصة عبد الرحمن بن عوف فقد سبق جوابها في ~~المسائل المتقدمة # وعن المعقول أنه لو اجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم لم يجز له تقليد غيره في ms895 ~~خلاف ما أدى إليه اجتهاده إجماعا فلو جاز له التقليد مع عدم الاجتهاد لكان ~~ذلك بدلا عن اجتهاده والبدل دون المبدل والأصل أن لا يجوز العدول إلى البدل ~~مع إمكان تحصيل المبدل مبالغة في تحصيل الزيادة من مقصوده اللهم إلا أن يرد ~~نص بالتخيير يوجب إلغاء الزيادة من مقصود المبدل أو نص بأنه بدل عند العدم ~~لا عند الوجود كما في بنت مخاض وابن لبون عن خمس وعشرين من الإبل فإن وجود ~~بنت مخاض يمنع من أداء ابن لبون ولا يمتنع ذلك عند عدمها # والأصل عدم ذلك النص PageV04P214 كيف وإن ما ذكروه معارض بقوله تعالى ~~@QB@ فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ الحشر 2 وقوله تعالى @QB@ وما اختلفتم ~~فيه من شيء فحكمه إلى الله @QE@ الشورى 10 وقوله تعالى @QB@ واتبعوا أحسن ~~ما أنزل إليكم من ربكم @QE@ الأعراف 3 وقوله تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك ~~به علم @QE@ الإسراء 36 وبقوله عليه السلام اجتهدوا فكل ميسر لما خلق له ~~وتقليد العالم للعالم يلزم منه ترك الاعتبار وترك العمل بحكم الله ورسوله ~~وترك ما أنزل واقتفاء ما ليس له به علم وترك الاجتهاد المأمور به وهو خلاف ~~ظاهر النص # واذا تعارضت الأدلة سلم لنا ما ذكرناه أولا # # | المسألة العاشرة # اختلفوا في أنه هل يجوز أن يقال للمجتهد احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب # فأجاز ذلك قوم لكن اختلفوا فقال موسى بن عمران بجواز ذلك مطلقا للنبي ~~وغيره من العلماء # وقال أبو علي الجبائي بجواز ذلك للنبي خاصة في أحد قوليه # وقد نقل عن الشافعي في كتاب الرسالة ما يدل على التردد بين الجواز والمنع ~~ومنع من ذلك الباقون # والمختار جوازه دون وقوعه لكن لا بد من الإشارة إلى حجج عول عليها ~~المجوزون بعضها يدل على الجواز وبعضها يدل على الوقوع والتنبيه على ضعفها ~~كالجاري من عادتنا ثم نذكر بعد ذلك ما هو المعتمد في هذه المسألة # وقد احتجوا بالنص والإجماع والمعقول PageV04P215 # أما النص فمن جهة الكتاب والسنة # أما الكتاب فقوله تعالى @QB@ كل الطعام كان حلا لبني ms896 إسرائيل إلا ما حرم ~~إسرائيل على نفسه @QE@ آل عمران 93 أضاف التحريم إليه فدل على كونه مفوضا ~~إليه وأما السنة فمن وجوه # منها ما روي عن النبي عليه السلام أنه لما قال في مكة لا يختلي خلاها ولا ~~يعضد شجرها قال له العباس إلا الإذخر فقال النبي عليه السلام إلا الإذخر ~~ومعلوم أن ذلك لم يكن إلا من تلقاء نفسه لعلمنا بأن الوحي لم ينزل عليه في ~~تلك الحالة ولولا أن الحكم مفوض إليه لما ساغ ذلك # ومنها قوله عليه السلام لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل ~~صلاة # ومنها قوله عليه السلام عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق # ومنها ما روي أنه لما قيل له أحجنا هذا لعامنا أم للأبد فقال بل للأبد ~~ولو قلت نعم لوجب أضاف الوجوب والعفو إلى أمره وفعله ولولا أنه مفوض إلى ~~أختياره لما جاز # ومنها ما روي عنه عليه السلام أنه أمر مناديا يوم فتح مكة أن اقتلوا ابن ~~حبابة وابن أبي سرح ولو كانا متعلقين بأستار الكعبة ثم عفا عن ابن أبي سرح ~~بشفاعة عثمان ولو كان قد أمر بقتله بوحي لما خالفه بشفاعة عثمان # ومنها ما روي عنه عليه السلام أنه لما قتل النضر بن الحارث جاءته بنت ~~النضر فأنشدته # ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى وهو المغيظ المحنق فقال عليه السلام ~~أما إني لو كنت سمعت شعرها ما قتلته ولو كان قتله بأمر من الله لما خالفه ~~وإن سمع شعرها PageV04P216 # ومنها ما روي عنه عليه السلام أنه لما قيل له إن ماعزا رجم فقال لو كنتم ~~تركتموه حتى أنظر في أمره وذلك يدل على أن حكم الرجم كان مفوضا إلى رأيه # ومنها قوله عليه السلام كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها وعن لحوم ~~الأضاحي ألا فانتفعوا بها وذلك يدل على تفويض الحل والحرمة في ذلك إليه # وأما الإجماع فما نقل عن آحاد الصحابة فيما حكم به إن كان صوابا فمن الله ~~ورسوله وإن كان خطأ ms897 فمني ومن الشيطان أضاف الحكم إلى نفسه ولم ينكر عليه ~~منكر فصار ذلك إجماعا # ومن ذلك ما شاع وذاع من رجوع آحاد الصحابة عما حكم به أولا من غير نكير ~~عليه ولو لم يكن ذلك من تلقاء نفسه بل عن دليل من الشارع لما شاع ذلك منه ~~ولما جاز تطابق الصحابة على عدم الإنكار عليه # وأما المعقول فمن وجوه # الأول أنه إذا جاز تفويض الشارع إلى المكلف اختيار واحدة من خصال الكفارة ~~جاز مثله في الأحكام # الثاني أنه إذا جاز أن يفوض إلى العامي العمل بما شاء من فتوى أي ~~المجتهدين شاء من غير دليل جاز مثله في الأحكام الشرعية بالنسبة إلى ~~المجتهدين # الثالث أنه إذا جاز الحكم بالأمارة الظنية مع جواز الخطإ فيها عن الصواب ~~جاز الحكم بما يختاره المجتهد من غير دليل وإن جاز عدو له عن جهة الصواب # ولقائل أن يجيب عن الآية بأن إسرائيل لم يكن من جملة بنيه حتى يكون داخلا ~~في عموم الآية وعند ذلك فيحتمل أن إسرائيل حرم ما حرم على نفسه بالاجتهاد ~~مستندا إلى دليل ظني لا أنه عن غير دليل PageV04P217 # وعن الخبر الأول أنه قد قيل إن الإذخر ليس من الخلا فلا يكون داخلا فيما ~~حرم # وعلى هذا فإباحته تكون بناء على استصحاب الحال والاستثناء من العباس ~~والنبي عليه السلام كان تأكيدا # وبتقدير أن يكون مستثنى حقيقة مما حرم بطريق التأسيس لكن من المحتمل أن ~~يكون ذلك بوحي سابق وهو الأولى لقوله تعالى في حق رسوله @QB@ وما ينطق عن ~~الهوى إن هو إلا وحي يوحى @QE@ النجم 3 أما أن يكون ذلك من تلقاء نفسه من ~~غير دليل فلا # وعن الخبر الثاني أنه من الجائز أن الوحي نزل بتخييره في أمرهم بالسواك ~~الشاق عند كل صلاة وعدم أمرهم بذلك لا أن أمره لهم بالسواك يكون من تلقاء ~~نفسه ويجب اعتقاد ذلك لما سبق في الآية # وعن الخبر الثالث أنه إنما أضاف العفو إلى نفسه بمعنى أنه لم يأخذ صدقة ~~الخيل والرقيق منهم ms898 لا بمعنى أنه المسقط لها # ودليله ما سبق في الآية # وعن الخبر الرابع أن قوله ولو قلت نعم لوجب لا يدل على أن الوجوب مستند ~~إلى قوله نعم من تلقاء نفسه بل لأنه لا يقول ما يقول إلا بوحي لما سبق في ~~الآية # وعن الخامس أنه يجوز أن يكون قد أبيح القتل وتركه بالوحي بدليل ما سبق في ~~الآية # وهو الجواب عن قصة النضر بن الحارث وماعز # وعن الخبر الأخير أنه إنما نهى وأباح بعد النهي بطريق الوحي لا أن ذلك من ~~تلقاء نفسه # وعن الإجماع # أما إضافة الخطإ إلى أنفسهم فلا يدل على أن من حكم منهم أنه حكم من غير ~~دليل بل يمكن أن يكون حكمه بناء على ما ظنه دليلا وهو مخطىء فيه ولو كان ~~ذلك عن اختيار قد أبيح لهم العمل به لما شكوا في كونه صوابا # وأما رجوع آحاد الصحابة عما حكم به إلى غيره فإنما كان ذلك لظهور ~~PageV04P218 الخطأ له فيما ظنه دليلا على الحكم أولا وقد سوغ له الحكم به # أما أن يكون ذلك من غير دليل فلا # وعن الوجه الأول من المعقول أنه لا يلزم من التخيير في خصال الكفارة من ~~غير اجتهاد جواز ذلك في الأحكام الشرعية بدليل أن العامي له أن يتخير في ~~خصال الكفارة # ومن قال بجواز التخيير في الأحكام الشرعية لم يقض بجوازه لغير المجتهد ~~ولو وقع التساوي بين الصورتين لجاز ذلك للعامي وهو ممتنع بالإجماع # وبمثله يخرج الجواب عن الوجه الثاني # وعن الوجه الثالث أنه لا يلزم من جواز العمل بالأمارة مع كونها مفيدة ~~للظن العمل بالاختيار من غير ظن مفيد للحكم # والمعتمد في المسألة أن يقال لو امتنع ذلك إما أن يمتنع لذاته أو لمانع ~~من خارج الأول محال فأنا إذا قدرناه لم يلزم عنه لذاته محال في العقل وإن ~~كان لمانع من خارج فالأصل عدمه وعلى من يدعيه بيانه # فإن قيل يمتنع ذلك لأن الباري تعالى إنما شرع الشرائع لمصالح العباد فلو ~~فوض ذلك إلى ms899 اختيار العبد فاختيار العبد متردد بين أن يكون مصلحة وبين أن ~~يكون مفسدة فلا نأمن من اختياره للمفسدة وذلك خلاف ما وضعت له الشريعة # والجواب عن هذا الإشكال أنه مبني على رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى ~~وقد أبطلناه في موضعه وإن سلمنا اعتبار ذلك في أفعاله تعالى ولكن قد أمنا ~~في ذلك من اختيار المفسدة لقول الله اختر فإنك لا تختار إلا الصواب # فإن قيل يمتنع على الشارع قول ذلك لاستحالة استمرار المكلف على اختيار ~~الصلاح دون الفساد كما لا يجوز اتفاق الأفعال الكثيرة المحكمة من غير علم ~~ثم لو جاز ذلك في حق المجتهد لجاز مثله في حق العامي وليس كذلك PageV04P219 # قلنا دليل جواز ذلك من الشارع أنا لو قدرنا وروده منه لم يلزم عنه لذاته ~~محال # قولهم إنه لا يتفق اختيار الصلاح في الأفعال الكثيرة قلنا متى إذا أخبر ~~الصادق بذلك أو إذا لم يخبر الأول ممنوع # والثاني مسلم # وعلى هذا فلو قال للعامي مثل ذلك كان جائزا عقلا # ثم وإن سلمنا أنه لا يتفق اختيار المصلحة في الأفعال الكثيرة لكن متى إذا ~~كانت المصلحة خارجة عن الفعل المختار أو إذا كانت المصلحة هي نفس الفعل ~~المختار الأول مسلم والثاني ممنوع # فإن قيل فيلزم من ذلك الإباحة وإسقاط التكليف قلنا ليس كذلك بل هو إيجاب ~~التخيير وإيجاب التخيير تكليف لا أنه إباحة وإسقاط للتكليف # فإن قيل إنما يحسن إيجاب ما يمكن الخلو منه ويمتنع الخلو من الفعل والترك ~~فلا يحسن إيجابه قلنا هذا وإن استمر في إيجاب الفعل وتركه فلا يستمر في ~~التخيير بين الأحكام التي يتصور الخلو منها كالتخيير بين أن يكون الفعل ~~محرما أو واجبا # وذلك بأن يقال له اختر إما التحريم وإما الوجوب وأيهما اخترت فلا تختر ~~إلا ما المصلحة فيه # ولا يخفى جواز الخلو منهما بالإباحة # وإن سلمنا أن المصلحة خارجة عن نفس الفعل المختار وأنه يمتنع اختيار ~~المصلحة في الأفعال الكثيرة ولكن ما المانع من ذلك في الأفعال القليلة # فإن قيل إنه ms900 إما أن يكون قد أوجب عليه اختيار ما المصلحة فيه أو خيره بين ~~المصلحة والمفسدة فإن كان الأول فقد كلفه ما لا يطاق حيث أوجب عليه اختيار ~~المصلحة من غير دليل وإن كان الثاني فهو محال على الشارع لما فيه من الإذن ~~منه في فعل المفسدة وهو خارج عن العدل PageV04P220 قلنا إن أوجب عليه ~~اختيار المصلحة وإن كان تكليفا بما لا يطاق فهو جائز على ما سبق تقريره # وإن خيره بين أمرين فلا يمتنع ذلك كما أنه يوجب عليه الحكم بما أوجبه ظنه ~~من الأمارة الظنية وإن كان مخطئا مرتكبا للمفسدة كما تقرر قبل # وإذا جاز إيجاب فعل ما هو مفسدة مع عدم علم المكلف به جاز التخيير بين ~~المصلحة والمفسدة مع عدم علم المكلف بذلك # # | المسألة الحادية عشرة # القائلون بجواز الاجتهاد للنبي عليه السلام اختلفوا في جواز الخطإ عليه ~~في اجتهاده # فذهب بعض أصحابنا إلى المنع من ذلك # وذهب أكثر أصحابنا والحنابلة وأصحاب الحديث والجبائي وجماعة من المعتزلة ~~إلى جوازه لكن بشرط أن لا يقر عليه وهو المختار ودليله المنقول والمعقول # أما المنقول فمن جهة الكتاب والسنة # أما الكتاب فقوله تعالى @QB@ عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك ~~الذين صدقوا وتعلم الكاذبين @QE@ التوبة 43 وذلك يدل على خطئه في إذنه لهم # وقوله تعالى في المفاداة في يوم بدر @QB@ ما كان لنبي أن يكون له أسرى ~~حتى يثخن في الأرض @QE@ الأنفال 67 إلى قوله تعالى @QB@ لولا كتاب من الله ~~سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم @QE@ الأنفال 68 ? < حتى قال النبي عليه ~~السلام لو نزل من السماء عذاب لما نجا منه إلا عمر لأنه كان قد أشار بقتلهم ~~ونهى عن المفاداة وذلك دليل على خطئه في المفاداة # وقوله تعالى > ? إنما أنا بشر مثلكم @QB@ الكهف @QE@ أثبت المماثلة بينه ~~وبين غيره PageV04P221 وقد جاز الخطأ على غيره فكان جائزا عليه لأن ما جاز ~~على أحد المثلين يكون جائزا على الآخر # وأما السنة فما روي عن النبي عليه السلام أنه قال إنما أحكم ms901 بالظاهر ~~وإنكم لتختصمون إلي ولعل أحدكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بشيء من مال ~~أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار وذلك يدل على أنه قد يقضي بما ~~لا يكون حقا في نفس الأمر # وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه قال إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون ~~فإذا نسيت فذكروني # وأيضا ما اشتهر عنه عليه السلام من نسيانه في الصلاة وتحلله عن ركعتين في ~~الرباعية في قصة ذي اليدين وقول ذي اليدين أقصرت الصلاة أم سهوت فقال النبي ~~عليه السلام أحق ما يقول ذو اليدين فقالوا نعم # وأما المعقول فإنه لو امتنع وقوع الخطإ منه في اجتهاده فإما أن يكون ذلك ~~لذاته أو لأمر من خارج لا جائز أن يقال بالأول فإنا لو فرضناه لم يلزم عنه ~~المحال لذاته عقلا # وإن كان لأمر خارج فالأصل عدمه وعلى مدعيه بيانه # فإن قيل ما ذكرتموه معارض من ثلاثة أوجه # الأول أنا قد أمرنا باتباع حكمه على ما قال تعالى @QB@ فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما @QE@ النساء 65 فلو جاز عليه الخطأ في حكمه لكنا قد أمرنا ~~باتباع الخطإ والشارع لا يأمر بالخطإ # الثاني أن الأمة إذا أجمعت على حكم مجتهد فيه كان إجماعهم PageV04P222 ~~معصوما عن الخطإ كما سبق بيانه # ولو جاز على النبي الخطأ في اجتهاده لكانت الأمة أعلى رتبة منه وذلك محال # الثالث أن المقصود من البعثة وإظهار المعجزة اتباع النبي عليه السلام في ~~الأحكام الشرعية إقامة لمصالح الخلق فلو جاز عليه الخطأ في حكمه لأوجب ذلك ~~التردد في قوله والشك في حكمه وذلك مما يخل بمقصود البعثة وهو محال # والجواب عن الإشكال الأول أنه يلزم على ما ذكروه أمر الشارع للعامي ~~باتباع قول المفتي مع جواز خطئه # فما هو جواب لهم في صورة الإلزام فهو جواب لنا في محل النزاع # وعن الإشكال الثاني أن من الناس من منع من تصور انعقاد ms902 الإجماع عن ~~الاجتهاد فضلا عن وقوعه وامتناع الخطأ فيه # ومنهم من جوزه وجوز مع ذلك مخالفته لإمكان الخطإ فيه كما سبق ذكره في ~~مسائل الإجماع # وبتقدير التسليم لانعقاد الإجماع عن الاجتهاد وامتناع الخطإ فيه فلا مانع ~~منه ولا يلزم من ذلك علو رتبة الأمة على رتبة النبي عليه السلام مع اختصاصه ~~بالرسالة وكون عصمة الإجماع مستفادة من قوله وأنه الشارع المتبع وأهل ~~الإجماع متبعون له ومأمورون بأوامره ومنهيون بنواهيه # ولا كذلك بالعكس # وعن الثالث أن المقصود من البعثة إنما هو تبليغه عن الله تعالى أوامره ~~ونواهيه # والمقصود من إظهار المعجزات إظهار صدقه فيما يدعيه من الرسالة والتبليغ ~~عن الله تعالى وذلك مما لا يتصور خطؤه فيه بالإجماع # ولا كذلك ما يحكم به عن اجتهاده فإنه لا يقول ما يقوله فيه عن وحي ولا ~~بطريق التبليغ بل حكمه فيه حكم غيره من المجتهدين فتطرق الخطإ إليه في ذلك ~~لا يوجب الإخلال بمعنى البعثة والرسالة PageV04P223 # # | المسألة الثانية عشرة # اختلفوا في النافي هل عليه دليل أو لا منهم من قال لا دليل عليه وسواء ~~كان ذلك من القضايا العقلية أو الشرعية # ومنهم من أوجب ذلك عليه في الموضعين ومنهم من أوجبه عليه في القضايا ~~العقلية دون الشرعية # والمختار إنما هو التفصيل # وهو أن النافي إما أن يكون نافيا بمعنى ادعائه عدم علمه بذلك وظنه أو ~~مدعيا للعمل أو الظن بالنفي فإن كان الأول