موقع النورموقع النورنسير بنور النور
موقع النورنسير بنور النور
مقال

القرآن معجزة الرسالة الخالدة: النظم والغيب والتحدي والبقاء

المصدر الرئيس: القاضي عياض، الشفا بتعريف حقوق المصطفى.

يبلغ حديث «الشفا» عن دلائل الرسالة ذروة خاصة عندما يقف عند القرآن. فالقاضي عياض يبدأ من معنى النبوة والرسالة وما يثبت صدق النبي، ثم يعرّف وجه المعجزة، ويفتح أبواب إعجاز الكتاب العزيز: نظمه وأسلوبه، ما أخبر به من الغيب، ما قصه من أخبار الأمم السالفة، التحدي الذي واجه به أهل اللسان، الأثر الذي يحدثه في السمع والقلب، ثم بقاء حجته عبر الزمن. هذا الترتيب مهم؛ لأنه يمنع اختزال الإعجاز في ملمح لغوي واحد، كما يمنع تحويله إلى دعوى عامة لا تقوم على وجوه محددة. فالقرآن عند القاضي عياض معجزة من حيث تركيبه وبيانه، ومن حيث أخباره وصدق ما أنبأ به، ومن حيث عجز الخصوم عن معارضته، ومن حيث استمرار حضوره محفوظًا متلوًا. ويصبح الكتاب بذلك الدليل الملازم للرسالة لا حدثًا انتهى بانتهاء زمنه. هذه المقالة تستعيد هذا البناء بوصفه مقالًا واحدًا متصلًا في معنى القرآن معجزةً باقيةً لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتوضح كيف تتضافر الوجوه المختلفة لتكوين حجة الرسالة.

النبوة ، والرسالة

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «النبوة ، والرسالة». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

النبوة ، والرسالة اعلم أن الله جل اسمه قادر على خلق المعرفة في قلوب عباده ، والعلم بذاته ، وأسمائه ، وصفاته ، وجميع تكليفاته ابتداء دون واسطة لو شاء ، كما حكي عن سنته في بعض الأنبياء ، وذكره بعض أهل التفسير في قوله تعالى : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا \[ الشورى : 51 \] . وجائز أن يوصل إليهم جميع ذلك بواسطة تبلغهم كلامه ، وتكون تلك الواسطة ، إما من غير البشر ، كالملائكة مع الأنبياء ، أو من جنسهم ، كالأنبياء مع الأمم ، ولا مانع لهذا من دليل العقل . وإذا جاز هذا ولم يستحل ، وجاءت الرسل بما دل على صدقهم من معجزاته ، وجب تصديقهم في جميع ما أتوا به ، لأن المعجزة مع التحدي من النبي - صلى الله عليه وسلم - قائم مقام قول الله : صدق عبدي فأطيعوه ، واتبعوه ، وشاهد على صدقه فيما يقوله ، وهذا كاف . والتطويل فيه خارج عن الغرض ، فمن أراد تتبعه وجده مستوفى في مصنفات أئمتنا رحمهم الله . فالنبوة في لغة من همز مأخوذة من النبأ ، وهو الخبر ، وقد لا تهمز على هذا التأويل تسهيلا . والمعنى أن الله - تعالى - أطلعه على غيبه ، وأعلمه أنه نبيه ، فيكون نبي منبأ فعيل بمعنى مفعول ، أو يكون مخبرا عما بعثه الله - تعالى - به ، ومنبئا بما أطلعه الله عليه فعيل بمعنى فاعل ، ويكون عند من لم يهمزه من النبوة ، وهو ما ارتفع من الأرض ، ومعناه أن له رتبة شريفة ، ومكانة نبيهة عند مولاه منيفة ، فالوصفان في حقه مؤتلفان . الرسول فهو المرسل ، ولم يأت فعول بمعنى مفعل في اللغة إلا نادرا ، وإرساله : أمر الله له بالإبلاغ إلى من أرسله إليه ، واشتقاقه من التتابع ، ومنه قولهم : جاء الناس أرسالا ، إذا اتبع بعضهم بعضا ، فكأنه ألزم تكرير التبليغ ، أو ألزمت الأمة اتباعه . واختلف العلماء : هل النبي ، والرسول بمعنى ، أو بمعنيين ؟ فقيل : هما سواء ، وأصله من الإنباء ، وهو الإعلام ، واستدلوا بقوله - تعالى - : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي \[ الحج : 52 \] ، فقد أثبت لهما معا الإرسال ، قال : ولا يكون النبي إلا رسولا ، ولا الرسول إلا نبيا . وقيل : هما مفترقان من وجه ، إذ قد اجتمعا في النبوة التي هي الاطلاع على الغيب ، والإعلام بخواص النبوة ، أو الرفعة لمعرفة ذلك ، وحوز درجتها ، وافترقا في زيادة الرسالة للرسول ، هو الأمر بالإنذار ، والإعلام كما قلنا . وحجتهم من الآية نفسها التفريق بين الاسمين ، ولو كانا شيئا واحدا لما حسن تكرارهما في الكلام البليغ ، قالوا : والمعنى : وما أرسلنا من رسول إلى أمة أو نبي وليس بمرسل إلى أحد . وقد ذهب بعضهم إلى أن الرسول من جاء بشرع مبتدأ ، ومن لم يأت به نبي غير رسول ، وإن أمر بالإبلاغ ، والإنذار . والصحيح ، والذي عليه الجماء الغفير ، أن كل رسول نبي ، وليس كل نبي رسولا . وأول الرسل ، وآخرهم أبي ذر إن الأنبياء مائة ألف ، وأربعة وعشرون ألف نبي وذكر أن الرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر ، أولهم - عليه السلام - . فقد بان لك معنى النبوة ، والرسالة ، وليستا عند المحققين ذاتا للنبي ، ولا وصف ذات ، خلافا للكرامية في تطويل لهم وتهويل ليس عليه تعويل . الوحي فأصله الإسراع ، فلما كان النبي يتلقى ما يأتيه من ربه بعجل سمي وحيا ، وسميت أنواع الإلهامات وحيا ، تشبيها بالوحي إلى النبي ، وسمي الخط وحيا لسرعة حركة يد كاتبه ، ووحي الحاجب واللحظ سرعة إشارتهما ، ومنه قوله - تعالى - : فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا \[ مريم : 11 \] ، أي أومأ ، ورمز ، وقيل : كتب ، ومنه قولهم : الوحا الوحا ، أي السرعة السرعة . وقيل أصل الوحي السر والإخفاء ، ومنه سمي الإلهام وحيا ، ومنه : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم \[ الأنعام : 121 \] ، أي يوسوسون في صدورهم ، ومنه قوله : وأوحينا إلى أم موسى \[ القصص : 7 \] ، أي ألقي في قلبها . وقد قيل ذلك في قوله - تعالى - : \[ الشورى : 51 \] ، أي ما يلقيه في قلبه دون واسطة . الْفَصْلُ الثَّانِي : بَيْنَ آدَمُ مصادر مرتبطة للتحرير/الإثراء: • السلام وسلامة العالم

اعلم أن تسميتنا ما جاءت به الأنبياء معجزة ، هو أن الخلق عجزوا عن الإتيان بمثلها ، وهي على ضربين : ضرب هو من...

