الإسراء والمعراج ومقامات القرب: كرامة الرسول بين الخبر والدلالة
المصدر الرئيس: القاضي عياض، الشفا بتعريف حقوق المصطفى.
يحتل الإسراء والمعراج في «الشفا» موقعًا يتجاوز سرد الواقعة إلى بيان ما تكشف عنه من مقام الرسالة. فالقاضي عياض يجمع طرق الخبر، ويعرض مسائل الإسراء وحقيقته، ويناقش ما أثير حوله، ثم ينتقل إلى ما اتصل بالرؤية والدنو والقرب وما خص به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة. والقراءة المتأنية لهذه المادة تكشف أن اهتمامه لا ينصرف إلى عنصر العجب وحده، بل إلى بنية المعنى: رسول ينتقل بقدرة الله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم يعرج به، ويرى من الآيات ما يرى، ويتلقى من التكريم ما يتصل بمهمته وبمكانته بين الأنبياء. لذلك تصبح تفاصيل الخبر عنده شواهد متضافرة على حقيقة الرسالة وعلو مقام صاحبها، مع بقاء التمييز بين ما دل عليه القرآن دلالة صريحة وما ورد في الأخبار وما تناوله العلماء بالشرح والخلاف. وهذه المقالة تتتبع هذا البناء الطويل كما يقدمه «الشفا»، وتقرأ الإسراء والمعراج بوصفهما فصلًا جامعًا بين المعجزة، والعبادة، والكرامة، وتثبيت الرسول، وإظهار الصلة بين الأرض والسماء في قلب الرسالة المحمدية.
الفصل الثاني : كرامة الإسراء
يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «الفصل الثاني : كرامة الإسراء». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.
في تفضيله بما تضمنته كرامة الإسراء من المناجاة . والرؤية وإمامة الأنبياء والعروج به إلى سدرة المنتهى وما رأى من آيات ربه الكبرى : ومن خصائصه - صلى الله عليه وسلم - قصة الإسراء ، وما انطوت عليه من درجات الرفعة مما نبه عليه الكتاب العزيز ، وشرحته صحاح الأخبار ، قال الله - تعالى - سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام \[ الإسراء : 1 \] الآية . والنجم إذا هوى \[ النجم : 1 \] - إلى قوله - : لقد رأى من آيات ربه الكبرى \[ النجم : 18 \] . فلا خلاف بين المسلمين في صحة الإسراء به - صلى الله عليه وسلم - ، إذ هو نص القرآن وجاءت بتفصيله ، وشرح عجائبه ، وخواص نبينا - صلى الله عليه وسلم - فيه أحاديث كثيرة منتشرة رأينا أن نقدم أكملها ، ونشير إلى زيادة من غيره يجب ذكرها . القاضي الشهيد أبو علي ، والفقيه أبو بحر بسماعي عليهما ، والقاضي أبو عبد الله التميمي ، وغير واحد من شيوخنا ، قالوا : حدثنا أبو العباس العذري أبو العباس الرازي أبو أحمد الجلودي مسلم بن الحجاج شيبان بن فروخ حماد بن سلمة ثابت البناني أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أتيت بالبراق ، وهو دابة أبيض طويل ، فوق الحمار ، ودون البغل ، يضع حافره عند منتهى طرفه قال : فركبته حتى أتيت بيت المقدس ، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء ، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ، ثم خرجت ، فجاءني بإناء من خمر ، وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال : اخترت الفطرة . ثم عرج بنا إلى السماء ، فاستفتح ، فقيل : من أنت ؟ قال . قيل : ومن معك ؟ قال : . قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه ، ففتح لنا ، فإذا أنا بآدم - صلى الله عليه وسلم - ، فرحب بي ، ودعا لي بخير . ثم عرج بنا إلى السماء الثانية ، فاستفتح . قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه . ففتح لنا ، فإذا أنا بابني الخالة : عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا صلى الله عليهما ، فرحبا بي ، ودعوا لي بخير . ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة ، فذكر مثل الأول ، ففتح لنا ، فإذا أنا بيوسف - صلى الله عليه وسلم - ، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن ، فرحب بي ، ودعا لي بخير . ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة ، وذكر مثله ، فإذا أنا بإدريس ، فرحب بي ، ودعا لي بخير ، قال الله - تعالى - : ورفعناه مكانا عليا \[ مريم : 57 \] ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فذكر مثله ، فإذا أنا بهارون ، فرحب بي ، ودعا لي بخير . ثم عرج بنا إلى السماء السادسة ، فذكر مثله ، فإذا أنا بموسى ثم عرج بنا إلى السماء السابعة ، فذكر مثله ، فإذا أنا بإبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور ، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ، لا يعودون إليه . ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى ، وإذا ورقها كآذان الفيلة ، وإذا ثمرها كالقلال ، قال : فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت ، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها ، فأوحى الله إلي ما أوحى ، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم ، وليلة ، فنزلت إلى ، فقال : ما فرض ربك على أمتك ؟ قلت خمسين صلاة . قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فإن أمتك لا يطيقون ذلك ، فإني قد بلوت بني إسرائيل ، وخبرتهم . قال : فرجعت إلى ربي ، فقلت : يا رب ، خفف عن أمتي . فحط عني خمسا ، فرجعت إلى ، فقلت : حط عني خمسا ، قال : إن أمتك لا يطيقون ذلك ، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف . قال : فلم أزل أرجع بين ربي تعالى ، وبين حتى قال : يا ، إنهم خمس صلوات كل يوم ، وليلة لكل صلاة عشر ، فتلك خمسون صلاة ، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشرا ، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا فإن عملها كتبت سيئة واحدة . قال : فنزلت حتى انتهيت إلى ، فأخبرته ، فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فقلت : قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه .
قال القاضي - وفقه الله - : جود ثابت - رحمه الله - هذا الحديث عن ما شاء ، ولم يأت أحد عنه بأصوب من هذا . وقد خلط فيه غيره عن تخليطا كثيرا ، لا سيما من رواية شريك بن أبي نمر ، فقد ذكر في أوله مجيء الملك له ، وشق بطنه ، وغسله بماء زمزم ، وهذا إنما كان وهو صبي ، وقبل الوحي . وقد قال شريك في حديثه : وذلك قبل أن يوحى إليه ، وذكر قصة الإسراء . ولا خلاف أنها كانت بعد الوحي . وقد قال غير واحد : إنها كانت قبل الهجرة بسنة ، وقيل : قبل هذا . وقد روى ، من رواية أيضا مجيء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يلعب مع الغلمان عند ظئره ، وشقه قلبه تلك القصة مفردة من حديث الإسراء كما رواه الناس ، فجود في القصتين ، وفي أن الإسراء إلى ، وإلى سدرة المنتهى كان قصة ، واحدة ، وأنه وصل إلى ، ثم عرج به من هناك ، فأزاح كل إشكال أوهمه غيره . يونس ابن شهاب ، قال : كان أبو ذر يحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : فرج سقف بيتي ، وأنا فنزل ، ففرج صدري ، ثم غسله من ماء زمزم ، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة ، وإيمانا ، فأفرغها من صدري ، ثم أطبقه ، ثم أخذ بيدي فعرج بنا إلى السماء . . . فذكر القصة . الحديث ، بمثله ، عن مالك بن صعصعة ، وفيها تقديم وتأخير ، ونقص ، وخلاف في ترتيب الأنبياء في السماوات . وحديث أتقن ، وأجود . وقد وقعت في حديث الإسراء ، زيادات نذكر منها نكتا مفيدة في عرضنا : منها في حديث ، وفيه قول كل نبي له : مرحبا بالنبي الصالح ، والأخ الصالح ، إلا وإبراهيم فقالا له : والابن الصالح . وفيه من طريق ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام . ثم انطلق بي حتى أتيت سدرة المنتهى ، فغشيها ألوان لا أدري ما هي ؟ قال : ثم أدخلت الجنة . فلما جاوزته يعني بكى ، فنودي : ما يبكيك ؟ قال : رب ، هذا غلام بعثته بعدي يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي . وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء ، فحانت الصلاة ، فأممتهم ، فقال قائل : يا ، هذا خازن النار ، فسلم عليه . فالتفت فبدأني بالسلام . ثم سار حتى أتى ، فنزل فربط فرسه إلى صخرة ، فصلى مع الملائكة ، فلما قضيت الصلاة قالوا : يا ، من هذا معك ؟ قال : هذا رسول الله خاتم النبيين : قالوا : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قالوا : حياه الله من أخ ، وخليفة ، فنعم الأخ ، ونعم الخليفة ! ثم لقوا أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم . وذكر كلام كل واحد منهم ، وهم وموسى وعيسى وداود وسليمان ثم ذكر كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : وإن - صلى الله عليه وسلم - أثنى على ربه عز وجل فقال : كلكم أثنى على ربه ، وأنا أثنى علي ربي . الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين ، وكافة للناس بشيرا ، ونذيرا ، وأنزل علي الفرقان فيه تبيان كل شيء . وجعل أمتي خير أمة ، وجعل أمتي أمة وسطا ، وجعل أمتي هم الأولون ، وهم الآخرون ، وشرح لي صدري ، ووضع عني ، وزري ، ورفع لي ذكري ، وجعلني فاتحا ، وخاتما . فقال : بهذا فضلكم ثم ذكر أنه عرج به إلى السماء الدنيا ، ومن سماء إلى سماء ، نحو ما تقدم . وانتهى بي إلى سدرة المنتهى ، وهي في السماء السادسة ، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها ، قال : إذ يغشى السدرة ما يغشى \[ النجم : 16 \] ، قال : فراش من ذهب . ، من طريق الربيع بن أنس فقيل لي : هذه السدرة المنتهى ينتهي إليها كل أحد من أمتك خلا على سبيلك ، وهي السدرة المنتهى ، يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ، وأنهار من خمر لذة للشاربين ، وأنهار من عسل مصفى ، وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاما ، وأن ورقة منها مظلة الخلق ، فغشيها نور ، وغشيتها الملائكة . قال : فهو قوله :
\[ النجم : 16 \] . فقال تبارك ، وتعالى - له : سل . فقال : إنك اتخذت خليلا ، وأعطيته ملكا عظيما . وكلمت تكليما ، وأعطيت داود ملكا عظيما ، وألنت له الحديد ، وسخرت له الجبال ، وأعطيت سليمان ملكا عظيما ، وسخرت له الجن ، والإنس ، والشياطين ، والرياح ، وأعطيته ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ، وعلمت التوراة ، والإنجيل ، وجعلته يبرئ الأكمه ، والأبرص ، وأعذته ، وأمه من الشيطان الرجيم ، فلم يكن له عليهما سبيل . فقال له ربه - تعالى - : قد اتخذتك خليلا وحبيبا . فهو مكتوب في التوراة : حبيب الرحمن وأرسلتك إلى الناس كافة ، وجعلت أمتك هم الأولون ، وهم الآخرون ، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ، ورسولي ، وجعلتك أول النبيين خلقا ، وآخرهم بعثا ، وأعطيتك سبعا من المثاني ، ولم أعطها نبيا قبلك ، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرشي لم أعطها نبيا قبلك ، وجعلتك فاتحا ، وخاتما . وفي الرواية الأخرى قال : فأعطي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا : أعطي الصلوات الخمس ، وأعطي خواتيم سورة البقرة ، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئا من أمته المقحمات ما كذب الفؤاد ما رأى \[ النجم : 11 \] : رأى في صورته له ستمائة جناح . أنه رأى في السابعة قال : بتفضيل كلام الله ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله ، فقال : لم أظن أن يرفع علي أحد أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى بالأنبياء ببيت المقدس - رضي الله عنه - ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بينما أنا قاعد ذات يوم إذ دخل ، فوكز بين كتفي ، فقمت إلى شجرة فيها مثل وكري الطائر ، فقعد في واحدة ، وقعدت في الأخرى ، فنمت حتى سدت الخافقين . ولو شئت لمست السماء ، وأنا أقلب طرفي ونظرت كأنه حلس لاطئ فعرفت فضل علمه بالله علي ، وفتح لي باب السماء ، ورأيت النور الأعظم ، ولط دوني الحجاب ، وفرجه الدر ، والياقوت . ثم أوحى الله إلي ما شاء أن يوحي البزار لما أراد الله - تعالى - أن يعلم رسوله الأذان جاءه بدابة يقال لها البراق ، فذهب يركبها ، فاستصعبت عليه ، فقال لها : اسكني ، فوالله ما ركبك عبد أكرم على الله من - صلى الله عليه وسلم - ، فركبها حتى أتى إلى الحجاب الذي يلي الرحمن - تعالى - ، فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا ، من هذا ؟ قال : والذي بعثك بالحق ، إني لأقرب الخلق مكانا ، وإن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه . فقال الملك : الله أكبر الله أكبر . فقيل له من وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا أكبر أنا أكبر . ثم قال الملك : أشهد أن لا إله إلا الله . فقيل له من وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا الله لا إله إلا أنا وذكر مثل هذا في بقية الأذان إلا أنه لم يذكر جوابا عن قوله : حي على الصلاة ، حي على الفلاح . وقال : ثم أخذ الملك بيد ، فقدمه فأم أهل السماء فيهم ونوح أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين راويه : أكمل الله - تعالى - - صلى الله عليه وسلم - الشرف على أهل السماوات ، والأرض . قال القاضي - وفقه الله - : ما في هذا الحديث من ذكر الحجاب فهو في حق المخلوق لا في حق الخالق ، فهم المحجوبون ، والباري جل اسمه منزه عما يحجبه ، إذ الحجب إنما تحيط بمقدر محسوس ؛ ولكن حجبه على أبصار خلقه وبصائرهم وإدراكاتهم بما شاء ، وكيف شاء ، ومتى شاء ، كقوله - تعالى - : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون \[ المطففين : 15 \] . فقوله في هذا الحديث : الحجاب وإذ خرج ملك من الحجاب يجب أن يقال : إنه حجاب حجب به من وراءه من ملائكته عن الاطلاع على ما دونه من سلطانه وعظمته ، وعجائب ملكوته ، وجبروته . ويدل عليه من الحديث قول عن الملك الذي خرج من ورائه : إن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه فدل على أن هذا الحجاب لم يختص بالذات . ويدل عليه قول كعب في تفسير : سدرة المنتهى قال : إليها ينتهي علم الملائكة ، وعندها يجدون أمر الله ، لا يجاوزها علمهم . وأما قوله : الذي يلي الرحمن فيحمل على حذف المضاف ، أي يلي عرش الرحمن أو أمرا ما من عظيم آياته ، أو مبادئ حقائق معارفه ، مما هو أعلم به ، كما قال - تعالى - :
واسأل القرية \[ يوسف : 82 \] ، أي أهلها . وقوله : فقيل من وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا أكبر فظاهره أنه سمع في هذا الموطن كلام الله ، ولكن من وراء الحجاب ، كما قال : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب \[ الشورى : 51 \] ، أي ، وهو لا يراه ، حجب بصره عن رؤيته . فإن صح القول بأن - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه عز وجل فيحتمل أنه في غير هذا الموطن بعد هذا أو قبله ، رفع الحجاب عن بصره حتى رآه . والله أعلم . الْفَصْلُ الثَّانِي : كَرَامَةُ الْإِسْرَاءِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ آدَمُ مصادر مرتبطة للتحرير/الإثراء: • الملك والعبودية
الفصل الثالث : حقيقة الإسراء
يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «الفصل الثالث : حقيقة الإسراء». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.
