موقع النورموقع النورنسير بنور النور
Site AlnourNous avançons par la lumière
Al Nour / Muhammad ﷺ

علم الرسول وأخباره وبشائر مولده وعصمته: دلائل الأمانة في حمل الرسالة

علم الرسول وأخباره وبشائر مولده وعصمته: دلائل الأمانة في حمل الرسالة

المصدر الرئيس: القاضي عياض، الشفا بتعريف حقوق المصطفى.

في ختام أبواب الدلائل تتقارب موضوعات تبدو لأول وهلة متباعدة: ما أوتيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من معارف وعلوم تلائم مقام النبوة، ما أخبر به في صلته بالملائكة والجن، ما حفظته الرواية من أخباره وبشائر مولده، ثم ما يذكره القاضي عياض في العصمة من الشيطان. وعندما تجمع هذه المواد في سياق واحد يظهر رابطها بوضوح: أمانة حامل الرسالة وحفظ الله له فيما يتصل بأداء الوحي والقيام بوظيفته. فالمعرفة النبوية ليست موسوعة بشرية مكتسبة لذاتها، وإنما علم يعطى بحسب ما تقتضيه الرسالة؛ والاتصال بعالم الملائكة والجن لا يخرج عن دائرة الوحي والتكليف؛ وبشائر المولد تقرأ في التراث بوصفها مقدمات لظهور النبوة؛ والعصمة تؤكد أن حامل الرسالة ليس متروكًا لعبث الشيطان فيما يبلغ عن ربه. هذه المقالة تجمع تلك الخيوط في صورة واحدة: كيف يصف «الشفا» إعداد الرسول وحفظه وعلمه بما يجعل البلاغ موضع ثقة الأمة.

معارفه ، وعلومه - صلى الله عليه وسلم

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «معارفه ، وعلومه - صلى الله عليه وسلم». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

معارفه ، وعلومه - صلى الله عليه وسلم ومن معجزاته الباهرة ما جمعه الله له من المعارف ، والعلوم ، وخصه به من الاطلاع على جميع مصالح الدنيا ، والدين ، ومعرفته بأمور شرائعه ، وقوانين دينه ، وسياسة عباده ، ومصالح أمته ، وما كان في الأمم قبله ، وقصص الأنبياء ، والرسل ، والجبابرة ، والقرون الماضية من لدن إلى زمنه ، وحفظ شرائعهم ، وكتبهم ، ووعي سيرهم ، وسرد أنبائهم ، وأيام الله فيهم ، وصفات أعيانهم ، واختلاف آرائهم ، والمعرفة بمددهم ، وأعمارهم ، وحكم حكمائهم ، ومحاجة كل أمة من الكفرة ، ومعارضة كل فرقة من الكتابيين بما في كتبهم ، وإعلامهم بأسرارها ، ومخبآت علومها ، وإخبارهم بما كتموا من ذلك ، وغيروه . إلى الاحتواء على لغات العرب ، وغريب ألفاظ فرقها ، والإحاطة بضروب فصاحتها ، والحفظ لأيامها ، وأمثالها ، وحكمها ، ومعاني أشعارها ، والتخصيص بجوامع كلمها . إلى المعرفة بضرب الأمثال الصحيحة ، والحكم البينة لتقريب التفهيم للغامض ، والتبيين للمشكل ، إلى تمهيد قواعد الشرع الذي لا تناقض فيه ، ولا تخاذل ، مع اشتمال شريعته على محاسن الأخلاق ، ومحامد الآداب ، وكل شيء مستحسن مفضل ، لم ينكر منه ملحد ذو عقل سليم شيئا إلا من جهة الخذلان . بل كل جاحد له ، وكافر من الجاهلية به إذا سمع ما يدعو إليه صوبه ، واستحسنه دون طلب إقامة برهان عليه . ثم ما أحل لهم من الطيبات ، وحرم عليهم من الخبائث ، وصان به أنفسهم ، وأعراضهم ، وأموالهم من المعاقبات ، والحدود عاجلا ، والتخويف بالنار آجلا مما لا يعلم علمه ، ولا يقوم به ، إلا من مارس الدرس ، والعكوف على الكتب ، ومثافنة بعض هذا . إلى الاحتواء على ضروب العلوم ، وفنون المعارف ، كالطب ، والعبارة ، والفرائض ، والحساب ، والنسب ، وغير ذلك من العلوم مما اتخذ أهل هذه المعارف كلامه - صلى الله عليه وسلم - فيها قدوة ، وأصولا في علمهم ، كقوله - صلى الله عليه وسلم - : الرؤيا لأول عابر . وهي على رجل طائر الرؤيا ثلاث ، رؤيا حق ، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه ، ورؤيا تحزين من الشيطان إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب أصل كل داء البردة وما روي عنه في حديث - رضي الله عنه - من قوله : المعدة حوض البدن ، والعروق إليها واردة وإن كان هذا حديثا لا نصححه لضعفه ، وكونه موضوعا تكلم عليه الدارقطني خير ما تداويتم به السعوط ، واللدود ، والحجامة ، والمشي . وخير الحجامة يوم سبع عشرة ، وتسع عشرة ، وإحدى وعشرين وفي العود الهندي سبعة أشفية ، منها ذات الجنب ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن ، - إلى قوله - فإن كان لا بد فثلث للطعام ، وثلث للشراب ، وثلث للنفس وقوله ، وقد سئل عن سبإ : أرجل هو أم امرأة ، أم أرض ؟ فقال : رجل ولد عشرة : تيامن منهم ستة ، وتشاءم أربعة . . . الحديث بطوله . وكذلك جوابه في نسب قضاعة ، وغير ذلك مما اضطرت العرب على شغلها بالنسب إلى سؤاله عما اختلفوا فيه من ذلك . حمير رأس العرب ، ونابها : ومذحج هامتها ، وغلصمتها . والأزد كاهلها ، وجمجمتها ، وهمدان غاربها ، وذروتها إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض وقوله في الحوض : زواياه سواء وقوله في حديث الذكر : وإن الحسنة بعشر أمثالها ، فتلك مائة ، وخمسون على اللسان ، وألف وخمسمائة في الميزان وقوله ، وهو بموضع : نعم موضع الحمام هذا ما بين المشرق والمغرب قبلة لعيينة ، أو الأقرع أنا أفرس بالخيل منك وقوله لكاتبه : ضع القلم على أذنك ، فإنه أذكر للمملي هذا مع أنه - صلى الله عليه وسلم - كان لا يكتب ، ولكنه أوتي علم كل شيء ، حتى قد وردت آثار بمعرفته حروف الخط ، وحسن تصويرها : كقوله : لا تمدوا بسم الله الرحمن الرحيم رواه ابن شعبان من طريق ابن عباس . وقوله في الحديث الآخر الذي يروى عن معاوية أنه كان يكتب بين يديه - صلى الله عليه وسلم - فقال له : ألق الدواة ، وحرف القلم ، وأقم الباء ، وفرق السين ، ولا تعور الميم ، وحسن الله ، ومد الرحمن وجود الرحيم