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «اعلم أن تسميتنا ما جاءت به الأنبياء معجزة ، هو أن الخلق عجزوا عن الإتيان بمثلها ، وهي على ضربين : ضرب هو من...». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

معنى المعجزات اعلم أن تسميتنا ما جاءت به الأنبياء معجزة ، هو أن الخلق عجزوا عن الإتيان بمثلها ، وهي على ضربين : ضرب هو من نوع قدرة البشر ، فعجزوا عنه ، فتعجيزهم عنه فعل لله دل على صدق نبيه ، كصرفهم عن تمني الموت . وتعجيزهم عن الإتيان بمثل القرآن على رأي بعضهم ، ونحوه . وضرب هو خارج عن قدرته ، فلم يقدروا على الإتيان بمثله ، كإحياء الموتى ، وقلب العصا حية ، وإخراج ناقة من صخرة ، وكلام شجرة ، ونبع الماء من الأصابع ، وانشقاق القمر ، مما لا يمكن أن يفعله أحد إلا الله ، فكون ذلك على يد النبي - صلى الله عليه وسلم - من فعل الله - تعالى - ، وتحديه من يكذبه أن يأتي بمثله تعجيز له . واعلم أن المعجزات التي ظهرت على يد نبينا - صلى الله عليه وسلم - ودلائل نبوته ، وبراهين صدقه من هذين النوعين معا ، وهو أكثر الرسل معجزة ، وأبهرهم آية ، وأظهرهم برهانا ، كما سنبينه ، وهي في كثرتها لا يحيط بها ضبط ، فإن واحدا منها ، وهو القرآن لا يحصى عدد معجزاته بألف ، ولا ألفين ، ولا أكثر ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد تحدى بسورة منه فعجز عنها . قال أهل العلم : وأقصر السور إنا أعطيناك الكوثر \[ الكوثر : 1 \] . فكل آية ، أو آيات منه بعددها ، وقدرها معجزة ، ثم فيها نفسها معجزات على ما سنفصله فيما انطوى عليه من المعجزات . ثم معجزاته - صلى الله عليه وسلم - على قسمين : قسم منها علم قطعا ، ونقل إلينا متواترا كالقرآن فلا مرية ، ولا خلاف بمجيء النبي به ، وظهوره من قبله ، واستدلاله بحجته ، وإن أنكر هذا معاند جاحد ، فهو كإنكاره وجود - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا . وإنما جاء اعتراض الجاحدين في الحجة به ، فهو في نفسه ، وجميع ما تضمنه من معجز معلوم ضرورة . ووجه إعجازه معلوم ضرورة ، ونظرا ، كما سنشرحه . قال بعض أئمتنا : ويجري هذا المجرى على الجملة أنه قد جرى على يديه - صلى الله عليه وسلم - آيات ، وخوارق عادات إن لم يبلغ واحد منها معينا القطع فيبلغه جميعها ، فلا مرية في جريان معانيها على يديه ، ولا يختلف مؤمن ولا كافر أنه جرت على يديه عجائب ، وإنما خلاف المعاند في كونها من قبل الله . وقد قدمنا كونها من قبل الله ، وإن ذلك بمثابة قوله : صدقت . فقد علم وقوع مثل هذا أيضا من نبينا ضرورة لاتفاق معانيها ، كما يعلم ضرورة جود حاتم ، وشجاعة عنترة ، وحلم أحنف ، لاتفاق الأخبار الواردة عن كل واحد منهم على كرم هذا ، وشجاعة هذا ، وحلم هذا ، وإن كان كل خبر بنفسه لا يوجب العلم ، ولا يقطع بصحته . والقسم الثاني : ما لم يبلغ مبلغ الضرورة ، والقطع ، وهو على نوعين : نوع مشتهر منتشر ، رواه العدد ، وشاع الخبر به عند المحدثين ، والرواة ، ونقلة السير ، والأخبار ، كنبع الماء من بين الأصابع ، وتكثير الطعام . ونوع منه اختص به الواحد ، والاثنان ، ورواه العدد اليسير ، ولم يشتهر اشتهار غيره ، لكنه إذا جمع إلى مثله اتفقا في المعنى ، واجتمعا على الإتيان بالمعجز ، كما قدمناه . : وأنا أقول صدعا بالحق : إن كثيرا من هذه الآيات المأثورة عنه - صلى الله عليه وسلم - معلومة بالقطع . أما انشقاق القمر فالقرآن نص بوقوعه ، وأخبر عن وجوده ، ولا يعدل عن ظاهر إلا بدليل ، وجاء برفع احتماله صحيح الأخبار من طرق كثيرة ، ولا يوهن عزمنا خلاف أخرق منحل عرى الدين ، ولا يلتفت إلى سخافة مبتدع يلقي الشك على قلوب ضعفاء المؤمنين ، بل يرغم بهذا أنفه ، وننبذ بالعراء سخفه . وكذلك قصة نبع الماء ، وتكثير الطعام رواها الثقات ، والعدد الكثير عن الجماء الغفير ، عن العدد الكثير من الصحابة . ومنها ما رواه الكافة عن الكافة متصلا عمن حدث بها من جملة الصحابة ، وأخيارهم أن ذلك كان في موطن اجتماع الكثير منهم في يوم الخندق ، وفي غزوة بواط ، وعمرة الحديبية ، وغزوة تبوك ، وأمثالها من محافل المسلمين ، ومجمع العساكر ، ولم يؤثر عن أحد من الصحابة مخالفة للراوي فيما حكاه ، ولا إنكار لما ذكر عنهم أنهم رأوه كما رآه ، فسكوت الساكت منهم كنطق الناطق ، إذ هم المنزهون عن السكوت على باطل ، والمداهنة في كذب ، وليس هناك رغبة ، ولا رهبة تمنعهم ، ولو كان ما سمعوه منكرا عندهم ، وغير معروف لديهم لأنكروه ، كما أنكر بعضهم على بعض أشياء رواها من السنن ، والسير ، وحروف القرآن . وخطأ بعضهم بعضا ، ووهمه في ذلك ، مما هو معلوم ، فهذا النوع كله يلحق بالقطعي من معجزاته لما بيناه .