فالجاهل لا يطالب بالدليل على ~~جهله ولا يلزمه ذلك كما لا يطالب على دعواه أني لست أجد ألما ولا جوعا ولا ~~حرا ولا بردا إلى غير ذلك # وإن كان الثاني فلا يخلو إما أن يدعي العلم بنفي ما نفاه ضرورة أو لا ~~بطريق الضرورة فإن كان الأول فلا دليل عليه أيضا لأنه إن كان صادقا في دعوى ~~الضرورة فالضروري لا يطالب بالدليل عليه # وإن لم يكن صادقا في دعواه الضرورة فلا يطالب بالدليل عليه أيضا فإنه ما ~~ادعى حصوله له عن نظر # ويكفي المنع في انقطاعه حيث إنه لا يقدر ms903 على تحقيق الضرورة في ذلك والنظر ~~غير مدعى له وإن ادعى العلم بنفيه لا بطريق الضرورة فلا يخلو إما أن لا ~~يكون قد حصل له بطريق مفض إليه أو يكون بطريق مفض إليه لا جائز أن يقال ~~بالأول لأن حصول علم غير ضروري من غير طريق يفضي إليه محال # وإن كان الثاني فلا بد عند الدعوى والمطالبة بدليلها من ذكره وكشفه لينظر ~~فيه # وإلا كان قد كتم علما نافعا مست الحاجة إلى إظهاره ودخل تحت قوله عليه ~~السلام من كتم علما نافعا فقد تبوأ مقعده من النار ولأنه لا فرق في ذلك في ~~دعوى الإثبات والنفي وقد وجب على مدعي الإثبات ذكر الدليل فكذلك في دعوى ~~النفي كيف وإن الإجماع منعقد على أن من ادعى الوحدانية لله تعالى وقدمه أنه ~~يجب عليه إقامة الدليل وإن كان حاصل دعوى الوحدانية PageV04P224 نفي الشريك ~~وحاصل دعوى القدم نفي الحدوث والأولية # ولهذا نبه الله تعالى على نفي آلهة غير الله على الدليل في قوله تعالى ~~@QB@ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا @QE@ الآية # فإن قيل فماذا تقولون فيما إذا ادعى رجل أنه نبي ولم تقم على دعواه بينة ~~هل يلزم المكرين لنبوته إقامة الدليل على أنه ليس بنبي أو لا يلزم وكذلك من ~~أنكر وجوب صلاة سادسة أو صوم شوال أو المدعى عليه بحق إذا أنكر ما ادعي ~~عليه به هل يلزمه إقامة الدليل على ما نفاه أو لا إن قلتم بالأول فهو خلاف ~~الإجماع وإن قلتم بالثاني مع كونه نافيا في قضية غير ضرورية فقد سلمتم محل ~~النزاع # قلنا النفي في جميع هذه الصور لم يخل عن دليل يدل على النفي # غير أنه قد يكتفي بظهوره عن ذكره وهو البقاء على النفي الأصلي واستصحاب ~~الحال مع عدم القاطع له وهو ما يدل على النبوة وما يدل على وجوب صلاة سادسة ~~وعلى وجوب صوم شوال وشغل الذمة # وإذا قيل إن النافي عليه دليل فالدليل المساعد في ذلك إما نص وارد من ~~الشارع يدل على ms904 النفي أو إجماع من الأمة وإما التمسك باستصاحب النفي الأصلي ~~وعدم الدليل المغير القاطع وإما الاستدلال بانتفاء اللازم على انتفاء ~~الملزوم # وهل يمكن الاستدلال على النفي بالقياس الشرعي اختلفوا فيه بناء على ~~الاختلاف في جواز تخصيص العلة ولا فرق في ذلك بين قياس العلة والدلالة ~~والقياس في معنى الأصل PageV04P225 PageV04P226 # | الباب الثاني في التقليد والمفتي والمستفتي وما فيه الاستفتاء وما ~~يتشعب عن ذلك من المسائل # أما ( التقليد ) فعبارة عن العمل بقول الغير من غير حجة ملزمة وهو مأخوذ ~~من تقليده بالقلادة وجعلها في عنقه وذلك كالأخذ بقول العامي وأخذ المجتهد ~~بقول من هو مثله # وعلى هذا فالرجوع إلى قول النبي عليه السلام وإلى ما أجمع عليه أهل العصر ~~من المجتهدين ورجوع العامي إلى قول المفتي وكذلك عمل القاضي بقول العدول لا ~~يكون تقليدا لعدم عروه عن الحجة الملزمة # أما في قبول قول الرسول فما دل على وجوب تصديقه من المعجزة ووجوب قبول ~~قول الإجماع قول الرسول ووجوب قبول قول المفتي والشاهدين الإجماع على ذلك ~~وإن سمي ذلك تقليدا بعرف الاستعمال فلا مشاحة في اللفظ # وأما ( المفتي ) فلا بد وأن يكون من أهل الاجتهاد وإنما يكون كذلك بأن ~~يكون عارفا بالأدلة العقلية كأدلة حدوث العالم وأن له صانعا وأنه واحد متصف ~~بما يجب له من صفات الكمال والجلال منزه عن صفات النقص والخلل وأنه أرسل ~~محمدا صلى الله عليه وسلم وأيده بالمعجزات الدالة على صدقه في رسالته ~~وتبليغه للأحكام الشرعية وأن يكون مع ذلك عارفا بالأدلة السمعية وأنواعها ~~واختلاف مراتبها في جهات دلالاتها والناسخ والمنسوخ منها والمتعارضات ~~PageV04P227 وجهات الترجيح فيها وكيفية استثمار الأحكام منها على ما سبق ~~تعريفه وأن يكون عدلا ثقة حتى يوثق به فيما يخبر عنه من الأحكام الشرعية ~~ويستحب له أن يكون قاصدا للإرشاد وهداية العامة إلى معرفة الأحكام الشرعية ~~لا بجهة الرياء والسمعة متصفا بالسكينة والوقار ليرغب المستمع في قبول ما ~~يقول كافا نفسه عما في أيدي الناس حذرا من التنفير عنه # وأما ( المستفتي ) فلا يخلو إما أن ms905 يكون عالما قد بلغ رتبة الاجتهاد أو ~~لم يكن كذلك فإن كان الأول قد اجتهد في المسألة وأداه اجتهاده إلى حكم من ~~الأحكام فلا خلاف في امتناع اتباعه لغيره في خلاف ما أداه إليه اجتهاده وإن ~~لم يكن قد اجتهد فيها فقد اختلفوا في جواز اتباعه لغيره من المجتهدين فيما ~~أدى إليه اجتهاده وقد سبق الكلام فيه بجهة التفصيل وما هو المختار # وإن لم يكن من أهل الاجتهاد فلا يخلو إما أن يكون عاميا صرفا لم يحصل له ~~شيء من العلوم التي يترقى بها إلى رتبة الاجتهاد أو أنه قد ترقى عن رتبة ~~العامة بتحصيل بعض العلوم المعتبرة في رتبة الاجتهاد فإن كان الأول فقد ~~اختلف في جواز اتباعه لقول المفتي والصحيح أن وظيفته اتباع قول المفتي على ~~ما يأتي # وإن كان الثاني فقد تردد أيضا فيه والصحيح أن حكمه حكم العامي # وأما ما فيه ( الاستفتاء ) فلا يخلو إما أن يكون من القضايا العلمية أو ~~الظنية الاجتهادية فإن كان الأول فقد اختلف أيضا في جواز اتباع قول الغير ~~فيه والحق امتناعه كما يأتي # وإن كان الثاني فهو المخصوص بجواز الاستفتاء عنه ووجوب اتباع قول المفتي # وإذ أتينا على ما حققناه فلنرجع إلى المسائل المتشعبة عنه وهي ثمان ~~PageV04P228 # # | المسألة الاولى # اختلفوا في جواز التقليد في المسائل الأصولية المتعلقة بالاعتقاد في وجود ~~الله تعالى وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه وما يجب له وما يستحيل عليه # فذهب عبيد الله بن الحسن العنبري والحشوية والتعليمية إلى جوازه # وربما قال بعضهم إنه الواجب على المكلف وإن النظر في ذلك والاجتهاد فيه ~~حرام # وذهب الباقون إلى المنع منه وهو المختار لوجوه # الأول أن النظر واجب وفي التقليد ترك الواجب فلا يجوز # ودليل وجوبه أنه لما نزل قوله تعالى @QB@ إن في خلق السماوات والأرض @QE@ ~~البقرة 164 الآية قال عليه السلام ويل لمن لاكها بين لحييه ولم يتفكر فيها ~~توعد على ترك النظر والتفكر فيها فدل على وجوبه # الثاني أن الإجماع من السلف منعقد على وجوب ms906 معرفة الله تعالى وما يجوز ~~عليه وما لا يجوز فالتقليد إما أن يقال إنه محصل للمعرفة أو غير محصل لها ~~القول بأنه محصل للمعرفة ممتنع لوجوه الأول أن المفتي بذلك غير معصوم ومن ~~لا يكون معصوما ولا يكون خبره واجب الصدق وما لا يكون واجب الصدق فخبره لا ~~يفيد العلم # الثاني أنه لو كان التقليد يفيد العلم لكان العلم حاصلا لمن قلد في حدوث ~~العالم ولمن قلد في قدمه وهو محال لإفضائه إلى الجمع بين كون العالم حادثا ~~وقديما # الثالث أنه لو كان التقليد مفيدا للعمل فالعلم بذلك إما أن يكون ضروريا ~~أو نظريا لا جائز أن يكون ضروريا وإلا لما خالف فيه أكثر العقلاء ولأنه لو ~~خلا الإنسان ودواعي نفسه من مبدإ نشئه لم يجد ذلك من نفسه أصلا والأصل عدم ~~الدليل المفضي إليه فمن ادعاه لا بد له من بيانه PageV04P229 # الوجه الثالث من الوجوه الأول أن التقليد مذموم شرعا فلا يكون جائزا غير ~~أنا خالفنا ذلك في وجوب اتباع العامي المجتهد وفيما ذكرناه من الصور فيما ~~سبق لقيام الدليل على ذلك والأصل عدم الدليل الموجب للاتباع فيما نحن فيه ~~فنبقي على مقتضي الأصل # وبيان ذم التقليد قوله تعالى حكاية عن قوم @QB@ إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون @QE@ ذكر ذلك في معرض الذم لهم # فإن قيل ما ذكرتموه معارض من وجوه الأول أن النظر غير واجب لوجوه # الأول أنه منهي عنه ودليل النهي عنه الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله ~~تعالى @QB@ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا @QE@ غافر 4 والنظر يفضي ~~إلى فتح باب الجدال فكان منهيا عنه # وأما السنة فما روي عن النبي عليه السلام أنه نهى الصحابة لما رآهم ~~يتكلمون في مسألة القدر وقال إنما هلك من كان قبلكم لخوضهم في هذا وقال ~~عليه السلام عليكم بدين العجائز وهو ترك النظر ولو كان النظر واجبا لما كان ~~منهيا عنه # الثاني أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة الخوض والنظر في المسائل الكلامية ~~مطلقا ms907 ولو وجد ذلك منهم لنقل كما نقل عنهم النظر في المسائل الفقهية ولو ~~كان النظر في ذلك واجبا لكانوا أولى بالمحافظة عليه # الثالث أنه لم ينقل عن النبي عليه السلام ولا عن أحد من الصحابة ~~والتابعين إلى زمننا هذا الإنكار على من كان في زمانهم من العوام ومن ليس ~~له PageV04P230 أهلية النظر على ترك النظر مع أنهم أكثر الخلق بل كانوا ~~حاكمين بإسلامهم مقرين لهم على ما هم عليه # الرابع لو كان النظر في معرفة الله تعالى واجبا فإما أن يجب على العارف ~~أو على غير العارف الأول محال لما فيه من تحصيل الحاصل والثاني يلزم منه أن ~~يكون الجهل بالله تعالى واجبا ضرورة توقف النظر الواجب عليه وأن ما لا يتم ~~الواجب إلا به فهو واجب ولأنه يلزم منه توقف معرفة إيجاب الله تعالى على ~~معرفة ذاته ومعرفة ذاته على النظر المتوقف على إيجابه وهو دور # المعارضة الثانية أن النظر مظنة الوقوع في الشبهات واضطراب الآراء ~~والخروج إلى الضلال بخلاف التقليد فكان سلوك ما هو أقرب إلى السلامة أولى # ولهذا صادفنا أكثر الخلق على ذلك فكان أولى بالاتباع # الثالثة أن أدلة الأصول فيما يرجع إلى الغموض والخفاء أشد من أدلة الفروع ~~فإذا جاز التقليد في الفروع مع سهولة أدلتها دفعا للحرج فلأن يجوز ذلك في ~~الأصول أولى # الرابعة أن الأصول والفروع قد استويا في التكليف بهما وقد جاز التقليد في ~~الفروع فكذلك في الأصول # والجواب عن المعارضة الأولى بمنع النهي عن النظر وأما الآية فالمراد بهما ~~إنما هو الجدال بالباطل على ما قال تعالى @QB@ وجادلوا بالباطل ليدحضوا به ~~الحق @QE@ غافر 5 دون الجدال بالحق ودليله قوله تعالى @QB@ وجادلهم بالتي ~~هي أحسن @QE@ النحل 125 وقوله تعالى @QB@ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي ~~هي أحسن @QE@ ) PageV04P231 ولو كان الجدال بالحق منهيا عنه لما كان مأمورا ~~به ثم كيف يكون النظر منهيا عنه وقد أثنى الله تعالى على الناظرين بقوله ~~تعالى @QB@ ويتفكرون في خلق السماوات والأرض @QE@ آل عمران 191 أورد ذلك في ~~معرض ms908 الثناء والمدح والمنهي عنه لا يكون ممدوحا عليه # وبه يخرج الجواب عن نهيه عن النظر في القدر # وقوله عليه السلام عليكم بدين العجائز لم يثبت ولم يصح # وإن صح فيجب حمله على التفويض إلى الله تعالى فيما قضاه وأمضاه جمعا بينه ~~وبين ما ذكرناه من الأدلة # قولهم ( لم ينقل عن أحد من الصحابة النظر في ذلك ) يلزم منه نسبة الصحابة ~~إلى الجهل بمعرفة الله تعالى مع كون الواحد منا عالما بذلك وهو محال # وإذا كانوا عالمين بذلك فليس العلم بذلك من الضروريات فتعين إسناده إلى ~~النظر والدليل وإنما لم تنقل عنهم المناظرة في ذلك لصفاء أذهانهم وصحة ~~عقائدهم وعدم من يحوجهم إلى ذلك # وحيث نقل عنهم ذلك في مسائل الفروع فلكونها اجتهادية والظنون فيها ~~متفاوتة بخلاف المسائل القطعية PageV04P232 # قولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لم ينكروا على العامة ترك ~~النظر # قلنا إنما لم ينكروا ذلك لأن المعرفة الواجبة كانت حاصلة لهم وهي المعرفة ~~بالدليل من جهة الجملة لا من جهة التفصيل # قولهم ( إن وجوب النظر يلزم منه وجوب الجهل بالله تعالى ) إنما يلزم ذلك ~~أن لو كان الجهل مقدورا للعبد وهو غير مسلم # قولهم ( يلزم منه الدور ) لا نسلم ذلك فإن الواجب الشرعي عندنا غير متوقف ~~على النظر كما سبق في مسألة شكر المنعم # قولهم ( إن النظر مظنة الوقوع في الشبهات والتردي في الضلالات ) قلنا ~~فاعتقاد من يقلده إما أن يكون عن تقليد أو نظر ضرورة امتناع كونه ضروريا ~~فإن كان الأول فالكلام فيمن قلده كالكلام فيه وهو تسلسل ممتنع وإن كان ~~الثاني فالمحذور اللازم من النظر لازم في التقليد مع زيادة وهو احتمال كذب ~~من قلده فيما أخبره به بخلاف الناظر مع نفسه فإنه لا يكابر نفسه فيما أدى ~~إليه نظره # قولهم إن التقليد عليه الأكثر والسواد الأعظم # قلنا ذلك لا يدل على أنه أقرب إلى السلامة لأن التقليد في العقائد المضلة ~~أكثر من الصحيحة على ما قال تعالى @QB@ وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن ms909 ~~سبيل الله @QE@ الأنعام 116 وقال تعالى @QB@ وقليل ما هم @QE@ ص 24 وقال ~~عليه السلام تفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة واحدة ناجية والباقي في النار ~~وإنما كان ذلك لأن أدلة الحق دقيقة غامضة لا يطلع عليها سوى أصحاب الأذهان ~~الصافية والعقول PageV04P233 الرجحة مع المبالغة في الجد والاجتهاد وذلك ~~مما يندر ويقل وقوعه # قولهم ( ان أدلة الأصول أخفى فكان التقليد فيها أولى من الفروع ) ليس ~~كذلك فإن المطلوب في الأصول القطع واليقين بخلاف الفروع فإن المطلوب فيها ~~الظن وهو حاصل من التقليد فلا يلزم من جواز التقليد في الفروع جوازه في ~~الأصول # وبه يكون الجواب عن المعارضة الأخيرة أيضا # # | المسألة الثانية # العامي ومن ليس له أهلية الاجتهاد وان كان محصلا لبعض العلوم المعتبرة في ~~الاجتهاد يلزمه اتباع قول المجتهدين والأخذ بفتواه عند المحققين من ~~الأصوليين # ومنع من ذلك بعض معتزلة البغداديين وقالوا لا يجوز ذلك الا بعد أن يتبين ~~له صحة اجتهاده بدليله # ونقل عن الجبائي أنه أباح ذلك في مسائل الاجتهاد دون غيرها كالعبادات ~~الخمس # والمختار إنما هو المذهب الأول # ويدل عليه النص والإجماع والمعقول # أما النص فقوله تعالى @QB@ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون @QE@ ~~النحل 43 وهو عام لكل المخاطبين ويجب أن يكون عاما في السؤال عن كل ما لا ~~يعلم بحيث يدخل فيه محل النزاع وإلا كان متناولا لبعض ما لا يعلم بعينه أو ~~لا بعينه والأول غير مأخوذ من دلالة اللفظ والثاني يلزم منه تخصيص ما فهم ~~من معنى الأمر بالسؤال وهو طلب الفائدة ببعض الصور دون البعض وهو خلاف ~~الأصل # وإذا كان عاما في الأشخاص وفي كل ما ليس بمعلوم فأدنى درجات قوله ( ~~فاسألوا ) الجواز وهو خلاف مذهب الخصوم PageV04P234 # وأما الإجماع فهو أنه لم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين قبل حدوث ~~المخالفين يستفتون المجتهدين ويتبعونهم في الأحكام الشرعية والعلماء منهم ~~يبادرون إلى إجابة سؤالهم من غير إشارة إلى ذكر الدليل ولا ينهونهم عن ذلك ~~من غير نكير فكان إجماعا على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقا ms910 # وأما المعقول فهو أن من ليس له أهلية الاجتهاد إذا حدثت به حادثة فرعية ~~إما أن لا يكون متعبدا بشيء وهو خلاف الإجماع من الفريقين وإن كان متعبدا ~~بشيء فإما بالنظر في الدليل المثبت للحكم أو بالتقليد الأول ممتنع لأن ذلك ~~مما يفضي في حقه وفي حق الخلق أجمع إلى النظر في أدلة الحوادث والاشتغال عن ~~المعايش وتعطيل الصنائع والحرف وخراب الدنيا وتعطيل