وهذا ، وإن لم تصح الرواية أنه - صلى الله عليه وسلم - كتب فلا يبعد أن يرزق علم هذا ويمنع القراءة ، والكتابة . وأما علمه - صلى الله عليه وسلم - بلغات العرب ، وحفظه معاني أشعارها ، فأمر مشهور ، قد نبهنا على بعضه أول الكتاب . وكذلك حفظه لكثير من لغات الأمم ، كقوله في الحديث : سنه ، سنه وهي حسنة بالحبشية . ويكثر الهرج وهو القتل بها . وقوله في حديث أشكنب درد أي ، وجع البطن بالفارسية . إلى غير ذلك مما لا يعلم بعض هذا ولا يقوم به ، ولا ببعضه إلا من مارس الدرس ، والعكوف على الكتب ، ومثافنة أهلها عمره . وهو رجل كما قال الله - تعالى - أمي ، لم يكتب ، ولم يقرأ ، ولا عرف بصحبة من هذه صفته ، ولا نشأ بين قوم لهم علم ، ولا قراءة لشيء من هذه الأمور ، ولا عرف هو قبل بشيء منها ، قال الله - تعالى - : وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك \[ العنكبوت : 48 \] الآية . إنما كانت غاية معارف العرب النسب ، وأخبار أوائلها ، والشعر ، والبيان وإنما حصل ذلك لهم بعد التفرغ لعلم ذلك ، والاشتغال بطلبه ، ومباحثة أهله عنه . وهذا الفن نقطة من بحر علمه - صلى الله عليه وسلم - . ولا سبيل إلى جحد الملحد لشيء مما ذكرناه ، ولا وجد الكفرة حيلة في دفع ما نصصناه إلا قولهم : أساطير الأولين : \[ النحل : 24 ، والفرقان : 5 \] إنما يعلمه بشر \[ النحل : 103 \] . فرد الله قولهم بقوله : لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ثم ما قالوه مكابرة العيان فإن الذي نسبوا تعليمه إليه إما سلمان ، أو العبد الرومي ، وسلمان إنما عرفه بعد الهجرة ، ونزول الكثير من القرآن ، وظهور ما لا ينعد من الآيات . وأما الرومي فكان أسلم ، وكان يقرأ على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، واختلف في اسمه . وقيل : بل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجلس عنده عند المروة ، وكلاهما أعجمي اللسان وهم الفصحاء اللد ، والخطباء اللسن ، قد عجزوا عن معارضة ما أتى به ، والإتيان بمثله ، بل عن فهم وصفه ، وصورة تأليفه ، ونظمه ، فكيف بأعجمي ألكن ! . نعم ، وقد كان بلعام الرومي يعيش جبر يسار على اختلافهم في اسمه بين أظهرهم يكلمونهم مدى أعمارهم ، فهل حكي عن واحد منهم شيء من مثل ما كان يجيء به - صلى الله عليه وسلم - ؟ وهل عرف واحد منهم بمعرفة شيء من ذلك ؟ وما منع العدو حينئذ على كثرة عدده ، ودءوب طلبه ، وقوة حسده - أن يجلس إلى هذا فيأخذ عليه أيضا ما يعارض به ، ويتعلم منه ما يحتج به على شيعته ، كفعل النضر بن الحارث بما كان يمخرق به من أخبار كتبه . ولا غاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قومه ، ولا كثرت اختلافاته إلى بلاد أهل الكتاب ، فيقال : إنه استمد منهم ، بل لم يزل بين أظهرهم يرعى في صغره ، وشبابه ، على عادة أبنائهم ، ثم لم يخرج عن بلادهم إلا في سفرة أو سفرتين ، لم يطل فيهما مكثه مدة يحتمل فيها تعليم القليل ، فكيف الكثير ؟ ! . بل كان في سفره في صحبة قومه ، ورفاقه ، وعشيرته ، لم يغب عنهم ، ولا خالف حاله مدة مقامه من تعليم ، واختلاف إلى حبر أو قس ، أو منجم ، أو كاهن . بل لو كان هذا بعد كله لكان مجيء ما أتى به من معجز القرآن قاطعا لكل عذر ، ومدحضا لكل حجة ، ومجليا لكل أمر . الْفَصْلُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ :

أنباؤه مع الملائكة ، والجن

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «أنباؤه مع الملائكة ، والجن». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

أنباؤه مع الملائكة ، والجن ومن خصائصه - صلى الله عليه وسلم - ، وكراماته ، وباهر آياته أنباؤه مع الملائكة ، والجن ، وإمداد الله له بالملائكة ، وطاعة الجن له ، ورؤية كثير من أصحابه لهم . وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل \[ التحريم : 4 \] الآية . إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا \[ الأنفال : 12 \] . إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم \[ الأنفال : 9 \] الآيتين . وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن \[ الأحقاف : 29 \] الآية . سفيان بن العاص الفقيه بسماعي عليه ، حدثنا أبو الليث السمرقندي عبد الغافر الفارسي أبو أحمد الجلودي ، أنا مسلم عبيد الله بن معاذ ، حدثنا أبي ، حدثنا شعبة سليمان الشيباني ، سمع زر بن حبيش \] عبد الله ، قال : لقد رأى من آيات ربه الكبرى \[ النجم : 18 \] قال : رأى - عليه السلام - في صورته ، له ستمائة جناح والخبر في محادثته مع وإسرافيل ، وغيرهم من الملائكة ، وما شاهده من كثرتهم ، وعظم صور بعضهم ليلة الإسراء مشهور . وقد رآهم بحضرته جماعة من أصحابه في مواطن مختلفة ، فرأى أصحابه - عليه السلام - في صورة رجل يسأله عن الإسلام ، والإيمان . ورأى ابن عباس وأسامة بن زيد ، وغيرهما عنده في صورة دحية سعد على يمينه ويساره وميكائيل في صورة رجلين عليهما ثياب بيض . ومثله غير واحد . وسمع بعضهم زجر الملائكة خيلها يوم بدر وبعضهم رأى تطاير الرءوس من الكفار ، ولا يرون الضارب . أبو سفيان بن الحارث يومئذ رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء ، والأرض ، ما يقوم لها شيء . وقد كانت الملائكة تصافح عمران بن الحصين وأرى النبي - صلى الله عليه وسلم - لحمزة في الكعبة ، فخر مغشيا عليه . الجن ليلة الجن ، وسمع كلامهم ، وشبههم برجال الزط . ابن سعد مصعب بن عمير لما قتل يوم أحد أخذ الراية ملك على صورته ، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول له : تقدم يا مصعب فقال له الملك : لست بمصعب ، فعلم أنه ملك . وقد ذكر غير واحد من المصنفين عن - رضي الله عنه - أنه قال : بينا نحن جلوس مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أقبل شيخ بيده عصا ، فسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فرد عليه ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : نغمة الجن ! من أنت ؟ قال أنا هامة بن الهيثم بن لاقس بن إبليس ، فذكر أنه لقي نوحا ، ومن بعده . . . في حديث طويل ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه سورا من القرآن . الواقدي قتل خالد عند هدمه العزى للسوداء التي خرجت له ناشرة شعرها عريانة ، فجزلها بسيفه ، وأعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له : تلك العزى إن شيطانا تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي ، فأمكنني الله منه ، فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم ، فذكرت دعوة أخي سليمان رب اغفر لي وهب لي ملكا \[ ص : 35 \] . فرده الله خاسئا وهذا باب واسع . الْفَصْلُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ

أخباره - صلى الله عليه وسلم

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «أخباره - صلى الله عليه وسلم». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

أخباره - صلى الله عليه وسلم - ومن دلائل نبوته ، وعلامات رسالته ما ترادفت به الأخبار عن الرهبان ، والأحبار ، وعلماء أهل الكتاب ، من صفته ، وصفة أمته ، واسمه ، وعلاماته ، وذكر الخاتم الذي بين كتفيه ، وما وجد من ذلك في أشعار الموحدين المتقدمين ، من شعر تبع ، والأوس بن حارثة وكعب بن لؤي وسفيان بن مجاشع وقس بن ساعدة وما ذكر عن سيف بن ذي يزن ، وغيرهم ، وما عرف به من أمره زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعثكلان الحميري ، وعلماء يهود وشامول عالمهم صاحب تبع من صفته ، وخبره . وما ألفي من ذلك في التوراة ، والإنجيل مما قد جمعه العلماء ، وبينوه ، ونقله عنهما ثقاة من أسلم منهم ، مثل ابن سلام وبني سعية وابن يامين ومخيريق وكعب ، وأشباههم ممن أسلم من علماء وبحيرا ونسطور الحبشة ، وصاحب بصرى وضغاطر ، وأسقف الشام والجارود وسلمان والنجاشي ، ونصارى ، وأساقف نجران ، وغيرهم ممن أسلم من علماء النصارى وقد اعترف بذلك هرقل رومة عالما ، ورئيساهم ، ومقوقس صاحب مصر ، والشيخ صاحبه ، وابن صوريا وابن أخطب ، وأخوه ، وكعب بن أسد والزبير بن باطيا ، وغيرهم من علماء اليهود ، ممن حمله الحسد ، والنفاسة على البقاء على الشقاء . والأخبار في هذا كثيرة لا تنحصر . وقد قرع أسماع والنصارى بما ذكر أنه في كتبهم من صفته ، وصفة أصحابه ، واحتج عليهم بما انطوت عليه من ذلك صحفهم ، وذمهم بتحريف ذلك ، وكتمانه وليهم ألسنتهم ببيان أمره ، ودعوتهم إلى المباهلة على الكاذب ، فما منهم إلا من نفر عن معارضته ، وإبداء ما ألزمهم من كتبهم إظهاره . ولو وجدوا خلاف قوله لكان إظهاره أهون عليهم من بذل النفوس ، والأموال ، وتخريب الديار ، ونبذ القتال ، وقد قال لهم : حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين \[ آل عمران : 93 \] إلى ما أنذر به الكهان مثل شافع بن كليب وشق وسطيح وسواد بن قارب وخنافر وأفعى نجران وجذل بن جذل الكندي وابن خلصة الدوسي وسعد بن بنت كريز وفاطمة بنت النعمان ، ومن لا ينعد كثرة . إلى ما ظهر على ألسنة الأصنام من نبوته ، وحلول وقت رسالته ، وسمع من هواتف الجان ومن ذبائح النصب ، وأجواف الصور ، وما وجد من اسم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والشهادة له بالرسالة مكتوبا في الحجارة ، والقبور بالخط القديم ما أكثره مشهور ، وإسلام من أسلم بسبب ذلك معلوم مذكور . الْفَصْلُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ :

ما حدث أثناء مولده عليه السلام

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «ما حدث أثناء مولده عليه السلام». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