وأيضا فإن أمثال الأخبار التي لا أصل لها ، وبنيت على باطل ، لا بد بعد مرور الأزمان وتداول الناس ، وأهل البحث من انكشاف ضعفها ، وخمول ذكرها ، كما يشاهد في كثير من الأخبار الكاذبة ، والأراجيف الطارئة . وأعلام نبينا - صلى الله عليه وسلم - هذه الواردة من طريق الآحاد لا تزداد مع مرور الزمان إلا ظهورا ، ومع تداول الفرق ، وكثرة طعن العدو ، وحرصه على توهينها ، وتضعيف أصلها ، واجتهاد الملحد على إطفاء نورها إلا قوة ، وقبولا ، وللطاعنين عليها إلا حسرة ، وغليلا . وكذلك إخباره عن الغيوب ، وإنباؤه بما يكون وكان معلوم من آياته على الجملة بالضرورة . وهذا حق لا غطاء عليه ، وقد قال به من أئمتنا القاضي ، والأستاذ ، وغيرهما ، رحمهم الله ، وما عندي أوجب قول القائل : إن هذه القصص المشهورة من باب خبر الواحد إلا قلة مطالعته للأخبار ، وروايتها ، وشغله بغير ذلك من المعارف ، وإلا فمن اعتنى بطرق النقل ، وطالع الأحاديث ، والسير لم يرتب في صحة هذه القصص المشهورة على الوجه الذي ذكرناه . ولا يبعد أن يحصل العلم بالتواتر عند واحد ، ولا يحصل عند آخر ، فإن أكثر الناس يعلمون بالخبر كون بغداد موجودة ، وأنها مدينة عظيمة ، ودار الإمامة ، والخلافة ، وآحاد من الناس لا يعلمون اسمها ، فضلا عن وصفها ، وهكذا يعلم الفقهاء من أصحاب مالك بالضرورة ، وتواتر النقل عنه أن مذهبه إيجاب قراءة أم القرآن في الصلاة للمنفرد ، والإمام ، وإجزاء النية في أول ليلة من رمضان عما سواه ، وأن الشافعي يرى تجديد النية كل ليلة ، والاقتصار في المسح على بعض الرأس ، وإن مذهبهما القصاص في القتل بالمحدد ، وغيره ، وإيجاب النية في الوضوء ، واشتراط الولي في النكاح وأن أبا حنيفة يخالفهما في هذه المسائل ، وغيرهم ممن لم يشتغل بمذاهبهم ، ولا روى أقوالهم لا يعرف هذا من مذاهبهم فضلا عمن سواه . وعند ذكرنا آحاد هذه المعجزات نزيد الكلام فيها بيانا إن شاء الله - تعالى - . الْفَصْلُ الثَّالِثُ : فِي مصادر مرتبطة للتحرير/الإثراء: • السلام وسلامة العالم

اعلم - وفقنا الله وإياك - أن كتاب الله العزيز منطو على وجوه من الإعجاز كثيرة ، وتحصيلها من جهة ضبط أنواعها ...

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «اعلم - وفقنا الله وإياك - أن كتاب الله العزيز منطو على وجوه من الإعجاز كثيرة ، وتحصيلها من جهة ضبط أنواعها ...». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

إعجاز القرآن اعلم - وفقنا الله وإياك - أن كتاب الله العزيز منطو على وجوه من الإعجاز كثيرة ، وتحصيلها من جهة ضبط أنواعها في أربعة وجوه : أولها : حسن تأليفه ، والتئام كلمه ، وفصاحته ، ووجوه إيجازه ، وبلاغته الخارقة عادة العرب ، وذلك أنهم كانوا أرباب هذا الشأن ، وفرسان الكلام ، قد خصوا من البلاغة ، والحكم بما لم يخص به غيرهم من الأمم ، وأوتوا من ذرابة اللسان ما لم يؤت إنسان ومن فصل الخطاب ما يقيد الألباب جعل الله لهم ذلك طبعا ، وخلقة ، وفيهم غريزة ، وقوة ، يأتون منه على البديهة بالعجب ، ويدلون به إلى كل سبب ، فيخطبون بديها في المقامات ، وشديد الخطب ، ويرتجزون به بين الطعن ، والضرب ، ويمدحون ، ويقدحون ، ويتوسلون ، ويتوصلون ، ويرفعون ، ويضعون ، فيأتون من ذلك بالسحر الحلال ، ويطوقون من أوصافهم أجمل من سمط اللآل ، فيخدعون الألباب ، ويذللون الصعاب ، ويذهبون الإحن ، ويهيجون الدمن ، ويجرئون الجبان ويبسطون يد الجعد البنان ويصيرون الناقص كاملا ، ويتركون النبيه خاملا . منهم البدوي ذو اللفظ الجزل ، والقول الفصل ، والكلام الفخم ، والطبع الجوهري ، والمنزع القوي . ومنهم الحضري ذو البلاغة البارعة ، والألفاظ الناصعة ، والكلمات الجامعة ، والطبع السهل ، والتصرف في القول القليل الكلفة ، الكثير الرونق ، الرقيق الحاشية . وكلا البابين لهما في البلاغة الحجة البالغة ، والقوة الدامغة ، والقدح الفالج ، والمهيع الناهج ، لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم ، والبلاغة ملك قيادهم ، قد حووا فنونها ، واستنبطوا عيونها ، ودخلوا من كل باب من أبوابها ، وعلوا صرحا لبلوغ أسبابها ، فقالوا في الخطير والمهين ، وتفننوا في الغث والسمين ، وتقاولوا في القل والكثر ، وتساجلوا في النظم والنثر ، فما راعهم إلا رسول كريم ، بكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد \[ فصلت : 42 \] أحكمت آياته وفصلت كلماته ، وبهرت بلاغته العقول ، وظهرت فصاحته على كل مقول ، وتظافر إيجازه ، وإعجازه ، وتظاهرت حقيقته ، ومجازه ، وتبارت في الحسن مطالعه ، ومقاطعه ، وحوت كل البيان جوامعه ، وبدائعه ، واعتدل مع إيجازه حسن نظمه ، وانطبق على كثرة فوائده مختار لفظه ، وهم أفسح ما كانوا في هذا الباب مجالا ، وأشهر في الخطابة رجالا ، وأكثر في السجع ، والشعر سجالا ، وأوسع في الغريب واللغة مقالا ، بلغتهم التي بها يتحاورون ، ومنازعهم التي عنها يتفاضلون ، صارخا بهم في كل حين ، ومقرعا لهم بضعا وعشرين عاما على رءوس الملإ أجمعين : أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين \[ يونس : 38 \] . وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله \[ البقرة : 23 \] - إلى قوله - : ولن تفعلوا \[ البقرة : 24 \] . و قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن \[ الإسراء : 88 \] الآية . و قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات \[ هود : 13 \] . وذلك أن المفترى أسهل ، ووضع الباطل والمختلق على الاختيار أقرب ، واللفظ إذا تبع المعنى الصحيح كان أصعب ، ولهذا قيل : فلان يكتب كما يقال له ، وفلان يكتب كما يريد . وللأول على الثاني فضل ، وبينهما شأو بعيد . فلم يزل يقرعهم - صلى الله عليه وسلم - أشد التقريع ، ويوبخهم غاية التوبيخ ، ويسفه أحلامهم ، ويحط أعلامهم ، ويشتت نظامهم ، ويذم آلهتهم ، وآباءهم ، ويستبيح أرضهم ، وديارهم ، وأموالهم ، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته ، محجمون عن مماثلته ، يخادعون أنفسهم بالتشغيب ، والتكذيب ، والإغراء بالافتراء ، وقولهم : إن هذا إلا قول البشر إن هذا إلا سحر يؤثر سحر مستمر إفك افتراه أساطير الأولين والمباهتة ، والرضا بالدنيئة ، كقولهم : قلوبنا غلف و في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب \[ فصلت : 5 \] . لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون \[ فصلت : 26 \] . والادعاء مع العجز بقولهم : لو نشاء لقلنا مثل هذا \[ الأنفال : 31 \] . وقد قال لهم الله : فما فعلوا ، ولا قدروا . ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمسيلمة كشف عواره لجميعهم ، وسلبهم الله ما ألفوه من فصيح كلامهم ، وإلا فلم يخف على أهل الميز منهم أنه ليس من نمط فصاحتهم ، ولا جنس بلاغتهم ، بل ولوا عنه مدبرين ، وأتوا مذعنين من بين مهتد ، وبين مفتون .