ثم اختلف السلف ، والعلماء : هل كان إسراؤه بروحه أو جسده ؟ على ثلاث مقالات : قد ذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح ، وأنه رؤيا منام ، مع اتفاقهم أن رؤيا الأنبياء حق ووحي ، وإلى هذا ذهب معاوية ، وحكي عن ، والمشهور عنه خلافه ، وإليه أشار محمد بن إسحاق ، وحجتهم قوله - تعالى - : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس وما حكوا عن - رضي الله عنها - : ما فقدت جسد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . بينا أنا نائم . وقول : وهو نائم في المسجد الحرام . . . وذكر القصة ، ثم قال في آخرها : فاستيقظت ، وأنا بالمسجد الحرام . وذهب معظم السلف ، والمسلمين إلى أنه إسراء بالجسد ، وفي اليقظة ، وهذا هو الحق ، وهو قول وجابر وأنس وحذيفة وأبي هريرة ومالك بن صعصعة وأبي حبة البدري وابن مسعود والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة وابن المسيب وابن شهاب وابن زيد وإبراهيم ومسروق ومجاهد وعكرمة وابن جريج ، وهو دليل قول ، وهو قول أكثر المتأخرين من الفقهاء ، والمحدثين ، والمتكلمين ، والمفسرين . وقالت طائفة : كان الإسراء بالجسد يقظة من المسجد الحرام إلى بيت المقدس ، وإلى السماء بالروح ، واحتجوا بقوله - تعالى - : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى \[ الإسراء : 1 \] ، فجعل إلى المسجد الأقصى غاية الإسراء الذي وقع التعجب فيه بعظيم القدرة والتمدح بتشريف النبي - صلى الله عليه وسلم - به ، وإظهار الكرامة له بالإسراء إليه . قال هؤلاء : ولو كان الإسراء بجسده إلى زائد على لذكره ، فيكون أبلغ في المدح . ثم اختلفت هذه الفرقتان : هل صلى ببيت المقدس أم لا ؟ ففي حديث ، وغيره ما تقدم من صلاته فيه . وأنكر ذلك حذيفة بن اليمان وقال : والله ما زالا عن ظهر البراق حتى رجعا . قال القاضي وفقه الله : والحق من هذا والصحيح إن شاء الله إنه إسراء بالجسد والروح في القصة كلها ، وعليه تدل الآية ، وصحيح الأخبار والاعتبار ، ولا يعدل عن الظاهر ، والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة ، وليس في الإسراء بجسده ، وحال يقظته استحالة ، إذ لو كان مناما لقال : بروح عبده ، ولم يقل : بعبده . وقوله - تعالى - : ما زاغ البصر وما طغى \[ النجم : 17 \] ، ولو كان مناما لما كانت فيه آية ، ولا معجزة ، ولما استبعده الكفار ، ولا كذبوه فيه ، ولا ارتد به ضعفاء من أسلم ، وافتتنوا به ، إذ مثل هذا من المنامات لا ينكر ، بل لم يكن منهم ذلك إلا وقد علموا أن خبره إنما كان عن جسمه ، وحال يقظته ، إلى ما ذكر في الحديث من ذكر صلاته بالأنبياء في رواية أو في السماء على ما روى غيره ، وذكر مجيء له بالبراق وخبر المعراج ، واستفتاح السماء ، فيقال : من معك ؟ فيقول : ، ولقائه الأنبياء فيها ، وخبرهم معه ، وترحيبهم به ، وشأنه في فرض الصلاة ، ومراجعته مع في ذلك . وفي بعض هذه الأخبار : فأخذ يعني بيدي فعرج بي إلى السماء . . . إلى قوله : ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام وأنه وصل إلى سدرة المنتهى ، وأنه دخل الجنة ، ورأى فيها ما ذكره . : هي رؤيا عين رآها النبي - صلى الله عليه وسلم - لا رؤيا منام . فيه : بينا أنا نائم في الحجر جاءني فهمزني بعقبه ، فقمت فجلست فلم أر شيئا ، فعدت لمضجعي ذكر ذلك ثلاثا ، فقال في الثالثة : فأخذ بعضدي فجرني إلى باب المسجد فإذا بدابة . وذكر خبر البراق . أم هانئ : ما أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا وهو في بيتي تلك الليلة صلى العشاء الآخرة ، ونام بيننا ، فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما صلى الصبح ، وصلينا قال : يا ، لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي ، ثم جئت فصليت فيه ، ثم صليت الغداة معكم الآن كما ترون . وهذا بين في أنه ( بجسمه ) . من رواية شداد بن أوس عنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به : طلبتك يا رسول الله البارحة في مكانك فلم أجدك . فأجابه : إن - عليه السلام - حملني إلى - رضي الله عنه - ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : صليت ليلة أسري بي في مقدم المسجد ، ثم
دخلت الصخرة فإذا بملك قائم معه آنية ثلاث . . وذكر الحديث . وهذه التصريحات ظاهرة غير مستحيلة ، فتحمل على ظاهرها . أبي ذر ، عنه - صلى الله عليه وسلم - : فرج سقف بيتي ، وأنا ، فنزل ، فشرح صدري ، ثم غسله بماء زمزم . . . إلى آخر القصة ، ثم أخذ بيدي ، فعرج بي . أتيت فانطلق بي إلى زمزم ، فشرح عن صدري . لقد رأيتني في الحجر ، وقريش تسألني عن مسراي ، فسألتني عن أشياء لم أثبتها ، فكربت كربا ما كربت مثله قط ، فرفعه الله لي أنظر إليه . وقد روى - رضي الله عنه - في حديث الإسراء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ثم رجعت إلى خديجة ، وما تحولت عن جانبها . الْفَصْلُ الثَّالِثُ : حَقِيقَةُ الْإِسْرَاءِ وَالْحَسَنِ وَنَحْوُهُ عَنْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مصادر مرتبطة للتحرير/الإثراء: • النور في الأسماء المحمدية • المهيمن في الأسماء المحمدية • الجبار في الأسماء المحمدية
الفصل الرابع : إبطال الحجج
يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «الفصل الرابع : إبطال الحجج». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.
