عام الحزن وتقارب وفاة أمنا السيدة خديجة وأبي طالب
يثبت أصل الخبر وجود مال تجاري لأمنا السيدة خديجة وتكليف النبي قبل البعثة بالخروج فيه. وجودها يفسر سياق التعارف العملي السابق للزواج ويكشف أن أمنا السيدة خديجة كانت صاحبة مال تتصرف فيه. ويتصل بذلك أن يذكر محب الدين الطبري أن النبي خرج مرة ثانية إلى الشام مع ميسرة في تجارة لخديجة، وأن الراهب تحدث عن شأنه، وأن ميسرة أخبر خديجة بما رأى. ينبغي عدم الخلط بين هذه الرحلة وبين رحلة النبي الأولى مع أبي طالب في صباه. وموقع ميسرة في القصة وظيفي: هو حلقة بين رحلة التجارة وبين معرفة خديجة بما جرى خارج مكة. هناك تستدل خديجة بخصاله بعد نزول الوحي، وهنا تنقل كتب السيرة أن سمعته بالأمانة والصدق كانت من مقدمات العلاقة والزواج.
ويظهر في هذا الملف أن أمنا السيدة خديجة، في الأخبار المتعلقة بالزواج كما في خبر بدء الوحي، ترتبط بتقييم أخلاقي للنبي قبل النبوة. وعند جمع هذه الأخبار، يذكر ابن قنفذ أن أمنا السيدة خديجة كانت أول أزواج سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه تزوجها وهو في الخامسة والعشرين من عمره على الرواية التي اختارها. هذا الاتفاق في الإطار العام يسمح بتثبيت عناصر أساسية: الزواج كان بمكة قبل النبوة، سبق سائر زيجات النبي، واستمر حتى وفاة أمنا السيدة خديجة. وفي امتداد هذه الصورة، تتأثر الحسابات الدقيقة بالخلاف في عمر النبي عند الزواج وتاريخ البعثة وتاريخ وفاة أمنا السيدة خديجة. ومن جهة أخرى، تذكر كتب السيرة حصار بني هاشم في الشعب لسنوات، وتأتي وفاة أمنا السيدة خديجة بعد الخروج منه في التسلسل الذي تعرضه بعض المصادر.
تضع بعض كتب السيرة الخروج من حصار الشعب قبل وفاة أبي طالب وأمنا السيدة خديجة رضي الله عنها بمدة قصيرة نسبيًا. ويتصل بذلك أن تقترن وفاة أمنا السيدة خديجة رضي الله عنها في الذاكرة السيرية بوفاة أبي طالب في المرحلة المعروفة بعام الحزن. ومن جهة أخرى، تجعل مصادر من وفاة أبي طالب سابقة لوفاة أمنا السيدة خديجة، لكنها تختلف في مقدار الفاصل. وفي امتداد هذه الصورة، يذكر ابن الملقن أن وفاة أمنا السيدة خديجة كانت قبل الهجرة بثلاث سنين. وعند جمع هذه الأخبار، ينقل ابن جماعة أن وفاة أمنا السيدة خديجة كانت في رمضان، ويذكر تحديدًا لعشر خلون منه في إحدى الروايات.
أما من جهة التسلسل التاريخي، تذكر بعض كتب السيرة أن وفاة أمنا السيدة خديجة كانت قبل تشريع صلاة الجنازة بصورتها المعروفة. أنهت وفاة أمنا السيدة خديجة مرحلة طويلة من حياة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم امتدت من قبل البعثة إلى سنوات المعارضة. ويتصل بذلك أن بعد وفاة أمنا السيدة خديجة رضي الله عنها تزوج سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة، مع وجود اختلاف في ترتيب العقد على سودة وعائشة في بعض المصادر. ومن جهة أخرى، تتفق المصادر على أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لم تدخل حياة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم زوجةً إلا بعد وفاة أمنا السيدة خديجة، لكنها تختلف في ترتيب عقد عائشة وسودة.
يمتاز «الغرر والدرر» في المادة المفحوصة بإظهار عدد من الاختلافات: من تولى إنكاح خديجة، عمر النبي عند الزواج، زمن وفاتها بالنسبة إلى الهجرة، والمدة بينها وبين وفاة أبي طالب. ومن جهة أخرى، تتعدد الأخبار في مقدار ما بين وفاة أمنا السيدة خديجة والهجرة، وفي الفاصل بينها وبين وفاة أبي طالب، وفي الشهر المحدد. يذكر محب الدين الطبري خروج النبي وأهل بيته من الحصار ثم وفاة أبي طالب، ثم وفاة خديجة بعده. يمكن القول إن الروايات المفحوصة تقدم وفاة أبي طالب ثم خديجة، أما تحديد عدد الأيام فيحتاج إلى عرض الأقوال.
حدود المادة: هذا التفريع مستقل بموضوعه، لكنه لا يحول الإشارة المصدرية القصيرة إلى سرد موسع من عند المحرر. تُحفظ في هذا المحور ألفاظ الثبوت والخلاف كما هي، ويُترك ما يحتاج إلى استرداد أصل حديثي أو سيري أو مقارنة أوسع في درجة «قيد الاستكمال» بدل الجزم به.
المصادر داخل الماستر
- محب الدين الطبري، خلاصة سير سيد البشر.
- ابن قنفذ، وسيلة الإسلام بالنبي عليه الصلاة والسلام.
- ابن الملقن، غاية السول في خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم.
- عز الدين ابن جماعة، الغرر والدرر في سيرة خير البشر.