ما حدث أثناء مولده عليه السلام ومن ذلك ما ظهر من الآيات عند مولده ، وما حكته أمه ، ومن حضره من العجائب ، وكونه رافعا رأسه عندما وضعته شاخصا ببصره إلى السماء ، وما رأته من النور الذي خرج معه ، عند ولادته ، وما رأته إذ ذاك أم عثمان بن أبي العاص من تدلي النجوم ، وظهور النور عند ولادته ، حتى ما تنظر إلا النور . وقول الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف لما سقط - صلى الله عليه وسلم - على يدي ، واستهل سمعت قائلا يقول : رحمك الله ، وأضاء لي ما بين المشرق ، والمغرب حتى نظرت إلى قصور الروم وما تعرفت به حليمة ، وزوجها ظئراه من بركته ، ودرور لبنها له ، ولبن شارفها ، وخصب غنمه ، وسرعة شبابه ، وحسن نشأته . وما جرى من العجائب ليلة مولده ، من ارتجاج إيوان كسرى ، وسقوط شرفاته ، وغيض بحيرة طبرية ، وخمود نار فارس ، وكان لها ألف عام لم تخمد . وأنه كان إذا أكل مع عمه أبي طالب ، وآله وهو صغير شبعوا ، ورووا ، فإذا غاب فأكلوا في غيبته لم يشبعوا . وكان سائر ولد يصبحون شعثا ، ويصبح - صلى الله عليه وسلم - صقيلا دهينا كحيلا . قالت أم أيمن حاضنته : ما رأيته - صلى الله عليه وسلم - شكا جوعا قط ، ولا عطشا صغيرا ، ولا كبيرا ومن ذلك حراسة السماء بالشهب ، وقطع رصد الشياطين ، ومنعهم استراق السمع . وما نشأ عليه من بغض الأصنام ، والعفة عن أمور الجاهلية . وما خصه الله به من ذلك ، وحماه حتى في ستره في الخبر المشهور عند بناء الكعبة ، إذ أخذ إزاره ليجعله على عاتقه ليحمل عليه الحجارة ، وتعرى ، فسقط إلى الأرض حتى رد إزاره عليه . فقال له عمه : ما بالك ؟ فقال : إني قد نهيت عن التعري ومن ذلك إظلال الله له بالغمام في سفره . وفي رواية أن خديجة ، ونساءها رأينه لما قدم ، وملكان يظلانه فذكرت ذلك لميسرة ، فأخبرها أنه رأى ذلك منذ خرج معه في سفره . وقد روي أن رأت غمامة تظله ، وهو عندها . وروي ذلك عن أخيه من الرضاعة . ومن ذلك أنه نزل في بعض أسفاره قبل مبعثه تحت شجرة يابسة ، فاعشوشب ما حولها ، وأينعت هي فأشرقت ، وتدلت عليه أغصانها بمحضر من رآه . وميل فيء الشجرة إليه في الخبر الآخر حتى أظلته . وما ذكر من أنه كان لا ظل لشخصيته في شمس ، ولا قمر ، لأنه كان نورا . وأن الذباب كان لا يقع على جسده ، ولا ثيابه . ومن ذلك تحبيب الخلوة إليه حتى أوحي إليه ، ثم إعلامه بموته ، ودنو أجله ، وأن قبره في ، وفي بيته ، وأن بين بيته ومنبره روضة من رياض الجنة ، وتخيير الله له عند موته ، وما اشتمل عليه حديث الوفاة من كراماته ، وتشريفه ، وصلاة الملائكة على جسده على ما رويناه في بعضها . واستئذان ملك الموت عليه ، ولم يستأذن على غيره قبله . ونداؤهم الذي سمعوه ألا ينزعوا القميص عنه عند غسله . وما روي من تعزية الخضر ، والملائكة أهل بيته عند موته . إلى ما ظهر على أصحابه من كرامته ، وبركته في حياته ، وموته ، كاستسقاء عمر بعمه ، وتبرك غير واحد بذريته . الْفَصْلُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ :

الفصل الثلاثون : تذييل ، وخاتمة

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «الفصل الثلاثون : تذييل ، وخاتمة». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