إبطال حجج من قال : إنها نوم احتجوا بقوله - تعالى - : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك \[ الإسراء : 60 \] ، فسماها رؤيا . قلنا : قوله سبحانه وتعالى - : الذي أسرى بعبده \[ الإسراء : 1 \] يرده ، لأنه لا يقال في النوم : أسرى . فتنة للناس . يؤيد أنها رؤيا عين وإسراء بشخص ؛ إذ ليس في الحلم فتنة . ولا يكذب به أحد ، لأن كل أحد يرى مثل ذلك في منامه من الكون في ساعة ، واحدة في أقطار متباينة . على أن المفسرين قد اختلفوا في هذه الآية ، فذهب بعضهم إلى أنها نزلت في قضية الحديبية ، وما وقع في نفوس الناس من ذلك ، وقيل غير هذا . وأما قولهم : إنه قد سماها في الحديث مناما . وقوله في حديث آخر : بين النائم ، واليقظان . وقوله أيضا : وهو نائم . وقوله : ثم استيقظت . فلا حجة فيه ، إذ قد يحتمل أن أول وصول الملك إليه كان وهو نائم ، أو أول حمله ، والإسراء به وهو نائم ، وليس في الحديث أنه كان نائما في القصة كلها إلا ما يدل عليه : ثم استيقظت ، وأنا في المسجد الحرام ، فلعل قوله : استيقظت بمعنى أصبحت ، أو استيقظ من نوم آخر بعد وصوله بيته . ويدل عليه أن مسراه لم يكن طول ليله ، وإنما كان في بعضه . وقد يكون قوله : استيقظت وأنا في لما كان غمره من عجائب ما طالع من ملكوت السماوات والأرض ، وخامر باطنه من مشاهدة الملأ الأعلى ، وما رأى من آيات ربه الكبرى ، فلم يستفق ، ويرجع إلى حال البشرية إلا وهو بالمسجد الحرام ووجه ثالث أن يكون نومه ، واستيقاظه حقيقة على مقتضى لفظه ، ولكنه أسري بجسده ، وقلبه حاضر ، ورؤيا الأنبياء حق ، تنام أعينهم ، ولا تنام قلوبهم . وقد مال بعض أصحاب الإشارات إلى نحو من هذا . قال : تغميض عينيه لئلا يشغله شيء من المحسوسات عن الله - تعالى - . ولا يصح هذا أن يكون في وقت صلاته بالأنبياء ، ولعله كانت له في هذا الإسراء حالات . ووجه رابع : وهو أن يعبر بالنوم هاهنا عن هيئة النائم من الاضطجاع ، ويقويه قوله في رواية عبد بن حميد همام بينا أنا نائم ، وربما قال : مضطجع هدبة ، عنه : بينا أنا نائم في الحطيم ، وربما قال : في الحجر مضطجع وقوله في الرواية الأخرى : بين النائم ، واليقظان . فيكون سمى هيئته بالنوم لما كانت هيئة النائم غالبا . وذهب بعضهم إلى أن هذه الزيادات : من النوم ، وذكر شق البطن ، ودنو الرب عز وجل الواقعة في هذا الحديث إنما هي من رواية شريك ، فهي منكرة من روايته ، إذ شق البطن في الأحاديث الصحيحة إنما كان في صغره - صلى الله عليه وسلم - ، وقبل النبوة ، ولأنه قال في الحديث : قبل أن يبعث ، والإسراء بإجماع كان بعد المبعث ، فهذا كله يوهن ما وقع في رواية ، مع أن أنسا قد بين من غير طريق أنه إنما رواه عن غيره ، وأنه لم يسمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال مرة عن مالك بن صعصعة ، وفي كتاب مسلم : لعله عن على الشك . وقال مرة : كان أبو ذر يحدث . وأما قول : ما فقدت جسده ، فعائشة لم تحدث به عن مشاهدة ، لأنها لم تكن حينئذ زوجه ، ولا في سن من يضبط ، ولعلها لم تكن ولدت بعد ، على الخلاف في الإسراء متى كان فإن الإسراء كان في أول الإسلام على قول الزهري ، ومن وافقه بعد المبعث بعام ونصف ، وكانت في الهجرة بنت نحو ثمانية أعوام . وقد قيل : كان الإسراء لخمس قبل الهجرة ، وقيل : قبل الهجرة بعام . والأشبه أنه لخمس . والحجة لذلك تطول ، وليست من غرضنا ، فإذا لم تشاهد ذلك دل أنها حدثت بذلك عن غيرها ، فلم يرجح خبرها على خبر غيرها ، وغيرها يقول خلافه مما وقع نصا في حديث أم هانئ ، وغيره . وأيضا فليس حديث - رضي الله عنها - بالثابت ، والأحاديث الأخر أثبت ، ولسنا نعني حديث ، وما ذكرت فيه خديجة . وأيضا فقد روي في حديث : \[ ما فقدت \] ، ولم يدخل بها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بالمدينة وكل هذا يوهنه ، بل الذي يدل عليه صحيح قولها : إنه بجسده ، لإنكارها أن تكون رؤياه لربه رؤيا عين ، ولو كانت عندها مناما لم تنكره .
فإن قيل : فقد قال - تعالى - : ما كذب الفؤاد ما رأى \[ النجم : 11 \] فقد جعل ما رآه للقلب ، وهنا يدل على أنه رؤيا نوم ، ووحي ، لا مشاهدة عين ، وحس . قلنا : يقابله قوله - تعالى - : ما زاغ البصر وما طغى \[ النجم : 17 \] فقد أضاف الأمر للبصر . وقد قال أهل التفسير في قوله - تعالى - . \[ النجم : 11 \] ، أي لم يوهم القلب العين غير الحقيقة ، بل صدق رؤيتها . وقيل : ما أنكر قلبه ما رأته عينه . الْفَصْلُ الرَّابِعُ : إِبْطَالُ الْحُجَجِ مصادر مرتبطة للتحرير/الإثراء: • النور في الأسماء المحمدية • المهيمن في الأسماء المحمدية • الجبار في الأسماء المحمدية
الفصل الخامس : رؤيته لربه - صلى الله عليه وسلم -
يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «الفصل الخامس : رؤيته لربه - صلى الله عليه وسلم -». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.