الحرث والنسل ورفع ~~الاجتهاد والتقليد رأسا وهو من الحرج والإضرار المنفي بقوله تعالى @QB@ وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ وبقوله عليه السلام لا ضرر ولا ضرار في ~~الإسلام وهو عام في كل حرج وضرار ضرورة كونه نكرة في سياق النفي # غير أنا خالفناه في امتناع التقليد في أصول الدين لما بيناه من الفرق في ~~مسألة امتناع التقليد في أصول الدين ولأن الوقائع الحادثة الفقهية أكثر ~~بأضعاف كثيرة من المسائل الأصولية التي قيل فيها بامتناع التقليد فكان ~~الحرج في إيجاب الاجتهاد فيها أكثر فبقينا فيما عدا ذلك عاملين بقضية ~~الدليل وهو عام في المسائل الاجتهادية وغيرها # فإن قيل ما ذكرتموه معارض بالكتاب والسنة والمعقول أما الكتاب فقوله ~~تعالى @QB@ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ PageV04P235 # والقول بالتقليد قول بما ليس بمعلوم فكان منهيا عنه # وأيضا # قوله تعالى حكاية عن قوم @QB@ إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون @QE@ الزخرف 23 ذكر ذلك في معرض الذم للتقليد والمذموم لا يكون ~~جائزا # وأما السنة فقوله عليه السلام طلب العلم فريضة على كل مسلم وقوله عليه ~~السلام اجتهدوا فكل ميسر لما خلق له والنصان عامان في الأشخاص وفي كل علم ~~وهما يدلان على وجوب النظر # وأما المعقول فمن وجهين الأول أن العامي لو كان مأمورا بالتقليد فلا يأمن ~~أن يكون من قلده مخطئا في اجتهاده وأنه كاذب فيما أخبره به فيكون العامي ~~مأمورا باتباع الخطإ والكذب وذلك على الشارع ممتنع # الثاني أن الفروع والأصول مشتركة في التكليف بها فلو جاز التقليد في ~~الفروع لمن ظهر صدقه فيما أخبر به ms911 لجاز ذلك في الأصول # والجواب عن الآية الأولى أنها مشتركة الدلالة فإن النظر أيضا والاجتهاد ~~في المسائل الاجتهادية قول بما ليس بمعلوم ولا بد من سلوك أحد الأمرين # وليس في الآية دليل على تعيين امتناع أحدهما كيف ويجب حملها على ما لا ~~يعلم فيما يشترط فيه العلم تقليلا لتخصيص العموم ولما فيه من موافقة ما ~~ذكرناه من الأدلة # وعن الآية الثانية بوجوب حملها على ذم التقليد فيما يطلب فيه العلم جمعا ~~بينها وبين ما ذكرناه من الأدلة # وعن الخبر الأول أنه متروك بالإجماع في محل النزاع فإن القائل فيه ~~PageV04P236 قائلان قائل بأن الواجب التقليد وقائل إن الواجب إنما هو النظر ~~والعلم غير مطلوب فيهما إجماعا # وعن الثاني لا نسلم دلالته على الوجوب على ما سبق تعريفه وإن دل على وجوب ~~الاجتهاد لكنه لا عموم له بالنسبة إلى كل مطلوب حتى يدخل فيه محل النزاع ~~وإن كان عاما بلفظه لكن يجب حمله على من له أهلية الاجتهاد جمعا بينه وبين ~~ما ذكرناه من الأدلة # وعن الوجه الأول من المعقول أنه وإن اجتهد العامي فلا نأمن من وقوع الخطإ ~~منه بل هو أقرب إلى الخطإ لعدم أهليته والمحذور يكون مشتركا # وعن الوجه الثاني ما سبق من الفرق # # | المسألة الثالثة # القائلون بوجوب الاستفتاء على العامي اتفقوا على جواز استفتائه لمن عرفه ~~بالعلم وأهلية الاجتهاد والعدالة بأن يراه منتصبا للفتوى والناس متفقون على ~~سؤاله والاعتقاد فيه وعلى امتناعه فيمن عرفه بالضد من ذلك # واختلفوا في جواز استفتاء من لم يعرفه بعلم ولا جهالة # والحق امتناعه على مذهب الجمهور وذلك لأنه لا نأمن أن يكون حال ~~PageV04P237 المسؤول كحال السائل في العامية المانعة من قبول القول # ولا يخفى أن احتمال العامية قائم بل هو أرجح من احتمال صفة العلم ~~والاجتهاد نظرا إلى أن الأصل عدم ذلك وإلى أن الغالب إنما هو العوام وأن ~~اندراج من جهلنا حالة تحت الأغلب أغلب على الظن # ولهذا امتنع قبول قول مدعي الرسالة وقبول قول الراوي والشاهد إذا لم يقم ~~دليل ms912 على صدقه # فإن قيل إذا لم يعرف العامي السائل عدالة المفتي فلا يخلو إما أن يقال ~~إنه يجب عليه البحث عن عدالته أو لا يجب فإن قيل بالأول فهو خلاف ما الناس ~~عليه في العادة من غير نكير # وإن قيل بالثاني فلا يخفى أن احتمال عدم العدالة مقاوم لاحتمال العدالة ~~وعند ذلك فاحتمال صدقه فيما يخبر به مقاوم لاحتمال كذبه # وعند ذلك إما أن يلزم من جواز الاستفتاء مع الجهل بالعدالة جوازه مع ~~الجهل بالعلم أو لا يلزم فإن لم يلزم فما الفرق وإن لزم فهو المطلوب ~~PageV04P238 # قلنا لا نسلم جريان العادة بما ذكروه عند إرادة الاستفتاء وعلى هذا فلا ~~بد من السؤال عن العدالة بما يغلب على الظن من قول عدل أو عدلين # وإن سلمنا أنه لا يحتاج إلى البحث عن ذلك فالفرق ظاهر وذلك لأن الغالب من ~~حال المسلم ولا سيما المشهور بالعلم والاجتهاد إنما هو العدالة وهو كاف في ~~إفادة الظن ولا كذلك في العلم لأنه ليس الأصل في كل إنسان أن يكون عالما ~~مجتهدا ولا الغالب ذلك # # | المسألة الرابعة إذا استفتى العامي عالما في مسألة فأفتاه # ثم حدث مثل تلك الواقعة فهل يجب على المفتي أن يجتهد لها ثانيا ولا يعتمد ~~على الاجتهاد الأول اختلفوا فيه فمنهم من قال لا بد من الاجتهاد ثانيا ~~لاحتمال أن يتغير اجتهاده ويطلع على ما لم يكن اطلع عليه أولا # ومنهم من قال لا حاجة إلى اجتهاد آخر لأن الأصل عدم اطلاعه على ما لم ~~يطلع عليه أولا # والمختار إنما هو التفصيل وهو أنه إما أن يكون ذاكرا للاجتهاد الأول ~~PageV04P239 أو غير ذاكر له فإن كان الأول فلا حاجة إلى اجتهاد آخر كما لو ~~اجتهد في الحال # وإن كان الثاني فلا بد من الاجتهاد لأنه في حكم من لم يجتهد # # | المسألة الخامسة اختلفوا في أنه هل يجوز خلو عصر من الأعصار عن مجتهد # يمكن تفويض الفتاوى إليه فمنع منه قوم كالحنابلة وغيرهم وجوزه آخرون وهو ~~المختار # وذلك لأنه لو امتنع ms913 لامتنع إما لذاته أو لأمر من خارج الأول محال فإنا لو ~~فرضنا وقوعه لم يلزم عنه لذاته محال عقلا وإن كان الثاني فالأصل عدمه وعلى ~~مدعيه بيانه # فإن قيل دليل امتناعه النص والمعقول # أما النص فقوله عليه السلام لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر ~~الله وحتى يظهر الدجال وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه قال واشوقاه إلى ~~إخواني قالوا يا رسول الله ألسنا إخوانك فقال أنتم أصحابي إخواني قوم يأتون ~~بعدي يهربون بدينهم من شاهق إلى شاهق ويصلحون PageV04P240 إذا فسد الناس ~~وأيضا قوله عليه السلام العلماء ورثة الأنبياء وأحق الأمم بالوراثة هذه ~~الأمة وأحق الأنبياء بإرث العلم عنه # نبي هذه الأمة # وأما المعقول فمن وجهين الأول أن التفقه في الدين والاجتهاد فيه فرض على ~~الكفاية بحيث إذا اتفق الكل على تركه أثموا # فلو جاز خلو العصر عمن يقوم به لزم منه اتفاق أهل العصر على الخطإ ~~والضلالة وهو ممتنع لما سبق # الثاني أن طريق معرفة الأحكام الشرعية إنما هو الاجتهاد فلو خلا العصر عن ~~مجتهد يمكن الاستناد إليه في معرفة الأحكام أفضى إلى تعطيل الشريعة واندراس ~~الأحكام وذلك ممتنع لأنه على خلاف عموم ما سبق من النصوص # والجواب عما ذكروه من النصوص أنها معارضة بما يدل على نقيضها فمن ذلك ~~قوله عليه السلام بدىء الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ وقوله عليه السلام إن ~~الله لا يقبض العلم انتزاعا ولكن بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ ~~الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا وقوله عليه السلام ~~تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها أول ما ينسى وقوله عليه السلام لتركبن ~~سنن من كان قبلكم حذوا القذة بالقذة وقوله صلى الله عليه وسلم خير القرون ~~القرن الذي أنا فيه ثم الذي يليه ثم الذي يليه ثم تبقى حثالة كحثالة التمر ~~لا يعبأ الله بهم وإذا تعارضت النصوص سلم لنا ما ذكرناه من الدليل أولا ~~PageV04P241 # وما ذكروه من الوجه الأول من المعقول فجوابه أن يقال متى ms914 يكون التفقه في ~~الدين والتأهل للاجتهاد فرضا على الكفاية في كل عصر إذا أمكن اعتماد العوام ~~على الأحكام المنقولة إليهم في كل عصر عمن سبق من المجتهدين في العصر الأول ~~بالنقل المغلب على الظن أو إذا لم يمكن الأول ممنوع والثاني مسلم ولكن لا ~~نسلم امتناع ذلك # وهذا هو الجواب عن الوجه الثاني من المعقول أيضا # # | المسألة السادسة من ليس بمجتهد هل تجوز له الفتوى بمذهب غيره # من المجتهدين كما هو المعتاد في زمننا هذا اختلفوا فيه فذهب أبو الحسين ~~البصري وجماعة من الأصوليين إلى المنع من ذلك لأنه إنما يسأل عما عنده لا ~~عما عند غيره ولأنه لو جازت الفتوى بطريق الحكاية عن مذهب الغير لجاز ذلك ~~للعامي وهو محال مخالف للإجماع # ومنهم من جوزه إذا ثبت ذلك عنده بنقل من يوثق بقوله # والمختار أنه إذا كان مجتهدا في المذهب بحيث يكون مطلعا على مأخذ المجتهد ~~المطلق الذي يقلده وهو قادر على التفريع على قواعد إمامه وأقواله متمكن من ~~الفرق والجمع والنظر والمناظرة في ذلك كان له الفتوى # تمييزا له عن العامي ودليله انقطاع الإجماع من أهل كل عصر على قبول ~~PageV04P242 مثل هذا النوع من الفتوى وإن لم يكن كذلك فلا # # | المسألة السابعة إذا حدثت للعامي حادثة وأراد الاستفتاء عن حكمها # فإما أن يكون في البلد مفت واحد أو أكثر فإن كان الأول وجب عليه الرجوع ~~إليه والأخذ بقوله وإن كان الثاني فقد اختلف الأصوليون فمنهم من قال لا ~~يتخير بينهم حتى يأخذ بقول من شاء منهم بل يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين ~~من الأورع والأدين والأعلم وهو مذهب أحمد بن حنبل وابن سريج والقفال من ~~أصحاب الشافعي وجماعة من الفقهاء والأصوليين مصيرا منهم إلى أن قول ~~المفتيين في حق العامي ينزل منزلة الدليلين المتعارضين في حق المجتهد وكما ~~يجب على المجتهد الترجيح بين الدليلين فيجب على العامي الترجيح بين ~~المفتيين إما بأن يتحفظ من كل باب من الفقه مسائل ويتعرف أجوبتها ويسأل ~~عنها فمن أجابه أو كان أكثر ms915 إصابة اتبعه أو بأن يظهر له ذلك بالشهرة ~~والتسامع ولأن طريق معرفة هذه الأحكام إنما هو الظن والظن في تقليد الأعلم ~~والأدين أقوى فكان المصير إليه أولى # وذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الأصوليين والفقهاء إلى التخيير والسؤال ~~لمن شاء من العلماء وسواء تساووا أو تفاضلوا وهو المختار # ويدل على ذلك أن الصحابة كان فيهم الفاضل والمفضول من المجتهدين # فإن الخلفاء الأربعة كانوا أعرف بطريق الاجتهاد من غيرهم ولهذا قال عليه ~~السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا PageV04P243 عليها ~~بالنواجذ وقال عليه السلام أقضاكم علي وأفرضكم زيد وأعرفكم بالحلال والحرام ~~معاذ بن جبل وكان فيهم العوام ومن فرضه الاتباع للمجتهدين والأخذ بقولهم لا ~~غير # ومع ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة والسلف تكليف العوام الاجتهاد في ~~أعيان المجتهدين ولا أنكر أحد منهم اتباع المفضول والاستفتاء له مع وجود ~~الأفضل ولو كان ذلك غير جائز لما جاز من الصحابة التطابق على عدم إنكاره ~~والمنع منه ويتأيد ذلك بقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم ولولا إجماع الصحابة على ذلك لكان القول بمذهب الخصوم أولى # # | المسألة الثامنة إذا اتبع العامي بعض المجتهدين في حكم حادثة من ~~الحوادث # وعمل بقوله فيها اتفقوا على أنه ليس له الرجوع عنه في ذلك الحكم بعد ذلك ~~إلى غيره # وهل له اتباع غير ذلك المجتهد في حكم آخر اختلفوا فيه فمنهم من منع منه ~~ومنهم من أجازه وهو الحق نظرا إلى ما وقع عليه إجماع الصحابة من تسويغ ~~استفتاء العامي لكل عالم في مسألة وأنه لم ينقل عن أحد من السلف الحجر على ~~العامة في ذلك ولو كان ذلك ممتنعا لما جاز من الصحابة إهماله والسكوت عن ~~الإنكار عليه ولأن كل مسألة لها حكم نفسها فكما لم يتعين الأول للاتباع في ~~المسألة الأولى إلا بعد سؤاله فكذلك في المسألة الأخرى # وأما اذا عين العامي مذهبا معينا كمذهب الشافعي أو أبي حنيفة أو ~~PageV04P244 غيره وقال أنا على مذهبه وملتزم له فهل له الرجوع إلى ms916 الأخذ ~~بقول غيره في مسألة من المسائل اختلفوا فيه فجوزه قوم نظرا إلى أن التزامه ~~لمذهب معين غير ملزم له ومنع من ذلك آخرون لأنه بالتزامه المذهب صار لازما ~~له كما لو التزم مذهبه في حكم حادثة معينة # والمختار إنما هو التفصيل وهو أن كل مسألة من مذهب الأول اتصل عمله بها ~~فليس له تقليد الغير فيها وما لم يتصل عمله بها فلا مانع من اتباع غيره ~~فيها # القاعدة الرابعة في الترجيحات وتشتمل على مقدمة وبابين # أما المقدمة ففي بيان معنى الترجيح ووجوب العمل بالراجح وما فيه الترجيح # أما الترجيح فعبارة عن اقتران أحد الصالحين للدلالة على المطلوب مع ~~تعارضهما بما يوجب العمل به وإهمال الآخر # فقولنا ( اقتران أحد الصالحين ) احتراز عما ليسا بصالحين للدلالة أو ~~أحدهما صالح والآخر ليس بصالح فإن الترجيح إنما يكون مع تحقق التعارض ولا ~~تعارض مع عدم الصلاحية للأمرين أو أحدهما # وقولنا ( مع تعارضهما ) احتراز عن الصالحين اللذين لا تعارض بينهما فإن ~~الترجيح إنما يطلب عند التعارض لا مع عدمه وهو عام للمتعارضين مع التوافق ~~في الاقتضاء كالعلل المتعارضة في أصل القياس كما يأتي وللمتعارضين مع ~~التنافي في الاقتضاء كالأدلة المتعارضة في الصور PageV04P245 المختلف فيها ~~نفيا وإثباتا # وقولنا ( بما يوجب العمل بأحدهما وإهمال الآخر ) # احتراز عما اختص به أحد الدليلين عن الآخر من الصفات الذاتية أو العرضية ~~ولا مدخل له في التقوية والترجيح # وأما أن العمل بالدليل الراحح واجب فيدل عليه ما نقل وعلم من إجماع ~~الصحابة والسلف في الوقائع المختفلة على وجوب تقديم الراجح من الظنين وذلك ~~كتقديمهم خبر عائشة رضي الله عنها في التقاء الختانين على خبر أبي هريرة في ~~قوله إنما الماء من الماء وما روت عن النبي عليه السلام أنه كان يصبح جنبا ~~وهو صائم على ما رواه أبو هريرة من قوله عليه السلام من أصبح جنبا فلا صوم ~~له لكونها أعرف بحال النبي عليه السلام # وكانوا لا يعدلون إلى الآراء والأقيسة إلا بعد البحث عن النصوص واليأس ~~منها ومن فتش ms917 عن أحوالهم ونظر في وقائع اجتهاداتهم علم علما لا يشوبه ريب ~~أنهم كانوا يوجبون العمل بالراجح من الظنين دون أضعفهما # ويدل على ذلك أيضا تقرير النبي عليه السلام لمعاذ حين بعثه إلى ~~PageV04P246 اليمن قاضيا على ترتيب الأدلة وتقديم بعضها على بعض كما سبق ~~تقريره غير مرة # ولأنه إذا كان أحد الدليلين راجحا فالعقلاء يوجبون بعقولهم العمل بالراحج # والأصل تنزيل التصرفات الشرعية منزلة التصرفات العرفية # ولهذا قال عليه السلام ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن # فإن قيل ما ذكرتموه معارض بالنص والمعقول # أما النص فقوله تعالى @QB@ فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ الحشر 2 أمر ~~بالاعتبار مطلقا من غير تفصيل # وأيضا قوله عليه السلام نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر والدليل ~~المرجوح ظاهر فجاز العمل به # وأما المعقول فهو أن الأمارات الظنية المتعارضة لا تزيد على البينات ~~المتعارضة والترجيح غير معتبر في البينات حتى إنه لا تقدم شهادة الأربعة ~~على شهادة الاثنين # قلنا أما الآية فغايتها الأمر بالنظر والاعتبار وليس فيها ما ينافي القول ~~بوجوب العمل بالترجيح فإن إيجاب أحد الأمرين لا ينافي إيجاب PageV04P247 ~~غيره # وأما الخبر فيدل على جواز العمل بالظاهر والظاهر هو ما ترجح أحد طرفيه ~~على الآخر ومع وجود