ولهذا لما سمع الوليد بن المغيرة من النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن الله يأمر بالعدل والإحسان \[ النحل : 90 \] الآية . قال : والله إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أسفله لمغدق ، وإن أعلاه لمثمر ، ما يقول هذا بشر . أبو عبيد أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ : فاصدع بما تؤمر \[ الحجر : 94 \] فسجد ، وقال : سجدت لفصاحته . وسمع آخر رجلا يقرأ : فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا \[ يوسف : 80 \] . فقال : أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام . وحكي أن - رضي الله عنه - كان يوما نائما في المسجد فإذا هو بقائم على رأسه يتشهد شهادة الحق ، فاستخبره ، فأعلمه أنه من بطارقة الروم ممن يحسن كلام العرب ، وغيرها ، وأنه سمع رجلا من أسرى المسلمين يقرأ آية من كتابكم فتأملتها ، فإذا قد جمع فيها ما أنزل على عيسى ابن مريم من أحوال الدنيا ، والآخرة ، وهي قوله : ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه \[ النور : 52 \] الآية . الأصمعي أنه سمع كلام جارية ، فقال لها : قاتلك الله ما أفصحك ! فقالت : أويعد هذا فصاحة بعد قول الله - تعالى - وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه \[ القصص : 7 \] ، فجمع في آية واحدة بين أمرين ، ونهيين ، وخبرين ، وبشارتين . فهذا نوع من إعجازه منفرد بذاته ، غير مضاف إلى غيره على التحقيق ، والصحيح من القولين . وكون القرآن من قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأنه أتى به معلوم ضرورة ، وكونه - صلى الله عليه وسلم - متحديا به معلوم ضرورة ، وعجز العرب عن الإتيان به معلوم ضرورة ، وكونه في فصاحته خارقا للعادة معلوم ضرورة للعالمين بالفصاحة ، ووجوه البلاغة ، وسبيل من ليس من أهلها علم ذلك بعجز المنكرين من أهلها عن معارضته ، واعتراف المقرين بإعجاز بلاغته . وأنت إذا تأملت قوله - تعالى - : ولكم في القصاص حياة \[ البقرة : 179 \] . وقوله : ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب \[ سبإ : 51 \] . وقوله : ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم \[ فصلت : 34 \] الآية . وقوله : وقيل ياأرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي \[ هود : 44 \] الآية . وقوله : فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا \[ العنكبوت : 40 \] الآية . وأشباهها من الآي ، بل أكثر القرآن حققت ما بينته من إيجاز ألفاظها ، وكثرة معانيها ، وديباجة عبارتها ، وحسن تأليف حروفها ، وتلاؤم كلمها ، وأن تحت كل لفظة منها جملا كثيرة ، وفصولا جمة ، وعلوما زواخر ، ملئت الدواوين من بعض ما استفيد منها ، وكثرت المقالات في المستنبطات عنها . ثم هو في سرده القصص الطوال ، وأخبار القرون السوالف التي يضعف في عادة الفصحاء عندها الكلام ، ويذهب ماء البيان آية لمتأمله ، من ربط الكلام بعضه ببعض ، والتئام سرده ، وتناصف وجوهه ، كقصة يوسف على طولها . ثم إذا ترددت قصصه اختلفت العبارات عنها على كثرة ترددها حتى تكاد كل واحدة تنسي في البيان صاحبتها ، وتناصف في الحسن وجه مقابلتها ، ولا نفور للنفوس من ترديدها ، ولا معاداة لمعادها . الْفَصْلُ الرَّابِعُ : فِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ

إعجاز النظم ، والأسلوب

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «إعجاز النظم ، والأسلوب». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