رؤيته - صلى الله عليه وسلم - لربه - جل وعز - فاختلف السلف فيها ، فأنكرته - رضي الله عنها - . \[ حدثنا أبو الحسين سراج بن عبد الملك الحافظ بقراءتي عليه ، قال حدثني أبي ، وأبو عبد الله بن عتاب الفقيه ، قالا : حدثنا القاضي يونس بن مغيث أبو الفضل الصقيلي ثابت بن قاسم بن ثابت ، عن أبيه ، وجده ، قالا : حدثنا عبد الله بن علي محمود بن آدم ، وكيع ابن أبي خالد عامر \] مسروق أنه قال لعائشة - رضي الله عنها - يا أم المؤمنين ، هل رأى ربه ؟ فقالت : لقد قف شعري مما قلت . ثلاث من حدثك بهن فقد كذب : من حدثك أن رأى ربه فقد كذب ، ثم قرأت : لا تدركه الأبصار \[ الأنعام : 103 \] ، وذكر الحديث . وقال جماعة بقول - رضي الله عنها - ، وهو المشهور عن ابن مسعود . ومثله عن أنه قال : إنما رأى . واختلف عنه وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته في الدنيا جماعة من المحدثين والفقهاء ، والمتكلمين . - رضي الله عنهما - أنه رآه بعينه . وروى عنه أنه رآه بقلبه . أبي العالية ، عنه : رآه بفؤاده مرتين . أرسل إلى - رضي الله عنهما - يسأله : هل رأى ربه ؟ فقال : نعم . والأشهر عنه أنه رأى ربه بعينه ، روي ذلك عنه من طرق ، وقال : إن الله - تعالى - اختص بالكلام ، وإبراهيم بالخلة ، ومحمدا بالرؤية ، وحجته قوله - تعالى - : ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى \[ النجم : 11 - 13 \] . الماوردي : قيل : إن الله - تعالى - قسم كلامه ، ورؤيته بين ومحمد - صلى الله عليه وسلم - ، فرآه مرتين ، وكلمه مرتين . أبو الفتح الرازي وأبو الليث السمرقندي الحكاية عن كعب . وروى عبد الله بن الحارث ، قال : اجتمع وكعب ، فقال : أما نحن بنو هاشم فنقول : إن قد رأى ربه مرتين ، فكبر حتى جاوبته الجبال ، وقال : إن الله قسم رؤيته ، وكلامه بين وموسى ، فكلمه ورآه بقلبه . شريك أبي ذر - رضي الله عنه - في تفسير الآية ، قال : رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه . محمد بن كعب القرظي وربيع بن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل : هل رأيت ربك ؟ قال : رأيته بفؤادي ، ولم أره بعيني مالك بن يخامر معاذ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : رأيت ربي . . . وذكر كلمة ، فقال : يا ، فيم يختصم الملأ الأعلى الحديث . عبد الرزاق كان يحلف بالله لقد رأى ربه . وحكاه أبو عمر الطلمنكي عكرمة وحكى بعض المتكلمين هذا المذهب عن مروان سأل أبا هريرة . هل رأى النقاش أحمد بن حنبل : أنه قال : أنا أقول بحديث بعينه رآه رآه حتى انقطع نفسه يعني نفس أحمد أبو عمر : قال : رآه بقلبه ، وجبن عن القول برؤيته في الدنيا بالأبصار . سعيد بن جبير : لا أقول رآه ، ولا لم يره . وقد اختلف في تأويل الآية عن وعكرمة وابن مسعود ، فحكي عن : رآه بقلبه . وعن : رأى . وحكى عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن أبيه ، أنه قال : رآه . ألم نشرح لك صدرك \[ الشرح : 1 \] قال : شرح صدره للرؤية ، وشرح صدر موسى للكلام . أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري - رضي الله عنه - ، وجماعة من أصحابه أنه رأى الله - تعالى - ببصره ، وعيني رأسه ، وقال : كل آية أوتيها نبي من الأنبياء - عليهم السلام - فقد أوتي مثلها نبينا - صلى الله عليه وسلم - ، وخص من بينهم بتفضيل الرؤية . ووقف بعض مشايخنا في هذا وقال : ليس عليه دليل واضح ، ولكنه جائز أن يكون . وفقه الله : والحق الذي لا امتراء فيه أن رؤيته - تعالى - في الدنيا جائزة عقلا ، وليس في العقل ما يحيلها . والدليل على جوازها في الدنيا سؤال - عليه السلام - لها . ومحال أن يجهل نبي ما يجوز على الله ، وما لا يجوز عليه ، بل لم يسأل إلا جائزا غير مستحيل ، ولكن وقوعه ، ومشاهدته من الغيب الذي لا يعلمه إلا من علمه الله ، فقال له الله - تعالى - : لن تراني \[ الأعراف : 142 \] ، أي لن تطيق ، ولا تحتمل رؤيتي ، ثم ضرب له مثلا مما هو أقوى من بنية ، وأثبت ، وهو الجبل . وكل هذا ليس فيه ما يحيل رؤيته في الدنيا ، بل فيه جوازها على الجملة ، وليس في الشرح دليل قاطع على استحالتها ، ولا امتناعها ، إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة .
ولا حجة لمن استدل على منعها بقوله - تعالى - : \[ الأنعام : 103 \] ، لاختلاف التأويلات في الآية ، وإذ ليس يقتضي قول من قال في الدنيا الاستحالة . وقد استدل بعضهم بهذه الآية نفسها على جواز الرؤية ، وعدم استحالتها على الجملة . وقد قيل : لا تدركه أبصار الكفار ، وقيل : \[ الأنعام : 103 \] لا تحيط به ، وهو قول . وقد قيل : لا تدركه الأبصار ، وإنما يدركه المبصرون . وكل هذه التأويلات لا تقتضي منع الرؤية ، ولا استحالتها . وكذلك لا حجة لهم بقوله - تعالى - : \[ الأعراف : 142 \] . وقوله : تبت إليك \[ الأعراف : 143 \] لما قدمناه ، ولأنها ليست على العموم ، ولأن من قال : معناها : لن تراني في الدنيا إنما هو تأويل . وأيضا فليس فيه نص الامتناع ، وإنما جاءت في حق ، وحيث تتطرق التأويلات ، وتتسلط الاحتمالات ، فليس للقطع إليه سبيل . أي من سؤالي ما لم تقدره لي . وقد قال أبو بكر الهذلي في قوله : أي ليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلي في الدنيا ، وأنه من نظر إلي مات . وقد رأيت لبعض السلف ، والمتأخرين ما معناه : أن رؤيته - تعالى - في الدنيا ممتنعة ، لضعف تركيب أهل الدنيا وقواهم وكونها متغيرة غرضا للآفات ، والفناء ، فلم تكن لهم قوة على الرؤية ، فإذا كان في الآخرة ، وركبوا تركيبا آخر ، ورزقوا قوى ثابتة باقية ، وأتم أنوار أبصارهم وقلوبهم قووا بها على الرؤية . وقد رأيت نحو هذا لمالك بن أنس - رحمه الله - ، قال : لم ير في الدنيا ، لأنه باق ، ولا يرى الباقي بالفاني ، فإذا كان في الآخرة ، ورزقوا أبصارا باقية رئي الباقي بالباقي . وهذا كلام حسن مليح ، وليس فيه دليل على الاستحالة إلا من حيث ضعف القدرة ، فإذا قوى الله - تعالى - من شاء من عباده ، وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم تمتنع في حقه . وقد تقدم ما ذكر في قوة بصر - صلى الله عليه وسلم - ، ونفوذ إدراكها بقوة إلهية منحها لإدراك ما أدركاه ، ورؤية ما رأياه . والله أعلم . وقد ذكر القاضي أبو بكر في أثناء أجوبته عن الآيتين ما معناه : إن - عليه السلام - رأى الله ، فلذلك خر صعقا ، وأن الجبل رأى ربه فصار دكا بإدراك خلقه الله له ، واستنبط ذلك ، والله أعلم ، من قوله : ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني \[ الأعراف : 143 \] . ثم قال : فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا \[ الأعراف : 143 \] . وتجليه للجبل هو ظهوره له حتى رآه على هذا القول . : شغله بالجبل حتى تجلى ، ولولا ذلك لمات صعقا بلا إفاقة . وقوله هذا يدل على أن رآه . وقد وقع لبعض المفسرين في الجبل أنه رآه ، وبرؤية الجبل له استدل من قال برؤية نبينا له ، إذ جعله دليلا على الجواز . ولا مرية في الجواز ، إذ ليس في الآيات نص بالمنع . وأما وجوبه لنبينا - صلى الله عليه وسلم - ، والقول بأنه رآه بعينه فليس فيه قاطع أيضا ، ولا نص إذ المعول فيه على آيتي \[ النجم \] ، والتنازع فيهما مأثور ، والاحتمال لهما ممكن ، ولا أثر قاطع متواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك . وحديث خبر عن اعتقاده لم يسنده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فيجب العمل باعتقاد مضمنه . ومثله حديث في تفسير الآية . محتمل للتأويل ، وهو مضطرب الإسناد ، والمتن . مختلف محتمل مشكل . فروي : \[ نور أنى أراه وحكى بعض شيوخنا أنه روي \[ نوراني أراه وفي حديثه الآخر : سألته ، فقال : \[ رأيت نورا \] ، وليس يمكن الاحتجاج بواحد منها على صحة الرؤية ، فإن كان الصحيح رأيت نورا فهو قد أخبر أنه لم ير الله ، وإنما رأى نورا منعه ، وحجبه عن رؤية الله . وإلى هذا يرجع قوله : \[ \] أي كيف أراه مع حجاب النور المغشي للبصر ، وهذا مثل باقي الحديث الآخر : حجابه النور . وفي الحديث الآخر : لم أره بعيني ، ولكن رأيته بقلبي مرتين ، وتلا : ثم دنا فتدلى \[ النجم : 8 \] والله قادر على خلق الإدراك الذي في البصر في القلب ، أو كيف شاء ، لا إله غيره . فإن ورد حديث نص بين في الباب اعتقد ووجب المصير إليه ، إذ لا استحالة فيه ، ولا مانع قطعي يرده ، والله الموفق للصواب . الْفَصْلُ الْخَامِسُ : رُؤْيَتُهُ لِرَبِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَطَاءٌ ابْنُ إِسْحَاقَ
ابْنَ عُمَرَ الْحَسَنَ وَالْحَسَنِ ابْنِ عَطَاءٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ مصادر مرتبطة للتحرير/الإثراء: • الملك والعبودية
مناجاته لربه - صلى الله عليه وسلم
يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «مناجاته لربه - صلى الله عليه وسلم». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.