الدليل الراجح فالمرجوح المخالف له لا يكون راجحا من ~~جهة مخالفته للراجح فلا يكون ظاهرا فيه # وأما المعقول فلا نسلم امتناع الترجيح في باب الشهادة بل عندنا يقدم قول ~~الأربعة على قول الاثنين على رأي لنا # وإن سلمنا أنه لا اعتبار بالترجيح في باب الشهادة فإنما كان لأن المتبع ~~في ذلك إنما هو إجماع الصحابة # وقد ألف منهم اعتبار ذلك في باب تعارض الأدلة دون باب الشهادة # وأما ما فيه الترجيح فهي الطرق الموصلة إلى المطلوبات # وهي تنقسم إلى قطعي وظني # أما القطعي فلا ترجيح فيه لأن الترجيح لا بد وأن يكون موجبا لتقوية أحد ~~الطريقين المتعارضين على الآخر PageV04P248 # والمعلوم المقطوع به غير قابل للزيادة والنقصان فلا يطلب فيه الترجيح ~~ولأن الترجيح إنما يكون بين متعارضين وذلك غير متصور ms918 في القطعي لأنه إما أن ~~يعارضه قطعي أو ظني الأول محال لأنه يلزم منه إما العمل بهما وهو جمع بين ~~النقيضين في الإثبات أو امتناع العمل بهما وهو جمع بين النقيضين في النفي ~~أو العمل بأحدهما دون الآخر ولا أولوية مع التساوي # والثاني أيضا محال لامتناع ترجح الظني على القاطع وامتناع طلب الترجيح في ~~القاطع # كيف وإن الدليل القاطع لا يكون في مقابلته دليل صحيح فلم يبق سوى الطرق ~~الظنية # والطرق الظنية منقسمة إلى شرعية وعقلية وليس من غرضنا بيان العقلية بل ~~الشرعية # وهي إما أن تكون موصلة إلى الظن بأمر مفرد وهي الحدود أو الظن بأمر مركب ~~وهي الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستدلال كما سبق ~~تحقيقه # فلنرسم في ترجيحات كل واجد من الطريقين بابا الباب الأول في ترجيحات ~~الطرق الموصلة إلى التصديقات الشرعية PageV04P249 # والتعارض إما أن يكون بين منقولين أو معقولين أو منقول ومعقول # فلنرسم في كل واحد قسما # # | القسم الأول في التعارض الواقع بين منقولين والترجيح بينهما # منه ما يعود إلى السند ومنه ما يعود إلى المتن ومنه ما يعود إلى المدلول ~~ومنه ما يعود إلى أمر من خارج # فأما ما يعود إلى السند فمنه ما يعود إلى الراوي ومنه ما يعود إلى ومنه ~~ما يعود إلى المروي ومنه ما يعود إلى المروي عنه # فأما ما يعود إلى الراوي فمنه ما يعود إلى نفسه ومنه ما يعود إلى تزكيته # فأما ما يعود إلى نفس الراوي فترجيحات # الأول أن تكون رواة أحدهما أكثر من رواة الآخر فما رواته أكثر يكون مرجحا ~~خلافا للكرخي لأنه يكون أغلب على الظن من جهة أن احتمال وقوع الغلط والكذب ~~على العدد الأكثر أبعد من احتمال وقوعه في العدد الأقل ولأن خبر كل واحد من ~~الجماعة يفيد الظن PageV04P250 # ولا يخفى أن الظنون المجتمعة كلما كانت أكثر كانت أغلب على الظن حتى ~~ينتهي إلى القطع # ولهذا فإنه لما كان الحد الواجب بالزنى من أكبر الحدود وآكدها جعلت ~~الشهادة عليه أكثر عددا من ms919 غيره وأن النبي عليه السلام لم يعمل بقول ذي ~~اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت حتى أخبره بذلك أبو بكر وعمر # ولم يعمل أبو بكر بخبر المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أطعم الجدة ~~السدس حتى اعتضد بخبر محمد بن مسلمة # ولم يعمل عمر بخبر أبي موسى حتى اعتضد بخبر أبي سعيد الخدري # الثاني أن يكون راوي أحد الحديثين مشهورا بالعدالة والثقة بخلاف الآخر أو ~~أنه أشهر بذلك فروايته مرجحة لأن سكون النفس إليه أشد والظن بقوله أقوى # الثالث أن يكون أحد الراويين أعلم وأضبط من الآخر أو أورع وأتقى فروايته ~~أرجح لأنها أغلب على الظن PageV04P251 # الرابع أن يكون أحد الراويين حالة روايته ذاكرا للرواية عن شيخه غير ~~معتمد في ذلك على نسخة سماعه أو خط نفسه بخلاف الآخر فهو أرجح لأنه يكون ~~أبعد من السهو والغلط # الخامس أن يكون أحد الراويين قد عمل بما روى والآخر خالف ما روى فمن لم ~~يخالف روايته أولى لكونه أبعد عن الكذب بل هو أولى من رواية من لم يظهر منه ~~العمل بروايته # السادس أن يكونا مرسلين وقد عرف من حال أحد الراويين أنه لا يروي عن غير ~~العدل كابن المسيب ونحوه بخلاف الآخر فرواية الأول تكون أولى # السابع أن يكون راوي أحد الخبرين مباشرا لما رواه والآخر غير مباشر ~~فرواية المباشر تكون أولى لكونه أعرف بما روى وذلك كرواية أبي رافع أن ~~النبي عليه السلام نكح ميمونة وهو حلال فإنه يرجح على رواية ابن عباس أنه ~~نكحها وهو حرام لأن أبا رافع كان هو السفير بينهما والقابل لنكاحها عن رسول ~~الله # الثامن أن يكون أحد الراويين هو صاحب القصة كما روت ميمونة PageV04P252 ~~أنها قالت تزوجني رسول الله ونحن حلالان فإنها تقدم على رواية ابن عباس ~~لكونها أعرف بحال العقد من غيرها لشدة اهتمامها خلافا للجرجاني من أصحاب ~~أبي حنيفة # التاسع أن يكون أحد الراويين أقرب إلى النبي عليه السلام حال سماعه من ~~الآخر فروايته تكون أولى وذلك كرواية ابن عمر إفراد النبي ms920 عليه السلام ~~فإنها مقدمة على من روى أنه قرن لأنه ذكر أنه كان تحت ناقته حين لبى النبي ~~عليه السلام وأنه سمع إحرامه بالإفراد # العاشر إذا كان أحد الراويين من كبار الصحابة والآخر من صغارهم فرواية ~~الأكبر أرجح لأن الغالب أنه يكون أقرب إلى النبي عليه السلام حالة السماع ~~لقوله عليه السلام ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى ولأن محافظته على ~~منصبه مما يوجب التحرز عن الكذب أكثر من الصغير # الحادي عشر إذا كان أحد الراويين متقدم الإسلام على الراوي الآخر فروايته ~~أولى إذ هي أغلب على الظن لزيادة أصالته في الإسلام وتحريره فيه # الثاني عشر أن يكون أحد الراويين فقيها والآخر غير فقيه أو هو أفقه وأعلم ~~بالعربية فخبره يكون مرجحا لكونه أعرف بما يرويه لتمييزه بين ما يجوز وما ~~لا يجوز # الثالث عشر أن يكون أحد الراويين أفطن وأذكى وأكثر تيقظا من الآخر ~~فروايته أولى لكثرة ضبطه # الرابع عشر أن يكون أحد الراويين روايته عن حفظ والآخر عن كتاب فالراوي ~~عن الحفظ أولى لكثرة ضبطه # الخامس عشر إن كان أحد الراويين مشهور النسب بخلاف الآخر فروايته أولى ~~لأن احترازه عما يوجب نقص منزلته المشهورة يكون أكثر # السادس عشر إذا كان في رواة أحد الخبرين من يلتبس اسمه باسم بعض الضعفاء ~~بخلاف الآخر فالذي لا يلتبس اسمه أولى لأنه أغلب على الظن PageV04P253 ~~السابع عشر أن يكون أحد الراويين قد تحمل الرواية في زمن الصبى والآخر في ~~زمن بلوغه فرواية البالغ أولى لكثرة ضبطه # وأما ما يعود إلى التزكية فترجيحات # الأول أن يكون المزكي لأحد الراويين أكثر من الآخر أو أن يكون المزكى له ~~أعدل وأوثق فروايته مرجحة لأنها أغلب على الظن # الثاني أن تكون تزكية أحدهما بصريح المقال والآخر بالرواية عنه أو بالعمل ~~بروايته أو الحكم بشهادته فرواية من تزكيته بصريح المقال مرجحة على غيرها ~~لأن الرواية قد تكون عمن ليس بعدل وكذلك العمل بما يوافق الرواية والشهادة ~~قد تكون بغيرها وهو موافق لها ولا يكون ذلك بهما ولا كذلك ms921 التزكية بصريح ~~المقال # الثالث تزكية أحد الراويين بالحكم بشهادته والآخر بالرواية عنه فرواية ~~المعمول بشهادته أولى لأن الاحتياط في الشهادة فيما يرجع إلى أحكام الجرح ~~والتعديل أكثر منه في الرواية والعمل بها # ولهذا قبلت رواية الواحد والمرأة دون شهادتهما وقبلت رواية الفرع مع ~~إنكار الأصل لها على بعض الآراء ومن غير ذكر الأصل بخلاف الشهادة # الرابع أن تكون تزكية أحدهما بالعمل بروايته والآخر بالرواية عنه فالأول ~~أرجح لأن الغالب من العدل أنه لا يعمل برواية غير العدل ولا كذلك في ~~الرواية لأن كثيرا ما يروي العدل عمن لو سئل عنه لجرحه أو توقف في حاله # وبالجملة فاحتمال العمل برواية غير العدل أقل من احتمال الرواية عن غير ~~العدل # واحتمال العمل بدليل غيره وإن كان قائما إلا أنه بعيد عن البحث التام مع ~~عدم الاطلاع عليه # وأما ما يعود إلى نفس الرواية فترجيحات # الأول أن يكون أحد الخبرين متواترا والآخر آحادا فالمتواتر لتيقنه أرجح ~~من الآحاد لكون مظنونا PageV04P254 # الثاني أن يكون أحد الخبرين مسندا والآخر مرسلا فالمسند أولى لتحقق ~~المعرفة براويه والجهالة براوي الآخر # ولهذا تقبل شهادة الفرع إذا عرف شاهد الأصل ولا تقبل إذا شهد مرسلا # فإن قيل الراوي إذا كان عدلا ثقة وأرسل الخبر فالغالب أن لا يكون إلا مع ~~الجزم بتعديل من روي عنه وإلا كان ذلك تلبيسا على المسلمين وهو بعيد في حقه ~~وهذا بخلاف ما إذا ذكر المروي عنه فإنه غير جازم بتعديله فكان المرسل أولى # قلنا التلبيس إنما يلزم بروايته عمن لم يذكره إذا لم يكن لي نفس الأمر ~~عدلا أن لو وجب اتباعه في قوله # وإنما يجب اتباعه في قوله أن لو ظهرت عدالة الأصل وهو دور كيف وإنه لو ~~كان ذلك تعديلا منه فهو غير مقبول لكونه تعديلا مطلقا وإن كان مقبولا فإنما ~~يقبل إذا كان مضافا إلى شخص معين لم يعرف بفسق # وأما إذا كان غير معين فلا لاحتمال أن يكون بحيث لو عينه لاطلعنا من حاله ~~على فسق قد جهله الراوي ms922 # ثم ولو كان تعديلا مقبولا إلا أنه إذا كان مذكورا مشهور الحال وقد عدل ~~بمثل ذلك التعديل أو أعلى منه كان قبول قوله أولى وأغلب على الظن وعدم جزم ~~الراوي بعدالة المروي عنه إذا كان مصرحا به وجزمه بعدالة من سكت عن ذكره ~~بعد أن ظهر تعديل المذكور بتعديل غيره لا يكون موجبا للترجيح بل من ظهرت ~~عدالته بطريق متفق عليه يكون أولى ممن ظهرت عدالته بطريق مختلف فيه # الثالث أن يكون أحد الخبرين من مراسيل التابعين والآخر من مراسيل تابعي ~~التابعين فما هو من مراسيل التابعين أولى لأن الظاهر من التابعي أنه لا ~~يروي عن غير الصحابي وعدالة الصحابة بما ثبت من ثناء النبي عليه السلام ~~وتزكيته لهم في ظواهر الكتاب والسنة أغلب على الظن من العدالة في حق غيرهم ~~من المتأخرين # ولهذا قال عليه السلام خير القرون القرن الذي أنا فيه وقال عليه السلام ~~أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم PageV04P255 اهتديتم ولم يرو مثل ذلك في حق ~~غيرهم # الرابع أن يكون أحدهما معنعنا وطريق ثبوت الآخر الشهرة مع عدم النكير أو ~~الإسناد إلى كتاب من كتب المحدثين فالمعنعن أولى لأنه أغلب على الظن أما ~~بالنسبة إلى الطريق الأول فلمساواته له في عدم النكير وزيادته عليه برواية ~~العدل عن العدل وأما بالنسبة إلى الطريق الثاني فلأنه أسلم من الغلط ~~والتلبيس وأبعد عن التبديل والتصحيف # الخامس أن يكون أحدهما ثابتا بطريق الشهرة والآخر بالإسناد إلى كتاب من ~~كتب المحدثين فالمسند إلى كتب المحدثين أولى من جهة أن احتمال تطرق الكذب ~~إلى ما دخل في صنعة المحدثين وإن لم يكن من كتبهم المشهورة بهم والمنسوبة ~~إليهم أبعد من احتمال تطرقه إلى ما اشتهر وهو غير منسوب إليهم # ولهذا فإن كثيرا ما اشتهر مع كذبه ورد المحدثين له # السادس أن يكون أحدهما مسندا إلى كتاب موثوق بصحته كمسلم والبخاري والآخر ~~مسندا إلى كتاب غير مشهور بالصحة ولا بالسقم كسنن أبي داود ونحوها فالمسند ~~إلى الكتاب المشهور بالصحة أولى # السابع أن تكون رواية أحدهما بقراءة ms923 الشيخ عليه والآخر بقراءته هو على ~~الشيخ أو بإجازته أو مناولته له أو بخط رآه في كتاب # فما الرواية فيه بقراءة الشيخ أرجح لأنه أبعد عن غفلة الشيخ عما يرويه # الثامن أن تكون رواية أحدهما بالمناولة والآخر بالإجازة فالمناولة أولى ~~لأن الإجازة غير كافية وهو أن يقول خذ هذا الكتاب وحدث به عني فقد سمعته من ~~فلان وعند ذلك فتكون إجازة وزيادة # والإجازة تكون راجحة على رؤية الخط في الكتاب لأن الخطوط مما تشتبه ولا ~~احتمال في نسبة لفظه إليه بالإجازة PageV04P256 # وكذلك لو قال الشيخ هذا خطي فالإجازة تكون أولى لأن دلالة لفظ الشيخ على ~~الرواية عمن روى عن أظهر من دلالة خطه عليها # وإذا كانت الإجازة أولى من الرواية عن الخط والمناولة أولى من الإجازة ~~كانت المناولة أولى من الرواية عن الخط # التاسع أن يكون أحد الخبرين أعلى إسنادا من الآخر فيكون أولى لأنه كلما ~~قلت الرواة كان أبعد عن احتمال الغلط والكذب # العاشر أن يكون أحد الخبرين قد اختلف في كونه موقوفا على الراوي والآخر ~~متفق على رفعه إلى النبي عليه السلام فالمتفق على رفعه أولى لأنه أغلب على ~~الظن # الحادي عشر أن تكون رواية أحد الخبرين بلفظ النبي والآخر بمعناه فرواية ~~اللفظ أولى لكونها أضبط وأغلب على الظن بقول الرسول # الثاني عشر أن تكون إحدى الروايتين بسماع من غير حجاب والأخرى مع الحجاب ~~وذلك كرواية القاسم بن محمد عن عائشة من غير حجاب لكونها عمة له أن بريرة ~~عتقت وكان زوجها عبدا فإنها تقدم على رواية أسود عنها أن زوجها كان حرا ~~لسماعه عنها مع الحجاب لأن الرواية من غير حجاب شاركت الرواية مع الحجاب في ~~السماع وزادت تيقن عين المسموع منه # الثالث عشر إذا كانت إحدى الروايتين قد اختلفت دون الأخرى فالتي لا ~~اختلاف فيها أولى لبعدها عن الاضطراب # وأما ما يعود إلى المروي فترجيحات # الأول أن تكون رواية أحد الخبرين عن سماع من النبي عليه السلام والرواية ~~الأخرى عن كتاب فرواية السماع أولى لبعدها عن ms924 تطرق التصحيف والغلط # الثاني أن تكون إحدى الروايتين عن سماع من النبي عليه السلام PageV04P257 ~~والأخرى عما جرى في مجلسه أو زمانه وسكت عنه فرواية السماع أولى لكونها ~~أبعد عن غفلة النبي عليه السلام وذهوله بخلاف الرواية عما جرى في مجلسه ~~وسكت عنه فرواية السماع أولى مما جرى في زمانه خارجا عن مجلسه # الثالث أن تكون إحدى الروايتين عما خطره مع السكوت عنه أعظم من خطر ~~المسكوت عنه في الرواية الاخرى فما خطره أعظم يكون أرجح لكون السكوت عنه ~~أغلب على الظن في تقريره # الرابع أن تكون إحدى الروايتين عن صيغة النبي عليه السلام والأخرى عن ~~فعله فرواية الصيغة تكون راجحة لقوة دلالتها وضعف الفعل # ولهذا أن من خالف في دلالة الفعل وجواز الاحتجاج به لم يخالف في الصيغ ~~لأن ما يفعله النبي عليه السلام إلى الاختصاص به أقرب من اختصاصه بمدلول ~~الصيغة ولأن تطرق الغفلة إلى الإنسان في فعله أكثر منها في كلامه ولهذا ~~قلما يتكلم الإنسان غافلا بخلاف الفعل # الخامس أن يكون أحدهما خبر واحد ورد فيما تعم به البلوى بخلاف الآخر فما ~~لا تعم به البلوى أولى لكونه أبعد عن الكذب من جهة أن تفرد الواحد بنقل ما ~~تعم به البلوى مع توفر الدواعي على نقله قريب من الكذب وذلك كمن تفرد بنقل ~~قتل الملك في وسط السوق بمشهد من الخلق # ولهذا كان مختلفا فيه ومتفقا على مقابله # وأما ما يعود إلى المروي عنه فترجيحات # الأول أن يكون أحد الراويين قد روى عمن أنكر روايته عنه كما في حديث ~~الزهري بخلاف الراوي الآخر فما لم يقع فيه إنكار المروي عنه يكون أرحج ~~لكونه أغلب على الظن # الثاني أن يكون الأصل في أحد الخبرين قد أنكر رواية الفرع عنه ~~PageV04P258 إنكار نسيان ووقوف والآخر إنكار تكذيب وجحود فالأول أولى لأن ~~غلبة الظن بالرواية عنه أكثر من غلبة الظن بالثاني # وأما الترجيحات العائدة إلى المتن # الأول منها أن يكون أحدهما أمرا والآخر نهيا فالنهي من حيث هو نهي مرجح ~~على الأمر ms925 لثلاثة أوجه # الأول أن الطلب فيه الترك أشد # ولهذا لو قدر كون كل واحد منهما مطلقا فإن أكثر من قال بالخروج عن عهدة ~~الأمر بالفعل مرة واحدة نازع في النهي # الثاني أن محامل النهي وهي تردده بين التحريم والكراهة لا غير أقل من ~~محامل الأمر لتردده بين الوجوب والندب والإباحة على بعض الآراء # الثالث أن الغالب من النهي طلب دفع المفسدة ومن الأمر طلب تحصيل المصلحة ~~واهتمام العقلاء