وللمشاهدة زيادة في اليقين ، والنفس أشد طمأنينة إلى عين اليقين منها إلى علم اليقين ، وإن كان كل عندها حقا . وسائر معجزات الرسل انقرضت بانقراضهم ، وعدمت بعدم ذواتها ، ومعجزة نبينا - صلى الله عليه وسلم - لا تبيد ، ولا تنقطع ، وآياته تتجدد ، ولا تضمحل ، ولهذا أشار - صلى الله عليه وسلم - بقوله فيما \[ حدثنا القاضي الشهيد أبو علي القاضي أبو الوليد أبو ذر أبو محمد وأبو إسحاق وأبو الهيثم ، قالوا : حدثنا الفربري عبد العزيز بن عبد الله الليث سعيد ، عن أبيه \] ، عن - رضي الله عنه - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي ، فأرجو أني أكثرهم تابعا يوم القيامة هذا معنى الحديث عن بعضهم ، وهو الظاهر ، والصحيح إن شاء الله . وذهب غير واحد من العلماء في تأويل هذا الحديث ، وظهور معجزة نبينا - صلى الله عليه وسلم - إلى معنى آخر من ظهورها بكونها وحيا ، وكلاما لا يمكن التخييل فيه ، ولا التخيل عليه ، ولا التشبيه ، فإن غيرها من معجزات الرسل قد رام المعاندون لها بأشياء طمعوا في التخييل بها على الضعفاء كإلقاء السحرة حبالهم ، وعصيهم ، وشبه هذا مما يخيله الساحر ، أو يتحيل فيه . والقرآن كلام ليس للحيلة ، ولا للسحر ، ولا التخييل فيه عمل ، فكان من هذا الوجه عندهم أظهر من غيره من المعجزات ، كما لا يتم لشاعر ، ولا لخطيب أن يكون شاعرا ، أو خطيبا بضرب من الحيل ، والتمويه . والتأويل الأول أخلص ، وأرضى . وفي هذا التأويل الثاني ما نغمض عليه الجفن ، ونغضي . ووجه ثالث على مذهب من قال بالصرفة ، وأن المعارضة كانت في مقدور البشر ، فصرفوا عنها ، أو على أحد مذهبي أهل السنة من أن الإتيان بمثله من جنس مقدورهم ، ولكن لم يكن ذلك قبل ، ولا يكون بعد ، لأن الله - تعالى - لم يقدرهم عليه . وبين المذهبين فرق بين ، وعليهما جميعا فتترك العرب الإتيان بما في مقدورهم ، أو ما هو من جنس مقدورهم ، ورضاهم بالبلاء ، والجلاء ، والسباء ، والإذلال ، وتغيير الحال ، وسلب النفوس ، والأموال ، والتقريع ، والتوبيخ ، والتعجيز ، والتهديد ، والوعيد أبين آية للعجز عن الإتيان بمثله ، والنكول عن معارضته ، وأنهم منعوا عن شيء هو من جنس مقدورهم . وإلى هذا ذهب الإمام أبو المعالي الجويني ، وغيره قال : وهذا عندنا أبلغ في خرق العادة بالأفعال البديعة في أنفسها ، كقلب العصا حية ، ونحوها ، فإنه قد يسبق إلى بال الناظر بدارا أن ذلك من اختصاص صاحب ذلك بمزية معرفة في ذلك الفن ، وفضل علم إلى أن يرد ذلك صحيح النظر . وأما التحدي للخلائق مئين من السنين بكلام من جنس كلامهم ليأتوا بمثله فلم يأتوا ، فلم يبق بعد توفر الدواعي على المعارضة ثم عدمها إلا أن منع الله الخلق عنها بمثابة ما لو قال نبي : آيتي أن يمنع الله القيام عن الناس مع مقدرتهم عليه ، وارتفاع الزمانة عنهم ، فكان ذلك ، وعجزهم الله - تعالى - عن القيام فكان ذلك من أبصر آية ، وأظهر دلالة . وبالله التوفيق . وقد غاب عن بعض العلماء وجه ظهور آيته على سائر آيات الأنبياء ، حتى احتاج للعذر عن ذلك بدقة أفهام العرب ، وذكاء ألبابها ، ووفور عقولها ، وأنهم أدركوا المعجزة فيه بفطنتهم ، وجاءهم من ذلك بحسب إدراكهم ، وغيرهم من القبط وبني إسرائيل ، وغيرهم لم يكونوا بهذه السبيل ، بل كانوا من الغباوة ، وقلة الفطنة بحيث جوز عليهم فرعون أنه ربهم ، وجوز عليهم السامري ذلك في العجل بعد إيمانهم ، وعبدوا المسيح مع إجماعهم على صلبه وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم \[ النساء : 157 \] ، فجاءتهم من الآيات الظاهرة البينة للأبصار بقدر غلظ أفهامهم ما لا يشكون فيه ، ومع هذا فقالوا : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم \[ البقرة : 55 \] . ولم يصبروا على المن ، والسلوى ، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير . والعرب على جاهليتها أكثرها يعترف بالصانع ، وإنما كانت تتقرب بالأصنام إلى الله زلفى . ومنهم من آمن بالله وحده من قبل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بدليل عقله ، وصفاء لبه .

ولما جاءهم الرسول بكتاب الله فهموا حكمته ، وتبينوا بفضل إدراكهم لأول وهلة معجزته ، فآمنوا به ، وازدادوا كل يوم إيمانا ، ورفضوا الدنيا كلها في صحبته ، وهجروا ديارهم ، وأموالهم ، وقتلوا آباءهم ، وأبناءهم في نصرته ، وأتي في معنى هذا بما يلوح له رونق ، ويعجب منه زبرج لو احتيج إليه ، وحقق ، لكنا قدمنا من بيان معجزة نبينا - صلى الله عليه وسلم - ، وظهورها ما يغني عن ركوب بطون هذه المسالك ، وظهورها . وبالله أستعين . وهو حسبي ، ونعم الوكيل . الْفَصْلُ الثَّلَاثُونَ : تَذْيِيلٌ ، وَخَاتِمَةٌ