مناجاته لربه - صلى الله عليه وسلم وأما ما ورد في هذه القصة من مناجاته لله - تعالى - ، وكلامه معه بقوله : فأوحى إلى عبده ما أوحى \[ النجم : 10 \] إلى ما تضمنته الأحاديث فأكثر المفسرين على أن الموحي هو الله عز وجل إلى وجبريل إلى - صلى الله عليه وسلم - إلا شذوذا منهم ، فذكر عن جعفر بن محمد الصادق ، قال : أوحى إليه بلا واسطة ، ونحوه عن الواسطي ، وإلى هذا ذهب بعض المتكلمين أن كلم ربه في الإسراء . وحكي عن الأشعري ، وحكوه عن وابن عباس ، وأنكره آخرون . النقاش في قصة الإسراء ، عنه - صلى الله عليه وسلم - في قوله : دنا فتدلى قال : فارقني ، وانقطعت الأصوات عني ، فسمعت كلام ربي ، وهو : يقول ليهدأ روعك يا ، ادن ، ادن . في الإسراء نحو منه . وقد احتجوا في هذا بقوله - تعالى - : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء \[ الشورى : 51 \] ، فقالوا : هي ثلاثة أقسام : من وراء حجاب كتكليم ، وبإرسال الملائكة كحال جميع الأنبياء ، وأكثر أحوال نبينا - صلى الله عليه وسلم - . الثالث : قوله : وحيا ، ولم يبق من تقسيم الكلام إلا المشافهة مع المشاهدة . وقد قيل : الوحي هنا : هو ما يلقيه في قلب النبي دون ، واسطة . وقد ذكر أبو بكر البزار في حديث الإسراء ما هو أوضح في سماع النبي - صلى الله عليه وسلم - لكلام الله من الآية : فذكر فيه : فقال الملك : الله أكبر . الله أكبر فقيل لي من وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا أكبر ، أنا أكبر . وقال في سائر كلمات الأذان مثل ذلك . ويجيء الكلام في مشكل هذين الحديثين في الفصل بعد هذا مع ما يشبهه . وفي أول فصل من الباب منه . وكلام الله - تعالى - - صلى الله عليه وسلم - ، ومن اختصه من أنبيائه ، جائز غير ممتنع عقلا ، ولا ورد في الشرع قاطع يمنعه ، فإن صح في ذلك خبر اعتمد عليه ، وكلامه - تعالى - لموسى كائن حق مقطوع به ، نص ذلك في الكتاب ، وأكده بالمصدر دلالة على الحقيقة ، ورفع مكانه على ما ورد في الحديث : في السماء السابعة بسبب كلامه . ورفع فوق هذا كله حتى بلغ مستوى وسمع صريف الأقلام ، فكيف يستحيل في حق هذا أو يبعد سماع الكلام ، فسبحان من خص من شاء بما شاء ، وجعل بعضهم فوق بعض درجات ! . الْفَصْلُ السَّادِسُ :
الفصل السابع : الدنو ، والقرب
يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «الفصل السابع : الدنو ، والقرب». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.
وأما ما ورد في حديث الإسراء ، وظاهر الآية من الدنو ، والقرب من قوله : دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى \[ النجم : 8 \] فأكثر المفسرين أن الدنو ، والتدلي منقسم ما بين وجبريل - عليهما السلام - ، أو مختص بأحدهما من الآخر ، أو من السدرة المنتهى . الرازي : وقال : هو دنا فتدلى من ربه . وقيل : معنى دنا قرب ، وتدلى زاد في القرب ، وقيل : هما بمعنى ، واحد ، أي قرب . مكي والماوردي - عن : هو الرب دنا من ، فتدلى إليه ، أي أمره ، وحكمه . النقاش ، قال : دنا من عبده - صلى الله عليه وسلم - ، فتدلى ، فقرب منه ، فأراه ما شاء أن يريه من قدرته ، وعظمته . قال : وقال : هو مقدم ، ومؤخر : تدلى الرفرف - صلى الله عليه وسلم - ليلة المعراج ، فجلس عليه ، ثم رفع فدنا من ربه . فارقني ، وانقطعت عني الأصوات ، وسمعت كلام ربي عز وجل . في الصحيح : عرج بي إلى سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة ، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إليه بما شاء ، وأوحى إليه خمسين صلاة . . . وذكر حديث الإسراء . محمد بن كعب دنا من ربه ، فكان كقاب قوسين . : أدناه ربه منه حتى كان منه كقاب قوسين . : والدنو من الله لا حد له ، ومن العباد بالحدود . وقال أيضا : انقطعت الكيفية عن الدنو ، ألا ترى كيف حجب عن دنوه ، ودنا إلى ما أودع قلبه من المعرفة ، والإيمان فتدلى بسكون قلبه إلى ما أدناه ، وزال عن قلبه الشك ، والارتياب . - : اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو ، والقرب هنا من الله ، أو إلى الله - فليس بدنو مكان ولا قرب مدى ، بل كما ذكرنا - عن جعفر الصادق : ليس بدنو حد ، وإنما دنو النبي - صلى الله عليه وسلم - من ربه ، وقربه منه إبانة عظيم منزلته ، وتشريف رتبته ، وإشراق أنوار معرفته ، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته ، ومن الله - تعالى - له مبرة ، وتأنيس وبسط وإكرام ، ويتأول فيه ما يتأول في قوله : ينزل ربنا إلى السماء الدنيا على أحد الوجوه : نزول إفضال ، وإجمال ، وقبول ، وإحسان . الواسطي : من توهم أنه بنفسه جعل ثم مسافة ، بل كلما دنا بنفسه من الحق تدلى بعدا يغني عن درك حقيقته ، إذ لا دنو للحق ، ولا بعد . وقوله : قاب قوسين أو أدنى فمن جعل الضمير عائدا إلى الله ، لا إلى على هذا كان عبارة عن نهاية القرب ، ولطف المحل ، وإيضاح المعرفة ، والإشراف على الحقيقة من - صلى الله عليه وسلم - ، وعبارة عن إجابة الرغبة ، وقضاء المطالب ، وإظهار التحفي وإنافة المنزل ، والمرتبة من الله له . ويتأول فيه ما يتأول في قوله : من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة قرب بالإجابة والقبول ، وإتيان بالإحسان وتعجيل المأمول . الْفَصْلُ السَّابِعُ : الدُّنُوُّ ، وَالْقُرْبُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ
الفصل الثامن : في ذكر
يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «الفصل الثامن : في ذكر». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.