بدفع المفاسد أكثر من اهتمامهم بتحصيل المصالح # الترجيح الثاني أن يكون أحدهما آمرا والآخر مبيحا فالآمر وإن ترجح على ~~المبيح نظرا إلى أنه إن عمل به لا يصير مخالفا للمبيح ولا كذلك بالعكس ~~لاستواء طرفي المباح وترجح جانب المأمور به إلا أن المبيح يترجح على الآمر ~~من أربعة أوجه الأول أن مدلول المبيح متحد ومدلول الآخر متعدد كما سبق ~~تعريفه فكان أولى # الثاني أن غاية ما يلزم من العمل بالمبيح تأويل الآخر بصرفه عن محمله ~~الظاهر إلى المحمل البعيد والعمل بالآمر يلزم منه تعطيل المبيح بالكلية ~~والتأويل أولى من التعطيل # الثالث أن المبيح قد يمكن العمل بمقتضاه على تقديرين على تقدير مساواته ~~للآمر ورجحانه والعمل بمقتضى الآمر متوقف على الترجيح وما يتم PageV04P259 ~~العمل به على تقديرين يكون أولى مما لا يتم العمل به الا على تقدير واحد # الرابع أن العمل بالمبيح بتقدير أن يكون الفعل مقصودا للمكلف لا يختل ~~لكونه مقدورا له والعمل بالآخر يوجب الإخلال بمقصود الترك بتقدير كون الترك ~~مقصودا له # الترجيح الثالث أن يكون أحدهما أمرا والآخر خبرا فالخبر يكون راجحا ~~لثلاثة أوجه # الأول أن مدلول الخبر متحد بخلاف الأمر على ما سبق فكان أولى لبعده عن ~~الاضطراب # الثاني أن الخبر أقوى في الدلالة ولهذا امتنع نسخه على بعض الآراء بخلاف ~~الأمر # الثالث أن العمل يلزمه محذور الكذب في الخبر من كلام الشارع وهو فوق ~~المحذور اللازم من فوات مقصود الأمر فكان الخبر أولى # الترجيح الرابع أن يكون أحدهما ناهيا والآخر مبيحا فالمبيح يكون مقدما ~~على ما عرف في ms926 الأمر # الخامس أن يكون أحدهما نهيا والآخر خبرا فالخبر مقدم على النهي على ما ~~عرف في الأمر أيضا # السادس أن يكون أحدهما مبيحا والآخر خبرا فالخبر مقدم لما سبق في الوجه ~~الثاني والثالث في الأمر إذا عارض الخبر # السابع أن يكون أحدهما مشتركا والآخر غير مشترك بل متحد المدلول فما اتحد ~~مدلوله أولى لبعده عن الخلل # الثامن أن يكون مدلول أحدهما حقيقيا والآخر مجازيا فالحقيقي أولى لعدم ~~افتقاره إلى القرنية المخلة بالتفاهم # التاسع أن يكونا مشتركين إلا أن مدلولات أحدهما أقل من مدلولات ~~PageV04P260 الآخر فالأول أولى لقلة اضطرابه وقرب استعماله فيما هو المقصود ~~منه # العاشر أن يكونا مجازين إلا أن أحدهما منقول مشهور في محل التجوز كلفظ ~~الغائط بخلاف الآخر فالمنقول أولى لعدم افتقاره إلى القرنية # الحادي عشر أن يكون المصحح للتجوز في أحدهما أظهر وأشهر من الآخر فهو ~~أولى # الثاني عشر أن يكون لفظ أحدهما مشتركا والآخر مجازا غير منقول # وقد ذكرنا ما يستحقه كل واحد منهما من الترجيح في الأمر بطريق الاستقصاء ~~فعليك باعتباره والالتفات إليه # الثالث عشر أن يكونا حقيقيين الا أن أحدهما أظهر وأشهر فالأظهر مرجح # الرابع عشر أن تكون إحدى الحقيقتين متفقا عليها والأخرى مختلفا فيها ~~فالمتفق عليه أولى لأنه أغلب على الظن # الخامس عشر أن تكون دلالة أحدهما غير محتاجة إلى إضمار ولا حذف بخلاف ~~الأخرى فالذي لا يحتاج إلى ذلك أولى لقلة اضطرابه # السادس عشر أن يكون أحدهما يدل على مدلوله بالوضع الشرعي والآخر بالوضع ~~اللغوي وكل واحد منهما مستعمل في الشرع فها هنا يظهر أن العمل باللفظ ~~اللغوي يكون أولى لأنه من لسان الشارع مع كونه مقررا لوضع اللغة وما هو ~~عرفه ومصطلحه وإن كان من لسانه إلا أنه مغير للوضع اللغوي ولا يخفى أن ~~العمل بما هو من لسان الشارع من غير تغيير أولى من العمل بما هو من لسانه ~~مع التغيير ولأنه أبعد عن الخلاف وهذا بخلاف ما إذا أطلق لفظا واحدا وكان ~~له مدلول لغوي وقد استعاره الشارع في ms927 معنى آخر وصار عرفا له فإنه مهما أطلق ~~الشارع ذلك اللفظ فيجب تنزيله على عرفه الشرعي دون PageV04P261 اللغوي لأن ~~الغالب من الشارع أنه إذا أطلق لفظا وله موضوع في عرفه أنه لا يريد به غيره # السابع عشر أن يكون العمل بأحدهما يلزم منه الجمع بين مجازين والآخر لا ~~يلزم منه غير مجاز واحد فالذي فيه مجاز واحد أولى لأنه أبعد عن الاضطراب ~~وأقرب إلى الأصل # الثامن عشر أن يكون أحدهما دالا على مطلوبه من وجهين أو أكثر والآخر لا ~~يدل إلا من جهة واحدة فالذي كثرت جهة دلالته أولى لأنه أغلب على الظن # التاسع عشر أن تكون دلالة أحدهما مؤكدة دون الأخرى فالمؤكدة أولى لأنه ~~أقوى دلالة وأغلب على الظن وذلك كما في قوله عليه السلام فنكاحها باطل باطل ~~باطل # العشرون أن تكون دلالة أحدهما على مدلوله بطريق المطابقة والآخر بدلالة ~~الالتزام فدلالة المطابقة أولى لأنها أضبط # الحادي والعشرون أن يكونا دالين بجهة الاقتضاء إلا أن العمل بأحدهما في ~~مدلوله ضرورة صدق المتكلم أو لضرورة وقوع الملفوظ به عقلا والآخر لضرورة ~~وقوع الملفوظ به شرعا كما سبق تعريفه فما يتوقف عيله صدق المتكلم فوقوع ~~الملفوظ به عقلا أولى نظرا إلى بعد الخلف في كلام الشارع وامتناع مخالفة ~~المعقول وقرب المخالفة في المشروع # الثاني والعشرون أن يكونا دالين بجهة التنبيه والإيماء إلى أن أحدهما لو ~~لم يقدر كون المذكور فيه علة للحكم المذكور معه كان ذكره عبثا وحشوا والآخر ~~من قبيل ما رتب فيه الحكم على الوصف بفاء التعقيب فالذي لو لم يقدر فيه ~~التعليل كان ذكره عبثا أولى من الآخر نظرا إلى محذور العبث في كلام الشارع ~~وإلغاؤه أتم من محذور المخالفة الدلالة حرف الفاء على PageV04P262 التعليل ~~وإمكان تأويلها بغير السببية بل وهو أولى من سائر أنواع التنبيه والإيماء ~~لما ذكرناه من زيادة المحذور وما دل على العلية بفاء التعقيب لظهورها مقدم ~~على ما عداه من باقي أقسام التنبيه والإيماء # الثالث والعشرون أن يكونا دالين بجهة المفهوم إلا أن أحدهما ms928 من قبيل ~~مفهوم المخالفة والآخر من قبيل مفهوم الموافقة فقد يمكن ترجيح مفهوم ~~الموافقة على مفهوم المخالفة من جهة أنه متفق عليه ومختلف في مقابله وقد ~~يمكن ترجيح مفهوم المخالفة عليه من وجهين الأول أن فائدة مفهوم المخالفة ~~التأسيس وفائدة مفهوم الموافقة التأكيد والتأسيس أصل والتأكيد فرع فكان ~~مفهوم المخالفة أولى الثاني أن مفهوم الموافقة لا يتم إلا بتقدير فهم ~~المقصود من الحكم في محل النطق وبيان وجوده في محل السكوت وأن اقتضاءه ~~للحكم في محل السكوت أشد # وأما مفهوم المخالفة فإنه يتم بتقدير عدم فهم المقصود من الحكم في محل ~~النطق وبتقدير كونه غير متحقق في محل السكوت وبتقدير أن يكون له معارض في ~~محل السكوت ولا يخفى أن ما يتم على تقديرات أربعة أولى مما لا يتم إلا على ~~تقدير واحد # الرابع والعشرون أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الاقتضاء ودلالة ~~الآخر من قبيل دلالة الإشارة فدلالة الاقتضاء أولى لترجحها بقصد المتكلم ~~لها بخلاف دلالة الإشارة # الخامس والعشرون أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الاقتضاء والآخر من ~~قبيل دلالة التنبيه والإيماء فدلالة الاقتضاء أولى لتوقف صدق المتكلم أو ~~مدلول منطوقه عليه بخلاف دلالة التنبيه والإيماء PageV04P263 # السادس والعشرون أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الاقتضاء والآخر من ~~قبيل دلالة المفهوم فدلالة الاقتضاء أولى لوقوع الاتفاق عليها ووقوع الخلاف ~~في مقابلها ولأن ما يعترض دلالة الاقتضاء من المبطلات أقل مما يعترض ~~المفهوم وبهذا كان ما كان من قبيل دلالة التنبيه والإيماء مقدما على دلالة ~~المفهوم # السابع والعشرون أن تكون دلالة أحدهما من قبيل المنطوق والآخر من قبيل ~~دلالة غير المنطوق فالمنطوق أولى لظهور دلالته وبعده عن الالتباس بخلاف ~~مقابله # الثامن والعشرون أن يكون أحدهما عاما والآخر خاصا فالخاص مقدم على العام ~~لثلاثة أوجه الأول أنه أقوى في الدلالة وأخص بالمطلوب الثاني أن العمل ~~بالعام يلزم منه إبطال دلالة الخاص وتعطيله ولا يلزم من العمل بالخاص تعطيل ~~العام بل تأويله وتخصيصه ولا يخفى أن محذور التعطيل فوق محذور ms929 التأويل # الثالث أن ضعف العموم بسبب تطرق التخصيص إليه وضعف الخصوص بسبب تأويله ~~وصرفه عن ظاهره إلى مجازه ولا يخفى أن تطرق التخصيص إلى العمومات أكثر من ~~تطرق التأويل إلى الخاص ولهذا كانت أكثر العمومات مخصصة وأكثر الظواهر ~~الخاصة مقررة وبهذا يكون المطلق الدال على واحد لا بعينه مرجحا على العام # التاسع والعشرون أن يكون أحدهما عاما مخصصا والآخر غير مخصص فالذي لم ~~يدخله التخصيص أولى لعدم تطرق الضعف إليه وعلى هذا فما كان عاما من وجه ~~وخاصا من وجه يكون مرجحا على ما هو عام من كل وجه وكذلك المطلق من وجه ~~والمقيد من وجه مرجح على ما هو مطلق من كل وجه وما هو منطوق من كل وجه مقدم ~~على ما هو حقيقي من PageV04P264 وجه دون وجه وكذلك الحقيقي من كل وجه مقدم ~~على ما هو حقيقي من وجه # الثلاثون أن يكونا عامين إلا أن أحدهما من قبيل الشرط والجزاء والآخر من ~~قبيل النكرة المنفية فقد يمكن ترجيح دلالة الشرط والجزاء لكون الحكم فيه ~~معللا بخلاف النكرة المنفية والمعلل أولى من غير المعللل وقد يمكن ترجيح ~~دلالة نفي النكرة بأن دلالته أقوى ولهذا كان خروج الواحد منه بعد خلفا في ~~الكلام عندما إذا قال لا رجل في الدار وكان فيها رجل بخلاف مقابله وبهذا ~~تكون دلالة النكرة المنفية أولى من جميع أقسام العموم # الحادي والثلاثون أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الشرط والجزاء ~~والآخر من قبيل أسماء الجموع فالأول أولى لأن أكثر من خالف في صيغ العموم ~~وافق على صيغة الشرط والجزاء ولأن الدلالة فيه مشيرة إلى الحكم والعلة ~~بخلاف مقابله وبهذا يكون أولى من باقي أقسام العموم # الثاني والثلاثون أن تكون دلالة أحدهما من قبيل الجمع المعرف والآخر جمع ~~منكر فالمعرف أولى لوجهين الأول أن بعض من وافق على عموم الجمع المعرف خالف ~~في المنكر فكان أقوى لقربه إلى الوفاق الثاني أنه لا يدخله الابهام بخلاف ~~المنكر فكان أولى وربما رجع المنكر بكونه دالا على عدد ms930 أقل من الجمع المعرف ~~فكان أقرب إلى الخصوص فكان أولى # الثالث والثلاثون أن يكون أحدهما اسم جمع معرف والآخر اسم جنس دخله الألف ~~واللام فاسم الجمع أولى لا مكان حمل اسم الجنس على الواحد المعهود بخلاف ~~الجمع المعرف فكان أقوى عموما وبهذا يكون مقدما على ( من ) و ( ما ) # الرابع والثلاثون إذا كان أحدهما من قبيل اسم الجنس المعرف والآخر من ~~قبيل من وما فمن وما أولى لعدم احتمالهما للعهد واحتمال ما قابلهما له # الخامس والثلاثون أن يكون أحد الظاهرين مضطربا في لفظه بخلاف PageV04P265 ~~الآخر فغير المطرب أولى لأنه أدل على الحفظ والضبط # السادس والثلاثون أن يكون أحدهما قد دل على الحكم وعلته والآخر دل على ~~الحكم دون علته فالدال على العلة أولى لأنه أقرب إلى الايضاح والبيان # السابع والثلاثون أن يكون أحدهما قولا والآخر فعلا فالقول أولى لأنه أبلغ ~~في البيان من الفعل وإن كان أحدهما قولا وفعلا والآخر قول فقط فالقول ~~والفعل أولى لأنه أقوى في البيان # الثامن والثلاثون أن يكون أحدهما مشتملا على زيادة لم يتعرض الآخر لها ~~كرواية من روي أنه عليه السلام كبر في صلاة العيد سبعا فإنها مقدمة على ~~رواية من روى أربعا لاشتمالها على زيادة علم خفي على الآخر # التاسع والثلاثون أن يكون أحد المنقولين الظاهرين إجماعا والآخر نصا ~~وسواء كان من الكتاب أو السنة فالاجماع مرجح لأن النسخ مأمون فيه بخلاف ~~النص # الأربعون أن يكونا اجماعين ظاهرين إلا أن أحدهما قد دخل فيه جميع أهل ~~العصر والآخر لم يدخل فيه سوى أهل الحل والعقد فالذي دخل فيه الجميع أولى ~~لأنه أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف فيه # الحادي والأربعون أن يكون أحدهما قد دخل فيه مع أهل الحل والعقد الفقهاء ~~الذين ليسوا أصوليين والأصوليين الذين ليسوا فقهاء وخرج عنه العوام والآخر ~~بالعكس فالأول أولى لقربهم من المعرفة والاحاطة بأحكام الشرع واستنباطها من ~~مداركها وبهذا المعنى يكون أيضا ما دخل فيه الأصولي الذي ليس بفقيه ولم ~~يدخل الفقيه أولى مما هو بالعكس لأن الأصولي ms931 PageV04P266 أعرف بمدارك ~~الأحكام وكيفية تلقي الأحكام من المنطوق والمفهوم والأمر والنهي وغيره # الثاني والأربعون أن يكون أحدهما قد دخل فيه المجتهد المبتدع الذي ليس ~~بكافر بخلاف الآخر فما دخل فيه المجتهد المبتدع أولى لأن الظاهر من حاله ~~الصدق ولأنه أبعد عن الخلاف # الثالث والأربعون أن يكون أحدهما قد دخل فيه المجتهد المبتدع دون العوام ~~والفروعيين الذين ليسوا أصوليين والأصوليون الذين ليسوا فروعيين والآخر ~~بعكسه فما دخل فيه المجتهد المبتدع أولى إذا الخلل في قوله إنما هو من جهة ~~كذبه فيما يقول والخلل في قول من عداه من المذكورين إنما هو من جهله وعدم ~~احاطته وعدم كماله ولا يخفى أن احتمال وقوع الخلل بجهة الكذب من الفاسق ~~لحرمته وتعلق الاثم به اندر من الخلل الناشىء بسبب الجهل وعدم الاحاطة # الرابع والأربعون أن يكون أحد الاجماعين من الصحابة والآخر من التابعين ~~فاجماع الصحابة أولى للثقة بعدالتهم وبعد تقاعدهم عن تحقيق الحق وإبطال ~~الباطل وغلبة جدهم وكثرة اجتهادهم في تمهيد أحكام الشريعة ولأنه أبعد عن ~~خلاف من خالف في اجماع غير الصحابة وعلى هذا فاجماع التابعين يكون مقدما ~~على اجماع من بعدهم لقربهم من العصر الأول ولقوله عليه السلام خير القرون ~~القرن الذي أنا فيه ثم الذي يليه فاجماعهم يكون أغلب على الظن # الخامس والأربعون أن يكون أحد الاجماعين قد انقرض عصره بخلاف الآخر فما ~~انقرض عصره يكون أولى لاستقراره وبعده عن الخلاف # السادس والأربعون أن يكون أحدهما مأخوذا عن انقسام الأمة في مسألة من ~~المسائل على قولين في أنه اجماع على نفي قول ثالث والاجماع الآخر على إثبات ~~القول الثالث فالاجماع على إثباته أولى لأنه أبعد عن اللبس وعما يقوله ~~المنازع في الأول من وجوه القدح ويبديه من الاحتمالات PageV04P267 السابع ~~والأربعون أن يكون أحدهما مسبوقا بالمخالفة بخلاف الآخر فالذي لم يسبق ~~بالمخالفة أولى لأنه أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف # الثامن والأربعون أن يكون أحدهما قد رجع بعض المجتهدين فيه عما حكم به ~~موافقا للباقين لدليل ظهر له بخلاف الآخر فما لم ms932 يرجع فيه بعض المجتهدين ~~أولى لبعده عن المناقضة والخلاف فيه # التاسع والأربعون أن يكون أحدهما اجماع الصحابة إلا أنه لم يدخل فيه غير ~~المجتهدين والآخر من إجماع التابعين إلا أنه قد دخل فيه جميع أهل عصرهم ~~فإجماع الصحابة أولى للوثوق بعدالتهم وزيادة جدهم كما سبق تقريره وفي معنى ~~هذا يكون قد رجع واحد من الصحابة عن الواقعة بخلاف التابعين # الخمسون أن يكون أحدهما قد دخل فيه جميع أهل العصر إلا أنه لم ينقرض ~~عصرهم والآخر بالعكس فما دخل فيه جميع أهل العصر أولى لأن غلبة الظن فيه ~~متيقنة واحتمال الرجوع بسبب عدم انقراض العصر موهوم وفي معناه أن يكون ما ~~لم ينقرض عصره قد دخل فيه المجتهد المبتدع أو الأصولي الذي ليس فروعيا أو ~~الفروعي الذي بأصولي والآخر بخلافه # الحادي والخمسون أن يكون أحدهما غير مأخوذ من انقسام الأمة على قولين كما ~~سبق إلا أنه لم ينقرض عصره والآخر بعكسه فالأول أولى نظرا إلى أن جهة ~~الاجماع فيه اقوى بيقين أو رجوع الواحد عنه قبل انقراض العصر موهوم وفي ~~معناه إذا كان أحد اجماعين قد انقرض عصره إلا أنه مسبوق بالمخالفة والآخر ~~بعكسه # الثاني والخمسون أن يكون أحد الاجماعين مأخوذا من انقسام الأمة