إعجاز النظم ، والأسلوب الوجه الثاني من إعجازه صورة نظمه العجيب ، والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ، ومناهج نظمها ، ونثرها الذي جاء عليه ، ووقفت مقاطع آيه ، وانتهت فواصل كلماته إليه ، ولم يوجد قبله ، ولا بعده نظير له ، ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه ، بل حارت فيه عقولهم ، وتدلهت دونه أحلامهم ، ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر ، أو نظم ، أو سجع ، أو رجز ، أو شعر . ولما سمع كلامه - صلى الله عليه وسلم - الوليد بن المغيرة ، وقرأ عليه القرآن رق ، فجاءه أبو جهل منكرا عليه قال : والله ما منكم أحد أعلم بالأشعار مني ، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا . وفي خبره الآخر حين جمع عند حضور الموسم ، وقال : إن وفود العرب ترد فأجمعوا فيه رأيا ، لا يكذب بعضكم بعضا ، فقالوا : نقول كاهن . قال : والله ما هو بكاهن . ما هو بزمزمته ، ولا سجعه . قالوا : مجنون : قال : ما هو بمجنون ، ولا بخنقه ، ولا وسوسته . قالوا : فنقول شاعر . قال : ما هو بشاعر . قد عرفنا الشعر كله ، رجزه ، وهزجه ، وقريضه ، ومبسوطه ، ومقبوضه ، ما هو بشاعر . قالوا : فنقول ساحر . قال : ما هو بساحر ، ولا نفثه ، ولا عقده . قالوا : فما نقول ؟ قال : ما أنتم بقائلين من هذا شيئا ، إلا وأنا أعرف أنه باطل ، وإن أقرب القول أنه ساحر ، فإنه سحر يفرق بين المرء ، وابنه ، والمرء ، وأخيه ، والمرء ، وزوجه ، والمرء ، وعشيرته . فتفرقوا ، وجلسوا على السبل يحذرون الناس ، فأنزل الله - تعالى - في الوليد ذرني ومن خلقت وحيدا \[ المدثر : 11 \] الآيات . وقال عتبة بن ربيعة حين سمع القرآن : يا قوم ، قد علمتم أني لم أترك شيئا إلا وقد علمته ، وقرأته ، وقلته ، والله لقد سمعت قولا ، والله ما سمعت مثله قط ، ما هو بالشعر ، ولا بالسحر ، ولا بالكهانة . النضر بن الحارث نحوه . وفي حديث إسلام أبي ذر ، ووصف أخاه أنيسا ، فقال : والله ما سمعت بأشعر من أخي أنيس ، لقد ناقض اثني عشر شاعرا في الجاهلية ، أنا أحدهم ، وإنه انطلق إلى ، وجاء إلى بخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - . قلت : فما يقول الناس ؟ قال : يقولون : شاعر ، كاهن ، ساحر ، لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ، ولقد وضعته على أقراء الشعر فلم يلتئم ، وما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر ، وإنه لصادق ، وإنهم لكاذبون . والأخبار في هذا صحيحة كثيرة . والإعجاز بكل واحد من النوعين : الإيجاز ، والبلاغة بذاتها ، أو الأسلوب الغريب بذاته ، كل واحد منهما نوع إعجاز على التحقيق ، لم تقدر العرب على الإتيان بواحد منهما ، إذ كل واحد خارج عن قدرتها ، مباين لفصاحتها ، وكلامها ، وإلى هذا ذهب غير واحد من أئمة المحققين . وذهب بعض المقتدى بهم إلى أن الإعجاز في مجموع البلاغة ، والأسلوب ، وأتى على ذلك بقول تمجه الأسماع ، وتنفر منه القلوب . والصحيح ما قدمناه ، والعلم بهذا كله ضرورة قطعا . ومن تفنن في علوم البلاغة ، وأرهف خاطره ، ولسانه أدب هذه الصناعة لم يخف عليه ما قلناه . وقد اختلف أئمة أهل السنة في وجه عجزهم عنه ، فأكثرهم يقول : إنه ما جمع في قوة جزالته ، ونصاعة ألفاظه ، وحسن نظمه ، وإيجازه ، وبديع تأليفه ، وأسلوبه لا يصح أن يكون في مقدور البشر ، وأنه من باب الخوارق الممتنعة عن أقدار الخلق عليها ، كإحياء الموتى ، وقلب العصا ، وتسبيح الحصى . وذهب الشيخ أبو الحسن إلى أن مما يمكن أن يدخل مثله تحت مقدور البشر ، ويقدرهم الله عليه ، ولكنه لم يكن هذا ولا يكون ، فمنعهم الله هذا وعجزهم عنه . وقال به جماعة من أصحابه . وعلى الطريقين فعجز العرب عنه ثابت ، وإقامة الحجة عليهم بما يصح أن يكون في مقدور البشر ، وتحديهم بأن يأتوا بمثله قاطع ، وهو أبلغ في التعجيز ، وأحرى بالتقريع ، والاحتجاج بمجيء بشر مثلهم بشيء ليس من قدرة البشر لازم ، وهو أبهر آية ، وأقمع دلالة .

وعلى كل حال فما أتوا في ذلك بمقال ، بل صبروا على الجلاء ، والقتل ، وتجرعوا كاسات الصغار ، والذل ، وكانوا من شموخ الأنف ، وإباءة الضيم ، بحيث لا يؤثرون ذلك اختيارا ، ولا يرضونه إلا اضطرارا ، وإلا فالمعارضة لو كانت من قدرهم ، والشغل بها أهون عليهم ، وأسرع بالنجح ، وقطع العذر ، وإفحام الخصم لديهم ، وهم ممن لهم قدرة على الكلام ، وقدوة في المعرفة به لجميع الأنام ، وما منهم إلا من جهد جهده ، واستنفد ما عنده في إخفاء ظهوره ، وإطفاء نوره ، فما جلوا في ذلك خبيئة من بنات شفاههم ، ولا أتوا بنطفة من معين مياههم ، مع طول الأمد ، وكثرة العدد ، وتظاهر الوالد وما ولد ، بل أبلسوا فما نبسوا ، ومنعوا فانقطعوا ، فهذان نوعان من إعجازه . الْفَصْلُ الْخَامِسُ : قُرَيْشَ

الوجه الثالث من الإعجاز ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات ، وما لم يكن ، ولم يقع ، فوجد كما ورد ، وعلى الو...

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «الوجه الثالث من الإعجاز ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات ، وما لم يكن ، ولم يقع ، فوجد كما ورد ، وعلى الو...». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

الإخبار عن الغيب الوجه الثالث من الإعجاز ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات ، وما لم يكن ، ولم يقع ، فوجد كما ورد ، وعلى الوجه الذي أخبر به ، كقوله - تعالى - : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين \[ الفتح : 27 \] . وقوله - تعالى - : وهم من بعد غلبهم سيغلبون \[ الروم : 3 \] . ليظهره على الدين كله \[ التوبة : 33 \] . وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض \[ النور : 55 \] الآية . إذا جاء نصر الله والفتح \[ النصر : 1 \] إلى آخرها . فكان جميع هذا كما قال ، فغلبت الروم فارس في بضع سنين ، ودخل الناس في الإسلام أفواجا ، فما مات - صلى الله عليه وسلم - ، وفي بلاد العرب كلها موضع لم يدخله الإسلام . واستخلف الله المؤمنين في الأرض ، ومكن فيها دينهم ، وملكهم إياها من أقصى المشارق إلى أقصى المغارب ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : زويت إلي الأرض ، فأريت مشارقها ، ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون \[ الحجر : 9 \] ، فكان كذلك ، لا يكاد يعد من سعى في تغييره ، وتبديل محكمه من الملحدة ، والمعطلة ، لا سيما القرامطة ، فأجمعوا كيدهم ، وحولهم ، وقوتهم ، اليوم نيفا على خمسمائة عام ، فما قدروا على إطفاء شيء من نوره ، ولا تغيير كلمة من كلامه ، ولا تشكيك المسلمين في حرف من حروفه ، والحمد لله . ومنه قوله : سيهزم الجمع ويولون الدبر \[ القمر : 45 \] . قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم \[ التوبة : 14 \] الآية . هو الذي أرسل رسوله بالهدى \[ التوبة : 33 \] الآية . لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم \[ آل عمران : 111 \] الآية . . فكان كل ذلك . وما فيه من كشف أسرار المنافقين ، واليهود ، ومقالهم ، وكذبهم في حلفهم ، وتقريعهم بذلك ، كقوله : ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول \[ المجادلة : 8 \] . يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك \[ آل عمران : 154 \] . وقوله ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون \[ المائدة : 41 \] الآية . من الذين هادوا يحرفون الكلم عن - إلى قوله - : في الدين \[ النساء : 46 \] . وقد قال مبديا ما قدره الله ، واعتقده المؤمنون يوم بدر : وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم \[ الأنفال : 7 \] . ومنه قوله - تعالى - : إنا كفيناك المستهزئين \[ الحجر : 95 \] . ولما نزلت بشر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك أصحابه بأن الله كفاه إياهم ، وكان المستهزئون نفرا ينفرون الناس عنه ، ويؤذونه فهلكوا . والله يعصمك من الناس \[ المائدة : 67 \] فكان كذلك على كثرة من رام ضره ، وقصد قتله ، والأخبار بذلك معروفة صحيحة . الْفَصْلُ السَّادِسُ :