تفضيله - صلى الله عليه وسلم - في القيامة بخصوص الكرامة القاضي أبو علي وأبو الحسين أبو يعلى السنجي ابن محبوب الترمذي الحسين بن يزيد الكوفي عبد السلام بن حرب ليث الربيع بن أنس - رضي الله عنه - ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا ، وأنا خطيبهم إذا ، وفدوا ، وأنا مبشرهم إذا أيسوا ، لواء الحمد بيدي ، وأنا أكرم ولد على ربي ، ولا فخر . ابن زخر - في لفظ هذا الحديث : أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا ، وأنا قائدهم إذا وفدوا ، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا ، وأنا شفيعهم إذا حبسوا ، وأنا مبشرهم إذا أبلسوا ، لواء الكرم بيدي ، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ، ولا فخر ، ويطوف علي ألف خادم كأنهم لؤلؤ مكنون . وأكسى حلة من حلل الجنة ، ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري . أبي سعيد ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أنا سيد ولد يوم القيامة ، وبيدي لواء الحمد ، ولا فخر ، وما نبي يومئذ ، آدم فمن سواه ، إلا تحت لوائي ، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ، ولا فخر . ، عنه - صلى الله عليه وسلم - : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأول من ينشق عنه القبر ، وأول شافع ، وأول مشفع . - رضي الله عنهما - : أنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ، ولا فخر ، وأنا أول شافع ، وأنا أول مشفع ، ولا فخر ، وأنا أول من يحرك حلق الجنة ، فيفتح لي فأدخلها ، ومعي فقراء المؤمنين ، ولا فخر ، وأنا أكرم الأولين ، والآخرين ، ولا فخر . أنا أول الناس يشفع في الجنة ، وأنا أكثر الناس تبعا . - رضي الله عنه - ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنا سيد الناس يوم القيامة ، وتدرون بم ذلك ؟ يجمع الله الأولين ، والآخرين ، وذكر حديث الشفاعة . - رضي الله عنه - أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : أطمع أن أكون أعظم الأنبياء أجرا يوم القيامة . أما ترضون أن يكون وعيسى فيكم يوم القيامة ثم قال إنهما في أمتي يوم القيامة ، أما فيقول : أنت دعوتي ، وذريتي ، فاجعلني من أمتك . وأما فالأنبياء إخوة بنو علات ، أمهاتهم شتى ، وإن أخي ليس بيني ، وبينه نبي ، وأنا أولى الناس به . قوله : أنا سيد الناس يوم القيامة : هو سيدهم في الدنيا ، ويوم القيامة . ولكن أشار - صلى الله عليه وسلم - لانفراده فيه بالسؤدد ، والشفاعة دون غيره ، إذ لجأ الناس إليه في ذلك ، فلم يجدوا سواه . والسيد : هو الذي يلجأ الناس إليه في حوائجهم ، فكان حينئذ سيدا منفردا من بين البشر ، لم يزاحمه أحد في ذلك ، ولا ادعاه ، كما قال - تعالى - : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار \[ غافر : 16 \] . والملك له - تعالى - في الدنيا والآخرة ، لكن في الآخرة انقطعت دعوى المدعين لذلك في الدنيا . وكذلك لجأ إلى - صلى الله عليه وسلم - جميع الناس في الشفاعة ، فكان سيدهم في الأخرى دون دعوى . - رضي الله عنه - ، قال : قال رسول الله : آتي باب الجنة يوم القيامة ، فأستفتح فيقول الخازن : من أنت ؟ فأقول : . فيقول : بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك . عبد الله بن عمرو : قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حوضي مسيرة شهر ، وزواياه سواء ، وماؤه أبيض من الورق ، وريحه أطيب من المسك ، كيزانه كنجوم السماء ، من شرب منه لم يظمأ أبدا . أبي ذر نحوه ، وقال : طوله ما بين عمان إلى أيلة ، يشخب فيه ميزابان من الجنة . ثوبان مثله ، وقال : أحدهما من ذهب ، والآخر من ورق حارثة بن وهب كما بين وصنعاء الكوفة والحجر الأسود وروى حديث الحوض أيضا وجابر بن سمرة وابن عمر وعقبة بن عامر وحارثة بن وهب الخزاعي والمستورد وأبو برزة الأسلمي وحذيفة بن اليمان وأبو أمامة وزيد بن أرقم وابن مسعود وعبد الله بن زيد وسهل بن سعد وسويد بن جبلة وأبو بكر وعمر بن الخطاب وابن بريدة وأبو سعيد الخدري وعبد الله الصنابحي وأبو هريرة والبراء وجندب وعائشة وأسماء بنتا أبي بكر وأبو بكرة وخولة بنت قيس ، وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين .
الْفَصْلُ الثَّامِنُ : فِي ذِكْرِ
تفضيله - صلى الله عليه وسلم
يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «تفضيله - صلى الله عليه وسلم». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.