على قولين ~~إلا انه غير مسبوق بمخالفة بعض المتقدمين والآخر بعكسه فالذي لم يكن مأخوذا ~~من انقسام الأمة على قولين أولى لقوة الاجماع فيه # وأما الترجيحات العائدة إلى المدلول PageV04P268 الأول منها أن يكون حكم ~~أحدهما الحظر والآخر الإباحة وهذا مما اختلف فيه فذهب الأكثر كأصحابنا ~~وأحمد بن حنبل والكرخي والرازي من أصحاب أبي حنيفة إلى أن الحاظر أولى وذهب ~~أبو هاشم وعيسى بن أبان إلى التساوي والتساقط # والوجه في ترجيح ما مقتضاه الحظر أن ملابسة الحرام موجبة للمأثم بخلاف ~~المباح فكان أولى بالاحتياط # ولهذا فإنه لو اجتمع في العين الواحدة حظر وإباحة كالمتولد بين ما يؤكل ~~وما لا يؤكل قدم التحريم على الإباحة وكذلك إذا طلق بعض نسائه بعينها ثم ~~أنسيها حرم وطء الجميع تقديما للحرمة على ms933 الإباحة وإليه الإشاره بقوله عليه ~~السلام ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال وقال عليه السلام دع ~~ما يريبك إلى ما لا يريبك غير أنه قد يمكن ترجيح ما مقتضاه الإباحة من جهة ~~أخرى وهي أنا لو عملنا بما مقتضاه التحريم لزم منه فوات مقصود الإباحة من ~~الترك مطلقا # ولو عملنا بما مقتضاه الإباحة فقد لا يلزم منه فوات مقصود الحظر لأن ~~الغالب أنه إذا كان حراما فلا بد وأن تكون المفسدة ظاهرة وعند ذلك فالغالب ~~أن الملكف يكون عالما بها وقادرا على دفعها لعلمه بعدم لزوم المحذور من ترك ~~المباح ولأن المباح مستفاد من التخيير قطعا بخلاف استفادة الحرمة من النهي ~~لتردده بين الحرمة والكراهة فكان أولى وعلى هذا فلا يخفى وجه الترجيح بين ~~ما مقتضاه الحرمة وما مقتضاه الندب # الثاني أن يكون مدلول أحدهما الحظر والآخر الوجوب فما مقتضاه التحريم ~~أولى لوجهين الأول هو أن الغالب من الحرمة إنما هو دفع مفسدة ملازمة للفعل ~~أو تقليلها وفي الوجوب تحصيل مصلحة ملازمة للفعل أو تكميلها واهتمام ~~PageV04P269 الشارع والعقلاء بدفع المفاسد أتم من اهتمامهم بتحصيل المصالح # ولهذا فإن من أراد فعلا لتحصيل مصلحة ينفر عنه إذا عارضه في نظرة لزوم ~~مفسدة مساوية للمصلحة كمن رام تحصيل درهم على وجه يلزم منه فوات مثله وإذا ~~كان ما هو المقصود من التحريم أشد وآكد منه في الواجب كانت المحافظة عليه ~~أولى # ولهذا كان ما شرعت العقوبات فيه من فعل المحرمات أكثر من ترك الواجبات ~~وأشد كالرجم المشروع في زنى المحصن # الوجه الثاني أن إفضاء الحرمة إلى مقصودها أتم من إفضاء الوجوب إلى ~~مقصوده فكانت المحافظة عليه أولى # وذلك لأن مقصود الحرمة يتأتى بالترك وذلك كاف مع القصد له أو مع الغفلة ~~عنه ولا كذلك فعل الواجب # وأيضا فإن ترك الواجب وفعل المحرم إذا تساويا في داعية الطبع إليهما ~~فالترك يكون أيسر وأسهل من الفعل لتضمن الفعل مشقة الحركة وعدم المشقة في ~~الترك # وما يكون حصول مقصوده أوقع يكون أولى بالمحافظة عليه ms934 # الثالث أن يكون حكم أحدهما الحرمة والآخر الكراهة فالحظر أولى لمساواته ~~الكراهة في طلب الترك وزيادته عليه بما يدل على اللوم عند الفعل ولأن ~~المقصود منهما إنما هو الترك لما يلزمه من دفع المفسدة الملازمة للفعل ~~والحرمة أوفى لتحصيل ذلك المقصود فكانت أولى بالمحافظة # وأيضا فإن العمل بالمحرم لا يلزم منه إبطال دلالة المقتضي للكراهة وهو ~~طلب الترك والعمل بالمقتضي للكراهة مما يجوز معه الفعل وفيه إبطال دلالة ~~المحرم # ولا يخفى أن العمل بما لا يفضي إلى الإبطال يكون أولى وبما حققناه في ~~ترجيح المحرم على المقتضي للكراهة يكون ترجيح الموجب على المقتضي للندب # الرابع أن يكون حكم أحدهما إثباتا والآخر نفيا وذلك كخبر بلال بأن ~~PageV04P270 النبي عليه السلام دخل البيت وصلى وخبر أسامة أنه دخل ولم يصل ~~فالنافي مرجح على المثبت خلافا للقاضي عبد الجبار في قوله إنهما سواء # والمثبت وإن كان مترجحا على النافي لاشتماله على زيادة علم غير أن النافي ~~لو قدرنا تقدمه على المثبت كانت فائدته التأكيد ولو قدرنا تأخره كانت ~~فائدته التأسيس وفائدة التأسيس أولى لما سبق تقريره فكان القضاء بتأخيره ~~أولى # فإن قيل إلا أنه يلزم من تأخره مخالفة الدليل المثبت ورفع حكمه دون تقدمه # قلنا هو معارض بمثله فإنا لو قدرنا تقدم النافي فالمثبت بعده يكون نافيا ~~لحكمه ورافعا له # فإن قيل المثبت وإن كان رافعا لحكم النافي على تقدير تأخره عنه فرافع لما ~~فائدته التأكيد ولو قدرنا تأخر النافي كان مبطلا لما فائدته التأسيس فكان ~~فرض تأخر المثبت أولى # قلنا إلا أنه وإن كانت فائدة النافي التأكيد على تقدير تقدمه فالمثبت ~~يكون رافعا لحكم تأسيسي وهو الباقي على الحال الأصلي وزيادة ما حصل من ~~النافي من التأكيد ولا كذلك ما لو كان النافي متأخرا فإنه لا يرفع غير ~~التأسيس وما لا يفضي إلى رفع التأسيس مع التأكيد يكون أولى مما يفضي إلى ~~رفع الأمرين معا وما يقال من أن المثبت مفيد لما هو حكم شرعي بالاتفاق ~~والنافي غير مجمع على إفادته لحكم ms935 شرعي # والغالب من الشارع أنه لا يتولى بيان غير الشرعي فمع أنه غير سديد من جهة ~~أن الحكم الشرعي غير مقصود لذاته وإنما هو مقصود لحكمته لكونه وسيلة إليها ~~وحكمة الإثبات وإن كانت مقصودة فكذلك حكمة النفي فهو معارض من جهة أن ~~الغالب من الشارع على ما هو المألوف منه إنما هو التقرير لا التغيير وعلى ~~هذا فالحكم للنفي الأصلي يكون أولى من المغير # الخامس أن يكون حكم أحدهما معقولا والآخر غير معقول فما PageV04P271 حكمه ~~غير معقول وإن كان الثواب بتلقيه أكثر لزيادة مشقته كما نطق به الحديث إلا ~~أن مقصود الشارع بشرع ما هو معقول أتم مما ليس بمعقول نظرا إلى سهولة ~~الانقياد وسرعة القبول وما شرعه أفضى إلى تحصيل مقصود الشرع يكون أولى # ولهذا كان شرع المعقول أغلب من شرع غير المعقول حتى إنه قد قيل إنه لا ~~حكم إلا وهو معقول حتى في ضرب الدية على العاقلة ونحوه مما ظن أنه غير ~~معقول ولأن ما يتعلق بالمعقول من الفائدة بالنظر إلى محل النص بالتعدية ~~والإلحاق أكثر منه في غير المعقول فكان أولى وما كانت جهة تعقله أقوى كما ~~يأتي وجه التفصيل فيه في العلل فهو أولى # السادس أن يكون أحدهما مشتملا على زيادة لا وجود لها في الآخر كموجب ~~الجلد مع الموجب للجلد والتغريب فالموجب للزيادة يكون أولى لأن العمل ~~بالزيادة غير موجب لإبطال منطوق الآخر فيما دل عليه من وجوب الجلد وإجزائه ~~عن نفسه والعمل بالموجب للجلد فقط موجب لإبطال المنطوق في الدلالة على وجوب ~~الزيادة وما لا يفضي إلى إبطال حكم الدليل أولى مما يفضي إلى الإبطال ولأن ~~دلالة الموجب للجلد على نفي الزيادة غير مأخوذة من منطوق اللفظ ووجوب ~~الزيادة مأخوذ من منطوق اللفظ ومخالفة ما ليس بمنطوق بالمنطوق أولى من ~~العكس لما تقدم # السابع أن يكون موجب أحدهما الجلد والآخر الدرء فالدارىء يكون أولى نظرا ~~إلى ما حققناه في ترجيح ما حكمه النفي على ما حكمه الإثبات ولأن الخطأ في ~~نفي العقوبة أولى ms936 من الخطإ في تحقيقها على ما قال عليه السلام لأن يخطىء في ~~العفو خير من أن يخطىء في العقوبة ولأن ما يعترض الحد من المبطلات أكثر مما ~~يعترض الدرء فكان أولى لبعده عن الخلل وقربه إلى المقصود ولأنه على خلاف ~~الدليل النافي للحد والعقوبة PageV04P272 # الثامن أن يكون حكم أحدهما وقوع الطلاق أو العتق وحكم الآخر نفيه قال ~~الكرخي ما حكمه الوقوع أولى لأنه على وفق الدليل النافي لملك البضع وملك ~~اليمين والنافي لهما على خلافه ويمكن أن يقال بل النافي لهما أولى لأنه على ~~وفق الدليل المقتضي لصحة النكاح وإثبات ملك اليمين المترجح على النفي له # التاسع أن يكون حكم أحدهما تكليفيا وحكم الآخر وضعيا فالتكليفي وإن اشتمل ~~على زيادة الثواب المرتبط بالتكليف وكان لأجله راجحا فالوضعي من جهة أنه لا ~~يتوقف على ما يتوقف عليه الحكم التكليفي من أهلية المخاطب وفهمه وتمكنه من ~~الفعل يكون مترجحا # العاشر أن يكون حكم أحدهما أخف من الآخر فقد قيل إن الأخف أولى لأن ~~الشريعة مبناها على التخفيف على ما قال الله تعالى @QB@ يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ البقرة 185 وقال تعالى @QB@ وما جعل عليكم ~~في الدين من حرج @QE@ الحج 78 وقال عليه السلام لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ~~وقيل إن الأثقل أولى نظرا إلى الشرعية إنما يقصد بها مصالح المكلفين ~~والمصلحة في الفعل الأشق أعظم منها في الفعل الأخف على ما قال عليه السلام ~~ثوابك على قدر نصبك ولأن الغالب على الظن إنما هو تأخره عن الأخف نظرا إلى ~~المألوف من أحوال العقلاء فإن من قصد تحصيل مقصود بفعل من الأفعال ولم يحصل ~~به لا يقصد تحصيله بما هو أخف منه بل بما هو أعلى منه فبتقدير تقدم الأخف ~~على الأثقل يكون موافقا لنظر أهل العرف فكان أولى ولأن زيادة ثقله تدل على ~~تأكد المقصود منه على مقصود الأخف فالمحافظة عليه تكون أولى # الحادي عشر أن يكون كل واحد من الخبرين خبرا واحدا إلا أن حكم أحدهما مما ms937 ~~تعم به البلوى بخلاف حكم الآخر فما لا تعم به البلوى أولى لكونه ~~PageV04P273 أبعد عن الكذب من جهة أن تفرد الواحد بنقل ما تعم به البلوى مع ~~توفر الدواعي على نقله أقرب إلى الكذب كما تقرر قبل ولهذا كان مختلفا فيه ~~ومتفقا على مقابله # وأما الترجيحات العائدة إلى أمر خارج # الأول منها أن يكون أحد الدليلين موافقا لدليل آخر من كتاب أو سنة أو ~~إجماع أو قياس أو عقل أو حس والآخر على خلافه فما هو على وفق الدليل الخارج ~~أولى لتأكد غلبة الظن بقصد مدلوله ولأن العمل به وإن أفضى إلى مخالفة ~~مقابله وهو دليل واحد فالعمل بمقابله يلزم منه مخالفة دليلين والعمل بما ~~يلزم معه مخالفة دليل واحد أولى مما يلزم منه مخالفة دليلين # الثاني أن يكون أحدهما قد عمل بمقتضاه علماء المدينة أو الأئمة الأربعة ~~أو بعض الأمة بخلاف الآخر فما عمل به يكون أولى أما ما عمل به أهل المدينة ~~فلأنهم أعرف بالتنزيل وأخبر بمواقع الوحي والتأويل وكذلك الأئمة والخلفاء ~~الراشدون لحث النبي عليه السلام على متابعتهم والاقتداء بهم على ما سبق ~~تعريفه وذلك يغلب على الظن قوته في الدلالة وسلامته عن المعارض وعلى هذا ~~أيضا ما عمل بمقتضاه بعض الأمة يكون أغلب على الظن فكان أولى وفي معنى هذا ~~أن يعتضد كل واحد منهما بدليل غير أن ما عضد أحدهما راجح على ما عضد الآخر ~~أو أن يعمل بكل واحد منهما بعض الأمة غير أن من عمل بأحدهما أعرف بمواقع ~~الوحي والتنزيل فيكون أولى # الثالث أن يكون كل واحد منهما مؤولا إلا أن دليل التأويل في أحدهما أرجح ~~من دليل التأويل في الآخر فهو أولى لكونه أغلب على الظن # الرابع أن يكون أحدهما دالا على الحكم والعلة والآخر على الحكم دون العلة ~~فما يدل على العلة يكون أولى لقربه إلى المقصود بسبب سرعة الانقياد وسهولة ~~القبول ولدلالته على الحكم من جهة لفظه ومن جهة دلالته عليه بواسطة دلالته ~~على العلة وما دل على الحكم بجهتين ms938 يكون أولى ولأن العمل PageV04P274 به ~~يلزمه مخالفة ما قابله من جهة واحدة والعمل بالمقابل يلزم منه مخالفة ~~الدليل الآخر على الحكم من جهتين فكان أولى وربما رجح ما لم يدل على العلة ~~من جهة أن المشقة في قبوله أشد والثواب عليه أعظم إلا أنه مرجوح بالنظر إلى ~~مقصود التعقل ولذلك كان هو الأغلب # الخامس أن يدل كل واحد منهما على الحكم والعلة إلا أن دلالة أحدهما على ~~العلية أقوى من دلالة الآخر عليها كما بيناه فيما تقدم فالأقوى يكون أولى ~~لكونه أغلب على الظن # السادس أن يكونا عامين إلا أن أحدهما ورد على سبب خاص بخلاف الآخر وعند ~~ذلك فتعارضهما إما أن يكون بالنسبة إلى ذلك السبب الخاص أو بالنسبة إلى ~~غيره فإن كان الأول فالوارد على ذلك السبب يكون أولى لكونه أمر به ولأن ~~محذور المخالفة فيه نظرا إلى أن تأخير البيان عما دعت الحاجة إليه يكون أتم ~~من المحذور اللازم من المخالفة في الآخر لكونه غير وارد فيها # وإن كان الثاني فالعام المطلق يكون أولى لأن عمومه أقوى من عموم مقابله ~~لاستوائهما في صيغة العموم وغلبة الظن بتخصيص ما ورد على الواقعة بها نظرا ~~إلى بيان ما دعت الحاجة إليه وإلى أن الأصل إنما هو مطابقة ما ورد في معرض ~~البيان لما مست إليه الحاجة ولأن ما ورد على السبب الخاص مختلف في تعميمه ~~عند القائلين بالعموم بخلاف مقابله وعلى هذا فمحذور المخالفة في العام ~~المطلق يكون أشد # السابع أن يكون أحدهما قد وردت به المخاطبة على سبيل الإخبار بالوجوب أو ~~التحريم أو غيره كما في قوله تعالى @QB@ الذين يظاهرون منكم من نسائهم @QE@ ~~المجادلة 2 أو في معرض الشرط والجزاء كما في قوله تعالى @QB@ ومن دخله كان ~~آمنا @QE@ آل عمران 97 والآخر وردت المخاطبة به شفاها كما في قوله تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام @QE@ PageV04P275 فإن تقابلا في ~~حق من وردت المخاطبة إليه شفاها فخطاب المشافهة أولى وإن كان ذلك بالنظر ~~إلى غير من وردت المخاطبة ms939 إليه شفاها كان الآخر أولى لما حققناه في معارضة ~~العام المطلق والوارد على السبب المعين ولأن الخطاب شفاها إنما يكون للحاضر ~~من الموجودين وتعميمه بالنسبة إلى غيرهم إنما يكون بالنظر إلى دليل آخر إما ~~من إجماع الأمة على أنه لا تفرقة أو من قوله عليه السلام حكمي على الواحد ~~حكمي على الجماعة # الثامن أن يكون أحدهما مما يجوز تطرق النسخ إليه أو قد اختلف في تطرق ~~النسخ إليه بخلاف الآخر فالذي لا يقبل النسخ يكون أولى لقلة تطرق الأسباب ~~الموهية إليه # التاسع أن يكونا عامين إلا أن أحدهما قد اتفق على العمل به في صورة بخلاف ~~الآخر فما اتفق على العمل به وإن كان قد يغلب على الظن زيادة اعتباره إلا ~~أن العمل بما لم يعمل به في صورة متفق عليها أولى إذ العمل به مما لا يفضي ~~إلى تعطيل الآخر لكونه قد عمل به في الجملة والعمل بما عمل به يفضي إلى ~~تعطيل ما لم يعمل به وما يفضي إلى التأويل أولى مما يفضي إلى التعطيل # وما عمل به في الصورة المتفق عليها وإن لزم أن يكون فيها راجحا على العام ~~المقابل إلا أنه يحتمل أن يكون الترجيح له لأمر خارج لا وجود له في محل ~~النزاع وهو وإن كان المرجح الخارج بعيد الوجود لكن يجب اعتقاد وجوده نفيا ~~لإهمال العام الآخر # فإن قيل لو كان له مرجح من خارج لوقفنا عليه بعد البحث التام وقد بحثنا ~~فلم نجد شيئا من ذلك واحتمال مخالفة السبر أيضا بعيد فهو معارض بمثله فإنه ~~لو كان رجحانه لمعنى يعود إلى نفسه لوقفنا عليه بعد البحث وقد بحثنا فلم ~~نجده # وعند ذلك فيتقاوم الكلامان وقد يسلم لنا ما ذكرناه أولا # العاشر أن يكون أحدهما قد قصد به بيان الحكم المختلف فيه بخلاف الآخر ~~فالذي قصد به البيان للحكم يكون أولى لأنه يكون أمس PageV04P276 بالمقصود ~~وذلك كما في قوله تعالى @QB@ وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف @QE@ ~~النساء 23 فإنه قصد به بيان ms940 تحريم الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين ~~فإنه مقدم على قوله تعالى @QB@ أو ما ملكت أيمانكم @QE@ النساء 3 حيث لم ~~يقصد به بيان الجمع # الحادي عشر أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط وبراءة الذمة بخلاف الآخر ~~فالأقرب إلى الاحتياط يكون مقدما لكونه أقرب إلى تحصيل المصلحة ودفع المضرة # الثاني عشر أن يكون أحدهما يستلزم نقص الصحابي كحديث القهقهة في الصلاة ~~بخلاف الآخر فالذي لا يستلزم ذلك أولى لكونه أقرب إلى الظاهر الموافق لحال ~~الصحابي ووصف الله له بالعدالة على ما قال تعالى @QB@ وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا @QE@ البقرة 143 أي عدولا # الثالث عشر أن يقترن بأحد الخبرين تفسير الراوي بفعله أو قوله فإنه يكون ~~مرجحا على ما ليس كذلك لأن الراوي للخبر يكون أعرف وأعلم بما رواه # الرابع عشر أن يذكر أحد الراويين سبب ورود ذلك النص بخلاف الآخر فالذاكر ~~للسبب أولى لأن ذلك يدل على زيادة اهتمامه بما رواه # الخامس عشر أن يكون قد اقترن بأحد الخبرين ما يدل على تأخيره عن الآخر ~~كالخبر الذي ظهر بعد استظهار النبي عليه السلام وقوة شوكته بخلاف الآخر ~~فالظاهر بعد قوة شوكة النبي عليه السلام أولى لأن احتمال ظهور مقابله قبل ~~قوة الشوكة أكثر من احتمال وقوع ما ظهر بعد قوة الشوكة فكان تأخيره أغلب ~~على الظن فكان أولى # وفي معناه أن يكون أحد الراويين متأخر الإسلام عن الآخر فالغالب أن ما ~~رواه عن النبي عليه السلام بعد إسلامه فروايته أولى لأن رواية الآخر يحتمل ~~أن تكون قبل إسلام المتأخر PageV04P277 ويحتمل أن تكون بعد إسلامه فكان ~~تأخير ما رواه متأخر الإسلام أغلب على الظن # وفي معناه أن يعلم أن موت متقدم الإسلام كان متقدما على إسلام المتأخر ~~وكذلك إذا علمنا أن غالب رواية أحد الراويين قبل الغالب من رواية الآخر ~~فروايته تكون مرجوحة لأن الغالب تقدم ما رواه وكذلك إذا كانت رواية أحدهما ~~مؤرخة بتاريخ مضيق دون الآخر فاحتمال تقدم غير المؤرخة يكون أغلب وكذلك إذا ~~كان أحد الخبرين يدل على التخفيف ms941 والآخر على التشديد فاحتمال تأخر التشديد ~~أظهر لأن الغالب منه عليه السلام أنه ما كان يشدد إلا بحسب علو شأنه ~~واستيلائه وقهره ولهذا أوجب العبادات شيئا فشيئا وحرم المحرمات شيئا فشيئا ~~PageV04P278 # # | القسم الثاني في التعارض الواقع بين معقولين # الله جل ذكره والمعقولان إما قياسان أو استدلالان أو قياس واستدلال فإن ~~كان التعارض بين قياسين فالترجيح بينهما قد يكون بما يعود إلى أصل القياس ~~وقد يكون بما يعود إلى فرعه وقد يكون بما يعود إلى مدلوله وقد يكون بما ~~يعود إلى أمر خارج # فأما ما يعود إلى الأصل فمنه ما يعود إلى حكمه ومنه ما يعود إلى علته ~~فأما ما يعود إلى حكم الأصل فترجيحات # الأول أن يكون الحكم في أصل أحدهما قطعيا وفي الآخر ظنيا فما حكم أصله ~~قطعي أولى لأن ما يتطرق إليه من الخلل بسبب حكم الأصل منفي ولا كذلك الآخر ~~فكان أغلب على الظن # وفي معنى هذا ما يكون الحكم في أصل أحدهما ممنوعا وفي الآخر غير ممنوع ~~فغير الممنوع يكون أولى # الثاني أن يكون حكم الأصل فيهما ظنيا غير أن الدليل المثبت لأحدهما أرجح ~~من المثبت للآخر فيكون أولى # الثالث أن يكون حكم الأصل في أحدهما مما اختلف في نسخه بخلاف الآخر فالذي ~~لم يختلف في نسخه أولى لبعده عن الخلل PageV04P279 الرابع أن يكون الحكم في ~~أصل أحدهما غير معدول به عن سنن القياس كما ذكرناه فيما تقدم بخلاف الآخر ~~فما لم يعدل به عن سنن القياس أولى لكونه أبعد عن التعبد وأقرب إلى المعقول ~~وموافقة الدليل # الخامس أن يكون حكم الأصل في أحدهما قد قام دليل خاص على وجوب تعليله ~~وجواز القياس عليه ولا كذلك الآخر فما قام الدليل فيه على وجوب تعليله ~~وجواز القياس عليه أولى وإن لم يكون ذلك شرطا في صحته كما سبق لما فيه من ~~الأمن من غائلة التعبد والقصور على الأصل ولبعده عن الخلاف # السادس أن يكون حكم أحد الأصلين مما اتفق القياسون على تعليله والآخر ~~مختلف فيه فما اتفق ms942 على تعليله أولى إذ هو أبعد عن الالتباس وأغلب على الظن # السابع أن يكون حكم أحد الأصلين قطعيا لكنه معدول به عن سنن القياس ~~والآخر ظني لكنه غير معدول به عن سنن القياس فالظني الموافق لسنن القياس ~~أولى لكونه موافقا للدليل وأبعد عن التعبد # الثامن أن يكون حكم أحدهما في الأصل قطعيا إلا أنه لم يقم دليل خاص على ~~وجوب تعليله وعلى جواز القياس عليه وحكم الآخر ظني إلا أنه قد قام الدليل ~~على وجوب تعليله وعلى جواز القياس عليه فما حكمه قطعي أولى لأن ما يتطرق ~~إليه من الخلل إنما هو بسبب قربه من احتمال التعبد والقصور على الأصل ~~المعين وما يتطرق إلى الظني من الخلل فمن جهة أن يكون الأمر في نفسه خلاف ~~ما ظهر واحتمال التعبد والقصور على ما ورد الشرع فيه بالحكم أبعد من احتمال ~~ظن الظهور لما ليس بظاهر والترك للعمل بما هو ظاهر # التاسع أن يكون حكم أصل أحدهما قطعيا إلا أنه لم يتفق على تعليله وحكم ~~الآخر ظني إلا أنه متفق على تعليله فالظني المتفق على تعليله أولى لأن ~~تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع إنما هو فرع تعقل العلة في PageV04P280 ~~الأصل وتحقق وجودها في الفرع واحتمال معرفة ذلك فيما هو متفق عليه أغلب ~~واحتمال الخلل بالنظر إلى الحكم الظني وإن كان قائما ومأمونا في جانب الحكم ~~القطعي إلا أن احتمال قطع القياس فيما لم يتفق على تعليله لعدم الاطلاع على ~~ما هو المقصود من حكم الأصل أغلب من احتمال انقطاع القياس لخلل ملتحق ~~بالظاهر الدال على حكم الأصل مع ظهور دليله وعدم الاطلاع عليه بعد البحث ~~التام فيه # العاشر أن يكون دليل ثبوت الحكم في أصل أحدهما أرحج من الآخر إلا أنه ~~مختلف في نسخه بخلاف الآخر فما دليله راجح أولى لأن الأصل عدم النسخ وقول ~~النسخ معارض بقول عدم النسخ فكان احتمال عدم النسخ أرجح # الحادي عشر أن يكون دليل ثبوت الحكم في أحدهما راجحا على دليل حكم أصل ~~الآخر إلا ms943 أنه معدول به عن سنن القياس والقاعدة العامة بخلاف الآخر فما لم ~~يعدل به عن القاعدة أولى لأنه يلزم من العمل به الجري على وفق القاعدة ~~العامة التي ورد الحكم في القياس الآخر على خلافها غير أنه يلزم منه إهمال ~~جانب الترجيح في الآخر وما يلزم من العمل بالآخر فإنما هو اعتبار ظهور ~~الترجيح لكن مع مخالفة القاعدة المتفق عليها واحتمال مخالفة القواعد العامة ~~المتفق عليها أبعد من احتمال مخالفة الشذوذ من ظواهر الأدلة كيف وإن العمل ~~بما دليل ثبوت حكم أصله ظني محافظة على أصل الدليل الظني والقاعدة العامة ~~والعمل بما ظهر الترجيح في دليل ثبوت حكمه فيه الموافقة لما ظهر من الترجيح ~~ومخالفة القاعدة وأصل الدليل الآخر # ولا يخفى أن العمل بما يلزم منه موافقة ظاهرين ومخالفة ظاهر واحد أولى من ~~العكس # الثاني عشر أن يكون دليل ثبوت حكم أصل أحدهما راجحا على دليل الآخر إلا ~~أنه لم يقم دليل خاص على وجوب تعليله وعلى جواز القياس عليه بخلاف الآخر ~~فما ظهر الترجيح في دليله أولى لما ذكرناه فيما إذا كان الحكم قطعيا ~~PageV04P281 # الثالث عشر أن يكون دليل ثبوت حكم أصل أحدهما أرجح من دليل الآخر إلا أنه ~~غير متفق على تعليله بخلاف الآخر فما اتفق على تعليله أولى لما ذكرناه فيما ~~إذا كان حكم الأصل في أحدهما قطعيا والآخر ظنيا # الرابع عشر أن يكون حكم أصل أحدهما مما اتفق على عدم نسخه إلا أنه معدول ~~به عن القاعدة العامة بخلاف الآخر فما لم يعدل به عن القاعدة أولى لما سبق ~~تحقيقه # الخامس عشر أن يكون حكم أصل أحدهما غير معدول به عن القاعدة العامة إلا ~~أنه لم يقم دليل خاص على وجوب تعليله وجواز القياس عليه بخلاف الآخر فما هو ~~على وفق القاعدة العامة أولى لأن العمل به عمل بأغلب ما يرد به الشرع ~~والعمل بمقابله بالعكس ولأن أكثر من قال باشتراط كون الحكم في الأصل غير ~~معدول به عن القاعدة العامة خالف في اشتراط قيام الدليل ms944 على وجوب تعليل ~~الحكم وجواز القياس عليه ولم يشترط غير الشذوذ فكونه غير معدول به عن ~~القاعدة العامة أمس بالقياس # السادس عشر أن يكون حكم أصل أحدهما غير معدول به عن القاعدة العامة إلا ~~أنه لم يتفق على تعليله والآخر بعكسه فما اتفق على تعليه أولى لأن كل واحد ~~من القياسين وإن كان مختلفا فيه إلا أن احتمال وقوع التعبد في القياس يبطله ~~قطعا ومخالفة القاعدة العامة غير مبطلة للقياس قطعا وما يبطل القياس قطعا ~~بتقدير وقوعه يكون مرجوحا بالنسبة إلى ما لا يبطله قطعا # وأما الترجيحات العائدة إلى علة حكم الأصل فمنها ما يرجع إلى طريق ~~إثباتها ومنها ما يرجع إلى صفتها # أما الترجيحات العائدة إلى طرق إثباتها # فالأول منها أن يكون وجود علة أحد القياسين مقطوعا به في أصله بخلاف علة ~~الآخر فما وجود علته في أصله قطعي أولى وسواء كان وجودها معقولا أو محسا ~~مدلولا عليه أو غير مدلول لكونه أغلب على الظن # وفي PageV04P282 معنى هذا أن يكون وجود العلتين مظنونا غير أن ظن وجود ~~إحداهما أرجح من الاخرى فقياسها أولى لأنها أغلب على الظن # الثاني أن يكون دليل علية الوصف في أحد القياسين قطعيا وفي الآخر ظنيا ~~فيكون أولى لأنه أغلب على الظن # الثالث أن يكون دليل العلتين ظنيا غير أن دليل إحدى العلتين أرجح من دليل ~~الأخرى فما دليلها أرجح فقياسها أولى لأنه أغلب على الظن # الرابع أن يكون طريق علية الوصف فيهما الاستنباط إلا أن دليل إحدى ~~العلتين السبر والتقسيم والأخرى المناسبة فما طريق ثبوت العلية فيه السبر ~~والتقسيم يكون أولى لأن الحكم في الفرع كما يتوفف على تحقق مقتضيه في الأصل ~~يتوقف على انتفاء معارضه في الأصل والسبر والتقسيم فيه التعرض لبيان ~~المقتضي وإبطال المعارض بخلاف إثبات العلة بالإحالة فكان السبر والتقسيم ~~أولى # فإن قيل وصف العلة لا بد وأن يكون مناسبا في نفس الأمر أو شبهيا لامتناع ~~التعليل بالوصف الطروي ولا يخفى أن احتمال عدم المناسبة بعد إظهارها ~~بالطريق التفصيلي أبعد من ms945 احتمال عدمها في السبر والتقسيم حيث لم يتعرض فيه ~~لبيانها تفصيلا فكان طريق المناسبة أولى # قلنا إلا أن التعرض لمناسبة الوصف لا دلالة له بوجه على نفي المعارض في ~~الأصل فإنه لامتناع من اجتماع مناسبين في محل واحد على حكم واحد ودلالة ~~البحث والسبر على مناسب في الأصل غير الوصف المشترك مع أن الأصل أن يكون ~~الحكم معقول المعنى وأن يدل على أن الوصف المشترك مناسب ولا يخفى أن ما يدل ~~على مناسبة العلة وعلى انتفاء معارضها أولى مما يدل على مناسبتها ولا يدل ~~على انتفاء معارضها PageV04P283 # فإن قيل إلا أن طريق إثبات العلة بالمناسبة أو الشبه أدل على مناسبة ~~الوصف بعد إظهارها من دلالة السبر والتقسيم على انتفاء وصف آخر لاحتمال أن ~~يصدق الناظر في قوله وأن يكذب وبتقدير صدقه فظهور ذلك مختص به دون غيره ~~بخلاف طريق المناسبة فإنه ظاهر بالنظر إلى الخصمين # قلنا بل العكس أولى وذلك لأن الخلل العائد إلى دليل نفي المعارض إنما هو ~~بالكذب أو الغلط لعدم الظفر بالوصف ولا يخفى أن وقوع الغلط مع كون الوصف ~~المبحوث عنه ظاهرا جليا ووقوع الكذب مع كون الباحث عدلا أبعد من احتمال ~~وقوع الغلط فيما أبدى من المناسبة مع كونها خفية مضطربة # الخامس أن يكون نفي الفارق في أصل أحد القياسين مقطوعا به وفي الآخر ~~مظنونا فما قطع فيه بنفي الفارق يكون أولى لكونه أغلب على الظن # السادس أن يكون طريق ثبوت إحدى العلتين السبر والتقسيم والأخرى الطرد ~~والعكس فما طريق ثبوته السبر والتقسيم أولى إذ هو دليل ظاهر على كون الوصف ~~علة وما دار الحكم معه وجودا وعدما غير ظاهر العلية لأن الحكم قد يدور مع ~~الأوصاف الطردية كما في الرائحة الفائحة الملازمة للشدة المطربة الدائرة مع ~~تحريم الشرب وجودا وعدما مع أنها ليست علة لأن العلة لا بد وأن تكون في ~~الأصل بمعنى الباعث لا بمعنى الأمارة كما سبق تقريره # والرائحة الفائحة ليست باعثة إذ لا يشم منها رائحة المناسبة وكما أنه غير ~~ظاهر ms946 في الدلالة على علية الوصف فلا دلالة له على ملازمة العلة لما قدمناه ~~في إبطال الطرد والعكس # وبهذا يكون القياس الذي طريق إثبات العلية فيه المناسبة أولى مما طريق ~~إثباتها فيه الطرد والعكس # وأما الترجيحات العائدة إلى صفة العلة # فالأول منها أنه إذا كانت علة الأصل في أحد القياسين حكما شرعيا وفي ~~الآخر وصفا حقيقيا فما علته وصف حقيقي أولى لوقوع الاتفاق عليه ووقوع ~~الخلاف في مقابله فكانت أغلب على الظن PageV04P284 # الثاني أن تكون علة الحكم الثبوتي في أحدهما وصفا وجوديا وفي الآخر وصفا ~~عدميا فما علته ثبوتية أولى للاتفاق عليه ووقوع الخلاف في مقابله # الثالث أن تكون علة أحدهما بمعنى الباعث وفي الآخر بمعنى الأمارة فما ~~علته باعثة أولى للاتفاق عليه # الرابع أن تكون علة أحدهما وصفا ظاهرا منضبطا وفي الآخر بخلافه فما علته ~~مضبوطة أولى لأنه أغلب على الظن لظهوره ولبعده عن الخلاف # الخامس أن تكون علة أحدهما وصفا متحدا وفي الآخر ذات أوصاف فما علته ذات ~~وصف واحد أولى لأنه أقرب إلى الضبط وأبعد عن الخلاف # السادس أن تكون علة أحدهما أكثر تعدية من علة الآخر فهو أولى لكثرة ~~فائدته # السابع أن تكون علة أحدهما مطردة بخلاف الآخر فما علته مطردة أولى ~~لسلامتها عن المفسد وبعدها عن الخلاف # وفي معنى هذا أن تكون علة أحدهما غير منكسرة بخلاف علة الآخر فما علته ~~غير منكسرة أولى لبعدها عن الخلاف # الثامن أن تكون علة أحدهما منعكسة بخلاف علة الآخر فما علته منعكسة أولى ~~لأنها أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف # التاسع أن تكون علة أحدهما غير متأخرة عن الحكم بخلاف الآخر فما علته غير ~~متأخرة أولى لبعده عن الخلاف PageV04P285 # العاشر أن تكون علة أحدهما مطردة غير منعكسة وعلة الآخر منعكسة غير مطردة ~~فالمطردة أولى لما بيناه من اشتراط الاطراد وعدم اشتراط الانعكاس ولهذا فإن ~~من سلم اشتراط الاطراد خالف في اشتراط الانعكاس # الحادي عشر أن يكون ضابط الحكمة في علة أحد القياسين جامعا للحكمة مانعا ~~لها بخلاف ضابط حكمة ms947 العلة في القياس الآخر كما بيناه فالجامع المانع أولى ~~لزيادة ضبطه وبعده عن الخلاف # الثاني عشر أن تكون العلة في أحدهما غير راجعة على الحكم الذي استنبطت ~~منه برفعه أو رفع بعضه بخلاف الآخر فهو أولى لسلامة علته عما يوهيها وبعدها ~~عن الخلاف # الثالث عشر أن تكون علة أحد القياسين مناسبة وعلة الآخر شبهية فما علته ~~مناسبة أولى لزيادة غلبة الظن بها وزيادة مصلحتها وبعدها عن الخلاف # الرابع عشر أن يكون المقصود من إحدى العلتين من المقاصد الضرورية كما ~~بيناه من قبل والمقصود من العلة الأخرى غير ضروري فما مقصوده من الحاجات ~~الضرورية أولى لزيادة مصلحته وغلبة الظن به ولهذا فإنه لم تخل شريعة عن ~~مراعاته وبولغ في حفظه بشرع أبلغ العقوبات # الخامس عشر أن يكون مقصود إحدى العلتين من الحاجات الزائدة ومقصود الأخرى ~~من باب التحسينات والتزيينات فما مقصوده من باب الحاجات الزائدة أولى لتعلق ~~الحاجة به دون مقابله # السادس عشر أن يكون مقصود إحدى العلتين من مكملات المصالح الضرورية ~~ومقصود الأخرى من أصول الحاجات الزائدة فما مقصوده من مكملات الضروريات وإن ~~كان تابعا لها ومقابله أصل في نفسه يكون أولى ولهذا أعطى حكم أصله حتى شرع ~~في شرب قليل الخمر ما شرع في كثيره # السابع عشر أن يكون مقصود إحدى العلتين حفظ أصل الدين ومقصود PageV04P286 ~~الأخرى ما سواه من المقاصد الضرورية فما مقصوده حفظ أصل الدين يكون أولى ~~نظرا إلى مقصوده وثمرته من نيل السعادة الأبدية في جوار رب العالمين وما ~~سواه من حفظ الأنفس والعقل والمال وغيره فإنما كان مقصودا من أجله على ما ~~قال تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ # فإن قيل بل ما يفضي إلى حفظ مقصود النفس أولى وأرجح وذلك لأن مقصود الدين ~~حق الله تعالى ومقصود غيره حق للآدمي وحق الآدمي مرجح على حقوق الله تعالى ~~مبني على الشح والمضايقة وحقوق الله تعالى مبنية على المسامحة والمساهلة