الوجه الرابع : ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة ، والأمم البائدة ، والشرائع الداثرة ، مما كان لا يعلم منه...

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «الوجه الرابع : ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة ، والأمم البائدة ، والشرائع الداثرة ، مما كان لا يعلم منه...». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

الإخبار عن القرون السالفة الوجه الرابع : ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة ، والأمم البائدة ، والشرائع الداثرة ، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك ، فيورده النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجهه ، ويأتي به على نصه ، فيعترف العالم بذلك بصحته ، وصدقه ، وأن مثله لم ينله بتعليم . وقد علموا أنه - صلى الله عليه وسلم - أمي لا يقرأ ، ولا يكتب ، ولا اشتغل بمدارسة ، ولا مثافنة ، ولم يغب عنهم ، ولا جهل حاله أحد منهم . وقد كان أهل الكتاب كثيرا ما يسألونه - صلى الله عليه وسلم - عن هذا ، فينزل عليه من القرآن ما يتلو عليهم منه ذكرا ، كقصص الأنبياء مع قومهم ، وخبر والخضر ويوسف ، وإخوته ، وأصحاب الكهف ، وذي القرنين ولقمان وابنه ، وأشباه ذلك من الأنباء ، وبدء الخلق ، وما في التوراة ، والإنجيل ، والزبور ، وصحف وموسى ، مما صدقه فيه العلماء بها ، ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها ، بل أذعنوا لذلك ، فمن موفق آمن بما سبق له من خير ، ومن شقي معاند حاسد ، ومع هذا لم يحك عن واحد من النصارى واليهود على شدة عداوتهم له ، وحرصهم على تكذيبه ، وطول احتجاجه عليهم بما في كتبهم ، وتقريعهم بما انطوت عليه مصاحفهم ، وكثرة سؤالهم له - صلى الله عليه وسلم - ، وتعنيتهم إياه عن أخبار أنبيائهم ، وأسرار علومهم ، ومستودعات سيرهم ، وإعلامه لهم بمكتوم شرائعهم ، ومضمنات كتبهم ، مثل سؤالهم عن الروح ، ، وأصحاب الكهف ، وعيسى ، وحكم الرجم ، وما حرم إسرائيل على نفسه ، وما حرم عليهم من الأنعام ، ومن طيبات أحلت لهم فحرمت عليهم ببغيهم . ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل \[ الفتح : 29 \] . وغير ذلك من أمورهم التي نزل فيها القرآن فأجابهم ، وعرفهم بما أوحي إليه ، من ذلك أنه أنكر ذلك أو كذبه ، بل أكثرهم صرح بصحة نبوته ، وصدق مقالته ، واعترف بعناده ، وحسدهم إياه ، كأهل نجران وابن صوريا وابني أخطب ، وغيرهم . ومن باهت في ذلك بعض المباهتة ، وادعى أن فيما عندهم من ذلك لما حكاه مخالفة دعي إلى إقامة حجته ، وكشف دعوته ، فقيل له : قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين - إلى قوله - : الظالمون \[ آل عمران : 93 - 94 \] . فقرع ، ووبخ ، ودعا إلى إحضار ممكن غير ممتنع ، فمن معترف بما جحده ، ومتواقح يلقي على فضيحته من كتابه يده . ولم يؤثر أن واحدا منهم أظهر خلاف قوله من كتبه ، ولا أبدى صحيحا ، ولا سقيما من صحفه ، قال الله - تعالى - : ياأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير \[ المائدة : 15 \] الآيتين . الْفَصْلُ السَّابِعُ : وَقَوْلِهِ :

التحدي ، والتعجيز

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «التحدي ، والتعجيز». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

التحدي ، والتعجيز هذه الوجوه الأربعة من إعجازه بينة لا نزاع فيها ، ولا مرية . ومن الوجوه البينة في إعجازه من غير هذه الوجوه أي وردت بتعجيز قوم في قضايا ، وإعلامهم أنهم لا يفعلونها فما فعلوا ، ولا قدروا على ذلك ، كقوله لليهود قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة \[ البقرة : 94 \] الآية . أبو إسحاق الزجاج : في هذه الآية أعظم حجة ، وأظهر دلالة على صحة الرسالة ، لأنه قال : فتمنوا الموت \[ الجمعة : 6 \] ، وأعلمهم أنهم لن يتمنوه أبدا ، فلم يتمنه واحد منهم . وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : والذي نفسي بيده لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه يعني يموت مكانه فصرفهم الله عن تمنيه ، وجزعهم ، ليظهر صدق رسوله ، وصحة ما أوحي إليه ، إذا لم يتمنه أحد منهم ، وكانوا على تكذيبه أحرص لو قدروا ، ولكن الله يفعل ما يريد ، فظهرت بذلك معجزته ، وبانت حجته . أبو محمد الأصيلي : من أعجب أمرهم أنه لا يوجد منهم جماعة ، ولا واحد من يوم أمر الله بذلك نبيه يقدم عليه ، ولا يجيب إليه . وهذا موجود مشاهد لمن أراد أن يمتحنه منهم . وكذلك آية المباهلة من هذا المعنى ، حيث وفد عليه أساقفة نجران ، وأبوا الإسلام ، فأنزل الله - تعالى - عليه آية المباهلة بقوله : فمن حاجك فيه \[ آل عمران : 61 \] الآية . فامتنعوا منها ، ورضوا بأداء الجزية ، وذلك أن العاقب عظيمهم قال لهم : قد علمتم أنه نبي ، وأنه ما لاعن قوما نبي قط فبقي كبيرهم ، ولا صغيرهم . ومثله قوله : وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا \[ البقرة : 23 \] - إلى قوله - : فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا \[ البقرة : 23 \] . فأخبرهم أنهم لا يفعلون ، كما كان . وهذه الآية أدخل في باب الإخبار عن الغيب ، ولكن فيها من التعجيز ما في التي قبلها . الْفَصْلُ الثَّامِنُ :