تفضيله - صلى الله عليه وسلم - في تفضيله بالمحبة ، والخلة : جاءت بذلك الآثار الصحيحة ، واختص على ألسنة المسلمين بحبيب الله . \[ أخبرنا أبو القاسم بن إبراهيم الخطيب ، وغيره ، عن كريمة بنت أحمد أبو الهيثم ، وحدثنا حسين بن محمد الحافظ سماعا عليه . القاضي أبو الوليد عبد بن أحمد أبو عبد الله محمد بن يوسف محمد بن إسماعيل عبد الله بن محمد أبو عامر فليح أبو النضر بسر بن سعيد أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر وفي حديث آخر وإن صاحبكم خليل الله . ومن طريق وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا . ، قال : جلس ناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ينتظرونه ، قال : فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون ، فسمع حديثهم ، فقال بعضهم : عجبا ! إن الله اتخذ من خلقه خليلا وقال آخر : ماذا بأعجب من كلام ، كلمه الله تكليما . وقال آخر : فعيسى كلمة الله ، وروحه . وآدم اصطفاه الله . فخرج عليهم فسلم ، وقال : قد سمعت كلامكم ، وعجبكم ، أن الله - تعالى - اتخذ خليلا ، وهو كذلك ، وموسى نجي الله ، وهو كذلك ، ألا وأنا حبيب الله ، ولا فخر ، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أول شافع ، وأول مشفع ، ولا فخر ، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها ، ومعي فقراء المؤمنين ، ولا فخر ، وأنا أكرم الأولين والآخرين ، ولا فخر - رضي الله عنه - من قول الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : إني اتخذتك خليلا ، فهو مكتوب في التوراة : أنت حبيب الرحمن . وفقه الله : اختلف في تفسير الخلة ، وأصل اشتقاقها ، فقيل : الخليل : المنقطع إلى الله الذي ليس في انقطاعه إليه ، ومحبته له اختلال . وقيل : الخليل المختص ، واختار هذا القول غير واحد . وقال بعضهم : أصل الخلة الاستصفاء : وسمي خليل الله ، لأنه يوالي فيه ، ويعادي فيه ، وخلة الله له نصره ، وجعله إماما لمن بعده . وقيل : الخليل : أصله الفقير المحتاج المنقطع ، مأخوذ من الخلة ، وهي الحاجة ، فسمي بها ، لأنه قصر حاجته على ربه ، وانقطع إليه بهمه ، ولم يجعله قبل غيره ، إذ جاءه ، وهو في المنجنيق ، ليرمى به في النار ، فقال : ألك حاجة ؟ قال : أما إليك فلا . أبو بكر بن فورك الخلة : صفاء المودة التي توجب الاختصاص بتخلل الأسرار . وقال بعضهم : أصل الخلة المحبة ، ومعناها الإسعاف ، والإلطاف ، والترفيع ، والتشفيع ، وقد بين ذلك في كتابه - تعالى - بقوله : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم \[ المائدة : 18 \] . فأوجب للمحبوب أن لا يؤاخذ بذنوبه . قال هذا والخلة أقوى من النبوة ، لأن النبوة قد تكون فيها العداوة ، كما قال - تعالى - : إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم \[ التغابن : 14 \] الآية . ولا يصح أن تكون عداوة مع خلة ، فإذا تسمية ومحمد - عليهما السلام - بالخلة إما بانقطاعهما إلى الله ، ووقف حوائجهما عليه ، والانقطاع عمن دونه ، والإضراب عن الوسائط ، والأسباب ، أو لزيادة الاختصاص منه - تعالى - لهما ، وخفي ألطافه عندهما ، وما خالل بواطنهما من أسرار إلهيته ، ومكنون غيوبه ، ومعرفته ، أو لاستصفائه لهما ، واستصفاء قلوبهما عمن سواه ، حتى لم يخاللهما حب لغيره ، ولهذا قال بعضهم : الخليل من لا يتسع قلبه لسواه ، وهو عندهم معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت خليلا ، لكن أخوة الإسلام . واختلف العلماء أرباب القلوب : أيهما أرفع درجة : الخلة أو درجة المحبة ؟ فجعلهما بعضهم سواء فلا يكون الحبيب إلا خليلا ، ولا الخليل إلا حبيبا لكنه خص بالخلة ، ومحمدا بالمحبة . وبعضهم قال : درجة الخلة أرفع ، واحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم - : لو كنت متخذا خليلا غير ربي عز وجل فلم يتخذه . وقد أطلق المحبة لفاطمة ، وابنيها ، وأسامة ، وغيرهم . وأكثرهم جعل المحبة أرفع من الخلة ، لأن درجة الحبيب نبينا أرفع من درجة الخليل وأصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب ، ولكن هذا في حق من يصح الميل منه ، والانتفاع بالوفق ، وهي درجة المخلوق ، فأما الخالق جل جلاله فمنزه عن الأغراض ، فمحبته لعبده تمكينه من سعادته ، وعصمته ، وتوفيقه ، وتهيئة أسباب القرب ، وإفاضة رحمته عليه ، وقصواها كشف الحجب عن قلبه حتى يراه بقلبه ، وينظر إليه ببصيرته ، فيكون كما قال في الحديث : &;
فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ولا ينبغي أن يفهم من هذا سوى التجرد لله ، والانقطاع إلى الله ، والإعراض عن غير الله ، وصفاء القلب لله ، وإخلاص الحركات لله ، كما قالت كان خلقه القرآن برضاه يرضى ، وبسخطه يسخط ، ومن هذا عبر بعضهم عن الخلة بقوله : قد تخللت مسلك الروح مني ، وبذا سمي الخليل خليلا فإذا ما نطقت كنت حديثي ، وإذا ما سكت كنت الغليلا فإذا مزية الخلة ، وخصوصية المحبة حاصلة لنبينا - صلى الله عليه وسلم - بما دلت عليه الآثار الصحيحة المنتشرة ، المتلقاة بالقبول من الأمة ، وكفى بقوله - تعالى - : قل إن كنتم تحبون الله \[ آل عمران : 31 \] الآية . حكى أهل التفسير أن هذه الآية لما نزلت قال الكفار : إنما يريد أن نتخذه حنانا كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم ، فأنزل الله غيظا لهم ، ورغما على مقالتهم هذه الآية : قل أطيعوا الله والرسول \[ آل عمران : 32 \] ، فزاده شرفا بأمرهم بطاعته ، وقرنها بطاعته ، ثم توعدهم على التولي عنه بقوله : فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين \[ آل عمران : 32 \] . وقد نقل الإمام عن بعض المتكلمين كلاما في الفرق بين المحبة ، والخلة يطول جملة إشاراته إلى تفضيل مقام المحبة على الخلة ، ونحن نذكر منه طرفا يهدي إلى ما بعده . فمن ذلك قولهم : الخليل يصل بالواسطة ، من قوله - تعالى - : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض \[ الأنعام : 75 \] . والحبيب يصل إليه به من قوله : فكان قاب قوسين أو أدنى \[ النجم : 9 \] . وقيل : الخليل : الذي تكون مغفرته في حد الطمع ، من قوله : والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي \[ الشعراء : 82 \] . والحبيب الذي مغفرته في حد اليقين من قوله : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر \[ الفتح : 2 \] الآية . والخليل قال : ولا تخزني يوم يبعثون \[ الشعراء : 87 \] والحبيب قيل له : يوم لا يخزي الله النبي \[ التحريم : 8 \] . فابتدئ بالبشارة قبل السؤال . والخليل قال في المحنة : حسبي الله \[ الزمر : 38 \] . والحبيب قيل له : ياأيها النبي حسبك الله \[ الأنفال : 64 \] . واجعل لي لسان صدق في الآخرين \[ الشعراء : 84 \] . والحبيب قيل له : ورفعنا لك ذكرك \[ الشرح : 4 \] ، أعطي بلا سؤال . واجنبني وبني أن نعبد الأصنام \[ إبراهيم : 35 \] . إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت \[ الأحزاب : 33 \] وفيما ذكرناه تنبيه على مقصد أصحاب هذا المقال من تفضيل المقامات ، والأحوال ، و قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا \[ الإسراء : 84 \] . الْفَصْلُ التَّاسِعُ : فِي
يخرج القارئ من هذا البناء بصورة أوسع من مجرد رحلة خارقة: الإسراء والمعراج في «الشفا» واقعة تؤكد قدرة الله، وتثبت خصوصية الرسول، وتجمع بين النص القرآني والخبر النبوي، وتفتح بابًا لفهم معنى القرب دون تجاوز ما يثبته الدليل. ومن قوة معالجة القاضي عياض أنه يعرض الوجوه المختلفة ولا يجعل الغموض سببًا لإلغاء أصل الخبر، كما لا يجعل عظمة الخبر ذريعة إلى محو الفروق بين النصوص. وهكذا يبقى مركز المقال هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رسولًا مكرمًا، أُري من آيات ربه الكبرى، وعاد إلى أمته بتكليف يتجدد في الصلاة والهداية والبلاغ.
المصدر: القاضي عياض، «الشفا بتعريف حقوق المصطفى».