من ~~جهة أن الله تعالى لا يتضرر بفوات حقه فالمحافظة عليه أولى من المحافظة على ms948 ~~حق لا يتضرر مستحقه بفواته ولهذا رجحنا حقوق الآدمي على حق الله تعالى ~~بدليل أنه لو ازدحم حق الله تعالى وحق الآدمي في محل واحد وضاق عن ~~استيفائهما بأن يكون قد كفر وقتل عمدا عدوانا فإنا نقتله قصاصا لا بكفره # وأيضا فإنا قد رجحنا مصلحة النفس على مصلحة الدين حيث خففنا عن المسافر ~~بإسقاط الركعتين وأداء الصوم وعن المريض بترك الصلاة قائما وترك أداء الصوم ~~وقدمنا مصلحة النفس على مصلحة الصلاة في صورة إنجاء الغريق وأبلغ من ذلك ~~أنا رجحنا مصلحة المال على مصلحة الدين حيث جوزنا ترك الجمعة والجماعة ~~ضرورة حفظ أدنى شيء من المال ورجحنا مصالح المسلمين المتعلقة ببقاء الذمي ~~بين أظهرهم على مصلحة الدين حتى عصمنا دمه وماله مع وجود الكفر المبيح # قلنا أما النفس فكما هي متعلق حق الآدمي بالنظر إلى بعض الأحكام فهي ~~متعلق حق الله تعالى بالنظر إلى أحكام أخر ولهذا يحرم عليه قتل نفسه ~~والتصرف بما يفضي إلى تفويتها فالتقديم إنما هو لمتعلق الحقين ولا يمتنع ~~تقديم حق الله وحق الآدمي على ما تمحض حقا لله كيف وإن مقصود الدين متحقق ~~بأصل شرعية القتل وقد تحقق والقتل PageV04P287 بالفعل إنما هو لتحقيق ~~الوعيد به والمقصود بالقصاص إنما هو التشفي والانتقام ولا يحصل ذلك للوارث ~~بشرع القتل دون القتل بالفعل على ما يشهد به العرف فكان الجمع بين الحقين ~~أولى من تضييع أحدهما كيف وإن تقديم حق الآدمي ها هنا لا يفضي إلى تفويت حق ~~الله فيما يتعلق بالعقوبة البدنية مطلقا لبقاء العقوبة الأخروية وتقديم حق ~~الله مما يفضي إلى فوات حق الآدمي من العقوبة البدنية مطلقا فكان ذلك أولى # وأما التخفيف عن المسافر والمريض فليس تقديما لمقصود النفس على مقصود أصل ~~الدين بل على فروعه وفروع الشيء غير أصل الشيء ثم وإن كان فمشقة الركعتين ~~في السفر تقوم مقام مشقة الأربع في الحضر وكذلك صلاة المريض قاعدا بالنسبة ~~إلى صلاته قائما وهو صحيح فالمقصود لا يختلف # وأما أداء الصوم فلأنه لا يفوت مطلقا بل ms949 يفوت إلى خلف وهو القضاء وبه ~~يندفع ما ذكروه من صورة إنقاذ الغريق وترك الجمعة والجماعة لحفظ المال أيضا ~~وبقاء الذمي بين أظهر المسلمين معصوم الدم والمال ليس لمصلحة المسلمين بل ~~لأجل اطلاعه على محاسن الشريعة وقواعد الدين ليسهل انقياده ويتيسر استرشاده ~~وذلك من مصلحة الدين لا من مصلحة غيره وكما أن مقصود الدين مقدم على غيره ~~من مقاصد الضروريات فكذلك ما يتعلق به من مقصود النفس يكون مقدما على غيره ~~من المقاصد الضرورية أما بالنظر إلى حفظ النسب فلأن حفظ النسب إنما كان ~~مقصودا لأجل حفظ الولد حتى لا يبقى ضائعا لا مربي له فلم يكن مطلوبا لعينه ~~وذاته بل لأجل بقاء النفس مرفهة منعمة حتى تأتي بوظائف التكاليف وأعباء ~~العبادات PageV04P288 # وأما بالنظر إلى حفظ العقل فمن جهة أن النفس أصل والعقل تبع فالمحافظة ~~على الأصل أولى ولأن ما يفضي إلى فوات النفس على تقدير أفضليته يفوتها ~~مطلقا وما يفضي إلى تفويت العقل كشرب المسكر لا يفضي إلى فواته مطلقا ~~فالمحافظة بالمنع مما يفضي إلى الفوات مطلقا أولى # وعلى هذا أيضا يكون المقصود في حفظ النسب أولى من المقصود في حفظ العقل ~~ومقدم على ما يفضي إلى حفظ المال لكونه مركب الأمانة وملاك التكليف ومطلوبا ~~للعبادة بنفسه من غير واسطة ولا كذلك المال ولهذا كانت هذه الرتب مختلفة في ~~العقوبات المرتبة عليها على نحو اختلافها في أنفسها # وبمثل تفاوت هذه الرتب يكون التفاوت بين مكملاتها # الثامن عشر أن يكون الوصف الجامع في أحد القياسين نفس علة حكم الأصل ~~والآخر دليل علة الأصل وملازمها فالذي فيه الجامع نفس العلة أولى لظهورها ~~وركون النفس إليها # التاسع عشر أن تكون علة الأصل في أحد القياسين ملائمة وعلة الآخر غريبة ~~فما علته ملائمة أولى لأنها أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف # العشرون أن تكون علة الأصلين منقوضة إلا أنه قد ظهر في صورة النقض في ~~أحدهما ما يمكن إحالة النقض عليه من وجود مانع أو فوات شرط بخلاف الأخرى ~~فهي أولى لأنها أغلب ms950 على الظن # الحادي والعشرون أن تكون علة أحد القياسين قد يتخلف عنها مدلولها في صورة ~~بطريق الاستثناء على خلاف القاعدة العامة والأخرى يتخلف عنها حكمها لا على ~~جهة الاستثناء فالتي يتخلف عنها حكمها بجهة الاستثناء تكون أولى لقربها إلى ~~الصحة وبعدها عن الخلاف # الثاني والعشرون أن تكون علة أحد القياسين قد خلفها في صورة النقض ما هو ~~أليق بها لكون مناسبتها فيها أشد كما ذكرناه فيما تقدم بخلاف PageV04P289 ~~الأخرى فهي أولى لتبين عدم إلغائها بخلاف الأخرى # الثالث والعشرون أن تكون علة أحد القياسين لا مزاحم لها في أصلها بخلاف ~~الأخرى فالتي لا مزاحم لها أولى لأنها أغلب على الظن وأقرب إلى التعدية # وعلى هذا يكون ما رجحانها على مزاحمها أكثر مقدمة أيضا # الرابع والعشرون أن تكون علة أحد القياسين مقتضية للإثبات والأخرى مقتضية ~~للنفي فالنافية تكون أولى لأن مقتضاها يتم على تقدير رجحانها وعلى تقدير ~~مساواتها ومقتضى المثبتة لا يتم إلا على تقدير رجحانها وما يتم مطلوبه على ~~تقدير من تقديرين يكون أغلب على الظن مما لا يتم مطلوبه إلا على تقدير واحد ~~معين # فإن قيل الا أن العلة المثبتة مقتضاها حكم شرعي بالاتفاق بخلاف النافية ~~وما فائدتها شرعية بالاتفاق تكون أولى وأيضا فإنه يجب اعتقاد اختصاص أصل ~~النافية بمعنى لا وجود له في الفرع تقليلا لمخالفة الدليل كيف وإن ما ~~ذكرتموه من الترجيح للنافية غير مستقيم على رأي من يعتقد التخيير عند تساوي ~~الدليلين المتعارضين وعلى هذا فيتساوى القدمان # قلنا أما كون حكم إحدى العلتين شرعي فلا يرجح به لأن الحكم إنما كان ~~مطلوبا لا لنفسه بل لما يفضي إليه من الحكم به والشارع كما يود تحصيل ~~الحكمة بواسطة ثبوت الحكم يود تحصيلها بواسطة نفيه كيف وإن العلة النافية ~~متأيدة بالنفي الأصلي والمثبتة على خلافه فكانت أولى # وما قيل من وجوب اعتقاد اختصاص النافية بمعنى في الأصل لا وجود له في ~~الفرع فهو معارض بمثله في المثبتة وأنه يجب اعتقاد اختصاص أصلها ~~PageV04P290 بمعنى لا وجود له في الفرع تقليلا ms951 لمخالفة الدليل النافي وليس ~~أحدهما أولى من الآخر والتخيير وإن كان مقولا به عند تعارض الدليلين مع ~~التساوي من كل وجه فليس إلا على بعض الآراء الشاذة بالنسبة إلى ما قابله ~~كيف وإن الحكم إنما يثبت لما يصلح أو يكون مقصودا وإثبات الحكم عند التعارض ~~من كل وجه لتحصيل مصلحة على وجه يلزم منه مفسدة مساويه لا يصلح أن يكون ~~مقصودا فالحكم يكون منتفيا لانتفاء مقصوده # الخامس والعشرون أن تكون حكمة إحدى العلتين قد اختلت احتمالا لمانع أخل ~~بها دون الأخرى فالتي لا يختل حكمها احتمالا أولى لقربها إلى الظن وبعدها ~~عن الخلل والخلاف # السادس والعشرون أن تكون علة أحد القياسين أفضى إلى تحصيل مقصودها من ~~الأخرى فتكون أولى لزيادة مناسبتها بسبب ذلك # السابع والعشرون أن تكون علة أحد القياسين مشيرة إلى نقيض المطلوب ~~ومناسبة له من وجه بخلاف الأخرى فما لا تكون مناسبة لنقيض المطلوب تكون ~~أولى لكونها أظهر في إفضائها إلى حكمها وأغلب على الظن وأبعد عن الاضطراب # الثامن والعشرون أن تكون علة أحد القياسين متضمنة لمقصود يعم جميع ~~المكلفين والأخرى متضمنة لمقصود يرجع إلى آحادهم فالأولى أولى لعموم ~~فائدتها # التاسع والعشرون أن تكون علة أحد القياسين أكثر شمولا لمواقع الخلاف من ~~الأخرى فتكون أولى لعموم فائدتها # وأما الترجيحات العائدة إلى الفرع فأربعة الأول أن يكون فرع أحد القياسين ~~مشاركا لأصله في عين الحكم وعين العلة وفرع الآخر مشاركا لأصله في جنس ~~الحكم وجنس العلة أو جنس الحكم وعين العلة أو بالعكس فما المشاركة فيه في ~~عين العلة وعين الحكم PageV04P291 أولى لأن التعدية باعتبار الاشتراك في ~~المعنى الأخص والأعم أغلب على الظن من الاشتراك في المعنى الأعم # وعلى هذا فما المشاركة فيه بين الأصل والفرع عين أحد الأمرين إما الحكم ~~أو العلة تكون أولى مما المشاركة فيه بين أصله وفرعه في جنس الأمرين وإن ~~كان فرع أحدهما مشاركا لأصله في عين العلة وجنس الحكم والآخر بعكسه فما ~~المشاركة فيه في عين العلة وجنس الحكم أولى لأن تعدية الحكم ms952 من الأصل إلى ~~الفرع إنما هي فرع تعدية العلة فهي الأصل في التعدية وعليها المدار # الثاني أن يكون الفرع في أحد القياسين متأخرا عن أصله وفي الآخر متقدما ~~فما الفرع فيه متأخر أولى لسلامته عن الاضطراب وبعده عن الخلاف وعلمنا ~~بثبوت الحكم فيه بما استنبط من الأصل # الثالث أن يكون وجود العلة في أحد الفرعين قطعيا وفي الآخر ظنيا فما وجود ~~العلة فيه قطعي أولى لأن أغلب على الظن وأبعد عن احتمال القادح فيه # الرابع أن يكون حكم الفرع في أحدهما قد ثبت بالنص جملة لا تفصيلا بخلاف ~~الآخر فإنه يكون أولى لأنه أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف # وأما الترجيحات العائدة إلى حكم الفرع وإلى أمر خارج فعلى ما أسلفناه في ~~المنقولات # وقد يتركب مما ذكرناه من الترجيحات ومقابلات بعضها لبعض ترجيحات أخر ~~خارجة عن الحصر لا يخفى إيجادها في مواضعها على من أخذت الفطانة بيده # وقد أشرنا إلى جملة منها في كتابنا الموسوم بمنتهى المسالك في رتب السالك ~~فعليك بمراجعته # وعلى هذا فلا يخفى الترجيح المتعلق بالاستدلالات المتعارضة بالنظر إلى ~~ذواتها وطرق إثباتها # وأما التعارض الواقع بين المنقول والمعقول فالمنقول إما أن يكون خاصا ~~وإما عاما PageV04P292 # فإن كان خاصا فإما أن يكون دالا بمنظومه أو لا بمنظومه # فإن كان الأول فهو أولى لكونه أصلا بالنسبة إلى الرأي وقلة تطرق الخلل ~~إليه # وإن كان الثاني فمنه ما هو ضعيف جدا ومنه ما هو قوي جدا ومنه ما هو متوسط ~~بين الرتبتين # والترجيح إذ ذاك يكون على حسب ما يقع في نفس المجتهد من قوة الدلالة ~~وضعفها وذلك مما لا ينضبط ولا حاصر له بحيث تمكن الإشارة إليه في هذا ~~الكتاب وإنما هو موكول إلى الناظرين في آحاد الصور التي لا حصر لها # وأما إن كان المنقول عاما فقد قيل بتقدم القياس عليه وقيل بتقدم العموم ~~وقيل بالتوقف وقيل يتقدم على جلي القياس دون خفيه وقيل يتقدم القياس على ما ~~دخله التخصيص دون ما لم يدخله # والمختار إنما هو تقديم ms953 القياس وسواء كان جليا أو خفيا لأنه يلزم من ~~العمل بعموم العام إبطال دلالة القياس مطلقا ولا يلزم من العمل بالقياس ~~إبطال العام مطلقا بل غاية ما يلزم منه تخصيصه وتأويله # ولا يخفى أن الجمع بين الدليلين على وجه يلزم منه تأويل أحدهما أولى من ~~العمل بأحدهما وإبطال الآخر ولأن القياس يتناول المتنازع فيه بخصوصه ~~والمنقول يتناوله بعمومه والخاص أقوى من العام # فإن قيل إلا أن العموم أصل والقياس فرع والأصل مقدم على الفرع وأيضا فإن ~~تطرق الخلل إلى العموم أقل من تطرقه إلى القياس على ما سبق تقريره فكان ~~أولى # قلنا أما الأول فإنما يلزم أن لو كان ما قيل بتقديم القياس عليه هو أصل ~~ذلك القياس وليس كذلك بل جاز أن يكون فرعا لغيره PageV04P293 # فإن قيل وإن لم يكن فرعا لذلك العام بعينه فهو فرع بالنسبة إلى ما هو من ~~جنسه # قلنا إلا أن ذلك لا يمنع من تخصيص العموم بالقياس وإلا لما جاز تخصيص ~~عموم الكتاب بخبر الواحد لكونه فرعا بالنسبة إلى ما هو من جنسه وهو ممتنع ~~على ما سبق # وما ذكروه من الترجيح الثاني فهو معارض بمثله فإن العام وإن كان ظاهرا ~~فيحتمل الخصوص واحتمال ذلك في الشرع أغلب من احتمال الغلط من المجتهد ~~المتبحر على ما لا يخفى # ولهذا قيل إنه ما من عام إلا وهو مخصوص إلا في قوله تعالى @QB@ والله بكل ~~شيء عليم @QE@ ولا كذلك القياس PageV04P294 # # | الباب الثاني في الترجيحات الواقعة بين الحدود الموصلة إلى المعاني ~~المفردة التصورية # واعلم أن الحدود على اختلاف أنواعها منقسمة إلى عقلية وسمعية كانقسام ~~الحجج # غير أن ما هو متعلق غرضنا ها هنا إنما هو السمعية ومن السمعية ما كان ~~ظنيا # وعند تعارض الحدين السمعيين فقد يقع الترجيح بينهما من وجوه # الأول أن يكون أحدهما مشتملا على ألفاظ صريحة ناصة على الغرض المطلوب من ~~غير تجوز ولا استعادة ولا اشتراك ولا غرابة ولا اضطراب ولا ملازمة بل بطريق ~~المطابقة أو التضمن بخلاف الآخر فهو أولى لكونه أقرب ms954 إلى الفهم وأبعد عن ~~الخلل والاضطراب # الثاني أن يكون المعرف في أحدهما أعرف من المعرف في الآخر فهو أولى لكونه ~~أفضى إلى التعريف # الثالث أن يكون أحدهما معرفا بالأمور الذاتية والآخر بالأمور العرضية ~~فالمعرف بالأمور الذاتية أولى لأنه مشارك للمعرف بالأمور العرضية في ~~التمييز ومرجح عليه بتصوير معنى المحدود # الرابع أن يكون أحد الحدين أعم من الآخر فقد يمكن أن يقال الأعم أولى ~~لتناوله محدود الآخر وزيادة وما كان أكثر فائدة فقد يمكن أن PageV04P295 ~~يقال بأن الأخص أولى نظرا إلى أن مدلوله متفق عليه ومدلول الآخر من الزيادة ~~مختلف فيه وما مدلوله متفق عليه أولى # الخامس أن يكون أحدهما قد أتي فيه بجميع ذاتياته والآخر ببعضها مع ~~التمييز فالأول يكون أولى لأنه أشد تعريفا # السادس أن يكون أحدهما على وفق النقل السمعي والآخر على خلافه فالموافق ~~يكون أولى لبعده عن الخلل ولأنه أغلب على الظن # السابع أن يكون طريق اكتساب أحدهما أرجح من طريق اكتساب الآخر فهو أولى ~~لأنه أغلب على الظن # الثامن أن يكون أحدهما موافقا للوضع اللغوي والآخر على خلافه أو أنه أقرب ~~إلى موافقته والآخر أبعد فالموافق أو ما هو أكثر موافقة للوضع اللغوي يكون ~~أولى لأن الأصل إنما هو التقرير دون التغيير لكونه أقرب إلى الفهم وأسرع ~~إلى الانقياد # ولهذا كان التقرير هو الغالب وكان متفقا عليه بخلاف التغيير فكان أولى # التاسع أن يكون أحدهما مما قد ذهب إلى العمل به أهل المدينة أو الخلفاء ~~الراشدون أو جماعة من الأمة أو واحد من المشاهير بالاجتهاد والعدالة والثقة ~~بما يقول بخلاف الآخر فهو أولى لكونه أغلب على الظن وأقرب إلى الانقياد # العاشر أن يلزم من العمل بأحدهما تقرير حكم الحظر والآخر تقرير الوجوب أو ~~الكراهة أو الندب فما يلزم منه تقرير الحظر أولى لما قدمناه في الحجج # الحادي عشر أن يلزم من أحدهما تقرير حكم النفي والآخر PageV04P296 ~~الإثبات فالمقرر للنفي أولى لما سبق في الحجج # الثاني عشر أن يلزم من أحدهما تقرير حكم معقول ومن الآخر حكم ms955 غير معقول ~~فما يلزم منه تقرير حكم معقول أولى لما سبق في الحجج # الثالث عشر أن يلزم من أحدهما درء الحد والعقوبة ومن الآخر إثباته ~~فالدارىء للحد أولى لما سبق أيضا # الرابع عشر أن يكون أحدهما يلازمه الحرية أو الطلاق والآخر يلازمه الرق ~~أو إبقاء النكاح فالحكم فيه ما سبق في الحجج # وقد يتشعب من تقابل هذه الترجيحات ترجيحات أخرى كثيرة خارجة عن الحصر لا ~~تخفى على متأملها # وهذا آخر ما أردناه ونهاية ما رتبناه # اللهم فكما ألهمت بإنشائه وأعنت على إنهائه فاجعله نافعا في الدنيا ~~وذخيرة صالحة في الأخرى واختم بالسعادة آجالنا وحقق بالزيادة آمالنا واقرن ~~بالعافية غدونا وآصالنا واجعل إلى حصنك مصيرنا ومآلنا وتقبل بفضلك أعمالنا ~~إنك مجيب الدعوات # ومفيض الخيرات والحمد الله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم ~~النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم إلى يوم الدين PageV04P297 ms956