الروعة في السمع ، والهيبة في القلوب

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «الروعة في السمع ، والهيبة في القلوب». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

الروعة في السمع ، والهيبة في القلوب ومنها الروعة التي تلحق قلوب سامعيه ، وأسماعهم عند سماعه ، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته لقوة حاله ، وإنافة خطره ، وهي على المكذبين به أعظم ، حتى كانوا يستثقلون سماعه ، ويزيدهم نفورا ، كما قال - تعالى - ، ويودون انقطاعه لكراهتهم له . ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - : إن القرآن صعب مستصعب على من كرهه ، وهو الحكم ، وأما المؤمن فلا تزال روعته به ، وهيبته إياه ، مع تلاوته توليه انجذابا ، وتكسبه هشاشة ، لميل قلبه إليه ، وتصديقه به ، قال - تعالى - : تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله \[ الزمر : 23 \] . لو أنزلنا هذا القرآن على جبل \[ الحشر : 21 \] الآية . ويدل على أن هذا شيء خص به أنه يعتري من لا يفهم معانيه ، ولا يعلم تفاسيره ، كما روي عن نصراني أنه مر بقارئ فوقف يبكي ، فقيل له : مم بكيت ؟ قال : للشجا ، والنظم . وهذه الروعة قد اعترت جماعة قبل الإسلام ، وبعده ، فمنهم من أسلم لها لأول وهلة ، وآمن به ، ومنهم من كفر . فحكي في الصحيح ، عن جبير بن مطعم ، قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالطور ، فلما بلغ هذه الآية : أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون - إلى قوله - : المسيطرون \[ الطور : 35 - 37 \] كاد قلبي أن يطير للإسلام وفي رواية : وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي . عتبة بن ربيعة أنه كلم النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء به من خلاف قومه ، فتلا عليهم : حم \[ فصلت : 1 \] - إلى قوله - : صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود \[ فصلت : 13 \] . فأمسك عتبة بيده على في النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وناشده الرحم أن يكف وفي رواية : فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ ، وعتبة مصغ ملق يديه خلف ظهره ، معتمد عليهما ، حتى انتهى إلى السجدة ، فسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقام لا يدري بما يراجعه ، ورجع إلى أهله ، ولم يخرج إلى قومه حتى أتوه ، فاعتذر لهم ، وقال : والله لقد كلمني بكلام ، والله ما سمعت أذناي بمثله قط فما دريت ما أقول له وقد حكي عن غير واحد ممن رام معارضته أنه اعترته روعة ، وهيبة كف بها عن ذلك . فحكي أن ابن المقفع طلب ذلك ، ورامه ، وشرع فيه ، فمر بصبي يقرأ : وقيل ياأرض ابلعي ماءك \[ هود : 44 \] فرجع فمحا ما عمل ، وقال : أشهد أن هذا لا يعارض ، وما هو من كلام البشر ، وكان من أفصح أهل وقته . وكان يحيى بن حكم الغزال بليغ الأندلس في زمنه ، فحكي أنه رام شيئا من هذا فنظر في سورة الإخلاص ليحذو على مثالها ، وينسج بزعمه على منوالها قال : فاعترتني خشية ، ورقة حملتني على التوبة ، والإنابة . الْفَصْلُ التَّاسِعُ :

الفصل العاشر : البقاء الدائم

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «الفصل العاشر : البقاء الدائم». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

ومن وجوه إعجازه المعدودة كونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا مع تكفل الله تعالى بحفظه فقال : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون \[ الحجر : 9 \] . لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه \[ فصلت : 42 \] الآية . وسائر معجزات الأنبياء انقضت بانقضاء أوقاتها ، فلم يبق إلا خبرها ، والقرآن العزيز ، الباهرة آياته ، الظاهرة معجزاته على ما كان عليه اليوم مدة خمسمائة عام ، وخمس وثلاثين سنة لأول نزوله إلى وقتنا هذا حجته قاهرة ، ومعارضته ممتنعة ، والأعصار كلها طافحة بأهل البيان وحملة علم اللسان ، وأئمة البلاغة ، وفرسان الكلام ، وجهابذة البراعة ، والملحد فيهم كثير ، والمعادي للشرع عتيد ، فما منهم من أتى بشيء يؤثر في معارضته ، ولا ألف كلمتين في مناقضته ، ولا قدر فيه على مطعن صحيح ، ولا قدح المتكلف من ذهنه في ذلك إلا بزند شحيح ، بل المأثور عن كل من رام ذلك إلقاؤه في العجز بيديه ، والنكوص على عقبيه . الْفَصْلُ الْعَاشِرُ : الْبَقَاءُ الدَّائِمُ مصادر مرتبطة للتحرير/الإثراء: • الباقي والتجلي البقائي

الفصل الحادي عشر : وجوه أخرى

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «الفصل الحادي عشر : وجوه أخرى». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