الفصل الرابع : العصمة من الشيطان

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «الفصل الرابع : العصمة من الشيطان». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبي - صلى الله عليه وسلم - من الشيطان وكفايته منه ، لا في جسمه بأنواع الأذى ، ولا على خاطره بالوساوس . وقد أخبرنا القاضي الحافظ أبو علي - رحمه الله - قال : حدثنا أبو الفضل بن خيرون العدل أبو بكر البرقاني ، وغيره ، حدثنا أبو الحسن الدارقطني إسماعيل الصفار عيسى الترقفي محمد بن يوسف سفيان منصور سالم بن أبي الجعد مسرور ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما منكم من أحد إلا وكل به قرينه من الجن ، وقرينه من الملائكة . قالوا : وإياك يا رسول الله ؟ قال : وإياي ، ولكن الله - تعالى - أعانني عليه فأسلم . زاد غيره عن فلا يأمرني إلا بخير بمعناه . وروي : فأسلم بضم الميم ، أي فأسلم أنا منه . وصحح بعضهم هذه الرواية ، ورجحها . وروي : فأسلم يعني القرين أنه انتقل من حال كفره إلى الإسلام ، فصار لا يأمر إلا بخير ، كالملك . وهو ظاهر الحديث . ورواه بعضهم : فاستسلم . وفقه الله : فإذا كان هذا حكم شيطانه وقرينه المسلط على بني ، فكيف بمن بعد منه ، ولم يلزم صحبته ، ولا أقدر على الدنو منه ؟ . وقد جاءت الآثار بتصدي الشياطين له في غير موطن ، رغبة في إطفاء نوره ، وإماتة نفسه ، وإدخال شغل عليه ، إذ يئسوا من إغوائه فانقلبوا خاسرين ، كتعرضه له في صلاته ، فأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأسره . ففي الصحاح : قال أبو هريرة ، عنه - صلى الله عليه وسلم - : إن الشيطان عرض لي . عبد الرزاق : في صورة هر ، فشد علي يقطع علي الصلاة فأمكنني الله منه ، فذعته . ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا تنظرون إليه ، فذكرت قول أخي سليمان رب اغفر لي وهب لي ملكا \[ ص : 35 \] الآية ، فرده الله خاسئا أبي الدرداء عنه - صلى الله عليه وسلم - : إن عدو الله إبليس جاءني بشهاب من نار ليجعله في وجهي والنبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة ، وذكر تعوذه بالله منه ، ولعنه له ، ثم أردت آخذه ، وذكر نحوه ، وقال : لأصبح موثقا يتلاعب به ولدان أهل وكذلك في حديثه في الإسراء ، وطلب عفريت له بشعلة نار ، فعلمه ما يتعوذ به منه ، ذكره في الموطأ ، ولما لم يقدر على أذاه بمباشرته تسبب بالتوسط إلى عداه ، كقضيته مع في الائتمار بقتل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وتصوره في صورة الشيخ النجدي . ومرة أخرى في غزوة بدر في صورة سراقة بن مالك ، وهو قوله : وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم \[ الأنفال : 48 \] الآية . . ومرة ينذر بشأنه عند بيعة العقبة وكل هذا فقد كفاه الله أمره ، وعصمه ضره ، وشره . وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : إن - عليه السلام - كفي من لمسه ، فجاء ليطعن بيده في خاصرته حين ولد ، فطعن في الحجاب وقال - صلى الله عليه وسلم - حين لد في مرضه ، وقيل له : خشينا أن يكون بك ذات الجنب فقال : إنها من الشيطان ولم يكن الله ليسلطه علي فإن قيل : فما معنى قوله تعالى - : وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله \[ الأعراف : 200 \] فقد قال بعض المفسرين : إنها راجعة إلى قوله : وأعرض عن الجاهلين \[ الأعراف : 199 \] ، ثم قال : وإما ينزغنك ، أي يستخفك غضب يحملك على ترك الإعراض عنهم فاستعذ بالله - تعالى - . وقيل : النزغ هاهنا الفساد ، كما قال - تعالى - : من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي \[ يوسف : 100 \] . وقيل : ينزغنك : يغرينك ، ويحركنك . والنزغ : أدنى الوسوسة ، فأمره الله - تعالى - أنه متى تحرك عليه غضب على عدوه ، أو رام الشيطان من إغرائه به وخواطر أدنى وساوسه ، لم يجعل له سبيل إليه أن يستعيذ منه ، فيكفى أمره ، ويكون سبب تمام عصمته ، إذ لم يسلط عليه بأكثر من التعرض له ، ولم يجعل به قدرة عليه . وقد قيل في هذه الآية غير هذا . وكذلك لا يصح أن يتصور له الشيطان في صورة الملك ، ويلبس عليه ، لا في أول الرسالة ، ولا بعدها . والاعتماد في ذلك دليل المعجزة ، بل لا يشك النبي أن ما يأتيه من الله الملك ورسوله حقيقة إما بعلم ضروري يخلقه الله له ، أو ببرهان يظهره لديه ، لتتم كلمة ربك صدقا وعدلا ، لا مبدل لكلماته .

وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته \[ الحج : 52 \] الآية . . فاعلم أن للناس في معنى هذه الآية أقاويل منها السهل ، والوعث والسمين ، والغث وأولى ما يقال فيها ما عليه الجمهور من المفسرين : أن التمني هاهنا التلاوة ، وإلقاء الشيطان فيها إشغاله بخواطر وأذكار من الدنيا لليالي حتى يدخل عليه الوهم والنسيان فيما تلاه ، أو يدخل غير ذلك على أفهام السامعين من التحريف وسوء التأويل ما يزيله الله ، وينسخه ، ويكشف لبسه ، ويحكم آياته . وسيأتي الكلام على هذه الآية بأشبع من هذا إن شاء الله . وقد حكى إنكار قول من قال بتسليط الشيطان على ملك وغلبته عليه ، وأن مثل هذا لا يصح . وقد ذكرنا قصة مبينة بعد هذا ومن قال : إن الجسد هو الولد الذي ولد له . أبو محمد مكي في قصة أيوب : وقوله : أني مسني الشيطان بنصب وعذاب \[ ص : 41 \] إنه لا يجوز لأحد أن يتأول أن الشيطان هو الذي أمرضه ، وألقى الضر في بدنه ، ولا يكون ذلك إلا بفعل الله وأمره ، ليبتليهم ويثيبهم . مكي : وقيل : إن الذي أصابه به الشيطان ما وسوس به إلى أهله . فإن قلت : فما معنى قوله - تعالى - عن يوشع وما أنسانيه إلا الشيطان \[ الكهف : 63 \] . وقوله عن يوسف فأنساه الشيطان ذكر ربه \[ يوسف : 42 \] . وقول نبينا - صلى الله عليه وسلم - ، حين نام على الصلاة يوم الوادي : إن هذا واد به شيطان وقول - عليه السلام - في وكزته : هذا من عمل الشيطان \[ القصص : 15 \] . فاعلم أن هذا الكلام قد يرد في هذا على مورد مستمر كلام العرب في وصفهم كل قبيح ، من شخص أو فعل بالشيطان أو فعله ، كما قال - تعالى - : طلعها كأنه رءوس الشياطين \[ الصافات : 65 \] . فليقاتله فإنما هو شيطان وأيضا فإن قول لا يلزمنا الجواب عنه ، إذ لم يثبت له في ذلك الوقت نبوة مع ، قال الله - تعالى - : وإذ قال موسى لفتاه \[ الكهف : 60 \] . والمروي أنه إنما بعد موت ، وقيل : قبيل موته . كان قبل نبوته بدليل القرآن . وقصة قد ذكر أنها كانت قبل نبوته . وقد قال المفسرون في قوله - تعالى - : فأنساه الشيطان \[ يوسف : 42 \] قولين : أحدهما : أن الذي أنساه الشيطان ذكر ربه أحد صاحبي السجن ، وربه الملك ، أي أنساه أن يذكر للملك شأن - عليه السلام - . وأيضا فإن مثل هذا من فعل الشيطان ليس فيه تسلط على ويوشع بوساوس ، ونزغ ، وإنما هو بشغل خواطرهما بأمور أخر ، وتذكيرهما من أمورهما ما ينسيهما ما نسيا . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : إن هذا واد به شيطان . فليس فيه ذكر تسلطه عليه ، ولا وسوسته له ، بل إن كان بمقتضى ظاهره فقد بين أمر ذلك الشيطان بقوله : إن الشيطان أتى بلالا ، فلم يزل يهدئه كما يهدأ الصبي حتى نام فاعلم أن تسلط الشيطان في ذلك الوادي إنما كان على بلال الموكل بكلاءة الفجر . هذا إن جعلنا قوله : تنبيها على سبب النوم عن الصلاة . وأما إن جعلناه تنبيها على سبب الرحيل عن الوادي ، وعلة لترك الصلاة به ، وهو دليل مساق حديث زيد بن أسلم فلا اعتراض به في هذا الباب ، لبيانه وارتفاع إشكاله . الْفَصْلُ الرَّابِعُ : الْعِصْمَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ

يؤدي اجتماع هذه الموضوعات إلى معنى مركزي في باب الرسالة: الثقة في المبلِّغ. فالوحي يحتاج إلى رسول محفوظ في أداء ما كلف به، والعلم الذي يبلغه يحتاج إلى مصدر يعلو على التجربة الشخصية، والأخبار التي تتصل بالمستقبل أو بالعالم الغيبي تبقى منسوبة إلى إعلام الله، لا إلى دعوى استقلال بشري بالغيب. ومن خلال هذا التوازن يصوغ القاضي عياض مفهوم الأمانة النبوية: اصطفاء، وتعليم، وحفظ، وتأييد، ثم بلاغ للناس. وهذا هو المعنى الذي يجعل دلائل العلم والعصمة جزءًا من صميم الحديث عن الرسول لا ملحقًا منفصلًا عنه.

المصدر: القاضي عياض، «الشفا بتعريف حقوق المصطفى».