للإعجاز وقد عد جماعة من الأئمة ، ومقلدي الأمة في إعجازه وجوها كثيرة ، منها أن قارئه لا يمله ، وسامعه لا يمجه ، بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة ، وترديده يوجب له محبة ، لا يزال غضا طريا ، وغيره من الكلام ، ولو بلغ في الحسن ، والبلاغة مبلغه يمل مع الترديد ، ويعادى إذا أعيد ، وكتابنا يستلذ به في الخلوات ، ويؤنس بتلاوته في الأزمات ، وسواه من الكتب لا يوجد فيها ذلك ، حتى أحدث أصحابها لحونا ، وطرقا يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراءتها . ولهذا وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن بأنه لا يخلق على كثرة الرد ، ولا تنقضي عبره ، ولا تفنى عجائبه ، هو الفصل ليس بالهزل ، لا يشبع منه العلماء ، ولا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسنة ، هو الذي لم تنته الجن حين سمعته أن قالوا : إنا سمعنا قرآنا عجبا \[ الجن : 1 \] . ومنها جمعه لعلوم ، ومعارف لم تعهد العرب عامة ، ولا - صلى الله عليه وسلم - قبل نبوته خاصة بمعرفتها ، ولا القيام بها ، ولا يحيط بها أحد من علماء الأمم ، ولا يشتمل عليها كتاب من كتبهم ، فجمع فيه من بيان علم الشرائع ، والتنبيه على طرق الحجج العقليات ، والرد على فرق الأمم ، ببراهين قوية ، وأدلة بينة سهلة الألفاظ ، موجزة المقاصد ، رام المتحذلقون بعد أن ينصبوا أدلة مثلها فلم يقدروا عليها كقوله - تعالى - : أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو \[ يس : 81 \] . و : قل يحييها الذي أنشأها أول مرة \[ يس : 79 \] . لو كان فيهما آلهة إلا الله \[ الأنبياء : 22 \] . إلى ما حواه من علوم السير ، وأنباء الأمم ، والمواعظ ، والحكم ، وأخبار الدار الآخرة ، ومحاسن الآداب ، والشيم . قال الله جل اسمه : ما فرطنا في الكتاب من شيء \[ الأنعام : 38 \] . ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء \[ النحل : 89 \] . ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل \[ الروم : 58 \] . إن الله أنزل هذا القرآن آمرا ، وزاجرا ، وسنة خالية ، ومثلا مضروبا ، فيه نبؤكم ، وخبر ما كان قبلكم ، ونبأ ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، لا يخلقه طول الرد ، ولا تنقضي عجائبه ، هو الحق ليس بالهزل ، من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن خاصم به فلج ، ومن قسم به أقسط ، ومن عمل به أجر ، ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم ، ومن طلب الهدى من غيره أضله الله ، ومن حكم بغيره قصمه الله ، هو الذكر الحكيم ، والنور المبين ، والصراط المستقيم ، وحبل الله المتين ، والشفاء النافع ، عصمة لمن تمسك به ، ونجاة لمن اتبعه ، لا يعوج فيقوم ، ولا يزيغ فيستعتب ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا يخلق على كثرة الرد ، وقال فيه : ولا يختلف ، ولا يتشان ، فيه نبأ الأولين ، والآخرين . وفي الحديث : قال الله - تعالى - - صلى الله عليه وسلم - : إني منزل عليك توراة حديثة ، تفتح بها أعينا عميا ، وآذانا صما ، وقلوبا غلفا ، فيها ينابيع العلم ، وفهم الحكمة ، وربيع القلوب كعب : عليكم بالقرآن فإنه فهم العقول ، ونور الحكمة . إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون \[ النمل : 76 \] . هذا بيان للناس وهدى \[ آل عمران : 138 \] الآية . فجمع فيه مع وجازة ألفاظه ، وجوامع كلمه أضعاف ما في الكتب قبله التي ألفاظها على الضعف منه مرات . ومنها جمعه فيه بين الدليل ، ومدلوله ، وذلك أنه احتج بنظم القرآن وحسن وصفه ، وإيجازه ، وبلاغته ، وأثناء هذه البلاغة أمره ، ونهيه ، ووعده ، ووعيده ، فالتالي له يفهم موضع الحجة ، والتكليف معا من كلام واحد ، وسورة منفردة . ومنها أن جعله في حيز المنظوم الذي لم يعهد ، ولم يكن في حيز المنثور ، لأن المنظوم أسهل على النفوس ، وأوعى للقلوب ، وأسمع في الآذان وأحلى على الأفهام ، فالناس إليه أميل ، والأهواء إليه أسرع . ومنها تيسيره - تعالى - حفظه لمتعلميه ، وتقريبه على متحفظيه ، قال الله - تعالى - : ولقد يسرنا القرآن للذكر \[ القمر : 22 \] . وسائر الأمم لا يحفظ كتبها الواحد منهم ، فكيف الجماء على مرور السنين عليهم . والقرآن ميسر حفظه للغلمان في أقرب مدة .

ومنها مشاكلة بعض أجزائه بعضا ، وحسن ائتلاف أنواعها ، والتئام أقسامها ، وحسن التخلص من قصة إلى أخرى ، والخروج من باب إلى غيره على اختلاف معانيه ، وانقسام السورة الواحدة إلى أمر ، ونهي ، وخبر ، واستخبار ، ووعد ، ووعيد ، وإثبات نبوة ، وتوحيد ، وتفريد ، وترغيب ، وترهيب ، إلى غير ذلك من فوائده ، دون خلل يتخلل فصوله . والكلام الفصيح إذا اعتوره مثل هذا ضعفت قوته ، ولانت جزالته ، وقل رونقه ، وتقلقلت ألفاظه . فتأمل أول ص والقرآن ذي الذكر \[ ص : 1 \] وما جمع فيها من أخبار الكفار ، وشقاقهم ، وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم ، وما ذكر من تكذيبهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، وتعجبهم مما أتى به ، والخبر عن اجتماع ملئهم على الكفر ، وما ظهر من الحسد في كلامهم ، وتعجيزهم ، وتوهينهم ، ووعيدهم بخزي الدنيا ، والآخرة ، وتكذيب الأمم قبلهم ، وإهلاك الله لهم ، ووعيد هؤلاء مثل مصابهم ، وتصبير النبي - صلى الله عليه وسلم - على أذاهم ، وتسليته بكل ما تقدم ذكره ، ثم أخذ في ذكر داود ، وقصص الأنبياء ، كل هذا في أوجز كلام ، وأحسن نظام . ومنه الجملة الكثيرة التي انطوت عليها الكلمات القليلة ، وهذا كله ، وكثير مما ذكرنا أنه ذكر في إعجاز القرآن إلى وجوه كثيرة ذكرها الأئمة لم نذكرها ، إذ أكثرها داخل في باب بلاغته ، فلا يجب أن يعد فنا منفردا في إعجازه ، إلا في باب تفصيل فنون البلاغة ، وكذلك كثير مما قدمنا ذكره عنهم يعد في خواصه ، وفضائله ، لا إعجازه . وحقيقة الإعجاز الوجوه الأربعة التي ذكرنا ، فليعتمد عليها ، وما بعدها من خواص القرآن وعجائبه التي لا تنقضي . والله ولي التوفيق . الْفَصْلُ الْحَادِي عَشَرَ : وُجُوهٌ أُخْرَى وَنَحْوُهُ عَنِ مصادر مرتبطة للتحرير/الإثراء: • القهار وقهر الأنوار • الحكم والعدل • الحق في الأسماء المحمدية

إن القوة الأساسية في معالجة القاضي عياض لإعجاز القرآن تكمن في الجمع: لا يكتفي بالنظم وحده، ولا بالغيب وحده، ولا بالتحدي وحده، بل يرى أن الحجة تتكون من اجتماع هذه الوجوه ومن استمرارها. لذلك يصبح القرآن معجزة قابلة للحضور في كل عصر؛ يقرأه أهل العربية فيرون نظامه وبيانه، ويتأمل المؤمن أخباره ووعوده، ويرى التاريخ بقاء نصه وانتشاره، وتظل دعوى المعارضة مفتوحة نظريًا فيما يبقى العجز العملي شاهدًا في واقع التلقي. وبهذا المعنى يبقى القرآن في قلب دلائل الرسالة، شاهدًا على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صدق ما جاء به.

المصدر: القاضي عياض، «الشفا بتعريف حقوق المصطفى».